← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

إننا نضع هذه الحقائق أمام العالم المتمدن، عسى أن ينتبه ضميره، ويشعر بمسؤوليته، خصوصاً الدول التي قطعت على نفسها وعوداً بذلك، وقالت عن الحرب الأولى والثّانية: إنها حرب الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان، واشترك فيها -بناء على ذلك- المستضعفون بأوفر قسط من التضحيات، تضحيات الأرواح والأموال والجهود التي ضمنت النصر، وأنقذت الموقف في كثير من الفترات الحرجة، هذه الأمم تتطلب إنجاز الوعود التي قطعت لها أثناء حربين، والالتزامات التي أمضيت من طرف أنصار الحرية ورجال الديمقراطية بإزالة نظام الرق الاستعماري الفظيع؛ فإن العالم يوشك أن يصلى نار حرب ثالثة، ينادي هؤلاء المستضعفون لخوض غمارها باسم الحرية وحقوق الانسان، فلا يستجيبون، فإنهم إذا لم تعط لهم حقوقهم من الآن، وترد إليهم حريتهم، ويصبحون وبأيديهم حق يدافعون عنه، وكرامة إنسانية يفدونها بالمهج والأرواح، ويذودون عنها، ومثل عليا تهون عليهم في سبيلها التضحيات، إنهم إذا لم يعط لهم ذلك، لا يمكن أن يثقوا بوعود قطعت لهم مرتين، والتزامات وثقوا بها أثناء حربين، ثم هم لم يخرجوا من حرب الحرية والدفاع عن حقوق الإنسان إِلا إلى العبودية والعسف والامتهان. إن العالم لا يخلو من رسل الخير، ومثل الإنسانية الكاملة، وإنا نتوجه إلى هؤلاء بالنداء في كل أمة، ليتعاونوا على إزالة الشر، ومحاربة الظلم، والقضاء على جريمة الاستعمار، وإراحة العالم من أخطارها الوبيلة، وتبعاتها الملوثة للشرف الإنساني، المحطمة للمثل الأخلاقية العليا، التي يتجه العالم إليها اليوم لإخراج أمة موحدة، وعالم مجتمع في الخير والسعادة والسلام.

стр. 4237

الإمام محمد الخضر حسين قدوة الأفاضل من التونسيين كان الإمام محمد الخضر حسين على اتصال مع التونسيين العاملين في الحقل العلمي والسياسي، وكثيراً ما زوّدهم بالنصائح والتوجيهات التي تخدم القضية التونسية. ويكفي أن ننظر مثلاً لما اتخذه فيه العلماء من قدوة واسترشاد وسداد الرأي ما كتبه العلامة الأجل محمد الشاذلي النيفر حول مشاركته في الحياة العامة التونسية. قال من كتاب "بحوث ودراسات مهداة إلى الشيخ محمد الشاذلي النيفر إعداد مجموعة من الأساتذة وتقديم الشيخ محمد المختار السلامي": ساهمت مساهمة فعالة، وكنت والحمد لله إلى الإخلاص فيها والوفاق عندما انشقت الحركة، وقد اغتنمت فرصة سفري لحج الضرورة سنة ١٣٦٥ هـ الموافق لـ ١٩٤٦ م، فكاتبت قبل سفري إلى الحج في الباخرة (أندوس الثاني) الشيخ العلامة محمد الخضر حسين؛ لأجتمع به، وأستعين بآرائه للعمل في سبيل القضية التونسية، ولكن لن تتيسر له المقابلة، فكاتبني الشيخ مكبراً عملي ﵀ بما نصه: "جمعية الهداية الإسلامية - المركز العام: القاهرة ٢٩ شارع مجلس النواب ت ٥٣١٨٩. تحريراً في ٩ ذي الحجة ١٣٦٥ هـ. فضيلة العالم البارع الأستاذ الشيخ محمد الشاذلي النيفر - حفظه الله -،

стр. 4238

بعد إهداء أزكى تحية. تسلمت خطابكم الكريم، فأحمد الله على عافيتكم، وأشكركم على المراسلة، وكنت حريصاً على أن أزور الباخرة عند مرورها ببرت سعيد، ولاسيما بعد أن تلقيت برقية من ابن عمنا حضرة الفاضل السيد عبد الرحمن ابن علي بن عمر، ولكن حالتي الصحية عاقتني عن ذلك. وقد سررت جداً بحديثكم عن القضية التونسية، وسنجتهد في تعرف وقت مرور الباخرة بالسويس، أو برت سعيد؛ لعلّنا نحظى بلقائكم، ولو مقدار ساعة أو ساعتين. وإذا كان من الميسور لكم إعلامنا من جدّة، أو محجر الطور بيوم وصول الباخرة إلى السويس، أو برت سعيد، فنعمّا هو. وبلغوا أعز تحيتنا السيد عبد الرحمن، والأستاذ الشيخ علي بن الخوجة، والأستاذ الشيخ أحمد جعيط. فقد أبلغت أنهما ممن قصد أداء نافلة الحج في هذه السنة، وأعود فاقول: إني مبتهج بما يبلغني عنكم من النبوغ في العلم، والاتجاه إلى العمل للمصلحة العامة، ودمتم في سعي حميد. وتقبلوا أزكى السلام من أخي والدكم الجليل ﵀. محمّد الخضر حسين

стр. 4239

خطبة الأستاذ محمد الخضر حسين في دار جمعية الهداية الإسلامية في الاجتماع الذي عقد لذكرى مرور عام على الظهير البربري (١) أيها السادة! أصيب العالم الإسلامي بهذا البلاء الذي يسمونه: الاستعمار، وهو تهلكة الشعوب التي ليس بعدها تهلكة، وفتنتها التي لا تساويها فتنة، وهل تصاب الجماعة بأشد من أن يخرج أمرها من يدها، وتقع تحت سيطرة خصومها، تزهق أرواحها ولا قصاص، ويعتدى على أموالها ولا خلاص، ثم تكره على أن تفارق دينها الذي هو أعز شيء تغتبط به في هذه الحياة؟! وجد أولئك المستعمرون فينا نفراً يحرصون على كسب المال وإن

стр. 4240

كان خبيثا، ويتساقطون على الجاه ولو من طرق دنيئة، فاتخذوا منها ألسنة تنطق، وأقلاماً تكتب، وأيدياً تبطش، فازداد قرحنا بأمثال هؤلاء فساداً، وأوشك داؤنا أن يكون عضالاً، ولا أقول: أصبح داؤنا عضالاً؛ لأن كل داء اجتماعي -بلغ من الخطر ما بلغ- قابل للعلاج وللبرء، إِلا أن تفقد الأمة أطباء يعرفون داءها، وينصحون في وصف دوائها. يزعم أولئك المستعمرون انهم هبطوا شمال أفريقية ليقيموا للحرية سوقاً نافقة، ويعلموا شعوبه كيف تكون الإنسانية المهذبة، نعم، هبطوا، فوضعوا على أبواب الحرية أقفالاً، وعلّموا الناس كيف يطغى الأقوياء على الضعفاء، ويذيقونهم العذاب ألواناً. يزعم أولئك المستعمرون أنهم هبطوا شمال أفريقية لينشروا مدنية ورفاهية، نعم، نشروا فيه جيوشاً من مقليهم يسمونهم: (المعمرين)، فاستولوا، وما زالوا يستولون على أخصب الأراضي بقانون جائر ويغير قانون، يحرصون أن يكونوا سادة مترفين، ويكون الوطنيون عبيداً بائسين، والمعمر هنالك يقتل الوطني رمياً بالرصاص، أو طعناً بمحدد لأقل سبب يثير غضبه، ولا يخشى أن يلقى على هذه الجناية الكبرى عقاباً. يزعم أولئك المستعمرون أنهم هبطوا شمال أفريقية ليعمروه بالعلوم والفنون، نعم، مسكوا بزمام إدارة المعارف، وحصروا التعليم في دائرة ضيقة، ورسموا له طرقاً ملتوية، كذلك يصنعون؛ لأنهم يشعرون أن العبودية والعلم لا يجتمعان في شعب إِلا أن يجتمع الليل والنهار في مكان. لم يكفهم وضع سلطانهم على الرقاب، وغلظة قلوبهم على الإرهاق، وجولة أيديهم في الأموال، وإفساد طريقة التعليم في المدارس، لم يشف

стр. 4241

غليلهم هذا العسف والاضطهاد، فمدوا أيديهم ليصرفوا الإيمان عن قلوب أبنائنا، ويتبدلوا قوانينهم بأحكام شريعتنا. ألم ياتكم نبأ الفرنسيين بالمغرب الأقصى إذ يعملون على إخراج قبائل البربر من الحنيفية السمحة إلى النصرانية الكاثوليكية؟ ولا أطيل على حضراتكم بسرد الحجج على انهم يبذلون في هذه الغاية قوتهم، فقد قرأتم في مجلة "الفتح" وغيرها من الصحف وثائق لا يمسها الريب في حال. يقول الفرنسيون القائمون بحركة تنصير البربر: إن البربر لم يكونوا في يوم مسلمين بحق، يقولون هذا؛ ليخففوا عن المسلمين مصاب تنصيرهم، ويثبطوهم عن مقاومة هذه الحركة الباغية بما في وسعهم. ورأى المؤرخ ابن خلدون قد نظر إلى هذا الزعم بنور الله، وتصدى -وهو من علماء القرن الثامن- لرده بإسهاب، وإليكم نبذة مما قاله في وصف البربر من ناحية صدق إسلامها بعد أن تحدث عن كمال أخلاقها، وكرم طباعها، قال ﵀: "وأما إقامتهم لمراسم الشريعة، وأخذهم بأحكام الملة، ونصرهم لدين الله، فقد نقل عنهم من اتخاذ المعلمين كتاب الله لصبيانهم، والاستفتاء في فروض أعيانهم، واقتفاء الأئمة للصلوات في نواديهم، وتدارس القرآن بين أحيائهم، وتحكيم حملة الفقه في نوازلهم وقضاياهم، وصاغيتهم إلى أهل الخير والدين من أهل مصرهم للبركة في آثارهم، واغتشائهم البحر أفضل المرابطة والجهاد، وبيعهم النفوس من الله في سبيله وجهاد عدوه، ما يدل على رسوخ إيمانهم، وصحة معتقداتهم، ومتين ديانتهم التي كانت ملاكاً لعزهم، ومقاداً إلى سلطانهم، وكان المبرز في هذا المنتحل يوسف بن تاشفين،

стр. 4242

وعبد المؤمن بن علي، وبنوهم، ثم يعقوب بن عبد الحق بعدهم، وبنوه". هذا ما يقوله ابن خلدون شاهداً لأمة البربر بمتانة الدين، والعمل لإعلاء كلمته، ومن درس تاريخ تونس والجزائر والمغرب الأقصى والأندلس، ووقف على سير الملوك والعلماء الذي هم من هذا القبيل، وجد فيهم الإيمان الصادق، والعمل لظهور الدين بحسن نية، وخلوص سريرة، ووثق بأنهم كانوا من الأجنحة التي حلَّق بها الإسلام على أوطان مظلمة، فنزل بها، وبسط نور هدايته في ربوعها. وقبائل كانت لها في الإسلام هذه القدم الراسخة، يدمي قلوب المسلمين أن تمضي فرنسا في إفساد عقائدهم، ومحو تعاليم القرآن من ديارهم، فحق على علماء الإسلام وحماته في الشرق والغرب أن يسهروا في ابتغاء الوسائل إلى قمع هذه الفتن التي أخذت ترفع رأسها، وتكشر عن أنيابها، ولا يهولنا ما يكتنفها من النّار والحديد، فإن العاقبة حكمة الدعاية، وقوة الحجة، والصبر على المكاره. والسلام عليكم ورحمة الله. محمّد الخضر حسين

стр. 4243

قانون جمعية تعاون جاليات إفريقيا الشمالية: طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش أتى حين من الدهر على جاليات شعوب أفريقية وهم في خمول وتجاف، وما كان لأوطان أنبتت فاتحًا كأسد بن الفرات، وملكاً خطيراً كعبد المؤمن ابن علي، وفيلسوفاً كابن خلدون، وأديباً كابن رشيق، أن تبقى الجاليات التي تمثلها في القاهرة، وهي عاصمة الشرق في نهضته العلمية والاجتماعية، بعيدة عن مظاهر الحياة الراقية، حتى فاتهم أن يقوموا بحق ذوي الحاجات منهم، ويضربوا بسوط الموعظة والأدب الجميل على يد من سولت له نفسه أن يكتسب بها إثماً، أو يضعها في حرفة غير مشروعة. وقد بصرت طوائف من هذه الجاليات أن في الاجتماع مصالح تقصر دونها أيدي الأفراد، وإن أوتوا كرم النفس وسعة المال، فأرادوا أن يقتفوا أثر غيرهم من جاليات الشعوب الأخرى فيما عقدوه من جمعيات تعبر عن إحساسات سامية، وعواطف شريفة. ولم تهدأ خواطرهم حتى نهضوا يتداعون لتأليف جمعية خيرية إصلاحية، فوجدوا روح الشعور بالحاجة إليها مبثوثاً في نفوس ذوي الفطر السليمة منهم، وما لبثوا أن عقدوا اجتماعاً خاصاً لبيان مقاصد الجمعية، ورسم نظام تسير به في استقامة ونشاط، فكانت صفوة المفاوضة هي المواد التالية: أولاً: تألفت في مدينة القاهرة جمعية خيرية إصلاحية تسمى: "جمعية

стр. 4244

تعاون جاليات أفريقية الشمالية": طرابلس، وتونس، والجزائر، ومراكش. ثانياً: شعار الجمعية: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. ثالثاً: مقاصد الجمعية: ١ - تمهيد وسائل التعارف بين الطرابلسيين والتونسيين والجزائريين والمراكشيين، وإسعاف ذوي الحاجات منهم حسب الاستطاعة. ٢ - تنوير أفكارهم وجعلهم على بصيرة ممّا يقتضيه حال العصر ونظم الاجتماع. ٣ - بث الأخلاق الفاضلة بينهم، ودعوتهم بالتي هي أحسن إلى المظاهر الشريفة، والسير المحمودة. ٤ - الدفاع عن حقوقهم بالطرق الحكيمة السليمة. ٥ - يتوصل إلى هذه المقاصد الشريفة بإقامة منتدى تلقى فيه محاضرات علمية أدبية. رابعاً: أعضاء هذه الجمعية ثلاثة أقسام: ١ - عاملون: وهو كل طرابلسي، أو تونسي، أو جزائري، أو مراكشي يثبت على دفع معلوم الاشتراك المقرر في المادة الخامسة. ٢ - ومساعدون: وهم الذين يقومون للجمعية بعمل إداري، أو علمي، أو إرشادي، أو بمراسلتها بما يعود على مقاصدها بفائدة. ٣ - وأعضاء شرف: وهم الذين يتبرعون للجمعية بمبلغ ذي بال من المال، أو من يختارهم مجلس الادارة ليستنير في بعض الشؤون الخيرية أو الأدبية بآرائهم.

стр. 4245

خامساً: ويصح أن يكون العضو المساعد وعضو الشرف من غير جاليات أفريقية شمالية. سادساً: مقدار الاشتراك العادي في هذه الجمعية خمسة قروش في كل شهر. سابعاً: تنتخب الجمعية العمومية، وهي هيئة الأعضاء العاملين مجلساً لإدارة شؤون الجمعية بطريق الاقتراع السري. وتكون وظيفته لمدة سنتين. ثامناً: يتألف مجلس الإدارة من رئيس، وسبعة أعضاء، وكاتب السر العام، وأمين الصندوق. تاسعاً: ينتخب من كل جالية من الجاليات الأربع (طرابلس، تونس، الجزائر، مراكش) عضوان، ثم إن الأعضاء ينتخبون الرئيس من بينهم بطريق الاقتراع السري. عاشراً: ينتخب أمين الصندوق وكاتب السر العام من قبل الجمعية العمومية. الحادي عشر: حرصاً على طول حياة الجمعية، ومحافظة على أن تكون مسؤولة أمام سلطة واحدة، يشترط في مجلس الإدارة أن يتألف من أبناء الجاليات الأربع الذين تجري عليهم أحكام الدولة المحلية المصرية" الثاني عشر: إذا خلا مكان أحد أعضاء، أو أمين الصندوق، أو كاتب السر العام، انعقدت الجمعية العمومية في أقرب وقت ممكن لانتخاب من يحل محله. الثالث عشر: لا يصرف شيء من أموال الجمعية إِلا بقرار من مجلس الإدارة، وإنما التوقيع يكون من الرئيس، وكاتب السر العام، وأمين الصندوق.

стр. 4246

الرابع عشر: إذا تجاوز مال الجمعية مئة جنيه، يودع أمانة بلا فائدة في أحد البنوك باسم الجمعية. الخامس عشر: تنعقد الجمعية العمومية في منتهى كل سنة، وعندما يقتضي الحال اجتماعها، وذلك بدعوة كتابية من كاتب السر العام بعد الاتفاق مع الرئيس. السّادس عشر: تتكون أموال الجمعية من قيمة الاشتراك، وتبرعات أهل الفضل العارفين بما يترتب على تأليف الجمعيات الخيرية من الآثار الحميدة. السابع عشر: على مجلس الإدارة أن يقدم للجمعية العمومية تقريراً سنوياً ببيان أعمال الجمعية، وميزانيتها من واردات ومصروفات. الثامن عشر: تعديل هذا القانون يرجع إلى نظر الجمعية العمومية، وإنما يطرح على بساط المفاوضة إذا اقترحته طائفة من الأعضاء العاملين لا يقل عددهم عن عشرين عضواً، وللجمعية الحق في قبوله ورفضه. التاسع عشر: التعرض لتغيير شيء من مقاصد الجمعية، أو للإخلال بما ورد في المادة العاشرة من اشتراط أن يكون مجلس الإدارة مؤلفاً من أشخاص يتمتعون برعاية الدولة المحلية المصرية، يعد سعياً في إبطال الجمعية، وانفصالاً عن العضوية بها. العشرون: اطلع على هذا القانون جمع عظيم من الطرابلسيين والتونسيين والجزائريين والمراكشيين في القاهرة، وأجمعوا على قبوله، والتعاون على العمل بما يقتضيه، والله ولي التوفيق.

стр. 4247

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (١٧) «القَادِيَانِيَّة وَالبَهَائِيَّة» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ هنا بداية الجزء ٩/ ٣، في المصور عاملينه أكنه تبع ٩/ ٢ بس أنا رقمته وهذا للعلم

стр. 4248

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 4249

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة في كل زمان ومكان يطل أعداء الإسلام برؤوسهم الخبيثة، وأفكارهم السقيمة، وأقلامهم الزائفة عن الحق، محاولين الطعن والمساس بالشريعة الإسلامية الغراء، فينبري لهم علماء أجلة يردون عن الدين كيدهم، ويدفعونهم على أعقابهم خاسئين خاسرين. وفي حياة الإمام الأكبر المرحوم محمّد الخضر حسين - رضوان الله عليه - مواقف عظيمة، ومشاهد جليلة، ذاد فيها عن الدين الحنيف هجمات الباطل التي قام بها حملة الضلال والإفساد، فصرعهم الحق، ورماهم في ظلام النسيان، ولم نسمع لهم فحيحاً من بعد. وطائفة القاديانية، وكذلك طائفة البهائية أو البابية، تعرض المؤلف لهما في هذا الكتاب، وكشف القناع عن زيف آرائهما، ودفع بالحجة الساطعة أباطيل دعوتيهما، وكان لهذه المقالات شأنها الكبير في فضح هاتين الطائفتين أمام أنظار المسلمين، وحصر البلاء في نطاق، ومنع انتشاره بين الناس، ومن ثمَّ القضاء عليه. وليعلم القارئ: أن جميع أبحاث هذا الكتاب سبق أن نشرت في مجلة "نور الإسلام" التي يصدرها الجامع الأزهر في القاهرة، وترأس الإمام رئاسة تحريرها فترة من الزمن، وقد أشرنا إلى ذلك في مطلع كل مقال. ونضيف:

стр. 4250

أن بحث "طائفة القاديانية" سبق أن نشر في رسالة مطبوعة عام ١٣٥١ هـ بالقاهرة، كما أن بحث "البابية أو البهائية" نشر في كتاب "رسائل الإصلاح" الطبعة الأولى منه. والله نسأل السداد والتوفيق. على الرّضا الحسيني

стр. 4251

طَائِفَةُ القَادِيَانِيَّة * طائفة القاديانية: غلام أحمد: أصله، وولادته، ونشأته - ادعاء غلام أحمد الوحي والنبوة والرسالة -زعمه أن له آيات على صدقه- غروره وتفضيله نفسه على بعض رسل الله الأكرمين - تكفيره لمن لا يؤمنون برسالته -القاديانية فرقتان- وجوب مقاومتهم، والتحذير منهم. * تفنيد مذهب القاديانية: خيبة مدعي النبوة كذباً - انقطاع النبوة بعد رسول الله ﷺ دفع شبهة يتشبث بها القاديانية - دعوى غلام أحمد أنه أفضل من عيسى ﵇ تكفير غلام أحمد لمن عصمهم الله من اتباعه -تزوير داعية القاديانية- اقتراح غلام أحمد على علماء الهند أن يتركوه عشر سنين - ادعاء غلام أحمد النبوة. * نقض شُبه القاديانية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ [الأنعام: ٩٣] (صدق الله العظيم) قيل للأحنف بن قيس:

стр. 4252

- إن المختار بن عبيد يزعم أنه يوحى إليه. فقال: صدق، وتلا: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١].

стр. 4253

طَائِفَةُ القَادِيَانِيَّة (١) بُعث محمد ﷺ بشريعة واضحة لا يحوم عليها لَبس، محكمة لا تدنو منها شُبهة، وتلقاها عنه رجال صفت بصائرهم، وتناهت في فهم سبل الخير عقولهم، فبلَّغوها كما أمروا، وجاهدوا في سبيلها حتى انتصروا، وما زال الدين الحق -ولن يزال- رفيعَ الدعائم، محفوظاً من أن تلعب به يد الأهواء والمكايد، والفضل في هذا الحفظ للكتاب الكريم، والسّنة الصحيحة؛ فإنهما قد وجدا - وسيجدان- في كل عصر عقولاً تنظر فيهما وهي مبرأة من كل عوج، بعيدة من كل هوى، فسرعان ما تبصر الحقائق محفوفة بحجج تقطع لسان كل جهول، وتفضح سريرة كل ختال فخور، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وقد دلنا التاريخ الصادق أن الدين الحنيف يُبتلى في كل عصر بنفوس نزّاعة إلى الغواية، فتتنكب عن الحقائق، وتمشي في تحريف كلمه مكبَّة على وجهها. وليس هذا الإغواء بمقصور على من يدّعون التفقه في الدين ولم يتفقهوا؛ ككثير من زعماء الفرق المنحرفة عن الرشد، بل يتعداهم إلى فئة تسوّل له

стр. 4254

نفوسهم ادعاء أنهم مهبط الوحي، وأنهم يتلقون ما يقولونه بأفواههم من الله تعالى بدون وسيلة كتابه الحكيم، وحديث رسوله الكريم. ومن مدّعي النبوة من يذهب فينقطع دابره؛ كالحارث بن سعيد الذي ظهر في أيام عبد الملك بن مروان، واغتر به خلق حتى وقع في يد عبد الملك فقتله، ولم يبق له في الأرض أثر، وكإسحاق الأخرس الذي ظهر في خلافة السفّاح، واتبعه طوائف، وقتل فانقطعت فتنته. ومن مدعي النبوة من ييقى لدعوته أثر بعد موته، ومن هذا الصنف غلام أحمد مبتدع النحلة القاديانية. كثيراً ما وردتنا رسائل من البلاد العربية وغيرها -كأمريكا- يسأل كاتبوها عن أصل هذه النحلة، ومبلغ صلتها بالإسلام، وبالأحرى: بعد أن ظهر المقال الذي كشفنا فيه الغطاء عن النحلة البهائية، ونشرناه في الجزء الخامس من المجلد الأول من مجلة "نور الإسلام" (١). ووردتنا رسائل أخرى مطوية على ما يصرح به دعاة هذه النحلة من الآراء، ويقترح مرسلوها نقد هذه الآراء، وتحذير المسلمين من الوقوع في مهالكها، ولم نشأ التعرض للكتابة في شأنها قبل اليوم؛ إذ لم يكن لدينا من كتب أصحابها ما نطلع به على أساسها، ونعرف منه حال واضعها. وقد انساق إلينا اليوم من كتب مبتدعها غلام أحمد وبعض دعاتها ما جعلنا على بينة من أمرها، وها نحن أولاء نضع أمام حضرات القراء فصولاً فيما تقوم عليه هذه النحلة من المزاعم الخاطئة، ونلقي عليهم كلمات في نشأة واضعها؛ ليكونوا على بصيرة من أنها دعوى زائغة، ولا يغيب عنهم

стр. 4255

أن دعاتها الذين يجوسون خلال ديار الإسلام إنما يثيرون في نفوس شبابنا فتنة، والفتنة أشد من القتل. * غلام أحمد: أصله، وولادته، ونشأته: ساق غلام أحمد نسبه، فذكر أن آباءه كانوا يسكنون "سمرقند"، ثم رحلوا إلى الهند، واستوطنوا "قاديان"، وصارت لهم الرياسة في تلك الناحية. ثم دارت عليهم الدوائر، وانهالت عليهم المصائب، وذهبت عنهم تلك الرياسة، ونهبت أموالهم، وقال: "ثم ردّ الله إلى أبي بعض القرى في عهد الدولة البريطانية". ولد غلام أحمد سنة ١٢٥٢ هـ، ولما بلغ سن التعليم، شرع في قراءة القرآن، وبعض الكتب الفارسية، ولما بلغ العاشرة من عمره، تعلم اللغة العربية، ولما بلغ السابعة عشرة، اتصل بأستاذ، فتلقى عنه النحو والمنطق والفلسفة. وقرأ على أبيه كتباً في علم الطب. أنها العلوم الدينية، فلم يدرسها على أي معلم، وإنما كان له ولوع بمطالعتها (١). وعندما قطع مسافة في التعلم، كانت السلطة البريطانية قد امتدت على "البنجاب"، وكان الشبان يطمحون إلى المناصب، فاندفع غلام أحمد يبحث عن وظيفة، فذهب إلى "سيلكوت"، وتقلد وظيفة في إدارة نائب المندوب السامي، ثم استقال منها بعد أربعة أعوام؛ إجابة لرغبة أبيه الذي رأى نفسه في حاجة إلى مساعدته له في إدارة شؤونه الخاصة.

стр. 4256

وفي سنة ١٨٧٦ م (١) مرض أبوه، فزعم غلام أحمد أنه نزل عليه وحي من الله بأن أباه سيموت بعد الغروب، وكان هذا الإخبار في زعمهم أول وحي نزل عليه. وأخذ بعد هذا يصرح ببعض آراء زاعماً أنه يتلقاها من طريق الوحي، وكان المسلمون يلاقون هذه المزاعم بالإنكار الشديد، فرحل إلى بلدة "لودهيانة"، وأذاع منشوراً أعلن فيه أنه المسيح المنتظر، فقام في وجهه علماء الشريعة بالإنكار، ومن بين هؤلاء العلماء: مولوي محمد حسين صاحب جريدة "إشاعة السنّة". ودعا مولوي محمد حسين كثيراً من العلماء إلى "لودهيانة" لمناظرة غلام أحمد، ولكن الوالي (الكوميسر) في هذه الناحية كان في جانبه؛ فمنع من عقد المناظرة، وأرغم مولوي محمد حسين ومن معه من العلماء على مغادرة البلد في اليوم نفسه. ثم انتقل غلام أحمد إلى "دهلي" داعياً إلى نحلته، فواجهه العلماء بالإنكار، وطلبوه للمناظرة فيما يدعو إليه، وقرروا أن يتولى مناظرته مولوي نظير حسين أستاذ الحديث، فلم يجب غلام أحمد للمناظرة، ولكن -كما يقول أتباعه- دعا مولوي نظير حسين إلى المباهلة: بأن يحلف هذا الأستاذ على أن عيسى بن مريم ﵇ لم يزل حياً، وإذا حلف، ولم ينزل عليه في خلال سنة بلاء، يكون غلام أحمد كاذباً في نبوته، ولكن مولوي نظير حسين ومن معه من العلماء أبوا أن يسلكوا مع غلام أحمد هذه الطريقة بدل ما دعوه إليه من المناظرة. وبعد هذا دعا أهالي "دهلي" مولوي محمود بشير من مدينة "بهوبال"

стр. 4257

لمناظرة غلام أحمد، حكى هذا محمود بن غلام أحمد، ولم يزد على أن قال: وطبعت هذا المناظرة. وفي سنة ١٨٩٢ ذهب إلى "لاهور" أيضاً، فجرت بينه وبين مولوي عبد الحكيم مناظرة؛ ذكر هذه المناظرة أيضاً محمود بن غلام أحمد، ولم يتعرض لوصفها، أو لمن كان له الفوز في نهايتها وفي سنة ١٨٩٦ عقد مؤتمر الأديان في "لاهور"، وحضره ممثلو ملك كثيرة، ويقول محمود بن غلام أحمد: إن غلام أحمد هو الذي اقترح عقد هذا، المؤتمر، وغرضه من هذا الاقتراح: تعريف العالم بحقيقة رسالته، وقالوا: إنه كان عندما شرع في كتابة المقال الذي أراد إلقاءه في المؤتمر، أخذه إسهال عنيف، ثم أتمه، وزعموا أنه أوحي إليه بأن مقاله سيفوق كل ما يلقى في المؤتمر، ولا ينتظر منهم بعد هذا إِلا أن يقولوا: إن مقاله في الموّتمر كان فوق كل مقال، وذكروا أن أتباعه لذلك الحين لا يزيدون على ثلاث مئة شخص. وفي سنة ١٨٩٧ دعا حسين كامي سفير تركيا في البنجاب غلام أحمد للاجتماع، فلم يجب، فذهب إليه بنفسه، وسمع منه ما يدَّعيه من نزول الوحي، وبعد انصرافه عنه، نشر في صحف "لاهور" مقالاً أنكر فيه ما يدعيه غلام أحمد أشد الإنكار، وكان لهذا المقال أثر في ازدياد حنق المسلمين على غلام أحمد في تلك البلاد. وفي تلك السنة نشر غلام أحمد تحت عنوان: (الصلح خير) خطاباً لعلّماء الإسلام يدعوهم فيه أن يكفوا عن معارضته، والتشنيع عليه مدة عشر سنين، فإذا كان كاذباً، فسيصادفه ما يظهر كذبه، وإذا تبين صدقه، فستكون هذه الهدنة سبباً لمعرفتهم للحق، ونجاتهم من العقاب الذي

стр. 4258

ينزله الله على من يناوئونه. ولم تجد هذه المكيدة عند علماء الإسلام غباوة، فرفضوا هذا الاقتراح، واستمروا على تفنيد آرائه، وتحذير الناس من السقوط في ضلالته. وفي هذه السنة قصد غلام أحمد إلى التخلص من حملة المنكرين عليه، فلجأ إلى حكم الهند العام، وقدم له مطلبًا قال فيه: إن أصل اضطراب الهند هو المشاغبات الدينية، فيجب وضع قانون يسوغ لأتباع كل دين إظهار حقائق دينهم، ويحميهم من تعرض غيرهم له. وفي سنة ١٨٩٨ وضع لأتباعه قانوناً هو أن لا يزوجوا بناتهم لمن لم يكن مصدقا بنبوته، وفي هذه السنة أسس مدرسة بقاديان لتعليم أبناء شيعته حتى يشبوا على مبادى نحلته. وفي سنة ١٩٠٠ بنى مسجداً بقاديان، ولكن أقاربه الذين سلمهم الله من نزعاته بنوا أمام هذا المسجد جداراً جعل أشياعه لا يصلون إلى المسجد إِلا بعد أن يمشوا مسافة طويلة، فرفع غلام أحمد عليهم دعوى، فقضت المحكمة لإزالة الجدار. وفي هذه السنة ألقى على طائفته الخطبة التي يسميها: "الخطبة الإلهامية"، وأتباعه يعدونها من معجزاته، وسننقل فيما بعد شيئاً من هذيانها وضلالاتها. وفي سنة ١٩٠١ أمر أتباعه بإحصاء عددهم، وتقييد أسمائهم في سجل، قال ابنه محمود بشير: هذه السنة مبدأ التفريق بينهم وبين المسلمين. وفي سنة ١٩٠٢ أصدر مجلة لنشر مذهبه سماها مجلة: "الأديان"، وهي تنشر باللغتين: الأوردية والإنكليزية، وكان يكتب فيها بعض مقالات بنفسه. وفي هذه السنة أقام عليه السيد كريم الدين قضية ادعى فيها أنه تناوله

стр. 4259

بالقذف، واستدعي غلام أحمد إلى المحاكمة ببلدة "جهلوم"، وحضر لدى المحكمة، فقضت ببراءته. وفي سنة ١٩٠٣ قتل أحد دعاة مذهبه، وهو سيد عبد اللطيف بمدينة "كابل" بسبب مروقه من الدين، وفي هذه السنة كتب غلام أحمد مقالاً خرج فيه إلى شتم السيد كريم الدين حتى قال عنه: إنه كذاب لئيم، فرفع عليه السيد كريم الدين قضية قذف ثانية، واستدعي غلام أحمد إلى المحاكمة ببلدة "جردسبور"، فقضت عليه المحكمة بغرامة قدرها ٥٠٠ روبية، فاستأنف القضية لدى محكمة "أمرتسر"، وكان القاضي إنجليزياً، فنقض الحكم الأول، وقضى ببراءته. وسافر بعد إلى، "لاهور"، و"سيلكوت، ليخطب داعياً إلى مذهبه، فأصدر العلماء هنالك منشوراً ينصحون فيه الناس بأن لا يستمعوا إلى خطبه، وخطب مرّة واحدة، فثار الناس عليه بالإنكار، وحاولوا رميه بالحجارة، ولكنه كان -كما هو شأنه في هذه المواقع- محاطاً بالشرطة (البوليس)، فحموه حتى ركب القطار هارباً. وفي سنة ١٩٥٥ أسس مدرسة دينية عربية في "قاديان" لتخريج دعاة عارفين بمقاصد نحلته، وفي هذه السنة سافر إلى "دهلي"، فقام العلماء في وجهه، ولم يتمكن من الخطابة في محل عام، إِلا أن دعا طائفة إلى المنزل الذي يقيم فيه؛ ليبث بينهم مبادئ مذهبه، فلقي من بعض الحاضرين معارضة وإنكاراً، فغادر المدينة خائباً. وعند عودته من "دهلي" مر على بلد "أمرتسر"، وعزم على إلقاء خطبة في قاعة المحاضرات، وجاء العلماء يحذرون الناس من الاستماع إليه، ولما

стр. 4260

دخل قاعة المحاضرات، وأخذ يخطب، قدم له أحد أتباعه قدح شاي، وكان الاجتماع في نهار رمضان، فأخذ منه الرشفة الأولى، فصاح الحاضرون بالإنكار عليه، فأجاب بأنه مسافر، وقد رخص للمسافر الفطر في رمضان، ووقع عقب هذا هياج، فانقطع عن الخطابة، وانصرف في حماية الشرطة (البوليس)، واضطر إلى مغادرة المدينة. وفي سنة ١٩٠٥ زعم أنه أوحي إليه أن أجله قد قرب، وكتب الكتاب المعروف عندهم بالوصاية، ولكن أجله امتد بعد هذا نحو ثلاث سنين، وفي هذه السنة زعم أنه أوحي إليه بإنشاء مقبرة خاصة لأتباعه، وفرض على من يريد الدفن فيها أن يهب لخزنتهم ربع ماله. وفي سنة ١٩٠٧ قامت حركة وطنية في "البنجاب"، فانحاز غلام أحمد إلى جانب الحكومة، وأذاع منشوراً دعا فيه أتباعه إلى موالاة الحكومة ومساعدتها على إخماد الحركة الوطنية، ففعلوا. وفي هذه السنة انعقد مؤتمر الأديان في "لاهور"، وحضره مندوبو الديانات، وبعث غلام أحمد مقالاً ليقرأ في المؤتمر، ولما قام أحد أتباعه لقراءته، قابله جماعة من الحاضرين بالازدراء، ورموه بكلمات الاستهزاء. وفي سنة ١٩٠٨ ذهب إلى "لاهور"، وعندما وصل إليها، أنكر المسلمون مجيئه، وصار العلماء يجتمعون كل يوم بعد صلاة العصر في براح حول منزله، ويلقون خطباً يحذرون فيها الناس من الاغترار بمزاعمه. وكان غلام أحمد مبتلى بإسهال مزمن، فاشتد عليه وهو في "لاهور"، ومات في مايو من هذه السنة ١٩٠٨ الموافقة لسنة ١٣٢٦ هجرية، ونقل إلى "قاديان"، ودفن بها، وانتخب أتباعه لرياسة المذهب حكيم نور الدين حتى

стр. 4261

مات سنة ١٩١٤، فانتقلت الرياسة إلى بشير الدين محمود ابن واضع هذه النحلة غلام أحمد، وهو رئيسهم لهذا العهد. * ادعاء غلام أحمد الوحي والنبوة والرسالة: يزعم غلام أحمد أنه ينزل عليه الوحي، ومما قاله في الخطبة الإلهامية: "هذا هو الكتاب الذي ألهمت حصة منه من رب العباد في يوم عيد من الأعياد". ثم قال: "بل هي حقائق أوحيت إليّ من رب الكائنات لا. ثم قال: "وقد أوحي إليّ من ربي قبل أن ينزل الطّاعون أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا". ولم يدَّع أحد من الصحابة، ولا من السلف الصالح أنه يأتيه الوحي من الله، ولو اقتصر غلام أحمد على دعوى الوحي، لقلنا: لعله يريد من الوحي: الإلهام، كما قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]. ويبقى النظر فيما زعم من الإلهام، فإن كان موافقاً لنصوص الدين أو أصوله، سكتنا عنه، وإن كان مخالفاً لشيء منه، رددناه عليه. ولكنه يصرح في كتبه بأنه نبي ورسول، قال في الخطبة الإلهامية: "أرأيتم إن كنت من عند الله، ثم كذبتموني، فما بالكم أيها المكذبون". وقال: "إنكم ترون كيف تنصر الناس، وارتدوا من دين الله؛ ثم تقولون: ما جاء مرسل من عند الله، مالكم كيف تحكمون". وقال: "فأنعم الله على هذه -يعني: أمة الإسلام- بإرسال مثيل عيسى، وهل ينكر بعده إِلا العمون". وقال: "وكان عيسى علماً لبني إسرائيل، وأنا علم لكم أيها المفرطون"!. وفي منشور لأصحابه عنوانه: "شرائط الدخول في جماعة الأحمدية" ما نصه: "إن المسيح الموعود -يعني: غلام أحمد- كان مرسلاً من الله تعالى،

стр. 4262

وإنكار رسل الله تعالى جسارة عظيمة قد تؤدي إلى الحرمان من الإيمان". وقال أحد دعاتهم أبو العطاء الجلندهري: "كلَّم الله أحمد -يعني: غلام أحمد- بجميع الطرق التي يكلم بها أنبياءه؛ لأن الأنبياء في وصف النبوة سواء (١) ". يدّعي غلام أحمد النبوة والرسالة غير مبال بالقرآن والسنّة وإجماع الأمة، في هذه الأصول الثلاثة حجج على أن المصطفى - صلوات الله عليه - هو آخر النبيين والمرسلين. أما القرآن، ففي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. فعلى قراءة (خاتم) بكسر التاء، يكون وصفاً له ﵊ بأنه ختم الأنبياء؛ أي: لا ينال أحد بعده مقام النبوة، فمن ادعاها، فقد ادعى ما ليس له به من سلطان. وقراءة (خاتم) بفتح التاء ترجع إلى هذا المعنى؛ فإن الخاتم -بالفتح- كالخاتم -بالكسر- يستعمل بمعنى: الآخر، ذكر هذا علماء اللغة، وجرى عليه المفسرون المحققون، وجاءت السنة الصحيحة مبينة لهذا المعنى، ففي "صحيح الإمام البخاري" عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : أنه قال: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي". وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله إِلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلّا وضعت

стр. 4263

هذه اللبنة"، قال: "فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين". وفي رواية مسلم عن جابر ﵁: "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء". وروى الإمام أحمد بسنده إلى أبي الطفيل: أن رسول الله ﷺ قال: "لا نبوة بعدي إِلا المبشرات"، قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: "الرؤيا الحسنة -أو قال- الرؤيا الصالحة". إلى غير هذا من الأحاديث وآثار الصحابة الصريحة في أن النبوة انتهت بنبوته ﵊، وعلى هذا انعقد إجماع المسلمين، وأصبح بمنزلة المعلوم من الدين بالضرورة. قال الإمام ابن كثير عند تفسير: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: "وقد أخبر الله تعالى في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو كذّاب أفاك دجال مضل". وقال الألوسي في "تفسيره": "وكونه ﷺ خاتم النبيين ممّا نطق به الكتاب، وصدعت به السنّة، وأجمعت عليه الأمة. فيكفر مدّعي خلافه". وما كان لمسلم أن يؤول القرآن والسنّة الصحيحة تأويل من لا ينصح لله ورسوله ليجيب داعية هوى في نفسه، وانظروا إلى غلام أحمد وطائفته كيف تخبطوا في تأويل: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وما يبينها من الأحاديث المحكمة، ولا داعي لهم إلى هذا التخبط، إِلا أن رجلاً من "قاديان" استحب الهوى على الهدى، فأدعى أنه نبي مرسل، وملأ فمه باللغو وقول الزور، والتملق لغير المسلمين. ومن وجوه تأويله حمله لحديث: "لا نبي بعدي" على معنى أنه لا يأتي بعده نبي من غير أمته. وهذا الوجه اختلسه من متنبئ آخر يقال له: إسحاق الأخرس ظهر في

стр. 4264

أيام السفّاح؛ فإنه زعم أن ملكين جاءاه وبشراه بالنبوة، فقال لهما: وكيف ذلك وقد أخبر الله تعالى عن سيدنا محمد أنه خاتم النبيين؟ فقالا له: صدقت، ولكن الله أراد بذلك أنه خاتم النبيين الذين هم على غير ملته وشريعته. وليس الوحي عند هذه الطائفة بمقصور على زعيم نحلتهم، بل يدَّعون أن أتباعه أيضاً ينزل عليهم الوحي، ومما رأيناه في منشور وضعه رئيسهم لهذا العهد، وترجمه عبد المجيد كامل، وطبع في مصر: "أن طريق الوحي لا يمكن أن يسد في وجوه الناس"، وفي هذا المنشور: "أن المهدي والمسيح قد ظهر في الهند بمحل يقال له: "قاديان"، وانه يوجد الآن آلاف من حواريه يستمعون الوحي الإلهي". ومما زعم غلام أحمد أنه أوحي به إليه: "وإني جاعلك للناس إماماً ينصرك رجال نوحي إليهم". بأي لسان يدّعون الوحي، وهذه مقالات غلام أحمد ورسائله طافحة بأقوال منقطعة عن الحكمة، عارية عن الصدق، والمعقول منها قد قاله أناس، أو قالوا مثله، أو خيراً منه، ولم يخطر على بالهم ادعاء أنه وحي كلمهم به الله تعالى، أو نزل عليهم به الرُّوح الأمين! ومن خطله المكشوف: أنه يأتي إلى آيات أو جمل من القرآن المجيد، فينقلها كما هي، ويضم بعضها إلى بعض في صحائف، ويزعم أنها وحي نزل عليه. ينكرون أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ويوردون على هذا شبهاً لا تزن عند أولي العلم جناح بعوضة، كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. متشبثين بأن قوله: ﴿يَصْطَفِي﴾ فعل مضارع، والمضارع للاستقبال.

стр. 4265

ودفعُ هذه الشبهة أن الفعل الواقع في الماضي قد يعبر عنه بصيغة المضارع لمقتضيات بلاغية، منها: أن يكون المعنى موضع غرابة؛ فإن المضارع من جهة دلالته على الحال يتوسل به المتكلم البليغ إلى إخراج الحادث الغريب في صورة الواقع في الحال؛ ليبلغ تعجب المخاطب من وقوعه مبلغ تعجبه من الصورة البديعة في حال مشاهدتها. وعلى هذا الوجه ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]. قال: ﴿فَيَكُونُ﴾، والموضع في الظاهر للماضي؛ لأن وجود إنسان من غير أب حادث غريب، فحاله يقتضي أن يعبر عنه بالمضارع؛ لإحضاره في ذهن المخاطب حتى فإنه مشاهد له. ومن دواعي التعبير عن الماضي بصيغة المضارع: الإشارة إلى استمرار الفعل وتجدده فيما مضى حيناً بعد حين؛ فإن الاستمرار التجددي يستفاد من المضارع على ما جرى عليه استعمال البلغاء، وصيغة الماضي لا تعرج على هذا المعنى. فالتعبير بصيغة المضارع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. يدل على معنى زائد على أصل الاصطفاء الذي يدل عليه الماضي، ويقف عنده. وذلك المعنى هو أن اصطفاء الرسل كان يتجدد، ويقع مرّة بعد أخرى، والقرينة الشّاهدة بأن ﴿يَصْطَفِي﴾ مراد منه الاصطفاء الواقع قبل نزول هذه الآية هي آية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، والأحاديث المستفيضة في إغلاق باب الرسالة والنبوة.

стр. 4266

فاستعمال المضارع موضع الماضي في كلام البلغاء خارج عن حد الإحصاء، وًايات الكتاب يفسر بعضها بعضاً، كما أن السنّة تبين الكتاب. ويزعم غلام أحمد أنه رسول، وانه هو المراد من الحديث الوارد في نزول ابن مريم حكماً عدلاً، وأخذ يمشي في تأويل ألفاظ الحديث على عوج، على أنه حاول في الخطبة الإلهامية صرف الناس عن العمل بالأحاديث النبوية، وحرّف كثيراً من آيات القرآن المجيد على زعم أنه نزلت لتخبر بظهوره، وتنوه بشأنه، منها قوله في آية: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢]: "هذه بشارة بأنه سيكون في هذه الأمة الإسلامية رجل في درجة مريم الصديقة، ثم ينفخ فيه روح عيسى، فبهذا مريم يخرج منه عيسى؛ أي: أن الرَّجل ينتقل من صفاته المريمية إلى صفاته العيسوية، فكأنما كينونته المريمية أنتجت كينونته العيسوية، وبهذا المعنى يسمى ذلك الرجل: ابن مريم). ولا نريد أن نكثر في هذا المقام من ذلك اللغو والهزل، إِلا أن تدعو الحاجة إلى زيادة الكشف عن فضائح هذه النحلة من بعد. بدا لغلام أحمد أن يدّعي النبوة والرسالة، وخشي خيبة دعوته حتى لدى العامة الذين يأبون الخروج من الإسلام إلى نحلة تعلن أنها ناسخة له، فادّعى أن رسالته مؤيدة للإسلام، لا ناسخة لشريعته، فقال في الخطبة الإلهامية: "أم يقولون: إنا لا نرى ضرورة مسيح ولا مهدي، وكفانا القرآن، وأنا مهتدون، ويعلمون أن القرآن لا يمسه إِلا المطهرون، فاشتدت الحاجة إلى مفسر زكي من أيدي الله، وأدخل في الذين يبصرون".

стр. 4267

قال هذا ليتألف الغافلين، ولما كانت في نفسه حاجات يريد قضاءها، وعرف أن هذه الحاجات ينبذها الكتاب والسنّة، حاول إسقاط السنّة من أصول الشريعة، وفتح بعد هذا لتأويل القرآن باباً من صنف الأبواب التي فتحها الباطنية من قبله، فأصبح في غنى عن ادعاء أنه جاء بشريعة مستقلة؛ إذله أن يقرر هو وأتباعه ما تدعوهم إليه أهواؤهم، فإن قيل لهم: هذا يخالف نص الشارع الحكيم، أنكروا صحة النص، أو دخلوا إلى تأويله من الباب الذي دخل منه الباطنية وهم يمكرون. * زعمه أن له آيات على صدقه: قال غلام أحمد في الخطبة الإلهامية: "وإن تعدوا دلائل صدقي، لا تحصوها"، ولم نقف على شيء من هذه الدلائل إِلا ما يشابه براءته من قضايا القذف التي كانت تقام عليه، أو نجاته من أذى العامة حيث يكون محاطاً بالشرطي، محروساً من الحكومة بقوة الحديد، وأراد أن يجعل دليل صدقه رواج دعوته عند طائفة الغافلين عن سبيل الحق، فقال في الخطبة الإلهامية: "ولو كان هذا الأمر والشأن من عند غير الله، لمزق كل ممزق، ولجمع علينا لعنة الأرض والسماء، ولأفاز الله أعدائي بكل ما يريدون". وقد لقي كثير من الدعاوى المزورة مثلما لقيت دعوته أفراداً ضربت في نفوسهم الجهالة، فلا يقدرون مقام النبوة والرسالة، ولا يفرقون بين من يدعيها حقاً، ومن يدعيها وهو لا يرجو لله وقاراً، ولو كان رواج الآراء بين طائفة من البشر دليلاً على أنها حق، لكانت البهائية من المذاهب الرشيدة، والقاديانيون يعدونها كما يعدها المسلمون نحلة غاوية. وإن للباطل لصولة، حتى إذا أخذ أهل العلم بيد الحق، وأحكموا أساليب الدفاع عنه، تضاءل الباطل،

стр. 4268

فإما أن ينقطع أثره، وإما أن يبقى شعار فئة كان لله في إيثارها الظلام على النور حكمة بالغة. يذكر غلام أحمد في مؤلفاته: المباهلة، ويزعم أنها تجري بينه وبين بعض المنكرين عليه، فيكون الظفر له، ولسوء حظه سلك هذه الطريقة مع الأستاذ أبي الوفاء ثناء الله، فخسرت مباهلته، وتركها آية تنادي بخذلانه، ولكن بعض المكبين على الباطل في صمم، فهم لا يسمعون. ضاقت الأرض على غلام أحمد عندما نهض الأستاذ العلامة مولوي ثناء الله لإبطال نحلته، ورمى بالحجج الدامغة، فكتب غلام أحمد دعاء طويلاً خاطب فيه الشيخ ثناء الله. وهذا هو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] حضرة المولوي ثناء الله. السلام على من اتبع الهدى، إن سلسلة تكذيبي جارية في جريدتكم "أهل الحديث" من مدة طويلة، أنتم تشهدون فيها أني كاذب دجال مفسد مغتر، ودعواي للمسيحية الموعودة كذب وافتراء على الله، إنِّي أوذيت فيكم إيذاء، وصبرت عليه صبراً جميلاً، لكن لما كنت مأموراً بتبليغ الحق من الله، وأنتم تصدون الناس عني، فأنا أدعو الله قائلاً: يا مالكي البصير القدير العليم الخبير! تعلم ما في نفسي، إن كان دعواي للمسيحية الموعودة افتراء مني، وأنا في نظرك مفسد كذاب، والافتراء في الليل والنهار شغلي، فيا مالكي! أنا أدعوك بالتضرع والإلحاح أن تميتني قبل المولوي ثناء الله، واجعله وجماعته مسرورين بموتي، يا مرسلي! أدعوك آخذاً بحظيرة القدس لك أن تفصل بيني وبين المولوي ثناء الله: أنه من كان مفسداً في

стр. 4269

نظرك، كاذباً عندك، فتوفه قبل الصادق منا، ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]. الراقم عبد الله الصمد مرزا غلام أحمد المسيح الموعود عافاه الله وأيد عزّه ربيع الأول ١٣٢٥ وصدر هذا الدعاء في أول يوم من رييع الأول ١٣٢٥ (١٥ أبريل ١٩٠٧)، وقد مات غلام أحمد بعد هذا الدُّعاء بنحو سنة، أنها الأستاذ ثناء الله، فهو ما زال يتمتع بالسلامة لهذا العهد، وما زال يعمل للذود عن الدين الحنيف، والكشف عن فضائح تلك النحلة المزورة. يعلم غلام أحمد أن يده فارغة مما يصلح أن يكون دليلاً أو شبه دليل على نبوته، فانتهز ظهور الطّاعون بالبنجاب فرصة لاصطياد الغافلين المستضعفين، فزعم أنه أوحي إليه بأن هذا الطاعون ينجو منه من يؤمنون به بقلب خالص، أو يكفون في الأقل عن تكذيبه وذمه، ويحملون له في قلوبهم تعظيماً (١)، قال هذا ليستهوي الأغبياء الذين شأنهم الانقياد إلى من يعدهم بالنجاة من كل بلاء هو نازل بهم، وإن لم يعدهم إِلا غروراً. * غروره وتفضيله نفسه على بعض رسل الله الأكرمين: ملك غلام أحمد الغرور والتعاظم، فانهال يحثو لنفسه من الإطراء ما شاء، ومما أورده في كتاب الاستفتاء على أنه خطاب له من الله تعالى: "أنت

стр. 4270

مني بمنزلة توحيدي وتفريدي، أنت مني بمنزلة عرشي، أنت مني بمنزلة ولدي". وقال في مقال له ورد في كتاب "أحمد رسول العالم الموعود": "فالواقع أن الله القدير قد أبلغني أن مسيح السلالة الإسلامية أعظم من مسيح السلالة الموسوية"، ويعني بمسيح السلالة الإسلامية: نفسه، فغلام أحمد يزعم أنه أفضل من عيسى ﵇. ومما ادعى أن الله خاطبه به: "إني خلقتك من جوهر عيسى، وإنك وعيسى من جوهر واحد، وكشيء واحد (١) ". ووقع في يدي كتاب لغلام أحمد نقله أحد أتباعه إلى العربية، فوجدته قد تحدث فيه عن الوحي، ثم ذكر مقامًا: "يشافه الله فيه العبد بالكلام، وينطق في باطنه، ويتخذ من جنانه عرشه، ويعطيه كل نعمة مما كان قد أعطاها الأولين". ثم قال: "إنني لأكون قد ظلمت بني نوعي إن لم أعلن لهم في هذه السّاعة أنني على ذلك المقام الروحي الذي وصفته هذا الوصف، وأن الله قد أعطاني من المكالمة المرتبة التي ذكرتها بالتفصيل". وذكر الشيخ ثناء الله جملاً صدرت من غلام أحمد مأخوذة من كتبه، وله مؤلفات بالأوردية والفارسية، ومن هذه الجمل قوله: "اتركوا ذكر ابن مريم؛ فإن غلام أحمد خير منه". ومنها قوله: "ما أعطاه الله لكل نبي واحداً واحداً أعطاه لي جميعاً". ومنها قوله: "قال الله: إنّ أمْرَك إذا أردت شيئاً أن تقول له: كن فيكون". ومؤلفاته مملوءة بمثل هذه الجمل الطاغية. * تكفيره لمن لا يؤمنون برسالته: يجعل غلام أحمد المسلمين الذين لا يقبلون دعوته كفاراً، ويمثلهم

стр. 4271

في كتبه باليهود، ومما قال في الخطبة الإلهامية: "فإن نبيّنا المصطفى كان مثيل موسى. وكانت سلسلة خلافة الإسلام كمثل سلسلة خلافة الكليم - عليه من الله السلام -، فوجب من ضرورة هذه المقابلة والمماثلة أن يظهر في آخر هذه السلسلة مسيح كمسيح السلسلة الموسوية؛ ويهود كاليهود الذين كفروا عيسى وكذبوه". وكرر هذا المعنى، وهو تمثيل نفسه بعيسى ﵇، وتمثيل المسلمين الذين ازدروا دعوته باليهود في كتبه كثيراً. وفي نشرتهم "شرائط الدخول في الأحمدية" التصريح بأن المسلمين الذين يكذبون غلام أحمد أحط درجة من المنافقين. وفي نص عبارتهم: "وكذلك لا يجوز لأحمدي أن يصلي على غير أحمدي. فكأنه بفعله يشفع إلى الله لمن أصر على مخالفة المسيح وإنكاره، ومات عليه. مع أن الله يمنع أن يصلّى على المنافقين. فكيف على من كفر بمأمور من الله؟ ". وقد يصف غلام أحمد المسلمين بأنهم أعداء لأهل مذهبه؛ كما قال في مقال (١) يخاطب فيه أتباعه: "فاذكروا دائماً أن الحكومة الإنكليزية هي رحمة وبركة لكم. فهي الدرع التي تقيكم. إن الإنكليز خير ألف مرّة من المسلمين الذين هم أعداؤكم"!. وعلم غلام أحمد أن علماء الإسلام هم الذين يعرفون سريرته. ويحذرون الناس من فتنته، فكان يكثر من قذفهم، ويحثّ أتباعه على بغضهم، قال في مقال له نشر في كتاب "تعاليم المسيح المنتظر": "ونصيحتي لجميع أتباعي أن يبغضوا المولوية -علماء المسلمين- الذين يريقون الدم الإنساني تحت ستار الدين، ويأتون من الآثام أسوأها وراء حجاب التقوى، وعلى

стр. 4272

أتباعي أن يقدروا هذه الحكومة الإنكليزية، ويظهروا لها شكرهم واعترافهم بالجميل، بالولاء وحسن الطاعة". ويرى (رسول آخر الزمان) غلام أحمد بعده من المسلمين نعمة تستحق الشكر. كتب الدكتور زكي كرام من "برلين" إلى جريدة "حضرموت" بجاوة مقالاً تحدث فيه عن القاديانية في برلين، ونشرته في العدد الصادر يوم السبت ٨ المحرم سنة ١٣٥١، ومما قال في هذا المقال: إنه زار هو والأمير شكيب أرسلان إمام الجامع الذي بنته هذه الطائفة ببرلين. فأطلعهم الإمام على كتاب لغلام أحمد نفسه، فنقل منه الأمير جملاً، ومن هذه الجمل: أنه - أي: غلام أحمد - "يحمد الله حيث ولد تحت راية إنكليزية وبعيداً من المسلمين"!. * القاديانية فرقتان: كانت القاديانية في أيام غلام أحمد وأيام خليفته نور الدين مذهباً واحداً؛ غير أنهم في آخر حياة نور الدين ابتدأ شيء من الاختلاف يدبّ فيما بينهم، وعندما مات نور الدين، انقسموا إلى شعبتين: شعبة "قاديان"، ورئيس هذه الشعبة محمود بن غلام أحمد، وشعبة "لاهور"، وزعيمها محمد علي مترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية. أنها شعبة قاديان، فأساس عقيدتها أن غلام أحمد نبي مرسل، وأمّا شعبة "لاهور"، فظاهر مذهبها: أنها لا تثبت النبوة لغلام أحمد، ولكن كتب غلام أحمد مملوءة بادعاء النبوة والرسالة، فماذا يصنعون؟. ولشعبة "لاهور، ضلالة يبثونها في كتبهم: هي إنكار أن يكون المسيح ﵇ ولد من غير أب؛ وزعيم هذه الشعبة محمد علي يصرح بأن

стр. 4273

عيسى ﵇ ابن يوسف النجار. ويحاول تحريف بعض الآيات لتوافق هذه العقيدة (١). ونشرت مجلتهم "المجلة الإسلامية" التي تصدر في "ووكنج" بإنكلترة مقالاً للدكتور (مركوس)، وفي هذا المقال: "أن محمداً ﵇ يصرح بأن يوسف أبو عيسى ﵇"، ولم يعلقوا على هذه الجملة كلمة؛ لأنها جاءت على وفق نحلتهم. وكذلك كان محمد علي في ترجمته للقرآن يذهب مذهب الترجمة الحرفية، ثم يضع في أسفل الصحيفة حواشي يؤول فيها ما ترجمه حرفياً، ويرتكب في تأويلها وجوهاً يحذو بها حذو نحلتهم؛ كما فعل في قوله تعالى: [أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] فقد نحا في تأويلها نحو منكري المعجزات؛ وتصرف في معانيها تصرف من لا يدري أن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين. * وجوب مقاومتهم، والتحذير من دعايتهم: للقاديانية حركة نشيطة في الدعوة إلى نحلتهم، ولما كانوا يقيمون هذه النحلة على شيء من تعاليم الإسلام، أمكنهم أن يدّعوا أنهم دعاة للإسلام، ولاسيما شعبة "لاهورد" التي تعلن أن غلام أحمد مصلح ومجدد لا نبي، وقد أصبح الناس الذين لا يعرفون هذه النحلة يعتقدون أنهم دعاة للإسلام

стр. 4274

بحق، وربما أثنوا على سعيهم، وعاتبوا من يكتب في تحذير المسلمين من أباطيلهم. ولو اقتصرت هذه الطائفة على نشر دعوتها بين قوم غير مسلمين، لخفّ علينا خطرها، وآثرنا الاشتغال بمجاهدة غيرها من المضللين والملحدين، ولكنهم طمعوا في أخذ الشعوب التي تدرس القرآن والسنّة، وتستضيء بهدايتهما، وراموا صرفها إلى الاعتقاد برسالة غلام أحمد وما يتبعها من ضلالات، فبعثوا بدعاتهم إلى سورية وفلسطين ومصر، وجدة والعراق، وغيرها من البلاد الإسلامية، وقد وجدت دعايتهم -على ما فيها من سخف- أحداثاً فرط أولياؤهم في تربيتهم على أدب الدين، فقبلوها غروراً. يذكر القاديانيون: أن لهم دعاة في الصين والهند، والعجم والعراق، وجدة وسورية وفلسطين ومصر، وقرأنا في كتاب لهم مطبوع سنة ١٩٣٢: أن داعيتهم في مصر الشيخ محمود أحمد في شارع كذا، وقد رأيتم علماء الهند كيف قاوموا هذه الفئة، وما زالوا يقاومونها، وممن وصلتنا آثارهم في مقاومتها: علماء سورية، فقد كتبوا الرسائل في الرد عليها، وإيقاظ المسلمين لما يبثونه من آراء تقوض بناء العقيدة، وآراء تربي نفوس النشء على الرضا بالاستكانة والانقياد لكل يد تقبض على زمامهم انقياد الأعمى. وها نحن أولاء قد كتبنا هذا المقال؛ ليحذر مسلمو مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية فتنة هذه الطائفة حذرَهم من فتنة الطائفة البهائية، ولنا الأمل في علمائنا ووعاظنا أن يقعدوا لدعاة هاتين الطائفتين كل مرصد، ويعالجوا كل قلب اعتل بشيء من وساوسهما: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 4275

تفنيد مذهب القاديانية كتبنا في الجزء السابع من المجلد الثالث من "نور الإسلام" (١) مقالاً في نشأة النحلة القاديانية، وأوردنا فيه شيئاً من نزعات هذه النحلة الفاسدة، وأرينا القراء أنها نحلة مارقة من الدين، عاملة على تفويض أركانه تحت ستار اسم الدعوة إليه. كتبنا ذلك المقال لنفتح أعين جماعات المسلمين على جانب مما يبيته غلام أحمد وأتباعه من شر، حتى لا يغتر أحد بما يزخرفونه من قول، أو بما يخلعونه على أنفسهم من ألقاب زائفة. وقد عنيت بنشر هذا المقال صحف متعددة، وكان له - بتوفيق الله تعالى - أثر في إيقاظ من كانوا عن هذه النحلة في غفلة، حتى تبرأ منها فريق كانوا يحسبونها على شيء من الرشد، ونبذوها نبذ النواة. أما من جعل الله صدورهم ضيقة حرجة، فقد استغاثوا داعيتهم بفلسطين لعلهم يجدون عنده من قوة الجدل ما يذود عن ترهاتهم، وششر فضائحهم، فكتب مقالاً شغل به صفحات كثيرة من أوراق يصدرونها لترويج مزاعمهم في البلاد العربية، ولم يزد في هذا المقال على أن اعترف ببعض ما عزوناه إلى نحلتهم من زيغ وإلحاد، وذهب ببعضه مذهب التأويل المنبوذ على البداهة، وقابل بعضه بالإنكار،
следующие страницы →