ومما اتخذه القرآن وسيلة لتربية الشجاعة في النفوس: عقيدة القضاء والقدر، فقال تعالى في الرد على قوم يظنون أن من لا يخرجون إلى القتال تمتد آجالهم:
﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وقال تعالى:
﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨].
فالإنسان مطالب بالحذر من مواقع الخطر والتهلكة، ولكن الإقدام في الدفاع عن العزة والكرامة لا يعد من قبيل الإلقاء بالنفس في تهلكة، وإنما هو قيام بواجب، فإن قضاه وعاد سالماً، فقد استحق الحمد، وعرف أن أجله لم يجئ بعد، وإن أصيب فقتل، فإنما هو أجله المقدور الذي لا يتأخر ساعة ولا يتقدم قد أدركه في أشرف حالة، هي المسابقة إلى دفع أيدٍ عادية عن نفوس بريئة، أو أعراض مصونة، وأموال محترمة.
وأما عناية القرآن بإعداد وسائل الدفاع، فحسبنا شاهداً عليها: قوله تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وقد فسر النبي ﷺ القوة بالرمي؛ نظراً إلى أن الرمي أهم وسائل الدفاع، وأقواها أثراً في الانتصار، وما زلنا نرى معظم أسباب الفوز في الحروب عائداً إلى الرمي، فالمدافع والطائرات والغواصات إنما تفعل ما تفعل بقوة الرمي.
стр. 4377
ونبه القرآن الكريم في آية أخرى على أن قاصد الحرب شأنه أن يأخذ الأهبة للحرب قبل النهوض إليها، فقال تعالى في وصف قوم من المنافقين أضمروا عدم الخروج إلى الحرب من أول الأمن ثم استأذنوا النبي ﷺ في التخلف:
﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦].
وأما عناية القرآن باتباع ما تقتضيه النظم الصالحة، فمن الآيات المشيرة إليه: قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
ومن مقتضى هذه الآية: أن الشجاعة، واستيفاء وسائل الدفاع المادية لا يغنيان عن الأخذ بالنظم التي هي أثر التجارب والبصائر النافذة.
وفي كتب السنة والغزوات النبوية أحاديث كثيرة ترشد إلى أن من أهم وسائل الفوز: اتباع النظم التي تستدعيها مصلحة القتال.
يبث القرآن الكريم في النفوس روحاً عسكرية قوية صادقة، فلا جرم أن يكون المؤمن بحق قوي الجأش، محافظاً على نظم الدفاع، آخذاً بوسائله ما استطاع، وكذلك كان الناس في عهد الأمراء المظفرين.
ومن أسباب قوة الروح العسكرية فيما سلف: أن رؤساء الجند يقدرون عمل الجندي، ويعرفون أثره الخطير في سلامة الوطن، ورفعة شأن الأمة، فلا يكون منهم إلا أن يرعوا الجنود برفق، ويذيقوهم حلاوة التمتع بالكرامة في دائرة الحزم، ويرفعوا درجاتهم على قدر كفاياتهم لجلائل الأعمال وملاقاة الأخطار.
стр. 4378
كانت الروح العسكرية مظهراً من مظاهر التقوى، ومعدودة في الخصال التي يرتفع بها أفاضل القوم درجات، وكان العلماء يحرصون على أن يكون لهم منها أوفر نصيب، وإذا رجعنا إلى تاريخ العلماء الأجلاء، وجدنا كثيراً منهم كانوا يسابقون في ميادين الحروب، وكان كثير من القضاة يقودون الجيوش؛ مثل: أسد بن الفرات قاضي القيروان وفاتح صقلية، ويحيى بن أكثم قاضي بغداد، ومنذر بن سعيد البلوطي قاضي قرطبة، ونجد في تراجم كثير من العلماء أنهم توفوا في غزوات، أو مرابطين في الثغور. وكان تقدير العلماء للروح العسكرية واتصالهم بها من أسباب قوة هذه الروح وسريانها في الأمة قاطبة.
وإذا بدا لنا أن نبحث عن أسباب ضعف هذا الروح بعد تلك القوة، تراءت لنا أسباب شتى، منها: أن التعليم الديني اتجه إلى النظر أكثر من اتجاهه إلى العمل، كأن إدراك أصول الدين وأحكامه هو الغاية الأخيرة من تعلمه، ومنها: انحدار الناس في الشهوات، والتنافس في الزينة والملاذ الجسمية؛ من نحو: الإسراف في الملابس والمطاعم، وقضاء الوقت في لهو ونوم.
قال الوزير حسن بن عبده يخاطب المستظهر أحد أمراء الأندلس:
أخوض إلى أعدائكم لجج الوغى ... وأسري إليهم حيث لا أحد يسري
وقد نام عنهم كل مستبطن الحشا ... أكول إلى الممسى نؤوم إلى الظهر
ومما يصح أن يذكر في أسباب ضعف الروح العسكرية بعد تلك القوة: ما عرض لبعض الناس من الخطأ في فهم التوكل والزهد.
أما التوكل، فجروا فيه على معنى: ترك تعاطي الأسباب، ولابس أذهانهم: أن التوكل لهذا المعنى قد يغني عن الأخذ بوسائل الدفاع، ونسي هؤلاء أن التوكل الصحيح في تعاطي الأسباب، واستمداد الحول والقوة من الله.
стр. 4379
وأما الزهد، فجروا فيه على معنى: إيثار العزلة والانقطاع عن المجتمع، ونفض الأيدي من كل أمر ما عدا العبادات؛ من نحو: الصلاة، والصيام، فانصرفوا عن كل ما تخيلوه أمراً دنيوياً، وكان من جملة ما تخيلوه أمراً دنيوياً: إعداد وسائل الدفاع، والنهوض إلى الدفاع، وبهذا فقد الزهد المشروعُ ركناً من أركانه الذي هو مكافحة الباطل، وحماية الحقوق العامة والخاصة حسب الطاقة.
وكثيراً ما تظهر الروح العسكرية في آداب أهل العصر، فمن البعيد أن تسمع من جبان يعيش في بيئة مقهورة أمثال قول الشاعر:
حملوا قلوب الأسد بين ضلوعهم ... ولَوَوا عمائمهم على الأقمار
إن خَوَّفوك لقيت كل كريهة ... أو أَمَّنوك حللت دار قرار
وإنما تظهر الصورة الرائعة من معاني الحرب والحماسة في عهد أو موطن يُعنى فيه القوم بملاقاة الحروب، أو التأهب لها.
وأنشأ عبد الرحيم بن نباتة خطباً طافحة بمعاني الدفاع والتشويق إليه،
فأبدع فيها ما شاء، حتى قالوا: إنه لم يؤلف في هذا الغرض مثلها، وإنما اتجه ابن نباتة هذا الاتجاه، وبرع هذه البراعة؛ لأنه كان يعيش بحلب في عهد سيف الدولة، وكان سيف الدولة كثير الغزوات، وذلك العهد أملى على المتنبي كثيراً من المعاني المتعلقة بالحرب والشجاعة، وبمثل ذلك ارتقى شعره، وازدهى بكثير من الحكم السامية، كما قال:
عش عزيزاً أو مت وأنت كريمٌ ... بين طعن القنا وخفق البنود
وقال:
وقفت وما في الموت شك لواقفٍ ... كأنك في جفن الردى وهو نائمُ
стр. 4380
تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وَضَّاح وثغرك باسمُ
تتبعت بيئاتُ الخلاعة والانحدارِ في اللذات الشعرَ الذي يبعد النفوس عن الرجولة، ويذهب بها في الانحلال حتى لا تكاد تتماسك، ولكن بيئات الشجاعة والحروب هي التي تصدر من الشعر ما كان جزل المعنى، آخذاً بالنفوس إلى الشهامة، والطموح إلى العزة، تجد هذه الروح حتى في الشعر الذي ينحو فيه قائله نحواً من الغزل؛ كما قال أبو العطاء السندي:
ذكرتك والخطيُّ يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفة السُّمْر
وصفوة هذا الحديث: أننا اليوم في نهضة اجتماعية، والنهضات الاجتماعية لا تقوم إلا على نفوس قوية، ولا قوة إلا بالشجاعة، واقتحام الشدائد، وعدم المبالاة بالأخطار، وذلك ما ندعو إلى أن يكون الروح المالئة لصدور شبابنا وكهولنا وشيوخنا، وقد عرفتم كيف كانت هذه الروح عنوان الشرف، ومرقاة السلامة والعزة، وقد قدر أهل العلم هذه الحكمة قدرها، وراعوها في كثير من الأحكام المستنبطة بالاجتهاد، وكانت فتاواهم في كل شأن يتصل بأمر الدفاع أساس الحياة الصحيحة، وأنه مصلحة يسقط بجانبها كل ما يجحف بها من مصالح الأشخاص والجماعات.
стр. 4381
الطب في نظر الإسلام (١)
عُرف الإسلام بأنه يدعو إلى التوكل على الخالق -جل شأنه-، ويوجه القلوب إلى تفويض الأمور إليه في كل حال، وهو إن عد التوكل والتفويض إلى الله في جملة آدابه، لم يهمل النظر في الأسباب، وارتباطها بمسبباتها، فأذن، بل أمر بتعاطي ما دلت العقول والتجارب على أنه مجلبة خير، ونهى عن القرب مما عرف بأنه مجلبة شر، والتوكل والأخذ بالأسباب يلتقيان في نفس واحدة ما شد أحدهما بعضد الآخر: التوكل أدب نفسي يبتغى به رضا الخالق ومعونته، والأخذ بالأسباب عمل يجري على سنن الله في الخليقة، فمن وكل أمره إلى الله، ثم تعاطى أسبابه، وصل إليه من أرشد الطرق، وعاد منه بأحسن العواقب.
والطب إنما هو من قبل الأسباب التي أذن الإسلام في تعاطيها، وهو من أشرف الصناعات، وشرف الصناعة على قدر ما يترتب عليها من نفع الأمة، وتقويم أود حياتها.
ونفعُ الطب في حماية الناس، أو إنقاذهم من كثير من المهالك، أمرٌ جلي لا يحتاج إلى بسط واستدلال. ولا جرم أن يتجه الإسلام بشيء من العناية إلى الطب، ذلك أنه يريد من الأمة أن تكون عزيزة الجانب، مهيبة السلطان
стр. 4382
حتى تستطيع أن تنفذ ما أمر الله به من إصلاح، وتتحامى ما نهى عنه من فساد، وإنما يعز جانبها، ويهاب سلطانها، متى كانت كثيرة العدد، قوية الأيدي، والطب من أهم الوسائل إلى كثيرة النسل، وقوة الأجسام.
ومن المعروف أن في سلامة الأجسام معونة على انتظام الأفكار، وسداد الآراء، وسماحة الأخلاق، وإنما تتفاضل الأمم برجاحة عقولها، واستقامة أخلاقها.
وإذا تحدثنا عن الطب في هذه المحاضرة، فإنما نقصد إلى معالجة الأمراض الحاصلة في الحال، ووقاية الأبدان من أن تصاب بها في المستقبل، وذلك ما يدعى بحفظ الصحة، وكذلك قال جالينوس: الطب: حفظ الصحة، وإزالة العلة.
لما دخل عضد الدولة بغداد، دخل عليه من الأطباء: أبو الحسن الحراني، وسنان بن ثابت، فقال: من هؤلاء؟ قالوا: الأطباء، قال: نحن في عافية، وما بنا حاجة إليهم، فقال له سنان: أطال الله بقاء مولانا، موضوع صناعتنا حفظ الصحة، لا مداواة المرضى، والملك أحوج الناس إلى حفظ الصحة، فقال عضد الدولة: صدقت، وقرر لهما الجاري السنوي، وقربهما إلى مجلسه في طائفه من الأطباء.
رفع الإسلام من شأن الطب: مداواة العلل، وحفظ الصحة، وعرف هذا من القرآن الكريم، وأقوال النبي ﷺ وسيرته.
أما القرآن الكريم، فقد أذن في ترك بعض الفرائض متى كان القيام بها يؤثر في الصحة بإحداث مرض، أو زيادته، أو تأخر برئه، وشرَّع في أحد هذه الأحوال التيمم بدل الوضوء أو الغسل، كما أذن للمريض والمسافر أن يترك
стр. 4383
كل منهما الصيام الواجب، ويقضي المريض الأيام التي أفطر فيها عندما تعود إليه صحته، كما يقضي المسافر أيام إفطاره عندما ينقطع سفره، قال تعالى:
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
والإذن في الفطر للمسافر من قبيل حفظ الصحة؛ فإن السفر مظنة التعب، والتعب من مغيرات الصحة، فإذا وقع فيه الصيام، ازداد التعب، فيزداد تغير الصحة.
وحرَّم القرآن الدم، ولحم الخنزير، والميتة، وما ألحق بها من المنخنقة، والموقودة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وسر هذا التحريم: أنها مؤثرة في الصحة كما بين هذا الأطباء في القديم والحديث، وقد تحدث الأطباء في هذا العصر عن مضارها من جهة الصحة بأوسع بيان.
وحرَّم القرآن مباشرة الحائض، وقد بسط الأطباء أيضاً في مضار هذه المباشرة بها من جهة الصحة؛ مما يدل على أنه تحريم شارع حكيم.
وحرّم القرآن الخمر، والزنا، وما يشبه الزنا، ولهذه المحرمات مضار صحية، علاوة على المضار الاجتماعية، وكذلك فعل الأطباء اليوم، فكشفوا القناع عن هذه المضار الصحية، فنترك الكلام عن هذه المضار لحضرات الأطباء المحققين.
في "الكشاف": يحكى أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأبدان، وعلم الأديان، فقال له: قد جمع الله الطب في نصف آية من كتابه، قال: وما هي؟ قال:
﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ ﴿الأعراف: ٣١].
стр. 4384
أما أقواله ﵊ فمنها: ما رواه مالك في "موطئه" عن زيد بن أسلم: أن رجلاً في زمن النبي ﷺ جرح، فاحتقن الدم، وإن الرجل دعا رجلين من بني أنمار، فقال لهما رسول الله ﷺ : "أيكما أطب؟ "، فقال: أو في الطب خير يا رسول الله؟ فقال: "أنزل الدواء الذي أنزل الداء".
وعن هلال بن يسار: أن رسول الله ﷺ دخل على مريض يعوده، فقال: "أرسلوا إلى الطبيب"، فقال قائل: وأنت تقول يا رسول الله؟ قال: "نعم، إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له دواء".
ونهى عن التنفس والنفخ في إناء الشراب أو الطعام حتى لا يتناول الإنسان الطعام أو الشراب وقد مازجه ما لا خير في امتزاجه به.
وأما سيرته ﵊، فإنه كان يتعاطى بعض الأدوية؛ كما تداوى للجرح الذي أصابه في غزوة أحد، وأذن في الاحتجام عند تبوُّغ الدم، واحتجم في الأخدعين والكاهل. وثبت في الصحيح: أنه بعث إلى أُبيّ ابن كعب طبيباً، فقطع له عرقاً، وكواه عليه. وجاء في الحمية: أنه ﵊ رأى علي بن أبي طالب يأكل عنباً، فقال له: "مه مه يا علي؛ فإنك ناقه" (١).
ومما جاء في الوقاية: نهيه ﵊ عن الإقدام على أرض فشا فيها الوباء، فقال: "إذا سمعتم بالطاعون في أرض، فلا تدخلوها"، وفي رواية: "فلا تقدموا عليها".
ومما جاء من هذا القبيل: تحذيره ﵊ من مخالطة بعض ذوي الأمراض السارية؛ كالجرب والجذام، وقال: "فرّ من المجذوم
стр. 4385
كما تفر من الأسد".
قال ابن خلدون: وللبادية من أهل العمران طب يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص، متوارث عن مشايخ الحي وعجائزه، وربما يصح منه البعض، إلا أنه ليس على قانون طبيعي، ولا على موافقة المزاج.
وكان عند العرب من هذا الطب كثير، وكان فيهم أطباء معروفون؛ كالحارث بن كلدة، وغيره، والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل، وليس من الوحي في شيء، وإنما هو أمر كان عادياً للعرب، ووقع في ذكر أحول النبي ﷺ من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلَّة، لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل؛ فإنه ﷺ إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يبعث لتعريف الطب، ولا غيره من العاديات، وقد وقع له في شأن تلقيح النخل ما وقع، فقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، فلا ينبغي أن يحمل شيء في الطب الذي وقع في الأحاديث الصحيحة المنقولة على أنه مشروع، فليس هناك ما يدل عليه، اللهم إلا إذا استعمل على جهة التبرك، وصدق العقد الايماني، فيكون له أثر عظيم في النفع.
وذهب ابن القيم في "زاد المعاد" غير هذا المذهب، فقال: وليس طبه ﷺ كطب الأطباء، فإن طب النبي ﷺ متيقن قطعي إلهي، صادر عن الوحي ومشكاة النبوة وكمال العقل، وطب غيره أكثره حدس وظنون وتجارب.
ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة؛ فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول واعتقاد الشفاء به، وكمال التلقين له بالإيمان والإذعان،
стр. 4386
فهذا القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور إن لم يتلق بهذا التلقي، لم يحصل به شفاء الصدور، ثم قال: "فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة والقلوب الحية".
ونحن نرى أن الطب النبوي لا يلزم أن يكون وحياً، ولكن ما يقوله النبي ﷺ في هذا الشأن لابد أن يكون صحيحاً؛ كبقية المسائل الطبية المشهود بصحتها في علم الطب، وننبه هنا على أحاديث طبية تنسب إلى النبي ﷺ ، ونسبتها غير ثابتة.
منها: حديث: "المعدة بيت الدواء، والحمية رأس الدواء"، يورده بعضهم مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، ولم يثبت هذا عند المحدثين، بل قالوا: هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب، أو كلام غيره.
ومنها: حديثه: "البطنة أصل الداء، والحمية أصل الدواء، وعودوا كل بدن ما اعتاد"، أورده الغزالي في "الإحياء"، وقال المحدثون: ليس له أصل.
ومنها: حديث: "المعدة حوض البدن، والعروق إليه واردة، فإذا صحت المعدة، صدرت العروق بالصحة، وإذا فسدت المعدة، صدرت العروق بالسقم". ولا يعرف هذا من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو من كلام عبد الملك ابن سعيد بن الحارث.
وأدرك الفقهاء رعاية الدين لحفظ الصحة والطب، فبنوا كثيراً من الأحكام الشرعية على رعايتها، فتراهم يفتون بمداواة الأجنبي للمرأة عند الضرورة، وإن اقتضى العلاج أن يطلع على ما لا يباح الاطلاع عليه.
وأفتوا بقبول قول الطبيب في كثير من الوقائع، والاعتماد عليه في
стр. 4387
القضايا؛ نحو: الجنائيات، ومن هنا نشأ ما يسمى في هذا العصر بالطب الشرعي، ويسميه بعض علماء الهند بالطب الحكمي، وقالوا في تعريفه: هو المعارف الطبية والطبيعية المستعملتان في الأحكام الواقعة بين الناس. وفي أمثال هؤلاء يقول بعضهم:
أعمى وأفنى ذا الطبيب بكحله ... ودوائه الأحياء والبصراء
فإذا رأيت رأيت من عميانه ... أمماً على أمواته قرّاء
وأجمع الفقهاء على أن الطبيب الماهر إذا عالج مريضاً، فأخطأ في اجتهاده، وتولد من معالجته تلف عضو أو نفس، أو ذهاب صفة، فلا ضمان عليه، بخلاف المتطبب الذي لم يتقدم له معرفة بالطب يقدم على معالجة عليل، فيترتب على علاجه تلف عضو أو نفس، فإنه يضمن (١).
ويعللون بعض الأحكام الشرعية بوجوه ترجع إلى حفظ الصحة.
أمر النبي ﷺ بغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب سبع مرات، إحداهن بالتراب، فذكر الفقيه ابن رشد في تعليل هذا الحكم، فقال: ليس من سبب النجاسة، بل من سبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الإناء كَلِباً، فيخاف من ذلك السم، قال الحفيد: وقد اعترض عليه فيما بلغني بعض الناس بأن قال: إن الكلب الكَلِبَ لا يقرب الماء حين كَلَبِه. قال: وهذا الذي قالوه عند استحكام هذه العلة بالكلاب، لا في مبادئها، وفي أول حدوثها، فلا معنى لاعتراضهم.
стр. 4388
وقال طائفة من محققيهم: إن المجذومين إذا كثروا يمنعون من المساجد والمجامع، ويتخذ لهم مكان ينفردون به عن الأصحاء، ويجري هذا الحكم في الجرب، وبعض أنواع الحمى التي يقرر الأطباء أنها أمراض سارية.
وعرف علماء الشريعة فضل صناعة الطب، وأنها من الأعمال التي تكسب حمداً، فأنفقوا فيها جانباً من أنظارهم وأوقاتهم، وأضافوها إلى علومهم الشرعية.
ومن هؤلاء العلماء رجال بلغوا في علوم الشريعة الذروة، منهم: الإمام أبو الحسن علي سيف الدين الآمدي، وأبو عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي، والإمام أبو عبد الله المعروف بالمازري؛ فقد كان هذا العالم كما قالوا في ترجمته: يفزع إليه في الطب كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه، والفيلسوف محمد بن أحمد بن رشد، وهو مؤلف "بداية المجتهد" في الفقه، وكتاب "الكليات" في الطب، والعلامة موفق الدين عبد اللطيف البغدادي، فقد كان يجمع بين الفقه والطب.
وظهرت عناية العلماء بهذه الصناعة في الإقبال على تدريسها، والتأليف فيها.
وعني أمراء الإسلام بالطب، ولهذه العناية أربعة مظاهر:
أولها: تقريب الأطباء على اختلاف مللهم، وإسعادهم بالأرزاق الواسعة، والمناصب العالية؛ فقد نال عبد الملك بن أبحر الكناني لدى عمر بن عبد العزيز حظوة، وكان عمر يستطبه، ويعتمد عليه في صناعة الطب، ونال ابن أثال حظوة عند معاوية بن أبي سفيان، فكان معاوية يستطبه، ويحسن إليه، ويكثر من محادثته.
стр. 4389
ومن عناية سيف الدولة بالأطباء: أنه كان يحضر على مائدته أربعة وعشرون طبيباً.
وقد يبلغ الطبيب أن يكون رفيع الشأن في دولة، فإذا تغيرت، وقامت دولة أخرى مكانها، استمرت منزلته في رفعة واحترام؛ كأبي بكر بن زهير: كان ذا حظوة في دولة المرابطين بالمغرب، ولما خلفتها دولة الموحدين، لقي من هذه الدولة أيضاً الإقبال والإكرام.
أما إحرازهم المناصب العالية، فقد تولى الطبيب رفيع الدين الحبلي منصب قاضي القضاة بدمشق، وتولى ابن المرخم يحيى بن سعد منصب قاضي القضاة في أيام المقتفي ببغداد، وكان طبيباً في المارستان المحمول، وفَصَّاداً فيه. وتولى الوزارة في عهد يعقوب المنصور سلطان المغرب أبو بكر بن نصر، وهو كما قالوا بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطب عذب معين، كما تولى الطبيب يحيى بن إسحاق الوزارة لعبد الرحمن الناصر، وحظي عنده بمنزلة رفيعة، ويدلكم على أن لصناعة الطب شرفاً يثاسب الوزارة: أن هذا الطبيب الوزير قد يلجأ إليه المبتلون بأمراض عسرة وهو وزير، فيتولى علاجها بنفسه.
ثانيها: نقل كتب الطب إلى العربية، وجرى هذا في عهود طائفة من الخلفاء والأمراء؛ مثل: خالد بن يزيد بن معاوية، والمأمون، ومحمد بن عبد الملك الزيات، ومحمد بن موسى بن عبد الملك.
ودخل معظم كتب جالينوس الطبية في العربية بنقل حنين بن إسحاق، أو تصحيحه لها بعد نقلها، وظهر بعد نقل هذه الكتب إلى العربية مؤلفات عربية اللهجة؛ ككتاب "القانون" لابن سينا، وغيره من المؤلفات الوارد معظمها
стр. 4390
في كتاب: "كشف الظنون"، والكتب التي تصدت لتراجم الأطباء؛ ككتاب: "عيون الأنباء في تراجم الأطباء".
ثالثها: صيانة الطب عن أن يتعاطاه غير أهله.
اتصل بالمقتدر أن غلطاً جرى من بعض المتطببين على رجل من العامة، فصدر أمر بمنع سائر المتطببين من التصرف إلا من امتحنه سنان بن ثابت، فامتحنهم سنان، وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه.
وفوض الحليفة المستضيء بأمر الله رياسة الطب ببغداد لأمين الدولة ابن التلميذ، فاجتمع إليه سائر الأطباء ليرى ما عندهم، وشرع في امتحانهم واحداً بعد آخر.
رابعها: بناء المستشفيات.
بنى الخلفاء والأمراء وغيرهم من المطبوعين على فعل الخيرات مستشفيات كثيرة كانت بالغة الغاية في استيفاء وسائل العلاج، وتوفير راحة المرضى حسبما يقتضيه رقي العلم في عصورهم، وقد تكفل كتاب "تاريخ البيمارستانات في الإسلام" للدكتور أحمد عيسى بوصف واسع تناولها من كل ناحية؛ مثل: البيمارستان العتيق الذي أنشأه أحمد بن طولون بالقاهرة، والبيمارستان العضدي الذي أنشأه عضد الدولة بن بويه في بغداد، وبيمارستان مراكش الذي أنشاه يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن في مدينة مراكش.
واتخد أمراء الإسلام المستشفيات المتنقلة.
قال ابن خلكان: إن أبا الحكم المقري عبد الله بن المظفر نزيل دمشق كان طبيب البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملاً، والمستصحب في معسكر السلطان محمود السلجوقي حيث خَيَّم.
стр. 4391
وأول مستشفى أحدثه الوليد بن عبد الملك بن مروان في دمشق للمجذومين سنة ٨٨ هـ وأجرى لهم فيها أرزاقهم.
* شدة عنايتهم بمداواة المرضى، وتوفير وسائل الراحة لهم:
كان الأمراء يبنون المستشفيات، ويعينون لها أطباء، ويعدون فيها من الأدوية ما يحتاج إليه.
كتب الوزير علي بن عيسى بن الجرَّاح في أيام خلافة المقتدر إلى سنان بن ثابت، وكان سنان هو القائم على أمر البيمارستانات: "فكرت في أمر الحبوس، وأنهم لا يخلون مع كثيرة عددهم، وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض، فينبغي أن تفره لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم، ويحملون معهم الأدوية والأشربة، وما يحتاجون إليه من المزوَّرات (١)، وتتقدم إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس، ويعالجوا من فيها من المرضى، ويريحوا عللهم فيما يصفون لهم إن شاء الله تعالى".
وكتب إليه كتاباً آخر يقول فيه: "فكرت فيمن بالسواد من أهله، وأنه لا يخلو من أن يكون فيه مرضي لا يشرف متطبب عليهم؛ لخلو السواد من الأطباء، فتقدم بما يفاد متطببين، وخزانة من الأدوية والأشربة، يطوفون السواد، ويقيمون في كل صُقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم، ويعالجون من فيه، ثم ينتقلون إلى غيره".
وقد يتجاوز بعضهم في العناية بأحوال المرضى إلى حد الرفاهية، وأوضح مثال لهذا: معاملة المرضى بالمستشفى الذي أنشأه أبو يوسف المنصور
стр. 4392
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي في مدينة مراكش.
قال عبد الواحد المراكشي: ذلك أنه بعد أن بنى المستشفى في ساحة فسيحة، وظهر في نقوشة البديعة وزخارفه المحكمة، وحفَّه بالأشجار ذات الثمار والأزهار، وأجرى فيه مياهاً كثيرة تدور على جميع البيوت، وأمر له من الفرش النفيسة من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره مما يزيد عن الوصف. ثم قال: "وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء، فإذا نقه المريض، أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل". وقال: وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخل يعود المرضى، ويسأل عن أهل بيت أهل بيت، ويقول: كيف حالكم؟ وكيف القومة عليكم؟.
عني رجال الإسلام بالطب حتى أصبح من العلوم التي تدرس في المعاهد أو المساجد على طريقة البحث وتحقيق النظر.
يحدثنا التاريخ: أن الملك الأشرف جعل لمهذب الدين عبد الرحيم ابن علي مجلساً لتدريس صناعة الطب، ووقف مهذب الدين هذا داره بدمشق، وجعلها مدرسة يدرس فيها صناعة الطب من بعده.
وكان لموفق الدين عبد العزيز بن عبد الجبار مجلس عام للمشتغلين عليه بعلم الطب.
وأقرأ علم الطب رضي الدين يوسف بن حيدرة الرحي، وكان لا يقرئ هذا العلم إلا لمن يجده أهلاً له، قالوا: وكان يعطي صناعة الطب حقها من الرياسة والتعظيم.
وكان شمس الدين محمد بن عبد الله مدرساً للأطباء بجامع طولون.
стр. 4393
وكان موفق الدين البغدادي يدرس الطب فيما يدرسه من العلوم بالأزهر الشريف.
وكان من إقبال أمراء الإسلام وعلمائه على علم الطب: أن أكثر أساتذته في العهود التي ازدهرت فيها العلوم على اختلاف موضوعاتها، وأسوق شاهداً على هذا: أن سنان بن ثابت لما كلفه المقتدر بامتحان الأطباء، بلغ عدد الذين أجرى عليهم الامتحان في جانبي بغداد ثمان مئة شخص ونيفاً وستين، سوى من استغنى عن امتحانه بشهرته بالتقدم في هذه الصناعة.
والذي نرمي إليه في هذا الحديث: أن دين الإسلام ونبي الإسلام رفعا علم الطب وصناعته مكانة عالية؛ إذ كان الطب مظهراً من مظاهر الرأفة بالإنسانية، ووسيلة من أهم وسائل راحة النفوس، وتخليصها من آلام تكدر عليها صفو حياتها، ومعونة لذوي الهمم الكبيرة على أن يتمتعوا بعافية تسعدهم في القيام بأعمال جليلة، فالأخذ بما ينصح به الأطباء الأمناء من إتيان أشياء أو اجتنابها، إنما هو عمل على حفظ الصحة التي تظهر بها الأفراد والأمم في قوة وعزم يسهل عندهما كل صعب، ويتضاءل أمامهما كل خطب، وإنما خلق الإنسان ليسير في طريق الفلاح، ويذلل ما يلاقيه من العقبات بإيمان صادق، وعزيمة ماضية.
стр. 4394
حقوق الزوجية في الإسلام (١)
شرع الزواج لأغراض سامية نبيلة، ففي الزواج ابتغاء النسل الصالح، وفي النسل الصالح عزة وفخار للوالدين والأسرة والأمة، وفي الزواج الاستعانة على التحلي بأبهى خصلة من خصال المجد هي العفاف، وبالعفاف يسود الأمن، وتسلم علاقات التعاون والوفاق من الانقلاب إلى تناكر وشقاق، وفي الزواج التعاون على مرافق الحياة: الزوجة تدبر المنزل، وترعى الولد، والزوج يمد المنزل بما يسد حاجاته، ويقيم حوله سياجاً من المهابة والصيانة، وفي الزواج كسب صداقة أسرة؛ إذ ينعقد بينك وبين آل الزوجة رابطة المصاهرة، وقد تبلغ هذه الرابطة في قوتها وصفائها مبلغ قرابة ذوي الأرحام.
وهذه الأغراض الشريفة لا تنتظم على وجهها الصحيح، ولا تأتي بثمراتها الطيبة إلا أن تسير المعاشرة بين الزوجين في طريق الألفة وصفاء الود، ونحن عندما نتأمل في الأنظمة والآداب التي رسمها الإسلام لرابطة الزوجية، نجدها قائمة على رعاية هذه الغاية -أعني: حسن المعاشرة- أشد الرعاية.
كان للعرب في الجاهلية أنواع من النكاح مختلفة، فأبطل الإسلام ما كان
стр. 4395
منها شبيهاً بالسفاح، وأقر النوع الذي فيه صيانة العرض، وحفظ النسل، والذي يمكن أن تنتظم به المعاشرة محفوفة بمحبة وصفاء، وهو الزواج الجاري بين الناس منذ مطلع فجر الإسلام.
حث الدين الحنيف على الزواج، وجعله من سنة الذين اصطفى من عباده، وأنكر على من تحدثه نفسه بإيثار حياة العزوبية على حياة الزوجية، ومن شواهد هذا: قوله ﵊ لقوم ائتمروا على أن يتركوا الزواج؛ لينقطعوا إلى العبادة: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي، فليس مني".
وأرشد إلى اختيار الزوجة، ونبه على أن ذات الدين أحق بالاختيار، فقال ﷺ : "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات ترتب يداك".
وفضَّل الدين على المال والحسب والجمال من جهة أنه يضمن الأخلاق المهذبة، والآداب الراقية، ويجمع لصاحبته الصيانة من أطرافها، والمراد من الحديث: أن الناشئة في حلية الدين -وإن لم تكن بارعة الجمال- تفضل غيرها ممن لم تتحلَّ بالدين -وأن كانت موسرة، أو حسيبة، أو فائقة الجمال-.
ينهى الدين؛ حفظاً للقلوب من مواقع الفتن أن يرسل الإنسان نظره في محاسن امرأة أجنبية، ولكنه؛ رغبة منه في دوام العشرة بين الزوجين أذن للرجل في أن ينظر إلى وجه المرأة التي يريد التزوج بها قبل العقد عليها، فقال ﵊ للمغيرة حين خطب امرأة من الأنصار: "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما"؛ أي: تكون بينكما المودة والوفاق.
стр. 4396
وجعل الشارع للمرأة ووليها الحق في رعاية كفاءة الزوج؛ فإن اقتران المرأة بمن لا يكاقئها في عفاف ونسب ومال، وسلامة من العيوب البدنية، يجر إليها وإلى وليها حطَّة، ويقف عثرة في سبيل المعاشرة المستحبة بين الزوجين.
قيل لأعرابي: فلان يخطب فلانة، فقال: أموسر من عقل ودين؟ قالوا: نعم، قال: فزوجوه.
وقال رجل للحسن: إن لي بنية، وإنها تخطب، فبمن أزوجها؟ قال: زوجها ممن يتقي الله، فإن أحبها، كرمها، وإن أبغضها، لم يظلمها.
ولقدرة الرجال على اكتساب المال من طرق لا يقدر عليها النساء، أو لا ينبغي لهن مباشرتها، فرض الشارع على الرجل نفقة الزوجية، ويرجع تقديرها إلى ما يتراضيان عليه، فإن لم يتراضيا على مقدار النفقة، أو كيفيتها، قررها أولو الأمر بما يقتضيه حال المرأة، وحال الزوج في يسر وعسر.
جاءت هند بنت عتبة زوجةُ أبي سفيان، فقالت: يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف بها.
وقد راعى الشارع في كثير من حقوق الزوجين العرف الحسن الذي يجري بين الناس، فاوجب على الرجل إسكانَ الزوجة في منزل يليق بها، وأن يأتي لها بخادمة في المنزل إن كانت ممن تُخدم، وأن يأتي لولدها بمرضع إن جرى عرف أمثالها بعدم إرضاع أولادهن.
على الرجل حق الإنفاق بالمعروف، وعلى الزوجة تدبير شؤون المنزل، وأن تراعي حال زوجها المالية، فلا تكلفه فوق ما يطيق، وأن ترعى الولد
стр. 4397
بالتربية البدنية والروحية.
قال - عليه الصلاة. والسلام -: "والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة"، وقال - صلوات الله عليه -: "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده".
ومما يستدعيه حسن المعاشرة: أن يفسح الرجل صدره للزوجة، تراجعه فيما يقوله، أو يريد أن يفعله.
قال عمر بن الخطاب: صخبتُ على امرأتي، فراجعتني، فأنكرت أن تراجعني، قالت: فلم تنكر علي أن أراجعك؟! فو الله! إن أزواج النبي ﷺ ليراجعنه.
وقد نبه الشارع الحكيم لمداراة المرأة، إذا أخلت بشيء من واجبات الزوجية في دائرة الصون والحصانة، فقال ﵊: "واستوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلع أعوج، وان أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تُقيمه، كسرته، وإن تركته، لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً".
فالحديث الشريف يعلِّم الرجل كيف يسلك في سياسة الزوجة طريق الرِّفق والأناة، فلا يشتد ويبالغ في ردها عن بعض آرائها التي بها عوج؛ فإن ذلك قد يفضي إلى الفراق؛ كما أنه لا يتركها وشأنها؛ فإن الإغضاء عن العوج مدعاة لاستمراره، أو تزايده، والعوج المستمر أو المتزايد قد يكون شؤماً على المعاشرة، فتصير إلى عاقبة مكروهة.
وقد حمي الإسلام مال الزوجة، فلم يجعل ليد الزوج عليه من سبيل، فأبقى لها حرية التصرف فيه على ما ترى، فهي التي تتصرف في مالها كما
стр. 4398
تشاء، وليس للزوج حق في أن يتناول منه -ولو درهماً- إلا عن طيب نفسها، وليس له حق في منعها من أن تتصرف في مالها على وجه المعاوضة؛ كالبيع والقرض والإجارة ونحوها، بإجماع العلماء، وليس له حق في منعها من أن تنفق منه، أو تنفقه على وجه التبرع؛ كالصدقة والهبة عند جمهور أهل العلم، وإنما ذهب المالكية إلى أن الزوج، وإن لم يكن له حق في أن يتناول ولو درهماً من مال زوجته، ولم يكن له حق في منعها من عقود المعاوضات، فله حق في أن يمنعها من التبرع بأكثر من ثلث مالها، وأدلة هذا المذهب معروفة في كتب الفقه.
وقضت حكمة الشارع أن تكون العصمة بيد الزوج، ولكنه كرَّه الطلاق، ووضع أمامه أحكاماً ومواعظ شأنها أن تكف الأزواج عن الاستعجال به، وتجعل حوادثه قليلة جداً.
أمر الزوج بأن يعاشر الزوجة بالمعروف، ودعاه إلى التأني حيث يجد في نفسه كراهة لها، فلا يبادر إلى كلمة الطلاق، فقد تكون الكراهة من الأحوال التي تعرض في بعض الأوقات، ثم تزول، وقد بالغ الشارع في التحذير من المبادرة إلى الطلاق، فجعل احتمال أن يكون في الزوجة خير كثير، كافياً في الاحتفاظ بعصمتها، والاستمرار على حسن معاشرتها، فقال تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
وقد يقع بين الزوجين جفاء ينشأ من اعتقاد أحدهما أن الآخر اهتضم حقاً من حقوقه، ومن حكمة الشارع أن كره رفع أمثال هذا الخلاف إلى
стр. 4399
المحاكم، وإذاعتها بين من لا خير في اطلاعهم عليها، وأمر بوضع أمثال هذه القضايا بين أيدي رجلين من أسرتيهما؛ ليسلك بها سبيل الإصلاح ما أمكن الإصلاح، قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥].
والحق أقول: إن الذي ينظر في التشريع الإسلامي بعين الباحث حر الفكر، يراه قد أقام الزوجية على أساس من العدل، وكساها آداباً تجعلها صلة روحية تساوي أقرب الصلات النسبية وأمتنها؛ كالبنوة والأخوة، وقد تلقينا عن التاريخ، ورأينا بأعيننا أزواجاً وزوجات عرفوا حقوق الزوجية، واحتفظوا بآدابها التي نصح بها الإسلام، فعاشوا في ارتياح وهناءة موصولين بتعاطف واحترام، وربما ظهر هذا فيما يصدر من الزوجين من عبارات الأسف والتحسر عند الوداع؛ كما قال ابن دَرَّاج عند وداع زوجته:
ولما تدانت للوداع وقد هفا ... بصبري منها أَنَّةٌ وزفيرُ
تُناشدني عهدَ المودةِ والهوى ... وفي المهدِ مبغومُ النداء صغيرُ
حتى قال:
وطار جناحُ البين بي وهفت به ... جوانح من ذعر الفراق تطير
وقد تظهر هذه العواطف الرقيقة في وصية عند حضور الموت؛ كما قال يحيى الهندي الأندلسي يوصي بأن يدفن حذاء زوجته التي توفيت قبله، وحزن عليها حزناً بالغاً:
إذا متُّ فادفني حذاء خليلتي ... يخالط عظمي في التراب عظامها
стр. 4400
ورتّب ضريحي كيفما شاءه الهوى ... تكون أمامي أو أكون أمامها
لعل إله العرش يجبر صرعتي ... فيعلي مقامي عنده ومقامها
وقد تظهر العواطف في تشوق في حال غيبة؛ كما قال المحدث ابن حجر متشوقاً إلى زوجته ليلى الحلبية:
رحلت وخلَّفت الحبيب بداره ... برغمي ولم أجنح إلى غيره مَيْلا
أُشاغل نفسي بالحديث تعلّلاً ... نهاري وفي ليلي أحنّ إلى ليلى
وقد تظهر في رثاء بعد الموت؛ كما قالت الذلفاء ترثي زوجها نجدة ابن الأسود:
سئمت حياتي حين فارقت قبره ... ورحت وماء العين ينهل هاملُهْ
وقالت نساء الحي قد مات قبله ... شريفٌ فلم تهلك عليه حلائلُهْ
صدقْنَ، لقد مات الرجال ولم يمت ... كنجدةَ من إخوانه من يعادلُهْ
وقد تظهر العواطف في عبارات من المؤانسة يعرب فيها أحد الزوجين عن إعجابه بالآخر؛ كما قال القاضي شريح بن الحارث في زوجة له تسمى: زينب:
فزينب شمس والنساء كواكب ... إذا طلعت لم تُبق منهن كوكبا
وكما قال العرجي في زوجته، وكان جدُّها من الأب عثمان بن عفان، ومن الأم الزبير بن العوام:
إن عثمان والزبير أحلّا ... دارها باليفاع إذ ولداها
إنها بنت كل أبيضَ قرمٍ ... نال في المجد من قُصَيٍّ ذُراها
стр. 4401
ولما تزوج الرشيد زوجته العثمانية، أعجب بها، وكان كثيراً ما يتمثل بهذين البيتين.
ويتلخص لنا من هذا البحث: أن طيب الحياة ومتعتها يتحققان في زوجية سعيدة، وسعادة الزوجية أن يكون كل من الزوجين على خلق سمح، وأدب بهيج، ويجمع إلى ذلك: صفاء الود، والنصح لصاحبه، حاضراً كان أو غائباً. والزوج والزوجة يمثلان في تقارنهما شطري البيت من الشعر، والبيت من الشعر لا يحسن وقعه في النفوس، وتتهاداه الألسن والأسماع إلا أن يكون شطراه منسجمين، يسعد أحدهما الآخر في تأدية المعنى الذي صيغا من أجله، وكذلك الزوجان، لا تزدهي حياتهما إلا إذا انسجما، وقام كل منهما بنصيبه من حقوق الزوجية، وظلا يعيشان في منزل ظِهارته المهابة، وبِطانته الصيانة.
стр. 4402
القضاء العادل (١)
تجري كلمة العدل على الألسنة، وهي تنطوي على أشياء لا يتحقق معنى العدل إلا بمراعاتها.
لا يمكن للقاضي أن يعدل في القضية إلا إذا استمع إلى المتداعين بقلب حاضر، وكان من البينات التي يستند إليها في الحكم على بصيرة، وإلى هذا أشار عمر بن الخطاب ﵁ في رسالة القضاء بقوله: "فافهم إذا أُدلي إليك".
ومن العدل بين الخصمين: أن يسوي بينهما في مجلسه حيث يجلسان أمامه على سواء، ولا يخص أحدهم بإقباله، وإلى هذا أشار عمر بن الخطاب بقوله: "وآسِ بين الناس في مجلسك ووجهك".
ولا يأخذ العدل مكانه إلا أن يتخلص القاضي من عوامل شأنها أن تصرفه عن تحقيق معنى العدل، وتسلبه ما يسمونه: الاستقلال في القضاء.
أولها: أن لا ينظر عند الفصل في القضية إلى اتجاه الرئيس الأعلى، ولا يبالي أيرضى عن حكمه أم لا يرضى؟.
ثانيها: أن لا يجعل للعاطفة عند الحكم أثراً، فلا ينظر عند الحكم
стр. 4403
إلى قرابة أحد الخصمين له، أو لصداقته، فيقضي له، أو ينظر إلى عداوته، فيحكم عليه.
ثالثها: أن لا يقيم لاتجاه الجمهور وزناً، فيحرص على أن يصدر حكمه بما يرضي الجمهور؛ لينال ثناءهم؛ كمن يتعمد الحكم للضعيف على القوي، أو للفقير على الغني، حكماً بغير حق؛ ليصفه من لا يعرف حقيقة القضية بأنه حاكم عادل.
رابعها: أن يكون طاهر اليد، نقي القلب، فلا يستهويه الحرص على متاع الحياة إلى أن يحكم لمن أدلى إليه برشوة.
وقد يدخل الخلل في الحكم، فلا يصاغ في قالب العدل، إذا تعاطى القاضي الحكم في حال اضطراب فكر، وقد نبه النبي ﷺ على هذا بقوله: "لا يقضي القاضي وهو غضبان".
ويلحق بالغضب: كل ما يحدث في الفكر قلقاً؛ كمرض، أو موت عزيز.
ومن متممات العدل في الحكم: أن ينفذ الحكم بحزم، قال عمر بن الخطاب في رسالة القضاء: "وأنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له".
والقاضي العادل هو الذي يعترف بخطئه متى قضى بغير حق، ويعمل لإصلاح ما أخطأ فيه، قال عمر ﵁ في رسالة القضاء: "لا يمنعك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه عقلك، وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".
стр. 4404
مكانة القضاء (١)
القضاء من الوظائف الشرعية الداخلة في مهمات الخلافة، ويكفيه شرفاً أن الرسل والأنبياء ﵈ كانوا يتولونه بأنفسهم، ونبه النبي ﷺ لفضله، وسمو مكانته بقوله: "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً، فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله حكمة، فهو يقضي بها ويعلِّمها".
والمراد من الحسد: الغبطة، وهي محمودة في كل خصلة من خصال الخير؛ للتنبيه على بلوغ مكانة القضاء، والإنفاقُ في الخير أقصى غاية من السمو في نظر الشارع الحكيم، ومن أساليب البلاغة: استعمال أداة الحصر للدلالة على أهمية الشيء، وإحرازه المرتبة العليا في المعنى الذي قد يشاركه فيه غيره، فيرجع معنى الحديث إلى معنى: أنه لا غبطة كاملة إلا الغبطة في هاتين الخصلتين.
ومن سمو مكانة القضاء: أن القاضي يستدعي أكبر شخص في الأمة -كالخليفة- إلى مجلس حكمه، ويقضي عليه متى كان الحق في جانب خصمه، وكذلك كان يفعل قضاة العدل في الإسلام؛ كأبي يوسف: حكم ليهودي في قضية رفعها على الخليفة هارون الرشيد، وكابن بشير قاضي قرطبة: حكم لتاجر خامل على الخليفة عبد الرحمن الناصر، وقال له: إن لم تنفذ ما حكمت
стр. 4405
به، فإني أستقيل من القضاء.
وإذا كانت الأعمال تتفاوت في الفضل على قدر تفاضل غاياتها، فإن للقضاء غاية تعد من أجل الغايات، هي: نصر المظلوم، وكف يد الظالم، وقطع المنازعات، والإصلاح بين الناس، وأداء الحق لمستحقه، ومن ذلك يستتب الأمن في البلاد، وإذا استتب الأمن، فهنالك طمأنينة النفوس، وسعادة الحياة.
стр. 4406
صفات القاضي في الإسلام (١)
لكل حكومة تشريع وقضاء وتنفيذ، فبالتشريع يكون لها قوانين تميّز الباطل من الحق، والفاسد من الصالح، وبالقضاء تفصل بين المتنازعين إذا اشتبه على أحدهما الحق، أو غلبته أهواؤه على أن ينتهك حرم الحق، وبالتنفيذ تتم الفائدة من وضع القوانين، والفصل بين المتنازعين.
ومصدر التشريع في الحكومات الإسلامية هو الخالق -جلَّ شأنه-؛ فإن السلطة القضائية إنما تستمد أحكامها من الكتاب والسنّة، ومن الأصول التي يرجع إليها المجتهد في تقرير أحكام الوقائع إن لم يجدها في نص آية أو حديث.
والقضاء هو: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام.
وللقاضي صفات هي شروط في صحة ولايته، وهي: الإسلام، والعقل، والذكورة، والعلم، والعدالة.
والمراد من العقل: النباهة، وقوة التفكير.
وشرط الذكورة لا يختلف فيه أهل العلم في القديم أو الحديث، ومن شواهده: ما جاء في الصحيح من قوله ﵊: "لن يفلح
стр. 4407
قومٌ وَلَّوا أمرهم امرأة".
ونسبوا إلى ابن جرير الطبري: أنه يجيز أن تكون المرأة قاضية، ونسبوا إلى الإمام أبي حنيفة: أنه يجيز قضاءها فيما تشهد فيه.
أما ما نسب إلى ابن جرير، فلم يصح نقله عنه، وهو -مع عدم ثبوت نقله عنه- مخالف للإجماع.
وأما ما نسب إلى الإمام أبي حنيفة، فمحمول على أنه يصح أن تقضي في واقعة على وجه التحكيم، لا على أنها تقلَّد منصب القضاء.
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "الأحكام": "ونقل عن محمد ابن جرير الطبري إمام الدين: أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية، ولم يصح ذلك عنه، ولعله كما نقل عن أبي حنيفة: أنها تقضي فيما تشهد فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم، أو الاستنابة في القضية الواحدة؛ بدليل قوله ﷺ : "لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة"، وهذا هو الظن بأبي حنيفة، وابن جرير. وقد روي أن عمر بن الخطاب قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح، فلا تلتفتوا إليه، فإنما هو من دسائس المبتدعة".
وأما العلم: فشرطُ القاضي في أصل الشريعة: أن يكون بالغاً رتبة الاجتهاد، ولما قلَّ في علماء الشريعة من يدرك هذه المرتبة لأسباب نتعرض لها في غير هذا المقام، جازت ولاية المتابع لمذهب إمام من أئمة الاجتهاد؛ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وهذا الجواز من قبيل أحكام الضرورات؛ حتى لا تتعطل الأحكام، ومن المتابعين لأحد المذاهب
стр. 4408
من له قدرة على النظر في أدلة الأقوال، وترجيح بعضها على بعض، فلا يعدل عنه إلا من قصر باعه عن تمييز الأدلة الصحيحة من الأدلة الواهية.
وأما العدالة: فعدَّها طائفة من أهل العلم في شرط صحة القضاء، وقالوا: من لا تجوز شهادته لا تصح ولايته، ومقتضى بطلان ولاية غير العدل: عدمُ نفاذ حكمه.
والحق -فيما يظهر-: أن القاضي العدل تحمل أحكامه على أنها موافقة لوجه الحق، وتنفذ، إلا إذا تبين أنها مخالفة له، وغير العدل تقر أحكامه إذا تبين أنها صواب.
ونظر بعضهم إلى صفة العدالة من ناحية السياسة الشرعية، وقالوا: إن لم يوجد في البلد عدول، أقيم للقضاء عليهم أقلهم فسقاً، ترجيحاً لمصلحة فصل الخصومات، وقطع المنازعات، على مفسدة إبقاء الناس في هرج وفتن تنتهك بها الدماء والأعراض والأموال.
стр. 4409
شريك قاضي الكوفة وموسى بن عيسى أميرها (١)
امرأة في مجلس القضاء: أنا بالله؛ ثم بالقاضي!.
شريك: من ظلمك؟
المرأة: الأمير موسى بن عيسى بزعم أمير المؤمنين.
شريك: ماذا صنع؟
المرأة: كان لي بستان على نهر الفرات فيه نخل ورثته عن أبي، وقاسمت إخوتي، وبنيت بيني وبينهم حائطاً، فاشترى الأمير موسى بن عيسى من جميع إخوتي، وساومني، ورغَّبني، فلم أبعه، فلما كان هذه الليلة، بعث بعمَلَة، فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرف من نخلي شيئاً، واختلط بنخل إخوتي.
شريك: امض بهذه الطينة المختومة إلى بابه حتى يحضر معك.
"المرأة تسلم الطينة إلى حاجب الأمير"
الحاجب: أيها الأمير! قد أعدى القاضي عليك، وهذا ختمه.
الأمير: ادع لي صاحب الشرطة.
"صاحب الشرطة بين يدي الأمير"
الأمير: امض إلى شريك، وقل: سبحان الله! ما رأيت أعجب من أمرك!
стр. 4410
امرأة ادعت دعوى لم تصح أعديتها عليّ؟.
صاحب الشرطة: إن رأى الأمير يعفيني من ذلك.
الأمير: امض ويلك!.
"صاحب الشرطة يبلغ القاضي رسالة الأمير"
شريك: يا غلام! خذ بيده، فضعه في الحبس.
صاحب الشرطة: والله! قد علمت أنك تحبسني، فقدمت ما أحتاج إليه إلى الحبس.
"الأمير ينكر على شريك حبس صاحب الشرطة، ويرسل إليه حاجبه"
الحاجب: يقول لك الأمير: رسول أدى رسالة، أي شيء عليه؟.
شريك: اذهبوا بالحاجب إلى رفيقه بالحبس.
"الأمير يبعث جماعة من أصدقاء القاضي، ويقول: أبلغوه السلام، وأعلموه أنه استخف بي، وأني لست كالعامة"
"أصدقاء القاضي يبلغونه، وهو في مجلس الحكم رسالة الأمير"
شريك: مالي أراكم جئتموني في غوغاء من الناس فكلمتموني! من هنا من فتيان الحي؟ ليأخذ كل واحد منكم بيد رجل، فيذهب به إلى الحبس، ما أنتم إلا فتنة، وجزاؤكم الحبس!.
أصدقاء القاضي: أجادّ أنت!.
شريك: حقاً حتى لا تعودوا لرسالة ظالم.
"الأمير يركب ليلاً إلى باب السجن، ويفتحه، ويخرج منه صاحب الشرطة والحاجب وأصدقاء القاضي"
стр. 4411
شريك: يا غلام! الحق بثقلي إلى بغداد، والله! ما طلبنا هذا الأمر منهم، ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإعزاز إذا تقلدناه لهم.
"يخرج شريك من الكوفة قاصداً بغداد"
"يبلغ خبره الأمير، فيركب في موكبه، ويدرك شريكاً في قنطرة الكوفة"
الأمير: يا أبا عبد الله! انظر إخوانك تحبسهم، دع أعواني.
شريك: نعم؛ لأنهم مشوا لك في أمر لم يجز لهم المشي فيه، ولست ببارح مكاني حتى يعادوا جميعاً إلى السجن، وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين المهدي، فاستعفيته مما قلدني.
"الأمير يأمر بإعادة من حبسهم شريك إلى الحبس"
شريك يقول لأعوانه: خذوا بلجام دابة موسى بن عيسى إلى مجلس الحكم.
"فيمضي الأمير بين يديه إلى مجلس الحكم، وتحضر المرأة المتظلمة"
شريك: هذا خصمك قد حضر.
موسى وهو مع المرأة بين يدي القاضي: قبل كل أمر أنا قد حضرت، أولئك يخرجون من الحبس.
شريك: أما الآن، فنعم! أخرجوهم من الحبس.
شريك يخاطب الأمير: ما تقول فيما تدعيه هذه المرأة؟.
الأمير: صدقَتْ.
شريك: تردُّ ما أخذتَ منها، وتبني حائطها سريعاً كما كان.
الأمير: أفعل ذلك.
стр. 4412
شريك يخاطب المرأة: أبقيتْ لكِ عليه دعوى؟
المرأة: لا، وبارك الله عليك، وجزاك خيراً!.
شريك: قومي.
شريك بعد أن فرغ من مجلس الحكم أخذ بيد موسى بن عيسى، وأجلسه في مجلسه، وقال: السلام عليك أيها الأمير! ذاك الفعل حق الشرع، وهذا القول الآن حق الأدب.
الأمير يقوم وينصرف من المجلس وهو يقول: من عظّم أمر الله، أذلّ الله له عظماء خلقه.
стр. 4413
أكلَّ الجيش أسلفه ؟ (١)
قفل عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب ﵁ في جيش كان بالعراق، ومرّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما.
أبو موسى: هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما.
عبد الله وعبيد الله: وددنا ذلك.
أبو موسى: سلّم إليهما المال. وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال.
عبد الله وعبيد الله قدما المدينة، وباعا ما جلباه من متاع العراق، فأربحا، ودفع المال الذي سلّمه إليهما أبو موسى الأشعري إلى عمر.
عمر: أكلَّ الجيش أسلفه مثلَ ما أسلفكما؟.
عبد الله وعبيد الله: لا.
عمر: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما! أديا المال وربحه.
стр. 4414
عبد الله: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال، أو هلك، لضمنَّاه.
عمر: أَديِّاه.
رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضاً (١).
عمر: قد جعلته قراضاً. فأخذ عمر رأس المال، ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال.
стр. 4415
السّياسة الرشيدة في الإسلام (١)
أتى على العالم حين من الدهر وهو يتخبط في جهل وشقاء، ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء، حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم - صلوات الله عليه - بعزم لا يحوم عليه كلال، وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض؛ فأخذ يضع مكان الباطل حقاً، ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة، وما لبثت الأمم أن تقلدت آداباً أصفى من كواكب الجوزاء، وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أحسن رُواء، وأرفع سناء.
وضع الإسلام للسياسة نظاماً يقطع دابر الاستبداد، ولا يبقي للحيف في فصل القضايا أو الخلل في إدارة الشؤون منفذاً.
أوصى الرعاة بأن لا ينفردوا عن الرعية بالرأي في آية:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
وآية:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
ثم التفت إلى الأمة، وعهد إليها بالرقابة عليهم، وإسدائهم النصيحة فيما تراه غير واقع على وجه الاستقامة، فقال تعالى: