← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

شريك: يا غلام! الحق بثقلي إلى بغداد، والله! ما طلبنا هذا الأمر منهم، ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإعزاز إذا تقلدناه لهم. "يخرج شريك من الكوفة قاصداً بغداد" "يبلغ خبره الأمير، فيركب في موكبه، ويدرك شريكاً في قنطرة الكوفة" الأمير: يا أبا عبد الله! انظر إخوانك تحبسهم، دع أعواني. شريك: نعم؛ لأنهم مشوا لك في أمر لم يجز لهم المشي فيه، ولست ببارح مكاني حتى يعادوا جميعاً إلى السجن، وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين المهدي، فاستعفيته مما قلدني. "الأمير يأمر بإعادة من حبسهم شريك إلى الحبس" شريك يقول لأعوانه: خذوا بلجام دابة موسى بن عيسى إلى مجلس الحكم. "فيمضي الأمير بين يديه إلى مجلس الحكم، وتحضر المرأة المتظلمة" شريك: هذا خصمك قد حضر. موسى وهو مع المرأة بين يدي القاضي: قبل كل أمر أنا قد حضرت، أولئك يخرجون من الحبس. شريك: أما الآن، فنعم! أخرجوهم من الحبس. شريك يخاطب الأمير: ما تقول فيما تدعيه هذه المرأة؟. الأمير: صدقَتْ. شريك: تردُّ ما أخذتَ منها، وتبني حائطها سريعاً كما كان. الأمير: أفعل ذلك.

стр. 4412

شريك يخاطب المرأة: أبقيتْ لكِ عليه دعوى؟ المرأة: لا، وبارك الله عليك، وجزاك خيراً!. شريك: قومي. شريك بعد أن فرغ من مجلس الحكم أخذ بيد موسى بن عيسى، وأجلسه في مجلسه، وقال: السلام عليك أيها الأمير! ذاك الفعل حق الشرع، وهذا القول الآن حق الأدب. الأمير يقوم وينصرف من المجلس وهو يقول: من عظّم أمر الله، أذلّ الله له عظماء خلقه.

стр. 4413

أكلَّ الجيش أسلفه ؟ (١) قفل عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب ﵁ في جيش كان بالعراق، ومرّا على أبي موسى الأشعري، وهو أمير البصرة، فرحب بهما. أبو موسى: هاهنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما. عبد الله وعبيد الله: وددنا ذلك. أبو موسى: سلّم إليهما المال. وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال. عبد الله وعبيد الله قدما المدينة، وباعا ما جلباه من متاع العراق، فأربحا، ودفع المال الذي سلّمه إليهما أبو موسى الأشعري إلى عمر. عمر: أكلَّ الجيش أسلفه مثلَ ما أسلفكما؟. عبد الله وعبيد الله: لا. عمر: ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما! أديا المال وربحه.

стр. 4414

عبد الله: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا، لو نقص المال، أو هلك، لضمنَّاه. عمر: أَديِّاه. رجل من جلساء عمر: يا أمير المؤمنين! لو جعلته قراضاً (١). عمر: قد جعلته قراضاً. فأخذ عمر رأس المال، ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله نصف ربح المال.

стр. 4415

السّياسة الرشيدة في الإسلام (١) أتى على العالم حين من الدهر وهو يتخبط في جهل وشقاء، ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء، حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم - صلوات الله عليه - بعزم لا يحوم عليه كلال، وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض؛ فأخذ يضع مكان الباطل حقاً، ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة، وما لبثت الأمم أن تقلدت آداباً أصفى من كواكب الجوزاء، وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أحسن رُواء، وأرفع سناء. وضع الإسلام للسياسة نظاماً يقطع دابر الاستبداد، ولا يبقي للحيف في فصل القضايا أو الخلل في إدارة الشؤون منفذاً. أوصى الرعاة بأن لا ينفردوا عن الرعية بالرأي في آية: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وآية: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]. ثم التفت إلى الأمة، وعهد إليها بالرقابة عليهم، وإسدائهم النصيحة فيما تراه غير واقع على وجه الاستقامة، فقال تعالى:

стр. 4416

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ولم يكن الأمراء الراشدون -احتراماً لهذا القانون الإلهي- يكرهون من الناس، أو يحجرون عليهم البحث في الشؤون العامة، ومجادلتهم فيها بلهجة ناصح أمين، وهذه صحف التاريخ حافلة بقصص الذين كانوا يقفون للخليفة عمر بن الخطاب -وهو يخطب على منبر المسجد الجامع-، فينكرون عليه عزل عامل اعتقدوا أمانته، أو يجادلونه في رأي عزم على أن يجعله قانوناً نافذاً، فلا يكون منه سوى أن يقول لمن نطق على بينة: "أصبت"، ويرد على من أخطأ في المناقشة رداً جميلاً. وإن شئت مثلاً من سيرة الأمراء الذين تقلبوا في فنون من أبهة الملك، ولبسوا من عظمته بروداً ضافية؛ فقد حضر القاضي منذر بن سعيد مجلس الخليفة الناصر بمدينة الزهراء، فتلا الرئيس عثمان بن إدريس أبياتاً تمضمض فيها بشيء من إطراء الخليفة حتى اهتز لها طرباً، وكان منذر بن سعيد ينكر على الناصر إفراطه في تشييد المباني وزخرفتها، فأطرق لحظة، ثم قال: يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل لله ما أحسنها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل فما زاد الناصر على أن قال: "إذا هبَّ عليها نسيم التذكار، وسقيت بماء الخشوع، لا تذبل إن شاء الله"، فقال منذر: "اللهم اشهد؛ فإني قد بثثت ما عندي". في مقدرة ذلك الخليفة أن يفصل منذر بن سعيد عن وظائفه، أو يبعث به إلى المنفى غير آسف عليه، ويجعل عذره في ذلك العقاب خُطَبه التي كان

стр. 4417

يلقيها على منبر الجامع، ويتصدى فيها لنقد بعض أعمال الدولة، ولكنه أمير نفذت بصيرته إلى روح الشريعة الغراء، ودرس تاريخ الخلفاء قبله عن عبرة، فعرف أن لا غنى للدولة عن رجال يجمعون إلى العلم شجاعة، وإلى الشجاعة حكمة، حتى يمتطوا منصب الدعوة إلى الإصلاح بحق، ويكوّنوا الصلة التي يظهر بها أولو الأمر ويقية الشعب في مظهر أمة تولي وجهها شطر غاية واحدة، ثم لا يغيب عن مثل ذلك الخليفة العادل أن الدولة لا تحرز مجداً خالداً وسمعة فاخرة، إلا أن تعيش في ظلالها أقوام حرة، وفي مقدمتهم علماء يجدون المجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيحاً. يصفون بعض الأمم بمحررة الشعوب، ويلقبون عاصمة بلادها بمطلع الحرية، إلا أن ناشر لواء الحرية بحق، ومعلم البشر كيف يتمتعون بالحقوق على سواء، مَنْ وضعَ لطاعة الرؤساء حداً فاصلاً، فقال: "إنما الطاعة في المعروف"، وجعل الناس في موقف القضاء أكفاء، فقال - صلوات الله عليه -: "أيها الناس! إنما ضلَّ من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها". كم ظهر في بلاد العرب من سيد بلغ في الرياسة أن أحزر لقب ملك؛ كآل جفنة، وآل غسان، وربما وجد من بينهم من لا يقل في قوته النفسية الفطرية عن الفاروق ﵁، فما بالهم لم يأخذوا في السياسة بنزعته، ويرموا إلى أغراضها عن قوس حكمته؟!. لا عجب أن يمتطي ابن خطاب تلك السياسة الفائقة، ويجول بها بين الأمم جولته التي رفعت الستار عن أبصارهم، حتى شهدوا الفرق بين سيطرة

стр. 4418

الدول المستبدة وسيرة الخليفة الذي ينام في زاوية من المسجد متوسداً إحدى ذراعيه. إن هو إلا الإسلام، أقام له أساسها، وأنار سراجها، فبنى أعماله على أساس راسخ، واستمد آراءه من سراج باهر، فكانت صحف آثاره أبدع عند عشاق السياسة القيمة من مناظر الروضة الغناء. تدرب الخلفاء العادلون على مذاهب السياسة وفنون الحرب بما كانوا يتلقونه من حضرة الرسول ﵊ من الحكم السامية؛ كحديث: "الحرب خدعه" أو ما يشهدونه من التدابير المحكمة؛ كوسيلة التكتم في الأمر الجارية عند الدول لهذا العهد، وهي أن يبعث الرئيس الأعلى إلى الرئيس الأدنى، أو يناوله رسالة مختومة، ويأمره أن لا يفك ختامها إلا في محل أو وقت يسميه له، وقد جاء في "صحيح البخاري" وغيره: أن حضرة صاحب الرسالة ﵊ ناول عبد الله بن جحش- وهو أمير نجد- كتاباً، وقال له: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا"، فلما بلغ عبد الله المكان، قرأ الكتاب، وأخبر الجند بما في ضمنه من الأمر. إن اختلاف الأمم في عاداتها وحاجاتها، يستدعي أن تكون سياستها وأنظمتها مختلفة، كما يقتضي أن يكون المدبرون لأحكام الأمة وتراتيبها المدنية ممن وقفوا على روحها، وأحاطوا خبرة بمزاجها، حتى لا يضعوا عليها من الأوامر والنواهي ما يجعل سيرها بطيئاً، أو يردها على عقبها خاسرة، وكذلك الإسلام يقيم السياسة على رعاية العادات، ويسير بها على ما يطابق المصالح، ولهذا فصّل بعض أحكام لا يختلف أمرها باختلاف المواطن؛ كآية: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].

стр. 4419

وحديث: "البينة على المدعي، واليمين على المدعي عليه"، ودل على كثير منها بأصول عامة يستنبطها الراسخ في العلم بمقاصد الشريعة، البصير بما يترتب على الوقائع من آثار المقاصد والمصالح. وإن شريعة تقوم على قواعد: "الضرر يزال. المشقة تجلب التيسير. العادة محكمة"، ويقول أحد العظماء من فقهائها: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من المعاملات والسياسات" لا يحق لأحد أن يرميها بمجافاة الإصلاح والبعد عما تقتضيه طبائع العمران، إلا أن يفوته العلم بحقائقها، أو يحمله الزيغ الجامد على مناوءتها.

стр. 4420

الدّين والفلسفة والمعجزات (١) يبحث الإنسان عن حقائق الكائنات، ويتعرف أحوالها، ويتدبر وجوه اختلافها: في الصفات، والطبائع، والآثار، ينظر فيها متفرقة أو متجمعة، باتصال أو امتزاج. ويسمو بعد هذا إلى البحث عن مصدرها، والتفكير في مصيرها، وما ينتهي إليه نظره يرسم له حدوداً، أو يصيغه في صورة قانون. وذلك ما يسمّى: علماً، أو فلسفة. ولما لم تكن العقول متساوية في حدة النظر، ولا في رعاية قوانين البحث، اختلف ما ترسمه للأشياء من حدود، وما تقرره لها من أحكام. فمنها ما يقطع بصحته، ومنها ما لا يتعدى درجة الظن، ومنها ما هو ظاهر الفساد. وإذا لاحظت أن بعض العقول قد تخرج في البحث إلى ما لا سبيل لها أن تعرفه من طريق التجربة أو الاستدلال، ظهر لك ناحية من النواحي التي تخبط فيها العقول خبط عشواء، وإن بلغت في العبقرية الذروة، ودرست علم المنطق كتاباً بعد كتاب. أما الدين، فهو وضع إلهي يراد به: هداية الإنسان إلى السيرة المرضية

стр. 4421

في الدنيا، والفوز بالسعادة في الأخرى. فهو يهدي إلى معرفة مباع الكون، وما يجب أن يكون له من صفات، وما يدخل تحت سلطان قدرته من الأفعال، ويهدي إلى معرفة مصير الخليقة؛ من الفناء، ثم البعث، ثم الحساب، ثم إلى مستقر خالد في دار نعيم أو عذاب، ويهذب صلة العباد بالخالق، ويصلح الصلات بين الأفراد والجماعات، ويتوسل إلى هذه المقاصد بإقامة الحجة، وإلقاء الحكمة، وضرب الأمثال، وإيراد القصص العامرة بما فيه عبرة. يصل الدين إلى الناس على أيدي بشر أمثالهم، ولكن الله اصطفاهم، وزكى أنفسهم، وأنار بصائرهم، فكانوا مستعدين لتلقي الوحي منه. أولئك البشر المصطفون هم الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، وقضت حكمته تعالى أن تكون رسالاتهم مؤيدة بالآيات البينات؛ لتتم بها الحجة، وتنجح معها الدعوة، وبهذه الآيات صارت أقوال الأنبياء ﵈ مقطوعاً بصحتها، وأفعالهم مشهوداً بحكمتها، فالدين الحق لا يتخلف عنه الصدق في قول، ولا تفارقه الحكمة في موطن. وإذا حدثناك عن الدين بعد هذا، فإنما نحدثك عن دين الإسلام، ومسايرته للعلم الصحيح؛ إذ في استطاعتنا أن نقيم على ذلك الحجة، وندفع من حوله كل شبهة. نجد فيمن يمشون في الفلسفة على غير سبيل طائفةً يعتقدون أن الكائنات مرتبطة في نفسها بأسباب معينة يترتب عليها أثرها حتماً، ولا يمكن انقطاع هذه الأسباب عن آثارها المعروفة بحال، وهذه العقيدة يحملها الطبيعي البحت، ولا تستقر في نفس تؤمن بأن جميع الكائنات تستند إلى

стр. 4422

مبدع حكيم، فعَّال لما يريد. وإذا أخذت في مناظرة صاحب هذه الدعوى، لم يقل في الاستدلال عليها أكثر من أنه لم يشهد الأسباب منفردة عن مسبباتها، ولا المسببات قائمة بدون أسبابها، وبهذه الشبهة ينكر أن يكون إبراهيم ﵇ ألقي في النار ولم تحرقه، وينكر أن عيسى ﵇ ولد من غير أب، وينكر أن تكون عصا موسى ﵇ قد انقلبت ثعباناً، إلى ما يماثل هذا من الآيات البينات. ومن الواضح أن دعواهم باطلة، وشبهتم داحضة، ولا سبيل لهم إلى إثبات أن تخلف المسببات عن أسبابها المعروفة عادة من قبيل المحال؛ فإن عدم مشاهدة انقطاع المسببات عما عرف من أسبابها لا يستلزم ارتباطهما في نفس الأمر ارتباطاً يحيل العقل انفكاكه. أليس من الممكن أن يجعل القادر الحكيم للأمر سبباً آخر، أو يحدث مانعاً يبطل به تأثير السبب المعروف؟ ومن هنا صح الاعتقاد بالمعجزات التي دلت النصوص المحكمات على وقوعها. فندعو شباننا الباحثين عن طرق السعادة وراحة الضمير أن يفرقوا بين ما لا يمكن وقوعه؛ مثل: وجود شخص بعينه في مكانين في زمن واحد، ومثل: كون جزء الشيء أكبر من ذلك الشيء، ومثل: رجحان أحد شيئين متساوين من غير مرجح، ويين ما يمكن وقوعه، ولا يستطيع العقل أن يخرجه من دائرة الإمكان، ولكنه يقع على وجه لم تشهده الأبصار من قبل. فالأول موضع الإنكار الحق، ومثلُه لا ترد به الشريعة السماوية في حال. والثاني موضع الغرابة، ووروده في الدين سائغ، بل محقق، وكثير من شؤون اليوم الآخر

стр. 4423

داخل في هذا القبيل. وقد أظهر العلم الحديث من غرائب المخترعات ما لو وصف لقصير النظر من قبل؛ لأنكره متخيلاً أنه من قبيل المستحيل.

стр. 4424

حقوق الجار (١) الحياة الطيبة أن يعيش الإنسان في أمن، فلا يصيبه من الناس أذى، وأن يجد ما يسد به حاجته؛ من نحو: مطعم وملبس ومسكن، وأن يكون على طهارة نفس، واستنارة فكر؛ إذ بهذه الطهارة والاستنارة يتهيأ إلى أن يجيب داعي الشريعة ومكارم الأخلاق بيسر وسماحة، فطيب حياة الإنسان في أمنه من المخاوف، وبلوغ مآربه الحيوية، وأن يكون على أدب وثقافة ينهضان به إلى تأدية الحقوق، والمسارعة في الخير. وإذا كانت سعادة الأمة في طيب حياة أفرادها، كان واجب كل فرد أن يوجه همته إلى أن يكون سائر الأفراد في حياة طيبة، فيساعد من يستطيع مساعدته من الأفراد على أن يكون في أمن، أو على كفاية من حاجاته الحيوية، أو على تربية وثقافة يقوى بهما على السير في طريق السلامة وراحة الضمير. ومن حكمة الشارع في الدعوة إلى الإصلاح: أن اتجه إلى الروابط التي تربط الإنسان بالإنسان؛ كرابطة الاتحاد في الإنسانية، ورابطة الاتحاد في الدين والحق، ورابطة القرابة الدموية، ورابطة الجوار، وأعطى كل رابطة حقها؛ من جهة كف الشر عنها، وسوق الخير إليها.

стр. 4425

ولم يكتف الشارع في دعوته برعاية الروابط الكبرى؛ كرابطة الإنسانية، ورابطة الدين، فاتجه إلى الروابط الصغيرة؛ كرابطة النسب، ورابطة الجوار اتجاهاً خاصاً، ذلك أن هذه الروابط كحلقات في سلسلة كبيرة هي رابطة الأمة، وكمال السلسلة الكبيرة وقوتها في سلامة الحلقات ومتانتها. وموضوع حديثنا الليلة -أيها السادة- هو البحث عن حقوق رابطة من هذه الروابط؛ أعني: رابطة الجوار. يطالب الإنسان بأن يكف الأذى عن كل إنسان، ويقضي حاجة كل ذي حاجة ما استطاع، ويحسن كما رأى للإحسان موضعاً، وتتأكد المطالبة بهذه الحقوق إن كان ذو الحاجة أو المستحق للإحسان يعيش معك على قطعة صغيرة من الأرض، وقد اكتسب منك لقباً؛ إذ يضيفه الناس إليك، ويقولون: هذا جار فلان. فالمروعة تقضي على الإنسان بأن يوجه إلى ذوي الجوار عناية خاصة، ويجعلهم في مقدمة من يرعى حقوقهم، ويسعى لقضاء مآربهم. قال رسول الله ﷺ : "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"؛ أي: ظننت أنه سيبلغني عن الله الأمر بتوريث الجار من الجار. وهذه كلمة جامعة بالغة؛ فإن الوصاية بالجار تشمل كف الشر عنه، وإسداء الخير إليه، وقوله: "حتى ظننت أنه سيورثه" يدل على أن الوصاية بالجار كانت على جانب عظيم من التأكد، والحث على رعاية حقوقه، وما زال الناس في كل عصر يدعون إلى رعاية حقوق الجار؛ كما قال يزيد بن الحكم الثقفي يعظ ابنه: واعرف لجارك حقه ... والحق يعرفه الكريم

стр. 4426

وحقوق الجار ترجع إلى أربعة أصول، هي: أن لا يلحق الرجل بجاره أذى، وأن يحميه ممن يريده بسوء، وأن يعامله بإحسان، وأن يقابل جفاءه بالحلم، ويشمل هفواته بالصفح والمغفرة. * كف الأذى عن الجار: نبهت في المحاضرة عن بعض الوجوه التي يؤذي بها الرجل جاره، ومنها: التعرض لحرم الجار بقصد سيئ، ثم قلت: ويروى أن عبد الملك ابن مروان قال لمؤدب ولده: إذا روَّيتهم شعراً، فلا تروِّهم إلا مثلَ قول العجير السلولي: يبين الجار حين يبين عني ... ولم تأنس إلي كلاب جاري وتظعن جارتي من جنب بيتي ... ولم تستر بستر من جدار وتأمن أن أطالع حين آتي ... عليها وهي واضعة الخمار كذلك هدي آبائي قديماً ... توارثه النِّجار عن النِّجار ويؤذي الرجل جاره بأن ينظر إليه بعين الاحتقار، مثلما يفعل بعض من لم يتربوا تربية فاضلة، إذ يزرون جارهم الفقير، قال حسان بن ثابت: فما أحد منا بمهدٍ لجاره ... أذاةً ولامزرٍ به وهو عائد لأنا نرى حق الجوار أمانة ... ويحفظه منا الكريم المعاهد * حماية الجار: كف الأذى عن الجار أثر من آثار طهارة النفس، ومما ينبه لشرف همة الرجل: نهوضه لإنقاذ جاره من بلاء يناله به غيره، وكانت حماية الجار من أشهر مفاخر العرب التي ملأت أشعارهم، قال حسان بن ثابت:

стр. 4427

ولا ضيفنا عند القرى بمدفَّعٍ ... وما جارنا في النائبات بمسلَمِ وقال: يواسون مولاهم في الغنى ... ويحمون جارهم إن ظُلم وقال حسان بن نشية: أبوا أن يبيحوا جارهم لعدوهم ... وقد ثار نقع الموت حتى تكوثرا وكان لأبي حنيفة جار بالكوفة، إذا انصرف من عمله، يرفع صوته في غرفته مغنياً: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فيسمع أبو حنيفة غناءه بهذا البيت، فاتفق أن أخذ الحرس في ليلة هذا الجار وحبسوه، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، وسأل عنه من الغد، فأخبروه بحبسه، فركب إلى الأمير عيسى بن موسى، وطلب منه إطلاق الجار، فأطلقه في الحال، فلما خرج الفتى، دعا به أبو حنيفة، وقال له سراً: فهل أضعناك يا فتى؟ قال: لا، ولكن أحسنتَ وتكرمت، أحسن الله جزاءك: وما ضرَّنا أنَّا قليل وجارُنا ... عزيزٌ وجارُ الأكثرين ذليلُ * الإحسان إلى الجار: لا يكفي الرجلَ في حسن الجوار أن يكف أذاه عن الجار، أو يدفع عنه بيده أو جاهه يداً طاغية، بل يدخل في حسن الجوار: أن يجامله بنحو التعزية عند المصيبة، والتهنئة عند الفرح، والعيادة عند المرض، والبداءة بالسلام، وإرشاده إلى ما ينفعه بعلمه من أمر دينه وديناه، وأن يواصله بما استطاع من إكرام.

стр. 4428

وقد عد رسول الله ﷺ إكرام الجار في خصال الإيمان، فقال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره". وقال تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦]. والجار ذو القربى: الجار الذي قرب جواره، والجار الجنب: الذي بعد في العرف جاراً، وبين منزلك ومنزله فسحة، والصاحب بالجنب: من يرافقك في نحو سفر، أو تعلم، أو صناعة. والمتأدبون بأدب القرآن يحافظون على حق الجار في كل حال. قال مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر، وغلام له يسلخ شاة، فقال: يا غلام! إذا سلخت، فابدأ بجارنا اليهودي، حتى قال ذلك مراراً، ثم ذكر حديث وصاية النبي ﷺ بالجار. والمتأدبون بأدب القرآن يراعون حقوق الجار حق الرعاية. قالت عائشة ﵂: "لا تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتين من الأنصار صالحين ألا تنزل بين أبويها". وكان العرب يفتخرون بإكرام الجار كما يفتخرون بإكرام الضيف، قال قيس بن عاصم: إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلاً فإني لست آكله وحدي أخاً طارقاً أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي وقال آخر:

стр. 4429

سأقدح من قِدْري نصيباً لجارتي ... وإن كان ما فيها كفافاً على أهلي إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي ... يكون قليلاً لم تشاركه في الفضل ومن الإحسان إلى الجار: بذل ما يطلبه من نحو النار والملح والماء، وإعارته ما اعتاد الناس استعارته من أمتعة البيت؛ كالقدر والصحفة والسكين والقدوم والغربال. وحمل كثير من المفسرين الماعون في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] على هذه الأدوات ونحوها، ذلك أن منعها دليل لؤم الطبيعة، ودناءة النفس، قال مهيار: لجارهم من دارهم مثل مالهم ... على راحة من عيشهم ولغوب وكان العرب يضربون المثل في حسن الجوار بأبي دؤاد، وهو كعب ابن أمامة، فيقولون: "جار كجار أبي دؤاد"، وكان أبو دؤاد هذا إن هلك لجاره بعير أو شاة، أخلفها عليه، وإذا مات الجار، أعطى أهله مقدار ديته من مال. * احتمال أذى الجار: للرجل فضل في أن يكفَّ عن جاره الأذى، وله فضل في أن يذود عنه، ويجيره من أيدٍ تمتد إليه بسوء، وله فضل في أن يواصله بالإحسان جهده، وهناك فضل رابع هو: أن يغضي عن هفواته، ويتلقى كثيراً من إساءاته بالصفح، ولاسيما إساءة صدرت عن غير قصد، أو إساءه ندم عليها، وجاء معتذراً منها، قال الحريري في مقاماته: "وأراعى الجار ولو جار". وكثيراً ما يكون الصفح عن الرجل، والعفو عن زلته دواء لسوء خلقه،

стр. 4430

وتقويماً لعوجه، فيعود الجفاء إلى ألفة، والمناوأة إلى مسالمة، أما التسرع إلى دفع السيئة بمثلها، أو بأشد منها، دون نظر إلى ما يترتب عليها من الأثر السيئ، فدليل ضيق الصدر، والعجز عن كبح جماح الغضب، وإنما يتفاضل الناس في السماحة والسيادة على قدر تدبرهم للعواقب، وإسكاتهم الغضب إذا طغى. وصفوة الحديث: أن انتظام رابطة الجوار؛ حيث يذهب التنافر بين الجيران، ويحل محله التراحم والتآزر على مرافق الحياة، لأكبرُ شاهد على رقي المجتمع، وسمو آدابه، ويإصلاح هذه الرابطة تطوى عن المحاكم قضايا كثيرة لا منشأ لها إلا عدم رعاية حقوق الجوار.

стр. 4431

السخاء وأثره في سيادة الأمة (١) في الإنسان طبائع تقاسمها الناس على حسب اختلاف بيئاتهم، وطرق تربيتهم، وأطوار حياتهم. ففي الإنسان طبيعة رحمة وشفقة، وفيه طبيعة الغيرة على أن يكون وطنه في أمن وسلامة، وأمته في سعادة وكرامة، وفيه طبيعة حب الحمد، وأن يثنى عليه بألسنة صادقة. وينشأ عن هذه الطبائع خصلة بذل المال في وجوه الخير، وهي ما نسميه بالسخاء. وللسخاء باعث آخر قوي الأثر، هو: رجاء الفوز بما وعد الله به المنفق في الخير من الحياة الطيبة في الدنيا، والنعيم الخالد في الأخرى. وفي الإنسان طبيعة الخوف من الحاجة والفقر؛ يخاف ذلك على نفسه، أو على من يعز عليه من ورثته، وينشأ عن هذه الطبيعة طبيعة الحرص على جمع المال، وقد يشتد به هذا الخوف، حتى يمسك عن الإنفاق في وجوه الخير، وذلك ما نسميه بالبخل. وفي الإنسان طبيعة حب الشهوات على اختلاف ألوانها، وطبيعة حب المدح والإطراء -ولو بغير حق-، وينشأ عن هاتين الطبيعتين طبيعة بذل المال

стр. 4432

في الوصول إلى الشهوات الخارجة عن حد الاعتدال، أو في إشباع نهامة أولئك الذين يتمضمضون بالمديح نفاقاً وملقاً، وهي ما نسميه بالإسراف. فالبخل يقوم على مبالغة الرجل في الخوف من الفقر، والإسراف يقوم على استهانته بالمال حتى لا يبقى له بجانب شهواته قيمة. وقد يمسك الرجل يده عن الإنفاق في وجوه الخير، ويطلقها في اتباع الشهوات، فيجمع بين رذيلتي البخل والإسراف. أما السخاء، فيقوم على الشعور بأن للمال قيمة تستدعي عدم الإسراف في إنفاقه، وأن للحياة الفاضلة مطالب يبذل المال في سبيلها غير مأسوف عليه، فالسخاء إنفاق ما ينبغي إنفاقه في الوجه الذي ينبغي الإنفاق فيه. قيل لمحمد بن عمران بن طلحة بن عبيد الله: إنك تُنسب إلى البخل، فقال: "والله! إني لا أجمد في الحق، ولا أذوب في الباطل". وقيل لمفضال حكيم: لا خير في الإسراف، فقال: لا سرف في الخير. ويدخل في قبيل الأسخياء: من يكون له دين على آخر، فيطرحه عنه، ويخلي ذمته منه، وهو يستطيع الوصول إليه بدون تعب ولا عناء. كان لعثمان ﵁ خمسون ألف درهم ديناً على طلحة بن عبيد الله، فجاءه طلحة يوماً، وقال له: قد تهيأ مالك، فاقبضْه، فقال عثمان: هو لك يا أبا محمد معونة لك على مروءتك. ويدخل في قبيل الأسخياء: من يستحق على عمل أجراً، ويترك الأجر من تلقاء نفسه، فالطبيب الذي يعالج الفقراء، ولا يقبل منهم ما يقدمونه له من أجور، يعد في الأسخياء، كمن يبذل المال للأطباء على معالجة الفقراء.

стр. 4433

ويما أن السخاء يقوم على الرحمة، وحب الحمد الصادق، وقلة الحرص على جمع المال، كان متصلاً بفضائل أخرى، فالسخي في أغلب أحواله يأخذ بالعفو، ويتحلَّى بالحلم، ويجري في معاملاته على الإنصاف، فيؤدي حقوق الناس من تلقاء نفسه، وإذا قضى بين الناس، كان عادلاً، فلا تطمح نفسه إلى رشوة، ولا تحدثه أن يأخذ حق ضعيف إلى قوي، ولتجدنَّ السخي بحق متواضعاً: لا يطيش به كبير، ولا تستخفه الخيلاء، ولتجدنه أقرب الناس إلى الشجاعة، وعزة النفس، وإنما يخسر الرجل الشجاعة والعزة بشدة حرصه على متاع الحياة الدنيا. أما البخيل، فلفراغ قلبه من الرحمة، ولعدم اهتمامه بأن يكون له في الناس ذكر جميل، ولحرصه على جمع المال حرصاً يعمي ويصم، نجده قد فقد كثيراً من المكارم، وجمع إلى الشح كثيراً من الرذائل، كما قال أحد شعراء الحماسة: فإني رأيت الشح يا أم هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سَروقُ ومن المعروف في سنن الله الحكيمة: أن السخي بحق يفوز بالحياة الطيبة، ولا تكون عاقبته إلا الرعاية من الله والكرامة. قالت خديجة ﵂ للرسول الأكرم - صلوات الله عليه -: "والله! لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". يتفاضل الناس في السخاء من وجوه شتى: يتفاضلون من جهة مقدار ما ينفق في الخير، فمن ينفق مئة أسخى ممن ينفق عشرة متى تساويا أو تقاربا فيما يملكان من المال.

стр. 4434

يفضل الرجل بمقدار ما ينفق حتى يبلغ درجة الأريحية، وهي إنفاق مال كثير في غرض شريف. اشترى عبد الله بن عامر من خالد بن عقبة داره بتسعين ألف درهم، فلما كان الليل، سمع بكاء أهل خالد، فقال لأهله: ما لهؤلاء؟ فقالوا: يبكون لدارهم، فقال: يا غلام! ائتهم، فأَعلمْهم أن المال والدار لهم جميعاً. ويتفاضلون من جهة حال الإنفاق، فالذي ينفق في السر أكملُ في السخاء ممن لا ينفق إلا في العلانية. قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]. ويتفاضلون من جهة استصغار ما ينفق واستعظامه، فالذي ينفق في الخير، وينسى أو يتناسى أنه أنفق، هو أسخى ممن ينفق، ثم لا يزال يذكر ما أنفق، ولاسيما ذكره في معرض الامتنان، قال شاعر الحماسة: فما كان مفراحاً إذا الخير مَسَّه ... ولا كان منّاناً إذا هو أنعما وقال عبد الله بن طاهر: أفرّق بين معروفي ومَنِّي ... وأجمع بين مالي والحقوق ويتفاضلون من جهة السرعة إلى البذل والتباطؤ عنه. فمن يبذل المال لذوي الحاجة لمجرد ما يشعر بحاجتهم، يفضل من لا يبذل لهم المال إلا بعد أن يسألوه. قال مروان بن أبي حفصة في معن بن زائدة: مضى من كان يحمل كلَّ ثقلٍ ... ويسبق فضلُ نائله السؤالا

стр. 4435

وقال سعيد بن العاص: قبّح الله المعروف إذا لم يكن ابتداء من غير مسألة. ومن هنا أنكروا على أبي تمام قوله يمدح بعض الأسخياء: تكاد عطاياه يجنّ جنونها ... إذا لم يُعَوِّذها بنعمة طالب وقالوا: ما بال هذا الممدوح يحوج عطاياه إلى الجنون، ويلتمس لها العوذ والرقى، وفي يده أن يمنحها ذوي الحاجات، ولا ينتظر بها نغمات السائلين؟!. ومن يقصد بالبذل موضع الحاجة، عرفه أو لم يعرفه، يكون أسخى ممن يخص بالنوال من يعرفهم ويعرفونه. سألت امرأة عبد الله بن جعفر، فأعطاها مالاً كثيراً، فلاموه، وقالوا له: إنها لا تعرفك، وإنما كانت يرضيها اليسير، فقال: إن كانت ترضى باليسير، فإني لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي. ومن يعطي عن ارتياح، وتلذذ بالعطاء يعد أسخى ممن يحسن، وفي نفسه حرج من العطاء: ولم أر كالمعروف أمّا مذاقه ... فحلوٌ وأمّا وجهه فجميلُ ومن هنا نرى الشعراء ينبهون عند المديح بالكرم على ابتهاج الممدوح وسروره عند البذل، كما قال ابن زمرك يمدح ملك غرناطة: يسخو الغمام ووجهه متجهَّمٌ ... والوجهُ منه مع الندى يتهلَّلُ ومن كان كرمه أصيلاً؛ أي: نشأ فيه منذ الولادة، يكون أكثر خيراً ممن يكون كرمه حديثاً، وقد يدل الأدباء على رسوخ الرجل في السخاء بأن

стр. 4436

يقولوا لك: إن كرمه أصيل، ورثه عن أبيه، أو جدّه؛ كما قال مادح يحيى ابن خالد: سألت الندى: هل أنت حرٌّ؟ فقال: لا ... ولكنني عبدٌ ليحيى بن خالدِ فقلت: شراء؟ قال: لا بل وراثة ... توارثني عن والدٍ بعد والدِ ومن علامات رسوخ الرجل في السخاء: أن لا يجعل بينه وبين طالبي العرف حجاباً غليظاً؛ كما قال ابن أبي السمط: له حاجب في كل أمر يشينه ... وليس له عن طالب العرف حاجبُ ومن علامات رسوخ الرجل في السخاء: أن يلاقي خدمه الزائرين والمستجدين بأدب جميل. قال محمد بن جرير الخارجي: سهل الفناء إذا حللت ببابه ... طلق اليدين مؤدّب الخدّام وكان الراسخ في السخاء من أهل البادية لا ينزل إلا بالأماكن المرتفعة؛ ليرى الناس منزله على بعد في النهار، ويبصرون ناره كذلك في ظلام الليل. قال أبو زياد الأعجم: له نار تشب على يَفاع ... إذا النيران ألبست القناعا وقال ابن هرمة: أغشى الطريق بقبتي ورواقها ... وأحل في نشز الربا فأقيم يتفاضل الناس في السخاء، وأرفع درجاته أن يكون الرجل في حاجة ملحة إلى ما عنده، ويدع حاجته، ويصرفه في وجه الخير، وذلك ما يسمى بالإيثار، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].

стр. 4437

والكتب عامرة بقصص من بلغوا هذه الرتبة في السخاء. قال أحد شعراء الحماسة: طويل نجاد السيف يصبح بطنه ... خميصاً وجاديه على الزاد حامد وأبلغ ما يدلك على أصالة كرم الرجل: أن يرق عطفه حتى يبسط يد إحسانه إلى ذي الحاجة، وإن كان من أعدائه؛ كما قال أحد شعراء الحماسة في سيرته مع ابن عشيرته: وأمنحه مالي وودي ونصرتي ... وإن كان محنيَّ الضلوع على بغضي * أثر السخاء في سيادة الأمة: تبلغ الأمة الأمد الأسمى من السيادة بحفظ دينها، وسعة معارفها، وسمو أخلاقها، وصيانة أعراضها، ونباهة ذكرها، وحياة لغتها، ومتانة اتحادها، وحماية أوطانها، وكل هذه المقاصد رفيعة الشأن إنما تتحقق بالمال الذي يبذله الأسخياء من الناس. للسخاء أثر في حفظ الدين: فالمساجد التي تقام فيها الصلوات، والمعاهد التي تدرس فيها علوم الدين ووسائلها، والجمعيات التي ترشد بمحاضراتها ومجلاتها إلى حقائق الدين، وتدعو إلى التمسك بعروته الوثقى، والمحاكم التي تقضي بشريعته، كل ذلك معدود من مآثر السخاء. وللسخاء أثر في تنمية العلوم، وذلك ما تجود به النفوس الكريمة من أموال تصرف في إنشاء مدارس للتعليم، وإرسال بعثات لتلقي العلوم من منابعها الغزيرة، أو طبع كتب قيمة، أو عقد مسابقات لتحقيق بحث علمي أو أدبي.

стр. 4438

وللسخاء أثر في نبل الأخلاق وسلامتها، من جهة أنه يحفظ الدين، وينمي العلوم، وبحفظ الدين وبنمو العلوم ترتفع الأخلاق، وتبلغ الذروة من كمالها. ثم إن السخاء ينقذ أناساً كثيراً من الفقر الذي قد ينجرف بهم إلى فساد الأخلاق وضيعة الآداب. وللسخاء أثر في صيانة الأعراض، ذلك أن الكريم يبذل المال لذي الحاجة، فيصون ماء وجهه من الابتذال بالسؤال، والسؤال يزري بالرجل، ويجعل عرضه مضغة في الأفواه. ثم إن الأسخياء يصونون أعراضهم بما يسدون به أفواه أناس لولا عطاؤهم، لأطلقوا ألسنتهم بذمهم، واختلقوا لهم معايب هم منها براء. قال أسماء بن خارجة: ما أحب أن أرد أحداً عن حاجة طلبها؛ لأنه لا يخلو أن يكون كريماً فأصون عرضه، أو لئيماً فأصون عرضي عنه: أصون عرضي بمالي لا أدنسه ... لا بارك الله بعد العرض في المال وللسخاء أثر في نباهة الذكر بعد سلامة العرض؛ فإن الفضائل -والسخاء في مقدمتها- تطلق الألسنة بالثناء، والثناء الصادق من النعم التي تقابل بالارتياح والشكر، ومن هنا نرى الأدباء يمدحون الرجل بأنه حفظ بسخائه الثناءَ من الضياع، أو أقام له سوقاً كانت خاملة، قال مهيار: لولاكم نُسي الثناء ولم يكن ... في الناس لا رفد ولا مرفود وقال أبو الشيص الخزاعي: وأقام سوقاً للثناء ولم تكن ... سوق الثناء تعد في الأسواق

стр. 4439

وللسخاء أثر في حفظ اللغة ورقيها، والسخاء قد ساعد على هذه الثروة الأدبية التي بين أيدينا؛ فإن كثيراً منها جاء من سخاء أولئك الذين يقدرون اللغة، ويهتزون للشعر البارع، أو النثر البليغ ابتهاجاً، ويلاقون اللغويين والشعراء والكتاب باحتفاء وإكرام، وأشار إلى هذا من يقول: ما لقينا من جود فضل ابن يحيى ... ترك الناس كلهم شعراء وللسخاء أثر في ائتلاف القلوب، وتأكيد رابطة الإخاء، ذلك أنه يبذر محبة المحسنين في قلوب ذوي الحاجات. ثم إن من وجوه السخاء: صرف المال في نحو ضيافة، أو هدية -ولو لغير ذي حاجة-، وهذا مما يذهب بالجفوة، ويجعل القلب من القلب قريباً: وكل امرئ يولي الجميل محببٌ ... وكل مكان يُنبت العزَّ طَيِّبُ أما أثر السخاء في حماية الوطن، فإن إعداد وسائل الدفاع، إنما يكون بالمال، وعلى قدر سخاء الأمة يكون الاستعداد، وسخاء الأمة في سبيل الدفاع يأتي على حسب شعورها بالكارثة التي تقع فيها إذا هي تركت الدفاع حتى بسط العدو عليها سلطانه. وقد أشار القرآن المجيد إلى أن الإمساك عن الإنفاق في سبيل دفع العدو، إلقاءٌ باليد إلى التهلكة، فقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. يدافع الرجل عن وطنه وقومه بالسلاح فيقول: إذا لم أكن فيكم خطيباً فإنني ... بسيفي في يوم الوغى لخطيب ويدافع بقلمه فيقول:

стр. 4440

ولي قلم في أنملي إن هززته ... فما ضرني أن لا أهز المهندا ويدافع بماله، كما قال لسان الدين بن الخطيب يمدح سلطان تلمسان: وأعنت أندلساً بكل سبيكة ... موسومة لا تعرف التدنيسا إن لم تجرَّ بها الخميس فطالما ... جهَّزت فيها بالنوال خميسا وقد أجاد في تشطير لامية ابن الوردي من قال: "أنا لا أختار تقبيل يدٍ" ... ما انتضت سيفاً ولا هزت أَسَلْ ويد شحَّتْ وما سَحَّتْ ندًى ... "قطعها أجمل من تلك القبل" سادتي! أمنيتنا أن نربي نشأنا على هذا الخلق العظيم: خلق السخاء، ونلقنهم أنه مرقاة السيادة والفلاح، كما كان فرضاً علينا أن ننذرهم سوء المنقلب الذي ينقلب إليه البخلاء والمبذرون، فإذا نحن فعلنا هذا، أخرجنا للناس أمة تسمو أن تنحدر في تلك المدنية الهازلة المرذولة، ولا يجد خصومها لقهرها أو سلب حق من حقوقها طريقاً: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].

стр. 4441

الحلم وأثره في سعادة الحياة الفردية والاجتماعية (١) ترغب النفوس في أشياء، وتنفر من أخرى، وفي النفوس طبيعة غضب تثور عند منعها مما ترغب فيه، أو عند ملاقاتها لما تنفر منه، ومن المخل بنظام حياة الأفراد والجماعات: إطلاقُ العِنان لقوة الغضب، تثور كلما منعت النفوس مما تحب، أو لقيت ما تكره، بل الحكمة أن تكون قوة الغضب خاضعة للعقل خضوعاً يجري في النفس مجرى الطبيعة، حتى لا تهيج إلا للأمر الذي ينبغي أن تهيج له، وفي الوقت الذي ينبغي أن تهيج فيه، ولا تتجاوز الحد الذي ينبغي أن تقف عنده. ومن أبلغ أن تكون قوة غضبه منقادة للعقل، جارية على مقتضى العلم، فهو الحليم بحق. وليس من شرط الحلم أن يفقد الرجل قوة الغضب بحيث يكون حاله أمام الإساءة وعدمها سواء، وإنما شرط الحلم: أن لا يطغى الغضب حتى يدفع الرجل إلى الانتقام، أو يمنعه من الصفح حيث يكون الصفح أولى به. فالحليم قد يأخذه الغضب لجهل جاهل عليه، لكنه يكظم غيظه حتى لا يكون له أثر في غير نفسه:

стр. 4442

ولربما ابتسم الكريم من الأذى ... وفؤاده من حرِّه يتأوَّهُ وقد يسلم من الغضب للأمر الذي يستشيط له الأحمق غضباً. والحلم لا يعارض الأخذ بالحزم، شأن الفضائل، يأخذ بعضها بيد بعض، وتتلاقى لتتعاون على البرّ والتقوى، فإذا كان الحل سكون النفس، وعدم تهيجها للمكروه الذي يكفي في دفعه الصفح عنه، فإن من الحزم الغضب للأذى الذي يصدر عن لؤم، ويتمادى ولو مع الإغضاء عنه، قال المتنبي: إذا قيل رفقاً قال للحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل وقال النابغة: ولا خير في حلم إذا لم تكن له ... بوادر تحمي صفوَه أن يُكدَّرا وقال الحسين بن عبد الصمد يمدح بعض الأمراء: عجبوا لحلمك أن تحوَّل سطوة ... وزلال خلقك كيف عاد مكدَّرا لا تعجبوا من رقة وقساوة ... فالنار تقدح من قضيب أخضرا وقال آخر: أناة فإن لم تغن عقَّب بعدها ... وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمُهْ والحلم لا يشتبه بالذلة في حال؛ فإن الذلة احتمال الأذى على وجه يذهب بالكرامة؛ أما الحلم، فهو إغضاء الرجل عن المكروه حيث يزيده الإغضاء في أعين الناس رفعة ومهابة: سياسة الحلم لا بطشٌ يكدِّرها ... فهو المهيب ولا تُخشى بوادره ولا يظهر معنى الحلم إلا مع القدرة على دفع الأذى باليد أو اللسان،

стр. 4443

لهذا نرى كثيراً من الشعراء متى أرادوا مدح شخص بمزية الحلم؛ نبهوا على أنه يصفح، وهو قادر على أن يجزي السيئة بمثلها، أو بما هو أكبر منها، كما قال ابن زمرك يمدح سلطان غرناطة: ويغضي عن العوراء إغضاءَ قادرٍ ... ويرجح في الحلم الجبال الرواسيا وقال ابن زيدون يمدح بعض الأمراء: أرى الدهر إن يبطشْ فمنك يمينُه ... وإن تبسم الدنيا فأنت لها ثغرُ عطاء ولا مَنٌّ، وحكم ولا هوًى ... وحلم ولا عجز، وعزٌّ ولا كِبْرُ ونراهم متى أرادوا الفخر بالحلم، أشاروا إلى قدرتهم على مقابلة السوء بمثله؛ كما قال عمر بن قيس: وذي ضغنٍ كففت النفسَ عنه ... وكنت على مساءته قديرا ولو أني أشاء كسرتُ منه ... مكاناً لا يُطيق له جبورا وكل الأخلاق في حاجة إلى أن تتعهد بالتربية والتهذيب، وأشدها حاجة إلى ذلك التعهُّد: الحلم، ولم نسمع أحداً قال: ترددنا على فلان لنأخذ عنه الشجاعة أو الكرم -مثلاً-، ولكن الأحنف بن قيس يقول: لقد اختلفنا إلى قيس بن عاصم في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه. وكثيراً ما يشكو الأدباء من قلة الحلم في الناس، قال بعضهم: من لي بإنسان إذا أغضبته ... وجهلتُ كان الحلم ردَّ جوابه وقال أبو العتاهية: عذيري من الإنسان ما إن جفوته ... صفا لي ولا إن صرت طوع يديه

стр. 4444

وإني لمشتاق إلى ظلَّ صاحب ... يرقُّ ويصفو إن كدرت عليه ويروى: أن الخليفة المأمون لما سمع هذين البيتين، قال: خذوا مني الخلافة، وأعطوني هذا الصاحب. ومكارم الأخلاق كلها خير، وكل مكرمة ترفع صاحبها في الشرف درجة أو درجات، ومن أعظمها أثراً في سعادة حياة الأفراد والجماعات: خلق الحلم، ويكفي الحلم شرفاً أن اسمه أخذ من بين أسماء الفضائل، وسمي به العقل، ومن الحكم الذائعة في كتب الأدب قولهم: ما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم، ومن عفو إلى مقدرة. يقطع الحلم شراً لو قوبل بمثله، لتمادى، أو عظم خطره. قال أيوب: حلم ساعة يرفع شراً كبيراً. وقال الأحنف: من لم يصبر على كلمة، سمع كلمات، وربَّ غيظ تجرَّعته مخافة ما هو شر منه. وقد يضع الحلم مكان الضغينة مودة، ذلك أن الفضيلة محبوبة في نفسها، وتدعو إلى إجلال من يتمسك بها؛ وقد نبه القرآن المجيد لهذه الحكمة بقوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]. وبالحلم يحفظ الرجل على نفسه عزتها، إذ يرفعها عن مجاراة الطائفة التي تلذ المهاترة والإقذاع. كان عروة بن الزبير إذا أسرع إليه أحد بشتم أو قول سوء، لم يجبه، وقال: إني أتركك رفعاً لنفسي عنك.

стр. 4445

ونرى الناس في جانب الحليم متى كان خصمه أو مناظره ينحدر في جهالة، ولا يندى جبينه أن يقول سوءاً. قال علي بن أبي طالب: "حلمك على السفيه يكثر أنصارك عليه". ومن فضل الحلم أن الرياسة صغيرة كانت أو كبيرة؛ لا ينتظم أمرها إلا أن يكون الرئيس راسخاً في خلق الحلم. قال معاوية لعَرابة بن أوس: بم سُدت قومك يا عرابة؟ قال: "يا أمير المؤمنين! كنت أحلم على جاهلهم، وأعطي سائلهم، وأسعى في قضاء حوائجهم"؛ وذلك أن الناس يكرهون جافي الطبع، ولا يجتمعون حول من يأخذه الغضب لأدنى هفوة، إلا أن يساقوا إليه سوقاً، فمن قل نصيبه من الحلم، قل أنصاره، وذهبت من قلوب الناس مودته، والرئيس بحق من يملك القلوب قبل أن يبسط سلطانه على الرقاب. ثم إن أعزَّ غاية تعمل لها الجماعات: التمتع بنعمة الحرية، ولا تظفر الجماعات بهذه البغية إلا أن يكون الماسك بزمام سياستها على جانب عظيم من الحلم؛ فإن الحليم هو الذي يقدم الناس على نقد تصرفاته، ويصرحون له بآرائهم فيما لا يرضون عنه من أعماله. أغلظَ رجل إلى معاوية بن أبي سفيان القول، فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن هذا؟ فقال: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. ويعجبني من الشعر المعبر عن الحلم البالغ أبياتُ محمد بن عميرة المعروف بالمقنَّع الكِندي التي يقول فيها: وإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمِّي لمختلفٌ جِدّا

стр. 4446

فإن أكلوا لحمي وَفَرت لحومَهم ... وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا حتى قال: ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ونرى الرؤساء الأذكياء يقصدون إلى الوسائل التي قد تثير غضبهم على طائفة من الأمة، فيقطعونها. لما انتهت فتنة ابن المعتز، وعاد المقتدر إلى الخلافة، واستوزر علي ابن الفرات، حُمل إلى هذا الوزير من دار ابن المعتز صندوقان عظيمان فيهما جرائد بأسماء من بايعوا ابن المعتز، فلم يفتحهما الوزير، ورمى بهما في النار، وقال: لو فتحتهما، وقرأت ما فيهما، فسدت نيات الناس علينا. فسدَّ ابنُ الفرات بهذه السياسة باب الغضب على أشخاص قد يدفع الغضب عليهم إلى فتنة لا يدري كيف تكون عاقبتها. وإذا وجد الناس في التغلب على الغضب عسراً، فإن لدى الرؤساء أولي القوة ما يجعلهم أقرب إلى الحلم من غيرهم، وهو القدرة على الانتقام من المسيء متى شاؤوا. قال ابن المقفع: لا ينبغي للملك أن يغضب، فإن القدرة من وراء حاجته. والشعور بالقدرة على مجازاة المسيء إن لم يؤد إلى الصفح عنه، فإنه يساعد في الأقل على التمهل في العقوية؛ فكان اندفاع الرجل إلى العقوية عند ثورة الغضب قد يلقي به في العقاب على السيئة بأعظم منها. قال مروان بن الحكم في وصيته لابنه عبد العزيز عندما ولاه عاملاً على مصر: "إن كان بك غضب على أحد من رعيتك، فلا تؤاخذه به عند سَوْرة الغضب، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت

стр. 4447

ساكن الغضب، مطفأ الجمرة". وأعظم فوائد الحلم: الفوز برضا الخالق -جل شأنه-؛ فإنه قد دعا إليه في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وكثير من المؤمنين يؤذَوْن، فيضبطون أنفسهم عند الغضب ابتغاء رضا الخالق تعالى اسمه. شتم رجل عمر بن ذر، فقال له: إني أَمَتُّ مشاتمة الرجال صغيراً، فلن أُحييها كبيراً، وإني لا أكافئ من عصى الله فيَّ بأكثر من أن أطيع الله فيه. وصفوة الحديث: أن الحلم يحتاج إليه عميد الأسرة في منزله، والتاجر في محل تجارته، والعالم في مجلس دراسته، والقاضي في مقطع أحكامه، والرئيس الأعلى في سياسة رعيته، بل يحتاج إليه كل إنسان مادام الإنسان مدنياً بالطبع، لا يمكنه أن يعتزل الناس جملة، ويعيش في وحدة مطلقة.

стр. 4448

حالة الأمة في هذا العصر (١) قام النبي ﷺ بدعوة الحق، واحتمل في سبيلها أذى كثيراً، وشر الله له أسباب الهجرة، فهاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وبهذه الهجرة المباركة أخذت الدعوة حريتها كاملة، وأخذ الدين الحق ينتقل على طريق الحجة من وطن إلى وطن، ومن جماعة إلى جماعة، حتى أخرج خير أمة أخرجت للناس. وسيحدثكم عن الهجرة وشيء من آثارها حضرات الخطباء والشعراء من بعدي، أما كلمتي، فإنما أتحدث فيها عن حالة الأمة الإسلامية في هذا العصر من ناحية تمسكها بهدى الله الذي رفعت الهجرة لواءه، أو انصرافها عنه، حتى لا يكون حديثنا في هذا الاحتفال مقصوراً على ما أثمرته الهجرة من ظهور الإسلام وعزة المسلمين، أو على ما يؤخذ منها من عبر ينتفع بها في الأخلاق والسير في الحياة، بل ينبغي أن ندخل في هذه الذكرى ما يثير الأسف، ويهز العزائم، ويدفع النفوس إلى أن تجاهد في سبيل إعلاء الحق بكل ما أوتيت من قوة، فإذا ابتهجنا في ذكرى الهجرة بانتشار الإسلام على وجهه الصحيح، وفوزه على بقية الأديان من نحو اليهودية والنصرانية والمجوسية، كان علينا أن نفكر في حاضرنا، وكيف نعمل لمستقبلنا، فأقول:

стр. 4449

أخرجت هداية الإسلام أمة هي خير الأمم في كل ناحية من نواحي الكمال الإنساني؛ إيماناً صادقاً، وخلقاً سمحاً، وأدباً سنياً، وعملاً صالحاً، ورفع راية دولة هي أرشد الدول سياسة، وأعدلها حكماً، وأنفذها بصيرة، وأحكمها نظاماً. يشهد بهذا التاريخُ الصادق لعهد الخلفاء الراشدين، ومن اقتدى بسيرتهم من الأمراء، فكنت ترى أمة تتمتع بحياة آمنة زاهرة، على رأسها دولة كبيرة الهمة، فسيحة الصدر، تطلق عنان الحرية للناصحين، وتخفض جناحها للمستضعفين، فتأخذ بالتسامح في معاملة المخالفين، وتعتصم باليقظة والحزم في كبح جماح الباغين. وإذا أرانا التاريخ أو المشاهدة ضعفاً أو انحطاطاً في أمة أو دولة إسلامية، فإنما نجده في النواحي التي انحرفت فيها عن معالم الدين الحق، ويكون ضعفها أو انحطاطها على قدر انحرافها عن هذه المعالم. ينحرف الناس عن هدى الله لأهواء طاغية، أو لقلة العلم بما أرشدت إليه الشريعة، أو حذرت منه، وهاتان العلتان انتشرتا في الأمة، فشربتا دمها، وأذابتا لحمها، وأوهنتا عظامها، حتى كاد اليأس يحوم بنفوس حكمائها ودعاة إصلاحها. نشأ في أوطاننا فريق عرفوا جانباً من هداية الله، ولكن لبستهم الشهوات، فذهبت بهم في الخلاعة والبطالة إلى مكان بعيد. ونشأ في أوطاننا فريق يحملون أذهاناً راكدة تروج فيها المزاعم السخيفة، والأساطير المنبوذة، فيحسبونها علماً نافعاً، ويطرحونها في المجالس، ولا يشعرون بسخافتها وخروجها عن دائرة التفكير الصحيح.

стр. 4450

ونشأ في أوطاننا فريق رزقوا أذهاناً تتقلب يميناً وشمالاً، ولكنها أذهان قد تحسب الشبهة حجة، والخيال حقيقة، فأنكروا جانباً من أصول الشريعة ونصائحها، وأخذوا يتأولون نصوصها، ويرتكبون في تأويلها طرقاً تأباها بلاغة القرآن وحكمة التشريع، ولا فرق بين هؤلاء وبين الملحدين علانية إلا هذا التأويل الذي هو كالقناع الشفاف لا يحجب ما وراءه. ونشأ في أوطاننا فريق نظروا إلى ما برع فيه الغربيون من علوم ومبتكرات، أو نظروا إلى أنهم المسيطرون على كثير من الشعوب الشرقية، فأكبروهم، وبالغوا في إكبارهم حتى خيل إليهم أنهم لا يقولون إلا صواباً، ولا يعملون إلا حسناً، ولم يتريثوا أن أصبحوا يحاكونهم في كثير من عاداتهم، وإن نهى عنها الدين الحنيف، ويقلدونهم في آرائهم، وإن كانت عارية من كل دليل، أو ما يشبه الدليل. ونشأ في أوطاننا فريق لم يدرسوا علوم الشريعة، أو لم يدرسوها بحق، ولكنهم درسوا علوماً دراسة كافية وعالية، وخُيِّل إليهم أن بلوغهم درجة الأساتذة في تلك العلوم يخولهم أن يخوضوا في مسائل الدين، ويظهروا بآراء لا يرجعون فيها إلى استدلال معقول، وإنما هي آراء تخرج من بين شهوات كامنة، أو أذواق غير صافية. ولا ننسى أن نذكر في سياق هذه الدعايات دعاية غزيرة المدد، كثيرة الأعوان، هي الدعاية التي يسمونها: "التبشير"، وهذه الدعاية -وإن عجزت عن تحويل أبناء المسلمين إلى دين النصرانية- قد وصلت إلى شيء من أغراضها، وهو زلزلة عقائد بعضهم، وإيقاعهم في إلحاد. نذكر هذه الفرق كنموذج لمظاهر الفساد الذي طرأ على حالتنا الاجتماعية
следующие страницы →