← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

الطور الذي هيأه الله لهم، وأمرهم بأن يلبسوه في غدوهم ورواحهم، وهو مراقبة سير الأفراد والجماعات، وإرشادهم إلى قصد السبيل، دون أن يأخذهم في الإرشاد ما يأخذ جبان القلب من إحجام أو تردد ولو أن الكثير من رجال العلم كانوا يعنون بالنظر في الشؤون العامة، ويسيرون في العمل على إصلاحها بحزم ويقظة، لكانت الأمة متينة في أخلاقها، حازمة في أعمالها، بصيرة بمكايد أعدائها، تقصر أيدي الطغاة عن أن تجول في حقوقها، وتنعقد ألسنة الضالين عن أن تطعن في شريعتها، أو تحرف كلمات الله عن مواضعها. وإذا كانت علل هبوط الأمة من تلك المنزلة الشماء إنما نشأت تحت غفلة من يتقلدون أمر رقابتها، فطريق البرء والنجاة مستبين، وهو أن يبصر علماء الإِسلام في كل شعب بهذا البلاء المحدق بالأمة، ويدركوه كما هو، ثم يقوموا بالدعوة إلى الإصلاح، وبما تناله أيديهم من وجوه الإصلاح، هذا هو أساس فلاحنا إن رغبنا في أن نكون من المفلحين، وسبيل خلاصنا من العيشة النكداء إن رغبنا في أن نكون أحراراً آمنين. ولا يكفي العلماء عذراً عند الله، أو عند الأجيال القابلة: أن يلقوا التبعة على ولاة الأمور إذا استكبروا، أو على ذوي اليسار إذا أمسكوا، أو على رؤوس الإلحاد إذا ائتمروا؛ فقد علمهم الله كيف يدعون إلى سبيله بالحكمة، وعلمهم أن الحكمة المحمولة بيد الإخلاص لا بد من أن تحدث في النفوس الغافلة أو القاسية أثراً، وعلمهم أن الباطل لا يقف في وجه الحق، ولو كان أكثر أهل الأرض أشياعاً للباطل وأنصاراً. ذلك هو الدواء، ولا نكتم القراء أن رجالاً من ذوي العلم قد عرفوا مكانه،

стр. 4342

وأخذوا منذ حين يعملون على تلافي الخطب، ومقاومة حركات الذين يعتنقون الإباحية، أو يقضون لخصوم الدين الحنيف مآرب، وقد ظهرت آثارهم القيمة في بعض الصحف والمؤلفات، وفيما يلقى من الخطب والمحاضرات، ولكن الأمر جلل، وطريق النجاح فيه وعرة، والعمل لعبورها ذو شعب، فلا تغني فيه الأيدي القليلة، والأقلام التي تكافح مرة، ثم تغمض عن الكفاح أخرى، وهذا ما نهض بجماعات في مصر وغير مصر، فألفوا جمعيات إسلامية أدبية، وليست جمعية الهداية الإِسلامية إلا بنت ثقافة وحماسة التقتا في نفوس طائفة من طلاب العلوم الإِسلامية، فتحاصروا، واحتفلوا، وخطبوا، ووضعوا نظاماً أساسياً لهذه الجمعية، وكان من محتوياته: إصدار مجلة إسلامية علمية أدبية، وما برح مجلس إدارة الجمعية -منذ تألف- يسعى إلى إبراز هذه المجلة كما شرط الأعضاء المؤسسون، حتى هيأ الله له من أمرها يسراً. وستولي المجلة -بتأييد الله- وجهها نحو البحث عما يهذب النفوس، ويثقف العقول، ويقوم اللسان، فتبحث في الأخلاق والعادات، والتاريخ والتراجم، واللغة وآدابها، والعلوم النظرية والاجتماعية، والبدع والمحدثات. وترشد إلى حقائق الإِسلام وآدابه، وتنقد المقالات والآراء، وتجيب عما تسعها الإجابة عنه من المسائل، وتورد من أنباء العالم الإِسلامي ما له صلة بالغاية التي أنشئت من أجلها، وتنشر تحت عنوان: "صحف قيمة" رسائل علمية أو أدبية من مؤلفات القدماء متى كانت ذات صفحات قليلة، ووثقت لجنة التحرير من أن يكون لإذاعتها بين القراء فائدة. وستسير المجلة -بتوفيق الله- على الأدب الموصى به في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

стр. 4343

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. فلا تنشر مقالاً يحتوي كلمة ناشزة عن حدود الآداب الراقية، حتى لا تقدم بين يدي قرائها الكرام ما تأبى لهم طباعهم المهذبة أن يسمعوه بآذانهم، أو يقولوه بألسنتهم. وستوسع المجلة -بإذن الله- صدرها لكل من خطر على باله أن يرشدها إلى ما قد يعثر فيه القلم من خطأ، أو تنشره ذاهلة عما انطوى عليه من سوء، وهي أيضاً ترجو ممن وقع نظره فيها على ما يراه خطأً، أو سوءاً من القول أن ينبهها لموضع النقد في مقال تتمثل فيه الأناة والقصد إلى تقرير الحقائق، وعلى أي حال، فإن هذه المجلة لا تعرف ذلك الذي يسمونه عناداً أو مغالطة؛ لأنها متيقنة أن المعاند أو المغالط عدو للحقيقة، وهي حريصة على صداقة الحقائق أشد من حرصها على أن توصف بالعصمة. محمّد الخضر حسين

стр. 4344

آداب الحرب في الإِسلام (١) تمهيد - أسباب الحروب - الاستعداد للحرب - التدريب على الحرب - محاكاة العدو في وسائل الدفاع - كتابة أسماء من يدعون إلى الحرب - إعلان الحرب - رفع الرايات في الحرب - الشعار في الحرب - تعهد الجند بالموعظة - النشيد الحماسي - الزحف في صفوف منظمة - الإقدام في الدفاع - الثبات في مواقع الدفاع - الإخلاص في الحرب - أثر الاستقامة في الانتصار - الدهاء في الحرب - إطلاع ولي الأمر على سير الحرب يوماً فيوماً - الشورى في الحرب - كيف يكون قائد الجيش - استكشاف حال العدو - التكتم في الحرب - الاحتراس في الحرب - حكم الجاسوس في الإِسلام - الرفق بالجند ومعاملتهم بالعدل - تلقيهم أوامر القائد بحسن الطاعة - تحامي الاختلاف المؤدي إلى شقاق - التخلف عن الدفاع - الفرار من صفوف القتال - الوفاء بتأمين المحارب - مجاملة رسل العدو وعدم التعرض لهم بأذى - تجنب قتل من لا يقاتل - معاملة الأسرى - الدفاع في البحر - عقد الصلح - تخليص الأسرى من أيدي العدو - تقدير البطولة.

стр. 4345

* تمهيد: نحمدك اللهم على أن أحييت في نفوسنا آمالاً طالما باتت هامدة، ووفقتنا للنهوض من كبوة خمول وذهول، فإذا القلوب باصرة، والغيرة على الحقوق متقدة، والأقلام مجاهدة. ونصلي ونسلم على رسولك الذي أنزلت عليه كتاباً بهرت العقول آياته وسوره، وأيدته بنصرك المؤزر، ولينصرن الله من ينصره. أما بعد: فقد ذكرت ما كان للجيوش الإِسلامية من قوة، وما كان لها من الوقائع المكللة بالظفر، ولم أرتب في أن لتلك القوة والظفر أسباباً، أقواها: نور الإيمان الذي كان يتلألأ في صدورهم، وآداب الدين الذي كانوا يعتزون به في كل موطن، ونصائحه التي كانوا يرعونها بحق، فبدا لي أن أذكر جيوشنا الإِسلامية بجانب من تلك الآداب والنصائح، حتى إذا وجدت فطراً سليمة ونفوساً مشرقة بالإيمان, قوي رجاؤنا في أنا سنخرج من حمأة المهانة، إلى صعيد طاهر من الكرامة، وأن الزمن الذي تخفق فيه رايتنا بالنصر على من يروم السيطرة على أوطاننا غير بعيد. * أسباب الحروب: طبعت نفوس على حب الاستئثار بالمنافع، وذلك ما يدعوها إلى أن تمد أيديها إلى ما يتمتع به غيرها من خير، وتنتزعه منه بقوة؛ كما أن في النفوس غيرة على ما بيدها من حق، وإباية لأن يؤخذ منها هذا الحق وهي كارهة، وذلك ما يدعوها إلى أن تذود عن ساحتها، وتدافع عن حقوقها، ولو كان خصمها أكثر جنداً، وأتم سلاحاً، بل تقف هذا الموقف من الرجولة

стр. 4346

والاحتفاظ بالكرامة، ولو غلب على ظنها أنها ستُغلب على أمرها؛ تفعل هذا إيثاراً لحياة العزة على حياة المهانة، وتحامياً لخزي ينقل من جيل إلى جيل. وهاتان الطبيعتان: طبيعة حب الاستئثار بالمنافع، وطبيعة إباء الضيم، هما منشأ أكثر الحروب التي تقوم بين الأمم: الحريص على منافع في يد غيره يهاجم، أو يستعد متحفزاً للهجوم، ومن بيده المنافع ينهض في وجه المهاجم، أو يبادر المتحفز للهجوم عليه قبل أن يستوفي وسائل الهجوم، "تغد بالحجَّاج قبل أن يتعشى بك". وربما كان قوم على حق وسيرة من الرشد، فيحمل لهم الطغاة الفجّار ضغناً، ويرومون القبض على زمامهم؛ ليصرفوهم عن سيرتهم الرشيدة، ولا يرضى المستقيمون على طريقة الرشد إلا أن يعيشوا أحراراً، فإذا الحرب ناشبة: أولئك يبغون فتنة، وهؤلاء يبغون سلاماً. وقد تنشب الحرب بين طائفتين يعتقد كل منهما في نفسه أنه المظلوم، وخصمه الظالم، وهذا النوع من الحروب هو الذي يمكن تحاميه من طريق المفاوضات، وقرع الحجّة بالحجَّة، ويغني فيه القلم عن النار والحديد. * الاستعداد للحرب: إذا كانت طبيعة حب الاستئثار بالمنافع غالبة على النفوس، وإذا كان أصحاب الأهواء يحرصون على إطفاء نور الحق، وإذا كان في إقناع أحد الخصمين بأن الحق في جانب غيره صعوبة، فمن الحزم أن تكون الأمة على استعداد كاف لدفاع من يريد الاعتداء على حق من حقوقها، بسوء قصد، أو بسوء فهم.

стр. 4347

وكذلك نرى الإِسلام قد فرض على الأمة أن تنفق أقصى ما تستطيع في الاستعداد للدفاع، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]. فاستعداد الأمة للحرب يجعلها في منعة من أن يهتضم ذو قوة حقاً من حقوقها، أو تحدثه نفسه بأن يبسط سلطانه على قيد شبر من أوطانها. أمر الشارع الحكيم بإعداد وسائل الدفاع، وذكرها بلفظ عام، وهو قوله: ﴿مِنْ قُوَّةٍ]؛ لتتناول كل ما يحتاج إليه في الدفاع، ويكون له أثر في الفوز على العدو المحارب، فيدخل فيه آلات الطعن والضرب، وآلات الرماية، وبناء الحصون، وتهيئة ما تحتاج إليه الجنود من نحو الملابس والمطاعم. وقول النبي ﷺ : "ألا إن القوة هي الرمي" تنبيه على أن الرمي أهم الوسائل التي تكون بها القوة. فالطيارات والبارجات والدبابات والغواصات من أدوات الرمي. * التدريب على الحرب: لما كان في السباق على الخيل تدريب على خوض غمار الحروب، أذن فيه النبي ﷺ ، وفعله، على الطريقة المعروفة في كتب الفقه؛ وأذن النبي ﷺ كذلك في اللعب بالسلاح، لما فيه من التمرين على الطعان بجد إذا التقى الجمعان. ورد في الصحيح: أن الحبشة كانوا يلعبون بالحراب في المسجد على مرأى من رسول الله ﷺ ، ولما أنكر عليهم عمر بن خطاب، وأهوى إلى الحصباء ليرميهم بها، قال له النبي ﷺ : "دعهم يا عمر".

стр. 4348

* محاكاة العدو في وسائل الدفاع: كان علينا استطلاع ما يهيئه العدو من وسائل الحروب لنصنع ما يصنع، حتى نماثله في القوة، ونفضله بأننا ندافع عن الحق، ونرجو من الله ما لا يرجو. وفي وصية أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد: "إذا لاقيت القوم، فقاتلهم بالسلاخ الذي يقاتلونك به: السهم للسهم، والرمح للرمح، والسيف للسيف". ولو ظهر في أيام أبي بكر نوع آخر من السلاح، لذكره. ونقول على طراز حكمته: الطيارة للطيارة، والحراقة للحراقة، والغواصة للغواصة. وأشار سليمان الفارسي في واقعة الأحزاب على النبي ﷺ بحفر الخندق، فأذن بحفره، وعمل فيه بنفسه، وقال أبو سفيان يومئذ: "هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها". * كتابة أسماء من يدعون إلى الحرب: من النظم الجارية في القديم والحديث: كتابة أسماء من فيهم كفاية للجندية، حتى يعرف أولو الأمر قوة الجند من جهة عددهم، وكان هذا أمراً متبعاً في عهد النبي ﷺ . روى ابن عباس: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني كتبت في غزوة كذا، وامرأتي حاجّة، فقال: "ارجع فحج مع امرأتك". وفي الصحيح عن حذيفة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "اكتبوا إلى من تلفظ بالإِسلام من الناس"، فكتبنا له ألفاً وخمس مئة رجل. وكان هذا عند خروجه إلى غزوة أحد، أو عندما كانوا بالحديبية. * إعلان الحرب: يوجب الإِسلام علينا الوفاء لمن بيننا وبينهم عهد أو هدنة؛ فإن قامت

стр. 4349

شواهد على أنهم يريدون خيانتنا، ويتهيؤون للهجوم على أوطاننا، لم يجز لنا مهاجمتهم وأخذهم على غرة، ولابد من أن نشعرهم بأن العهد بيننا وبينهم قد انتقض، قال تعالى في كتابه المجيد: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨]. وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول لقائد الجيش: "وقدم النذر بين يديك". * رفع الرايات في الحرب: ترفع الرايات حيث يكون قائد الجيش؛ ليعلم بها مكانه، حتى يأوى إليها الناس عند الحاجة؛ واتخذ النبي ﷺ رايته مرة بيضاء، ومرة سوداء، ومرة صفراء. ويروى أن بعض ألويته كان مكتوباً عليه: "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وقد يعطي كل قبيلة لواء يقاتلون تحته، وعقد لوفد سليم لواء أحمر، وعقد لسعد بن مالك راية على قومه سوداء، وفيها هلال أبيض. * الشعار في الحرب: يتخذ الجنود شعاراً يتعارفون به في ظلمة الليل، أو عندما يشتبك الفريقان، وكان هذا الضرب من الاحتراس متبعاً في غزواته ﷺ ، وفي فتوحات الخلفاء الراشدين من بعده. عن البراء بن عازب: أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم تلقون عدوكم غداً، فليكن شعاركم: حم لا ينصرون" (١)، وكان شعار المسلمين في غزوة بني المصطلق: يا منصور أمت (٢)، وغزا أبو بكر في زمن رسول الله ﷺ ، وكان

стр. 4350

شعار الجيش: أمت أمت (١) "أمر من الاماتة". * تعهد الجند بالموعظة: قد يأخذ الجنود حظهم من الفنون الحربية كاملاً، ولا يستغنون بعد عن أن تُغذى نفوسهم بالموعظة الحسنة، فمن المثير لحماسة الجند قبل دخولهم في ملاحم الحروب: إلقاء خطب تذكرهم فضل الإقدام والثبات، وما يأتي به الثبات في مواقف الدفاع من خير، وتنذرهم ما يجره الجبن والحرص على الحياة من خزي وشقاء. وكان قائدو الجيوش في الإِسلام يأخذون بهذه السنة الحسنة، فيلقون على الجيوش قبل انتشاب الحرب خطباً دافعة إلى خوض غمار الحرب بحماسة متقدة، وفي وصية أبي بكر الصديق ﵁ ليزيد بن أبي سفيان التنبيه على إسداء الموعظة للجند، فقال: "وإذا وعظتهم، فأوجز؛ فإن كثير الكلام ينسي بعضه بعضاً". وسنريك أن الجيوش التي تخفق راياتها بالنصر، وتكون هي وقائدها على ثقة منه، إنما هي الجيوش التي استنارت بهدي الله، فلا بد إذن للجيوش الإِسلامية من وعاظ حكماء بلغاء يحببون إليهم التمسك بآداب الشريعة السمحة، ويذكرونهم بما جرت به سنة الله من رعايته للنفوس التي تؤثر رضاه على أهوائها، ونصره لها على النفوس التي اتخذت أهواءها آلهة. * النشيد الحماسي: نريد من النشيد الحماسي: الشعر الذي يشتمل على تذكير الجنود بمجد

стр. 4351

قومهم الماضي أو الحاضر، وبما تقتضيه العزة؛ من نحو: إباية الضيم، والاستهانة بالخطوب، وشأن هذا الشعر تقوية القلوب، وإيقاد المغيرة، فيزداد الجند إقداماً وثباتاً في مواقع القتال، وكان الصحابة ﵁ يقولون يوم حفر الخندق: نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا والدين ينهى الرجل عن الفخر بشيء من خصاله الحميدة، وأباح ذلك في الحرب، كان علي بن أبي طالب ﵁ في فتح خيبر يقول: أنا الذي سمتني أمي حيدره ... كليث غابات كريه المنظره وكان عامر بن الأكوع في هذه الغزوة يقول: قد علمت خيبر أني عامر ... شاكي السلاح بطل مغامر وقال يرتجز: والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا إنا إذا قوم بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا فأنزلنْ سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا والشعر الحماسي، ولا سيما المقرون بتلحين، لا يدع نفساً فيها بارقة من الشجاعة إلا دفع بها في المعترك دون مبالاة بالموت. وربما تذكر الرجل وهو في صفوف القتال نحو قول عمرو بن الإطنابة: وقولي كما جشأت وجاشت ... مكانك تُحمدي أو تستريحي فيذهب عنه خاطر الفرار أو الاستسلام إلى العدو، ويقف للدفاع وقوف شحيح ضاع في التراب خاتمه.

стр. 4352

* الزحف في صفوف منظمة: كان العرب والبربر يحاربون على طريقة الكر والفر، وكان غيرهم من العجم والإفرنج يزحفون إلى الحرب صفوفاً، وقد جاء الإِسلام باختيار طريقة الزحف، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. ووجه هذا: أن المتقدم للقتال في صفوف منظمة أرهبُ للعدو، وأدعى إلى الثبات والدوام في المعترك، بخلاف قتال الكر والفر؛ فإنه لا يعطي الجيش مهابة، ويسهل فيه على ضعفاء النفوس المسارعة إلى الهزيمة. ولو بدا لقائد الجيش في بعض المواطن أن يتخذ طائفة من الجند يحاربون على طريقة الكر والفر، ويكون من ورائهم الصفوف المنظمة يلجؤون إليها عند الحاجة، فقد فعل هذا ملوك المغرب؛ إذ كانوا يقدمون جنوداً تحارب على طريقة الكر والفر، ويضربون وراءها صفوفاً من المدربين على الثبات في الزحف. * الإقدام في الدفاع: لكثرة الجند أثر في الظفر، وقد ينتصر الجيش وهو قليل العدد متى كان أشد بسالة، وأثبت قدماً عند اللقاء: وما السيف إلا بزُّ غادٍ لزينة ... إذا لم يكن أمضى من السيف حاملُهْ ومن هنا نجد القرآن الكريم يعني بتربية الشجاعة في النفوس. ومن وجوه تربيته للشجاعة: تذكيره الأمة بأن ما ينالهم في سبيل القتال قد ينال عدوهم مثله، قال تعالى:

стр. 4353

﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]. وقال تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ومن هذا القبيل تذكيره الأمة بأن العدو إذا استولى على أوطانهم، كانت له العزة، وكانت عليهم الذلة، قال تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿الممتحنة: ٢]. * الثبات في مواقع الدفاع: قد يكون الرجل مقداماً لا يهاب الموت، ولكنه يبتلى بقلة الصبر على المكاره، فيسأم ما يلاقيه في حومات الحروب من مشاق، فيثني عنانه عن الدفاع، وينقلب على عقبه مبتغياً -فيما يزعم- راحة الحياة، أو جانحاً إلى صلح يضرب عليه ذلة وصغاراً، فمن متممات الشجاعة: الثبات في الدفاع إلى إدراك الغاية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ ﴿الأنفال: ٤٥]. وقال ﷺ : "لا تمنَّوْا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم، فاصبروا؛ فإن الجنة تحت ظلال السيوف". فكم من ظفر يحرزه أحد الفريقين المتحاربين، وإنما أحرزوه بصبرهم في موقف الطعان لحظة أو لحظات، قال الشاعر الحكيم: بكى صاحبي لما رأى الموت فوقنا ... مُطِلّاً كإطلال السحاب إذا اكفهرّ

стр. 4354

فقلت له لا تبك عينك إنما ... يكون غداً حسن الثناء لمن صبر * الإخلاص في الحرب: نجاح كل عمل على قدر ما يقارنه من طيب السريرة، وحسن القصد، وأحقُّ ما يقصد إليه الناهضون إلى الحرب: حماية أوطانهم؛ ليسلم لهم دينهم وأعراضهم وأموالهم، وتكون كلمة الحق هي العليا، وهذا القصد أكبر باعث على الثبات في مواقف الدفاع، فالذي يحارب ليحرز منصباً أو مالاً، أو ليتحدث الناس عن شجاعته، قد يقف في إقدامه عند حد، وما هو من الانهزام والفرار من مواقع الدفاع ببعيد، أما الذي يقاتل دفاعاً عن شيء يرى الحياة بدونه شراً من الموت، وهو العزة والحرية اللتان يرى بهما الحق في إشراق وصعود، فإنه يثبت في مواقع القتال، ولا يلوي عنقه عنه إلا أن يفوز أو يموت. جاء رجل إلى النبي ﷺ ، وقال له سائلاً: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر، والرجل يقاتل ليرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وما أبلغ قول أبي فراس: يغشون حوماتِ المنون وإنها ... في الله عند نفوسهم لصِغار * أثر الاستقامة في الانتصار: جرت سنة الله بأن يكون تأييده في جانب القوم الذين يملأون قلوبهم بالثقة به، ويحافظون على واجبات شريعته ما استطاعوا. كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: "آمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم؛ فإن ذنوب الجيش أخوفُ عليهم من عدوهم، وإنما ينُصر المسلمون لمعصية عدوكم لله، ولولا ذلك،

стр. 4355

لم تكن لنا قوة بهم؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية، كان لهم الفضل علينا، وإلا نُنصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا"، ومنه: "ولا تقولوا: إن عدونا شر منا، فلن يُسلط علينا، وإن أسأنا، فرب قوم سلط عليهم من هو شر منهم (١) ". فصلاح حال الجيش -ولا سيما من بيدهم قيادته- يستدعي تأييد الله تعالى لهم تأييداً مؤزراً، وقد ياتيهم النصر بعد استعدادهم، من حيث لا يحتسبون، فإذا تفشت فيهم المعاصي، لم يأمنوا أن يكون من عقوبة معاصيهم ابتلاؤهم بالوهن والفشل أمام سطوة عدوهم. قال القاضي أبو بكر بن العربي: لقد حضرت صفاً في سبيل الله في بعض الحروب مع قوم من أهل المعاصي والذنوب، فلما وازينا العدو، أقبلت سحاب وريح ورذاذ كأنه رؤوس الإبر، يضرب في ظهر العدو، ويأخذ وجوهنا، فما استطاع أحد منا أن يقف مواجهة العدو، ولا قدرنا على فرس أن نستقبله بها وعادت الحال إلى أن كانت الهزيمة علينا". * الدهاء في الحرب: للشجاعة وكثرة الجند وجودة السلاح أثر في الانتصار، ولكن للدهاء -أعني: جودة الرأي- الفضل الأكبر في الفوز والغلبة. وجودة الرأي هي التي أرادها النبي ﷺ من قوله: "الحرب خدعة". فالمراد من الخدعة: اتخاذ طرق خفية للوصول إلى الظفر؛ كالكَمين، والعمل لإيجاد شقاق في صفوف الأعداء، وكما فعل نعيم بن مسعود الأشجعي في واقعة الأحزاب؛ إذ سعى بين المشركين

стр. 4356

وبني قريظة بما فرق بينهم، حتى صرف الله كيدهم. وقال المهلب لبنيه: "عليكم في الحرب بالمكيدة؛ فإنها أبلغ من النجدة". يقوم أمر الحرب على الآراء الصائبة، والآراء الصائبة قد تبدو لقائد الجيش من النظر في طبيعة مواقع القتال، ومن تبصره بأحوال العدو التي يطلع عليها يوماً فيوماً، أو ساعة فساعة. لهذا كان من المعروف في سياسة الحروب أن قائد الجيش يفوض إليه أمر تصريف الحرب على ما يبدو له من رأي بعد استشارة ذوي الرأي من رجاله المخلصين. كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب يستشيره في دخول الدُّروب خلف العدو، فكتب إليه عمر: "أنت الشاهد، وأنا الغائب، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب". وكتب الحجاج إلى المهلب يستعجله في حرب الأزارقة، فكتب إليه المهلب: "إن من البلاء أن يكون الرأي لمن يملكه دون من يبصره! ". * إطلاع ولي الأمر على سير الحرب يوماً فيوماً: يفوض ولي الأمر إلى قائد الجيش تدبير شؤون الدفاع، واتخاذ وسائل قهر العدو، على وفق ما تقتضيه الفنون الحربية. وشأن ولي الأمر أن يكون على خبرة من أحوال الجند وسير الحرب، كما يكون على خبرة من أحوال العدو: يواصله بها قائد الجيش يوماً فيوماً، أو ساعة فساعة، حتى يصير كأنه يراها رأي العين. ومن كتاب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: "اكتب إليّ في كل يوم". وقال في كتاب آخر: "فصف لي منازل المسلمين، والبلد الذي بينكم

стр. 4357

وبين المدائن -عاصمة بلاد الفرس- صفة كأني انظر إليها، واجعلني من أمركم على جلية". وإطلاع ولي الأمر على حال الجيش وموقف العدو أمامهم في كل ساعة، يدعوه إلى السهر والتفكير في وسائل سلامة الجيش، وإمداده بما يحتاج إليه من قوة. ولا يمنع ولي الأمر تفويضه لقائد الجيش في أمر الحرب أن يتتبع سيرته، وينظر إليها بعين الناقد البصير، حتى إذا رأى فيها مأخذاً، نبهه له، أو بدا له رأي أصوب من رأي القائد، أبلغه إياه مصحوباً بالحجة. انصرف أبو عبيدة في فتح الشام عن قلعة حلب إلى النواحي التي قربت من أنطاكية، فكتب إليه عمر بن الخطاب: "وأما ما ذكرت من انصرافك عن قلعة حلب إلى النواحي التي قربت من أنطاكية، فهذا بئس الرأي! أتترك رجلاً ملكت دياره ومدينته، ثم ترحل عنها، وتسمع أهل النواحي والبلاد بأنك ما قدرت عليه؟! فما هذا الرأي؟! فيضعف رأيك، ويعلو ذكره بما صنع، ويطمع من لم يطمع، فترجع إليك الجيوش، وتكاتب ملوكها، فإياك أن تبرح حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين". * الشورى في الحرب: استطلاع الآراء نافع في كل أمر، وهو في الحرب أحق بأن لا يستهان به؛ فإن رأي الجماعة أبعدُ عن الخطأ من رأي الفرد، لذا عني القرآن المجيد بالشورى، فقال تعالى لرسوله الكريم، وهو المؤيد بالوحي: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. والمراد من الأمر في الآية: أمر الحرب ونحوها من أمور الدنيا التي

стр. 4358

يدركها الناس من طريق التجارب والممارسة؛ أما الأحكام الشرعية، فإنما تجيء من طريق الوحي. نزل النبي ﷺ في غزوة بدر في منزل، فقال الحباب بن منذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "لا، بل هو الرأي والحرب والمكيدة", فقال المنذر: ليس هذا بمنزل، انهض حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله، فقال: "أشرت بالرأي"، وأخذ بما قاله الحباب. * كيف يكون قائد الجيش ؟ عرفنا قبل أن الدهاء مما يراعى في اختيار قائد الجيش، ويجب أن يكون قائد الجيش -مع هذا- شجاعاً قوي الجأش؛ فإن لشجاعته أثراً كبيراً في شجاعة الجيش أو جبنه، قال أبو بكر الصديق في وصيته ليزيد بن أبي سفيان، "ولا تجبن فيجبن الناس"، وقال المتنبي يمدح أبا الهيجاء: الجيش جيشك غير أنك جيشه ... في قلبه ويمينه وشماله يريد أن الجيش يتشجع بشجاعتك، ويقدم بإقدامك، ويهاب من أجلك. وقال: بالجيش تمتنع السادات كلهم ... والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع وإذا كانت خصلة الثبات واحتمال المكاره مما يجب أن يغرس في نفوس الجند، فنفس القائد أحق بأن تكون مطبوعة على هذه الخصلة المجيدة، قال الشاعر العربي: وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الجيش مضطلعا

стр. 4359

لا مترفاً إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا ولا يكفي لقيادة الجيوش عندما تلتهب نار الحرب إلا الرجل الذي كان قد خاض غمار الحرب من قبل، فذاق حرَّها، وثبتت قدمه لملاقاة خطوبها، قال أبو تمام: من لم يسس ويطير في خيشومه ... رهج الخميس فلن يقود خميسا وإنما يختار لقيادة الجيش من عُرف بالغيرة على الحق الذي قامت الأمة للدفاع عنه؛ فإن هذه الغيرة تزيد شجاعته قوة، وتفتح أمامه أبواباً من التدبير الناجح لا يبصرها قائد كان حظه من الغيره ضئيلاً. فتح مغيث بن الحارث قرطبة، وأسر ملكها، وكانت للملك بنت ذات جمال، فأخذت تتعرض لمغيث بجمالها، فوكل بها من يسلك معها طريق الإرهاب حتى تقر بما تقصده من تعرضها لمغيث، فأقرت بأنها هيأت خرقة مسمومة لتتوسل بها إلى القضاء عليه، فأخبر مغيث بذلك، فقال: لو كانت نفس هذه الجارية في صدر أبيها، ما أخذت قرطبة في ليلة واحدة (١). * استكشاف حال العدو: إن معرفة قائد الجيش بحال عدوه المحارب، وما ينويه من أعمال حربية، تدعوه إلى أن يستعد له على قدر ما يستطيع من قوة أو مكيدة. قال النبي ﷺ في واقعة الأحزاب: "من يأتيني بخبر القوم؟ "، قال الزبير: أنا، فقال ﵊: "إن لكل نبي حواري، وحواري الزبير". وأسلم العباس ﵁ قبل فتح مكة، وكتم إسلامه، وكان يكتب بأخبار

стр. 4360

المشركين إلى رسول الله ﷺ حتى قال له - صلوات الله عليه -: "إن مقامك في مكة خير". وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص: "وإذا وطئت أدنى أرض العدو، فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم"، ومما كتب له: "وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها". * التكتم في الحرب: من حزم قائد الجيش أن يكون تصريفه لشؤون الحرب محوطاً بستار، وتكون آراؤه مصونة بكتمان، ورب نكبة تأني الجيش في اطلاع عدوه على ما بيته قائد الجيش من أمر. بعث النبي ﷺ عبد الله بن جحش على رأس سرية، وناوله كتاباً مختوماً، وقال له: لا تفتحه إلا في مكان كذا, ولما وصل إلى ذلك المكان، فتحه، فإذا فيه "امض حتى تنزل نخلة، فتأتينا من أخبار قريش". وكان ﷺ إذا أراد المسير إلى قوم، وَرَّى بغيرهم. وقال أبو بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان: "وإذا قدمت عليك وفود العجم، فأنزلهم معظم عسكرك، وأسبغ عليهم النفقة، وامنع الناس من محادثتهم؛ ليخرجوا جاهلين كما دخلوا جاهلين بها، وفي رواية: "وكن أنت المتولي لكلامهم". * الاحتراس في الحرب: تقوم الحرب على المكيدة، فمن حزم قائد الجيش: أن يكون على حذر من الوقوع في مكيدة ينصبها له العدو. خرج بغاة بخراسان على قتيبة بن مسلم، فقيل له: وجه إليهم وكيع

стр. 4361

ابن أبي سودة فإنه يكفيهم، فقال: إن وكيعاً رجل به كِبْر، يحتقر أعداءه، ومن كان هكذا، قلَّت مبالاته بعدوه، فلم يحترس منه، فيجد عدوه فيه غرة. وقال بعض الحكماء: "الضعيف المحترس من العدو القوي، أقربُ إلى السلامة من القوي المغتر بالضعيف": لا تحقرن صغيراً في مخاصمةٍ ... إن الذبابة أدمت مقلة الأسدِ ومن أهم ما يتأكد الاحتراس منه: إذاعة الأخبار التي تبعث في النفوس ضعفاً، وفي العزائم وهناً، ولسد مثل هذا الباب من الفساد نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]. فالآية واردة في قوم كانوا يسمعون أراجيف المنافقين، فيذيعونها ويكون في إذاعتها ضرر على المسلمين، وقد أرشدتهم إلى أن يرجعوا تلك الأنباء إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم؛ حتى يعرفوا ما يذاع، وما لا ينبغي أن يذاع. * حكم الجاسوس في الإِسلام: في التجسس على شؤون الحرب، والإفضاء بها إلى العدو، شرٌّ كبير، فربما كان سبب نكبة القوم وابتلائهم بالهزيمة، جاسوسٌ يدل القوم على عورة من عوراتهم، أو يطلعه على خطة مبيتة من خططهم، وكان رسول الله ﷺ قد قتل جاسوسا من المشركين، وأفتى طائفة من الأئمة؛ كمالك بن أنس ﵀ بإباحة دم المسلم إذا نقل شيئاً من أسرار شؤون الحرب إلى العدو. * الرفق بالجند ومعاملتهم بالعدل: لو تتبعنا سير القواد الذين أبلى الجنود تحت رايتهم بلاءً حسناً، لوجدناهم

стр. 4362

القواد الذين يعاملون الجنود بالرفق والإحسان في دائرة الحزم. وفي وصية أبي بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان: "وإذا قدمت على جندك، فأحسن صحبتهم، وابدأهم بالخير، وعدهم إياه" وقال لخالد بن الوليد حين أرسله إلى المرتدين: "يا خالد! عليك بتقوى الله والرفق بمن معك". وقال ابن الخطيب في "مقالته السياسية" حاثاً على "الإحسان إلى الجنود: "ووفٍّ ما أوجبت لهم من الجراية والنعمة"، وفيها: "واعلم أنها لا تبذل نفوسها إلا لمن يملك قلوبها بالإحسان, وفضل اللسان". وجاء فيما عهد به عمر بن عبد العزيز إلى منصور بن غالب حين بعثه على قتال بعض المحاربين "وأمره أن يرفق بمن معه في سفرهم، ولا يجشمهم مسيراً يتعبهم، ويقصر بهم عن منزل يرفه بهم حتى يلاقوا عدوهم والسفرُ لم ينقص قوتهم". * تلقيهم أوامر القائد بحسن الطاعة: ذكرنا في وصف القائد: أن يكون ذا رأي، وشجاعة، وإخلاص، وحزم، ورفق بالجند، ونقول هنا: إن الجيش الذي يحمي الأمة، ويبني لها مجداً شامخ الذرا، هو الجيش الذي يجمع إلى الشجاعة، والمحافظة على آداب الشريعة: استعداده لتلقي أوامر القائد الأمين بحسن الطاعة، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا الأدب السامي في خطبة حجة الوداع، فقال: "يا أيها الناس! اتقوا الله وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدَّع، فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتاب الله". ومن أعظم ما يساق شاهداً على حسن الطاعة: قصة خالد بن الوليد،

стр. 4363

إذ عزله عمر بن الخطاب عن الإمارة العامة للجيش الفاتح للشام، ووسد الأمر إلى أبي عبيدة بن الجراح، ورأى خالد أنه إنما يجاهد في الله، فسلم الإمارة إلى أبي عبيدة راضياً، واستمر على القتال تحت راية أبي عبيدة بإخلاص. * تحامي الاختلاف المؤدي إلى الشقاق: الشقاق يبعد ما بين النفوس، ويذهب بروح التناصر، فيفعل بالجند ما لا يفعله به عدو شاكي السلاح، وقد حذر القرآن المجيد منه، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦]. والآية تحذر من أن يقع تنازع بين أمراء الجيش، أو بين أفراده، أو بين الجيش وأمرائه؛ فإن ذلك كله موقع في فشل، وليس بعد الفشل إلا التقهقر، ثم ملاقاة ما يعقب هذا التقهقر من صَغار واستعباد. ويتحامى الاختلاف الممقوت بالإغضاء عن الهفوات، ومقابلة كثير من المكروه بسعة الصدر، وطرح المسائل التي تكون منشأ الخلاف على بساط المحاورة في هدوء وسكينة، والدخول إلى بحثها من باب الإنصاف، والقصد إلى معرفة وجه الصواب، وأبعدُ المجاهدين عن التنازع من جعلوا نصب أعينهم ومناطَ هممهم رفعَ لواء الحجة وسلامة الأوطان، فهؤلاء هم الذين يسابقون إلى كل ما يحقق هذا الغرض المجيد، ويتحامون كل ما يمكن أن يكون عثرة في سبيله. * التخلف عن الدفاع: إنما ينهض الرجل للحرب دفاعاً عن قومه ووطنه؛ ليسلم له دينه وعرضه، وليتمتع بحياة الكرامة، فتخلفُه عنها وهو يستطيع أن يشهدها دليلُ ضعف

стр. 4364

الإيمان, وانحطاط الهمة، ومدعاة إلى تخاذل الأمة، وانكسار شوكتها, لهذا كانت جنايته في نظر الشارع كبيرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: ٣٨]. ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨١]. والخروج إلى جهاد العدو تفرضه الشريعة الغراء على الرجل بعينه متى دعاه إلى الخروج ولي الأمر المسلم، ومتى هجم العدو فجأة، ففي هذا الحال يجب على كل مستطيع أن ينضم إلى المدافعين، ولو لم تبلغه دعوة ولي الأمر. * الفرار من صفوف القتال: الفرار من صفوف القتال كبير المفسدة، وخيمُ العاقبة؛ ذلك أن الفارَّ قد يكون كاللبنة تسقط من أسفل الجدار، فيتداعى لسقوطها الجدار كله، لهذا عد الشارع الحكيم الفرار من الزحف من أكبر الجنايات، نهى الله المقاتلين من المؤمنين أن يولوا العدو ظهورهم، وقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ﴿الأنفال: ١٦]. وفي الفرار من وجه العدو عار يجعل الحياة بغيضة. وقال يزيد بن المهلب: والله! إني لأبغض الحياة بعد الهزيمة. * الوفاء بتأمين المحارب: إذا أعطى أحد الجند الأمان لأحد المحاربين، وجب احترام هذا التأمين،

стр. 4365

ولا يجوز لأحد أن يتعرض لذلك المحارب بأذى، وإلى هذا يشير قوله - صلوات الله عليه -: "ويسعى بذمتهم أدناهم". وقد أمضى النبي ﷺ تأمين أم هانئ بنت أبي طالب لرجل من المشركين، وقال لها: "قد أجرنا من أمنت يا أم هانئ". وحدث في عهد عمر بن الخطاب: أن عبداً أمن أهل بلد بالعراق، فكتب قائد الجيش وهو أبو عبيدة إلى عمر يأخذ رأيه في هذا التأمين، فكتب إليه عمر: "إن الله عَظَّم الوفاء، فلا تكونون أوفياء حتى تفوا، فوفوا لهم، وانصرفوا عنهم". ومن المعقول أن يكون لقائد الجيش رأي في تأمين غيره لأهل بلد تأميناً يقتضي الانصراف عنهم، فإذا رأى أن مثل هذا التأمين قد يأتي بضرر، فله أن يبطله، ويجري على ما يتراءى له من المصلحة، وذهب بعض الفقهاء، وهو عبد الملك بن الماجشون إلى أن تأمين أحد الجنود لبعض المحاربين ينظر فيه القائد الأعلى، فإن لم ير في إمضائه ضرراً، أمضاه، وإلا، ردَّه. * مجاملة رسل العدو وعدم التعرض لهم بأذى: رسول العدو قد يأتي في شأن الصلح أو غيره مما فيه تخفيف شر الحرب، فمن حسن الرأي أن لا يتعرض للرسل بأذى، وأن يكونوا في أمن حتى يعودوا إلى قومهم؛ فإن التعرض لهم بأذى يقطع صلة الرسالة بين الفريقين، ويسد طريق المفاوضات التي يتوسل بها إلى عدم الدخول في الحرب، أو إنهائها إذا كانت ناشبة، ومكارم الأخلاق تأبى أن يتعرض للرسول بأذى، ولو أرسله قومه لإبلاغ ما عزموا عليه من محاربتنا، أو صدر منه كلام في تعظيم أمر قومه بقصد الفخر أو الإرهاب، وقد جرى نظام الإِسلام في الحرب على هذا الأدب المقبول: قدم أبو رافع بكتاب من قريش إلى رسول الله ﷺ ، فلما

стр. 4366

رأى رسولَ الله، ألقي في قلبه الإِسلام، فقال: يا رسول الله! إني والله لا أرجع إليهم أبداً، فقال رسول الله ﷺ : "أما إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع، فإن كان في قلبك الذي في قلبك الآن، فأرجع" قال: فرجعت، ثم أقبلت إلى رسول الله ﷺ ، وأسلمت. * تجنب قتل من لا يقاتل: يحرِّم الإِسلام قتل نساء المحاربين، وصبيانهم، والطاعنين في السن منهم، ورهبانهم إن لم يحاربوا، روى عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل النساء والصبيان، وروى ابن عباس: أنه ﵊ كان إذا بعث جيوشاً، قال: "لا تقتلوا أصحاب الصوامع"؛ يعني: الرهبان. وقال أبو بكر الصديق في وصيته لجيش أسامة: "وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له"، وقال: "ولا تقتلوا طفلاً، ولا شيخاً كبيراً، ولا امرأة". ومن وصايا عمر بن الخطاب لأمراء الجيش: "ولا تقتلوا هَرِماً, ولا امرأة، ولا وليداً، وتوقَّوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن الغارات". ويلحق بهؤلاء في تجنب قتلهم: المريض، والمقعد، والأعمى، والمجنون، وكذلك روي عن النبي ﷺ النهي عن قتل العسيف، وهو الأجير، ويهذا يظهر أن الإِسلام إنما يقصد من الحرب دفاع من يقصدون لأن يقاتلوا، ولا يصح القصد لقتل من ليس شأنه القتال. * معاملة الأسرى: إذا وقعت طائفة من العدو المحارب في أسرنا، لم يجز لأحد من الجنود أو غيرهم أن يمسهم بأذى، وإنما يرجع أمرهم إلى رأي ولي الأمر الواسع

стр. 4367

الخبرة بوجوه المصالح، فيعاملهم بما تقتضيه خطة الحزم، وما تمليه سماحة الأخلاق، وذهب من علماء السلف الحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح إلى أن ولي الأمر يخير في الأسرى بين أن يطلقهم على وجه المن, أو يطلقهم بفداء، وتمسكوا في هذا بقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤]. وقع ثمامة بن أثال أسيراً في أيدي المسلمين، فجاؤوا به إلى النبي ﷺ ، فقال: "أحسنوا إساره"، وقال: "اجمعوا ما عندكم من طعام، فابعثوا به إليه"، وكانوا يقدمون إليه لبن لقحة (١) رسول الله ﷺ غدواً ورواحاً، ودعاه النبي ﷺ إلى الإِسلام، فأبى، وقال له: إن ترد الفداء، فسل ما شئت من المال، فأطلق النبي ﵊ سبيله من غير فداء، ثم دخل بعد هذا المن في الإِسلام. ووقعت ابنة حاتم الطائي في أيدي المسلمين، وأنزلت بمكان يمر به النبي ﷺ ، فتعرضت له، وقالت: هلك الوالد، وغاب الرافد -تعني أخاها عدياً-, فامنن عليَّ مَنَّ الله عليك! فقال: "قد فعلت، فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك" وأقامت حتى قدم رهط من قومها، فكساها رسول الله ﷺ ، وحملها، وأعطاها نفقة، فخرجت معهم. وأطلق ﷺ يوم فتح مكة جماعة من قريش وقعوا في الأسر قبل دخوله مكة، فكانوا يدعون: الطلقاء.

стр. 4368

* الدفاع في البحر: لم يدخل المسلمون في قتال بحري إلى عهد عثمان بن عفان ﷺ ، وكان أول من ركب البحر فاتحاً: معاوية بن أبي سفيان، وقد أخبر النبي ﷺ في حياته بما يقوم به المسلمون من فتوح على طريق البحر. نام رسول الله ﷺ -في بيت أم حرام بنت ملحان، وهي تحت عبادة بن الصامت، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر، ملوك على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة"، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله" نحو ما قال في الأول، قالت: فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم! قال: "أنت في الأولين". وقد أجاب الله دعاء النبي ﷺ لها، وعلم أن دعاءه قد استجيب، فقال لها: "أنت في الأولين"، وركبت أم حرام البحر مع زوجها عبادة بن الصامت في زمن معاوية لفتح "قبرص"، ولما خرجوا من البحر، صرعت عن دابتها، وتوفيت ودفنت هناك. وقيل: صرعت بعد عودتها إلى الشام. وفي قوله ﷺ : "ملوك على الأسرة" مبالغة في فضل المحاربين في البحر، وترغيب في صرف الهمة إلى المهارة في ركويه، وإنشاء أساطيل تكف أيدي الأعداء الممتدة من وراء البحار. وأنشأ أمراء الإِسلام من بعدُ أساطيل، واتخذوا لها مصانع، كما اتخذ حسان بن النعمان عامل أفريقية بإيعاز من عبد الملك بن مروان دار صناعة

стр. 4369

بتونس لإنشاء الآلات البحرية. وبلغ أسطول الأندلس أيام عبد الرحمن الناصر نحو مئتي مركب، وكذلك كان أسطول تونس والمغرب الأقصى في قوة، ولو استمر المسلمون على العناية بالقوة البحرية، والتقدم في صنع وسائلها, لكان لهم شأن غير هذا الشأن. * عقد الصلح: قد يقتضي الحال عقد صلح بيننا وبين العدو، وقد استحب الشارع الحكيم عدم رفض الصلح متى رغب فيه المحاربون، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. وكان النبي ﷺ عقد بينه وبين كفار قريش صلحاً أتى بخير كثير، وهو صلح الحديبية. وشروط الصلح تختلف باختلاف قوة الأمة وضعفها، وملاكها أن يكون في عقد الصلح مصلحة عامة، وأن لا يكون من بين الشروط إباحة ما تحرمه الشريعة. والذي نريد التنبيه له في هذا الفصل: أن الصلح الذي يلقي بالأمة في خزي، ويجعل بطن الأرض خيراً لها من ظهرها، هو الصلح الذي يبعثها على السعي إليه، أو على قبوله حبُّ الحياة، وكراهة الموت، فتحتمل مهانته وهي تستطيع دفعه بالرجال والسلاح، قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]. وهذا شاعر عربي يأبى لقبيلته أن تتقبل صلحاً إلا أن يكون لها السلطان في وطنها، وتبقى منابرها التي هي مصادر الأمر والنهي في قبضتها، فقال: ولا صلحَ ما دامت منابرُ أرضِنا ... يقوم عليها من ثقيفَ خطيبُ * تخليص الأسرى من أيدي العدو: يقع الفرد أو الطائفة في أسر العدو، ولا يعد هذا وحده دليل الجبن أو

стр. 4370

التقصير في الدفاع، حتى يجر إلى صاحبه عاراً، أو يسيغ لمن بيدهم الأمر أن يصرفوا عنه أنظارهم، ويتركوه في أيدي العدو، يلاقي المهانة أو سوء العذاب. كان هاشم بن عبد العزيز أحد وزراء محمد بن عبد الرحمن الأموي بالأندلس قائد جيش، ووقع أسيراً في يد العدو، فنسبه الأمير محمد إلى الطيش والاستبداد بالرأي، فقام الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم يدافع عنه في مجلس الأمير، ومما قال في الاعتذار عنه: "إن هاشماً قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يكن ملاك النصر بيده، فخذله من وثق به، ونكل عنه من كان معه، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى ملك مقبلاً غير مدبر، ومبلياً غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وعن سلطانه، فإنه لا طريق للملام عليه، وليس عليه ما جنته الحرب القشوم". فأعجب الأمير بكلام الوليد، وأقصر فيما بعد عن تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه. فمن واجبات الدولة أو الأمة: تخليص من يقع في أسر بالوسائل المستطاعة من مال أو غيره، وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا الواجب بقوله: "فكوا العاني -الأسير-, وأطعموا الجائع، وعودوا المريض". * تقدير البطولة: البطل يقف المواقف الخطيرة، ويجود بحياته في دفاع العدوة لتعلو كلمة الحق، وتحيا الأمة حياة الكرامة، فهو جدير بأن يلاقي من الأمة التبجيل والتكريم. وشعور البطل بأنه يعمل لخير أمة تقدر رجالها حق قدرهم، مما يزيد إقباله وثباته على الدفاع قوة، وإذا شعر غيره بهذا التقدير، فقد يقوى

стр. 4371

حرصه على أن يسلك سبيله، ويبذل كل ما يعز عليه في سبيل سلامة الوطن، وسيادة الأمة. سئل بعض الحكماء عن أشد الأشياء تدريباً للجنود، فذكر أشياء، وقال: "الإكرام للجيش بعد الظفر، والتشريف للشجاع على رؤوس الناس". ولتكريم الأبطال مظاهر: منها: الاحتفال بتوديعهم عند الخروج للحرب؛ كما خرج الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ يشيع أسامة بن زيد والجيشَ المسافر معه إلى الشام، وكان أبو بكر ماشياً على قدميه، وأسامة راكباً راحلته. وخرج عمر بن الخطاب ﵁ يشيع سعد بن أبي وقاص والجيشَ المسافر إلى فتح فارس حتى بلغ موضعاً يقال له: الأعوص، وهناك خطب فيهم خطبة أوصاهم فيها بالعدل والرحمة، إلى نحو هذا، وعاد إلى المدينة. وكان اليوم الذي خرج فيه أسد بن الفرات (١) من القيروان لفتح صقلية يوماً مشهوداً. ويضاهي هذا: استقبالهم، والاحتفاء بهم عند إيابهم من حرب أبلوا فيها بلاء حسناً. ومن مظاهر تقدير الأبطال المخلصين: عناية ولي الأمر بأن يكون عيشهم في رخاء، وأن يكونوا في أمن على إصلاح شأن أطفالهم إذا استشهدوا. جمع رسول الله ﷺ لسلمة بن الأكوع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس، فأعطاه خمسة أسهم؛ لعظم غَنائه في تلك الغزوة. وزاد عمر بن الخطاب في عطاء فتاة من بيت المال، وقال: "إن

стр. 4372

أباها فتح حصناً". ومن وجوه تقدير الأبطال: صوغ عبارات الشكر والثناء عليهم في نظم أو نثر، وفي الأدب العربي قسم عظيم في الثناء على الأبطال، والتنويه بذكر مقاماتهم المجيدة، قال أبو تمام: كم بين قوم إنما نفقاتهم ... مال وقوم ينفقون نفوسا وبطولة الرجل تطلق الألسنة بتمجيده، حتى ألسنة خصومه الذين تجرعوا من شدة بأسه مرارة، خرج يزيد بن المهلب على يزيد بن عبد الملك، فوجه لقتاله أخاه مسلمة بن عبد الملك، وثبت يزيد بن المهلب في قتاله، وأبى أن يفر، وقد تسلل عنه أعوانه، حتى قتل، وأراد أحد جلساء يزيد بن عبد الملك أن ينال من ابن المهلب، ويحط من شأنه، فقال له يزيد بن عبد الملك: "إن يزيد طلب جسيماً، وركب عظيماً، ومات كريماً". عش عزيزاً أو مت وأنت كريم ... بين طعن القنا وخفق البنود ومن تقدير البطولة: الإغضاء عن أخطاء تصدر من البطل وهو يحارب العدو بعزم صميم، وعدم مناقشته الحساب على مآخذ قد يشفع له فيها إخلاصه، والإخلاص القائم بجانب البطولة شفيع أي شفيع!. بعث النبي ﷺ خالد بن الوليد لدعوة بني جذيمة إلى الإسلام، فسبقت يد خالد إلى قتل رجال منهم باعتقاد أنهم يستحقون القتل، وبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأنكر ما فعل خالد، وقال: "اللهم أني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد! "، وأرسل إلى بني جذيمة مع علي بن أبي طالب ﵁ ديات من قتلوا، وأعطاهم قيم ما أصيب من أموالهم، وزادهم على ما استحقوا من الديات وقيم الأموال، ولم يعزل خالداً عن قيادة الجيش.

стр. 4373

وفي الختام أقول: هذه فصول في آداب الحرب أسوق حديثها تذكرة لجيوشنا الإسلامية في مصر وغير مصر، عسى أن يقرؤوها بتدبر، ويستقيموا على طريقتها، فتخفق ألويتهم بالنصر، ويخرجوا بلاد الإسلام من خمول إلى نباهة شأن، ومن هُون إلى عزة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].

стр. 4374

الروح العسكرية في الإسلام (١) نقلِّب النظر في تاريخ الأمم التي بلغت الذروة في العزة والسيادة، فنجدها إنما بلغت تلك الذروة بما ملكت من قوة الروح العسكرية، فبقوة الروح العسكرية تسلم البلاد من خطر يمتد إليها من الخارج، وبهذه القوة يستتب الأمن في داخل البلاد على ما يرام، ذلك أن قوة الروح العسكرية تجعل الأمة قوية الشوكة، نافذة الإرادة، مرهوبة الجانب. وقد كان في الأمة العربية وهي في جاهليتها روح عسكرية شديدة البأس، يتمثل هذا في أشعارهم، وكثرة أيام حروبهم، ولكنها روح قد تخرج عن حدود العدل، ولا تبالي أن تبدأ بالظلم، فجاء الإسلام وعدَّلها، وهذَّب حواشيها، وحاطها بنظم حكيمة، فانتقلت إلى طور أرقى، ولبست رداء أنقى، وأصبحت هذه الروح مصدر خيرات لا يتلقاها الناس إلا من ناحيتها. وليس من شك في أن الدفاع عن الحقوق والمصالح الخاصة أو العامة يعد في أمجد الأعمال التي يتنافس فيها حماة الحرية وأنصار الإنسانية. تقوى الروح العسكرية في القوم متى طبعوا على خلق الشجاعة، واستنارت أذهانهم بمعرفة فنون الحرب، وملكوا من وسائل الدفاع ما يقتضيه حال العصر، فلا عجب أن ترى القرآن الكريم قد توجه إلى هذه الأصول الثلاثة

стр. 4375

بعناية كبيرة، فأرسل الحِكَم التي تربي في النفوس خلق البطولة، وحفز الدواعي لإعداد وسائل الحرب، ونبه لا تباع النظم التي تخفف وطأة الحرب، وتقرب من النصر. فالظفر في الحرب بعيد من الجبناء، وبعيد ممن لا يعدون للحرب عدتها، وبعيد ممن يهملون النظم التي يمليها العلم، أو يستمدها القواد الأذكياء من الوقائع نفسها. أما عناية القرآن الكريم بخصلة البطولة والإقدام، فقد أقبل على النفوس، وأخذ ينقيها من رذيلة الجبن والإحجام، ويذكرها بسوء عاقبة الجبناء؛ كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]. فقد أشارت هذه الآية إلى أن عاقبة الجبناء الابتلاءُ بذي قوة لا يعرف للعهد حرمة، ولا يقيم للعدل وزناً، ومن الذي يرتاب في أن الموت في مواطن البطولة أشرف من حياة يغمرها الذل والهوان؟ قال المتنبي: غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحاتٍ ولايلاقى الهوانا وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تموت جبانا ومن الآيات المنبهة على أن الجبناء قد فقدوا جانباً من رجولتهم: قوله تعالى في توبيخ قوم تأخروا عن المحاربين في سبيل الإصلاح، وقعدوا بين من لم يخلقن للطعن والضرب: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ [التوبة: ٨٧]. ولا يتوارى الرجل عن أعين القوم، أو يسل يده من أيديهم في حرب لهم فيها أمن أو سيادة إلا أن يكون حظه من الرجولة ضئيلاً أو مفقوداً.

стр. 4376

ومما اتخذه القرآن وسيلة لتربية الشجاعة في النفوس: عقيدة القضاء والقدر، فقال تعالى في الرد على قوم يظنون أن من لا يخرجون إلى القتال تمتد آجالهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]. فالإنسان مطالب بالحذر من مواقع الخطر والتهلكة، ولكن الإقدام في الدفاع عن العزة والكرامة لا يعد من قبيل الإلقاء بالنفس في تهلكة، وإنما هو قيام بواجب، فإن قضاه وعاد سالماً، فقد استحق الحمد، وعرف أن أجله لم يجئ بعد، وإن أصيب فقتل، فإنما هو أجله المقدور الذي لا يتأخر ساعة ولا يتقدم قد أدركه في أشرف حالة، هي المسابقة إلى دفع أيدٍ عادية عن نفوس بريئة، أو أعراض مصونة، وأموال محترمة. وأما عناية القرآن بإعداد وسائل الدفاع، فحسبنا شاهداً عليها: قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وقد فسر النبي ﷺ القوة بالرمي؛ نظراً إلى أن الرمي أهم وسائل الدفاع، وأقواها أثراً في الانتصار، وما زلنا نرى معظم أسباب الفوز في الحروب عائداً إلى الرمي، فالمدافع والطائرات والغواصات إنما تفعل ما تفعل بقوة الرمي.

стр. 4377

ونبه القرآن الكريم في آية أخرى على أن قاصد الحرب شأنه أن يأخذ الأهبة للحرب قبل النهوض إليها، فقال تعالى في وصف قوم من المنافقين أضمروا عدم الخروج إلى الحرب من أول الأمن ثم استأذنوا النبي ﷺ في التخلف: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]. وأما عناية القرآن باتباع ما تقتضيه النظم الصالحة، فمن الآيات المشيرة إليه: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. ومن مقتضى هذه الآية: أن الشجاعة، واستيفاء وسائل الدفاع المادية لا يغنيان عن الأخذ بالنظم التي هي أثر التجارب والبصائر النافذة. وفي كتب السنة والغزوات النبوية أحاديث كثيرة ترشد إلى أن من أهم وسائل الفوز: اتباع النظم التي تستدعيها مصلحة القتال. يبث القرآن الكريم في النفوس روحاً عسكرية قوية صادقة، فلا جرم أن يكون المؤمن بحق قوي الجأش، محافظاً على نظم الدفاع، آخذاً بوسائله ما استطاع، وكذلك كان الناس في عهد الأمراء المظفرين. ومن أسباب قوة الروح العسكرية فيما سلف: أن رؤساء الجند يقدرون عمل الجندي، ويعرفون أثره الخطير في سلامة الوطن، ورفعة شأن الأمة، فلا يكون منهم إلا أن يرعوا الجنود برفق، ويذيقوهم حلاوة التمتع بالكرامة في دائرة الحزم، ويرفعوا درجاتهم على قدر كفاياتهم لجلائل الأعمال وملاقاة الأخطار.

стр. 4378

كانت الروح العسكرية مظهراً من مظاهر التقوى، ومعدودة في الخصال التي يرتفع بها أفاضل القوم درجات، وكان العلماء يحرصون على أن يكون لهم منها أوفر نصيب، وإذا رجعنا إلى تاريخ العلماء الأجلاء، وجدنا كثيراً منهم كانوا يسابقون في ميادين الحروب، وكان كثير من القضاة يقودون الجيوش؛ مثل: أسد بن الفرات قاضي القيروان وفاتح صقلية، ويحيى بن أكثم قاضي بغداد، ومنذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة، ونجد في تراجم كثير من العلماء أنهم توفوا في غزوات، أو مرابطين في الثغور. وكان تقدير العلماء للروح العسكرية واتصالهم بها من أسباب قوة هذه الروح وسريانها في الأمة قاطبة. وإذا بدا لنا أن نبحث عن أسباب ضعف هذا الروح بعد تلك القوة، تراءت لنا أسباب شتى، منها: أن التعليم الديني اتجه إلى النظر أكثر من اتجاهه إلى العمل، كأن إدراك أصول الدين وأحكامه هو الغاية الأخيرة من تعلمه، ومنها: انحدار الناس في الشهوات، والتنافس في الزينة والملاذ الجسمية؛ من نحو: الإسراف في الملابس والمطاعم، وقضاء الوقت في لهو ونوم. قال الوزير حسن بن عبده يخاطب المستظهر أحد أمراء الأندلس: أخوض إلى أعدائكم لجج الوغى ... وأسري إليهم حيث لا أحد يسري وقد نام عنهم كل مستبطن الحشا ... أكول إلى الممسى نؤوم إلى الظهر ومما يصح أن يذكر في أسباب ضعف الروح العسكرية بعد تلك القوة: ما عرض لبعض الناس من الخطأ في فهم التوكل والزهد. أما التوكل، فجروا فيه على معنى: ترك تعاطي الأسباب، ولابس أذهانهم: أن التوكل لهذا المعنى قد يغني عن الأخذ بوسائل الدفاع، ونسي هؤلاء أن التوكل الصحيح في تعاطي الأسباب، واستمداد الحول والقوة من الله.

стр. 4379

وأما الزهد، فجروا فيه على معنى: إيثار العزلة والانقطاع عن المجتمع، ونفض الأيدي من كل أمر ما عدا العبادات؛ من نحو: الصلاة، والصيام، فانصرفوا عن كل ما تخيلوه أمراً دنيوياً، وكان من جملة ما تخيلوه أمراً دنيوياً: إعداد وسائل الدفاع، والنهوض إلى الدفاع، وبهذا فقد الزهد المشروعُ ركناً من أركانه الذي هو مكافحة الباطل، وحماية الحقوق العامة والخاصة حسب الطاقة. وكثيراً ما تظهر الروح العسكرية في آداب أهل العصر، فمن البعيد أن تسمع من جبان يعيش في بيئة مقهورة أمثال قول الشاعر: حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ... ولَوَوا عمائمهم على الأقمار إن خَوَّفوك لقيت كل كريهة ... أو أَمَّنوك حللت دار قرار وإنما تظهر الصورة الرائعة من معاني الحرب والحماسة في عهد أو موطن يُعنى فيه القوم بملاقاة الحروب، أو التأهب لها. وأنشأ عبد الرحيم بن نباتة خطباً طافحة بمعاني الدفاع والتشويق إليه، فأبدع فيها ما شاء، حتى قالوا: إنه لم يؤلف في هذا الغرض مثلها، وإنما اتجه ابن نباتة هذا الاتجاه، وبرع هذه البراعة؛ لأنه كان يعيش بحلب في عهد سيف الدولة، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، وذلك العهد أملى على المتنبي كثيراً من المعاني المتعلقة بالحرب والشجاعة، وبمثل ذلك ارتقى شعره، وازدهى بكثير من الحكم السامية، كما قال: عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنود وقال: وقفت وما في الموت شك لواقفٍ ... كأنك في جفن الردى وهو نائمُ

стр. 4380

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وَضَّاح وثغرك باسمُ تتبعت بيئاتُ الخلاعة والانحدارِ في اللذات الشعرَ الذي يبعد النفوس عن الرجولة، ويذهب بها في الانحلال حتى لا تكاد تتماسك، ولكن بيئات الشجاعة والحروب هي التي تصدر من الشعر ما كان جزل المعنى، آخذاً بالنفوس إلى الشهامة، والطموح إلى العزة، تجد هذه الروح حتى في الشعر الذي ينحو فيه قائله نحواً من الغزل؛ كما قال أبو العطاء السندي: ذكرتك والخطيُّ يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السُّمْر وصفوة هذا الحديث: أننا اليوم في نهضة اجتماعية، والنهضات الاجتماعية لا تقوم إلا على نفوس قوية، ولا قوة إلا بالشجاعة، واقتحام الشدائد، وعدم المبالاة بالأخطار، وذلك ما ندعو إلى أن يكون الروح المالئة لصدور شبابنا وكهولنا وشيوخنا، وقد عرفتم كيف كانت هذه الروح عنوان الشرف، ومرقاة السلامة والعزة، وقد قدر أهل العلم هذه الحكمة قدرها، وراعوها في كثير من الأحكام المستنبطة بالاجتهاد، وكانت فتاواهم في كل شأن يتصل بأمر الدفاع أساس الحياة الصحيحة، وأنه مصلحة يسقط بجانبها كل ما يجحف بها من مصالح الأشخاص والجماعات.
следующие страницы →