← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية من صفحات الجهاد السياسي التي نطالعها في سيرة الإمام محمد الخضر حسين: حرصه على الدعوة إلى اتحاد الأمة، والعمل على جمع الأفراد في جمعيات تكسبهم قوة. وما تحققه الجماعة لا يحققه الواحد. أسس الإمام "جمعية تعاون جاليات أفريقيا الشمالية" سنة ١٣٤٢ هـ - جوان حزيران ١٩٢٤ م، وسنَّ قانوناً لها. ويقول عنها الإمام: "تأسست هذه الجمعية لتنهض بجاليات أفريقيا الشمالية؛ حتى يسيروا مع إخوانهم المصربين جنباً إلى جنب، يسايرونهم في أفكارهم، في آدابهم، في معارفهم، في كل شأن من شؤون حياتهم الاجتماعية الراقية، وكذلك يجب على كل جالية تعيش بين قوم ناهضين، وكذلك يجب على كل جالية تعيش في بيئة هي أوسع من أوطانها حرية واحتمالاً للمشروعات الإصلاحية. وللدعوة إلى المنافسة في الخير، والمسابقة في حَلْبة الشرف والسعادة، طرقٌ شتى، ومن أقربها، وأبلغها أثراً: إلقاء محاضرات تتمثل فيها سيرة رجال أدركوا بصفاء ألمعيتهم، وكبر هممهم مكانةً راسخة، وسمعة فائقة" (١).

стр. 4167

وقد ساهمت الجمعية في نشاط ثقافي (١)، وشكلت لجنة لنشر آداب أفريقيا الشمالية. وكانت هيئتها الإدارية على الشكل التالي: - الإمام محمد الخضر حسين - تونس - رئيساً. - الأستاذ طاهر محمد التونسي - تونس - عضواً. - المحامي محمد عبد الوهاب - المغرب - عضواً. - الدكتور عبد العزيز قاسم - المغرب - عضواً. - الأستاذ محمد الرزقي - الجزائر - عضواً. - الدكتور محمد عبد السلام العيادي - الجزائر- عضواً. - الأستاذ محمد التهامي نصر - ليبيا - عضواً. - الأستاذ عبد الله الكافي - ليبيا - عضواً. واتخذت من عيادة الدكتور عبد العزيز قاسم الكائنة في القاهرة - السبع قاعات البحرية بالسكك الحديدية مقراً لها (٢).

стр. 4168

جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية من صفحات الجهاد الإسلامي التي خطها الإمام، وأضافها إلى سجله المشرق في مقارعة الاستعمار الفرنسي: دعوته لتنظيم جاليات المغرب العربي المقيمة في القاهرة في جبهة واحدة متراصة، غايتها الدفاع عن شعوب شمال أفريقيا: تونس، والجزائر، والمغرب، وليبيا (١). نظر الإمام محمد الخضر حسين إلى حال دول شمال أفريقيا، وما آلت إليه الأمور على يد المستعمر الفرنسي من محاربة شرسة عنيفة للغة القرآن، ونشر ويلات الجهل والفقر، و (فَرْنَسة) المعاهد العلمية والمؤسسات الحكومية،

стр. 4169

ونقل البلاد إلى الجنسية الفرنسية من عروبتها وإسلامها، وتحويل المساجد إلى ثُكنات عسكرية، وجعل شعوبها في مذلة ومهانة الاحتلال البغيض، بعد أن كسرت فرنسا الأقلام الحرة، وكممت الأفواه، ولم تعد الآذان تسمع إِلا قرقعة السلاح، والدعوات إلى اعتناق الأفكار الأجنبية الخبيثة، وطرح مكارم الأخلاق، وفي اعتقادهم أن هذا الأسلوب يقود المغرب إلى أن يصبح قطعة من فرنسا، ولم يعلموا -قاتلهم الله- أن القرآن حافظ للغة، وأن الإسلام سيبقى إلى اليوم المشهود. نظر إلى هذا كله، فلم يطق صبراً، وخفقت الروح بين جنبيه تدعوه إلى العمل (١). والإمام أكثر الناس شعوراً بإرهاب فرنسا وتعذيبها وجرائمها، وقد لاحقته من مطلع حياته في تونس، إلى دمشق، وإستنبول، وبرلين، ثم إلى دمشق والقاهرة، وحكمت عليه بالإعدام، وأمرت بمصادرة أمواله في تونس "ولم تكن لديه أموال". لبت الجاليات المغربية دعوته المباركة، والتفت حول الإمام في مشهد رائع، وأنشأ جبهة تدعى (جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية)، ومقرها في

стр. 4170

دار "جمعية الهداية الإسلامية" في القاهرة (١)، ولم تتخذ لنفسها مكتبًا مستقلاً في البناءة حفظاً على مال الجبهة مع قلته، وفي بناء "جمعية الهداية الإسلامية" متسع لكل عمل إسلامي نبيل. - عقدت الجبهة اجتماعها الأول في شهر ذي الحجة ١٣٦٣ هـ، وتم انتخاب هيئة المكتب والأعضاء كما يلي (٢): هيئة المكتب * فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين: عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية - رئيس * الأمير مختار الجزائري: رئيس لجنة الدفاع العليا عن الجزائر - نائب رئيس * نجيب بك برادة: عضو مجلس الشيوخ - نائب الرئيس * الأستاذ الفضيل الورتلاني: سكرتير لجنة الدفاع عن الجزائر - سكرتير عام * الأستاذ أحمد بن المليح: ماجستير بكلية الآداب - سكرتير مساعد

стр. 4171

* الأستاذ محسن مصطفى بيرم: ليسانسيه بكلية الحقوق - سكرتير مساعد * السعيد أفندي عمر بن فايد: من كبار التجار - أمين المال * أحمد أفندي السعدي: من التجار - سكرتير مالى * مصطفى بك بيرم: مستشار بالمحكمة المختلطة سابقاً - مستشار * محمود بك الطوير: مستشار قضائي سابقاً - مستشار * الدكتور العيادي: مدرس بكلية الطب - مستشار الأعضاء الشيخ إسماعيل علي - مدرس بمعهد القاهرة الشيخ السعدي محمود - مدرس بمعهد القاهرة الشيخ إبراهيم أطفيش - موظف بدار الكتب المصرية حمودة أفندي بن فايد - من كبار التجار الشيخ عبد الله الصديق - من العلماء الحاج حسن التلمساني - تاجر الأستاذ العربي البناني - ماجستير بكلية الآداب

стр. 4172

الأستاذ الصديق سعدي - ليسانسيه بكلية الآداب الأستاذ مهدي صابر - تخصص التدريس الأستاذ عبد الكريم بن ثابت - كلية الآداب الشيخ الهلالي محمد - من العلماء أحمد أفندي بن دربال - موظف ببنك مصر وانتخبوا بالإجماع للتمثيل والاستشارة في جامعة الدول العربية الآتية أسماؤهم: مفوضين فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين - نجيب بك برادة الأستاذ الفضيل الورتلاني - الدكتور العيادي مستشارين نجيب بك برادة الدكتور العيادي وسينتخب عضو ثالث عن مراكش. وجاء في النداء الأول للجبهة، الذي يشير إلى فرنسا وجرائمها: "وما ارتكبته هناك من فضائح التنكيل والتقتيل، لما زاد الوطنبين حماسة لقضيتهم، وقوى اتجاههم إلى العمل لتحرير أوطانهم. وقد عرف صدق عزيمتهم جاليات في مصر من أبناء تلك البلاد، فأنشؤوا جبهة تدعى: "جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية"؛ لتكون عوناً لتلك الشعوب على بسط قضيتهم للعالم الاسلامي، وتتولى الدفاع عنها بيقظة وحزم، وتعمل لهز العواطف

стр. 4173

النبيلة في نفوس الأمم الإسلامية، حتى يشدوا أزرنا في العمل لتحرير (١) وإسعاد خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، وإنقاذهم من الاندماج في الجنسية الفرنسية، وانقلابهم إلى الديانة النصرانية وهما الغرضان اللذان تعمل لهما فرنسا ليلها ونهارها". عملت الجبهة أقصى ما يمكنها للتعريف في قضايا المغرب، وعقدت المؤتمرات واللقاءات مع المسؤولين العرب والمسلمين، وشرحت للناس كافة في المشرق ما تتعرض له شعوب المغرب، وحفزت الهمم، وكشفت جرائم فرنسا وخططها الدنيئة أمام الرأي العام في بلاد لم تكن تسمع عن المغرب العربي إِلا اسمه. بذلت الجبهة وسعها في خدمة قضايا المغرب، وكانت أعمالها ومواقفها المشرفة، ومحاضراتها ونشرياتها ومساعيها مع ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلامية دعماً قوياً لحركات الاستقلال في المغرب (٢).

стр. 4174

لم يضن بوقته أو مكانته في الأوساط الحكومية والعلمية في مصر من أجل غايات الجبهة وتحقيق أغراضها، الجبهة التي ضم عقدها ثلة من أفاضل القوم، والتف حولها كل مغربي منصف صادق لا يهدف إلى كسب دنيوي، أو سمعة زائفة، أو تزاحم، بل وصراع على الشهرة وخطف الأضواء للوصول إلى كرسي الحكم بأي ثمن. وفي مثل هذا السباق المشين تضيع قضايا الأمة. قاد الإمام محمد الخضر حسين جبهة الجهاد بكل حزم وإيمان وحب للوطن؛ "فقد كان شديد الاهتمام بوطنه، حريصاً على تتبع حالته والاتصال بأبنائه، وإعانتهم في كل الميادين العلمية والسياسية، حتى الشخصية، وكان بيته كعبة للتونسبين القادمين إلى القاهرة للزيارة أولاً، والإعانة إذا دعت الحاجة إلى ذلك ثانياً، كما قدم خدمات جليلة للقضية التونسية، فسخر مكانته العلمية والثقافية من أجل مساعدة المدافعين عن هذه القضية؛ من حيث التعريف بهم لدى السلطات المصرية، والهيئات والمسؤولين العرب العاملين بالقاهرة" (١).

стр. 4175

وانضم إلى الجبهة أكثر اللاجئين السياسيين المقيمين في مصر، ونخبة من المناضلين المغاربة من الحزب الحر الدستوري التونسي، وجمعيات العلماء المسلمين الجزائربين، وحزب الشعب الجزائري، وعدد من المستقلين والعاملين في الدعوة الإسلامية، أمثال: الفضيل الورتلاني، ومحيي الدين القليبي. ومن المؤازرين لها: أحمد تيمور باشا ﵀. لم يرق لبعض السياسيين أن تستمر الجبهة برئاسة شيخ يلبس الزي الأزهري، ويضع على رأسه العمامة، ويخاف الله في السر والعلن، ويجعل من قضايا المغرب العربي قضايا إسلامية بالمرتبة الأولى. ووجدوا أنفسهم في الصفوف الخلفية من الاستعراضات أمام عدسات التصوير وفي المنتديات والنوادي. ولم يكن ممكناً أن ينزعوه من رئاسة الجبهة؛ لمكانته السامية في قلوب المغاربة والمصربين على سواء. فعمدوا إلى الانشقاق عنها ومحاربتها، وإقامة منظمات أخرى، وتنازعوا، وذهب ريحهم، وتفرقوا إلى مكاتب، وتفرق المكتب إلى تكتلات. مما لا فائدة ترجى من تفصيله هنا. رأى الإمام أن هذا الصراع بؤرة فاسدة لا تؤدي إلى خير، وأنه هو الشيخ الوقور، والعالم الزاهد، والمجاهد الصامت، لا يعنيه مثل هذا التكالب والتناطح، ووجد نفسه أنه قد أدى الأمانة، ونصح الأمة، وفي جعبته أعمال جليلة أخرى يخدم بها رسالة الجهاد والإسلام (١).

стр. 4176

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4177

يقول الأستاذ عبد القادر سلامة عن الإمام: "كان ﵀ علَماً من أعلام الإسلام، وكان تعريفاً وتشريفاً للتونسيين وجامع الزيتونة، ومفخرة للمغرب الإسلامي كله، كان خلقه قبساً من شمائل النبوة، ومشكاة من هدي القرآن" (١).

стр. 4178

الإمام محمد الخضر حسين والرئيس الحبيب بورقيبة كثيراً ما تجنبت الخوض في الحديث عن طبيعة العلاقة بين الإمام وبورقيبة؛ لأن هذه الأحاديث لا تقدم أو تؤخر في مكانة الإمام العلمية، وليس من فائدة ترجى من وراء إذاعتها ونشرها. وكثيراً ما أصر رجال الفكر والأدب -وخاصة في تونس- أن أقول ما عندي، وأخرج ما في جعبتي، فكنت أعتذر، وأصر على الاعتذار بما يزيد على إصرارهم. من الواجب عليَّ أن التزم برغبة الإمام التي أعربَ عنها مرات ومرات أن لا تنشر مذكراته التي أعدها تحت عنوان: "مراحل الحياة" في ثلاثة أجزاء. وعندما اقترح عليه بعض العلماء في القاهرة نشر هذه المذكرات قال لهم: "لقد فكرت في نشرها أو عدم نشرها، واستخرت الله، ووجدت أن نشرها يعتبر حديثاً عن النفس، وفيه تزكية لنفسي، وأنا لا أريد أن أزكي نفسي، وليستفد من شاء بما شاء من كتاباتي" (١)، ومذكراته ﵀ تناول فيها الحديث عن رجال السياسة في عصره. سواء في تونس وسورية ومصر،

стр. 4179

وفيها عبارات صريحة لا ترضي المزيفين من رجال السياسة والعلم والتاريخ. ولكن أجدني مضطراً لتصحيح وقائع تاريخية، حرّفها من صورها في محاضراته، وتحدث فيها عن بطولاته، ونشرت عبر وسائل الإعلام والصحف والكتيبات، وما أردت بهذا التصحيح أن أخرج عن طاعة الإمام، لولا أن الرئيس بورقيبة لم يقل ما يجب أن يقال، والحق أحق أن يتبع. زرت تونس للمرة الأولى، ودخلتها براً من مدينة "بن غردان" في ٨/ ١١/ ١٩٥٧ م، وغادرتها جواً من مطار "العوينة" في ١٧/ ١١ / ١٩٥٧ م. وقد شجعني على هذه الزيارة سماحة العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، الذى كان يعاملنا كأبنائه، نتيجة المحبة الصادقة القائمة بينه وبين سيدى الوالد زين العابدين، وكان يرأس مكتب جمعية العلماء الجزائريين في القاهرة. وطلب من بعض العاملين في الحركة الوطنية الجزائرية أن يرفدوني رفيقاً لهم في رحلة برية عبر ليبيا إلى مدينة تونس، وكانوا في مهمة لنقل المعونات إلى جبهة التحرير. وسعدت بتلك الرحلة التي واصلت سيرها ليلاً نهاراً، وكنت في رفقة المناضل العالم الشيخ العباس بن الحسين الذي استلم في آخر حياته إماماً لمسجد باريز. نزلنا في فندق متواضع في نهج قرطاج، وفي اليوم التالي اتصلت بالعلامة البحر الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، مفتي الجمهورية التونسية، ولمست من سعادته وابتهاجه في وجودي بتونس ما أكد لي الصداقة النادرة التي كانت تربط العم الإمام محمد الخضر حسين بالإمام محمد الطاهر بن عاشور، الذى تشرفت وتباركت بلقائه في قصر آل عاشور بالمرسى بتونس على حفل عشاء خاص. ووجد علماء تونس ورجالها في شخصي ممثلاً للإمام

стр. 4180

ومن عائلته، فلقيت من التكريم ما لا قدرة لي على وصفه أو شكره في آن واحد. أنبأ العلامة محمد الفاضل بن عاشور الرئيس بورقيبة عن وصول فرد من عائلة الإمام محمد الخضر حسين، وكأني بالشيخ الفاضل قصد تكريم الإمام من خلال الاهتمام بي، لاسيما وأن هناك مشاورات قائمة لزيارة الإمام إلى تونس. انتقلت إلى فندق (تونسيان بلاس) أفخم فندق آنذاك، ويضيافة الرئاسة، والتقيت بالرئيس بورقيبة في قصر قرطاج برفقة شيخنا الفاضل بن عاشور، وكان اللقاء مدة جرت فيها ذكريات عن الإمام الخضر، والرئيس بورقيبة، واستمعت منه لأقوال - صادقة عن جهاد الإمام وفضله وعلمه، وما قدمه لتونس من سمعة راقية في العالم الإسلامي. وللتاريخ أقول: إن الرئيس بورقيبة في ذاك المجلس الخاص أبان عن مكانة عظيمة يكنها ويحفظها في صدره للإمام، وما قدمه له شخصياً من مساعدات أثناء دخوله مصر. ولكن يبدو أن للسياسة أخلاقاً خاصة بها ... وها هو الحبيب بورقيبة يتحدث عن الإمام في إحدى محاضراته عام ١٩٧٣ م، فيقول عن رحلته إلى القاهرة عام ١٩٤٥ م عندما وقع اعتراضه من قبل السلطات على الحدود الليبية المصرية؛ لعدم وجود جواز سفر في حوزته: "لكني وجهت برقيات إلى السيد عبد الرحمن عزام الأمين العام للجامعة العربية في تلك الفترة، وإلى الشيخ الخضر بن الحسين، وهو أصيل منطقة الجريد بتونس، شغل منصب شيخ الأزهر في عهد اللواء نجيب، وكان يرأس جمعية الدفاع عن

стр. 4181

شمال أفريقيا، وطلبت منهما أن يقوما بعمل يمكنني من الحصول على صفة لاجئ سياسي، ومن السماح لي بالعمل ... ". ولم يتحدث بورقيبة صراحة أن الإمام قام بمساعي حميدة، وتعهده الشخصي لدى اللواء صالح حرب باشا، ووزارة الداخلية؛ مما سهل وصوله إلى القاهرة، وبكل تكريم، وإقامته في دار الإمام المتواضعة الليلة الأولى، وانتقاله للمبيت في اليوم التالي إلى غرفة خاصة لدى إحدى الجمعيات الإسلامية أعدها له الإمام. وفي مواضع أخرى من المحاضرة يقول بورقيبة: "وفي يوم من الأيام اتصلت بي سفارة فرنسا في القاهرة، وعرضت عليَّ الاتصال بها، وإجراء حوار للتفاهم، فلبيت الرغبة مؤكداً أني دوماً على استعداد للتفاهم. وتقابلت مع (الكابيتان سوليي) مستشار السفارة ... فسلمت له تقريراً يظهر أنه نال إعجابه؛ نظراً لصيغته المعقولة ... وبعد مدة اتصل الشيخ الخضر بن الحسين بجماعة ليقول لهم: إن الأنباء متواترة عن اتصال سي الحبيب بالسفارة الفرنسية، والتواتر يفيد القطع. فقلت له: أنا أعرف فرنسا، وأعرف سجونها التي لا تعرفها أنت ... " أضع هذه الكلمات تحت النظر دون تعليق. ولكن أقول كلمات: إن اتصال بورقيبة بالفرنسيين بالقاهرة كان السبب في إخراجه من جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية، وكتفي بهذه العبارات؛ لأن التوسع فيها يوصل إلى طريق الخروج عن رغبة الإمام في عدم التعرض لمذكراته. وفي أوراق الإمام أحداث وأحداث ليته سمح بنشرها - رضوان الله عليه -. ومن الوفاء للتاريخ أن أقول: إن الرئيس بورقيبة أوعز إلى السفارة

стр. 4182

التونسية بالقاهرة يوم وفاة الإمام في ٣ رجب ١٣٧٧ هـ الموافق ٣ فبراير شباط ١٩٥٨ م بنقل جثمانه الطاهر إلى تونس. ليُوارى الثرى هناك في الأرض التي أحبها وأحبته، وأوعز إلى السفارة بنعيه بقولها: "كان رحمة الله عليه - من المجاهدين الأوائل الذين أرسوا دعائم الحركة الوطنية التونسية، وممن شردهم الاستعمار عن وطنهم، فهاجر يحمل صوت بلاده إلى مختلف الأقطار، حتى استقر به الطواف في مصر الشقيقة؛ حيث واصل نشاطه في سبيل الإسلام والعروية. ﵀ واسعة، وأقر عين الإسلام والعروبة بما كان الشيخ الخضر يأمله لهما" (١).

стр. 4183

جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية (١) برقية أرسلت إلى كل واحد من وزراء خارجية الدول الخمس: إنكلترا، وأمريكا، وروسيا، والصين، وفرنسا. بمناسبة اجتماعكم للنظر في مصير الشعوب، وأمامكم الهدف السامي الذي هو بناء سلام عام تسعد به الأمم قاطبة، تذكر جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية مؤتمركم الموقر بأن في شمال أفريقيا: تونس، والجزائر، ومراكش نحو خمسة وعشرين مليوناً من العرب، سيشاركونكم في بناء السلام العام، متى ساعدتموهم على التخلص من الاستعمار الجائر، وأصبحوا يديرون شؤونهم السياسية بأيديهم. رئيس الجبهة محمّد الخضر حسين

стр. 4184

مع رئيس جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا لحضرة الأستاذ مندوب مجلة مصر الفتاة (١) أقامت جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا التي يرأسها فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين مأدبة شاي في دار (الهداية الإسلامية)، وقد حضر الحفل كثير من حضرات إخواننا العرب المهتمين بالشؤون العربية، كما حضره الصحفيون، ويعض أعضاء مجلس النواب، وقد خطب في هذا الحفل حضرات الأساتذة: رئيس الجبهة، وأحمد السعدي، والفضيل الورتلاني، وأحمد الحصري "نائباً عن الأستاذ أحمد حسين رئيس مصر الفتاة)، والنائب المحترم محمد حنفي الشريف. وقد دار الحديث بين فضيلة رئيس الجبهة ومندوينا عما يهم قضية شمال أفريقة ملخصاً في هذا الحديث: س - يقول كثير من المتتبعين لشؤون السياسة: إن شمال إفريقيا خلق للاستعمار، فهو للآن لم يتخذ لنفسه خطة الدول التي تريد الحرية، ويضربون المثل لما حدث بعد هذه الحرب من انقيادهم لفرنسا رغم ضعفها، فما رأيكم؟

стр. 4185

ج - إذا صح أن يكون في الشعوب من خُلق للاستعمار، فإن شمال إفريقيا خلق غير هذا الخلق، وأول بلاد في شمال أفريقيا امتدت إليها يد الاستعمار بلاد الجزائر، وقد قام أهل الجزائر بما في أيديهم من سلاح، واستمروا في دفاع فرنسا نحو سبع عشرة سنة، إلى أن نفد ما عندهم من وسائل الدفاع، ولم يجدوا من غير أنفسهم مناصراً، فاضطروا لذلك الحين إلى ترك القتال، ولكنهم لم يستقروا على مسالمتها، أو يسكتوا عما تحاوله من إدماجهم في جنسيتها، بل كانت ثوراتهم عليها بالسلاح متواصلة، ولم تنقطع هذه الثورات، على شدة ما تقابلها به فرنسا من القتل والنفي والسجن، وآخرها هذه الثورة التي لا تزال أنباؤها تقرع الأسماع، وتشغل جانباً من الصحف الغربية والشرقية. واحتلت فرنسا بعد الجزائر البلاد التونسية بمعاهدة أكرهت سمو الباي على توقيعها، وسمتها حماية، وعلى الرغم من أن الحكومة التونسية، وما تحت يدها من الجنود، لم يدخلوا في حزب فرنسا، قامت بعض المدن والقبائل في وجه الاحتلال بما لديهم من السلاح، واشتبكوا مع فرنسا في مواقع أعربوا بها عن عدم رضاهم بسلطان الأجنبي، وأشهدوا التاريخ على بطولتهم واستهانتهم بالموت في سبيل كرامتهم، ولم يترك التونسيون مقاومة الاستعمار، والسعي وراء استرداد حقوقهم المسلوبة، وكم لاقى زعماء تلك الحركات من سجن واعتقال، وعزل من الوظائف، ونفي في أقصى القطر وخارجه!. واحتلت فرنسا بعد هذا المغرب الأقصى (مراكش) بمعاهدة أمضاها السلطان عبد الحفيظ، وسميت هذه المعاهدة: حماية، ولكن الأمة المراكشية لم تسكن لهذا الاحتلال، وقام فيها زعماء وأحزاب بجهاد، تعرضوا به للعسف

стр. 4186

والتنكيل، وما زال الاحتلال الأجنبي يلاقي منهم الثورات والمجابهة بطلب الاستقلال إلى هذا العهد الأخير. ونحن لا ندري متى بقيت فرنسا الضعيفة وحدها في شمال أفريقيا، والواقع أنها عندما انهزمت في أوائل الحرب، وقفت بجانبها في شمال أفريقيا ألمانيا، وعندما انهزمت ألمانيا، وقفت بجانبها الدول المتحالفة. س - هل تنوون أن ترسلوا وفداً إلى أمريكا ولندن وموسكو يتكلم باسم جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية؟ ج - تود الجبهة لو أنها تتمكن من إرسال وفد إلى تلك العواصم، ولكن ظروفها المالية لا تساعدها على القيام بهذا العمل الذي يرجى نفعه، والحواجز - التي تقيمها حكومة الاحتلال حول شمال أفريقيا - تمنع من أن يصل إلى الجبهة مدد من تلك الشعوب، وإن كانوا يتلقون ما تقوم به الجبهة من جهاد في سبيل قضيتهم بارتياح ونشاط. س - إلى الآن لم تحاولوا أن تبرزوا أي نشاط إِلا نشاطكم في إرسال البرقيات لرئيس الوزارة في مصر ولندن. ج - نشأت الجبهة منذ تسعة أشهر، وقامت بأعمال هي أقصى ما يمكن لجماعة تأخذ بالحزم، وتسير إلى هدفها في يقظة، أن تقوم به. ذلك أنها نبهت الجالية العربية، وكان كثير منهم في غفلة عن حقوق أوطانهم، وجمعت شملهم على المطالبة، ثم حررت مذكرات في أحوال تلك الأقطار الثّلاثة: تونس، والجزائر، ومراكش، أشارت فيها إلى ما تقاسيه من اضطهاد وعدوان، وأخذت تتصل برؤساء الحكومات العربية، وفي مقدمتهم الحكومة المصرية، وتشرح لهم قضية شمال أفريقيا، ولم تدع فرصة تمر حتى تظهر فيها بخدمة

стр. 4187

القضية، وبرقياتها الكثيرة التي أشرتم إليها في سؤالكم، ويعمل رجال الجبهة على الاتصال بكل الشخصيات الذين تبهمهم قضايا العالم الإسلامي والعربي؛ كبعض زعماء الأحؤاب في مصر وغيرها. س - هل تعلقون على الجامعة العربية أملاً في حل قضية الشمال أفريقيا؟ ج - في جامعة الدول العربية رجال التقينا بهم، وعرفنا فيهم العناية بشؤون الشعوب العربية، والحرص على استقلالها سياسة وثقافة واقتصاداً، ووجدنا فيهم عطفاً على قضية شمال أفريقيا، وهم مقتنعون -فيما نفهم- بأن جامعة الدول العربية لا يتم تكوينها التكوين الذي يكسبها القوة والمهابة المنشودتين، حتى نرى الشعوب العربية في شمال أفريقيا متصلة بها اتصال الكف بالمعصم، ومساعدة لها مساعدة الجناح في الطيران للجناح. فما عرفناه في رجال الجامعة، وما اشتمل عليه ميثاقها من أنها ستعنى بشؤون العرب قاطبة، بعثا في نفوسنا شيئاً غير قليل من الأمل في أن الجامعة ستجعل نصيباً من مجهوداتها لشعوب شمال أفريقيا، التي تنظر أن ترى من الجامعة اتجاهاً خاصاً يزيدهم نشاطاً في حركاتهم الوطنية، وسعيهم في تأكيد الصلة بينهم وبين سائر الشعوب العربية. أحمد الحصري

стр. 4188

نداء وبيان من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية (١) لشمال أفريقيا: تونس، والجزائر، ومراكش صحائف يعرضها التاريخ مشرقة بالأعمال التي رفعت لواء الإسلام والعلّم والمدنية، وقد أنبتت تلك الأقطار رجالاً كبرت هممهم، واشتدت عزائمهم، وأصبحوا مُثلاً عليا في الفتح العادل، والعلّم الراسخ، والخلق الكامل، والسياسة الرشيدة، وما زالت تلك الأقطار تتمتع بحريتها، وتعتز بدينها، وتغتبط بمجد أسلافها، حتى هجم عليها بغاة الاستعمار من الفرنسيين، فغلبوها على أمرها، وعملوا على تبديل عرتها ذلة، وكرامتها مهانة، وأصبحت لا ترى منهم إِلا طغاة يسومونها سوء العذاب، ويعملون على أن يقلبوها من قوميتها العربية إلى الجنسية الفرنسية، ومن دين الاسلام إلى نصرانية محرفة، بعد أن حولوا كثيراً من مساجدها إلى كنائس وثكنات لجيوشهم، وحاربوا لغة القرآن الكريم بكل قسوة، ويبذلون ما استطاعوا في أن تعيش تلك الشعوب في جهل مظلم، وفقر مدقع، وتفرق لا يلتقي معه أخ مع أخ في تعاون على خير. يفعلون هذا وقد كتموا أنفاسها، وجعلوا بينها وبين سائر البلاد -إِلا بلاد فرنسا- سدوداً يصعب على أبنائها أن يقتحموها، وينفذوا منها إلى

стр. 4189

مواطن يرفعون فيها أصواتهم بالشكوى، ويصفون تلك الكوارث التي يصبها الاحتلال الفرنسي على رؤوسهم صباحاً ومساء، ولكن أهالي تلك الأقطار، وهم يتجرعون مرارة الاحتلال الغاشم، لا يزدادون إِلا شعوراً بحقوقهم الوطنية، وطموحاً إلى حياتهم الاستقلالية، ويابون أن يعيشوا تحت راية أجنبية إباء لا يزال يدفعهم إلى السعي وراء حريتهم وسيادتهم بكل ما استطاعوا من قوة. وقد يضيق هذا البيان عن ذكر جهادهم، وما كانوا يلاقونه من العسف منذ أنشب الاحتلال الفرنسي والإسباني مخالبه بأوطانهم، وها هم أولاء قد نهضوا اليوم للمطالبة بحقوقهم الوطنية والقومية والمالية، آخذين في مطالبتهم بالطرق المشروعة، معتمدين على قوة حقهم، والتضحية في سبيله بكل عزيز لديهم، ولا يضيع عمل من يجاهد في سعبيل الحق، ولكن فرنسا -كإسبانيا- لا تتعرف في مخاطبة الشعوب الضعيفة إِلا لغة النار والحديد، فلما رأتهم واقفين أمامها موقف المجد في جهاده، الباذل في سبيل حريته كل ما يعز عليه من نفس أو مال، لم تتريث أن أسرعت إلى ما عندها من قوة الطائرات والدبابات والمدافع في البرّ والبحر، وظلت ترسل على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان وابلاً من مقذوفاته الساحقة، لا تأخذها بهم رأفة، ولا ترعى لمناصرتهم لها على أعدائها، ومحاربتهم بجانبها عهداً. وإن ما ارتكبته هنالك من فظائع التنكيل والتقتيل، لمما زاد الوطنيين حماسة لقضيتهم، وقوى اتجاههم إلى العمل لتحرير أوطانهم، وقد عرف صدق عزيمتهم جاليات في مصر من أبناء تلك البلاد، فأنشؤوا جبهة تدعى: "جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية"؛ لتكون عوناً لتلك الشعوب على بسط قضيتهم للعالم الإسلامي، وتتولى الدفاع عنها بيقظة وحزم، وتعمل لهز

стр. 4190

العواطف النبيلة في نفوس الأمم الإسلامية؛ حتى يشدوا أزرنا في العمل لتحرير وإسعاد خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، وإنقاذهم من الاندماج في الجنسية الفرنسية، وانقلابهم إلى الديانة النصرانية، وهما الغرضان اللذان تعمل لهما فرنسا ليلها ونهارها، كما علمت لهما إسبانيا في الأندلس من قبل. فالفرنسيون بشمال أفريقيا -كالإسبانيين- يسيئون إلى الإنسانية والعروبة والإسلام بالاعتداء على أموال تلك الشعوب وأعراضهم ودينهم، وتقتيل عشرات الآلاف منهم، واعتقال عشرات الآلاف من الذين قاموا يطالبون بحقوقهم، ويريدون أن يختفظوا بكيانهم، ثم لا يدخر الفرنسيون وسعاً في العمل لسلخهم من العالم الإسلامي والعربي، وغمسهم في الجنسية الفرنسية. فجبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية بمصر تؤمل من المسلمين في كل بقاع الأرض، أن يغيثوا إخوانهم في تلك البلاد، كلٌّ بما يستطيع. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. اللهم اشهد، فإننا قد بلّغنا. رئيس الجبهة محمّد الخضر حسين

стр. 4191

مذكرة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى مؤتمر جامعة الدول العربية (١) حضرة صاحب السعادة عبد الرحمن عزام بك الأمين العام لجامعة الدول العربية. ترجو جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية من معاليكم عرض هذه المذكرة الوجيزة على مؤتمر الجامعة الموقر، ولنا كبير الأمل في أن تحظى من أنظاره البعيدة المرمى بعناية ضافية، وهي: "إن شعوب إفريقية الشمالية العربية: تونس، والجزائر، ومراكش، طالما قاست من الاحتلال الفرنسي ألواناً من الاعتداء على الأنفس والأعراض والدين والأموال، وطالما حاول الناهضون من رجالها تخفيف شيء من ذلك الاضطهاد الممقوت، فيوجهون الشكوى بعد الأخرى إلى فرنسا نفسها على أمل أن يجدوا من الفرنسيين من يحمل في صدره شفقة على الإنسانية المعذبة، فتخيب آمالهم، بل لا يجدون إِلا من يعد شكواهم طعناً في سياسة الاحتلال، والطعن في تلك السياسة جناية تقابل بالعقوبة في غير رحمة. وكثيراً ما يأخذ أولئك العرب غضبٌ من العسف الذي تغمرهم به فرنسا،

стр. 4192

فينهضون لمكافحته بما في أيديهم من قوة، وييذلون في سبيله دماءهم الغالية، ولا يبالون في كفاحهم ما تفعله بهم تلك الحكومة الباغية من تنكيل وتقتيل. وأقرب كفاح دفعهم إليه دافع الغيرة على حريتهم المسلوبة، وحقوقهم المهضومة، هذه الثورات التي قاموا بها منذ أشهر، بعد أن أشعروا فرنسا بأن صبرهم على عدوانها قد نفد، وانهم لا يرضون إِلا أن يعيشوا كما تعيش الأمم ذات التاريخ المجيد في عزّة وكرامة. كانت تلك الشعوب العربية تحسب أن انهزام الفرنسيين أمام الجيش الألماني، وابتلاءهم بسيطرة الأجنبي على بلادهم، وتجرّعهم غصص الإهانات في ديارهم، قد يذكرهم حال الشعوب التي يدوسون كرامتها بنعالهم، فيخففون من غلوائهم، ويعودون إلى رشدهم، ويقفون في مفاوضة أولئك العرب موقف الحريص على أن يتساوى الناس في الحرية تساويهم في التمتع بالهواء الطلق، وضياء الشمس، ولاسيما شعوباً ساقت منهم جيوشاً كثيرة إلى مواقع القتال، ويذلوا دماءهم في الدفاع عن بلادها، ولكن فرنسا نهضت بفضل الحلفاء من نكبتها، وبدل أن يكون لها في تلك النكبة موعظة، تتحول من عقليتها العتيقة إلى عقلية تحترم المنطق السليم، ولا تجاري الأهواء الجامحة بها إلى غير سبيل، عادت إلى ما عرفت به من معاملة تلك الشعوب معاملة من لم يعترف بأن لهم حقاً في الحياة. ففرنسا الحديثة كفرنسا القديمة، تستأثر بخيرات شمال أفريقية، وتصدرها إلى أوطانها، وتدع رجال تلك الأقطار وولدانهم يتساقطون موتاً في الطرقات، حيث لا يجدون من القوت ما يسد رمقهم. وفرنسا الحديثة استأنفت العمل لقلب جنسية أولئك العرب إلى جنسية

стр. 4193

فرنسية، ونقلهم إلى دين غير دينهم، وإلجائهم إلى أن تكون اللغة الفرنسية لسانهم، حتى تقضي على اللغهْ العربية التي هي مظهر لعربيتهم، إلى غير هذا من وضع الضرائب الفادحة، وتضييق الخناق على الصحف العربية، والانتقام من الزعماء بالزجّ بهم في السجون والمعتقلات، وإقصائهم بالنفي إلى أماكن بعيدة، لا يدري أقوامهم كيف يعذبون فيها، أو كيف يموتون، ولولا خوف الإطالة، لضربنا الأمثال، وسقنا الشواهد على ما نقول. والواقع أن جامعة الدول العربية في غنى عن الإسهاب في الحديث عن مساوئ الاحتلال الفرنسي، فحضرات أعضائها على اطلاع وافٍ وخبرة واسعة من فظاعة ذلك الاحتلال، وتفاقم شروره إلى حد لا يطاق. والذي نريد تذكير أعضاء الجامعة به، ووضعه تحت أنظارهم السديدة: هو أن تلك الشعوب العربية قد امتلأت غيظاً من استعباد فرنسا لها، وأصبحت تشعر بقلب رجل واحد أن لا خير لها في الحياة إِلا أن تتخلص من ذلك الاحتلال الغاشم، وتقف في صفوف الأمم المستقلة جنباً لجنب. وهذا الشعور النبيل الشامل، قد جعلهم مصممين على مواصلة الجهاد في هذه الغاية، فإما أن يعيشوا سعداء، وإما أن يموتوا شهداء. شعرت هذه الشعوب بقوة حقها، فدفعتها الشهامة وإباية الضيم إلى الكفاح في سبيله على توفيق الله - جلَّ شأنه -، وطامحة ببصرها إلى أن ترى من جامعة الدول العربية عملاً يقوي أملها، ويؤكد صلتها بالجامعة، ولاسيما حين استشيرت بما جاء في ملحق ميثاق الجامعة من أنها ستتجه بمعونتها إلى جميع الشعوب العربية، بما يصدر عن أصحاب المعالي: أمين الجامعة العام، ورؤساء الدول العربية، ومندوبيها في مؤتمر الجامعة من تصريحات

стр. 4194

تنبئ بأن قضية شمال أفريقية قد حازت جانباً كبيراً من عنايتهم، وأنهم يعدون تلك الشعوب بمنزلة أحد الجناحين، حيث تمثل الأمة العربية بطائر يتحفز لأن ينهض ويحلق في عنان السماء. وإننا لنقدر ظروف الجامعة قدرها، ولا يفوتنا العلم بما يجب أن نتدرع به من حكمة وتؤدة، وإذا رجونا منها أن تتجه إلى قضية شمال أفريقية بخطوات عملية، فإنا ندع رسم هذه الخطوات وتقديرها إلى يقظة رجالها المجاهدين، وحرصهم على النهوض بها نهضة تسعد بها الشعوب العربية قاطبة. وترى الجبهة أن من الميسور الذي يعد خطوة أولى عملية تعيين طائفة من أبناء شمال أفريقية في إدارة الجامعة ولجانها، ومكتبي الدعاية في لندن وواشنطن. وفي القطر المصري شبّان ينتمون إلى تلك البلاد، وفيهم كفايات ثقافية وخلقية تؤهلهم لأن يشاركوا في العمل للقضية العربية على الخطط التي ترسمها الجامعة. هذا ما نرجو من معاليكم عرضه على مؤتمر الجامعة، ولكم جزيل الشكر. رئيس الجبهة محمّد الخضر حسين

стр. 4195

إلى هيئة الأمم المتحدة (١) أرسلت جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية إلى هيئة الأمم المتحدة في لندن البرقية الآتية: احتلت فرنسا تونس والجزائر ومراكش منذ عشرات من السنين، وجرت في احتلالها على أفظع ما يتخيل من الاستبداد، وما زال سكانيها، وهم وارثو الحضارة العريية الأندلسية يطالبون بحريتهم، فتزداد فرنسا إمعاناً في اضطهادهم، وتلجئهم إلى الثورة عقب الثورة، حتى جاءت هذه الحرب التي أذاقتها مرارة احتلال النازيين لبلادها، كان المنتظر أن تأخذ من ذلك عبرة، وتتخذ مع أولئك العرب الأبطال سياسة الإنصاف، ولكنها تمادت على سياستها القديمة الجائرة، فهم اليوم يلاقون من التقتيل والتنكيل والزج في السجون ما تتفتت له الأكباد، وتثور له نفوس أنصار الحرية غضباً. وجبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية ترجو من عواطفكم الإنسانية، أن تشملوا شمال أفريقية بعناية، وتعملوا لتخليصه من الاستعباد الفرنسي،

стр. 4196

حتى يتمتع بحريته، ويتصرف في شؤون نفسه، ويكون من الأيدي العاملة لتحقيق السلام الشامل لبني الإنسان قاطبة. رئيس الجبهة محمّد الخضر حسين

стр. 4197

المستعمرين هم أعداء الحرية (١) الكلمة التي ألقاها سعادة عبد الرحمن عزام باشا في الحفلة التي أقامتها جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا تكريماً للوفود العربية يوم ٥ أبريل سنة ١٩٤٦ م. حضرة صاحب السمو، حضرات الإخوان المحترمين! طلب منا الأستاذ الورتلاني أن نستجيب دعوته لإلقاء كلمة بشأن المغرب، ولو طلب منا أكثر من الكلام، للبَّينا. إن لي في قوم من المغرب إخواناً يعرفون أنني قد لبيت نداءهم في الماضي، وعرضت نفسي للموت مراراً في سبيل حريتهم، وإن ما ذكره حضرته، وما ذكره الخطباء عن المغرب لم يزدنا علماً، وإنما زادنا ألماً. إن المغرب كما قال أحد الإخوان: هو الجناح الأيسر للأمة العربية، وإن هذه الأمة لا تنهض، ولن تحلق في سماء رسالتها إِلا إذا كان هذا الجناح سليماً. إن الجامعة العربية منذ فجر تأسيسها لن تنسى أن خارجها نصف أبناء العروبة، وهو يشرئبون إليها بأعناقهم، ويرومون أن يتعاونوا معها، ولذلك

стр. 4198

وضعت ملحقاً خاصاً بهم؛ للنظر في شؤونهم، ورعاية مصالحهم، ولم يوضع هذا الملحق عبثاً، وإن الأمة العربية لن ترضى أن يفرق بينها وبين أجزائها، وإنها لن تستطيع صبراً على هذه التفرقة التي تريد أن تفصل ما جمعه الله مدة تربو على ثلاثة عشر قرناً. وإذا كانت الجامعة قد أعربت للعالم أجمع أنها تقف في جانب الحرية أينما كانت، فإنها من باب الأولى أن تقف إلى جانب حرية المغرب المسلم، المغرب العربي، وكل محاولة لإخراج المغرب عن عقيدته وعن دينه وعن عروبته هي محاولة فاشلة، محاولة ضد إرادة الله، وضد الطبيعة التي استقرتها. إننا حين نادينا بالحرية، ووقفنا إلى جانبها، لن نقصد خصومة قوم على وجه الخصوص، وإنما قصدنا خصوم الحرية أينما وجدوا. والمستعمرون في الدنيا هم أعداء الحرية، فنحن أعداؤهم أينما كانوا؛ لأن الاستعمار يقتضي اضطراباً دائماً، وسلماً مزعزعاً، وإن الذين أقاموا الاستعمار أساؤوا إلى أممهم وإلى أنفسهم وإلى المدنية، لقد أقاموا نظريتهم على أن يكون الناس فريقين: محكومين إلى الأبد، وحاكمين مستغلين ظالمين إلى الأبد، وهذا يستلزم نزاعاً مستمراً بين الفريقين، ثم هو سبب خصام مستمر أيضاً بين المستعمرين أنفسهم، وما الحرب العالمية الأولى والحرب الثّانية التي كادت تدمر الحضارة برمتها إِلا من نتائج هذا الاستعمار، وإذا لم ينته مذهب الاستعمار من نفوس الساسة، فإن دمار هذا العالم قد يصبح في حيز الممكنات. إننا حين نقاوم الاستعمار نريد إنقاذ أنفسنا والبشرية، بل ونريد أن نخلص المستعمرين من شر أنفسهم، والأمة العربية الجديدة القديمة، هي

стр. 4199

أمة المستقبل، تقف بجانب الحرية، وتكافح ضد من يريد أن يجعل البشر فريقين، وإنها بذلك تؤدي واجبها نحو نفسها، ونحو البشرية جمعاء التي يجب أن تسود فيها المساواة ووحدة المصلحة: كلكم من آدم، وآدم من تراب. كان أكرمكم عند الله أتقاكم.

стр. 4200

أساليب الاستعمار الفرنسي في شمال إفريقيا (١) أقامت جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية بفندق الكونتننتال حفلة تكريماً للوفود العربية. وهذه كلمة رئيس الجبهة فضيلة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين. حضرة صاحب السمو، حضرات أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة والعزة! أقدم لحضراتكم أجزل الشكر على ما تفضلتم به من إجابة دعوة جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية، وإذا أجبتم دعوة الجبهة، فإنما أجبتم دعوة خمسة وعشرين مليوناً من إخوانكم المغتبطين بعربيتهم وإسلامهم؛ فإن الجبهة تنطق بما في ضمائرهم إذا نطقت، وتعمل بما يوافق رغباتهم إذا عملت، ذلك أنها خبيرة بما يقاسونه من النوائب، عليمة بما يتقد بين جوانحهم من الحماسة، بصيرة بما صمموا عليه من العمل لتحرير أوطانهم. وقد حازت - بعد هذا - حسنَ ثقتهم بها، وكانت مناط آمالهم في خدمة قضيتهم بعزم

стр. 4201

صارم، وثبات وإخلاص. وإذا احتفلت الجبهة بتكريم حضرات أعضاء الوفود العربية، فإنّما هو تكريم من أولئك الملايين القاطنين بشمال أفريقية، فإنهم -وإن لم يكونوا حاضرين هذا الحفل بأجسامهم-، فهم حاضروه بقلوبهم المملوءة بإجلال هذه الوفود، وإخلاص الولاء لحضرة صاحب الجلالة مولانا الملك فاروق الأول - حفظه الله -. سادتي! لست في حاجة إلى أن أذكر ما كانت عليه الأمة العربية من السيادة والعزة، ولا إلى ما كان لها من فضل في نشر العلوم والفنون والحضارة النقية الطاهرة، فكل هذا معروف عند أصدقاء العرب وخصومهم على سواء. والذي أريد أن أقوله في صدر هذه الكلمة: إن الأمة العربية تنزع إلى الاستقلال بطبيعتها، وبمقتضى ما حفظه لها التاريخ الصحيح من شرف راسخ، ومجد فائق، وما كانت تسكن تحت سلطان الأجنبي في حال، بل تدافعه بقدر ما تستطيع من قوة. وشعوب شمال أفريقية هم أعضاء من هذه الأمة المعروفة بالبطولة وإباء الضيم، وإذا تغلبت عليهم الحكومة الفرنسية بعد حروب وإباء من الدخول تحت سلطانها، فإنهم مازالوا يعملون للتخلص من هذا الاحتلال، ويجاهدون ما استطاعوا في سبيل حريتهم الكاملة، وليس من المعقول أن يناموا عن الجهاد، والاحتلال الفرنسي يذيقهم أشد العذاب في كل صباح ومساء، ولا أستطيع أن أتحدث في هذا المقام عن تلك الحالة المنكرة بتفصيل، ولكني أقول: إن الاحتلال الفرنسي يقوم على أغراض لم نرهم في يوم من الأيَّام عدلوا عن شيء منها، أو خففوا ولو قليلاً من وطأتها.

стр. 4202

من أغراض ذلك الاحتلال: أن لا يترك الفرنسيون شيئاً من التصرف في شؤون البلاد بأيدي الوطنيين، بل يقبضون على زمام كل دائرة من دوائر الحكومة، ويتصرفون في شؤونها، داخلية كانت أم خارجية، صغيرة كانت أم كبيرة، فالمالية بأيديهم يتصرفون فيها مباشرة على حسب أهوائهم الاستعمارية، والتعليم تحت سيطرتهم يقفون به في دائرة أضيق من أُفحوص (١) قطاة، ومن بلغوا من أبناء شمال أفريقية في علم من العلوم؛ كالطب، والحقوق، فإنما هم الذين يرحلون إلى أوروبا، ويتعلمون على نفقاتهم الخاصة. وأراني في غنى عن أن أقول: إنها تجري في سياستها على تمييز الأوروبي، وتفضيله على العربي الوطني في القضاء، والوظائف، على وجه تتبرأ منه الإنسانية، وينبذه العدل باليمين والشمال؛ فإن عدم تطبيق قاعدة المساواة بين الأوروبي والوطني طبيعية كل دولة مستعمرة، ويكفي هذا النوع من مساوئ الاحتلال الأجنبي شاهداً على أنهم إنما يريدون استعبادنا، والاستئثار بمنافع أوطاننا، لا مساعدتنا على التقدم في الحياة كما يزعمون، وهم يشعرون بأننا لسنا من البله إلى حد أن نغتر بهذا الزعم، والعرب الوطنيون في شمال أفريقية محرومون من حرية الاجتماع؛ لما تضعه حكومات الاحتلال من المراقبة وبث العيون بين الأفراد والهيئات. ومن المعروف أن فرنسا تعمل لقطع الصلة بين المغرب والبلاد الشرقية؛ خشية أن يكون هذا الاتصال وسيلة لزيادة إيقاظ المغرب، وتشجيعه على

стр. 4203

المطالبة بحقوقه المغصوبة. وهم محرومون من حرية الصحافة، والصحيفة التي تنزع إلى شيء من الحرية تجد من استبداد الحكومة ومضايقتها ما يؤدي بها إلى الانقطاع. ومن مساوئ الاحتلال الفرنسي: أولئك الفرنسيون الذين ينصبون في شمال أفريقية، ويعطون الأراضي الزراعية بالمجان، أو بما يشبه المجان، ويسمونهم: المعمّرين، ويكون لكل واحد منهم سلطان على مجاوريه من الوطنيين، فيرتكب في إيذائهم ما يشاء، دون أن يُسأل أمام حاكم فرنسي أو أهلي سؤال من يريد العدل في القضية. وللحكومة الفرنسية بعد هذه الأغراض غرض آخر هو أشنع ما ترمي إليه سياستها، وهو إخراج شمال أفريقية من عربيته إلى الجنسية الفرنسية، وسلخه من الديانة الإسلامية إلى ديانة غير إسلامية، أو غير ديانة، وقد ملأنا المذكرات التي قدمناها إلى جامعة الدول العربية ودول الحلفاء بإقامة الشواهد على قصدها لهذا الغرض السيء، وسعيها بكل ما أمكنها من الوسائل الظاهرة أو الخفية. هذه المظالم التي لا تتحملها أمة ذات تاريخ عامر بمظاهر العزة والسيادة، يلاقيها العرب بشمال أفريقية، وهم الذين يكونون الجناح الأيسر للعروبة كما يقول بعض الكتاب، ولا ينهض الطائر إِلا بأن يتمتع بسلامة جناحية كليهما، فهم -بلا شك- لا يقيمون على هذه المظالم الشنيعة، ويؤثرون الموت في سبيل محاربتها على حياة منغصة بمرارتها، مكدرة بأقذارها. أطلّ علي الموتُ من خللِ الضنا ... فآنستُ وجهَ الموت غير كئيب

стр. 4204

ولو جسَّ أحشائي لخلت بنانَه ... وإن هال أقواماً بنانَ طبيب فلا كان من عيش أرى فيه أمتي ... تساس بكفي غاشم وغريب (١) تعمل تلك الشعوب لخلاصها، وهي معتمدة على نفسها، حتى تألفت جامعة الدول العربية، ارتاحت لها قلوبهم، وقويت آمالهم في أن تكون اليد المساعدة على تحريرهم، فأخذوا يتساءلون عنها، ويتواصون بالدعاية لها، ويبذلون كل مجهود في الاتصال بها. ونحن المتصلون هنا بهيئة الجامعة الموقرة، عرفنا أن حضرات أعضائها الأجلاء قد أصبحوا على خبرة بحقيقة القضية المغربية، وأنهم مقتنعون بأن الاتحاد العربي لا يتم إِلا أن تكون طرابلس وتونس والجزائر ومراكش منضمة إلى الجامعة، منفذة لقراراتها السياسية والثقافية والاقتصادية، وقد اتجهت الجامعة عندما ساعدتها الفرصة إلى العمل لقضية المغرب، وخطت في هذا السبيل خطوات نحمدها عليها، ونرجو أن تواصل هذه الخطوات بخطوات أوسع وأجدى. وإذا مَثَّلنا شمال أفريقية بالجناح الأيسر للعروبة، فإنا نريد: طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش، فيجب أن تكون هذه الأقطار الأربعة في نظر الجامعة العربية سواء، فأي اضطهاد يقع على قطر من هذه الأقطار يعدّ كسراً في ذلك الجناح. وخلاصة ما نرمي إليه في هذه الكلمة: أن شعوب أفريقية قد نفد صبرها، ولم تتمالك أن أصبحت تلح في طلب استقلالها، وتتحفز للجهاد

стр. 4205

في سبيله ما استطاعت، وليس ذلك البدوي الذي احتلت قبيلة ثقيف أرض قومه بأشد غيرة على قومه منهم إذ يقول: ولا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيبُ والسلام عليكم ورحمة الله. محمّد الخضر حسين
следующие страницы →