صارم، وثبات وإخلاص. وإذا احتفلت الجبهة بتكريم حضرات أعضاء الوفود العربية، فإنّما هو تكريم من أولئك الملايين القاطنين بشمال أفريقية، فإنهم -وإن لم يكونوا حاضرين هذا الحفل بأجسامهم-، فهم حاضروه بقلوبهم المملوءة بإجلال هذه الوفود، وإخلاص الولاء لحضرة صاحب الجلالة مولانا الملك فاروق الأول - حفظه الله -.
سادتي!
لست في حاجة إلى أن أذكر ما كانت عليه الأمة العربية من السيادة والعزة، ولا إلى ما كان لها من فضل في نشر العلوم والفنون والحضارة النقية الطاهرة، فكل هذا معروف عند أصدقاء العرب وخصومهم على سواء.
والذي أريد أن أقوله في صدر هذه الكلمة: إن الأمة العربية تنزع إلى الاستقلال بطبيعتها، وبمقتضى ما حفظه لها التاريخ الصحيح من شرف راسخ، ومجد فائق، وما كانت تسكن تحت سلطان الأجنبي في حال، بل تدافعه بقدر ما تستطيع من قوة.
وشعوب شمال أفريقية هم أعضاء من هذه الأمة المعروفة بالبطولة وإباء الضيم، وإذا تغلبت عليهم الحكومة الفرنسية بعد حروب وإباء من الدخول تحت سلطانها، فإنهم مازالوا يعملون للتخلص من هذا الاحتلال، ويجاهدون ما استطاعوا في سبيل حريتهم الكاملة، وليس من المعقول أن يناموا عن الجهاد، والاحتلال الفرنسي يذيقهم أشد العذاب في كل صباح ومساء، ولا أستطيع أن أتحدث في هذا المقام عن تلك الحالة المنكرة بتفصيل، ولكني أقول: إن الاحتلال الفرنسي يقوم على أغراض لم نرهم في يوم من الأيَّام عدلوا عن شيء منها، أو خففوا ولو قليلاً من وطأتها.
стр. 4202
من أغراض ذلك الاحتلال: أن لا يترك الفرنسيون شيئاً من التصرف في شؤون البلاد بأيدي الوطنيين، بل يقبضون على زمام كل دائرة من دوائر الحكومة، ويتصرفون في شؤونها، داخلية كانت أم خارجية، صغيرة كانت أم كبيرة، فالمالية بأيديهم يتصرفون فيها مباشرة على حسب أهوائهم الاستعمارية، والتعليم تحت سيطرتهم يقفون به في دائرة أضيق من أُفحوص (١) قطاة، ومن بلغوا من أبناء شمال أفريقية في علم من العلوم؛ كالطب، والحقوق، فإنما هم الذين يرحلون إلى أوروبا، ويتعلمون على نفقاتهم الخاصة.
وأراني في غنى عن أن أقول: إنها تجري في سياستها على تمييز الأوروبي، وتفضيله على العربي الوطني في القضاء، والوظائف، على وجه تتبرأ منه الإنسانية، وينبذه العدل باليمين والشمال؛ فإن عدم تطبيق قاعدة المساواة بين الأوروبي والوطني طبيعية كل دولة مستعمرة، ويكفي هذا النوع من مساوئ الاحتلال الأجنبي شاهداً على أنهم إنما يريدون استعبادنا، والاستئثار بمنافع أوطاننا، لا مساعدتنا على التقدم في الحياة كما يزعمون، وهم يشعرون بأننا لسنا من البله إلى حد أن نغتر بهذا الزعم، والعرب الوطنيون في شمال أفريقية محرومون من حرية الاجتماع؛ لما تضعه حكومات الاحتلال من المراقبة وبث العيون بين الأفراد والهيئات.
ومن المعروف أن فرنسا تعمل لقطع الصلة بين المغرب والبلاد الشرقية؛ خشية أن يكون هذا الاتصال وسيلة لزيادة إيقاظ المغرب، وتشجيعه على
стр. 4203
المطالبة بحقوقه المغصوبة.
وهم محرومون من حرية الصحافة، والصحيفة التي تنزع إلى شيء من الحرية تجد من استبداد الحكومة ومضايقتها ما يؤدي بها إلى الانقطاع.
ومن مساوئ الاحتلال الفرنسي: أولئك الفرنسيون الذين ينصبون في شمال أفريقية، ويعطون الأراضي الزراعية بالمجان، أو بما يشبه المجان، ويسمونهم: المعمّرين، ويكون لكل واحد منهم سلطان على مجاوريه من الوطنيين، فيرتكب في إيذائهم ما يشاء، دون أن يُسأل أمام حاكم فرنسي أو أهلي سؤال من يريد العدل في القضية.
وللحكومة الفرنسية بعد هذه الأغراض غرض آخر هو أشنع ما ترمي إليه سياستها، وهو إخراج شمال أفريقية من عربيته إلى الجنسية الفرنسية، وسلخه من الديانة الإسلامية إلى ديانة غير إسلامية، أو غير ديانة، وقد ملأنا المذكرات التي قدمناها إلى جامعة الدول العربية ودول الحلفاء بإقامة الشواهد على قصدها لهذا الغرض السيء، وسعيها بكل ما أمكنها من الوسائل الظاهرة أو الخفية.
هذه المظالم التي لا تتحملها أمة ذات تاريخ عامر بمظاهر العزة والسيادة، يلاقيها العرب بشمال أفريقية، وهم الذين يكونون الجناح الأيسر للعروبة كما يقول بعض الكتاب، ولا ينهض الطائر إِلا بأن يتمتع بسلامة جناحية كليهما، فهم -بلا شك- لا يقيمون على هذه المظالم الشنيعة، ويؤثرون الموت في سبيل محاربتها على حياة منغصة بمرارتها، مكدرة بأقذارها.
أطلّ علي الموتُ من خللِ الضنا ... فآنستُ وجهَ الموت غير كئيب
стр. 4204
ولو جسَّ أحشائي لخلت بنانَه ... وإن هال أقواماً بنانَ طبيب
فلا كان من عيش أرى فيه أمتي ... تساس بكفي غاشم وغريب (١)
تعمل تلك الشعوب لخلاصها، وهي معتمدة على نفسها، حتى تألفت جامعة الدول العربية، ارتاحت لها قلوبهم، وقويت آمالهم في أن تكون اليد المساعدة على تحريرهم، فأخذوا يتساءلون عنها، ويتواصون بالدعاية لها، ويبذلون كل مجهود في الاتصال بها.
ونحن المتصلون هنا بهيئة الجامعة الموقرة، عرفنا أن حضرات أعضائها الأجلاء قد أصبحوا على خبرة بحقيقة القضية المغربية، وأنهم مقتنعون بأن الاتحاد العربي لا يتم إِلا أن تكون طرابلس وتونس والجزائر ومراكش منضمة إلى الجامعة، منفذة لقراراتها السياسية والثقافية والاقتصادية، وقد اتجهت الجامعة عندما ساعدتها الفرصة إلى العمل لقضية المغرب، وخطت في هذا السبيل خطوات نحمدها عليها، ونرجو أن تواصل هذه الخطوات بخطوات أوسع وأجدى.
وإذا مَثَّلنا شمال أفريقية بالجناح الأيسر للعروبة، فإنا نريد: طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش، فيجب أن تكون هذه الأقطار الأربعة في نظر الجامعة العربية سواء، فأي اضطهاد يقع على قطر من هذه الأقطار يعدّ كسراً في ذلك الجناح.
وخلاصة ما نرمي إليه في هذه الكلمة: أن شعوب أفريقية قد نفد صبرها، ولم تتمالك أن أصبحت تلح في طلب استقلالها، وتتحفز للجهاد
стр. 4205
في سبيله ما استطاعت، وليس ذلك البدوي الذي احتلت قبيلة ثقيف أرض قومه بأشد غيرة على قومه منهم إذ يقول:
ولا صلح ما دامت منابر أرضنا ... يقوم عليها من ثقيف خطيبُ
والسلام عليكم ورحمة الله.
محمّد الخضر حسين
стр. 4206
مذكرة مرفوعة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم عبد العزيز آل سعود عند زيارته مصر (١)
إن فرنسا -يا صاحب الجلالة- هجمت على بلاد الجزائر منذ مئة وسبع عشرة سنة، ودافعها أهلها بحروب نظامية استمرت نحو سبع عشرة سنة، ولما تغلبت عليهم بكثرة الجند ووفرة السلاح، بسطت عليهم سلطانها، وانتزعت منهم جميع حقوقهم الحيوية والسياسية، بل اعتبرت ذلك القطر قطعة من فرنسا، وجعلت النظر في شؤونه يرجع إلى وزارة الداخلية بباريس، بالرغم من أن قوميته ولغته عربية، وأن دينه الإسلام.
ثم هجمت على البلاد التونسية منذ ست وستين سنة، وقدمت لأميرها محمد الصادق بأي معاهدة وقع عليها مكرهًا، بين مدافع فاغرةٍ أفواهَها إلى القصر، وجنود مدجَّجين بالسلاح، ولم تقف عند هذه المعاهدة المغصوبة، بل قبضت على زمام الإدارة، ولم تدع كبيرة ولا صغيرة من شؤون البلاد إِلا وكلت التصرف فيها إلى طاغية من الفرنسيين، وإذا ألقيت إلى بعض الوطنيين منصباً في الحكومة، فإنما هو عمل صوري، والحقيقة أن الفرنسيين لا يتركون للوطنيين في سياسة المملكة شيئاً من الأمر.
стр. 4207
ثم هجمت على المغرب الأقصى (مراكش) منذ ثمان وثلاثين سنة، واحتلتها بمعاهدة اضطر السلطان عبد الحفيظ لتوقيعها، وتجاوزت حدود المعاهدة، وأخذت تفعل في البلاد ما فعلت في تونس من الاستبداد وتصريف شؤون البلاد، على قاعدة تثبيت قدم الاستعمار، وإيثار أبناء جلدتها بكل ما تجود به أرض ذلك القطر من خيرات.
لا يسع المقام لأن نبسط القول في اضطهاد فرنسا لأولئك العرب المسلمين، وعملها الليل والنهار لأن يعيشوا في فاقة وجهالة وتفريق كلمة، بل تعمل في غير مبالاة لإخراجهم من دينهم الإسلامي إلى ملّة غير إسلامية، ومن قوميتهم العربية إلى الجنسية الفرنسية، ذلك أنها تشعر بأن الثراء والعلم واتحاد الكلمة أساس الرقي إلى الحرية والعزة، وتشعر بأن الأمة التي تدين بالإسلام، وتستضيء بهدي القرآن لا تخضع إِلا لسلطان يحترم ديانتها، ويسوسها بنظم شريعتها، ولا ترضى إِلا أن تستعيد سيادتها، وتتمتع باستقلالها.
وعرب شمال أفريقيا -وإن وضعت فرنسا بينهم وبين الشرق حواجز، واتخذت كل ما استطاعت من وسيلة لقطعهم عن العالم الإسلامي- فإن بطولتهم واعتزازهم بسالف مجدهم لازالا ولن يزالا ينهضان بهم إلى المطالبة بحريتهم، واقتحام الثورات الدموية في سبيل هذا الطلب، لا يبالون ما تصبه عليهم فرنسا من عذاب التقتيل والتنكيل والزجّ في السجون.
وقد قدمت جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية إلى جامعة الدول العربية مذكرات أودعتها جانباً كبيراً من فظائع الاحتلال الفرنسي لتلك البلاد، وتلقى رجال الجامعة هذه المذكرات بعناية، وأصبحت قضية أولئك العرب الأبطال مشمولة بأنظارهم؛ كما تنبئ بذلك تصريحاتهم، ونرجو أن يكون لهذه
стр. 4208
الخطوة النظرية خطوات عملية تشد أزر سكان تلك البلاد، وتزيدهم قوة على الجهاد في سبيل استقلالهم، والاحتفاظ بكيانهم المِلّي والقومي، وهذا ما سيكون بتوفيق الله، ولا يضيع حق وإن كان مغتصبه جباراً عنيداً، ومرت على اغتصابه عشرات أو مئات من السنين، متى كان من وراهله طالب يأبى الضيم، فيسهر الليل، وينفق كل مجهود في تخليصه.
ويقاء شمال أفريقية في أيدي مغتصبيه منذ عشراث من السنين، لا تلقى تبعته على كاهل سكان تلك البلاد وحدهم، بل يسأل عنه كل عربي وكل مسلم في استطاعته أن يقوم بعمل، أو يجهر بقول يساعد على خلاص أولئك العرب المسلمين من أغلال الاضطهاد التي يضعها الفرنسيون في أعناقهم.
ولجبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية كبير الأمل في أن جلالتكم تشملون قضية تونس والجزائر ومراكش برعاية، وتبذلون ما استطعتم من المساعدة على إنقاذها من الاستعمار الفرنسي الذي يعمل لإذلال أهلها، وفصلهم عن القومية العربية، وإدماجهم في الجنسية الفرنسية، ويأخذ لتحقيق هذه الغاية الممزقة للوحدة العربية والجامعة الإسلامية بكل وسيلة يستطيعها من ترهيب أو ترغيب.
ولجبهة الدفاع كبير الأمل في أن ترى من جلالتكم اتجاهاً إلى هذا القضية، ييشر بنجاحها، ويزيد المجاهدين داخل تلك الأقطار وخارجها إقداماً واطمئناناً إلى أنهم سينتصرون على الرغم من خصومهم الطغاة المبطلين.
رئيس جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
محمّد الخضر حسين
стр. 4209
مصير شمال إفريقيا إلى الحرية والاستقلال (١)
الكلمة التي ألقاها فضيلة الأستاذ رئيس التحرير في حفلة تكريم جبهة الدفاع عن أفربقيا الشمالية للتونسيين اللاجئين إلى مصر.
حضرات أصحاب السعادة والفضيلة والفضل!
أقدم لكم خالص الشكر على ما تفضلتم به من إجابة دعوة الجبهة، وإجابةُ دعوتها إكرام لأمة لا تقل عن خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، خصوصاً أن حضرات المحتفل بهم من الشبان الذين كانوا يعملون للقضية التونسية، وأصبحوا في نظر الحكومة المحتلة من المجرمين السياسيين، وتكريم العاملين -أيها السادة- معروف عند من يقدر الأعمال المحفوفة بالأخطار قدرها، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ كرّم مجاهداً في شخص ابنته؛ إذ زادها في العطاء، وقال: إن أباها قد فتح حصناً، وأقامت حكومة القيروان لأسد بن الفرات يوم خروجه على رأس الجيش الذي فتح صقلية احتفالاً باهراً، وكان هذا اليوم -كما قال المؤرخون- يوماً مشهوداً.
стр. 4210
أيها السادة!
أُعطينا سيادةً عِشْنا في ظلالها أحقاباً، وظن بعض أسلافنا أن السيادة إذا مدت أطنابها في أمة، بقيت فيها ما بقي الليل والنهار، فتمادوا في غفلتهم، ولم يخطر على بالهم أن من وراء البحار أمماً استيقظت لوسائل القوة والغلبة، وانها تترقب الفرصة للهجوم على أوطاننا، ووضع يدها فوق رؤوسنا.
هجموا على أوطاننا ونحن في غفلة عما بيتوه لنا من كيد وعسف، ولكن ما غرز في فِطر شعوبنا من إباية الضيم، والطموح إلى العزّة، نهض بهم إلى أن يدافعوا العدو الهاجم ما استطاعوا، مفضلين الموت في سبيل دفاعه عن الحياة تحت سيطرته، كما وقع في الجزائر وتونس ومراكش وطرابلس، وإذا فاتهم أن يطردوا العدو من بلادهم، فإنهم ادخروا ما بين أسفار التاريخ صحائف غراء تشهد لهم بأنهم يعافون الذلة، ويأبون الضيم، وقد كان لأبنائهم وأحفادهم في تلك الصحائف عبرة، فنشؤوا يتميزون غيظاً من الاحتلال الفرنسي والإسباني والإيطالي، وطالما اندفعوا لمكافحته وهو يعلمون أن ليس لهم من قوة مادية تساوي أو تقارب قوته، وإنما يعلمون أن لهم قوة من الحق، إن لم تنتصر على قوته المبطلة اليوم، فستنتصر عليها غداً، "وإن غداً لناظره قريب".
وإذا فنيت أمة مستضعفة تحت أقدام الغاصب القوي، فلأنها انطوت على جبن، واستسلمت إلى اليأس، فمدت إليه أعناقها خاضعة، ولا عاقبة لأمة سكنت تحت نير الاستعباد إِلا أن تضمحل وتفنى، ولاسيما غاصباً يعمل لسلخها عن قوميتها ودينها كما تفعل فرنسا في شمال أفريقية، ولكن الأمة
стр. 4211
المغربية عرفت لأول احتلال الأجنبي لبلادها أنه لا يرعى عهداً، ولا يحمل بين جنبيه إِلا قسوة، فجعلت نصب أعينها يوماً للخلاص منه، ولم يجد الجبن ولا اليأس إلى قلوبها من سبيل، واستمرت تناهضه بالكفاح عقب الكفاح، وهو يلجأ إلى النار والحديد، ويُجلب عن الفئة القليلة منها بخيله ورَجِله، ومدافعه وطيرانه من البر والبحر.
لم يجبن أولئك الذين لاقوا الصدمة الأولى من الاحتلال، وسار على أثرهم أبناؤهم لهذا العهد، يجاهدون بأقلامهم وأموالهم ونفوسهم، ولا يبالون ما يلاقونه من قتل وتنكيل، وها هي أنباء الثورات بالجزائر ومراكش وتونس تخترق الحواجز التي تضعها فرنسا حول البلاد، وتصل إلى الشرق، فتغمر أنديته، وتشتعل لها قلوب أنصار الحرية غضباً.
لم يكن ما تقاسيه تلك البلاد من مرارة الاحتلال معروفاً في الشرق؛ للسدود التي يقيمها المحتلون، وللمساعي التي يبذلونها في أن تبقى مكتومة، لا يتناولها كاتب ولا خطيب، وأذكر أني جئت إلى الشام قبل الحرب العالمية الأولى، وأردت أن أشغل القلم ببسط القضية المغربية في الصحف، فوجدت لقنصل فرنسا يومئذ تدخلاً ممقوتاً جعل المجال في عيني أضيق من مفحص قطاة، حتى جرى على اللسان في هذا الحال الأبيات الآتية:
بين الجوانح همّةٌ ... تسمو إلى أمد بعيدِ
نهضت كما تبغي العلا ... والعزم كالسيف الفريد
أدمى فؤادي أن أرى الأ ... قلام ترسف في قيود
وأرى سياسة أمتي ... في قبضة الخصم العنيدِ
стр. 4212
فهجرت قوماً كنت في ... أنظارهم بيت القصيدِ
وحسبت هذا الشرق لم ... يبرح على عهد الرشيد
يسع الجهود إذا تضا ... يقت البلاد على الجهود
ويقول يوم أبثّه ... بعض الأسى هل من مزيد
فإذا المجال كأنه ... من ضيقه خلق الوليد
والواقع -أيها السادة- أن أبناء الغرب (الأوربيين) يعملون للاستعمار كل على قدر طاقته، فيجب أن يكون لكل واحد منا نصيب من مكافحة هذا الاستعمار، وقضايا البلاد العربية السياسية بعيدة الغور، واسعة ما بين الأطراف، فلا يرجى لها نجاح إِلا أن تتضافر عليها الجهود، وإذا تحقق الإخلاص ونقاء الضمير وصفاء الفكر، كانت الهيئات -وإن تعددت- بمنزلة هيئة واحدة تسير في اتجاه واحد، وتعمل لغاية معينة.
وأبناء شمال أفريقيا يكافحون اليوم معتمدين في كفاحهم على رغبتهم في الموت، واثقين من أن الله - عزّ سلطانه - في تأييدهم، فإنه يحق الحق إذا اتجهت الهمم إلى نصرته، ويمحق الباطل إذا نهض أولو العزم لإماطته عن أرضهم، ويرجون من هذا أن تعنى جامعة الدول العربية بقضيتهم؛ فإن شعورهم بأن الجامعة الموقرة تعرف آلامهم، وتحرص على تحقيق آمالهم، يزيدهم قوة وإقداماً وثباتاً.
وإنا على ثقة من أن رجال الجامعة يحملون في صدورهم قلوباً ملؤها الحماسة لقضية أفريقية العربية، وقد كان سعادة أمين سرها العام يجاهد في سبيل القضايا العربية والإسلامية من قبل أن تتألف الجامعة، أو يقع
стр. 4213
التفكير في تأليفها.
ولا ننسى أن الجامعة قد خطت في قضية شمال أفريقية خطوات تلقيناها بالشكر من صميم أفئدتنا، ولنا طموح إلى أن تواصل هذه الخطوات بخطوات أوسع كلما ساعدتها الظروف، والظروف تتغير صباحاً ومساءً، ولا أبرح موقفي هذا حتى أقدم شكري الجزيل إلى الصحافة المصرية؛ فإنها أفسحت صدرها لنشر ما يتعلق بقضية شمال أفريقية، واحتضنتها كما احتضنت قضايا الشعوب العربية في الشرق.
وإذا كانت القضية المغربية قد لقيت من الجامعة اهتماماً بالغاً تحت رعاية حضرة صاحب الجلالة مولانا ملك مصر المعظم فاروق الأول - حفظه الله -، ولقيت من الصحف العربية في مصر وغير مصر صدوراً فسيحة، وعاطفة مهذبة، ثم أقبل نزلاء مصر من تلك الأقطار على خدمة قضيتهم بدعاية صادقة وحكمة، فإن مصير تلك البلاد إلى حرية وطمأنينة تساعدها على أن يكون لها حظ وافر في تقرير السلام العالمي الذي تلهج به الدول المتحدة في كل مؤتمر يعقد، أو خطبة تلقى. والسلام عليكم ورحمة الله.
محمّد الخضر حسين
стр. 4214
الجهاد لإفريقيا الشمالية (١)
الكلمة التي افتتح بها فضيلة رئيس التحرير الحفلة التي أقامتها جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية في دار الاتحاد العربي.
أحييكم أطيب التحية، وأقدم لكم خالص الشكر على تفضلكم بتلبية دعوة الجبهة التي تجاهد في قضية شمال أفريقية، مغتبطة بأنها تعمل في ميدان من الحرية فسيح، مؤيدة برجال يقدرون حرية الشعوب قدرها، تغتبط الجبهة بأنها تعمل في صف دول عربية تطمح إلى العزة، وتسير إليها في حكمة وعزم، وتغتبط الجبهة بنها تعمل وهي محفوفة بصحف سيارة تعطف على قضية المغرب، وتوسع صدرها لنشر ما تقدم لها من مذكرات وبرقيات ومقالات تدافع بها عن هذه القضية.
وقد أقامت الجبهة هذه الحفلة اعترافاً بفضل جامعة الدول العربية؛ حيث احتضنت هذه القضية، وأنزلتها المنزل اللائق يها من الأهمية، واعترافاً بفضل الصحافة التي تؤازرها في جهادنا انتصاراً للحرية والعدل على الاستبداد
стр. 4215
والبغي، وتفاضل الصحف على قدر مكافحتها للباطل، ومناصرتها للحق.
سادتي!
إن في شمال أفريقيا ما لا يقل عن خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، يقاسون من الاحتلال الفرنسي والإسباني أسوأ الاضطهاد، وقد تحدثنا وأشبعنا الحديث في مواقف كثيرة عن ألوان ذلك الاضطهاد، علاوة على ما تنشره الصحف العربية والأجنبية من الحوادث التي تتجدد يوماً فيوماً، وقد أصبح الرأي العام في مصر وغير مصر على خبرة ممّا تفعله تلك السياسة الجائرة من إرهاق لا تحتمله أمة تقلبت في الحضارة أحقاباً، وعرفت حقوقها معرفة الغيور عليها، والمتحفز للدفاع غير مبال بالموت في سبيلها، تلك هي أمة المغرب.
وكنت وقفت منذ أشهر بل أيام موقفاً كموقفي هذا شاكراً لجامعة الدول العربية الموقرة اتجاهها إلى قضية شمال أفريقيا بجانب من العطف، ورجوت منها باسم أولئك الملايين من العرب أن تتجه إلى قضيتهم اتجاهاً يدلُّهم على أن الجامعة مجدة في مناصرتهم، ومتأهبة للمعونة على تحريرهم.
وأقف اليوم شكراً للجامعة قرارها الذي أصدرته في هذه الدورة الأخيرة، ومبلغاً لها شكر أولئك المجاهدين وارتياحهم لهذه الهمة الحازمة.
ولا يخالطنا ريب في أن هذا القرار الموفق سيكون له أثر عظيم في تأكيد عزم أولئك العرب، وتثبيت أقدامهم في العمل لاستقلالهم، كما أن جبهة الدفاع قد ازدادت بهذا القرار نشاطاً على نشاطها، وأصبحت تشعر بأنها تعمل في ظل جامعة دولية عربية غيورة على حرية شعوبها، راغبة في أن تكون لها في بناء السلام العالمي أعمال مشهورة.
стр. 4216
وبهذه المناسبة أقول: إن جبهة الدفاع قد رسمت لنفسها غاية رأتها جديرة بحبها، وها هي تعمل لتحرير تلك البلاد: تونس، والجزائر، ومراكش، تحريراً لا يبقى لأجنبي عليها من سبيل، والجبهة قد اختارت أن تعمل في الشرق باسم الأمة المغربية التي تضم تحت جناحيها الشعوب الثلاثة، وهي حريصة على أن تتصل بزعماء الأحزاب القائمة في تلك البلاد، وبغير الزعماء من العاملين المستقلين، وليسوا بقليل؛ إذ الجبهة تقدر جهاد أولئك الزعماء أو العاملين المستقلين، وتراه هو الدعاية التي يقوم عليها صرح الاستقلال.
سادتي!
قررت جامعة الدول العربية العمل لاستقلال تونس والجزائر ومراكش، وأهم وسيلة إلى هذه الغاية النبيلة أن تكون الصلة بينها وبين المغرب قوية ثابتة؛ أعني: الصلة التي تجعل الجامعة تطلع على كل ما يحدث في الغرب يوماً فيوماً، وتجعل المغرب يعرف الخطوات التي تقدمت بها الجامعة في العمل لاستقلالها خطوة فخطوة، والنظر في إيجاد هذه الصلة ووسائل قوتها موكول بالطبيعة إلى مجلس الجامعة، ولنذكر على وجه المثال ما يصح أن يكون في مقدمة أعمال المجلس الموقر، وهو أن الفرنسيين يتقلبون في البلاد العربية، ويدخلون منها كل مدخل، دون أن يعترضهم أدنى عائق، ونوى الحكومات العربية تسمح لفرنسا أن تنشئ في بلادها مؤسسات باسم العلم، أو الرفق بالإنسانية، وكانت فرنسا ولا تزال تعين سفراء من أبناء جنسها في البلاد العربية.
أذكر هذا وأقول: إن من حق الدول العربية أن تعمل لفتح أبواب الرحلة
стр. 4217
إلى تونس والجزائر ومراكش؛ بحيث تكون المواصلات بين العرب في الشرق والعرب في الغرب دائمة منتظمة، ومن حقها أن تعمل أو تساعد على أن يكون هناك مؤسسات ثقافية أو صحية أو اقتصادية تضاهي أمثالها من المؤسسات الفرنسية في البلاد العربية الشرقية، ومن حقها أن تعين في المغرب سفراء من رعاياها المخلصين.
يمثل بعض الخطباء أو الكتاب العالم العربي بطائر قلبه مصر، وله جناح في الشرق، وجناح في الغرب. ومن الواضح الجلي أن الجناح الشرقي لا يكون متصلاً بالقلب إِلا إذا بقيت فلسطين عربية شعباً وحكومة، وأن الجناح الغربي لا يكون متصلاً بالقلب كذلك إِلا إذا بقيت طرابلس الكبرى عربية حكومة وشعباً، أنها إذا ابتلي هذان القطران بوضع غير عربي؛ فإن هذا الطائر يبقى مهيض الجناحين، لا يستطيع أن يحلق في الجو، ويصعد إلى سماء العزة والسيادة.
ولم يزل بين جوانحنا أمل في أن جامعة الأمم المتحدة تذعن إلى أن العصر الذي يدعى فيه إلى السلام العالمي هو عصر المنطق والحجة، لا عصر التخاطب بلغة النّار والحديد، وتذعن إلى أن الحرية من حقوق الإنسانية على اختلاف أجناسها ومللها، وتكون على ذكر من أن السلام العالمي لا يتحقق ما دامت ملايين من الأمة العربية تقاسي من الاحتلال الفرنسي والإسباني ألواناً من الاضطهاد الذي لا يطاق.
وإذا كانت الدول القوية قد أذعنت إلى الحقائق، وعرفت أن مراعاتها أمر لابد منه، لم نشك في أنها ستقف موقف المرتاح لقرار جامعة الدول العربية في استقلال تونس والجزائر ومراكش، وتسبق التاريخ بتمجيد أولئك
стр. 4218
الأبطال الذين يجاهدون في سبيل حريتهم واستقلالهم، مع ما يلاقونه من عذاب وتنكيل.
وأختم كلمتي هذه بتوجيه شكر خاص إلى سعادة الأمين العام لجامعة الدول العربية عبد الرحمن عزام باشا على ما يبذله من الجهد في قضية شمال أفريقيا، وهو -بلا شك- إنما يعمل بالروح الذي استمده من رغبة حضرة صاحب الجلالة مولانا الملك المعظم (فاروق الأول) - حفظه الله -.
محمّد الخضر حسين
стр. 4219
مذكرة من جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية إلى الجامعة العربية (١)
حضرة صاحب المعالي عبد الرحمن عزام باشا الأمين العام لجامعة الدول العربية!
بعد تقديم أطيب التحية:
بدا لمجلس جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية اقترل رغبوا إليّ أن أعرضه على معاليكم للنظر فيه، فإذا آنستم فيه خيراً للقضية العربية عامة، وقضية شمال أفريقيا خاصة، تفضلتم فعرضتموه على مجلس جامعة الدول العربية، لعلّه يرى الاقتراح جاء في الوقت المناسب لقوله، وهو: أن الجامعة قد اتجهت إلى ما كنا نؤمله منها، بل يؤمله العالم العربي بأجمعه؛ من العمل لتحرير الأوطان العربية بشمال أفريقيا، وأصدرت قرارها الذي اهتزت له قلوب الأمم العربية ارتياحًا، وازداد به الرجال العاملون لخلاص المغرب عزماً على المضي في سبيلهم، وعرفوا أن انضمامهم إلى جامعة الأمة العربية يسرع إلى قضيتهم بنجاح فوق النجاح الذي ينتظرونه من عملهم في داخل أوطانهم.
стр. 4220
فهم -بعد هذا القرار الموفق- يرون أن الجامعة تستطيع أن تعمل لقضيتهم في طريقة منتظمة، وحجج صادقة، ومن الوسائل التي تسهل عليها تحقيق هذه المهمة الكبيرة: أن يكونوا أعواناً للجامعة على جهادها، وطريقة هذا التعاون إنما يكون بعقد صلة محكمة بين الجامعة وتلك الشعوب؛ بحيث تطلع الجامعة على ما يحدث بتلك الأوطان من ضروب الاضطهاد، ومكافحتهم له يوماً فيوماً، وتعرف تلك الشعوب كيف تسير الجامعة في قضيتهم خطوة فخطوة، وعقد هذه الصلة موكول بالطبيعة إلى سياسة الجامعة ورأيها الحكيم، وهذا لا يمنعنا من أن نضع أمامها رأيا لعقد هذه الصلة الضرورية لخدمة القضية المغربية، هو أن جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية قد اختير أعضاؤها من الجاليات التونسية والجزائرية والمركشية، ومن بينهم أساتذة في الأزهر الشريف، وفي الجامعة، وفيهم دكاترة ومحامون، وطائفة من كبار التجار الأمناء، فهي هيئة يمكن للجامعة أن تفسح لها طريق الاتصال بها، وتستعين بها على تعرف أحوال تلك البلاد في القديم والحديث.
واتصال الجبهة بالجامعة يأتي بثمرته العملية فيما يبدو لنا متى سمحت الجامعة بتخصيص مكتب لإدارة الشؤون المتعلّقة بشمال أفريقية، وكان في العاملين بهذا المكتب من تطمئن الجبهة لكفايته وحزمه وأمانته، وفيما نعتقد أن مجلس الجامعة يقدر الجبهة التي قامت منذ سنتين تناضل عن قضية خمسة وعشرين مليوناً من العرب، وقد منحوها ثقتهم، وارتضوها لساناً يعبر عن أمانيهم، فمن القريب جداً أن يتقبل المجلس هذا الاقتراح، وفي قبوله معونة على أن يكون جميع ما تحتاج إليه الجامعة من مقتضيات الكفاح عن القضية المغربية تحت يدها، فتتناوله وهي على ثقة من صحته، سواء ما يتعلق
стр. 4221
بعهودها الماضية، أو عهودها القريبة والحاضرة.
هذا اقتراح الجبهة، نعرضه على المجلس الموقر مؤملين النظر إليه بعناية ولكم جزيل الشكر. وتفضلوا بقبول أسمى التحية وعظيم الاحترام.
رئيس الجبهة
محمّد الخضر حسين
стр. 4222
ألف قتيل مراكشي في الدار البيضاء تجريد الجنود المراكشيين والشرطة من سلاحهم (١)
وردت أنباء مقتضبة من مراكش عن اعتداء همجي فظيع قام به سلاح السنغاليين المشاة في الجيش الفرنسي بالدار البيضاء؛ حيث هجموا بالأسلحة السريعة الفتاكة على الأهالي العزل بسبب غضب الأهالي من اعتداء الجنود على أحد المنازل المغربية. وعلى أثر ذلك بعثت جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا ببرقية إلى الأستاذ المكي الناصري رئيس حزب الوحدة المغربية الموحدة الآن في طنجة، تستفسر فيها عن هذه المجزرة، وعن فكرة الخلافة التي أثيرت بمناسبة زيارة جلالة ملك مراكش لطنجة، فتلقت منه الرد التالي:
"إن حوادث الدار البيضاء التي وقعت في ٧ أبريل، قد أثيرت لتهييج الرأي العام المراكشي. وقد ذهب ضحيتها ألف قتيل، كما جرح مئتان كلهم مراكشيون، قتلوا على أيدي مشاة الجيش السنغالي الفرنسي، أما المعتدون، فقد مات منهم ثلاثة، وفقد اثنان، والباعث لهذه الحوادث هو قصد الاعتداء على منزل مراكشي. أنها السلطات الفرنسية، فبدلاً من أن تتدخل حالاً لمنع
стр. 4223
هذه المجزرة، فقد جردت الجنود المراكشيين ورجال الشرطة المراكشيين من سلاحهم.
"وبونيفاس الذي كان بطل حوادث سنة ١٩٤٤ م الدامية، وهو رئيس ناحية الدار البيضاء الآن، هو نفسه بطل هذا الحادث الأخير".
"أما عن سفر جلالة الملك لطنجة، فقد بذلت فرنسا كل ما يمكنها من جهود للحيلولة دون هذا السَّفر، فلما فشلت في منعه، حاولت إثارة قلاقل في طنجة، ولكن جلالة الملك أذل بلاغاً دعا فيه الشعب إلى الاحتفاظ بالهدوء.
وبحمد الله تمت الزيارة من غير حادث بفضل امتثال الشعب لأمر جلالته، وبفضل حسن نية العناصر المحايدة، والبوليس الدولي.
أنها فكرة الخلافة، فليس لها أي أساس من الصحة، بل بالعكس، إن ملكنا يتجه إلى الجامعة العربية، وفي خطبة الجمعة عِندما أمّ المسلمين بنفسه دعا لملوك الدول العربية ورؤسائها، وكل معلومات مخالفة لهذه هي مناورات فرنسية".
وقد تلقت الجبهة التفاصيل الآتية منه أيضاً:
على أثر حوادث الدار البيضاء الدامية، وقع إضراب عام في جميع أنحاء البلاد، وشارك فيه كل عناصر الشعب وطبقاته، كما قامت مظاهرات في طنجة على أثر خطاب حماسي ألقاه الأستاذ المكي الناصري رئيس حزب الوحدة المغربية؛ حيث أخذ المتظاهرون البالغ عددهم نحو عشرين ألفاً يطوفون بشوارع المدينة.
стр. 4224
لائحة المؤتمر الوطني التونسي (١)
انعقد بتونس في ليلة السابع والعشرين من رمضان ١٣١٦ هـ - الموافق ٢٣ أغسطس سنة ١٩٤٦ م مؤتمر وطني اشترك فيه زعماء الأحزاب، والمشتغلون في خدمة القضية التونسية، بل اشترك فيه كثير من كبار الموظفين والمدنيين بجامع الزيتونة، وأصدروا لائحة بإلغاء الحماية التونسية، واعتبار تونس وطناً مستقلاً استقلالاً تاماً، ونص هذه اللائحة:
إن المؤتمر التونسي المنعقد في ٢٣ أغسطس سنة ١٩٣٦ م بعد ما درس حالة البلاد السياسية، واستمع لمختلف الخطباء، صادقَ بالإجماع على العريضة التالية:
حيث إن البلاد التونسية قبل سنة ١٨٨١ م كانت دولة تتمتع بسيادتها التامة، ومرتبطة مع الخلافة العثمانية بعلائق دينية أكثر منها سياسية.
وحيث إن سيادة البلاد التونسية معترف بها من مجموع الدول، وقد أيدتها المعاهدات مع الدول الأجنبية.
وحيث إن فرنسا التي كانت تؤيد قضية استقلال البلاد التونسية لدى
стр. 4225
الحكومة العثمانية، قد فرضت على تونس معاهدة وقع المشير الصادق باي تحت الضغط، ولم يصادق عليها الشعب.
وحيث إن معاهدة "باردو" لم تكن لتفصل البلاد التونسية على المجموع الدولي، ولم تلغ سيادتها الخارجية والداخلية.
وحيث إن الحماية استحالت بعد مضي ٦٥ سنة إلى نظام استغلال استعماري يجرد الحامي المحمي عن سيادته، ومن خيراته تجريداً منظماً، في حين أن مفهوم معاهدة "باردو"، واتفاقية المرسى، ومنطوقهما يقضيان بأن تكون الحماية نظاماً وقتياً شبيهاً بوصاية بسيطة.
وحيث إن الدولة الحامية لم تلتزم حدود سلطة المراقبة، وحلت محل الدولة المحمية في مباشرة الحكم والتصرف في الشؤون العامة.
وحيث إن السلطة الفرنسية قد استحوذت على السلطة التشريعية التي هي حق خاص لسمو الباي، حتى أصبح حضرته شبيهاً بموظف شرفي سام مضغوط على حريته الشخصية، كما أن وزراء الدولة الذين نزلوا بهم إلى لقب وزراء سمو الباي، صاروا مجرد شخصيات لتزيين المحافل، وكما أن العمال أصبحوا أعواناً ينفذون أمر المراقبين المدنيين، وكذلك نزعت في جميع الميادين الأخرى سلطات جميع الموظفين التونسيين، وأسندتها لموظفين فرنسيين لم تكن خبرتهم ولا نزاهتهم في غالب الأحيان سالمتين من الطعن.
وحيث إن فرنسا التي التزمت علانية بحماية شخص الباي وعائلته قد خرقت المعاهدة مرّة أخرى، فخلعت عنوة ملك البلاد الشرعي سيدنا ومولانا محمد المنصف باشا باي معتدية حتى على القواعد الأصلية للدين والإسلامي.
стр. 4226
وحيث إن هذه الاعتداءات قد نشأ عنها نظام إداري مضطرب، لا هو إلحاق، ولا حكم ذاتي؛ فقد ضاعت فيه الأصول التشريعية، وتلاشت فيه المسؤوليات.
وحيث إن الدولة الحامية سلكت منذ بداية عهد الحماية سياسة تفقير؛ بتجريد الشعب التونسي من أخصب أراضيه، وبمنح الموظفين -وكلهم فرنسيون- أكثر من ثلث ميزانية لا مراقبة عليها، مستندة على نظام جبائي على اعتبار العدد لا الثروة، وبإخضاع البلاد التونسية لسياسة مالية وقمرقية مضرة بالاقتصاد التونسي بدون أن تفيده في مبادلته مع البلاد الأجنبية.
وحيث إن هاته السياسة كانت سياسة تعمير البلاد بالفرنسيين معمرين وموظفين، ومن طريق التجنيس الذي بعد أن فتح في وجه التونسيين، والمالطيين، والروس الملوكيين من أتباع -فرانجيل- واللاجئين الإسبان، صار يستميل الإيطاليين حتى اليوم لتنمية عدد المواطنيين الفرنسيين بالنسبة لعدد التونسيين قصد تجريد البلاد صبغتها التونسية.
وحيث إن التونسيين قد حرموا في بلادهم من الحريات الأولية -حريات التفكير، والنشر، والقول، والاجتماع، والتجول-، حتى إن ٦٥ سنة التي مرت على الحماية قضى منها التونسيون أكثر من ٢٠ سنة تحت الحكم العسكري العرفي، والبقية تحت رقابة البوليس.
وحيث إن الإسراف المالي الذي أوجبه هذا التعمير الفرنسي الجائر، قد أعجز الحماية عن الوفاء بواجباتها الاجتماعية نحو المسلمين في ميادين التموين والسكنى والصحة العامة والتعليم.
وحيث إن ذلك قد أدى بالدولة الحامية إلى إهمال كل ما يتعلق بتحسين
стр. 4227
حالة الأفراد، وإلى الاعتناء بمصالح رأس مالية مستفرغة، فلم تقم برسالتها التمدينية التي يحاولون من أجلها تبرير نصب الحماية على البلاد.
وحيث إنه فيما يخص الأمن قد نكثت الحماية عهودها بتسليمها البلاد التونسية لدولة المحور، بينما كان المحميون يدافعون دائماً عن قضية فرنسا وحلفائها، ويبذلون دماءهم في هذا السبيل.
وحيث إن التضحيات البشرية والمساهمة في المجهود الحربي التي بذلتها البلاد التونسية، والتي تُنوسيت بعد الحرب العالمية الأولى من شأنها أن تستوجب إنهاء الحماية، وتحرير البلاد التونسية.
وحيث إن معاهدة "باردو" نصت على أن الحماية في جوهرها نظام وقتي، وأن مصالح الفرنسيين الناتجة عن هذا النظام الموقت لا يمكن بحال أن تكون لها صفة الدوام والاستمرار.
وحيث إنه -من جهة أخرى- لا يمكن لمصالح دولة حامية أن تحول دون حقوق الشعب الثابتة في تقرير مصيره بكامل الحرية.
وحيث إن الاستعمار يعتبر بجق سبباً للتنافر بين الدول، ومثاراً للمشاكل الدولية، قد عبرت الأمم المتجدة عن استنكارها له بحكم صريح، وجعلت من بين الأهداف التي خاضت من أجلها غمار الحرب: "حق الشعوب كلها في اختيار صورة الحكم الذي ترتضيه لنفسها، واسترجاع حقوق السيادة والاستقلال إلى الأمم التي انتزعت منها "قهراً".
وحيث إن هاته النظرية الجديدة أخذت تتجلى وتتكد أثناء المؤتمرات العالمية المختلفة، وحيث كانت فرنسا من بين الدول الاستعمارية التي صادقت على المبدأ القائل: بأنه ليس لأية أمة الحق الثابت بحكم شعوب
стр. 4228
لا تملك زمام أمورها.
فلهاته الأسباب يصرح المؤتمر الوطني التونسي: بأن الحماية نظام سياسي واقتصادي لا يتفق مطلقاً مع مصالح الشعب التونسي، ولا مع حقه في التمتع بسيادته.
ويؤكد: أن هذا النظام الاستعماري بعد تجربة ٦٥ سنة قد حكم على نفسه بالإخفاق.
ويعلن عزم الشعب التونسي الثابت على السعي في استرجاع استقلاله التام، وفي الانضمام كدولة ذات سيادة لجامعة الدول العربية، وجامعة الأمم المتحدة، والمشاركة في مؤتمر الصلح.
стр. 4229
سياسة فرنسا في تونس من نشرة أصدرتها جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية (١)
قام السفير الفرنسي بتونس في هذه المدة باستدعاء بعض الساسة والشخصيات البارزة في البلاد، وحدثهم عن الإصلاحات التي تنوي فرنسا إدخالها على نظام الحكم، وسألهم عن وجهات نظرهم في هذه الإصلاحات.
وقد خرج التونسيون من دار السفير كما دخلوها لا يحملون معهم جديداً إلى يقينهم بأن السياسة الاستعمارية الفرنسية لا تتغير، وإن حاول بعض الفرنسيين إعطاءها صبغة المودة وحسن التفاهم.
وحديث السفير عادة معقد بعيد عن الصراحة، تظهر من خلاله سوء نيّة الحكومة الفرنسية، وما تضمره للشعب التونسي ولمستقبله من كيد وشر. فهو لا يريد الحل الطبيعي للمشكلة التونسية، وهو إعطاء أرباب البلاد حق اختيار حكومتهم، وتقرير مصيرهم؛ لأنهم إذا تركت لهم الحرية في اختيار مصيرهم، فسوف لا يرضون بغير الاستقلال والانضمام للجامعة العربية بديلاً. وهذا شيء يبث الرعب في قلب فرنسا التي أخرجت من هذه الحرب هزيلة منهوكة القوى، ليس لديها ما تعول عليه إِلا مستعمراتها البائسة التي أراد سوء طالعها أن تكون ضحية لفرنسا، تمتص دماءها، وتسلبها أرزاقها،
стр. 4230
لتعوض ما ضيعته في الحرب.
فأية محاولة من أي بلد من البلدان الخاضعة لها ترمي إلى الاستقلال عنها، تقاومها فرنسا بكل ما تعرفها من قوة.
وهي ما فكرت في "الاتحاد الفرنسي" إِلا لزيادة توطيد أقدامها في البلدان التي تسيطر عليها، وإلا محاولة لنزع فكرة الانضمام للجامعة العربية من رؤوس المغاربة.
ولكن التونسيين الذين حنكتهم الظروف، وَطَّدوا العزم على ألا يثقوا بفرنسا، ولا بإصلاحاتها، ولا باتحادها الفرنسي. فهم يريدون حكومة ديمقراطية تستمد نفوذها من الشعب، وتحافظ على تراثه وتقاليده، وتوثيق صلته بالعروبة والإسلام.
стр. 4231
صرخة المغرب (١)
يصرخ المغربُ غيظاً واحتراقاً ... صرخة الناهض للموت اشتياقا
لا تلوموه إذا خاض الوغى ... ورأيتم دمه الغضَّ مراقا
هو يلتذُّ الردى إذ يسكب الضيـ ... ـم في أكؤسه، ماء زُعاقا (٢)
* * *
أوفد الشرق رجالاً طبقوا ... أرضه رشداً وعلماً ووفاقا
فانبرى يسمو بجنب الشرق في ... همم تستشرف (٣) السبع الطِّباقا
شاد بالعرفان والعدل علاً ... عقدت من أدب الدين نِطاقا
واقتنى للذود عن ساحتها ... مرهفات البيض والخيل العِتاقا
وجرى الإصلاح في آفاقه ... نازفاً (٤) أسقامه حتى أفاقا (٥)
стр. 4232
يحسب الوافد بدءاً أنه ... جاء أرض الشام، أو وافى العراقا
أمةٌ أودعت التاريخ ما ... بهر الأحفاد من فخر وراقا
وصل الأحفاد مجداً تالداً ... بطريف فازدهى المجد اتساقا
راعهم جند غريحب حلَّ في ... أرضهم يخترق البيض الرقاقا
حسب البغي عليهم خمرة ... فتعاطاه اصطباحاً واغتباقا
ذكروا عهد العلا، والحر من ... يذكر العهد حفاظاً وصداقا
نهضوا نهض أسودِ الغاب لا ... يعرفون الدهر للذعر مذاقا
ظلت الحرب سِجالاً حقبةً ... لم ينم فيها الفريقان فُواقا (١)
أي حرب وضعت أوزارها ... أيّ أمن مد في الأرض رُواقا
بين أيد أمعنت في عسفها ... وقلوب ملئت منها حناقا (٢)
* * *
يسفك الباغي دماءً ذنبها ... أنها تغلي إذا شد الخناقا
وطغى في الأرض حتى إنه ... همَّ بالدين خسوفاً أو محاقا
ينصب الأشراك كي يصرف عن ... حكمة الله قلوباً وحِداقا
لاذ بالتجنيس (٣) والقوم أبوا ... خوف أن يصلوا به النار الحراقا (٤)
وبنو المغرب عرب شيماً ... ولساناً لا ادعاءً واختلاقا
стр. 4233
شاد دون الشرق سداً فغدا ... وصل ما بين الشقيقين افتراقا
يلدع الأكباد بالمرِّ وقد ... يلمس الآذان بالحلو نفاقا
أمة أعهدها تحنو على ... سانح الآراء تبغيه عتاقا (١)
فاسألوا أقلامها ما خطبها ... تتمشى في القراطيس رقاقا (٢)
أيها الدائب في تثبيطها ... وشعوب دونها حازوا السباقا
قوض السد الذي شيدته ... قبل أن يجتابه (٣) القوم اختراقا
خذ إلى صدرك كفيك ودع ... خيلها تعدو إلى المجد انطلاقا
وقل الفصل إذا حدثتها ... فالرياء اليوم لا يلقى نَفاقا
أنت تبغيها خمولاً اذا ... أهبت للصيت (٤) ضاعفت الوثاقا
من عذيري إن أنا مجدتها ... يوم تجتاح قيوداً ورياقا (٥)
محمد الخصر حسين
стр. 4234
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
في يوم ١٢ مايو ١٩٤٨ م يكون قد مرّ على احتلال فرنسا للبلاد التونسية ٦٧ عاماً. ولقد رأينا لهذه المناسبة والذكرى المؤلمة التي تعيد لأذهاننا تلك الظروف السوداء التي فقدنا فيها استقلالنا كدولة، وحريتنا وكرامتنا كأمة، أن نقدم للعالم صورة مصغرة للاستعمار الفرنسي في هذه البلاد، التي فرضت عليها فرنسا حمايتها بالقوة المسلحة، وقضت على استقلالها بالحديد والنار، وانتزعت من الشعب التونسي وحكومته كل سلطة له في بلاده، ومنصب للحكم، ومصدر للنفوذ، كما اغتصبت منه موارد الثروة، وأقفلت في وجهه سبل الحضارة والرقي، ومنعته من الاستنارة بنور العلم والمدنية، وأسلمته للفقر والمرض والجهل والجوع، وقرنت حياته كلها بالعسف والنكال، وتلك هي رسالة الاستعمار في العالم منذ نشأ وإلى الآن، كيفما كان مأتاه وجنس القائمين عليه، وإذا اختلف، فإنما يختلف في الوسيلة والأسلوب، لا في الغاية التي يدفع إليها بالمستضعفين.
فلونٌ من الاستعمار يرمي إلى الإبقاء على عبيده واستغلالهم، واستثمار
стр. 4235
أوطانهم بواسطتهم، والانتفاع بخيراتهم دونهم، ولون آخر يريد بعد كل ذلك إفناء المستعبدين فيه، وإبادتهم كجنس قائم بذاته له مكانه في هذا الوجود، وهذا ما تعانيه أفريقيا الشمالية من الاستعمار اللاتيني القاسي الذي يبيد الأمم، ويقضي على معنوياتها ومشخصاتها، حتى تمتزج بجنسه، وتذوب فيه، وعندها يأمن أن لا تعود إلى الوجود، فتطالب بوطنها الذي ألحق بوطنه، وصيّره إلى الأبد من ضمن أملاكه.
فالأمم التي تعاني الاستعمار الفرنسي وأمثاله، إنما تواجه سياسة فناء وإبادة، وخطر انقراض وزوال، سياسة تحارب الأمم في لغتها وعقيدتها وتقاليدها وأخلاقها، وفي سلطانها ومصادر ثروتها، تحاربها بكل الوسائل، وفي كل الجهات، وعلى توالي السنين بدون هوادة ولا انقطاع. والاستعمار منذ وجد لم يكن إِلا حرابة: إجراماً، وسلسلة من الآثام تلطخت بها الكرامة الإنسانية، وحملت تبعاتها البشرية، ولم يعد لأنصار الاستعمار بعد أن امتلأت صفحات تاريخه بدماء ضحاياه ودموع مظلوميه أن يقولوا: إنه وسيلة تمدينية، وقد أثار في ما بين المستعمرين أنفسهم حروباً دمرت مدنية أجيال، وحطمت نتاج العقل الإنساني، ومعالم الحضارة التي اشتركت في بنائها الأمم منذ أحقاب، ومع ذلك، فإن الكمال الإنساني لم يصل بعد إلى درجة التضامن لإزالة هذا الإجرام العام، وتحويل الذين يبنون سعادتهم من شقاء الغير إلى الارتزاق من طرق مشروعة، وأوفر شرفاً من استرقاق البشر، وتسخيره، واغتصاب ممتلكاته لبناء العظمة المادية، وتكوين الثروة، وجمع القوة وتوجيهها للشر المحض بدلاً من أن توجه لرفع المستوى الإنساني إلى أرقى معارج الكمال.
стр. 4236
إننا نضع هذه الحقائق أمام العالم المتمدن، عسى أن ينتبه ضميره، ويشعر بمسؤوليته، خصوصاً الدول التي قطعت على نفسها وعوداً بذلك، وقالت عن الحرب الأولى والثّانية: إنها حرب الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، واشترك فيها -بناء على ذلك- المستضعفون بأوفر قسط من التضحيات، تضحيات الأرواح والأموال والجهود التي ضمنت النصر، وأنقذت الموقف في كثير من الفترات الحرجة، هذه الأمم تتطلب إنجاز الوعود التي قطعت لها أثناء حربين، والالتزامات التي أمضيت من طرف أنصار الحرية ورجال الديمقراطية بإزالة نظام الرق الاستعماري الفظيع؛ فإن العالم يوشك أن يصلى نار حرب ثالثة، ينادي هؤلاء المستضعفون لخوض غمارها باسم الحرية وحقوق الانسان، فلا يستجيبون، فإنهم إذا لم تعط لهم حقوقهم من الآن، وترد إليهم حريتهم، ويصبحون وبأيديهم حق يدافعون عنه، وكرامة إنسانية يفدونها بالمهج والأرواح، ويذودون عنها، ومثل عليا تهون عليهم في سبيلها التضحيات، إنهم إذا لم يعط لهم ذلك، لا يمكن أن يثقوا بوعود قطعت لهم مرتين، والتزامات وثقوا بها أثناء حربين، ثم هم لم يخرجوا من حرب الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان إِلا إلى العبودية والعسف والامتهان.
إن العالم لا يخلو من رسل الخير، ومثل الإنسانية الكاملة، وإنا نتوجه إلى هؤلاء بالنداء في كل أمة، ليتعاونوا على إزالة الشر، ومحاربة الظلم، والقضاء على جريمة الاستعمار، وإراحة العالم من أخطارها الوبيلة، وتبعاتها الملوثة للشرف الإنساني، المحطمة للمثل الأخلاقية العليا، التي يتجه العالم إليها اليوم لإخراج أمة موحدة، وعالم مجتمع في الخير والسعادة والسلام.
стр. 4237
الإمام محمد الخضر حسين قدوة الأفاضل من التونسيين
كان الإمام محمد الخضر حسين على اتصال مع التونسيين العاملين في الحقل العلمي والسياسي، وكثيراً ما زوّدهم بالنصائح والتوجيهات التي تخدم القضية التونسية. ويكفي أن ننظر مثلاً لما اتخذه فيه العلماء من قدوة واسترشاد وسداد الرأي ما كتبه العلامة الأجل محمد الشاذلي النيفر حول مشاركته في الحياة العامة التونسية.
قال من كتاب "بحوث ودراسات مهداة إلى الشيخ محمد الشاذلي النيفر إعداد مجموعة من الأساتذة وتقديم الشيخ محمد المختار السلامي":
ساهمت مساهمة فعالة، وكنت والحمد لله إلى الإخلاص فيها والوفاق عندما انشقت الحركة، وقد اغتنمت فرصة سفري لحج الضرورة سنة ١٣٦٥ هـ الموافق لـ ١٩٤٦ م، فكاتبت قبل سفري إلى الحج في الباخرة (أندوس الثاني) الشيخ العلامة محمد الخضر حسين؛ لأجتمع به، وأستعين بآرائه للعمل في سبيل القضية التونسية، ولكن لن تتيسر له المقابلة، فكاتبني الشيخ مكبراً عملي ﵀ بما نصه:
"جمعية الهداية الإسلامية - المركز العام: القاهرة ٢٩ شارع مجلس النواب ت ٥٣١٨٩. تحريراً في ٩ ذي الحجة ١٣٦٥ هـ.
فضيلة العالم البارع الأستاذ الشيخ محمد الشاذلي النيفر - حفظه الله -،
стр. 4238
بعد إهداء أزكى تحية.
تسلمت خطابكم الكريم، فأحمد الله على عافيتكم، وأشكركم على المراسلة، وكنت حريصاً على أن أزور الباخرة عند مرورها ببرت سعيد، ولاسيما بعد أن تلقيت برقية من ابن عمنا حضرة الفاضل السيد عبد الرحمن ابن علي بن عمر، ولكن حالتي الصحية عاقتني عن ذلك. وقد سررت جداً بحديثكم عن القضية التونسية، وسنجتهد في تعرف وقت مرور الباخرة بالسويس، أو برت سعيد؛ لعلّنا نحظى بلقائكم، ولو مقدار ساعة أو ساعتين. وإذا كان من الميسور لكم إعلامنا من جدّة، أو محجر الطور بيوم وصول الباخرة إلى السويس، أو برت سعيد، فنعمّا هو.
وبلغوا أعز تحيتنا السيد عبد الرحمن، والأستاذ الشيخ علي بن الخوجة، والأستاذ الشيخ أحمد جعيط. فقد أبلغت أنهما ممن قصد أداء نافلة الحج في هذه السنة، وأعود فاقول: إني مبتهج بما يبلغني عنكم من النبوغ في العلم، والاتجاه إلى العمل للمصلحة العامة، ودمتم في سعي حميد. وتقبلوا أزكى السلام من أخي والدكم الجليل ﵀.
محمّد الخضر حسين
стр. 4239
خطبة الأستاذ محمد الخضر حسين في دار جمعية الهداية الإسلامية في الاجتماع الذي عقد لذكرى مرور عام على الظهير البربري (١)
أيها السادة!
أصيب العالم الإسلامي بهذا البلاء الذي يسمونه: الاستعمار، وهو تهلكة الشعوب التي ليس بعدها تهلكة، وفتنتها التي لا تساويها فتنة، وهل تصاب الجماعة بأشد من أن يخرج أمرها من يدها، وتقع تحت سيطرة خصومها، تزهق أرواحها ولا قصاص، ويعتدى على أموالها ولا خلاص، ثم تكره على أن تفارق دينها الذي هو أعز شيء تغتبط به في هذه الحياة؟!
وجد أولئك المستعمرون فينا نفراً يحرصون على كسب المال وإن
стр. 4240
كان خبيثا، ويتساقطون على الجاه ولو من طرق دنيئة، فاتخذوا منها ألسنة تنطق، وأقلاماً تكتب، وأيدياً تبطش، فازداد قرحنا بأمثال هؤلاء فساداً، وأوشك داؤنا أن يكون عضالاً، ولا أقول: أصبح داؤنا عضالاً؛ لأن كل داء اجتماعي -بلغ من الخطر ما بلغ- قابل للعلاج وللبرء، إِلا أن تفقد الأمة أطباء يعرفون داءها، وينصحون في وصف دوائها.
يزعم أولئك المستعمرون انهم هبطوا شمال أفريقية ليقيموا للحرية سوقاً نافقة، ويعلموا شعوبه كيف تكون الإنسانية المهذبة، نعم، هبطوا، فوضعوا على أبواب الحرية أقفالاً، وعلّموا الناس كيف يطغى الأقوياء على الضعفاء، ويذيقونهم العذاب ألواناً.
يزعم أولئك المستعمرون أنهم هبطوا شمال أفريقية لينشروا مدنية ورفاهية، نعم، نشروا فيه جيوشاً من مقليهم يسمونهم: (المعمرين)، فاستولوا، وما زالوا يستولون على أخصب الأراضي بقانون جائر ويغير قانون، يحرصون أن يكونوا سادة مترفين، ويكون الوطنيون عبيداً بائسين، والمعمر هنالك يقتل الوطني رمياً بالرصاص، أو طعناً بمحدد لأقل سبب يثير غضبه، ولا يخشى أن يلقى على هذه الجناية الكبرى عقاباً.
يزعم أولئك المستعمرون أنهم هبطوا شمال أفريقية ليعمروه بالعلوم والفنون، نعم، مسكوا بزمام إدارة المعارف، وحصروا التعليم في دائرة ضيقة، ورسموا له طرقاً ملتوية، كذلك يصنعون؛ لأنهم يشعرون أن العبودية والعلم لا يجتمعان في شعب إِلا أن يجتمع الليل والنهار في مكان.
لم يكفهم وضع سلطانهم على الرقاب، وغلظة قلوبهم على الإرهاق، وجولة أيديهم في الأموال، وإفساد طريقة التعليم في المدارس، لم يشف