← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

في كتبه باليهود، ومما قال في الخطبة الإلهامية: "فإن نبيّنا المصطفى كان مثيل موسى. وكانت سلسلة خلافة الإسلام كمثل سلسلة خلافة الكليم - عليه من الله السلام -، فوجب من ضرورة هذه المقابلة والمماثلة أن يظهر في آخر هذه السلسلة مسيح كمسيح السلسلة الموسوية؛ ويهود كاليهود الذين كفروا عيسى وكذبوه". وكرر هذا المعنى، وهو تمثيل نفسه بعيسى ﵇، وتمثيل المسلمين الذين ازدروا دعوته باليهود في كتبه كثيراً. وفي نشرتهم "شرائط الدخول في الأحمدية" التصريح بأن المسلمين الذين يكذبون غلام أحمد أحط درجة من المنافقين. وفي نص عبارتهم: "وكذلك لا يجوز لأحمدي أن يصلي على غير أحمدي. فكأنه بفعله يشفع إلى الله لمن أصر على مخالفة المسيح وإنكاره، ومات عليه. مع أن الله يمنع أن يصلّى على المنافقين. فكيف على من كفر بمأمور من الله؟ ". وقد يصف غلام أحمد المسلمين بأنهم أعداء لأهل مذهبه؛ كما قال في مقال (١) يخاطب فيه أتباعه: "فاذكروا دائماً أن الحكومة الإنكليزية هي رحمة وبركة لكم. فهي الدرع التي تقيكم. إن الإنكليز خير ألف مرّة من المسلمين الذين هم أعداؤكم"!. وعلم غلام أحمد أن علماء الإسلام هم الذين يعرفون سريرته. ويحذرون الناس من فتنته، فكان يكثر من قذفهم، ويحثّ أتباعه على بغضهم، قال في مقال له نشر في كتاب "تعاليم المسيح المنتظر": "ونصيحتي لجميع أتباعي أن يبغضوا المولوية -علماء المسلمين- الذين يريقون الدم الإنساني تحت ستار الدين، ويأتون من الآثام أسوأها وراء حجاب التقوى، وعلى

стр. 4272

أتباعي أن يقدروا هذه الحكومة الإنكليزية، ويظهروا لها شكرهم واعترافهم بالجميل، بالولاء وحسن الطاعة". ويرى (رسول آخر الزمان) غلام أحمد بعده من المسلمين نعمة تستحق الشكر. كتب الدكتور زكي كرام من "برلين" إلى جريدة "حضرموت" بجاوة مقالاً تحدث فيه عن القاديانية في برلين، ونشرته في العدد الصادر يوم السبت ٨ المحرم سنة ١٣٥١، ومما قال في هذا المقال: إنه زار هو والأمير شكيب أرسلان إمام الجامع الذي بنته هذه الطائفة ببرلين. فأطلعهم الإمام على كتاب لغلام أحمد نفسه، فنقل منه الأمير جملاً، ومن هذه الجمل: أنه - أي: غلام أحمد - "يحمد الله حيث ولد تحت راية إنكليزية وبعيداً من المسلمين"!. * القاديانية فرقتان: كانت القاديانية في أيام غلام أحمد وأيام خليفته نور الدين مذهباً واحداً؛ غير أنهم في آخر حياة نور الدين ابتدأ شيء من الاختلاف يدبّ فيما بينهم، وعندما مات نور الدين، انقسموا إلى شعبتين: شعبة "قاديان"، ورئيس هذه الشعبة محمود بن غلام أحمد، وشعبة "لاهور"، وزعيمها محمد علي مترجم القرآن إلى اللغة الإنكليزية. أنها شعبة قاديان، فأساس عقيدتها أن غلام أحمد نبي مرسل، وأمّا شعبة "لاهور"، فظاهر مذهبها: أنها لا تثبت النبوة لغلام أحمد، ولكن كتب غلام أحمد مملوءة بادعاء النبوة والرسالة، فماذا يصنعون؟. ولشعبة "لاهور، ضلالة يبثونها في كتبهم: هي إنكار أن يكون المسيح ﵇ ولد من غير أب؛ وزعيم هذه الشعبة محمد علي يصرح بأن

стр. 4273

عيسى ﵇ ابن يوسف النجار. ويحاول تحريف بعض الآيات لتوافق هذه العقيدة (١). ونشرت مجلتهم "المجلة الإسلامية" التي تصدر في "ووكنج" بإنكلترة مقالاً للدكتور (مركوس)، وفي هذا المقال: "أن محمداً ﵇ يصرح بأن يوسف أبو عيسى ﵇"، ولم يعلقوا على هذه الجملة كلمة؛ لأنها جاءت على وفق نحلتهم. وكذلك كان محمد علي في ترجمته للقرآن يذهب مذهب الترجمة الحرفية، ثم يضع في أسفل الصحيفة حواشي يؤول فيها ما ترجمه حرفياً، ويرتكب في تأويلها وجوهاً يحذو بها حذو نحلتهم؛ كما فعل في قوله تعالى: [أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩] فقد نحا في تأويلها نحو منكري المعجزات؛ وتصرف في معانيها تصرف من لا يدري أن القرآن قد نزل بلسان عربي مبين. * وجوب مقاومتهم، والتحذير من دعايتهم: للقاديانية حركة نشيطة في الدعوة إلى نحلتهم، ولما كانوا يقيمون هذه النحلة على شيء من تعاليم الإسلام، أمكنهم أن يدّعوا أنهم دعاة للإسلام، ولاسيما شعبة "لاهورد" التي تعلن أن غلام أحمد مصلح ومجدد لا نبي، وقد أصبح الناس الذين لا يعرفون هذه النحلة يعتقدون أنهم دعاة للإسلام

стр. 4274

بحق، وربما أثنوا على سعيهم، وعاتبوا من يكتب في تحذير المسلمين من أباطيلهم. ولو اقتصرت هذه الطائفة على نشر دعوتها بين قوم غير مسلمين، لخفّ علينا خطرها، وآثرنا الاشتغال بمجاهدة غيرها من المضللين والملحدين، ولكنهم طمعوا في أخذ الشعوب التي تدرس القرآن والسنّة، وتستضيء بهدايتهما، وراموا صرفها إلى الاعتقاد برسالة غلام أحمد وما يتبعها من ضلالات، فبعثوا بدعاتهم إلى سورية وفلسطين ومصر، وجدة والعراق، وغيرها من البلاد الإسلامية، وقد وجدت دعايتهم -على ما فيها من سخف- أحداثاً فرط أولياؤهم في تربيتهم على أدب الدين، فقبلوها غروراً. يذكر القاديانيون: أن لهم دعاة في الصين والهند، والعجم والعراق، وجدة وسورية وفلسطين ومصر، وقرأنا في كتاب لهم مطبوع سنة ١٩٣٢: أن داعيتهم في مصر الشيخ محمود أحمد في شارع كذا، وقد رأيتم علماء الهند كيف قاوموا هذه الفئة، وما زالوا يقاومونها، وممن وصلتنا آثارهم في مقاومتها: علماء سورية، فقد كتبوا الرسائل في الرد عليها، وإيقاظ المسلمين لما يبثونه من آراء تقوض بناء العقيدة، وآراء تربي نفوس النشء على الرضا بالاستكانة والانقياد لكل يد تقبض على زمامهم انقياد الأعمى. وها نحن أولاء قد كتبنا هذا المقال؛ ليحذر مسلمو مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية فتنة هذه الطائفة حذرَهم من فتنة الطائفة البهائية، ولنا الأمل في علمائنا ووعاظنا أن يقعدوا لدعاة هاتين الطائفتين كل مرصد، ويعالجوا كل قلب اعتل بشيء من وساوسهما: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].

стр. 4275

تفنيد مذهب القاديانية كتبنا في الجزء السابع من المجلد الثالث من "نور الإسلام" (١) مقالاً في نشأة النحلة القاديانية، وأوردنا فيه شيئاً من نزعات هذه النحلة الفاسدة، وأرينا القراء أنها نحلة مارقة من الدين، عاملة على تفويض أركانه تحت ستار اسم الدعوة إليه. كتبنا ذلك المقال لنفتح أعين جماعات المسلمين على جانب مما يبيته غلام أحمد وأتباعه من شر، حتى لا يغتر أحد بما يزخرفونه من قول، أو بما يخلعونه على أنفسهم من ألقاب زائفة. وقد عنيت بنشر هذا المقال صحف متعددة، وكان له - بتوفيق الله تعالى - أثر في إيقاظ من كانوا عن هذه النحلة في غفلة، حتى تبرأ منها فريق كانوا يحسبونها على شيء من الرشد، ونبذوها نبذ النواة. أما من جعل الله صدورهم ضيقة حرجة، فقد استغاثوا داعيتهم بفلسطين لعلهم يجدون عنده من قوة الجدل ما يذود عن ترهاتهم، وششر فضائحهم، فكتب مقالاً شغل به صفحات كثيرة من أوراق يصدرونها لترويج مزاعمهم في البلاد العربية، ولم يزد في هذا المقال على أن اعترف ببعض ما عزوناه إلى نحلتهم من زيغ وإلحاد، وذهب ببعضه مذهب التأويل المنبوذ على البداهة، وقابل بعضه بالإنكار،

стр. 4276

على الرغم من أنه وارد في كتب كبيرهم الذي علمهم اشتراء الدنيا بالآخرة، أو في كتب بعض زعمائهم الذين يرونهم بمقربة من النبوة. وخيلت له نفسه أنه يعرف من بلاغة اللسان العربي ما يقوى به على الخوض في تفسير القرآن الكريم، وشرح حديث رسول الله ﷺ ، فتخبط في مباحث لا يدري كيف يرِدُها، ولا كيف يصدر عنها. وها نحن أولاء نرفع الستار عن جانب آخر من تزوير غلام أحمد، ونأتي إلى مقال داعيتهم، فنعرض على حضرات القراء قطعاً من زوره وقلة درايته؛ ليزدادوا علماً بأن القاديانية نحلة ملفقة من مزاعم لا تتصل بعقول هيأها الله تعالى للهداية، ولا تروج في نفوس أخذت من التعليم أو التهذيب ما فيه كفاية. ابتدأ داعية القاديانية بمقدمة ساق فيها آيات نزلت في حق أنبياء الله الأكرمين، ومن يجحد نبوتهم من المبطلين، محاولاً تطبيقها على حال غلام أحمد، ومن يحذرون الناس من ضلاله المبين، ولا نعبأ بهذا التمثيل الفاسد؛ فإن ما كتبناه في نشأة نحلتهم، وما ضربناه من الأمثال على بهتان رئيسهم، يرد تلك المقدمة على عقبها خاسئة، ويحقق للقراء أن موقفنا في وجه غلام أحمد وأتباعه إنما هو موقف حزب الله في وجه مسيلمة وسجاح، وأمثالهما ممن يفترون على الله الكذب، ويدعون أنه يوحى إليهم، ولم يوح إليهم بشيء. * خيبة مدعي النبوة: قلنا في مقالنا السابق: إن مدعي النبوة قد يذهب فينقطع أثره، وقد يبقى لدعوته بين طائفة من الجاهلين أثر، فاندفع داعية القاديانية بعد هذا

стр. 4277

مخالفاً للنصوص القرآنية، ويزعم أن كل من يدعي النبوة لا يمهله الله تعالى سنين دون أن يبيده، ولا تروج دعوته، ولو عند طائفة لا يكادون يفقهون حديثاً، وأخذ يسرد آيات من القرآن يضعها في غير مواضعها، ويضيف إليها من المعاني ما لا يصح أن يستنبط منها، فأورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] أورد داعية القاديانية هذه الآيات، وبنى عليها أن غلام أحمد ادعى النبوة، وبقي نحو ثلاثين سنة، ولم يأخذ الله منه باليمين، ولم يقطع منه الوتين، وأفلح في دعوته، فدعواه الوحي والنبوة إذن صادقة. والواقع أن هذا الداعية لا يفهم لآيات الله معنى، ولا يعرف لسنن الله

стр. 4278

في الخليقة حكمة، يدلنا القرآن والمشاهدة على أن الله تعالى قد يملي لبعض المبطلين، فيمد لهم في أعمارهم، أو يكثر أموالهم وأولادهم، أو يجعل لهم من صنف الجاهلين شيعة، ثم يأخذهم بعد هذا أخذ عزيز مقتدر، قال الله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤ - ٤٥] وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥]. ومما يدل على أن بعض المضلين قد يجد في الناس من يتبعون خطواته، ويهيمون في واد من ضلالاته، فتحق عليهم كلمة العذاب التي حقت على من قبلهم، قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٧ - ٦٨]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] فبقاء بعض المضلين أمداً يعيثون فيه مفسدين، ويأخذون فيه بأعنة بعض الغافلين أو المغفلين، لا ينقض سنّة من السنن الكونية، ولا يخالف نصاً من النصوص الشرعية، وقد وافق داعية القاديانية على أن مدعي الإلهية قد ينتشر مذهبه في طائفة من الناس، ويترك من بعده أتباعاً، وجعل طائفة البهائية

стр. 4279

من هذا القبيل، ويحصر سرعة الإهلاك وعدم انتشار الدعوة فيمن يدعي الوحي والنبوة، وقال في الفرق بين مدعي النبوة ومدعي الإلهية: إنّ نشر دعوة النبوة آية من آيات الله، ولا يعطى مفتر هذه الآية لئلا يلتبس أمر النبي بالمتنبي، أما مدعي الإلهية؛ فإنه يدعي أمراً مستحيلاً، فليس هناك موضع التباس. وكلامه هذا يقتضي أن الله تعالى يهلك المفتري إذا كانت دعواة محتملة للصدق؛ لئلا يلتبس على الناس أمره، أما إذا قامت الأدلة الكافية على بطلان دعواه، فإنه يجوز إمهاله، وانتشار دعواه في طائفة من الناس. وإذا كان داعية القاديانية يعترف بأن المضلل الذي تقوم الأدلة على افترائه قد تتأخر عقوبته إذ يلتبس المبطل بالحق، قلنا له: إن الأدلة القائمة على انقطاع النبوة بعد محمد ﷺ قاطعة، فقد تظافر على ذلك الكتاب والسنّة المتوترة والإجماع، فيجوز أن يكون تأخير إهلاك غلام أحمد، وترك أباطيله تنتشر بين طائفة من الناس، من ناحية أن الأدلة القائمة على بطلان دعواه الوحي والنبوة قاطعة، وليس بينها وبين إزهاق روح تلك النحلة المارقة إلا أن يتناولها أهل العلم بالبيان، ويطاردوا بها دعاة القاديانية في كل زمان ومكان. فإن قال داعية القاديانية: لو كانت الأدلة على انقطاع النبوة قاطعة، لم يخالف فيها غلام أحمد ومن انحدروا في ضلالته، قلنا: إنكم سلمتم أن الأدلة القائمة على افتراء رئيس البهائية قاطعة، وقد عمي طائفة البهائية عن هذه الأدلة، وليسوا بأوفر في الغباوة منكم نصيباً، ولا أحط منكم في الجهالة دركاً، ولا أشد منكم في اشتراء الدنيا بالدين تهالكاً. فدعوى النبوة بعد رسول الله ﷺ معلومة البطلان من الدين بالضرورة،

стр. 4280

فمن ادعاها لا يشتبه حاله بحال المحق البتة، فمن الجائز إذن أن يمهله الله تعالى كما يمهل مدعي الإلهية، ثم يسحته بعذاب في الدنيا أو الآخرة. ولنعد إلى بيان تخبطه في الآيات التي ساقها على أن مدعي النبوة يعجل الله بعقوبته، ويمنع من انتشار دعوته فنقول: أما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: ١٧]. فإنما يدلان على أن المفتري على الله تعالى لا يفلح، وليس معنى عدم الفلاح بمقصور على إهلاكه بسرعة، وخيبة دعوته بحيث لا تجد سامعاً -ولو من الطبقة التي هي أقرب إلى الحيوان الأعجم منها إلى الإنسان-، بل يكفي في تحقيق عدم الفلاح: فوز أنصار الحق عليه في الدنيا، والتحاقه بزمرة الأشقياء في الأخرى. ثم إن عدم الفلاح قد جعل في الآية الثانية مما يترتب على التكذيب بآيات الله، أفيبلغ الخلط في الحديث بهذا الداعية أن يدعي أن كل من يكذب بآيات الله بعجل الله بإهلاكه في الدنيا؟!. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر: ٢٨]. وقوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه: ٦١].

стр. 4281

فإن هاتين الآيتين لا تدلان على أكثر من أن الذي يكذب على الله تعالى يصيبه جزاء كذبه في الدنيا أو في الآخرة، ويجازى مع ذلك بالخيبة والحرمان من بلوغ المقصود والظهور على حماة الحق. وقد أجرى الله تعالى على لسان غلام أحمد ما دل عله سخافة عقله، وفساد سريرته، وألقى به في خذلان حال بينه وبين الفلاح في الدنيا، وما بعد الموت أشد وأبقى. على أن الآية الثانية لم تقع خطاباً لنبي، وإنما هي من قول موسى ﵇ خطاباً لقوم فرعون، وليس فيها ما يدل على أن الله تعالى يسرع بإهلاك مدعي النبوة كذباً، ويصرف عنه حتى القلوب التي تقضي فيها الشياطين ليلها ونهارها، وغاية ما تدل عليه: أن المفتري على الله يخيب في دعوته، ويصيبه جزاء فريته. وإن دعوة لا تروج إلا عند نفر لا يفرقون، أو لا يريدون أن يفرقوا بين الليل إذ يغشى، والنهار إذا تجلى، لدعوة خاسرة. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]. فليس المراد منه تقرير أن الله يعجل لإهلاك كل من يدعي النبوة كذباً، ويقطعه عن الحياة لأول ما يدعي النبوة، حتى إذا ادعى أحد السخفاء النبوة، وعبث بعقول طائفة من البله، أو اشترى نفوس طائفة من البؤساء، وعاش نحو ثلاثين سنة، قلنا: هذا صادق في دعوى النبوة! وإنما نزلت هذه الآية في حق محمد ﷺ ، وقد حفه الله تعالى بدلائل الصدق من كل جانب؛ بحيث لا يجد ذو الفطرة السليمة أو العقل الراجح إلى تكذيبه فيما يخبر به عن الله

стр. 4282

تعالى منفذاً، فلو كان هذا الذي استقامت سيرته، وبهرت حكمته، وثبتت معجزته، قد تقوّل على الله تعالى بعض الأقاويل، لكان الضرر من تقوّله على الله تعالى عظيماً؛ إذ ليس في أيدي الناس ما من شأنه أن يدل على أن ما بلغه متقوِّل على الله، فكان من مقتضى الحكمة أن يأخذ الله منه باليمين، ثم ليقطع منه الوتين، أما من تقوم الأدلة الجلية على أنه كاذب؛ كغلام أحمد، فقد يملي له الله تعالى لحكم، منها: إظهار فضل العلماء الذين يجاهدون في إنقاذ الغافلين من مهالك دعوته الخاسرة. هذا وقد ذكر الإمام الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥]: أن المعنى: منعناه عن ذلك (أي: التقوّل) إما بإقامة الحجة؛ بأن كنا نقيض له من يعارضه في التقوّل، فيظهر للناس كذبه فيه، فيكون ذلك إبطالاً لدعواه، وهدماً لكلامه، وإما بأن نسلب منه القوة على التكلم بذلك القول. ونحن نعلم أن الله تعالى قد نصب الأدلة على كذب غلام أحمد، وقيض له بعد ذلك طائفة من العلماء، فدفعوا باطله بالحجة، ونادوا في الناس بأنه مزمار من مزامير الشيطان، حتى ازداد كذبه وضوحاً، ودعوته خيبة، وسريرته افتضاحاً. وقد أجرى الله على لسان غلام أحمد آيات تدل على أن ما يدعيه زور وبهتان، ومن هذه الآيات: أنه كان قد رغب في التزوج بفتاة من بنات بعض أقاربه، وسبق إلى ظنه أن والدها لا يحجم عن تزويجه إياها، فزعم أن اقترانه بها قد تقرر بطريق الوحي، ولكن أهل الفتاة امتنعوا من تزويجه إياها، وعزموا على أن يزوجوها برجل غيره، فلما بلغه هذا العزم، زعم أنه أوحي إليه مرة

стр. 4283

أخرى: أن من يتزوجها غيره يموت في مدة لا تتجاوز ثلاث سنين، ثم تصير الفتاة زوجاً له، ولكن أهل الفتاة موقنون بأن غلام أحمد غير صادق فيما يزعم، فزوجوا ابنتهم من رجل مسلم يدعى: (ميرزا محمد سلطان)، ودامت العشرة بين الزوجين، واستمرا في حياة، وقد مات القادياني في ٢٦ من مايو سنة ١٩٠٨، وبقي محمد سلطان يعيش مع زوجته عيشة راضية إلى ما بعد سنة ١٩٢٠. ووقع غلام أحمد في بهتان آخر؛ إذ زعم في تأليفه المسمى: "إعجاز أحمد": أن من علامات صدقه سير القطار بين الحرمين الشريفين، فقال: شهدت السماء والأرض على صدقي، ولكن أكثر الناس لم يقبلوني، أنا الذي عطلت الإبل، وصدق الخبر الغيبي: ﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] في وقته، وأيضاً صدق الحديث: "ليتركن القلاص، فلا يمشي عليها أحد"، حتى إن منشئي جرائد العرب والعجم كتبوا في جرائدهم: أن القطار الذي يجري بين مكة والمدينة من علامات المسيح الموعود. بقول هذا، وهو لم يدخل الحرمين الشريفين، ولو لأداء فريضة الحج، والإبل لم تعطل في وقته، والقطار لم يسر بين مكة والمدينة في وقته، بل إلى هذا اليوم. * انقطاع النبوة بعد رسول الله ﷺ -: لنا أن نكتفي بسوق الشواهد على أن غلام أحمد بعيد من النبوة والصلاح بعد الثرى من الثريا، ولنا أن نكتفي من هذه الشواهد ببعض أقوال صدرت منه، فجاءت تضرب لسخافة الرأي وظلمة القلب أوضح مثال. ولسنا بعد هذا في حاجة إلى محاورة أتباعه في أن النبوة بعد النبي ﷺ منقطعة أم باقية؛ إذ على

стр. 4284

فرض بقائها لا يتصور ذو عقل أن يكون من مظاهرها رجل يقول ما لم يقع، وما لا يقع. وكيف يحوز النبوة من لا يتعفف عن الكذب على المخلوقين؟. وإذا خرجنا في مجادلة القاديانية عن حديث نبوة رئيسهم المزيفة إلى بحث انقطاع النبوة من أصلها، فلأن هذه الطائفة لا تفتأ تشغل ألسنتها بدعوى أن النبوة لم تنقطع، فحق علينا تذكير المسلمين بأن دعواهم هذه لا تلتقي مع حقيقة الدين الحنيف في نفس واحدة. أوردنا في المقال السابق نبذة من أدلة انقطاع النبوة بعد الرسول الأعظم ﵊، ومن هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. وقلنا: إن الخاتم بمعنى: الآخِر، وهذا هو المعنى الذي يذكره علماء اللغة والتفسير لهذه الكلمة، ففي "لسان العرب": وختام القوم وخاتِمهم وخاتَمهم: آخرهم، والخاتِم والخاتَم من أسماء النبي ﷺ ، وفي التنزيل العزيز: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. أي آخرهم. وأما التفسير، فلم نر مفسراً يذكر في بيان ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ معنى غير معنى الآخِر، ووردت الأحاديث مؤيدة لهذا المعنى، وسقنا منها في ذلك المقال جملة، وهي لا تقصر عن درجة المتواتر. ومن الأحاديث الصريحة في هذا المعنى: ما رواه أنس بن مالك ﵁، قال: قال ﷺ : "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي"، فشق ذلك على الناس، فقال: "ولكن المبشرات"، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة".

стр. 4285

ومنها: حديث عبد الله بن عمر، وهو: خرج علينا رسول الله ﷺ يوماً كالمودع، فقال: "أنا محمد النبي الأمي -ثلاثاً- ولا نبي بعدي". ومنها: حديث أبي هريرة: "وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبوة"، إلى غير هذا من الأحاديث الصريحة الصحيحة المختلفة الأسانيد. وبعد هذه الأحاديث إجماع الأمة على أن من ادعى النبوة بعد رسول الله، فهو من الضالين المضلين، قال الإمام ابن كثير في "تفسير": "قد أخبر الله تعالى في كتابه، ورسوله ﷺ في السنّة المتواترة عنه: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده، فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل". وذكر بعض من ادعوا النبوة؛ كالأسود العنسي، ومسيلمة، ثم قال: "فكل واحد من هؤلاء الكذابين يخلق الله تعالى معه من الأمور ما يشهد العلماء والمؤمنون بكذب من جاء بها". وقال الإمام ابن عطية في تفسير آية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: هذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفاً وسلفاً متلقاة على العموم التام، مقتضية نصاً أن لا نبي بعده ﷺ . وقال ابن حزم: "فكيف يستجيز مسلم أن يثبت بعده ﵇ نبياً في الأرض، حاشا ما استثناه رسول الله ﷺ في الآثار المسندة الثابتة في نزول عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان". وقال أَبو حيان في تفسيره "البحر": "ومن ذهب إلى أن النبوة مكتسبة لا تنقطع، أو إلى أن الولي أفضل من النبي، فهو زنديق". * دفع شبهة يتشبث بها القاديانية: أورد داعية القاديانية آيات من القرآن الحكيم زاعماً أنها تدل على عدم انقطاع النبوة، منها: ثلاث آيات وردت في إرسال الله الرسل، واصطفائه لهم،

стр. 4286

وجاء التعبير فيها بصيغة المضارع، وهي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. وقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأعراف: ٣٥]. فقال في الآية الأولى: إنها تقتضي استمرار الاصطفاء دائماً، وقال في الآية الثانية: إنها تدل على أن الله يجتبي من رسله من يشاء، وقال في الآية الثالثة: إنها صريحة في بيانها. كنا قد تعرضنا في المقال السابق لهذا الوجه من تمويههم، وقصرنا البحث على آية: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. فقلنا: أما المضارع في قوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾، فمحمول على الماضي، واختيار صيغة المضارع للدلالة على أن اصطفاء الله للرسل كان يتجدد حيناً فحيناً، فكتب داعية القاديانية منكراً استعمال المضارع في الاستمرار للماضي فقط، وهذا إنكار منه لمعنى قرره فحول علماء البلاغة؛ كصاحب "المفتاح"، والسيد الجرجاني، والسعد التفتازاني، ولم ينازعهم فيه أحد ممن ينظر في العلم بشيء من العقل. فالحق أن المضارع يستعمل للدلالة على تجدد الفعل في الماضي، ولاسيما الفعل المتصل بزمان الخطاب؛ كاصطفاء الرسل وإتيانهم، فإن هذه الآيات قد نزلت والوحي الذي تتحقق به الرسالة لم يزل جارياً، والأحكام

стр. 4287

التي تنتظم بها الشريعة ويكمل بها الدين ما زالت تنزل على حسب ما تقتضيه الحكمة، وليس استعمال المضارع للدلالة على التجدد في الماضي مختصاً بحال اقترانه بلفظ: "كان "، بل المدار على وجود قرينة تومئ إلى أنه مستعمل في هذا المعنى، ولا فرق بين أن تكون القرينة لفظية أو معنوية، متصلة باللفظ أو منفصلة عنه، وقد صرح طائفة من أئمة البلاغة بأن المضارع يستعمل في الماضي لقصد الدلالة على استمرار الفعل فيما مضى وقتاً فوقتاً. ومن الشواهد التي ساقوها على هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧]. فقالوا: إن المضارع -يعني: قوله: ﴿يُطِيعُكُمْ﴾ مستعمل في الماضي للدلالة على استمرار الإطاعة فيما مضى وقتاً فوقتاً، وكلمة: "لو" أفادت هذا الاستمرار التجددي الذي دل عليه المضارع. فالبيانيون قرروا استعمال المضارع للدلالة على تجدد الفعل في الماضي، ولم يقصروه على موضع، بل جعلوا مدار صحته قيام القرينة، ولا نطيل في الاستدلال على أن المضارع يستعمل لإفادة التجدد في الماضي، إذ يكفي فيه إجماعهم على أن المضارع يستعمل للفعل الماضي خاصة، ومن ذا يستطيع أن ينكر أن المضارع في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ [يوسف: ٣٦]. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧].

стр. 4288

مستعمل في فعل مضى لوجه من البلاغة، وما على المعبر بالمضارع عن الفعل الماضي سوى أن يقيم الدليل على ما يريد من الصيغة، وقد قلنا في المقال السابق: إن الأدلة التي تدعونا إلى حمل الاصطفاء في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ [الحج: ٧٥] على ما كان يتجدد في الماضي، قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، والأحاديث الصريحة في أن لا نبي بعد محمد ﷺ . واعترض داعية القاديانية جعل آية ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ مبينة لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾، فقال: كلنا يعرف أن قرينة الكلام ما يصاحبه ويدل على المراد ول، وأن آية: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ مكية، وآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ مدنية. وجواب هذا: أن تأخير آية ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ لا يمنع من أن تعد بياناً للمراد من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾. أما على مذهب من يجيز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فالأمر واضح؛ إذ مقتضاه أن يدل المضارع حال الخطاب على أن اصطفاء الرسل شأن من شؤون الخالق - جلّ وعلا -، فيسقط به اعتقاد من ينكر بعثة الرسل، أو ينكر أن يكون في البشر رسول، ويثبت أن الله تعالى قد بعث رسلاً من البشر، وأن محمداً ﷺ حين ادعى الرسالة لم يدع أمراً يخالف حكمة الخالق، ويبقى صرف اصطفاء الرسل عن المستقبل إلى أن تظهر الحاجة إلى تعليم الناس أن لا نبي بعد محمد ﷺ ، وأما على مذهب من يمنع تأخير البيان عن الخطاب، فنعتمد أن يكون لدى من تلقوا آية: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ عند نزولها دليل من حديث رسول الله ﷺ يصرفها عن المستقبل، وجاءت آية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ مؤيدة للحديث، وورود الآية بعد الحديث لا يمنع من عدها في جملة ما يبين الآية الأولى،

стр. 4289

وما زال كبار الأئمة يسمّون المتأخر: بياناً لما سبقه بمدة، كما جعلوا إعطاء سلب القتيل للقاتل في الحرب مخصصاً لقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١]. وهذه الآية نزلت في غزوة بدر، والحديث ورد بعد هذه الغزوة بزمن غير قليل. وقال داعية القاديانية يحاول رد ما ذكرنا من أن المضارع في آية: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ [الحج: ٧٥]، مصروف عن المستقبل: "إن الآية تبين اصطفاء الله رسلاً من الجنسين: الملائكة، والناس، فإن كان يصطفي بمعنى اصطفى، ويلزم منه أن لا يصطفي الله رسلاً بعد نزول هذه الآية من الناس، للزم أن لا يصطفي الله رسلاً من الملائكة أيضاً، وإذا كان هذا صحيحاً، فهل للمشايخ أن يقولوا لنا: من أنزل آية: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ إلخ وغيرها من السور التي نزلت بعدها على قلب الرسول ﷺ ؟ أجبريل أم لا؟ ". أليس في هذا الهذيان شاهد على أنا نخاطب من لا يفقه للكلام العربي معنى، ولا يعرف للمنطق وجهاً؟! فنحن إذا فهمنا الاصطفاء في الآية على ما كان يقع فيما مضى، فللأدلة القائمة على أن الله لا يبعث بعد محمد ﷺ رسولاً من البشر، ولم نقل: إن الآية دليل على أن الله لا يبعث رسولاً، حتى يقال: إننا نفينا إرسال الله الملائكة في أمر يدبره، وغاية الأمر: أن إرسال الملائكة بعد هذا الخطاب يبقى مسكوتاً عنه، فيرجع في إثباته أو نفيه إلى الأدلة، ولكن داعية القاديانية لا يفرق بين قولك: إن الآية لا تدل على بقاء الرسالة في البشر، وهو موضع حديثنا، وبين قولك: إن الآية تدل على انقطاع إرسال الله رسلاً من الملائكة أو البشر، وهذا ما لم نقله، فداعية القاديانية اشتبه

стр. 4290

عليه إبطال استدلالهم بالآية على أن الله يصطفي رسلاً بعد بعثه أفضل الخليقة، بالاستدلال بها على نفي اصطفاء رسل من البشر أو الملائكة، وليس هذا الاشتباه على أمثاله بغريب. وأورد داعية القاديانية مستدلاً على ما يزعم من عدم انقطاع النبوة قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤]. فقال: "وعد الله في هذه الآية بجعل الإمامة في ذرية إبراهيم ما عدا الظالمين منها، فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت في زمرة الظالمين، لا سيما الأمة المحمدية، فحرمت من الإمام الموعود بها؛ أي: من النعمة الاجتماعية، ولا يظنن أحد من المشايخ -لأن غيرهم لا يتطرق إليه هذا الظن- أن المراد من الإمامة بالصلاة أو غيرها دون النبوة؛ لأن هذه الإمامة إمامة إبراهيمية، وهي النبوة دون شك كما كان هو إماماً بها ﵇، فالنبوة باقية في ذرية إبراهيم سوى الظالمين". هذا ما يقوله الداعية في الاستدلال بهذه الآية على عدم انقطاع النبوة، ونحن لا نمانع من أن يكون المراد من الإمامة: النبوة، ولكننا نفهم الآية على معنى أن إبراهيم ﵇ قد طلب من الله تعالى أن يجعل من ذريته أئمة؛ أي: أنبياء، إذ قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، ولم يقل: (وذريتي)، فأجابه الله تعالى بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. وفي هذا عدة له بأنه سيجعل من ذريته غير الظالمين أنبياء؛ فإنه نفى أن ينال العهد -الذي هو الإمامة- الظالمين، ولو قال فى الجواب: "نعم"، لأفاد أنه سيجعل من ذرية إبراهيم ﵇ -

стр. 4291

أنبياء، ومن غير دلالة على أنهم سيكونون من المؤمنين، ولو قال في الجواب: "ينال عهدي المؤمنين" -مثلاً-، لم يكن فيه نص على أن الظالمين ليسوا بأهل للإمامة، فقوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] نص على أن الظالمين ليس بأهل للإمامة، ويؤخذ منه -على طريق دلالة المفهوم-: أن النبوة تنال المؤمنين من ذريته، وقد قامت الأدلة القاطعة على أن من لم يكونوا ظالمين قد يرفعهم الله تعالى إلى مقام النبوة، كما رفع إليه إسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى ومحمداً - عليهم الصلاة والسلام -، وقد يبقى في منزلة دونها؛ ككثير من الصالحين الذي طهرهم الله تعالى من الظلم، ولم يدعوا النبوة في حال، فقول داعية القاديانية: "فهل يظن المشايخ أن ذرية إبراهيم كلها صارت ظالمة ... إلخ" ضرب في غير مفصل، ورمي الكلام في غير مرمى؛ فإن المشايح يقولون: إن الآية واردة للدلالة على أن النبوة تجعل في غير الظالمين، ويقولون مع هذا: الله أعلم أين يجعلها؟ ومتى يجعلها؟ وليس في الآية دليل على بقاء النبوة في سائر العصور، حتى في العصر الذي يستغنى فيه عن النبوة والرسالة بالكتاب الذي أودع الله تعالى فيه جلائل الهداية ودقائقها، وتكفل بحفظه وحمايته من أن يدخله تحريف، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. ومن نفى عن أمة النبوة لعدم حاجتها إليها، ولقيام الأدلة على انقطاعها، لم يلزمه الحكم عليها بأنها كلها صارت ظالمة، ومن ألزمه هذا الحكم، فقد خرج عن أدب البحث، ومشى في غير طريق.

стр. 4292

وأورد داعية القاديانية في الاستدلال على بقاء النبوة قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]. فقال: "هذا الدعاء يبشرنا بأن الله يجعل المؤمنين في مقام الذين أنعم عليهم سابقاً، ويعطيهم كل نعمة أعطاها للأولين، ويتمها عليها، والنعمة نعمتان: دينية ونهايتها النبوة، ودنيوية ونهايتها الحكومة والسلطة". غاب هذا الداعية عن الصواب، وكانطلق يتحدث في غير علم، ومن ذا الذين يعرف شيئاً من العربية الصحيحة أو المعتلة، ويقرأ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ويفهم منها أن المناجي لله بهذه السورة يطلب أن يكون هو أو غيره من المؤمنين في مقام النبوة، والآية لا تدل على أكثر من أن المؤمن يدعو الله تعالى في جملة المؤمنين بأن يهديه طريق من أنعم عليهم. ومن استقام على واجبات الدين وسننه جهد استطاعته، فقد اهتدى طريق المنعم عليهم، ولا يلزم من اهتدائه لطريق المنعم عليهم من النبيين أن يرزق ما رزقوه من نعمة النبوة التي لا ينالها الناس بكثرة أعمالهم الصالحة؛ إذ النبوة مقام يختص به الله من يشاء من عباده. وما قاله هذا الداعية في هذه الآية أصله لكبيرهم الذي علمهم اللعب واللغو في تفسير القرآن الحكيم؛ إذ قال في خطبته الإلهامية: "وأنا المنعم عليه الذي أشير إليه في الفاتحة عند ظهور الحزبين المذكورين"؛ يعني: المغضوب عليهم، والضالين، وقال: "إن سورة الفاتحة لتؤذن إيذاناً بأن بعض الأفراد من هذه الأمة سيظهرون بمظهر الأنبياء من كل الوجوه". ومن نكد الدنيا أن نشتغل بحكاية أمثال هذا اللغو، وننفق وقتاً في التنبيه على أنه هذيان في هذيان.

стр. 4293

وأورد داعية القاديانية في الاستدلال على بقاء النبوة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. فقال: "وهذه الآية تصرح جلياً أن الأمة المحمدية تنال هذه الدرجات الأربع". والصواب في فهم الآية أن قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ هو بيان لقوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، والأصل في كلمة "مع": المصاحبة، والمصاحبة لا تستلزم المساواة في الرتبة، بل يكفي فيها الاشتراك في دار النعيم، مع تمكن كل واحد من رؤية الآخر، وملاقاته متى شاء. فالآية وردت لبيان ما يجازى به المطيع لله ورسوله، وهو مرافقة الأنبياء ومن ذكر بعدهم، وتأويلها على معنى: أن من المطيعين أنبياء، ومنهم صديقين، ومنهم شهداء، تأويل للآية على معنى لا يتقبله إلا نفوس تلوثت باعتقاد أن غلام أحمد وأذنابه أنبياء صادقون. وأما مما ذكره الداعية من أن قوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ بيان لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، فحمل للآية على وجه تتجافى عنه قوانين البلاغة، ويكسبها تعقيدأ يتبرأ منه كلام الفصحاء، قبل أن يتبرأ منه كلام خالق الفصحاء. فعد هذا الوجه في أخطاء قائله أولى من حشره في شبه هي أوهى من نسج العنكبوت. * دعوى غلام أحمد أنه أفضل من عيسى ﵇ -: نقلنا في مقالنا السابق شواهد على غرور غلام أحمد، واستحواذ الشيطان

стр. 4294

عليه، حتى ادعى أنه خير من عيسى ﵇، فرد داعيتهم على هذا باعتراف أن غلام أحمد يفضل نفسه على عيسى ﵇، وذهب إلى أن هذا التفضيل صحيح، بزعم أن غلام أحمد مسيح الأمة الإسلامية، فيكون أفضل من مسيح الأمة الإسرائيلية. ولم يستطيعوا إنكار هذه الضلالة؛ لأن غلام أحمد قالها في مواضع من مؤلفاته بعبارات صريحة، ففي مقال له نشر في كتاب "تعاليم المسيح المنتظر" ما يأتي: "كما أن مؤسس الشريعة الإسلامية أعظم من مؤسس الشريعة الموسوية، كذلك مسيح السلالة الإسلامية أعظم من مسيح السلالة الموسوية". فالقاديانيون يعتقدون أن غلام أحمد أفضل من عيسى ﵇، أفلا يكفي هذا شاهداً على أن النحلة القاديانية شعبة من الشعب التي انسلخت من الإسلام، والإسلام بريء منها؟! وكيف يكون غلام أحمد الذي قامت البراهين على كذبه وسوء طويته، أفضل من عيسى بن مريم الذي وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بالنبوة والرسالة، وأيده بالآيات البينات، فما قاله غلام أحمد في الاستدلال على أفضليته، إلحاد وهذيان، فإن دعواه أنه مسيح السلالة الاسلامية باطلة على البداهة، وكل ما يبنى عليها ضلال في ضلال. * تكفير غلام أحمد لمن عصمهم الله من اتباعه: ذكرنا في مقالنا السابق: أن غلام أحمد يعد المسلمين الذين ينبذون دعوته كفاراً، ويمثلهم باليهود، فأراد الداعية القادياني أن يرد علينا في هذا الموضع، وأورد حديث: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل"، وحديث: "إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة،

стр. 4295

وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة"، ثم قال: (وأحمد المسيح الموعود لم يجعل مسلماً كافراً، ولم يمثل مؤمناً باليهود، بل بيّن حقيقة قرآنية، ونبأً نبوياً". ثم قال: "وإننا نسأل المشايخ: هل كان قول أحمد في غير محله، وهل كان مجيئه في غير حاجة". ونحن لم ننازع في أن من المنتمين إلى الإسلام طوائف زائغة عن السبيل، حتى نحتاج إلى أن نذكر بهذه الأحاديث، والذي نعده في ضلالات غلام أحمد: أنه يسمي المسلمين الذين لا يقبلون دعوته كفاراً، وينهى عن مصاهرتهم، والصلاة خلفهم. ومن شواهد تكفيره لمن حفظهم الله تعالى من فتنته: قوله في كتاب "حقيقة الوحي": "الكفر على قسمين: أحدهما: أن يجحد الرجل عن الإسلام، أو نبوة محمد ﷺ . والثاني: أن يجحد المسيح الموعود (يعني: نفسه)، ويكذبه مع سطوع الحجج على صدقه، وإن أمعنت النظر، وجدت كلا القسمين واحداً". ومن تمويه داعيتهم قوله: "إن أحمد المسيح الموعود لم يجعل مسلماً كافراً ... إلخ" فإن المسلم والمؤمن عند القاديانية من صدق بأن غلام أحمد نبي، وغيره في مذهبهم ليس بمسلم ولا مؤمن، فإذا وصف من لم يقبلوا دعوته بالكفر أو باليهودية، لم يجعل مسلماً كافراً في نظرهم أو يهودياً. أما قوله: "وإننا نسأل المشايخ: هل كان قول أحمد ... إلخ "، فجوابه: أن غلام أحمد يقول غير الحق، وما كانت دعوته إلا فتنة وتفريقاً بين المسلمين، وصداً عن طرق الفلاح ومراقي العزة، ولم يجح على يديه ما فيه خير الدين،

стр. 4296

بل وضع نحلة ملفقة من آراء باطلة، وأقوال لاغية، ثم أضاف إليها شيئاً من مبادئ الإسلام، وسمّاها في الظاهر باسم الإسلام مكراً وتغريراً. * تزوير داعية القاديانية: نقل هذه الداعية عبارات لبعض العلماء في صورة الاستدلال بها على أن في أهل العلم من يذهب إلى بقاء باب النبوة مفتوحاً، ولسنا في حاجة إلى إطالة الكلام بذكر تلك العبارات، وبيان ما فيها من جهالة أو تحريف، ونقول -والأدلة تناصرنا-: إن كل عبارة تصرح بصحة بعث نبي بعد الرسول غير عيسى ﵇ فهي كفر صراح. ونسوق إليك مثلاً من تزوير هذا الداعية فيما يعزوه إلى أولئك العلماء: نقل الداعية عبارة للشيخ عبد القادر الكردستاني يوهم بها أن الشيخ يجوز أن يجيء نبي بعد رسول الله ﷺ غير مشرع، فقال: يقول الشيخ عبد القادر الكردستاني ما نصه: "إن معنى كونه خاتم النبيين هو أنه لا يبعث بعده نبي مشرع". أورد القادياني هذه العبارة مقطوعة عن سابقها ولا حقها؛ ليخدع بها قراء ورقاته. والحقيقة أن عبارة الشيخ عبد القادر وردت في تعليقه على كتاب "التهذيب وشرحه"، وأصل ما في "التهذيب والشرح": "وأنه لا يبعث نبي بعده، ولكن رسول الله، وخاتم النبيين، وإذا ثبت أنه خاتم الأنبياء ثبت أنه لا تنسخ شريعته". وكتب الشيخ عبد القادر معلقاً على ذلك ما نصه: قوله: "وأنه لا يبعث نبي بعده" إشارة إلى دفع ما يقال: إن عيسى حي بعد نبينا ﷺ حيث رفع إلى السماء، وينزل إلى الدنيا، فلا يكون ﷺ خاتماً، وحاصل الدفع: أن معنى كونه خاتم النبيين: هو أنه لا يبعث بعده نبي آخر

стр. 4297

بشريعة أخرى، فإن عيسى ﵇ إنما ينزل على شريعة نبينا، ولا يسعه إلا اتباعه". هذه عبارة الشيخ الكردستاني، وهي -كما رأيتها- خاصة بالحديث عن عيسى ﵇، ولم يقلها ليدل على أن باب النبوة بعد النبي ﷺ لا يزال مفتوحاً، وهذه العبارة تشبه عبارة النيسابوري إذ قال عند قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: ومجيء عيسى ﵇ في آخر الزمان لا ينافي ذلك؛ لأنه ممن نبئ قبله، وهو يجيء على شريعة نبينا ﷺ مصلياً إلى قبلته، وكأنه بعض أمته. وهذا مثل ينبئك أن داعية القاديانية ينسب إلى علماء الإسلام ما لم يخطر لهم على بال. * اقتراح غلام أحمد على علماء الهند أن يتركوه عشر سنين: ذكرنا في المقال السابق: أن غلام أحمد اقترح على علماء الإسلام بالهند أن يتركوه عشر سنين لا يعارضونه، ولا يفندون آراءه، وقال لهم: إن كنت كاذباً، فسيظهر كذبي، وأن كنت صادقاً، نجوتم من العقوبة التي ينزلها الله على من يناوئني، وقلنا: إن العلماء لم يكونوا من الغباوة بحيث تروج عليهم هذه المكيدة، بل لم يكونوا من الجهل بواجبات الدين على حوإن يقبلوا هذا الاقتراح، ويطلقوا لغلام أحمد الشكيمة غير مبالين بما يفسده من عقائد وأخلاق وآداب، ولم يخجل داعية القاديانية أن يتعرض في مقاله لهذا الاقتراح، وتبلغ به قلة الخجل أن يعد مثل هذا في طرق الدعوة الصحيحة، ويقيسه بحكمة القرآن الحكيم في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا

стр. 4298

اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. والفرق بين الآية الكريمة، واقتراح غلام أحمد، كالفرق بين البياض الناصع، والسواد الحالك، وداعية القاديانية إما أنه لم يفهم معنى الآية، وإما أنه يتخيل أن قراء مقاله قد وضعوا عقولهم بين أصابعه يعبث بها كيف يشاء. وهل من المعقول أن يكون مثل غلام أحمد في اقتراحه السخيف مثل رسول الله ﷺ إذ أمره الله تعالى بأن يدعو أهل الكتاب إلى إخلاص العبادة لله تعالى، وعدم اتخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، فإذا لم يقبلوا هذه الدعوة، اعتز هو وأصحابه بإسلامهم، وأعرض عن أولئك الجاهلين؟!. وإذا قص القرآن الكريم أن بعض المدافعين عن رسول عزم بعض قومه على قتله، قال لهم في دفاعه عنه: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]. فإن ذلك الرجل إنما قال هذه الكلمة في حق داع إلى الله بحق، قد قامت البينات على صدقه، ولم يكن بيد القوم دليل أو أمارة على كذبه البتة، وليس هذا حال غلام أحمد مع علماء الإسلام، فإن دعاوي غلام أحمد مناقضة لأصول الإسلام، فكذبه مقطوع به، فإذا قال لأهل العلم: دعوني، ولا تتعرضوا لدعاياتي مقدار عشر سنين، فإنما يقول لهم: دعوني أبدل دينكم الحنيف، وأهدم شريعتكم الغراء، وأقيم العقبات في سبيل عزتكم، وكونوا على هذا البلاء صابرين، ولهذه المهانة محتملين، وبعقوبة الله غير مبالين.

стр. 4299

ولا عجب لمن لم يذق للغيرة على الحق طعماً أن يعرض ذلك الاقتراح على من علمهم القرآن العزيز أدب النصح لله ولرسوله وللمؤمنين. * ادعاء غلام أحمد للنبوة: بعث إلينا معتمد القاديانية في بلد "نكس" بلاهور كتاباً ينكر فيه أن غلام أحمد قد ادعى النبوة، ويعد فرقة قاديان التي من زعمائها داعية فلسطين فئة ضالة، ومما قاله في الكتاب: "حينما بحثتم عن عقائد فئة قاديان الغالية الضالة عن جادة الحق والصواب، بنيتم بحثكم على عبارات هذه الفرقة الغالية دون عبارات كتب حضرة المجدد وتصريحاته، وجعلتم عقائد هذه الفئة مرايا عقائد حضرة المجدد افتراء عليه". ثم قال: "فعليك أن تأتي بكلمة من كتبه دالة على أن حضرة المجدد ادعى النبوة، ولن تستطيع أبداً". ونحن نوافقه على أن فرقة قاديان فرقة ضالة، بل هي خارجة في ضلالها عن دائرة الإسلام، ونقول له: إن حضرة مجددكم قد فضل نفسه على عيسى بن مريم ﵇، وهل يصح لمجدد أن يفضل نفسه على رسول عظيم قبل أن يزعم أنه قد أوتي النبوة والرسالة؟! وإذا كان غلام أحمد لا يدعي النبوة والرسالة، فما معنى الآيات التي يتبجح بها، ويزعم أن الله أيده بها، والمجدد والمصلح غير النبي إنما يرجع إلى كتاب الله، وسنّة رسول الله، أو إلى الأصول النظرية المعقولة، فيستمد منها الأدلة على ما يقرره ويدعو إليه من عقائد أو أحكام أو آداب، وإذا لم يمكنه إقناع الناس من هذه الناحية، فعدّه مجدداً مصلحاً، جهالةٌ ليس وراءها جهالة. أليس مجددكم هو الذي يقول: "بعث الله تعالى في هذه الأمة مسيحاً أفضل من المسيح الأول في جميع الكمالات، والذي نفسي بيده! لو كان

стр. 4300

عيسى بن مريم في زمان أنا فيه، لما استطاع عملاً مما عملته، ولم يكد يظهر المعجزة التي ظهرت". أو ليس مجددكم هو الذي يدعي أنه أوحي إليه قوله: "إنا أرسلنا أحمد إلى قومه، فأعرضوا عنه، وقالوا: كذاب أشر"؟!. بل وجد في كلام غلام أحمد ما يدل على أنه يحدث نفسه بأنه رسول مشرع؛ فقد عد من أقسام الكفر: جحود المسيح الموعود (يعني: نفسه)، وتكذيبه فيما جاء به، وقال في حاشية على كتاب "ترياق القلوب": "وليتنبه أن تكفير المنكرين من خواص الأنبياء الذين جاؤوا بشريعة جديدة، وأحكام ناسخة، وأما من سواهم من الملهمين والمحدثين، فلا يكفر أحد بجحوده". فإن كان غلام أحمد يكتب ما يكتب وهو عارف ما يكتب، قلنا: إن حكمه بتكفير من يكذب به، ثم قصره التكفير على من يكذب الأنبياء الذين جاؤوا بشرائع جديدة، يفيدان أن غلام أحمد يدّعي أنه من الأنبياء الذين جاؤوا بشرائع جديدة. فدعوا أيها اللاهوريون ذكر النبوة الظلية أو المجازية، وتعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: أن نثق بأن غلام أحمد قد ادعى النبوة والرسالة كذباً، وأميطوا ما يزعم غلام أحمد أنه أوحي إليه إماطة الأذى عن الطريق، وارجعوا إلى كتاب الله وسنة رسول الله، ولا تجحدوا ما نطق به القرآن من معجزات رسل الله الأكرمين، واعترفوا بأن ما أولتموها به لا يحتمله اللفظ العربي، ولا يسمح به سياق الآيات، ولم يعرفه علماء الصحابة الذي تلقوا القرآن وبيانه من فم رسول الله ﷺ . وأن فرقة القاديانية التي تصدق غلام أحمد في دعوى النبوة لتعدُّكم

стр. 4301

فرقة خارجة عن نحلتهم، والأمة الإسلامية التي تؤمن بما نزل على محمد ﷺ ، وما حدّث به محمد ﷺ ، تعدّكم فرقة خارجة عن حدود دينهم، وليس تأويلكم للمعجزات المذكورة في القرآن إلا إنكاراً لوقوعها، وما تسميتكم لغلام أحمد بالمجدد المصلح إلا نصب أحبولة لاستدراج المستضعفين أو الغافلين إلى نحلة ملفّقة شوهاء.

стр. 4302

نقض شُبه القاديانية (١) كنا كتبنا في مجلة "نور الإسلام" (٢) مقالاً نبهنا فيه المسلمين لنزعة غلام أحمد، ومزاعمه الباطلة، فكان له - بحمد الله تعالى- أثر عظيم في إيقاظ من كانوا في غفلة عن هذه النحلة، وما يثيره دعاتها في العالم الإسلامي من فتون وشرور، فتميز أولئك الدعاة غيظاً، وما كان من داعيتهم في فلسطين إلا أن كتب مقالاً يوهم فيه الطائفة الواقعة في حبالتهم أنه يرد على مقالنا. ووقع نظرنا على ذلك المقال المملوء بالتمويه والالتواء عن آداب المناظرة، فبدا لنا أن نعود للكتابة في تلك النحلة، فنزيد حالها إيضاحاً. وكتبنا في مجلة "نور الإسلام" مقالين آخرين نبهنا فيهما لبعض ما في مقال ذلك الداعية من مراوغة وانحراف عن السبل، وسقنا فيها بعض ما نطق به كبيرهم غلام أحمد من زور وهذيان، وحدث بعد هذا أن نشر ذلك الداعية في أوراق يصدرونها في شكل مجلة مقالاً حاول فيه الرد على مقالنا الثاني المنشور في مجلة "نور الإسلام". والواقع أنه لم يأت في مقاله هذا إلا بما يطعن في دعوتهم، ويزيد الناس خبرة بفساد مذهبهم، وقد كان في عرض بعض أقوال غلام أحمد وشيء من مسلكه الكفاية للدلالة على أنه يكيد للأمة

стр. 4303

الإسلامية، ويقول على الله غير الحق. ولا حاجة بنا في إبطال دعوة النبوة والرسالة إلى الخوض أن النبوة منقطعة أو باقية؛ فإن تلك الأقوال التي صدرت من غلام أحمد، تنادي بملء حروفها أن النبوة في ناحية اليمين، وهو في ناحية الشمال، ولكنا آثرنا النزول إلى نقض بعض مزاعمهم؛ حذراً من أن تجد أذهاناً غافلة فتعلق بها. وها نحن أولاء نعرض على حضرات القراء قطعاً من مقال داعية القاديانية؛ ليزدادوا علماً بحال تلك النحلة، ومبلغ دعاتها من لبس الحق بالباطل: رأى غلام أحمد ومن اتبع خطواته أن قوله تعالى في وصف الرسول الأعظم ﷺ : ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] يسد الطريق على من يريد فتنة الناس بدعوى النبوة، فحاولوا تأويل الآية على معنى أنه أفضل النبيين، أو سيد النبيين، وابتغوا هذا التأويل؛ ليتهيأ لهم أن يقولوا على الله ما شاءت أهواؤهم، ويفسدوا على المسلمين أمر دينهم، فقلنا لهم: إن علماء التفسير قد اتفقوا على أن ﴿وَخَاتَمَ﴾ في الآية بمعنى: آخِر، وهو المعنى الذي يذكره علماء اللغة، ويسوقون من شواهده هذه الآية، ومن أراد صرف ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ عن معنى: آخِر النبيين إلى معنى: أفضل النبيين، فعليه بإقامة شاهد، أو نقل كلمة عن بعض علماء اللغة يدل على أن وصف الرجل بكونه خاتماً لقوم، يقصد منه أنه أفضلهم، أو سيدهم، ولكن داعية القاديانية لم يستطع أن يقيم من كلام العرب أو علماء اللغة ولو شاهداً واحداً على أن مثل تركيب ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قد يستعمل بمعنى: أفضلهم، أو سيدهم. يقول الداعية في مقالدالجديد: "وكنا سقنا شواهد واستعمالات العرب في كون لفظ الخاتم مضافاً، والقوم أولي المناصب مضافاً إليهم، وكون

стр. 4304

استعمال هذا المركب الإضافي، في مقام المدح، ولا يتأتى المعنى في تلك الاستعمالات إلا أن الممدوح أفضل القوم وسيدهم". والداعية لم يورد في مقاله السابق شيئاً من كلام العرب يشهد بأنه الخاتم إذا أضيف إلى القوم أولي المناصب كان بمعنى: أفضلهم، أو سيدهم، وإنما أورد عبارات لمن لا يحتج عالم في تفسير كتاب الله تعالى بكلامهم، ولا تتجاوز تلك العبارات وصف أحد الرجال بأنه خاتم العلماء، أو الأولياء، أو الشعراء، ما هي إلا أقوال صدرت من بعض رجال القرون المتأخرة، أو القريبة منها، وإنما يحتج في تفسير القرآن الكريم بكلام العربي الصميم. وهل رأيتم مجادلاً أسخف قولاً ممن يحتج في بيان معنى آية من كتاب الله تعالى بما كتبته المطبعة الأزهرية على أول الصحيفة الأولى من كتاب "الإتقان"؛ أعني قوله: "الجزء الأول من كتاب الإتقان في علوم القرآن لخاتمة المحققين". ثم إن أمثال هذه العبارات من نحو خاتم المحققين، أو خاتم الأئمة، أو خاتم المجتهدين، قد ينساق إليها قائلها من شدة إكباره لمقام الممدوح، لحد أن يظن بلوغه مرتبة يبعد أن ينالها أحد من بعده، كما قالوا: هيهات أن يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل وكما قالوا: حلف الزمان ليأتين بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفِّرِ وكما قال السيوطي في تقي الدين الحراني: "آخر المجتهدين". وفسر الداعية في مقاله الأول الخاتم بمعنى: الزينة، ولم يجد شاهداً على هذا من كلام العرب، أو أقوال اللغويين، أو المفسرين، فتعلق بكلمة

стр. 4305

للشيخ محمد طريح النجفي (أحد علماء الشيعة) اقتطعها اقتطاعاً، فقال: يقول صاحب "مجمع البحرين" ما نصه: "ومحمد خاتم النبيين يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى: الزينة، مأخوذ من الخاتم الذي هو زينه للابسه". والواقع أن الشيخ النجفي قد صرح بأن النبي ﷺ آخر النبيين، فقد قال قبل تلك الكلمة التي اقتطعها الداعية: "قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ من [الأحزاب: ٤٠]؛ أي: آخرهم، ليس بعده نبي". ثم قال: "ومحمد خاتم النبيين يجوز فيه فتح التاء وكسرها، فالفتح بمعنى: الزينة، مأخوذ من الخاتم الذي هو زينة للابسه، وبالكسر اسم فاعل بمعنى: آخر". ولما كان صاحب "مجمع البحرين" يعتقد أن محمداً ﷺ آخر الأنبياء ليس بعده نبي، فقصارى أمره أن يكون أخطأ في تأويل ﴿وَخَاتَمَ﴾ على قراءة الفتح بمعنى: الزينة؛ فإنه مخالف لأقوال من هم أدرى منه بتفسير كتاب الله تعالى، وبوجوه استعمال الألفاظ العربية حقيقة أو مجازاً. وها نحن أولاء نسوق إليكم طائفة من أقوال علماء اللغة والمشاهدة بأن الخاتم - بفتح التاء أو كسرها- بمعنى: الآخِر، قال صاحب "اللسان": "وخاتَمهم، وخاتِمهم: آخِرهم، ومحمد ﷺ خاتم النبيين!. وقال ابن سيده في كتاب "المحكم": "وختام القوم، وخاتَمهم، وخاتِمهم: آخرهم"، وقال: "وفي التنزيل: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؛ أي: آخرهم". وقال الأزهري في كتاب "التهذيب": "وخاتم كل شيء: آخره، وقوله تعالى: ﴿رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ معناه: آخر النبيين". ولم يذكر أحد من هؤلاء الأئمة أو غيرهم كصاحب "الصحاح"، وصاحب "المصباح"، وصاحب

стр. 4306

"القاموس"، وصاحب "أساس البلاغة" أن الخاتم يكون بمعنى: الزينة. ولعل الداعية يعلم أن القرآن الكريم انما يستشهد في تفسيره بكلام العرب، ويتيقن أن استشهاده بالعبارات التي ينقلها عن بعض الكتاب أو أصحاب المطابع، لا يتقبله أهل العلم، ولكنه يسوقها استهواء لقوم يجهلون آداب البحث، ولا يفرقون بين ما يصح أن يستشهد به في تفسير كتاب الله تعالى، وما لا يصح الاستشهاد به. وخلاصة البحث: أن علماء اللغة يقولون: الخاتم بمعنى: الآخر، والمفسرون يقولون: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؛ أي: آخرهم، وداعية القاديانية يزعم أن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بمعنى: زينتهم، أو سيدهم، أو أفضلهم. وانتظرنا منه أن يأتي بشاهد على هذا من كلام العرب، أو من كتب اللغة، أو من أقوال أئمة التفسير، فلم يفعل، وذهب يعارض أئمة اللغة والتفسير، بلغو من القول، كأنه لا يشعر أن القرآن الكريم قول فصل، وما هو بالهزل. يفكر داعية القاديانية أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ويذهب إلى أن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ في الآية يستعمل بمعنى: أفضل النبيين، أو زينتهم، وأورد في الاستدلال على أن لفظ خاتم يستعمل بمعنى: أفضل، أو زينة حديثاً هو: أن النبي ﷺ قال للعباس ﵁: "أنت خاتم المهاجرين في الهجرة، وأنا خاتم النبيين في النبوة". وهذا الاستدلال مدفوع بأن الذي ورد في كتاب "أسد الغابة": أن العباس استأذن النبي ﷺ في الهجرة، فقال له: "يا عم! أقم مكانك الذي أنت به، فإن الله تعالى يختم بك الهجرة كما ختم لي النبوة". وقرأنا في كتاب "الإصابة"؛ أن العباس "هاجر قبل الفتح بقليل"، وقرأنا في غزوة الفتح من

стр. 4307

"سيرة ابن هشام": أن العباس ﵁ لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق، لقيه بالجحفة مهاجراً بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض. فصاحب كتاب "الإصابة" يقول عن العباس ﵁: إنه هاجر قبل الفتح بقليل، وابن هشام يقول: لقي رسول الله ﷺ بالجحفة مهاجراً بعياله. فمتى ثبت حديث: "أنت خاتم المهاجرين"، صح أن يكون العباس خاتم المهاجرين بمعنى: آخرهم؛ أي: آخر المهاجرين من مكة إلى المدينة؛ لقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح". وداعية القاديانية لم يأت بشاهد على أن بعض المسلمين قد هاجر بعد العباس حتى يمتنع أن يكون خاتم المهاجرين بمعنى: آخرهم. وأورد داعية القاديانية على تفسير خاتم بأفضل أو زينة حديثاً عزاه إلى "كتاب الصافي" الذي هو تفسير لأحد علماء الشيعة، وهو "أنا خاتم النبيين، وأنت يا علي خاتم الأولياء"، ولكن صاحب "كتاب الصافي" لم يروه بسند، ولم يسنده إلى كتاب، حتى نبحث في سنده، وتتبين حقيقته، بل قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: آخرهم الذي ختمهم، أو ختموا به- على اختلاف القراءتين-، وعن النبي ﷺ قال: "أنا خاتم النبيين، وعلي خاتم الأولياء". فصاحب "كتاب الصافي" معترف بأن النبي ﷺ آخر النبيين، ولا يتم الاستشهاد بقوله: "خاتم الأولياء" إلا أن يذكر سند الحديث، ويكون رجاله ممن يوثق بهم في الرواية، أو يسنده إلى كتاب من الكتب المعروفة بالتحري في رواية الحديث. وكان الأحاديث الموافقة لهذا الحديث في المعنى، وقد

стр. 4308

حكم عليها الحفاظ بالوضع: حديث: "كما أني خاتم النبيين، كذلك علي وذريته يختمون الأوصياء إلى يوم الدين" (١). وقال ابن الجوزي: ولفظ: "خاتم الأولياء" باطل لا أصل له، وخاتم الأولياء في الحقيقة: آخر مؤمن بقي من الناس، وليس هو أحسن الأولياء، ولا أفضلهم، بل خيرهم أَبو بكر وعمر ﵄ (٢). سقنا أحاديث صحيحة كثيرة في معنى انقطاع النبوة بعد بعثة النبي ﷺ ، فذهب ذلك الداعية يحرفها عن مواضعها، ويقول فيها قول من لا يقدر الحديث النبوي قدره، ولا يبالي أن يخرج بالكلام العربي عن وجوه دلالته، وقد أريناكم فيما سلف نموذجاً من تأويلهم الباطل لبعض تلك الأحاديث، واليوم نسوق إلى حضراتكم مثالاً تشهدون فيه كيف يعتسفون في غير طريق، ويحاولون إرضاء شهواتهم، ولو بأقبح التأويل: أوردنا -في جملة ما أوردنا من الأحاديث- ما جاء في "سنن الترمذي"، من أن النبي ﷺ قال: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبي"، فشق ذلك على الناس، فقال: "ولكن المبشرات"، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة". وهذا الحديث صريح في انقطاع النبوة بعد البعثة المحمدية، ولكن الداعية القادياني حاول صرف هذا النص عن معناه، وذهب في تأويله، والخروج على حجته مذهب التعنت، حتى زعم أنه معارض لبعض آيات القرآن الكريم،

стр. 4309

فقال: "إن القرآن المجيد يقرر نزول الملائكة على المؤمنين، وتبشيرهم إياهم بنصرتهم في الدنيا والآخرة، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. ويقول في مقام آخر: إن الملائكة وجبريل أيضاً تنزل كل ليلة قدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٣ - ٤]. وكلام الملائكة مع البشر وحي في اصطلاح القرآن المجيد: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. فإذا ثبت وجود الوحي من حيث القرآن المجيد، فلا بد من تأويل في معنى الحديث". وليس في هاتين الآيتين ما يعارض الحديث، أما الآية الأولى، فتفسيرها عند بعض السلف على أن تنزل الملائكة، وقولهم للذين استقاموا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ يكون عند الموت، وهذا ما يقوله مجاهد، والسدي، ومنهم من يقول: إن الآية إخبار عما يكون عند البعث، وهو قول مقاتل، ومنهم من يقول: إنها إخبار عما يكون عند الموت، وفي القبر، وهذا قول زيد بن أسلم. وذهب آخرون في تفسيرها إلى أن الملائكة تمد صدور المؤمنين بما يشرحها، ويدفع عنها الخوف، على طريقة الإلهام، كما أن الشياطين تغوي الكافرين بتزيين القبائح، وتوسوس لهم بما يثير في قلوبهم الخوف

стр. 4310

والحزن، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. وقال تعالى: [﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فليس بين حديث الترمذي وآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠]. تعارض أو ما يشبه التعارض، إلا في نفوس باضت فيها الأهواء وفرّخت، ولم يكن للحكمة ولا للموعظة الحسنة عليها من سلطان. ولو صح هذا الذي يقوله داعية القاديانية في تفسير الآية، لوجب أن يكون كل مؤمن مستقيبم نبياً يوحى إليه، ولا أقوى إيماناً من الخلفاء الراشدين، ولا أقوم منهم سيرة، وما ادَّعى أحد منهم أنه نبي أو رسول. أو أنه تأتيه الملائكة بالوحي، وما كان أحد من المسلمين يصفهم بالنبوة أو الرسالة، أفيزعم داعية القاديانية أنهم لم يقولوا: ربنا الله، ولم يستقيموا؟! أو أنهم لم يبلغوا في الاستقامة مبلغ غلام أحمد الذي أوغل في الضلالة، وأثار فتنة صادفت في بعض الناس غفلة أو جهالة، فكانوا لنارها حطباً!. وأما آية: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤]. فليس فيها ما يدل على أن الملائكة يخاطبون المؤمنين على طريق الوحي الذي هو من خصائص الأنبياء ﵈. وأئمة التفسير من السلف
следующие страницы →