← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

"القاموس"، وصاحب "أساس البلاغة" أن الخاتم يكون بمعنى: الزينة. ولعل الداعية يعلم أن القرآن الكريم انما يستشهد في تفسيره بكلام العرب، ويتيقن أن استشهاده بالعبارات التي ينقلها عن بعض الكتاب أو أصحاب المطابع، لا يتقبله أهل العلم، ولكنه يسوقها استهواء لقوم يجهلون آداب البحث، ولا يفرقون بين ما يصح أن يستشهد به في تفسير كتاب الله تعالى، وما لا يصح الاستشهاد به. وخلاصة البحث: أن علماء اللغة يقولون: الخاتم بمعنى: الآخر، والمفسرون يقولون: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]؛ أي: آخرهم، وداعية القاديانية يزعم أن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بمعنى: زينتهم، أو سيدهم، أو أفضلهم. وانتظرنا منه أن يأتي بشاهد على هذا من كلام العرب، أو من كتب اللغة، أو من أقوال أئمة التفسير، فلم يفعل، وذهب يعارض أئمة اللغة والتفسير، بلغو من القول، كأنه لا يشعر أن القرآن الكريم قول فصل، وما هو بالهزل. يفكر داعية القاديانية أن النبي ﷺ خاتم النبيين، ويذهب إلى أن ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ في الآية يستعمل بمعنى: أفضل النبيين، أو زينتهم، وأورد في الاستدلال على أن لفظ خاتم يستعمل بمعنى: أفضل، أو زينة حديثاً هو: أن النبي ﷺ قال للعباس ﵁: "أنت خاتم المهاجرين في الهجرة، وأنا خاتم النبيين في النبوة". وهذا الاستدلال مدفوع بأن الذي ورد في كتاب "أسد الغابة": أن العباس استأذن النبي ﷺ في الهجرة، فقال له: "يا عم! أقم مكانك الذي أنت به، فإن الله تعالى يختم بك الهجرة كما ختم لي النبوة". وقرأنا في كتاب "الإصابة"؛ أن العباس "هاجر قبل الفتح بقليل"، وقرأنا في غزوة الفتح من

стр. 4307

"سيرة ابن هشام": أن العباس ﵁ لقي رسول الله ﷺ ببعض الطريق، لقيه بالجحفة مهاجراً بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته، ورسول الله ﷺ عنه راض. فصاحب كتاب "الإصابة" يقول عن العباس ﵁: إنه هاجر قبل الفتح بقليل، وابن هشام يقول: لقي رسول الله ﷺ بالجحفة مهاجراً بعياله. فمتى ثبت حديث: "أنت خاتم المهاجرين"، صح أن يكون العباس خاتم المهاجرين بمعنى: آخرهم؛ أي: آخر المهاجرين من مكة إلى المدينة؛ لقوله ﷺ : "لا هجرة بعد الفتح". وداعية القاديانية لم يأت بشاهد على أن بعض المسلمين قد هاجر بعد العباس حتى يمتنع أن يكون خاتم المهاجرين بمعنى: آخرهم. وأورد داعية القاديانية على تفسير خاتم بأفضل أو زينة حديثاً عزاه إلى "كتاب الصافي" الذي هو تفسير لأحد علماء الشيعة، وهو "أنا خاتم النبيين، وأنت يا علي خاتم الأولياء"، ولكن صاحب "كتاب الصافي" لم يروه بسند، ولم يسنده إلى كتاب، حتى نبحث في سنده، وتتبين حقيقته، بل قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]: آخرهم الذي ختمهم، أو ختموا به- على اختلاف القراءتين-، وعن النبي ﷺ قال: "أنا خاتم النبيين، وعلي خاتم الأولياء". فصاحب "كتاب الصافي" معترف بأن النبي ﷺ آخر النبيين، ولا يتم الاستشهاد بقوله: "خاتم الأولياء" إلا أن يذكر سند الحديث، ويكون رجاله ممن يوثق بهم في الرواية، أو يسنده إلى كتاب من الكتب المعروفة بالتحري في رواية الحديث. وكان الأحاديث الموافقة لهذا الحديث في المعنى، وقد

стр. 4308

حكم عليها الحفاظ بالوضع: حديث: "كما أني خاتم النبيين، كذلك علي وذريته يختمون الأوصياء إلى يوم الدين" (١). وقال ابن الجوزي: ولفظ: "خاتم الأولياء" باطل لا أصل له، وخاتم الأولياء في الحقيقة: آخر مؤمن بقي من الناس، وليس هو أحسن الأولياء، ولا أفضلهم، بل خيرهم أَبو بكر وعمر ﵄ (٢). سقنا أحاديث صحيحة كثيرة في معنى انقطاع النبوة بعد بعثة النبي ﷺ ، فذهب ذلك الداعية يحرفها عن مواضعها، ويقول فيها قول من لا يقدر الحديث النبوي قدره، ولا يبالي أن يخرج بالكلام العربي عن وجوه دلالته، وقد أريناكم فيما سلف نموذجاً من تأويلهم الباطل لبعض تلك الأحاديث، واليوم نسوق إلى حضراتكم مثالاً تشهدون فيه كيف يعتسفون في غير طريق، ويحاولون إرضاء شهواتهم، ولو بأقبح التأويل: أوردنا -في جملة ما أوردنا من الأحاديث- ما جاء في "سنن الترمذي"، من أن النبي ﷺ قال: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبي"، فشق ذلك على الناس، فقال: "ولكن المبشرات"، قالوا: يا رسول الله! وما المبشرات؟ قال: "رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوة". وهذا الحديث صريح في انقطاع النبوة بعد البعثة المحمدية، ولكن الداعية القادياني حاول صرف هذا النص عن معناه، وذهب في تأويله، والخروج على حجته مذهب التعنت، حتى زعم أنه معارض لبعض آيات القرآن الكريم،

стр. 4309

فقال: "إن القرآن المجيد يقرر نزول الملائكة على المؤمنين، وتبشيرهم إياهم بنصرتهم في الدنيا والآخرة، وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]. ويقول في مقام آخر: إن الملائكة وجبريل أيضاً تنزل كل ليلة قدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٣ - ٤]. وكلام الملائكة مع البشر وحي في اصطلاح القرآن المجيد: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. فإذا ثبت وجود الوحي من حيث القرآن المجيد، فلا بد من تأويل في معنى الحديث". وليس في هاتين الآيتين ما يعارض الحديث، أما الآية الأولى، فتفسيرها عند بعض السلف على أن تنزل الملائكة، وقولهم للذين استقاموا: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ يكون عند الموت، وهذا ما يقوله مجاهد، والسدي، ومنهم من يقول: إن الآية إخبار عما يكون عند البعث، وهو قول مقاتل، ومنهم من يقول: إنها إخبار عما يكون عند الموت، وفي القبر، وهذا قول زيد بن أسلم. وذهب آخرون في تفسيرها إلى أن الملائكة تمد صدور المؤمنين بما يشرحها، ويدفع عنها الخوف، على طريقة الإلهام، كما أن الشياطين تغوي الكافرين بتزيين القبائح، وتوسوس لهم بما يثير في قلوبهم الخوف

стр. 4310

والحزن، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل: ٢٤]. وقال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. وقال تعالى: [﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فليس بين حديث الترمذي وآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت: ٣٠]. تعارض أو ما يشبه التعارض، إلا في نفوس باضت فيها الأهواء وفرّخت، ولم يكن للحكمة ولا للموعظة الحسنة عليها من سلطان. ولو صح هذا الذي يقوله داعية القاديانية في تفسير الآية، لوجب أن يكون كل مؤمن مستقيبم نبياً يوحى إليه، ولا أقوى إيماناً من الخلفاء الراشدين، ولا أقوم منهم سيرة، وما ادَّعى أحد منهم أنه نبي أو رسول. أو أنه تأتيه الملائكة بالوحي، وما كان أحد من المسلمين يصفهم بالنبوة أو الرسالة، أفيزعم داعية القاديانية أنهم لم يقولوا: ربنا الله، ولم يستقيموا؟! أو أنهم لم يبلغوا في الاستقامة مبلغ غلام أحمد الذي أوغل في الضلالة، وأثار فتنة صادفت في بعض الناس غفلة أو جهالة، فكانوا لنارها حطباً!. وأما آية: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر: ٤]. فليس فيها ما يدل على أن الملائكة يخاطبون المؤمنين على طريق الوحي الذي هو من خصائص الأنبياء ﵈. وأئمة التفسير من السلف

стр. 4311

والخلف يقطعون بكذب دعوى النبوة بعد البعثة المحمدية، ولا يجدون في هذه الآية ما يعارض الأحاديث الواردة في انقطاع النبوة. ومن الوجوه التي تساعدها البلاغة، وتطابق بها الآية سائر النصوص: أن يكون تنزل الملائكة من أجل الأمور التي عهد إليهم بتدبيرها ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ٥]، فإن حمل الأمر في الآية على معنى الحكم الشرعي، كانت إخباراً عن تنزلهم ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن الحكيم. والتعبير بالمضارع لاستحضار ذلك التنزل بصورته البديعة، وهو من أحسن الطرق المعهودة في البيان. وزعم الداعية القادياني أن حديث الترمذي: "إن النبوة والرسالة قد انقطعت" يعارض الحديث الذي يقول: إن المسيح الموعود "يوحى إليه: أن حَوِّزْ عبادي إلى الطور؛ فإني قد أنزلت عباداً لي لا يَدانِ لأحد بقتالهم". وردت أحاديث صحيحة في نزول المسيح ﵇، ولم يجد أهل العلم بينها ويين الأحاديث الصريحة في انقطاع النبوة معارضة، والراسخون في فهم الأحاديث النبوية، العارفون بوجوه استعمال الألفاظ العربية في حدود وضعها، وعرف البلغاء من الناطقين بها يقولون: إن الأحاديث الواردة في انقطاع النبوة تنفي وقوع نبوة بعد البعثة المحمدية، ولا تتناول عيسى- ﵇؛ لأن النبوة ثابتة له من قبل. ومن هؤلاء من يحمل الأحاديث على امتناع بعثة نبي بعد البعثة المحمدية على وجه عام، ويستثنى من هذا العموم عيسى ﵇؛ للأحاديث الواردة في نزوله آخر الزمان. ومن حمل النصوص الواردة في انقطاع النبوة على نفي النبوة التشريعية؛ كالملّا علي قاري، لا يقصد فتح باب النبوة غير التشريعية بإطلاق، حتى توضع دعوى

стр. 4312

غلام أحمد النبوة موضع النظر، واحتمال أن تكون صحيحة، وإنما يقصد لوجه في تفسير الآية أو الحديث يتفق به مع الأحاديث الواردة في نزول عيسى ﵇. فعلماء الإسلام -على اختلافهم في تفسير الآية والأحاديث- يتفقون على أن لا نبي ولا رسول بعد محمد ﷺ ، إلا ما ورد من نزول عيسى- ﵇. وقد يأتي داعية القاديانية إلى عبارات بعض من ذهبوا في تفسير الآية أو الأحاديث إلى معنى نفي النبوة التشريعية ابتغاء الجمع بينها وبين الأحاديث الأخرى، ويأخذ منها ما يقولونه من أن الآية أو الحديث في نفي النبوة التشريعية، ويدع بقية كلامهم الصريح في أنهم ارتكبوا هذا التأويل لقصد خاص: هو أن لا تكون آية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وما يوافقها من الأحاديث نافية بمقتضى عمومها مجيء عيسى ﵇، وقد نبهنا في مقال سابق على هذا النوع من التزوير في كلام نقله عن الشيخ عبد القادر الكردستاني. وإليك مثالاً آخر من هذا القبيل: قال الداعية: يقول المحقق الملّا علي قاري: "فلا يناقض قوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾؛ إذ المعنى: لا يأتي نبي ينسخ ملته، ولم يكن من أمته". والواقع أن الملا علي قاري أورد حديث؛ "لو عاش إبراهيم، لكان نبياً"، وحديث: "لو كان بعدي نبي، لكان عمر بن الخطاب" (١). ثم قال:

стр. 4313

لو عاش إبراهيم، وصار نبياً، وكذا لو صار عمر بن الخطاب ﵁ نبياً، لكان من أتباعه ﵇؛ كعيسى، والخضر، وإلياس ﵈، فلا يناقض قوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، إذ المعنى: أنه لا يأتي نبي بعده ينسخ ملته، ولم يكن من أمته. فهذا التأويل، مع عدم الحاجة إليه في تحقيق معنى الآية، إنما ارتكبه الملا علي قاري ليدفع به ما يقال من أن حديث: "لو عاش إبراهيم" يقتضي أنه لو عاش، وصار نبياً، لزم أن لا يكون نبينا ﵇ خاتم النبيين، ولا حاجة إلى هذا التأويل، فإن حديث عمر بن الخطاب حجة على انقطاع النبوة بعده ﵊. وأما حديث: "لو عاش إبراهيم، لكان نبياً"، فقد أورده الداعية في شبهة، وقال: "فلو بقي إبراهيم عائشاً، ما كان ثمة مانع من صيرورته نبياً، لا آية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، ولا أي حديث". وهذه الشبهة مدفوعة بأن هذا الحديث قد أنكر وروده طائفة من أهل الحديث، كما أنكره ابن عبد البر في كتاب "التمهيد"، وقال الإمام النووي في "تهذيبه": "هذا الحديث باطل، وجسارة على الكلام بالمغيبات، ومجازفة وهجوم على عظيم". والأحاديث الموضوعة أو الضعيفة لا تقف في وجه الأدلة القطعية، ومن أراد أن يعقد بينها وبين القطعية وفاقاً، فليبق الأدلة القطعية بحالها، ويذهب في تأويل الضعيف أو الموضوع -على فرض ثبوته- ما شاء.

стр. 4314

البابيَّة والبهائيَّة (١) جاءنا من حضرة صاحب التوقيع السؤال الآتي: ما البهائية؟ وما اعتقاد مؤسسيها وأتباعهم؟ وهل يعتقدون في الحشر والجنة والنار؟ وهل يعتقد البهائيون بنبوة سيدنا محمد ﵊؟ وإذا كانوا يعترفون بنبوة سيدنا محمد ﷺ ، فكيف يعتقدون بنبي بعده، ودين غير دينه؟ وما الواجب عمله لإحباط مساعيهم حتى لا يقع أحد في شراكهم؟ بورسعيد ... الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد: فقد احتوى هذا الخطاب مسائل متعددة، ونحن نورد كل سؤال، ونقفي على أثره بالجواب عنه مستندين فيما نكتب إلى مؤلفات (٢). للبهائيين أنفسهم، وكتبٍ (٣). ألفها بعض من اطلع على كتبهم المؤلفة باللغة الفارسية

стр. 4315

والعربية؛ بقصد بيان أمرهم نصيحة للإسلام والمسلمين. س - ما البهائية ؟ ج - البهائية: نسبة إلى بهاء الله: لقب به ميرزا حسين علي، وهو الزعيم الثاني للمذهب الذي تتولاه الطائفة المسماة بالبهائية. وتسمى هذه الطائفة: البابية نسبة إلى (الباب)، وهو لقب ميرزا علي محمد ذلك الذي ابتدع هذه النحلة. وإليك ملخص القول في نشأتها: أصل نشأة هذه النحلة: أن ميرزا علي محمد الملقب بالباب نشأ في "شيراز" بجنوب إيران، وأخذ شيئاً من مبادئ العلوم، ثم اشتغل بالتجارة، ولما بلغ من العمر الخامسة والعشرين، ادعى أنه المهدي المنتظر، وكان إعلانه بهذه الدعوة سنة ١٢٦٠ هـ، نعق بهذه الدعوة، فأخذها بالتسليم طائفة من الجاهلين. وأرسل بعض هؤلاء إلى نواح مختلفة من إيران للإعلام بظهوره، وبثّ شيء من مزاعمه، وتنبه العلماء لهذه الدعاية، فقاموا في وجهها، وعقد بعض الولاة بينهم وبين ميرزا علي هذا مجالس للمناظرة، فرأى بعضهم ما في أقواله من غواية وخروج عن الدين، فأفتى بكفره. ورأى آخرون ما فيها من لغو وسخافة، فنسبه إلى الجنون واختلال الفكر. واعتقل في "شيراز"، ثم بأصفهان، وساقته الحكومة الإيرانية في عهد الملك ناصر الدين شاه إلى "تبريز"، وثارت بين أشياعه وبين المسلمين فتن وحروب سفكت فيها الدماء، وكانت عاقبته أن أعدمته الحكومة في "تبريز" صلباً عام ١٢٦٥ هـ. وقعت بعد قتله فترة كانت أتباعه فيها على اختلاف في شأن من ينوب عنه، إلى أن دبروا اغتيال الملك ناصر الدين انتقاماً لزعيمهم، فهجم عليه

стр. 4316

اثنان منهم، فخاب سعيهم، وأخذت الحكومة تتقصى أثر البابيين، وتسوق زعماءهم إلى مجلس التحقيق، وكان الميرزا حسين علي الذي لقبوه بعد بـ (بهاء الله) من شيعة الباب، ودعاة نحلته، فقبض عليه، وسجن بطهران بضعة أشهر، ثم أبعد إلى بغداد سنة ١٢٦٩ هـ. لما أدركت الحكومة الإيرانية خطر هذه الفئة وما يبيتونه من فتن؛ جعلت ترقبهم بحذر واحتراس، فالتحق طوائف منهم ببغداد، واجتمعوا حول ميرزا حسين الملقب ببهاء الله، ثم حدث بينهم ويين الشيعة ببغداد شقاق كاد يفضي إلى قتال، فقررت الحكومة العثمانية وقتئذ إبعاد البابيين من العراق، فنقلتهم إلى الآستانة، ونفتهم إلى "أدرنة". قام المسمى (بهاء الله) لهذا العهد يدعو إلى نفسه، ويزعم أنه هو الموعود به الذي أخبر عنه الباب (١)، وقبل دعوته كثير البابيين، وتسموا حينئذ بالبهائيين، وممن رفض دعوته أخوه ميرزا يحيى الملقب (صبح أزل). ثم إن الحكومة العثمانية أمرت بإبعاد الفريقين من "أدرنة"، فنفت الميرزا يحيى وأتباعه (٢) إلى "قبرص"، ونفت البهاء وأتباعه إلى "عكة" بفلسطين،

стр. 4317

وبقي البهاء بعكة إلى أن هلك عام ١٣٠٩ هـ، فتولى رئاسة الطائفة ابنه عباس الذي لقبوه بـ (عبد البهاء)، فأخذ يدعو إلى هذا المذهب، ويتصرف فيه كما يشاء، ولم يرض عن صنيعه هذا أصحاب البهاء، فانشقوا عنه، والتفوا حول أخيه الميرزا علي، وألفوا كتباً بالفارسية والعربية، وطبعوها في الهند يطعنون بها في سيرة عباس، ويصفونه بالمروق من دين البهاء. س - ما اعتقاد مؤسسيها وأتباعهم ؟ ج - ليست البهائية بالنحلة المحدثة التي لم يتقدم لها في النحل المارقة من الإسلام ما يشابهها، أو تتخذه أصلاً تبني عليه مزاعمها، وإنما هي وليدة من ولائد الباطنية، تغذت من ديانات وآراء فلسفية ونزعات سياسية، ثم اخترعت لنفسها صوراً من الباطل، وخرجت تزعم أنها وحي سماوي. ولولا أن في الناس طوائف يتعلقون بذيل كل ناعق، لما وجدت داعياً ولا مجيباً لندائها، وها نحن أولاء نسوق إليك كلمة في مذهب الباطنية، ونحدثك عن البابية أو البهائية حتى تعلم أنها سلالة من ذلك المذهب الأثيم: تقوم دعوة الباطنية على إبطال الشريعة الإسلامية، وأصل نشأة هذه الدعوة: "أن طائفة (١) من المجوس راموا عند شوكة الإسلام تأويل الشرائع على وجوه تعود إلى قواعد أسلافهم، وذلك أنهم اجتمعوا، فتذاكروا ما كان عليه أسلافهم من الملك، وقالوا: لا سبيل لنا إلى دفع المسلمين بالسيف؛ لغلبتهم، واستيلائهم على الممالك، لكنا نحتال بتأويل شرائعهم إلى ما يعود إلى قواعدنا، ونستدرج به الضعفاء منهم؛ فإن ذلك يوجب

стр. 4318

اختلافهم، واضطراب كلمتهم". وقد رسموا لهذا المذهب خطة دبروها بنوع من المكر، وهو أنهم جعلوا الدعوة مراتب: ١ - تفرس حال المدعو، أقابل للدعوة أم لا؟ ٢ - استهواء كل أحد بما يميل إليه من زهد أو خلاعة. ٣ - التشكيك في أصول الدين. ٤ - أخذ الميثاق على الشخص بأن لا يفشي لهم سراً. ٥ - دعوى موافقة أكابر رجال الدين والدنيا لهم؛ ليزداد الإقبال على مذهبهم. ٦ - تمهيد مقدمات يراعون فيها حال المدعو لتقع لديه موقع القبول. ٧ - الطمأنينة إلى إسقاط الأعمال البدنية. ٨ - سلخ المدعو من العقائد الإسلامية، ثم يأخذون بعد هذا في تأويل الشريعة على ما تشاء أهواؤهم. اتخذ هذه الخطة وسيلة إلى محاربة الدين الإسلامي طوائف كانوا يتظاهرون بأنهم من شيعة آل البيت، وهم لا يؤمنون بنبي من الأنبياء، ولا بشيء من الكتب المنزلة، ولا بيوم الجزاء، ولا أن للعالم خالقاً، وتراهم يستدلون بالقرآن والحديث، ولكن يحرفونهما عما أراد الله ورسوله منهما. ومن الباطنية المتظاهرين بالتشيع لآل البيت من ادّعى النبوة لبعض آل البيت. وكم أحدث هؤلاء الذين يدعون المهدية، أو النبوة، أو الإلهية من فتن! وكم جروا على العالم الإسلامي من بلاء! وكان أهل العلم يقاومون باطلهم،

стр. 4319

ويهتكون أستارهم، وممن تصدى للرد عليهم: أَبو حامد الغزالي، فألّف كتابه المسمى: "حجة الحق (١) "، وكتابه المسمى: "فضائح الباطنية (٢) "، وذكر في مقدمة هذا الكتاب أنه طالع الكتب المصنفة فيهم، فوجدها مشحونة بفنين: فن في تواريخ أخبارهم وأحوالهم من بدء أمرهم إلى ظهور ضلالهم، وتسمية كل واحد من دعاتهم في كل قطر من الأقطار، وبيان وقائعهم فيما انقرض من الأعصار، وفن في إبطال تفاصيل مذاهبهم وعقائد تلقوها من الثنوية والفلاسفة، وحرفوها عن أوضاعها، وغيروا ألفاظها قصداً للتغطية والتلبيس، ثم بين أنه قصد في كتابه إلى الإعراب عن خصائص مذهبهم، والتنبيه على مدارج حيلهم، والكشف عن بطلان شبههم. ولأبي بكر بن العربي مع بعض زعمائهم مناظرات ذكرها في كتاب "القواصم والعواصم"، وتناول الشيخ ابن تيمية مذهب الباطنية، وردّ على بعض فرقهم في بعض مؤلفاته. عرفنا تاريخ الباطنية، وقرأنا بعض كتب البابية والبهائية، فوجدنا روح الباطنية حلت في جسم ميرزا علي، وميرزا حسين علي، فخرجت باسم البابية والبهائية. الباطنية يستدلون بكلام النبوة، ويحرفون كلم القرآن والحديث عن مواضعه؛ كما فسروا حج البيت العتيق بزيارة شيوخهم، والبابية أو البهائية يستدلون بالقرآن والحديث، ويذهبون في تأويلهما إلى مثل هذا الهذيان نفسه، ولميرزا علي المسمى بـ (الباب) تفسير لسورة يوسف مشى فيه على

стр. 4320

هذا النمط، فقال في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. "المراد من يوسف: حسين بن علي، والمراد بالشمس: فاطمة، وبالقمر: محمد، وبالنجوم: أئمة الحق، فهم الذين يبكون على يوسف سجّدا"!. وهذا أحد دعاتهم المسمّى: أبا الفضل الجرفادقاني قد أورد في كتابه المسمّى: "الدرر البهية" قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]. وقال: "ليس المراد من تأويل آيات القرآن: معانيها الظاهرية، ومفاهيمها اللغوية، بل المراد: المعاني الخفية التي أطلق عليها الألفاظ على سبيل الاستعارة والتشبيه والكناية". ثم قال بعد هذا: "قرر الله تنزيل تلك الآيات على ألسنة الأنبياء، وييان معانيها، وكشف الستر عن مقاصدها إلى روح الله حينما ينزل من السماء". وقال: "إنما بعثوا ﵈ لسوق الخلق إلى النقطة المقصودة، واكتفوا منهم بالإيمان الإجمالي حتى يبلغ الكتاب أجله، وينتهي سير الأفئدة إلى رتبة البلوغ، فيظهر روح الله الموعود، ويكشف لهم الحقائق المكنونة في اليوم المشهود"، وقال: "وفي نفس الكتب السماوية تصريحات بأن تأويل آياتها إلى معانيها الأصلية المقصودة لا تظهر إلا في اليوم الآخر؛ يعني: القيامة، ومجيء مظهر أمر الله، وإشراق آفاق الأرض ببهاء وجه الله".

стр. 4321

ثم قال: "ولذلك جاءت تفاسير العلماء من لدن نزول التوراة إلى نزول البيان (١) تافهة باردة عقيمة جامدة، بل مضلة مبعدة محرفة مفسدة،. كنا نود أن نصرف القلم عن نقل مثل هذا السخف، ونصون صحف الكتاب عن أن تحمل لقرائه شيئاً من الزيغ والالحاد في آيات الله، والاعتداء على علماء الإسلام الذين رفعوا منار الحق، وأذاقوا بحججهم أعداء الإنسانية عذاباً أليماً، ولكن دعاة هذا المذهب قد استهووا فريقاً من أبناء المسلمين، وأصبحوا يدعون إلى مذهبهم في النوادي، ويتحدثون عنه في الصحف، وألفوا كتباً تقع في أيدي بعض الشباب، فذلك ما اضطرنا إلى أن نبسط القول في بيان نحلتهم، وسرد أقوالهم؛ حتى يكون المسلمون على بينة من أمرهم. لهج البابية البهائية مقتفين أثر إخوانهم الباطنية بهذا النوع من التأويل؛ ليدخلوا منه إلى العبث في تفسير القرآن والحديث، وصرفهما عما يراد بهما من حكمة وهداية. ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. أنزل الله القرآن بلسان عربي مبين، ودلنا على أن الرسول الأعظم ﷺ يقوم ببيان ما خفي على الناس علمه، فقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وما زال السلف من الصحابة والراسخين في العلم من بعدهم، يفسرون القرآن بما يووونه عن الرسول ﵊، وبما يفهمونه منه

стр. 4322

على مقتضى استعمال لغتهم وأساليب بلاغتهم، فجاؤوا بعلم كثير، وأدب غزير، وتركوها حكماً رائعة، وشريعة سمحة باهرة، وقوانين اجتماع طاهرة، حتى قام جماعة من أوشاب الناس يزعمون أن هذا القرآن الذي أنزله الله بلسان العرب لم يوكل بيانه إلى من كان يقرؤه على الناس بكرة وعشياً، ولم يفهم المراد منه أولئك الذين يتهجدون به في الأسحار سجداً لله وبكياً، وإنما وكل بيانه إلى أمثال ميرزا علي محمد، وميرزا حسين، وعباس، وأبي الفضل الجرفادقاني ليخوضوا فيه بلغو من القول، ويعثوا في تأويله مفسدين. قال أَبو بكر بن العربي في كتاب "القواصم والعواصم" يرد على إخوانهم الباطنية قولهم: إن خليفة الله هو الذي يبلغ عنه "الخليفة هو النبي الذي بين، ثم استأثر الله به، ولا معصوم بعده". وفي كتاب "فضائح الباطنية" بسطة في رد ما يدعونه من ظهور الإمام المعصوم، وحصر مدارك الحق في أقواله، وقد عرفت أن الإمام المعصوم الذي يدعيه الباطنية هو ما يسميه البابية والبهائية بـ"من يظهره الله"، ويزعمون أنه هو الذي يعرف تأويل ما جاء به الرسل ﵈، ويصرح هذا الإيراني في كتابه هذا بأن قصص القرآن غير واقعة، وقال: "لا يمكن للمؤرخ أن يستمد في معارفه التاريخية من آيات القرآن". وقال: "إن الأنبياء ﵈ تساهلوا مع الأمم في معارفهم التاريخية، وأقاصيصهم القومية، ومبادئهم العلمبة، فتكلموا بما عندهم، وستروا الحقائق تحت أستار الإشارات، وسدلوا عليها ستائر بليغ الاستعارات". دعوى أن في اقرآن قصصاً غير واقعة بزعم أنه رمز إلى معان خفية، ليس لها من داع سوى ما يضمره أصحابها من الكيد للقرآن الكريم، وإدخال

стр. 4323

الريب في أنه تنزيل من لدن حكيم عليم. لم يقم حتى الآن دليل تاريخي أو نظري يطعن في صحة قصة ساقها القرآن الحكيم، ونحن نستند في صحتها إلى الآيات الدالة على أن المبعوث به لا ينطق عن الهوى، فالمؤرخ المسلم، ومعلم التاريخ لأبناء المسلمين يستمد في معارفه التاريخية من آيات الذكر الحكيم، وهي عندنا أصدق قيلاً، وأقوى سنداً مما يقصه المؤرخ من حوادث تقع في عصره، أو قريب منه، وهذه الثقة بالطبيعة لا تحصل لمن ينكر أو يرتاب في أن القرآن حجة الله على العالمين، فلا تطالب المجوسي أو البهائي بأن يدخلوا في مؤلفاتهم التاريخية ما جاء في القرآن من أنباء الأولين، وهم لم يطمئنوا إلى أن محمداً ﷺ صادق أمين. يزعم هذا الإيراني أن الرسول ينطق ببعض المبادئ العلمية مجاراة لقومه، وهي في الواقع غير صحيحة، وهذه جهالة غبي، وجراءة غوي، والرسول ﵊ وإن لم يُبعث لتقرير المسائل العلمية التي تدركها عقول البشرية بسهولة، أو بعد جهد؛ كالطبيعيات والرياضيات لا يتحدث عن شيء منها حديث من يصدق بها إلا أن تكون صواباً، ودعوى أن لها رموزاً إنما اخترعها الإيراني وأمثاله ليستروا بها وجه جحودهم، والبرقع الشفاف لا يحجب ما وراءه. ولم يكن تأويل البهائية وأسلافهم الباطنية لنصوص الشريعة على هذا الوجه الناقض لأصولها بشيء ابتدعوه من أنفسهم ابتداعاً، وإنما هو صنع عملوا فيه على شاكلة طائفة من فلاسفة اليهود من قبل؛ فأنا نقرأ في ترجمة "فيلون" الفيلسوف اليهودي المولود ما بين عشرين وثلاثين قبل ميلاد المسيح

стр. 4324

أنه ألف كتاباً في تأويل التوراة ذاهباً إلى أن كثيراً مما فيها رموز إلى أشياء غير ظاهرة، ويقول الكاتبون في تاريخ الفلسفة: إن هذا التأويل الرمزي كان موجوداً معروفاً عند أدباء اليهود بالإسكندرية قبل زمان "فيلون"، ويذكرون أمثلة تأويلهم أنهم فسروا آدم بالعقل، والجنة برياسة النفس وإبراهيم بالفضيلة الناتجة من العلم، وإسحاق عندهم هو الفضيلة الغريزية، ويعقوب هو الفضيلة الحاصلة من التمرين، إلى أمثال هذا من التأويل الذي لا يحوم عليه إلا الجاحدون المراؤون، ولا يقبله منهم إلا قوم هم عن مواقع الحكمة ودلائل الحق غافلون. وأبو الفضل هذا من أبعد دعاة البهائية في الهذيان شأواً، وأشدهم لعلماء الإِسلام ضغينة، وإذا أخذ في شتمهم، لا يشفى غليله إلا أن يصب كل الجمل التي يعرفها في المعنى الذي أراد شتمهم به، انظروا إلى قوله في (صفحة ١٤٧) من ذلك الكتاب المسمى: بالدرر البهية: "فتمادوا في غيهم، وأصروا على باطلهم، وتاهوا في ضلالتهم، ومردوا في جهالاتهم، وعموا في سكرتهم، وانهمكوا في غوايتهم"، فالرجل حفظ جملاً التقطها من بعض الصحف السائرة، أو من الكتب الغابرة، وصار يلقيها فيما يكتب من غير وزن، حاسباً أن هذا الصنيع من تزويق القول ينقل الناس من الجد إلى الهزل، وكان الحق إلى الضلال!. في الباطنية من يدعي أنه نبي، أو يعتقد في آخر أنه نبي يوحي إليه، وميرزا علي الملقب (بالباب) يدعي أنه رسول من الله؛ ووضع كتاباً ادعى أن ما فيه شريعة منزلة، وسماه: "البيان" وقال في رسالة بعث بها إلى الشيخ محمود الألوسي صاحب التفسير المشهور المسمى: "روح المعاني" يدعوه

стр. 4325

فيها إلى مذهبه: "إنني أنا عبد الله قد بعثني الله بالهدى من عنده". وسمى في هذه الرسالة مذهبه: دين الله، فقال: "ومن لم يدخل في دين الله، مثله كمثل الذين لم يدخلوا في الإِسلام"!. وكذلك يدعي زعيمهم المسمى: (بهاء الله)، ففي كتاب "بهاء الله والعصر الجديد": "وقرر بهاء الله أن رسالته هي لتأسيس السلام على الأرض". وقال صاحب هذا الكتاب يتحدث عن الباب والبهاء: "من المستحيل إيجاد أي تغيير لعظمهما إلا بالاعتراف بأنهما إنما عملا بوحي من الله". يدّعي الباب الرسالة، ويزعم أن شريعته ناسخة للشريعة الإِسلامية، فابتدع لأتباعه أحكاماً خالف بها أحكام الإِسلام وقواعده، فجعل الصوم تسعة عشر يوماً من شروق الشمس إلى غروبها. وعين لهذه الأيام وقت الاعتدال الربيعي؛ بحيث يكون عيد الفطر عندهم يوم النيروز على الدوام، وفي كتابه "البيان": "أيام معدودات، وقد جعلنا النيروز عيداً لكم بعد إكمالها". وجعل ميرزا حسين الملقب ببهاء الله الصلاة تسع ركعات في اليوم والليلة، وكان عبد الله بن الخراب الكندي الذي اعتقد إلهيته كثير من أشباه الناس قد جعلها تسع عشرة صلاة في اليوم والليلة. وقبلة البهائيين في صلاتهم التوجه أين يكون ميرزا حسين المسمى: بهاء الله، فإنه يقول لهم: "إذا أردتم الصلاة، فولوا وجوهكم شطري الأقدس"! وقال ابنه عباس: "يلزمنا التوجه إلى مركز معلوم، وهو مظهر الله". ومظهر الله في زعمهم هو هذا المسمى: بهاء الله. أما الحج، فقد أبطله البهاء، وأوصى بهدم بيت الله الحرام عند ظهور رجل مقتدر من أشياعه.

стр. 4326

ومن الباطنية من منع العوام من مدارسة العلوم، والخواص من النظر في الكتب المتقدمة؛ حتى يبقوا في عماية، وهو الحسن بن محمد الصباح. ونجد ميرزا علي المسمى: الباب قد حرّم في كتابه "البيان" التعلم، وقراءة كتب غير كتبه، فكان كل من يؤمن بالباب يحرق القرآن الكريم وما وقع في يده من كتب العلم، ولكن الميرزا حسين المسمّى: (بهاء الله) أدرك ما في هذا التحجير من خطأ مكشوف، وأنه مما يصرف عنهم ذوي العقول النابهة، فأتى في كتابه الذي سمّاه: "الأقدس" بما ينسخه، فقال: "قد عفا الله عنكم ما نزل في "البيان" من محو الكتب، وأذنَّاكم بأن تقرؤوا من العلوم ما ينفعكم". وفي الباطنية من يدعي حلول الإله في بعض الأشخاص، كما قال القرامطة بإلهية محمد بن إسماعيل بن جعفر، وهذه الدعوى -أعني: دعوى الحلول- تظهر في بعض مقالات البهائية. قال عباس الملقب بـ (عبد البهاء): "وقد أخبرنا بهاء الله بأن مجيء رب الجنود، والأب الأزلي، ومخلص العالم الذي لابد منه في آخر الزمان، كما أنذر جميع الأنبياء، عبارة عن تجليه في الهيكل البشري، كما تجلى في هيكل عيسى الناصري، إلا أن تجليه في هذه المرة أتم وكمل وأبهى، فعيسى وغيره من الأنبياء هيؤوا الأفئدة والقلوب لاستعداد هذا التجلي الأعظم". يريد بهذا: أن الله تجلى فيه بأعظم من تجليه في أجسام الأنبياء على ما يزعم، وقال مهذارهم أبو الفضل الإيراني: "فكل ما توصف به ذات الله، ويضاف ويستند إلى الله من العزة والعظمة، والقدرة والعلم والحكمة، والإرادة والمشيئة، وغيرها من الأوصاف والنعوت، إنما يرجع بالحقيقة إلى مظاهر

стр. 4327

أمره، ومطالع نوره، ومهابط وحيه، ومواقع ظهوره". ويظهر هذا من اللوح الذي كتبه المسمى (بهاء الله) في التنويه بشأن ابنه عباس؛ فإنه قال: "إن لسان القدم (١) يبشر أهل العالم بظهور الاسم الأعظم (٢) الذي أخذ عهده بين الأمم، أنه نفسي، ومطلع ذاتي، ومشرق أمري، من توجه إليه، فقد توجه إلى وجهي، واستضاء من أنوار جمالي، واعترف بوحدانيتي، وأقر بفردانيتي ... إلخ)!. وقلد البهائية الفلاسفة فيما يدعونه من قدم العالم، ففي كتاب "بهاء الله والعصر الجديد": "علم بهاء الله أن الكون بلا مبدأ زمني، فهو صادر أبدي من العلة الأولى، وكان الخلق دائماً مع خالقه، وهو دائماً معهم". وقد تصدى أهل العلم الراسخ لتزييف ما تعلق به هؤلاء في الاستدلال على هذا الرأي، وحققوا أن المعلول لابد أن يتأخر عن العلة في الوجود, إذ معنى العلة: ما أفاض على الشيء الوجود، والمعلول: ما قبل منه هذا الوجود، ولا معنى لإفاضة الوجود على الممكن إلا إخراجه إلى الوجود بعد أن كان في عدم، وذلك معنى الحدوث. ومن عجيب أمر هذه الطائفة: أنهم يدعون النبوة والرسالة، وما فوق الرسالة، وينكرون المعجزات بدعوى أنها غير معقولة، تجدون هذا الإنكار في كتاب داعيتهم المسمّى: أبا الفضل، فقد ذكر انفلاق البحر، وانفجار العيون من الحجر لموسى ﵇، وإبراء عيسى ﵇ للاكمه والأبرص، وإحياءه الموتى بإذن الله، ونبع الماء من بين أصابع

стр. 4328

محمد ﷺ ، وقال: وكثير من أهل الفضل، وفرسان مضمار العلم اعتقدوا بأن جميع ما ورد في الكتب والأخبار من هذا القبيل كلها استعارات عن الأمور المعقولة، والحقائق الممكنة مما يجوزه العقل المستقيم، ثم أخذ يؤول ما ورد في تلك المعجزات من قرآن وحديث، ويحمله على معان لا يقبلها منه إلا من فقد عقله قبل أن يفقد إيمانه، وإنكارهم للمعجزات ينبئكم أن القوم يمشون مكبين على وجوههم وراء الفلسفة التي لا تؤمن بأن لهذا العالم خالقاً فعالاً لما يريد. وملخص القول في البابية والبهائية: أنه مذهب مصنوع من ديانات ونحل وآراء فلسفية، قال صاحب كتاب "مفتاح باب الأبواب" يصف البابيين: "لهم دين خاص مزيج من أخلاط الديانات البوذية (١)، والبرهمية الوثنية (٢)، والزرادشتية (٣)، واليهودية، والمسيحية، والإِسلامية، ومن اعتقادات الصوفية، والباطنية". وما زالت البهائية مذهباً قائماً على أطلال الباطنية يحمل في سريرته القصد إلى هدم الإِسلام بمعول التأويل، ودعوى الرسالة والوحي بشريعة ناسخة لأحكامه، حتى جاء عباس عبد البهاء إلى هذا المذهب المصنوع، وأراد أن يكسوه ثوباً جديداً، فخلطه بآراء التقطها مما يتحدث به بعض الناس على أنها من مقتضيات المدنية، أو مما اكتشفه العلم حديثاً، نحو:

стр. 4329

التساوي بين الرجال والنساء في التعليم، ونزع السلاح، واتفاق الأمم على لغة واحدة تدرس في العالم كله، وتأسيس محكمة عمومية تحل مشاكل الأمم، وأن الإنسان تدرج بالارتقاء من أبسط الأنواع حتى وصل إلى شكله الحالي (نظرية داروين)، ولهجوا بعد هذا بكلمة نشر السلام العام، ونبذ التعصبات الدينية. وقد تخيل عباس أنه بإدخال مثل هذه الآراء في مذهب البهائية يستدرج المولعين بالجديد من النابتة الحديثة، ولهذا الطمع ترونه يقول: "تحتوي تعاليم بهاء الله على جميع آمال ورغائب فرق العالم، سواء كانت دينية أو سياسية أو أخلاقية، وسواء كانت من الفرق القديمة أو الحديثة، فالجميع يجدون فيها ديناً عمومياً في غاية الموافقة للعصر الحاضر (١)، وأعظم سياسة للعالم الإنساني". وصرح في مقال آخر بأنه يريد أن يوحد بين المسلمين والنصارى واليهود، ويجمعهم على أصول نواميس موسى ﵇ الذين يؤمنون به جميعاً (٢). ولا أحسب عبد البهاء عباساً يقصد من هذا الحديث إلا التزلف لليهود، والتظاهر بموالاتهم؛ ليجعلهم من أشياعه، وإلا، فكيف يقع في خاطر من عرف القرآن أن يعمل على صرف الناس عن شريعة الإِسلام، ويرجع بها إلى شفا حفرة من النار بعد أن أنقذهم الله منها؟!. يذكر الشيخ ابن تيمية: أن الباطنية "هم دائماً مع كل عدو للمسلمين"، وقال: "إن التتار ما دخلوا بلاد الإِسلام، وقتلوا خليفة بغداد وغيره من

стр. 4330

ملوك الإِسلام إلا بمعاونتهم". وكذا نجد في البابية تحيزاً إلى أعداء المسلمين، وانظروا إلى عباس عبد البهاء كيف يتحيز إلى اليهود، ويبشر بأن فلسطين ستصير وطناً لهم. فقال: "سيجتمع بنو إسرائيل في الأرض المقدسة، وتكون أمة اليهود التي تفرقت في الشرق والغرب والجنوب والشمال مجتمعة". وقال: "تأتي طوائف اليهود إلى الأرض المقدسة، ويزدادون تدريجاً إلى أن تصير جميعاً وطناً لهم". فالبهائية شأنهم شأن الباطنية في بغض الإِسلام، وموالاة خصومه، ولنا الأمل الوثيق في أن العرب وسائر المسلمين من ورائهم سيقفون في وجه الاستعمار الصهيوني، والدعاية البهائية التي تظاهرها وتسعدها، حتى تبقى فلسطين وطناً عربياً إسلامياً، على الرغم من عبد البهاء والبهائيين. س - هل يعتقدون في الحشر والجنة والنار ؟ جـ - لا يؤمن البهائيون بالبعث، ولا بالجنة والنار، ويفسرون يوم الجزاء ويوم القيامة بمجيء ميرزا حسين الملقب ببهاء الله، قال في كتاب "بهاء الله والعصر الجديد": "وطبقاً للتفاسير البهائية يكون مجيء كل مظهر إلهي عبارة عن يوم الجزاء، إلا أن مجيء المظهر الأعظم بهاء الله هو يوم الجزاء الأعظم للدورة الدنيوية التي نعيش فيها". وقال: "ليس يوم القيامة أحد الأيام العادية، بل هو يوم يبتدئ بظهور المظهر، ويبقى ببقاء الدورة العالمية". هذا ما يفسرون به يوم الجزاء ويوم القيامة، ويفسرون الجنة بالحياة الروحانية، والنار بالموت الروحاني، قال في هذا الكتاب: "إن الجنة والنار

стр. 4331

في الكتب المقدسة حقائق مرموزة"، فعندهما -أي: البهاء وابنه عباس- الجنة هي حالة الكمال، والنار حالة النقص، فالجنة هي الحياة الروحانية، والنار هو الموت الروحاني. هذا ما يقوله البهائية، وكذلك ينقل لنا أبو حامد الغزالي أن الباطنية يقولون: "كل ما ورد من الظواهر في التكاليف والحشر والأمور الإلهية، فكلها أمثلة ورموز إلى بواطن". وساق بعد هذا أمثلة في تأويلهم الفاسق عن قانون اللغة والعقل، وقال: "هذا من هذيانهم في التأويلات، حكيناها ليضحك منها، ونعوذ بالله من سرعة العاقل، وكبوة الجاهل"!. وقد قلدوا في إنكار البعث طائفة الدهريين، وأخذتهم شبههم التي لا تستطيع أن تنهض أمام أدلة القرآن الحكيم، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩]. س - هل يعتقد البهائيون بنبوة سيدنا محمد ﷺ -؟ جـ - مخالفة البهائيين لما جاء به رسول الله ﷺ من معتقدات وأحكام، وتهجمهم على تأويل القرآن والحديث بمثل ما نقلناه عن زعمائهم؛ شاهد على أن قلوبهم جاحدة لرسالته، وإذا تحدثوا عنه في بعض كتبهم متظاهرين بتصديق نبوته، فما هم إلا كسائر الأفراد أو الطوائف الذين يعملون لهدم الإِسلام تحت ستار. ومن خبال زعيمهم الأول: دعواه في تفسيره لسورة يوسف أنه أفضل من رسول الله ﷺ ، وعلل هذا الكلام بما لا يفهمه إلا من يفهم لغة المبرسمين

стр. 4332

إذ قال: "لأن مقامه (الباب) هو مقام النقطة، ومقام النبي ﷺ مقام الألف". وقال: "كما أن محمداً أفضل من عيسى، فكتابها "البيان" أفضل من القرآن". وقال: "إن أمر الله في حقي أعجب من أمر محمد رسول الله ﷺ من قبل لو أنتم فيه تتفكرون!!. ولسنا في حاجة إلى الرد عليه في دعوى أنه أفضل من رسول الله ﷺ ولا في دعوى أن كتابه "البيان" أفضل من القرآن، فعامة المسلمين كخاصتهم يعلمون أن هذه الدعوى من صنف الدعاوي التي تنادي على نفسها بالزور والهذيان، وأولو العقول من غير المسلمين يعرفون عظمة محمد بن عبد الله ﷺ ، وما بثه في العالم من إصلاح، فمن يدّعي أنه مثل محمد، أو أنه أتى بكتاب يحاكي القرآن، كان في حاجة إلى علاج يعيد عليه شيئاً من رشده، ويجعله على بصيرة من نفسه. س - إذا كانوا يعترفون بنبوة سيدنا محمد ﵊, فكيف يعتقدون بنبي بعده، ودين غير دينه ؟ جـ - البهائيون لا يعترفون بنبوة سيدنا محمد ﷺ ، ولهذا سهل على زعمائهم أن يدعوا النبوة من بعده! قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. ومعنى الآية الذي لا يذهب الفهم إلى خلافه: أنه النبي ﷺ الذي انقطع به وصف النبوة، فلا يتحقق في أحد من الخليقة بعده. وورد هذا مبيناً في صريح السنّة الصحيحة ففي "صحيح الإمام البخاري"، "وصحيح مسلم": أن النبي ﷺ قال: "مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني داراً بناء، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية،

стр. 4333

فجعل الناس يطوفون به، ويتعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين". وقد إنعقد إجماع المسلمين على هذا جيلاً بعد جيل، وأصبح معلوماً من الدين بالضرورة، فمن أنكره، وادعى لنفسه أو لغيره النبوة بعد رسول الله ﷺ ، فقد إنسلخ من الإِسلام، وكان من الغاوين، وإذا شهد لسانه بنبوة محمد ﷺ ، فهو من أولئك الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فالبابيون لا يدخلون في المعترفين بنبوة رسول الله ﷺ في حال. وقد ذكرهم العلامة الألوسي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. فقال: "وقد ظهر في هذ العصر عصابة من غلاة الشيعة لقبوا أنفسهم بالبابية لهم في هذا الباب فصول يحكم بكفر معتقدها كلُّ من انتظم في سلك ذوي العقول، وقد كاد عرقهم يتمكن في العراق لولا همة واليه النجيب الذي وقع على همته وديانته الاتفاق حيث خذلهم - نصره الله تعالى -، وشتت شملهم، وغضب عليهم ﵁، وأفسد عملهم، فجزاه الله تعالى عن الإِسلام خيراً، ودفع عنه في الدارين ضيماً وضيراً". س - ما هو الواجب عمله لإحباط مساعيهم حتى لا يقع أحد في شراكهم ؟ جـ - لو كان التعليم الديني في الشعوب الإِسلامية إلزامياً ومقرراً في جميع مدارسها ,لم يجد أشباه الباطنية إلى إزاغة قلب الفتى المسلم طريقاً، وتركُ كثير من أبنائنا لا يعرفون من الإِسلام إلا أسماء، أو لا يلقنون إلا مبادئ مقطوعة عن حججها العقلية أو النقلية، قد يسر لأمثال البهائية أن ينصبوا

стр. 4334

حبائلهم بين المسلمين، ويصطادوا من النفوس الجاهلة قليلاً أو كثيراً. ولا ننسى أن الذي ساعد البهائية على أن تستهوي فريقاً من المسلمين: تظاهرها بأنها فرقة إسلامية، واحتجابها بالقرآن والحديث، وكتمها بعض معتقداتها المنكرة على البداهة، وعدم انتشار كتبها، فكثير من أهل العلم لم تصل إليهم كتب هذه الطائفة حتى يستبينوا منها حقيقة نحلتهم، ويحذروا الناس من الوقوع في شراكهم. أما اليوم، فقد أخذهم الغرور، وصاروا يذيعون شيئاً من أسرار نحلتهم على المنابر وعلى صفحات الجرائد، ويتحدثون عنها في مؤلفات تطبع وتعرض على الناس في المكاتب، فهي بما تحمله من مقالات ملفقة ودعاوي غير معقولة قد بعثت عن حتفها بظلفها، فلا نخشى على من له نباهة أو فطرة سليمة أن يعتقد بنبوة ميرزا حسين، أو عباس عبد البهاء، ولا نخشى على من وصل إلى نفسه أثر من هداية الإِسلام أن يتبدل بها مزاعم أبي الفضل الإيراني، وإذا جاز أن يكون في طبقة العامة أو أشباههم من لا يتنبه لما في البهائية من كيد للإسلام، وإغواء عن شريعته الغراء، فإن العلماء والوعاظ -أينما كانوا- سيكشفون للناس عن بطانة هذا المذهب؛ ليحترسوا من دعاته، ويحذروا أن يمسهم شيء من نزعاته. وقد علم طائفة من دعاة الإباحية والخروج على الدين ما ينطوي عليه هذا المذهب من مناوأة للدين الحق، فقاموا يظاهرونه في النوادي والصحف، ويزينونه في أعين الناس؛ ظناً منهم أن علماء الإِسلام ما زالوا عن سريرة هذا المذهب غافلين.

стр. 4335

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (١٨) «الهِدَايَةُ الإسْلاميَّةُ» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 4336

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 4337

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن أوسع ميدان من الميادين الإِسلامية العديدة التي خاض غمارها فضيلة الإِمام الأكبر المصلح المجاهد المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - هو ميدان: مجلة "الهداية الإِسلامية"، تلك المجلة الخالدة التي غذاها بعلمه النافع الغزير، وعمله الخالص الجاد طيلة مرحلة من عمره الطاهر امتدت ثلاثة وعشرين عاماً أو يزيد. لقد أصدر الإِمام خلال حياته العلمية الحافلة بجلائل الأعمال مجلتين إسلاميتين عظيمتين هما: "السعادة العظمى" في تونس عام ١٣٢٢ هـ، و"الهداية الإسلام" في القاهرة عام ١٣٤٧ هـ. وترأس تحرير مجلتين إسلاميتين كبيرتين هما: "نور الإِسلام"، والمعروفة الآن باسم مجلة "الأزهر"، و"لواء الإِسلام" في القاهرة. إلى جانب المشاركة بالقلم في العديد من مجلات العالم الإسلامي. ولما كانت مجلة "الهداية الإِسلامية" التي صدر العدد الأول منها في جمادى الثانية من عام ١٣٤٧ هـ بالقاهرة، وتابعت صدورها ما يزيد على ثلاث وعشرين سنة برئاسة الإِمام، وإشرافه العلمي، وتوجيهه القيم، هي الناطقة باسم "جمعية الهداية الإِسلامية" التي أنشأها الإِمام الأكبر مع جمهرة من كبار العلماء المسلمين بالقاهرة، وذلك في اليوم الثالث عشر من شهر

стр. 4338

رجب لعام ١٣٤٦ هـ الموافق ٦ يناير "كانون الثاني" من عام ١٩٢٨ م. فقد أولاها كل جهده ووقته، وانصرف إليها نهاره وليله، حتى كانت الجمعية مع مجلتها طعامه وشرابه ومنامه. وقد رسم للجمعية سبيلاً لتحقيق أهدافها باتباع الوسائل التالية: ١ - السعي لتعارف الشعوب الإِسلامية، وتوثيق الرابطة بينها، ورفع التجافي بين الفرق الإِسلامية، والتعاون مع كل جمعية تسعى لهذه الغاية. ٢ - نشر حقائق الإِسلام بأسلوب يلائم روح العصر. ٣ - مقاومة الإلحاد والدعايات غير الإِسلامية في الأوطان الإِسلامية بالطرق العلمية. ٤ - الجهاد في إصلاح شأن اللغة العربية، وإحياء آدابها. وقد نهجت مجلة الهداية الإِسلامية وفق هذه الأسس. تلقى القاري المسلم مجلة "الهداية الاسلامية" وهو أشد ما يكون حاجة إلى مجلة إسلامية علمية أدبية اجتماعية تولي وجهها نحو البحث عما يهذب النفوس، ويثقف العقول، ويقوم اللسان، وتسير على الأدب الموصى به في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. فكانت صوت حق وهدى في العالم الإِسلامي. وما زالت مجموعتها مرجعاً إسلامياً للعلماء والباحثين والأدباء. وقد جعلنا مقدمة هذا الكتاب فاتحة المجلة التي افتتح بها الإِمام العدد الأول من مجلة "الهداية الإِسلامية"، والتي أوضح فيها المنهج والطريق.

стр. 4339

وجمعنا في هذا الكتاب الذي أسميناه: "الهداية الإِسلامية"، وهو عنوان المجلة تخليداً لذكراها، مقالات لم يسبق لها أن نشرت في أي كتاب صدر للإمام، وأملنا ورجاؤنا أن نعمد في المستقبل -إن شاء الله تعالى- خدمة لرسالة الإِسلام، ونظراً لحاجة المكتبة الإِسلامية إلى تلك الموسوعة الإِسلامية الكبرى مجلة "الهداية الإِسلامية" إلى إعادة طبعها كاملة؛ لتكون خير زاد للإنسان المسلم في رحلة العمر، ولتكون في متناول أيدي طلاب العلم بعد أن أصبحت مجموعاتها نادرة جداً، والحاجة إليها شديدة. والله نسأل السداد والتوفيق. علي الرّضا الحسيني

стр. 4340

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدّمَة الإمام محمّد الخضر حسين (١) نحمدك اللهم حمد من ابتغوا الإِسلام شرعة ومنهاجا، ونصلي ونسلم على رسولك الذي أطلعته في غسق الجهالة سراجاً وهاجاً، وعلى آله وصحبه الذين اشتروا العزة بزهرة الحياة الدنيا، وجاهدوا لتكون كلمة الحق هي. العليا. هذا، ومن ينظر إلى ما بلغته الأمم الإِسلامية من رفعة وعظمة، ثم يقيس حاضرها بماضيها، يجد الفرق ما بينهما كالفرق بين طلعة الصبح وفحمة الدجى، يجدها كانت تعلم فتعمل، وتسوس فتعدل، وتحارب فتظفر، وتدعى إلى الإصلاح فتسمع، وتشعر بالخلل فتصلح. أما شأنها اليوم، فهو ما ترون بأعينكم، أو تسمعون بآذانكم: بدع فاشية، وأهواء غالبة، وروابط إخاء واهية، وأيد فوق أيديها غليظة قاسية، وشر من هذا -إن كان فوق هذا شر- حُفر من النار تخطها بين فتياننا وفتياتنا أقلام مكبّة في الغواية والخلاعة على وجهها. لا أبسط القول في علل هذا الانقلاب المهين، ولا أكتم القراء أن علة هذه العلل تغير موقف الكثير من رجال العلم، وأخذهم في الحياة طوراً غير

стр. 4341

الطور الذي هيأه الله لهم، وأمرهم بأن يلبسوه في غدوهم ورواحهم، وهو مراقبة سير الأفراد والجماعات، وإرشادهم إلى قصد السبيل، دون أن يأخذهم في الإرشاد ما يأخذ جبان القلب من إحجام أو تردد ولو أن الكثير من رجال العلم كانوا يعنون بالنظر في الشؤون العامة، ويسيرون في العمل على إصلاحها بحزم ويقظة، لكانت الأمة متينة في أخلاقها، حازمة في أعمالها، بصيرة بمكايد أعدائها، تقصر أيدي الطغاة عن أن تجول في حقوقها، وتنعقد ألسنة الضالين عن أن تطعن في شريعتها، أو تحرف كلمات الله عن مواضعها. وإذا كانت علل هبوط الأمة من تلك المنزلة الشماء إنما نشأت تحت غفلة من يتقلدون أمر رقابتها، فطريق البرء والنجاة مستبين، وهو أن يبصر علماء الإِسلام في كل شعب بهذا البلاء المحدق بالأمة، ويدركوه كما هو، ثم يقوموا بالدعوة إلى الإصلاح، وبما تناله أيديهم من وجوه الإصلاح، هذا هو أساس فلاحنا إن رغبنا في أن نكون من المفلحين، وسبيل خلاصنا من العيشة النكداء إن رغبنا في أن نكون أحراراً آمنين. ولا يكفي العلماء عذراً عند الله، أو عند الأجيال القابلة: أن يلقوا التبعة على ولاة الأمور إذا استكبروا، أو على ذوي اليسار إذا أمسكوا، أو على رؤوس الإلحاد إذا ائتمروا؛ فقد علمهم الله كيف يدعون إلى سبيله بالحكمة، وعلمهم أن الحكمة المحمولة بيد الإخلاص لا بد من أن تحدث في النفوس الغافلة أو القاسية أثراً، وعلمهم أن الباطل لا يقف في وجه الحق، ولو كان أكثر أهل الأرض أشياعاً للباطل وأنصاراً. ذلك هو الدواء، ولا نكتم القراء أن رجالاً من ذوي العلم قد عرفوا مكانه،

стр. 4342

وأخذوا منذ حين يعملون على تلافي الخطب، ومقاومة حركات الذين يعتنقون الإباحية، أو يقضون لخصوم الدين الحنيف مآرب، وقد ظهرت آثارهم القيمة في بعض الصحف والمؤلفات، وفيما يلقى من الخطب والمحاضرات، ولكن الأمر جلل، وطريق النجاح فيه وعرة، والعمل لعبورها ذو شعب، فلا تغني فيه الأيدي القليلة، والأقلام التي تكافح مرة، ثم تغمض عن الكفاح أخرى، وهذا ما نهض بجماعات في مصر وغير مصر، فألفوا جمعيات إسلامية أدبية، وليست جمعية الهداية الإِسلامية إلا بنت ثقافة وحماسة التقتا في نفوس طائفة من طلاب العلوم الإِسلامية، فتحاصروا، واحتفلوا، وخطبوا، ووضعوا نظاماً أساسياً لهذه الجمعية، وكان من محتوياته: إصدار مجلة إسلامية علمية أدبية، وما برح مجلس إدارة الجمعية -منذ تألف- يسعى إلى إبراز هذه المجلة كما شرط الأعضاء المؤسسون، حتى هيأ الله له من أمرها يسراً. وستولي المجلة -بتأييد الله- وجهها نحو البحث عما يهذب النفوس، ويثقف العقول، ويقوم اللسان، فتبحث في الأخلاق والعادات، والتاريخ والتراجم، واللغة وآدابها، والعلوم النظرية والاجتماعية، والبدع والمحدثات. وترشد إلى حقائق الإِسلام وآدابه، وتنقد المقالات والآراء، وتجيب عما تسعها الإجابة عنه من المسائل، وتورد من أنباء العالم الإِسلامي ما له صلة بالغاية التي أنشئت من أجلها، وتنشر تحت عنوان: "صحف قيمة" رسائل علمية أو أدبية من مؤلفات القدماء متى كانت ذات صفحات قليلة، ووثقت لجنة التحرير من أن يكون لإذاعتها بين القراء فائدة. وستسير المجلة -بتوفيق الله- على الأدب الموصى به في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

стр. 4343

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. فلا تنشر مقالاً يحتوي كلمة ناشزة عن حدود الآداب الراقية، حتى لا تقدم بين يدي قرائها الكرام ما تأبى لهم طباعهم المهذبة أن يسمعوه بآذانهم، أو يقولوه بألسنتهم. وستوسع المجلة -بإذن الله- صدرها لكل من خطر على باله أن يرشدها إلى ما قد يعثر فيه القلم من خطأ، أو تنشره ذاهلة عما انطوى عليه من سوء، وهي أيضاً ترجو ممن وقع نظره فيها على ما يراه خطأً، أو سوءاً من القول أن ينبهها لموضع النقد في مقال تتمثل فيه الأناة والقصد إلى تقرير الحقائق، وعلى أي حال، فإن هذه المجلة لا تعرف ذلك الذي يسمونه عناداً أو مغالطة؛ لأنها متيقنة أن المعاند أو المغالط عدو للحقيقة، وهي حريصة على صداقة الحقائق أشد من حرصها على أن توصف بالعصمة. محمّد الخضر حسين

стр. 4344

آداب الحرب في الإِسلام (١) تمهيد - أسباب الحروب - الاستعداد للحرب - التدريب على الحرب - محاكاة العدو في وسائل الدفاع - كتابة أسماء من يدعون إلى الحرب - إعلان الحرب - رفع الرايات في الحرب - الشعار في الحرب - تعهد الجند بالموعظة - النشيد الحماسي - الزحف في صفوف منظمة - الإقدام في الدفاع - الثبات في مواقع الدفاع - الإخلاص في الحرب - أثر الاستقامة في الانتصار - الدهاء في الحرب - إطلاع ولي الأمر على سير الحرب يوماً فيوماً - الشورى في الحرب - كيف يكون قائد الجيش - استكشاف حال العدو - التكتم في الحرب - الاحتراس في الحرب - حكم الجاسوس في الإِسلام - الرفق بالجند ومعاملتهم بالعدل - تلقيهم أوامر القائد بحسن الطاعة - تحامي الاختلاف المؤدي إلى شقاق - التخلف عن الدفاع - الفرار من صفوف القتال - الوفاء بتأمين المحارب - مجاملة رسل العدو وعدم التعرض لهم بأذى - تجنب قتل من لا يقاتل - معاملة الأسرى - الدفاع في البحر - عقد الصلح - تخليص الأسرى من أيدي العدو - تقدير البطولة.

стр. 4345

* تمهيد: نحمدك اللهم على أن أحييت في نفوسنا آمالاً طالما باتت هامدة، ووفقتنا للنهوض من كبوة خمول وذهول، فإذا القلوب باصرة، والغيرة على الحقوق متقدة، والأقلام مجاهدة. ونصلي ونسلم على رسولك الذي أنزلت عليه كتاباً بهرت العقول آياته وسوره، وأيدته بنصرك المؤزر، ولينصرن الله من ينصره. أما بعد: فقد ذكرت ما كان للجيوش الإِسلامية من قوة، وما كان لها من الوقائع المكللة بالظفر، ولم أرتب في أن لتلك القوة والظفر أسباباً، أقواها: نور الإيمان الذي كان يتلألأ في صدورهم، وآداب الدين الذي كانوا يعتزون به في كل موطن، ونصائحه التي كانوا يرعونها بحق، فبدا لي أن أذكر جيوشنا الإِسلامية بجانب من تلك الآداب والنصائح، حتى إذا وجدت فطراً سليمة ونفوساً مشرقة بالإيمان, قوي رجاؤنا في أنا سنخرج من حمأة المهانة، إلى صعيد طاهر من الكرامة، وأن الزمن الذي تخفق فيه رايتنا بالنصر على من يروم السيطرة على أوطاننا غير بعيد. * أسباب الحروب: طبعت نفوس على حب الاستئثار بالمنافع، وذلك ما يدعوها إلى أن تمد أيديها إلى ما يتمتع به غيرها من خير، وتنتزعه منه بقوة؛ كما أن في النفوس غيرة على ما بيدها من حق، وإباية لأن يؤخذ منها هذا الحق وهي كارهة، وذلك ما يدعوها إلى أن تذود عن ساحتها، وتدافع عن حقوقها، ولو كان خصمها أكثر جنداً، وأتم سلاحاً، بل تقف هذا الموقف من الرجولة
следующие страницы →