← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

فإن أكلوا لحمي وَفَرت لحومَهم ... وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا حتى قال: ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا ونرى الرؤساء الأذكياء يقصدون إلى الوسائل التي قد تثير غضبهم على طائفة من الأمة، فيقطعونها. لما انتهت فتنة ابن المعتز، وعاد المقتدر إلى الخلافة، واستوزر علي ابن الفرات، حُمل إلى هذا الوزير من دار ابن المعتز صندوقان عظيمان فيهما جرائد بأسماء من بايعوا ابن المعتز، فلم يفتحهما الوزير، ورمى بهما في النار، وقال: لو فتحتهما، وقرأت ما فيهما، فسدت نيات الناس علينا. فسدَّ ابنُ الفرات بهذه السياسة باب الغضب على أشخاص قد يدفع الغضب عليهم إلى فتنة لا يدري كيف تكون عاقبتها. وإذا وجد الناس في التغلب على الغضب عسراً، فإن لدى الرؤساء أولي القوة ما يجعلهم أقرب إلى الحلم من غيرهم، وهو القدرة على الانتقام من المسيء متى شاؤوا. قال ابن المقفع: لا ينبغي للملك أن يغضب، فإن القدرة من وراء حاجته. والشعور بالقدرة على مجازاة المسيء إن لم يؤد إلى الصفح عنه، فإنه يساعد في الأقل على التمهل في العقوية؛ فكان اندفاع الرجل إلى العقوية عند ثورة الغضب قد يلقي به في العقاب على السيئة بأعظم منها. قال مروان بن الحكم في وصيته لابنه عبد العزيز عندما ولاه عاملاً على مصر: "إن كان بك غضب على أحد من رعيتك، فلا تؤاخذه به عند سَوْرة الغضب، واحبس عقوبتك حتى يسكن غضبك، ثم يكون منك ما يكون وأنت

стр. 4447

ساكن الغضب، مطفأ الجمرة". وأعظم فوائد الحلم: الفوز برضا الخالق -جل شأنه-؛ فإنه قد دعا إليه في آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. وكثير من المؤمنين يؤذَوْن، فيضبطون أنفسهم عند الغضب ابتغاء رضا الخالق تعالى اسمه. شتم رجل عمر بن ذر، فقال له: إني أَمَتُّ مشاتمة الرجال صغيراً، فلن أُحييها كبيراً، وإني لا أكافئ من عصى الله فيَّ بأكثر من أن أطيع الله فيه. وصفوة الحديث: أن الحلم يحتاج إليه عميد الأسرة في منزله، والتاجر في محل تجارته، والعالم في مجلس دراسته، والقاضي في مقطع أحكامه، والرئيس الأعلى في سياسة رعيته، بل يحتاج إليه كل إنسان مادام الإنسان مدنياً بالطبع، لا يمكنه أن يعتزل الناس جملة، ويعيش في وحدة مطلقة.

стр. 4448

حالة الأمة في هذا العصر (١) قام النبي ﷺ بدعوة الحق، واحتمل في سبيلها أذى كثيراً، وشر الله له أسباب الهجرة، فهاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وبهذه الهجرة المباركة أخذت الدعوة حريتها كاملة، وأخذ الدين الحق ينتقل على طريق الحجة من وطن إلى وطن، ومن جماعة إلى جماعة، حتى أخرج خير أمة أخرجت للناس. وسيحدثكم عن الهجرة وشيء من آثارها حضرات الخطباء والشعراء من بعدي، أما كلمتي، فإنما أتحدث فيها عن حالة الأمة الإسلامية في هذا العصر من ناحية تمسكها بهدى الله الذي رفعت الهجرة لواءه، أو انصرافها عنه، حتى لا يكون حديثنا في هذا الاحتفال مقصوراً على ما أثمرته الهجرة من ظهور الإسلام وعزة المسلمين، أو على ما يؤخذ منها من عبر ينتفع بها في الأخلاق والسير في الحياة، بل ينبغي أن ندخل في هذه الذكرى ما يثير الأسف، ويهز العزائم، ويدفع النفوس إلى أن تجاهد في سبيل إعلاء الحق بكل ما أوتيت من قوة، فإذا ابتهجنا في ذكرى الهجرة بانتشار الإسلام على وجهه الصحيح، وفوزه على بقية الأديان من نحو اليهودية والنصرانية والمجوسية، كان علينا أن نفكر في حاضرنا، وكيف نعمل لمستقبلنا، فأقول:

стр. 4449

أخرجت هداية الإسلام أمة هي خير الأمم في كل ناحية من نواحي الكمال الإنساني؛ إيماناً صادقاً، وخلقاً سمحاً، وأدباً سنياً، وعملاً صالحاً، ورفع راية دولة هي أرشد الدول سياسة، وأعدلها حكماً، وأنفذها بصيرة، وأحكمها نظاماً. يشهد بهذا التاريخُ الصادق لعهد الخلفاء الراشدين، ومن اقتدى بسيرتهم من الأمراء، فكنت ترى أمة تتمتع بحياة آمنة زاهرة، على رأسها دولة كبيرة الهمة، فسيحة الصدر، تطلق عنان الحرية للناصحين، وتخفض جناحها للمستضعفين، فتأخذ بالتسامح في معاملة المخالفين، وتعتصم باليقظة والحزم في كبح جماح الباغين. وإذا أرانا التاريخ أو المشاهدة ضعفاً أو انحطاطاً في أمة أو دولة إسلامية، فإنما نجده في النواحي التي انحرفت فيها عن معالم الدين الحق، ويكون ضعفها أو انحطاطها على قدر انحرافها عن هذه المعالم. ينحرف الناس عن هدى الله لأهواء طاغية، أو لقلة العلم بما أرشدت إليه الشريعة، أو حذرت منه، وهاتان العلتان انتشرتا في الأمة، فشربتا دمها، وأذابتا لحمها، وأوهنتا عظامها، حتى كاد اليأس يحوم بنفوس حكمائها ودعاة إصلاحها. نشأ في أوطاننا فريق عرفوا جانباً من هداية الله، ولكن لبستهم الشهوات، فذهبت بهم في الخلاعة والبطالة إلى مكان بعيد. ونشأ في أوطاننا فريق يحملون أذهاناً راكدة تروج فيها المزاعم السخيفة، والأساطير المنبوذة، فيحسبونها علماً نافعاً، ويطرحونها في المجالس، ولا يشعرون بسخافتها وخروجها عن دائرة التفكير الصحيح.

стр. 4450

ونشأ في أوطاننا فريق رزقوا أذهاناً تتقلب يميناً وشمالاً، ولكنها أذهان قد تحسب الشبهة حجة، والخيال حقيقة، فأنكروا جانباً من أصول الشريعة ونصائحها، وأخذوا يتأولون نصوصها، ويرتكبون في تأويلها طرقاً تأباها بلاغة القرآن وحكمة التشريع، ولا فرق بين هؤلاء وبين الملحدين علانية إلا هذا التأويل الذي هو كالقناع الشفاف لا يحجب ما وراءه. ونشأ في أوطاننا فريق نظروا إلى ما برع فيه الغربيون من علوم ومبتكرات، أو نظروا إلى أنهم المسيطرون على كثير من الشعوب الشرقية، فأكبروهم، وبالغوا في إكبارهم حتى خيل إليهم أنهم لا يقولون إلا صواباً، ولا يعملون إلا حسناً، ولم يتريثوا أن أصبحوا يحاكونهم في كثير من عاداتهم، وإن نهى عنها الدين الحنيف، ويقلدونهم في آرائهم، وإن كانت عارية من كل دليل، أو ما يشبه الدليل. ونشأ في أوطاننا فريق لم يدرسوا علوم الشريعة، أو لم يدرسوها بحق، ولكنهم درسوا علوماً دراسة كافية وعالية، وخُيِّل إليهم أن بلوغهم درجة الأساتذة في تلك العلوم يخولهم أن يخوضوا في مسائل الدين، ويظهروا بآراء لا يرجعون فيها إلى استدلال معقول، وإنما هي آراء تخرج من بين شهوات كامنة، أو أذواق غير صافية. ولا ننسى أن نذكر في سياق هذه الدعايات دعاية غزيرة المدد، كثيرة الأعوان، هي الدعاية التي يسمونها: "التبشير"، وهذه الدعاية -وإن عجزت عن تحويل أبناء المسلمين إلى دين النصرانية- قد وصلت إلى شيء من أغراضها، وهو زلزلة عقائد بعضهم، وإيقاعهم في إلحاد. نذكر هذه الفرق كنموذج لمظاهر الفساد الذي طرأ على حالتنا الاجتماعية

стр. 4451

الإسلامية، وأقول في أسف: إن كلاً منها يدعو إلى نزعته، ويستهوي النشء بزخرف القول ونحوه من وسائل التغرير، فسرت تلك الدعايات في الأمة سريان الأوبئة الجارفة، ولم يقم التعليم بالمدارس ولا بالمعاهد الدينية بما يدفع شرها، فبلغت الحالة إلى ما نراه اليوم بأعيننا، ونسمعه بآذاننا، والأسف يمزق أكبادنا. يوجد هذا الشر في مقالات تنشر في الصحف، ومحاضرات تلقى في النوادي، ووسائل تصدر في أسفار منمقة، وشُبه لا تتورع عن أن تظهر على كراسي التعليم، ومحاورات في المجالس، وليس لهذه المعاول غرض إلا تقويض صرح الهداية، وصرف النفوس عن طريق إصلاحها. يجري هذا بين بيوتنا ونحن في غفلة عنه، وإذا شعرنا، لم يكن لشعورنا به من أثر سوى التحدث به، وتبادل عبارات الأسف لكارثته. وليست هذه الأمراض الفكرية أو الخلقية خاصة بشعب إسلامي دون بعض، بل أصابت الشعوب الإسلامية في الشرق والغرب، والشمال والجنوب. تلكم علل التطور المحزن، وطالما قلَّبنا النظر لعلنا نظفر بعلاج يستأصلها، أو يقف بها -في الأقل- عند حد، فلا نرى إلا مساعي أفراد وجماعات صغيرة لا تزيد على خطب تلقى، أو مقالات تحرر، وكنا نود لو أن رجال الدولة يعنون بالنظر إلى مكافحة هذا الخطر نظراً عميقاً متواصلاً، نصحاً لله ولرسوله وللمؤمنين، وتحقيقاً للمادة من الدستور التي تنص على أن دين الدولة الرسمي هو الإسلام. ولا ننكر أن قسماً كبيراً من تبعة هذا التطور ملقى على أعناق علماء الدين، ولكنه تطور استغلظ، وضرب بعروقه في أرضنا، فلا يمكن اقتلاعه منها إلا

стр. 4452

بعزيمة نافذة، وجهاد متواصل، ونفقات غير قليلة، وذلك ما لا يتم إلا تحت إشراف دولة مقتنعة بأن الإسلام حق، وأن كل سياسة لا تقوم على رعاية شريعته السمحة، والاستقاء من مواردها الصافية، سياسة لا تأتي بخير، ولا تستحق أن تقابل بالحمد. ولا نريد من هذا بخسَ حق الجماعات والعظماء من رجال الإصلاح، وتثبيط عزائمهم عن معالجة هذه الأمراض الشائعة، بل نريد لفت أنظار رجال الدول الإسلامية؛ لعلهم يبسطون أيديهم إلى الإصلاح بحق، ونضع أمام دعاة الإصلاح غاية ليس إدراكها بمتعذر، ولكنها تستدعي مجهوداً كبيراً، ووقتا غير قصير، هي: أن يعملوا على أن تكون الثقافة الإسلامية الصحيحة هي السائدة في الأمة، وبهذا تكون الأمة بمن فيها من رجال الدولة سائرة في سياستها وسائر شؤونها الاجتماعية على ما يلائم هذه الثقافة التي هي مطلع كل عزة وسعادة.

стр. 4453

اليد العليا خير من اليد السفلى (١) في الناس غني وفقير، وسعادة الأمم في حياتها الاجتماعية على قدر ما تتوفق له من مطاردة الفقر، وتخفيف ويلاته، والفقراء منهم العاجز عن الكسب، ومنهم القادر عليه، فلنتحدث عن فقر القادرين، ووجه معالجته، ثم نتحدث عن فقر العاجزين ووجه معالجته، فإذا نحن عالجنا الفقر من ناحيتيه، تهيأ لنا أن نسابق الأمم المصممة إذا عزمت، والصادقة إذا قالت، والمجدَّة إذا نهضت. سبب فقر القادر على الكسب سقوط همته وفتور عزيمته؛ فإن الرجل إنما يترك السعي للرزق حيث تنحط همته، وتزيِّن له التعرض لإحسان الموسرين، ومتى انحطت همته، ألف الراحة، وأنس البطالة، وهان عليه أن يتخذ من استجداء الناس حرفة. وقد عالج الشارع الحكيم سقوط الهمة، وفتورَ العزيمة في كل ناحية من نواحي الحياة. دعا إلى ابتغاء العزة، فقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].

стр. 4454

ودعا إلى الجد في العمل، فقال ﵊؛ "اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لما خلق له". ثم ألقى الشارع نظرة خاصة إلى رفع الهمة، وتقوية العزيمة من جهة كسب الرزق، فأمر بالتعفف عن السؤال؛ لما في السؤال من إراقة ماء الوجه، والظهور بمظهر الذلة والمسكنة، وحث على الجد في سبيل القوت؛ لأن العمل يخرج الرجل من بيئة الكسل، ويجعله في غنى عما في أيدي الناس، فيصبح في جسم الأمة عضواً سليماً، والغني بعمله يمكنه أن يقف بجانب من شاء موقف النظير للنظير. عني الإسلام بترغيب النفوس في العمل، وتنفيرها من الطمع، فقبَّح السؤال، وفضَّل عليه بعض الأعمال التي يزدريها الناس، فقال ﵇: "والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خير له من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله، أعطاه أو منعه". وأنذر الذين اعتادوا التكفف سوء العاقبة، ولقاء الخزي يوم البعث، فقال ﵊: "مازال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم"، وتجرد الوجه من اللحم كناية عن الهوان، والمعنى: أنه يجيء يوم القيامة ولا قيمة له، ولا جاه. ونبه لرفعة منزلة المحسنين، وانحطاط منزلة المتلقين للإحسان؛ ليرغب في الإحسان إلى العاجزين، وينفر القادرين على الكسب من البطالة، والتعويل على ما يجود به المحسنون. خطب رسول الله ﷺ خطبة ذكر فيها الصدقة، والتعفف عن المسألة، وقال وهو على المنبر: "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا هي

стр. 4455

المنفقة، والسفلى هي السائلة". ولكون السعي في تحصيل الرزق يحفظ على الرجل دينه وعرضه، ويجعل حياته في طمأنينة وانتظام، تضافر الحكماء في مواعظهم وأشعارهم على الترغيب فيه، والتنفير من البطالة التي هي مدرجة الاحتياج، ثم الاستجداء. مر عمر بن الخطاب على زيد بن مسلمة وهو يغرس في أرضه، فقال له عمر: أصبت، استغن عن الناس، يكن أصون لدينك، وأكرم لك عليهم. وحث علي بن أبي طالب على التجارة، وقال: إنها ثلث الإمارة. وفضل عمر بن الخطاب الكسب بحرفة فيها شيء من الدناءة على السؤال، فقال: مكسبة فيها بعض الدناءة خيرٌ من مسألة الناس. وفضل مالك بن أنس كسبَ الرجل من طريق فيه شبهة على الاحتياج إلى ما في يد غيره، فقال: طلب الرزق في شبهة أحسنُ من الحاجة إلى الناس. البطالة تلبس الرجل ثوب حقارة، والعمل يكسوه كرامة. كان عمر بن الخطاب إذا رأى فتى، فأعجبه حاله، سأل عنه: هل له حرفة؟ فإن قيل: لا، سقط في عينه. وشريف الهمة: من أنس في نفسه القدرة على كسب الرزق من طريق العمل بيده، فنهض، ولو وجد شخصاً تطوع له بأن ينفق عليه من ماله الخاص. كان النبي ﷺ آخى بين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع الأنصاري، في صدر الهجرة، فعرض سعد على عبد الرحمن أن يناصفه ماله، فقال له عبد الرحمن: بارك الله لك في مالك، دلني على السوق، فأتى السوق، وتعاطى التجارة حتى أصبح من أغنياء الصحابة.

стр. 4456

ورحل أبو الوليد الباجي من الأندلس في طلب العلم حتى دخل بغداد في حالة بؤس، وكان في إمكانه أن يستدرَّ أيدي المحسنين غيرَ مبال بمواقف الهوان؛ كما يفعل كثير من الفقراء، ولكن الهمة التي دفعته إلى طلب العلم أبت له هذه المهانة، واختار أن يتعاطى عملاً، ولو لم يكن مناسباً لمقامه العلمي، فأجر نفسه لحراسة درب بغداد في الليل؛ ليستعين بأجرته على طلب العلم بالنهار. وأراد عمر بن الخطاب لأهل العلم عزة وكرامة، فوعظهم بأن تكون لهم أعمال تغنيهم عن انتظار ما تجود به عليهم أيدي الأفراد والجماعات، فقال: يا معشر القراء! ارفعوا رؤوسكم، واستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين. ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظَّموه في النفوس لعُظِّما تجعل البطالة الرجل كلّاً على الناس، فيتنكرون له، ولو كانوا ذوي قرباه. إذا المرء لم يكسب معاشاً لنفسه ... شكا الفقر أو لاقى الصديق فأكثرا وصار على الأدنين كلّاً ... وأوشكت صلات ذوي القربى له أن تنكَّرا وإذا ارتبنا في أن البطالة تقطع صلة الرجل بذوي قرباه، فلا نرتاب في أن الرجل إذا أظهر حاجته إلى رفاقه، أخذت الصلة بينه وبينهم لوناً آخر، وربما نفضوا أيديهم من رفقته، قال أبو العتاهية: أنت ما استغنيت عن ... صاحبك الدهر أخوه فإذا احتجت إليه ... ساعةً مَجَّكَ فوه

стр. 4457

وكان يحيى السرقسطي من أدباء الأندلس جزَّاراً، ثم اشتغل بالأدب، وترك الجِزارة، وعاد بعدُ إلى الجزارة، فأمر الوزير ابن هود أبا الفضل أن يكتب إليه يوبخه على ذلك، فكتب إليه: تركت الشعر من عدم الإصابة ... وملت إلى التجارة والقصابة فأجابه السرقسطي بأبيات، ومما قال خطاباً للوزير: وحقِّك ما تركت الشعر حتى ... رأيت البخل قد أوصى صِحابه وحتى زرت مشتاقاً خليلاً ... فأبدى لي التحيل والكآبه وظن زيارتي لطِلاب شيء ... فنافرني وغَلَّظ لي حِجابه وإذا كان الشاعر الذي يزين المجلس بلطائف آدابه؛ كالسرقسطي، يلاقي من إخوانه متى رأوه في بطالة مللاً وإغضاء، فكيف يكون حال من لم يكن له في الأدب غدوة ولا روحة؟!. وإذا قيل: إن في السؤال مهانة، فإنما هو في طلب الشخص مالاً ينفقه في حاجته الخاصة، أما من يسأل الناس شيئاً من المال لينفقه في وجه من وجوه الخير، كإغاثة منكوب أو مسكين أو يتيم، أو إقامة مسجد، أو بناء حصن أو مستشفى، فإنه إنما يعمل صالحاً، ويدعو إلى معروف، وله في رسول الله أسوة حسنة؛ إذ صلى في يوم عيد، ثم جاء إلى النساء ومعه بلال ناشراً ثوبه، فوعظهن، وأمرهن أن يتصدقن، فجعلت المرأة تلقي قرطها. يخلد بعض الشبان وغير الشبان إلى البطالة على أمنية أن يتزوج بامرأة ذات ثروة، والمروءة تأبى للرجل -متى كان منفوض الكيس، أو قليل ما فيه- أن يجعل همَّه البحث عن امرأة موسرة؛ ليعيش بما تجود به عليه من مالها، ومن يرضى لنفسه هذا، فقد رضي أن تكون يده السفلى، ويد زوجته هي العليا.

стр. 4458

في الموسرات مهذبات يتزوجن بمن يكافئهن في يسارهن، ويستطيع أن ينفق عليهن بالمعروف، فيصلح لهن، ويصلحن له، أما الفقير الذي لا يجد ما ينفقه ليتزوج بذات عمارات أو مزارع، فالشأن أن لا تكون صلة المعاشرة بينهما في صفاء، إلا أن يتنازل عن جانب كبير من إرادته أو رجولته. والتوكل على الله خصلةٌ من خصال التقوى، وهو اعتماد القلب على الله وحده مع تعاطي الأسباب، وانظروا كيف أمر الله نبيه ﷺ بالتوكل عند العزم على القتال، فقال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ومن قبض يده عن تعاطي أسباب المعيشة بدعوى أنه من أصحاب التوكل، فقد ذهب في فهم التوكل مذهباً غير المذهب الذي جعله الله من خصال الإيمان وتقوى القلوب. روي أن عمر بن الخطاب لقي ناساً من اليمين، فقال: ما أنتم؟ قالوا: متوكلون، فقال: ما أنتم متوكلون، إنما المتوكل: رجل ألقى حَبَّة في الأرض، وتوكل على الله. والزهد أثر من آثار طهارة النفس؛ إذ هو نقاء النفس من حب المال، ونعيمِ الحياة حباً يدفع صاحبه إلى كسب المال، ولو من طرق غير مشروعة، ومن أعرض عن تعاطي أسباب الرزق بزعم أنه ارتقى إلى مقامات الزاهدين، فقد خادعته نفسه، أو سولت له أن يخادع غيره، وإنما الزهد: التعففُ عما في أيدي الناس، والتماسُ الرزق من طريق الحلال، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ القدوة في الزهد، وما من أحد منهم إلا كان له عمل يرتزق منه.

стр. 4459

نعظ الفقير القادر على الكسب، وننكر عليه إخلاده إلى البطالة، وليس معنى هذا أن يصرف النظر عنه، ويحرم من الإعانة في كل حال، بل له حق في أن يعجل له بإسعاف وقتي؛ كأن يسعى له في عمل يستدر به قوته، أو يقرضه من يثق بذمته، أو يمنحه من يهمه أمره مالاً على أن يستعمله في نحو تجارة أو صناعة، ويتخلص به من معرة البطالة. أما الفقير العاجز عن الكسب، فمعالجة حالته من ناحية الفقير نفسه أولاً، ومن ناحية ذوي الإحسان ثانياً. معالجتها من ناحية الفقير: باحتفاظه على آداب هي: أن يقنع بما يصله من المحسنين متى سد حاجته، ولا يتطوح به الطمع إلى أن يجعل من احتياجه مورداً لرزق واسع، ومن هذه الآداب: أن يتورع بالصبر ما استطاع، ولا يبادر إلى السؤال يلوكه بين يدي كل من يلاقيه. قال ﵊: "ليس المسكين هذا الطواف الذي يطوف على الناس، فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان"، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن الناس له، فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس". وقال تعالى في فقراء متعففين: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]. إن الكريم ليخفي عنك عسرته ... حتى تراه غنياً وهو مجهود ومن المحتاجين من يسلكون في إظهار احتياجهم طريقة التعريض؛ لأنه أبقى لماء الحياء في وجوههم، وربما كان التعريض أدعى لعاطفة

стр. 4460

السخاء من التصريح والإلحاح. وقفت إمرأة على باب قيس بن سعيد، وقالت له: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي، فقال: ما أحسنَ ما وَرَّت عن حاجتها، املؤوا بيتها خبزاً وسمناً ولحماً. وأما معالجة حالة الفقير العاجز عن الكسب من ناحية الموسرين، فباحتفاظ هؤلاء بآداب هي التي تجعل أيديهم العليا خيراً من الأيدي التي تناولت منهم العطاء. ومن هذه الآداب: أن يبادروا إلى إغاثة الفقير ساعة يشعرون بحاجته، ولا يدعونه إلى أن يتجرع غصة السؤال بتصريح أو تعريض. زار رجل من أشراف أهل المدينة عمرو بن سعيد بن العاص، فإذا كمُّ قميص هذا الرجل قد ظهر من تحت جبته وبه خروق، فلما انصرف، أرسل إليه عمرو بن سعيد بضعة آلاف من الدراهم، وعشرات من الثياب، فأثنى الرجل على عمرو بأبيات يقول فيها: رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلَّتِ والمحسن بحق يجتهد في أن يواصل المحتاجين وهو يخفي نفسه؛ حتى لا يعلموا من أين جاءتهم الصلة. "كان أناس من المدينة يعيشون، ولا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات زين العابدين علي بن الحسين ﵁، فقدوا ما كانوا يؤتون به من الليل، فعلموا أنه هو الذي كان يواصلهم بذلك الإحسان". والمحسن بحق يبذل المعونة للفقير، وينسى أو يتناسى ما بذل، حتى لا يجري على لسانه وتعلمه نفس غير نفسه، وإلى هذا الأدب السامي يشير

стр. 4461

قوله ﷺ وهو بعد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: "ورجل تصدق بصدقه، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". أفرِّق بين معروفي ومَنِّي ... وأجمع بين مالي والحقوق سادتي! رأينا كيف كانت البطالة جالبة للفقر، والفقر يلقي بالأفراد في هموم ومهانة، وإذا انتشر الفقر في أمة، ضاعت آمالها، وازدرتها أعين خصومها، فلو تعاون دعاة الإصلاح وأولو الأمر على مكافحة البطالة، وتعاونوا على غرس الهمم الشريفة في النفوس؛ حتى يقبل المستطيعون على العمل لأنفسهم، وتعاونوا على تربية عواطف الإحسان في القلوب؛ حتى يتسابق الموسرون إلى الإنفاق في إعانة العاجزين، وإغاثة الملهوفين، لو قام دعاة الإصلاح وأولو الأمر بهذا السعي المحمود خير قيام، لكثرت نهينا الأيدي العليا، وقلت الأيدي السفلى، واستقر الأمن على الأساس من الخلق العظيم، فإذا نحن في مقدمة الأمم قوةً وعزماً، وجمال مظهر، ونقاء سيرة. والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 4462

خير نظام للحكم (١) تحدث فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين حديثاً قيماً عن خير نظام للحكم، مذكراً بعدالة حكم الإسلام، وضارباً المثل على أنه دين إنساني خالص، ونظام كفل المساواة التامة بين جميع الأفراد في الحقوق والواجبات: تجتاز مصر في أيامنا التاريخية الحاضرة أعظم انقلاب اجتماعي مر بها منذ قرون؛ لأنه الانقلاب الوحيد الذي ينشد لمصر النظام؛ لتتمكن من الاستقرار عليه، والاستمرار فيه إلى الأبد. ومما يلاحظ في هذا الموقف: أن التطورات الماضية لم تكن نتيجة طبيعية للوعي القومي، ولذلك كان الوطن يفاجأ بها مفاجأة، وكان نظام الحكم الذي يترتب على تلك المفاجآت يفرض على البلاد فرضاً، أما من استعمار قاهر، أو من مستبد متغلب. ولذلك قلما كان يلاحظ فيه حاجة الأمة واقتناعها، والأساليب التي ترتاح إليها، وتعتبرها منتزعة من روحها وذوقها، ومن المبادئ التي آمنت بها، ونشأت عليها، وترجع بذكرياتها وتقاليدها إلى ما حفظه التاريخ من مفاخرها وأمجادها، لذلك كان نظام الحكم في مصر في العصور الأخيرة بعيداً عن أمنية الاستقرار، وكان مؤيداً بالقوة القائمة عليه، لا بالاقتناع به،

стр. 4463

والطمأنينة له، والإيمان بصلاحه. والآن، وقد عزمت مصر على أن تختار نظامها بمحض إرادتها، فمن سعادتها أن يكون نظامها المرتجى منتزعاً من مثلها العليا التي تؤمن بها، وترتاح إليها، بوازع من النفس، وإيمان من القلب، لا بوازع من سلطان القوة الصماء، ونصوص القانون الذي كثيراً ما شكا أقطابه مواطن الضعف فيه. ولقد أخذ كل عالم بمزايا نظام من الأنظمة الأجنبية يعرض على الرأي العام مزايا ذلك النظام، محاولاً إقناع الأمة بالأخذ به. إن هذه الأنظمة -مع كثيرة عيوبها، وما يحف بها من مواطن الضعف- لا يتعاملون بها مع كل من يتعامل معهم من الشعوب القوية والضعيفة، والمشاهد من حالهم: أنهم مع الشعوب القوية في عداء متواصل، ومع الشعوب الضعيفة في بغي مخجل، وما هكذا يكون أصحاب المبادئ الإنسانية السليمة، والنظم البريئة التي يراد منها سعادة المجتمع في عصر يفتخر بحضارته وعلومه، فالوصف النظري الذي نسمعه من فصحائنا وخطبائنا لبعض تلك النظم الأجنبية عنا، لا نرى آثاره في البلاد التي اخترعته، وعملت به، وقلبت جميع الأوجه في تعديله وترقيعه وتحويره لينتج لها السعادة، فكان أملها منه في السعادة كأمل الظمآن بالسراب، فكيف بنا ونحن الأجانب عن تلك النظم المخترعة لغيرنا؟! ولو حاولنا استعارتها، لكانت لنا كما تكون اللبسة التي تستعار للممثلين. إن الدعاة لتلك الأنظمة قرروا في مؤلفاتهم، وأعلنوا في صحفهم: أنها كل لا يتجزأ، وهم يدعون هذه الأمة إلى أن تأخذ بهذا الكل الذي لا يتجزأ، شاءت أو أبت، والأمة لها نظام فطري نظيف ينظر إلى الحق من حيث هو حق، وإلى الخير من حيث هو خير، وتدين الله بقول خاتم رسله: "أيها الناس!

стр. 4464

إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها"، وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة: "آسِ بين الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك". هذا النظام الفطري الذي يقيم الحدود على الكبير والصغير سواء، لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، وحثَّ على استعمال الأصلح، واختيار الأمثل فالأمثل للولايات العامة والوظائف، وأوجبَ على ولي الأمر أن يقلد أعمال المسلمين لمن يجده صالحاً منهم؛ فقد قال النبي ﷺ . "من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله، وخان رسوله، وخان المؤمنين". وقد جاء كذلك عن عمر بن الخطاب: أنه قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين". ومعنى هذا: أن النظام الذي يكفل المساواة بين جميع الأفراد في الحقوق والواجبات، ويجعل من الواجب على كل من ولي شيئاً من أمر المسلمين أن يوجه في موضع، وفي كل عمل من الأعمال أصلحَ من يقوم به، ويؤديه الأداء الصحيح، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره بسبب قرابة، أو صداقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو لضغينة في قلبه على الأحق، أو لعداوة بينهما، فقد

стр. 4465

خان الله ورسوله والمؤمنين ... وهو النظام الذي يشعر الحاكم والمحكوم بأنهما سواء، وهذا أبو عبيدة الجراح يضرب لنا أروع الأمثال في هذا الباب، فقد فتح بلد حمص، فجاؤوا له بطعام فاخر صنع خصيصاً، فما كان منه إلا أن سأل: أهذا الطعام قد أطعم منه الجيش؟ فقالوا: كلا، وإنما هو لك. فقال: ردوه ... فإني لا آكل طعاماً لم يأكل الجيش منه!!. وقد جاء في الآثار: أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أفغرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم، وكان في مرض موته، فقال: يابني ... والله! ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني ... هذه هي الأمثال التي تضرب في معنى العدالة في ولاية أمور الناس، وكلها تجمع على أن الإسلام دين إنساني محض، وهو نظامنا الذي نؤمن به؛ خلافاً للأنظمة الأجنبية عنا، وإن العمل به ليحول هذه الأمة إلى كتلة فولاذية مؤمنة بنظامها كإيمانها بكعبتها وقرآنها، والأمر أعظم وأخطر من أن ترتجل فيه الخطط والنظم. ونحن لا ندعو الأمة وأهل الحل والعقد فيها إلا إلى التروي والتفكير والدرس والمقارنة، مع العلم بأن مصر لا تعلم منذ عشرة آلاف سنة إلى الآن حكماً أعدل ولا أرأف ولا أسعد من الحكم الذي بسط جناح رحمته عليها

стр. 4466

في المئة السنة الأولى من الفتح الإسلامي، ودليل عدله ورأفته وسعادته: أن مصر باختيار منها تحولت إليه بأرواحها وقلويها وألسنتها، فكانت الدرة المتألقة في تاج الوطن العربي والإسلامي، ويرجو لها كل محب لها أن تبقى كذلك إن شاء الله إلى ما شاء الله.

стр. 4467

سعيد بن جُبير والحجَّاج (١) سعيد بن جبير من أفاضل التابعين العالمين بتفسير كتاب الله، وسنة الرسول الأكرم - صلوات الله عليه - المعروفين بالتقوى والورع، ومواجهة الظالمين بقول الحق. وكان سعيد بن جبير مع عبد الرحمن بن الأشعث أيام خروجه على عبد الملك بن مروان، ولما قتل ابن الأشعث، وتفرق عنه أصحابه، التحق سعيد بمكة، وكان واليها خالد بن عبد الله القسري، فبعث به إلى الحجاج ابن يوسف، ولما دخل سعيد على الحجاج، جرت بينهما المحاورة الآتية: الحجاج: ما اسمك؟ سعيد: سعيد بن جبير. الحجاج: بل أنت شقي بن كسير. سعيد: بل كانت أمي أعلم باسمي منك. الحجاج: شقيت أمك، وشقيت أنت! سعيد: الغيب يعلمه غيرك. الحجاج: لأبدلنك بالدنيا ناراً تلظَّى.

стр. 4468

سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك، لاتخذتك إلهاً. الحجاج: فما قولك في محمد؟ سعيد: نبي الرحمة، وإمام الهدى. الحجاج: فما قولك في علي: أهو في الجنة، أو هو في النار؟ سعيد: لو دخلتها وعرفت من فيها، عرفت أهلها. الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟ سعيد: لست عليهم بوكيل. الحجاج: فأيهم أعجب إليك؟ سعيد: أرضاهم لخالقي. الحجاج: فأيهم أرضاهم للخالق؟ سعيد: علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم. الحجاج: أحب أن تصدقني. سعيد: إن لم أحبك لا أكذبك. الحجاج: فما بالك لم تضحك؟ سعيد: وكيف يضحك مخلوق خلق من طين، والطين تأكله النار! الحجاج: فما بالنا نضحك؟ سعيد: لم تستو القلوب. الحجاج: ويلك يا سعيد! سعيد: لا ويل لمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة. الحجاج: اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟

стр. 4469

سعيد: اختر لنفسك يا حجاج، فو الله! لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة! الحجاج: أفتريد أن أعفو عنك؟ سعيد: إن كان العفو، فمن الله، وأما أنت، فلا براءة لك ولا عذر. الحجاج: اذهبوا هنا قتلوه. "أعوان الحجاج يأخذون سعيداً ليقتل بالسيف". "سعيد يخرج وهو يضحك". الحجاج: ردوه، وقال لسعيد: ما أضحكك؟ سعيد: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك. "الحجاج يأمر ببسط النطع"، وقال: اقتلوه. سعيد: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين. الحجاج: وجهوا به لغير القبلة. سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله. الحجاج: كبوه على وجهه. سعيد: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى. الحجاج: اذبحوه. سعيد: أما إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة. سعيد: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي!

стр. 4470

"سعيد يقتل في شعبان سنة خمس وتسعين للهجرة بواسط". "الحجاج بموت بعده في شهر رمضان من تلك السنة". مأخذ العبرة من تلك القصة: إن المتضلع من حقائق الدين الحنيف، المستنير بعقائده، الراسخ في آدابه، لا يكبر في عينه أهل الدنيا، وإن بلغوا أعظم رياسة، ولا يروعه ما يحيط بهم من سيوف وأسنة، وإن كانوا يغمسون أيديهم في دماء الأبرياء إلى ما فوق المرافق، وكان من الميسور لسعيد أن يقول بين يدي الحجاج كلمات يستدر بها عفوه، ولكن النفس التي امتلأت بهدى الله، وأشربت حكمة القرآن المجيد، تأبى أن تطلب الحياة من طريق الذلة والخضوع لمن تدنست سمعته بارتكاب البغي والفساد في الأرض، وإذا رغبت في الحياة، فإنما ترغب فيها للازدياد من العمل الصالح، والكلم الطيب، وهل يرجى عمل صالح أو كلم طيب لنفس تقع في الملق، وتستجدي رضا المجرمين بإطرائهم، أو الانحطاط في أهوائهم؟!

стр. 4471

استعمال الألفاظ في غير مواضعهما ومضاره الاجتماعية (١) وضعت الألفاظ ليعبر بها عما يجول في الضمائر من المعاني التي يراد نقلها إلى أذهان أناس آخرين، وقد تقصَّت المعاجم الألفاظ المفردة، وعينت لكل لفظ معناه اللائق به، ووضع النحاة وعلماء البيان قوانين يعرف بها كيف تؤلف هذه الألفاظ المفردة حتى تصير جملاً تؤدي صور المعاني القائمة في النفوس كما هي. فمن استعمل مفرداً في غير معناه المعروف في معاجم اللغة، أو مقاييسها، فقد ارتكب خطأٌ، وقد ينبني على هذا الخطأ خلل في تصوير المعنى الذي صيغ الكلام من أجله، وربما كان لهذا الخطأ ضرر على الأخلاق ونظام الاجتماع. ونضرب لهذا أمثلة تدلك على شيء من المضار الناشئة من استعمال الألفاظ في غير مواضعها. يجري في المديح لفظ: العزة والتواضع، وفي الذم: لفظ الكبير والذلة. والعزة: صون النفس عن مواضع الإهانة. والذلة: الانحطاط إلى هذه المواضع القذرة.

стр. 4472

والكبر: التعاظم في مقام يقتضي حسن اللقاء وخفض الجناح. والتواضع: طهارة النفس من ذلك التعاظم الممقوت. ولا تتشابه معاني هذه الألفاظ في نظر من يميز المعاني بحدودها، ويضع كل لفظ في موضعه اللائق به، ولكنك تجد في الناس من يتعاظم، ويسمي تعاظمه عزة، أو يهوي إلى الأقدام ذلة، ويسمي تذلُّلَه تواضعاً، أو يرى في غيره عزة، فيسميها كبراً، أو يرى فيه تواضعاً، فيسميه ذلة، وإلى هؤلاء يشير الشاعر بقوله: وفي الناس من عدَّ التواضع ذلة ... وعدَّ اعتزاز النفس من جهله كبرا وقد اشتكى بعض العظماء من أناس سموا اعتزازه انقباضاً، ونبههم لخطئهم في استعمال كلمة الانقباض، فقال: يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلاً عن موقف الذلِّ أحجما ويقال في المديح: فلان سليم القلب؛ أي: إن نفسه لا تنطوي على سوء، ولا تنزع إلى شر، ويقال في الذم: فلان خَبّ، والخَبُّ: الخدَّاع الذي يسعى بين الناس بالفساد، وقد جرى في أوهام بعض الناس أن سلامة القلب تقرن بالغباوة، وعدم التنبه للوجوه التي يأتي منها الشر، وأن الخَبَّ يقارنه الذكاء والنباهة، وجرَّهم هذا الوهم إلى أن يطلقوا على الشخص كلمة: "طيب"، أو "مبارك" على معنى: أنه ينخدع، ويقع في الشر من حيث لا يشعر، وأراد أحد الحكماء الأذكياء أن يدفع هذا الخطأ، فقال: "لست بخَبّ، والخَبُّ لا يخدعني". ومن الظاهر أن ذلك الوهم نشأ من الذهول عن أن العلم بوجوه الشر يشع الألمعية، وكثيراً ما يجمع الرجل بين الألمعية وسلامة القلب، قال

стр. 4473

عمر بن الخطاب: من لا يعرف الشر يوشك أن يقع فيه. ويجري في صفات المديح لفظ: المداراة، وفي صفات الذم لفظ: المداهنة، والمداراة: أن تلقى من تخشى شره بتبسم، أو تخصه بإكرام، أو تترك محاورته في أمر يبطش بمن يحاوره فيه، أو تذكر ما عرفته من محاسنه، وتسكت عن مساويه، أما المداهنة، فهي أن تصفه بالعلم وهو جاهل، أو بالشجاعة وهو جبان، أو بالعدل وهو ظالم، أو يبدي رأياً خطأ، فتقول له: أصبت الحق. وقد يخطئ بعض الناس، فيحسب البشاشة في وجه المطبوع على الإساءة اتقاء لإساءته مداهنة، ويحسب آخرون أن التبسط في إطراء من يتقى شره مداراة، في حين أن علم الأخلاق يسمي الذي يجري على لسانه مديح الأشرار: منافقاً، ومداهناً. ويسمى أناس الإحجام حيث يجب الإقدام: حزماً، وإلى هؤلاء يشير المتنبي بقوله: يرى الجبناء أن الجبن حزم ... وتلك خديعة الطبع اللئيم ويسمي أناس بسط اليد بالمال في وجوه البر: إسرافًا، وقال بعض هؤلاء لمن أنفق في سبيل الخير مالاً كثيراً: لا خير في الإسراف، فقال: "لا سرف في الخير". ويسمي أناس الأناة: إبطاء، وللأناة مقام غير مقام الإبطاء، قال شاعر الحماسة: منا الأناة وبعض القوم يحسبنا ... أنا بِطاءٌ وفي إبطائنا سرع ويسمي أناس إطلاق اللسان أو القلم بهجاء الأشخاص، أو بالنقد

стр. 4474

المحشو بالسباب: حرية، وإنما الحرية في إبداء الآراء أو نقدها بأسلوب تأذن فيه الفضيلة، ولا تنكره آداب البحث. وقد يطلق الناس اسم المباح على المحظور؛ ليتناولوه، أو ليدعوا إليه في غير تحرج، وإلى هذا يشير النبي الأكرم - صلوات الله عليه - بقوله: "يشرب الخمر ناس من أمتي يسمونها بغير اسمها" (١). وقد تنبه لخطر تحريف الألفاظ عن مواضعها (كونفشيوس) زعيم المذهب الذائع في الصين "الكونفشيوسية"، وجعل من أسس مذهبه في الإصلاح الرجوع بالألفاظ إلى موضوعاتها الصحيحة، وقال: إذا لم تكن الأسماء صحيحة، لم يطابق الكلام حقائق الأشياء، وإذا لم يكن مطابقاً للحقائق، وقع الخلط في اللغة، واضطربت الأفكار، ولم تقع العقوبات على من يستحقها، فتتعطل الأعمال المدنية. وليس من شك في أن استعمال الألفاظ في غير مواضعها وسيلة من وسائل اختلال الشؤون الاجتماعية، وأنه من واجب المصلحين تنبيه الناس لهذه الناحية من الفساد، وأن يتداركوا إصلاحها بعناية وحكمة.

стр. 4475

فضل شهر رمضان (١) الأزمنة في أنفسها متماثلة، وتفاضلُها بما يظهر فيها من هداية وخير، وإلى هذا المعنى يشير الشاعر إذ يقول: وما فاقت الأيام أخرى بنفسها ... ولكن أيام الملاح ملاح وإذا نظرنا إلى شهر رمضان من هذا الوجه، وجدنا له مزايا تكسبه حرمة، وتجعل إقبال الناس فيه على الأعمال الفاضلة عظيماً. فكان هذا الشهر مظهر الكتاب الذي هو منار الهداية، ومطلع السعادة؛ كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وإن شهراً ينزل فيه كتاب يملأ العقول حكمة، والقلوب طهارة، لذو طلعة مباركة، ومقدم كريم. ومن مزايا هذا الشهر: أنه الشهر الذي فتحت فيه مكة المكرمة، ذلك الفتح الذي علت به كلمة الإِسلام في البلاد العربية، وعلى أساسه قامت الفتوحات الإِسلامية في الشرق والغرب.

стр. 4476

فقد جمع هذا الشهر بين مزيتين عظيمتين: أولاهما: أنه الزمن الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا جملة، أو ابتدئ فيه نزوله إلى الناس، ثم تواردت آياته على حسب ما تقتضيه الحكمة. ثانيتهما: أنه كان مظهر الفتح الذي استوثقت به عرا دولة الإِسلام التي مدت سلطانها العادل، وساست الأمم بشريعة تلائم مصلحة كل زمان ومكان. واقتضت حكمة الله تعالى أن يكون للناس من بين سائر الشهور شهر يقضون بياض نهاره في عبادة الصوم، واختار أن يكون شهر رمضان هو الشهر الذي تؤدى فيه هذه العبادات ذات الحكمة السامية، والثواب الجزيل. ولعظم ما يترتب على الصيام من إصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، جُعلت فريضته في القواعد التي يقوم عليها الإِسلام، والدليل على أن القصد من الصيام: الإصلاح والتهذيب، لا تعذيب النفوس بنحو الجوع والعطش: قوله ﷺ : "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (١). وليس معنى هذا الحديث: أن من يقول زوراً، ويعمل به، ليس له من صيام، وإنما القصد منه: التنبيه على أن الصيام لا يتقبله الله تعالى بقبول حسن إلا إذا اجتنب صاحبه قول الزور والعمل به. ولرفعه منزلة الصيام، وعظم آثاره في إصلاح النفوس وتقريبها من مقام الخالق تعالى، أخذ في نظر الشارع عناية خاصة، فجاء في الحديث

стр. 4477

القدسي: أن الصوم لله، وأنه يتولى جزاءه بنفسه، ففي "الموطأ"، وغيره: "كل حسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مئة ضعف، إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به". أضاف الله تعالى صيام العبد إلى نفسه؛ لأن سائر الأعمال تظهر على صاحبها، وقد يدخلها شيء من الرياء، والصوم لا يظهر على صاحبه، فيقع لله خالصاً، وأخبر في الحديث: أن الله تعالى يتولى جزاءه بنفسه؛ إيماء إلى عظم ثوابه؛ فإن أكرم الأكرمين لا يقابل العمل الصالح إلا بالجزاء الأوفى، وأكد ذلك بأن جزاء الصوم فوق الجزاء المضعّف إلى سبع مئة ضعف. أمر الشارع بالإنفاق في وجوه البر، وورد في السنّة ما يدل على أن للإنفاق في هذا الشهر فضلاً على الإنفاق في بقية الشهور، يظهر هذا من حديث ابن عباس، قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان"، وفضيلة التأسّي به ﵊ تدعو إلى بسط اليد بالمعروف في هذا الشهر أكثر من بسطها فيما عداه من الشهور؛ حتى يجد الفقراء من إحسان الأسخياء راحة بال، فيقبلوا على الصيام والقيام بنشاط. أمر الشارع بتلاوة القرآن تمكيناً لحجته، واستضاءة بنور حكمته، وجاء في السنّة ما يرشد إلى الاستكثار من تلاوته، يظهر هذا من حديث ابن عباس في لقيّ جبريل للنبي ﷺ ، وفي هذا الحديث: "وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن" (١)، والدراسة: القراءة، وما زال أولو الألباب من الناس يجعلون لشهر رمضان نصيباً من تلاوة القرآن أكثر من

стр. 4478

نصيب كل شهر. والتهجد في جزء من الليل قربة يبعث عند الله مقاماً محموداً، ونبّهت السنّة على أن من جزاء القيام في ليالي رمضان غفراناً يمحو الذنوب السالفة، قال ﷺ : "من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه"، وظاهر الحديث: أن هذا الغفران المترتب على قيام رمضان، يأتي على ذنوب السالفة جميعاً فيسقطها، ولكن أهل العلم قصروه على صغائر الذنوب دون كبائرها، ورأوا أن فضل العمل الصالح لا يبلغ أن يسقط الكبائر من المعاصي، وصاحبها لم يتب عنها، أو لم تقم عليه العقوبة المقررة على من يرتكبها. يقولون هذا، وهم يسلّمون أن لمشيئة الله تعالى سلطاناً قد يفعل في كبائر الذنوب ما تفعله التوبة الخالصة أو إقامة الحدود. ومما استندوا إليه في تقييد المغفرة في هذا الحديث بصغائر الذنوب: أحاديث وردت في فضل أعمال أخرى، وقيدت فيها بمغفرة الذنوب باجتناب كبائرها. وكان ﷺ يتهجد في ليالي السنّة بأسرها، وورد في الصحيح: أنه خرج في إحدى ليالي رمضان من جوف الليل، فصلّى في المسجد، وصلّى رجال بصلاته، جرى هذا ثلاث ليال، ولم يخرج في الليلة الرابعة، وقد ضاق المسجد على الحاضرين حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر، أقبل على الناس، ثم قال: "أما بعد: فإنه لم يخفَ عليّ مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم، فتعجزوا عنها" (١).

стр. 4479

والخوف من افتراض هذه الصلاة قد يكون من جهة أن الله تعالى جعلها في حقهم من الأمور المندوب إليها، ولم يأمرهم بفعلها في جماعة على نحو الصلوات المفروضة، رفقاً بهم، فإذا تظاهروا بالقوة عليها، وساروا بها سيرة ما افترضه الله عليهم من الصلوات، كانوا قد شددوا على أنفسهم في أمر جعل الله لهم فيه يسراً. فمن المحتمل أن يكون ما أخذوا به أنفسهم من الشدة سبباً لأن ينزل الوحي بفرض هذه الصلاة؛ ابتلاء لهم حتى يظهر عجزهم عن إقامتها، ويدركوا العسر الذي راعاه الشارع في عدم إيجابها، والتأكيد في الاجتماع لها، ومتى كان القصد من فرضها تنبيههم لوجه الرفق بهم في عدم فرضها أولاً، لم يلزم استمرار هذا الفرض حتى يقال: كيف يأمر الشارع الناس بما يعجزون عن المداومة عليه؟ وقد رأينا الشارع يسن أحكاماً لمقاصد سامية، حتى إذا أحس الناس بما فيها من عسر، عاد إلى ما يقتضيه أصل التشريع من الرفق والتيسير، فالنبي ﷺ قصد بعدم خروجه لصلاة التراويح في المسجد قطع أمر من المحتمل أن يكون وسيلة لتكليف يثقل عليهم القيام به، ويظهر عجزهم عنه. وتوفي رسول الله ﷺ ولم يكن الناس يجتمعون في صلاة القيام برمضان على إمام واحد، وبقوا على هذا الحال إلى عهد عمر بن الخطاب ﵁، فأقام أُبيَّ بن كعب إماماً لهذه الصلاة، وجمع الناس على الائتمام به. قال عبد الرحمن القاري: "خرجت مع عمر بن خطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه،

стр. 4480

ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثل، ثم عزم فجعلهم على أُبيّ بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم. قال عمر: نعم البدعة هذه" (١). فالذي فعله عمر بن الخطاب إنما هو جمعُ الناس على إمام واحد بعد أن كانوا يصلونها فرادى وجماعات في المسجد متفرقة، فعل هذا؛ لأن الأمر الذي ترك من أجله رسول الله ﷺ إقامتها في المسجد في جماعة، وهو خوف الافتراض، قد انقطع بالوحي، فعمر بن الخطاب استند فيما فعل إلى عمل النبي ﷺ ، مع تحقيق النظر في الوجه الذي كان النبي ﷺ قد تركها من أجله، وأراد بالبدعة: هيئة اجتماع الناس على إمام واحد، وسماها بدعة؛ تشبيهاً لها بعد أن تركت سنين، بما أحدث على غير مثال سابق. وتفضل الله تعالى بليلة جعل العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر، وهي ليلة القدر. وجمهور أهل العلم على أنها تكون في رمضان؛ أخذاً بظاهر أحاديث أرشدت إلى التماسها في هذا الشهر. ومن ذهب من السلف إلى أنها تكون في ليلة من السنّة غير مقيدة بشهر، حمل تلك الأحاديث على التماس ليلة القدر في رمضان في تلك السنة خاصة. وهذه الأعمال الصالحات التي جعلها الشارع عمارة شهر رمضان؛ من نحو: الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن، وبسط اليد بالمعروف، شأنها أن تهذب النفوس، وتحبب إليها التقوى، وتعودها على السماحة واحتمال

стр. 4481

المكاره، وتهيئها للثبات والمواظبة على صالح الأعمال في سائر أيام السنة. فمن اتقى في شهر رمضان بعض المحارم، ورأيته يصوم مع الصائمين، ويصلي مع المصلين، حتى إذا انقضى هذا الشهر، جعل يتباطأ عن أداء الواجبات، ويبادر إلى ما كان يتقيه من المحرمات، فذلك الذي أقام أعماله على غير إخلاص، ولم يخالط قلبه بشاشة الاستقامة على ما أمر الله. تكثر الطاعات في رمضان، فيكثر الثواب، وتقل فيه المعاصي، فيقل العقاب، وإلى هذا يشير قوله ﷺ : "إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين"، ففتح أبواب الجنة إشارة بطرق المجاز إلى كثرة الثواب، أو إلى ما يفتحه الله للناس في هذا الشهر من الطاعات؛ كما أن تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين إشارة إلى قلة المخالفات وإغواء الشياطين، أو إلى ما يترتب عليها من قلة العقوبات (١). فُضِّل شهر رمضان بما وصفناه من المزايا، فاستحق اليوم الذي يلي آخر يوم منه أن يتخذ عيداً؛ لأنه يوم تمتلئ فيه قلوب الناس ابتهاجاً بما عملوا في هذا الشهر من خير، وأي نعمة يصيبها الإنسان في هذه الحياة تساوي نعمة أداء ركن من أركان الإِسلام، محفوفاً بضروب من أجل الطاعات، وأشرف الآداب؟! وأي ارتياح يساوي في نظر أولي الألباب ارتياح النفس عندما تشعر بأنها اتقت الله ما استطاعت؟! وإنما ارتياحها لما ترجوه من رضا الخالق، وما يتبعه من عزة في الدنيا، وسعادة في الأخرى.

стр. 4482

بحث موجز في أشهر الفرق الإِسلامية (١) * وحدة العقيدة في الصدر الأول: قام النبي ﷺ يدعو إلى العقائد الصحيحة، وما زال الوحي ينزل حتى أتى على أصول ما يحتاج إليه في سلامة العقيدة، وطهارة النفس من الشرك، وكان المسلمون في عهد الوحي على طريقة واحدة في عقائدهم، وليس من المحتمل أن يجري بينهم خلاف في شيء من ذلك، ورسول الله - صلوات الله عليه - بين ظهرانيهم؛ وهو الذي يُسأل فيرشد، أو يقول فيكون قوله الفصل. واستمر المسلمون على هذه الطريقة المثلى في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وما جرى بينهم من الاختلاف في ذلك العهد لم يتجاوز الاختلاف في أحكام عملية؛ كاختلافهم في محل دفنه ﵊، وثبوت الإرث منه، وقتال مانعي الزكاة، وأكثر هذا النحو من الاختلاف لا يلبث أن يتبين فيه وجه الحق، فيصير إلى وفاق. * انقسام المسلمين إلى فرق مختلفة: أخبر النبي - صلوات الله عليه - أن أمته ستفترق على بضع وسبعين فرقة، وأن فرقة من تلك الفرق ناجية، ووصف الفرقة الناجية بأنها الفرقة

стр. 4483

التي تتمسك بما كان عليه هو وأصحابه، ففي "سنن أبي داود" من رواية أبي هريرة: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"، وفيها من رواية معاوية: ألا أن رسول الله قام فينا فقال: "إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو: "إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي ثلاثاً وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدم"، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي". ورواه ابن ماجه من طريق حذيفة بن اليمان، ومن طريق أنس ابن مالك. والمراد من الأمة: من يصدق عليهم اسم الإِسلام، بدليل الإضافة في قوله: "أمتي"؛ فإن إضافة الأمة إلى الرسول ظاهرة فيمن كان لهم اتصال به في الواقع، وهم الذين يتبعونه، ولو في أصل الإيمان، والفرقة الخارجة من الدين ليست من هذا القبيل، فتكون الفرق المشار إليها في الحديث من انحرفوا عن السبيل، ولم ينكثوا أيديهم من أصل الدين. وحمل بعضهم الأمة على ما يشمل الفرق التي خرجت ببدعتها عن حوزة الدين، والتحقت بفرق الكافرين، والوعيد بالنار في الحديث مطلق، فيكون للفرق المنفصلة عن الدين عذاباً خالداً، وللفرق التي انحرفت ببدعتها انحرافاً لا يقطعها عن أصل الدين، عقاباً يتفاوتون فيه درجات، ثم

стр. 4484

يصيرون إلى دار السلام. والافتراض المشار إليه في الحديث يجري في العقائد، والأمر فيه واضح. أما الافتراق في أعمال تفعل على أنه شرع، فإن كان عن اجتهاد معتد به، فليس بموضع للذم والوعيد؛ لأن هذا الاجتهاد مأذون فيه شرعاً، وإن كانت المخالفة عن رأي فاسد، أو هوى غالب، وبلغت هذه الأعمال المبتدعة أن صارت شعار فرقة من الأمة، فالحديث يتناولها بوعيده؛ كما تناولها قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". * عوامل هذا الانقسام: نبحث عن عوامل انقسام المسلمين إلى فرق، فتبدو لنا وجوه كثيرة: أحدها: الخطأ في فهم بعض الآيات أو الأحاديث، ويرجع إلى هذا القبيل التمسك ببعض المتشابه من النصوص، وردّ المحكم إليه بطريق التأويل (١). ثانيها: اعتداد الشخص برأي يسبق إلى ذهنه، أو يتلقاه من غيره، فيعتقد أنه أصل صحيح، حتى إذا وجده مخالفاً لنصوص القرآن أو السنة، أخذ في تأويلها بما يوافق رأيه، ولو على وجوه بعيدة. ثالثها: تشبث الشخص بحديث ينقل إليه، فيحسن الظن بروايته، ويكون الحديث مصنوعاً.

стр. 4485

رابعها: أن يقع في نفس الرجل خواطر، فيظنها إلهاماً خصه الله به، وإنما هوالحديث الذي يجري في النفوس من طرق مقطوعة عن منابع الشريعة. خامسها: الأهواء تأخذ بقلب صاحبها، إلى أن يبتغي الوصول إليها من طريق الدين، فيقرر رأياً على أنه من الدين، وهو يعلم أنه مخالف لما جاء في الكتاب والسنة. ولا نجهل أن زعماء بعض هذه الفرق قد يقصدون إفساد عقائد المسلمين؛ بإدخال آراء تفسد أصلاً من أصول الدين، أو تبطل حكماً من أحكامه، ومن درس آراء الفرق، لم يتردد في أن كثيراً منها قد وضعه أشخاص يريدون الكيد للإسلام. وأشد ما يظهر هذا الغرض في آراء تراها معارضة لنصوص الدين الصريحة، دون أن يستند صاحبها إلى نقل، أو شيء من العقل. وقد يكون للسياسة يد في إثارة الأهواء الحاملة على مخالفة الجماعة، وإحداث رأي في الدين؛ والدعوة إليه إلى أن يصير مذهب فرقة من المسلمين. * الفرق الإِسلامية: من ينظر في حال الفرق التي لها صلة بالإِسلام يجدها على قسمين: فرق داخلة في حدود الدين، ومن شأنها أن تتلاقى في جانب من الائتلاف والتناصر على إعلاء شأن الإِسلام. وفرق خرجت بهم بدعتهم عن حدود الدين، والتحقوا بطوائف المخالفين، ذلك أنهم اعتقدوا ما لا يلتقي بأصل الإيمان في نفس واحدة؛ كالبهائية، واليزيدية، والقاديانية، على ما نبينه بعد -إن شاء الله-.
следующие страницы →