← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

المكاره، وتهيئها للثبات والمواظبة على صالح الأعمال في سائر أيام السنة. فمن اتقى في شهر رمضان بعض المحارم، ورأيته يصوم مع الصائمين، ويصلي مع المصلين، حتى إذا انقضى هذا الشهر، جعل يتباطأ عن أداء الواجبات، ويبادر إلى ما كان يتقيه من المحرمات، فذلك الذي أقام أعماله على غير إخلاص، ولم يخالط قلبه بشاشة الاستقامة على ما أمر الله. تكثر الطاعات في رمضان، فيكثر الثواب، وتقل فيه المعاصي، فيقل العقاب، وإلى هذا يشير قوله ﷺ : "إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين"، ففتح أبواب الجنة إشارة بطرق المجاز إلى كثرة الثواب، أو إلى ما يفتحه الله للناس في هذا الشهر من الطاعات؛ كما أن تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين إشارة إلى قلة المخالفات وإغواء الشياطين، أو إلى ما يترتب عليها من قلة العقوبات (١). فُضِّل شهر رمضان بما وصفناه من المزايا، فاستحق اليوم الذي يلي آخر يوم منه أن يتخذ عيداً؛ لأنه يوم تمتلئ فيه قلوب الناس ابتهاجاً بما عملوا في هذا الشهر من خير، وأي نعمة يصيبها الإنسان في هذه الحياة تساوي نعمة أداء ركن من أركان الإِسلام، محفوفاً بضروب من أجل الطاعات، وأشرف الآداب؟! وأي ارتياح يساوي في نظر أولي الألباب ارتياح النفس عندما تشعر بأنها اتقت الله ما استطاعت؟! وإنما ارتياحها لما ترجوه من رضا الخالق، وما يتبعه من عزة في الدنيا، وسعادة في الأخرى.

стр. 4482

بحث موجز في أشهر الفرق الإِسلامية (١) * وحدة العقيدة في الصدر الأول: قام النبي ﷺ يدعو إلى العقائد الصحيحة، وما زال الوحي ينزل حتى أتى على أصول ما يحتاج إليه في سلامة العقيدة، وطهارة النفس من الشرك، وكان المسلمون في عهد الوحي على طريقة واحدة في عقائدهم، وليس من المحتمل أن يجري بينهم خلاف في شيء من ذلك، ورسول الله - صلوات الله عليه - بين ظهرانيهم؛ وهو الذي يُسأل فيرشد، أو يقول فيكون قوله الفصل. واستمر المسلمون على هذه الطريقة المثلى في عهد أبي بكر، وعمر، وعثمان، وما جرى بينهم من الاختلاف في ذلك العهد لم يتجاوز الاختلاف في أحكام عملية؛ كاختلافهم في محل دفنه ﵊، وثبوت الإرث منه، وقتال مانعي الزكاة، وأكثر هذا النحو من الاختلاف لا يلبث أن يتبين فيه وجه الحق، فيصير إلى وفاق. * انقسام المسلمين إلى فرق مختلفة: أخبر النبي - صلوات الله عليه - أن أمته ستفترق على بضع وسبعين فرقة، وأن فرقة من تلك الفرق ناجية، ووصف الفرقة الناجية بأنها الفرقة

стр. 4483

التي تتمسك بما كان عليه هو وأصحابه، ففي "سنن أبي داود" من رواية أبي هريرة: "افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة"، وفيها من رواية معاوية: ألا أن رسول الله قام فينا فقال: "إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة: اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة". وروى الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو: "إن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي ثلاثاً وسبعين ملة، كلهم في النار إلا واحدم"، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "من كان على ما أنا عليه وأصحابي". ورواه ابن ماجه من طريق حذيفة بن اليمان، ومن طريق أنس ابن مالك. والمراد من الأمة: من يصدق عليهم اسم الإِسلام، بدليل الإضافة في قوله: "أمتي"؛ فإن إضافة الأمة إلى الرسول ظاهرة فيمن كان لهم اتصال به في الواقع، وهم الذين يتبعونه، ولو في أصل الإيمان، والفرقة الخارجة من الدين ليست من هذا القبيل، فتكون الفرق المشار إليها في الحديث من انحرفوا عن السبيل، ولم ينكثوا أيديهم من أصل الدين. وحمل بعضهم الأمة على ما يشمل الفرق التي خرجت ببدعتها عن حوزة الدين، والتحقت بفرق الكافرين، والوعيد بالنار في الحديث مطلق، فيكون للفرق المنفصلة عن الدين عذاباً خالداً، وللفرق التي انحرفت ببدعتها انحرافاً لا يقطعها عن أصل الدين، عقاباً يتفاوتون فيه درجات، ثم

стр. 4484

يصيرون إلى دار السلام. والافتراض المشار إليه في الحديث يجري في العقائد، والأمر فيه واضح. أما الافتراق في أعمال تفعل على أنه شرع، فإن كان عن اجتهاد معتد به، فليس بموضع للذم والوعيد؛ لأن هذا الاجتهاد مأذون فيه شرعاً، وإن كانت المخالفة عن رأي فاسد، أو هوى غالب، وبلغت هذه الأعمال المبتدعة أن صارت شعار فرقة من الأمة، فالحديث يتناولها بوعيده؛ كما تناولها قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". * عوامل هذا الانقسام: نبحث عن عوامل انقسام المسلمين إلى فرق، فتبدو لنا وجوه كثيرة: أحدها: الخطأ في فهم بعض الآيات أو الأحاديث، ويرجع إلى هذا القبيل التمسك ببعض المتشابه من النصوص، وردّ المحكم إليه بطريق التأويل (١). ثانيها: اعتداد الشخص برأي يسبق إلى ذهنه، أو يتلقاه من غيره، فيعتقد أنه أصل صحيح، حتى إذا وجده مخالفاً لنصوص القرآن أو السنة، أخذ في تأويلها بما يوافق رأيه، ولو على وجوه بعيدة. ثالثها: تشبث الشخص بحديث ينقل إليه، فيحسن الظن بروايته، ويكون الحديث مصنوعاً.

стр. 4485

رابعها: أن يقع في نفس الرجل خواطر، فيظنها إلهاماً خصه الله به، وإنما هوالحديث الذي يجري في النفوس من طرق مقطوعة عن منابع الشريعة. خامسها: الأهواء تأخذ بقلب صاحبها، إلى أن يبتغي الوصول إليها من طريق الدين، فيقرر رأياً على أنه من الدين، وهو يعلم أنه مخالف لما جاء في الكتاب والسنة. ولا نجهل أن زعماء بعض هذه الفرق قد يقصدون إفساد عقائد المسلمين؛ بإدخال آراء تفسد أصلاً من أصول الدين، أو تبطل حكماً من أحكامه، ومن درس آراء الفرق، لم يتردد في أن كثيراً منها قد وضعه أشخاص يريدون الكيد للإسلام. وأشد ما يظهر هذا الغرض في آراء تراها معارضة لنصوص الدين الصريحة، دون أن يستند صاحبها إلى نقل، أو شيء من العقل. وقد يكون للسياسة يد في إثارة الأهواء الحاملة على مخالفة الجماعة، وإحداث رأي في الدين؛ والدعوة إليه إلى أن يصير مذهب فرقة من المسلمين. * الفرق الإِسلامية: من ينظر في حال الفرق التي لها صلة بالإِسلام يجدها على قسمين: فرق داخلة في حدود الدين، ومن شأنها أن تتلاقى في جانب من الائتلاف والتناصر على إعلاء شأن الإِسلام. وفرق خرجت بهم بدعتهم عن حدود الدين، والتحقوا بطوائف المخالفين، ذلك أنهم اعتقدوا ما لا يلتقي بأصل الإيمان في نفس واحدة؛ كالبهائية، واليزيدية، والقاديانية، على ما نبينه بعد -إن شاء الله-.

стр. 4486

وأصول الفرق التي سنحدثك عنها في هذا المقال سبعة: الشيعة ، والباطنية، والمشبهة، والمحكمة، والجهمية، والمعتزله، وأهل السنّة (١). وقد نعرض عليك في بحث كل فرقة بعض آراء امتاز بها مذهبها، وإذا لم نتعرض فيما نكتب لنقد بعض هذه الآراء؛ فلوضوح أمرها، أو لأننا سنحدثك في بحث أهل السنة بما هو الحق فيما نرى. * الشيعة: ظهر مذهب التشيع في عهد علي بن أبي طالب ﵁، بل ظهر في أقصى درجات الغلو. وكان الشيعة يومئذ ثلاث طوائف: طائفة كانت تفضل علياً على أبي بكر وعمر، مع الاعتراف بفضلهما، وصحة إمامتهما. وروى البخاري في "صحيحه" عن محمد بن الحنفية: أنه سأل أباه: من خير الناس؟ فقال: أبو بكر. قال: ثم من؟ قال: عمر. ثانيتهما: كانت تسب أبا بكر وعمر. يروى أن عبد الله بن السوداء (٢) كان يسب أبا بكر وعمر، فطلبه علي، فهرب، وقيل: نفاه إلى المدائن. ثالثتهما: كانت تقول: إن علياً إله، وهم: عبد الله بن سبأ (٣) وأتباعه. زعم ابن سبأ ذلك، ودعا إليه قوماً من غواة الكوفة، وبلغ علياً أمرهم، فأحرق فريقاً منهم (٤) بعد أن دعاهم إلى التوبة وأجَّلهم ثلاثاً، ولم يقتل بقيتهم؛

стр. 4487

كابن سبأ، بل نفاه إلى المدائن؛ حذراً من اختلاف أصحابه عليه. ولما قتُل عليّ، زعم ابن سبأ أن المقتول شيطان تمثل بعلي، وأن علياً صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا، وينتقم من أعدائه. وأتباع ابن سبأ يزعمون أن المهدي المنتظر هو علي، ويزعم بعضهم أنه في السحاب. وشاع بعد هذا في بعض الفرق القول بالرجعة، قال سفيان: كان الناس يحملون عن جابر (١) قبل أن يُظهر ما أظهر، فلما أظهر، اتهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس، فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة، ثم روى مسلم في "صحيحه" عن سفيان: أنه سمع رجلاً يسأل جابراً عن قوله : ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ﴾ [يوسف: ٨٠]. فقال جابر: لم يحن تأويل هذه، قال سفيان: وكذب، فقلنا لسفيان: وما أراد بهذا؟ فقال: إن الرافضة تقول: إن علياً في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي منادٍ من السماء -يريد علياً- أنه ينادي: اخرجوا مع فلان. يقول جابر: فذا تأويل هذه الآية. وكذب، كانت في إخوة يوسف ﷺ . وانقسمت الشيعة بعد هذا إلى أربع فرق: زيدية، وإمامية، وكيسانية، وغلاة

стр. 4488

* الزيدية: هم أتباع زيد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁، يفضلون الإمام علي بن أبي طالب على غيره من الصحابة، ويوالون الشيخين أبا بكر وعمر. خرج الإمام زيد بن علي على هشام بن عبد الملك، وسأله جماعة ممن بايعوه عن أبي بكر وعمر، فقال: رحمهما الله، وغفر لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي يتبرأ منهما، ففارقوه، ونكثوا بيعته، فسموا: الرافضة. والزيدية يقصرون الإمامة في أولاد فاطمة الزهراء ﵂، فلا حق فيها لمحمد بن الحنفية وذريته، ولا يقولون بعصمة الأئمة، ولا باختفائهم. * الإمامية: هم فرق: منها: المحمدية، وهؤلاء يعتقدون أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب لم يقتل (١)، ويزعمون أنه في جبل حاجر من ناحية نجد، وهو المهدي المنتظر (٢).

стр. 4489

ومنها: الباقرية، وهؤلاء يقولون: الإمامة انتقلت من علي بن أبي طالب وأولاده إلى محمد بن علي المعروف بالباقر، وزعموا أن الباقر هو المهدي المنتظر. ومنها: الموسوية، وهؤلاء ساقوا الإمامة إلى جعفر الصادق، وزعموا أن الإمام بعد جعفر ابنه موسى الكاظم، وأن موسى حي لم يمت، وأنه هو المهدي المنتظر. ومنها: الاثني عشرية: وهي الفرقة التي تحصر الإمامة في اثني عشر إماماً، هم: علي بن أبي طالب، وابنه الحسن، ثم الحسين، ثم علي زين العابدين، ثم محمد الباقر، ثم جعفر الصادق، ثم موسى الكاظم، ثم علي الرضا، ثم محمد الجواد، ثم علي الهادي، ثم الحسن العسكري، ثم محمد ابن الحسن العسكري، ويرون أن محمداً هذا هو المهدي المنتظر، وأنه حي مستور عن الناس إلى أن يأذن الله له بالظهور، فيظهر ويملأ الأرض عدلاً، ويذكرون في وجه هذا الترتيب: أن كل سابق من الأئمة نص على لاحقه، وأن هؤلاء الأئمة معصومون عن جميع الذنوب والسهو والنسيان، وسائر النقائص، ويوافقون المعتزلة في أن الحسن والقبح -بمعنى: ترتب استحقاق المدح والذم- عقليان. * الكيسانية (١): هم الذين يقولون بإمامة محمد بن الحنفية، ومن هؤلاء من ذهب إلى

стр. 4490

أنه لم يمت، وأنه في جبل رضوى، وعنده عين من ماء، وعين من عسل، يأخذ منهما رزقه، وهو المهدي المنتظر. ومنهم من اعترف بموته، وقال: إن الإمامة من بعده انتقلت إلى ابنه أبي هاشم عبد الله. وقال آخرون: انتقلت إلى ابن أخيه علي زين العابدين بن الحسين، وقالوا: يجوز البدء على الله تعالى، وهو أن يريد شيئاً، ثم يبدو -أي: يظهر له غير ما كان ظاهراً له (١) -، ومن لوازم هذا المذهب: أن لا يكون الله -جل شأنه- عالماً بعواقب الأمور. * الغلاة: هم فرقة خرجوا بالتشيع من الدين الحنيف؛ كالفرقة التي تعتقد في علي بن أبي طالب ﵁، أو أحد من آل البيت، أو زعيم مذهبهم: الإلهية، أو النبوة؛ مثل: البيانية أتباع بيان بن سمعان التميمي (٢) الذين يقولون: إن

стр. 4491

روح الله تناسخت في الأنبياء إلى أن حلت في علي، ثم في ابنه محمد بن الحنفية، ثم في ابنه أبي هاشم، ثم في بيان نفسه. ومثل: الخطابية أتباع أبي الخطاب الأسدي الذين يقولون: إن روح الله حلت في جعفر الصادق، ثم في زعميهم أبي الخطاب. ومثل: الغرابية الذين يقولون: محمد ﷺ أشبه بعلي من الغراب بالغراب، فبعث الله جبريل إلى علي، فغلط في تبليغها لمحمد. ومثل: الأمرية الذين قالوا: إن علياً شريك محمد في أمره (١). * تنبيه: (لم نجد تتمة هذا البحث بين آثار الإمام، سواء المطبوع منها، أو المخطوط).

стр. 4492

إصلاح المعاهد الدينية والدكتور طه حسين (١) كتب الدكتور طه حسين في مجلة "الرابطة الشرقية" مقالاً تحت عنوان: "إصلاح الأزهر"، وقارئ المقال -ذكياً كان أو غير ذكي- لا يفهم منه إلا أن الكاتب يريد إلغاء المعاهد الدينية، لا إصلاحها، ويود إماتتها، لا إحياءها. إصلاح الأزهر فيما يبديه ذلك الكاتب أن يصير مدرسة وعظ وإرشاد، وأن لا يكون للمتخرجين فيه حق في مناصب الحكم، والتصرف في شؤون الدولة، وابتدع -بعد هذا- لطلاب العلم بالمعاهد الدينية رهبانية، فأشار عليهم بأن يدعوا الدنيا وأعراضها، وأخذ يضرب لهم المثل من القسس "رؤساء الديانة النصرانية". يقول الكاتب: "الغرض من الأزهر إنما هو إرشاد المسلمين إلى الخير، وتفقههم في الإِسلام، ودعوة غير المسلمين إلى الدين، وإقامة حجته عليهم ظاهرة بالرفق والحكمة والموعظة الحسنة. فأما تولي مناصب الحكم، والتصرف في شؤون الدولة، والتمكن من الكسب، فأشياء إضافية ليس من المحتوم أن يسعى إليها مصلحو الأزهر". ويقول: "وإنما نريد: أن الله يفرض عليهم تحقيق غرضين دينيين، والله

стр. 4493

أرفق بهم وأعطف عليهم من أن يضارهم في تحقيق هذين الغرضين، ولكن الله لا يفرض عليهم أن يكونوا قضاة، ولا أن يكونوا أساتذة للغة العربية، ولا أن يتولوا من مناصب الدولة ما يطمحون إلى التسلط عليه". ويقول: "وليكن الأزهر مدرسة دين قبل كل شيء وبعد كل شيء". ويقول: "وهنا نصل إلى نقطة لا نشك أن كثيرين من أنصار الإصلاح الأزهري -وربما كان منهم الأستاذ المراغي نفسه- يخالفوننا فيها أشد الخلاف. فهم يريدون أن يؤاسوا بين الأزهريين وغيرهم من طلاب المدارس المدنية من حقوق التمتع بمناصب الحكم، والتصرف في شؤون الدولة". ويقول: "فخليق بالذين يسعون إلى إصلاح الأزهر أن يعرفوا لقانون توزيع الأعمال حرمة، فيتركوا القضاء للقضاة، والتعليم للمعلمين، ويكتفوا بما قسم الله لهم، وما فرض الله عليهم من الوعظ والإرشاد والدعوة الدينية". قال هذا، ثم حمد الله على أن الشعوب الإِسلامية لا زالت تقدس دينها، وتحرص عليه، وتتوق إلى رفع شأنه، وإعلاء كلمته في الأرض!!. وبعد أن ذهب إلى أن المتخرج في المعاهد الدينية لا يسمح له بعمل غير الوعظ والإرشاد والدعوة الدينية، وضع للتعليم بها منهجاً، وانقلب بعد وضع هذا المنهج صوفياً في مرقعة وبيده سبحة، فقال يعظ الأزهر، وهو يعني أهله: وليدع الدنيا للذين تعنيهم أعراض هذه الحياة الدنيا، فقد صدق الله حين قال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥]. فليدع الأزهر هذا الهشيم الذي تذروه الرياح، وليدع الأزهر هذا الزبد

стр. 4494

الذي يذهب جفاء، وليعنَ الأزهر أشد العناية بما ينفع الناس ويمكث في الأرض، وهو: تفقيه المسلمين في دين الله، ودعوة غير المسلمين إلى دين الله. هكذا يكتب الدكتور طه حسين في إصلاح المعاهد الدينية، ولولا الحذر من أن يكون لمثل هذا المقال أثر في بعض النفوس الغافلة، لضربنا عنه صفحًا، وتركناه يذهب كما يذهب الزبد جفاء، أو كما يذهب الهشيم الذي تذروه الرياح. الغاية من هذا المقال ماثلة أمام قرائه، وهو مصنوع على شكلة ما يكتبونه حين يقصدون إلى إيهام السذج أن الإِسلام دين لا صلة له بالقضاء، ولا بشؤون الدولة، ولطالما كتب أهل العلم في تقويمهم، وأروهم أن في الإِسلام أصولاً قضائية، ونظماً اجتماعية، فأصروا واستكبروا استكباراً. لنترك حوارهم في هذا الشأن؛ فإن المسلمين بحق يقرؤون كتاب الله، أو يستمعون إلى من يقرؤوه، فيشهدون أن الإِسلام أتى بأصول تسلك في شؤون الجماعة، وتتغلغل في أحشاء الدولة، وأنه أسمى من أن يرضى لعلمائه البعد عن مناصب الحكم، والنظر في إدارة شؤون الأمة. الغرض من المعاهد الدينية: درس العلوم الإِسلامية، والعلوم العربية، وما يتصل بها من نحو: المنطق والفلسفة والتاريخ، ثم ما تدعو إليه الحاجة من العلوم والفنون الأخرى بمقدار، وإذا سارت دراسة هذه العلوم على طريقة منتظمة، وأسلوب موزون، كان في وسع هذه المعاهد أن تخرج لنا رجالاً للقضاء، وأساتذة للغة العربية وآدابها، وكان في وسعها أن تخرج لنا رجالاً يقومون بجانب من إدارة شؤون الأمة، كما يكون في وسعها أن تخرج للناس

стр. 4495

مرشدين إلى الآداب الفاضلة، ودعاة إلى الدين الحنيف. وإذا كانت علوم اللغة العربية وآدابها تدرس في هذه المعاهد بإتقان، وكانت علوم الفلسفة والمنطق والتربية والتاريخ تدرس ببسط، وعلى أسلوب قويم، فما الذي يمنع المتخرجين في هذه المعاهد من أن يكونوا أساتذة لهذه العلوم في مدارس الحكومة؟. وإذا كانت أصول الشريعة وأحكامها تدرس على مناهج تمكن الإخصائي فيها من أن يفصل في القضايا على سنة العدل والمساواة، فما الذي يمنعهم من أن يتقلدوا منصب القضاء، ويجلسوا للحكم بين الناس؟ وإذا بنى الكاتب مقاله على فرض إلغاء المحاكم الشرعية من القطر المصري، فقد بنى خيالاً على خيال؛ إذ لا يقدم على هذا العمل إلا الجاهل بنفسيات الشعوب يوم تشعر بحقوقها، وتطمح إلى أن تتمتع بحريتها، ولا حرية للشعوب الإِسلامية إلا أن تساس بأحكام شريعتها. نفهم جيدًا كيف لا يكون المتخرج في المعاهد الدينية مهندساً أو طبيباً، ونفهم جيداً كيف لا يكون المتخرج في المعاهد الدينية إذا لم يكن ملماً بلغة أجنبية وزيراً أو سفيراً، ولكنا لا نستطيع أن نفهم كيف لا يكون قاضياً في المحاكم، ولا نفهم كيف لا يكون أستاذاً للغة العربية في مدارس الحكومة، ولا نفهم كيف لا يطمع إلى التسلط على جانب من منصب الدولة. ألا إن الحكومة الرشيدة هي التي تدخل في مدارسها ومحاكمها ودوائرها من الطائفة التي أشربت روح الدين الخالص فريقاً يكونون وقاية لها من أن يسري فيها وباء الإباحية والزيغ فيهلكها، وما فشت الإباحية والزيغ في أمة إلا ذهبت قوتها المعنوية، وإذا لم يكن لها مع هذا قوة مادية كافية، فبطن

стр. 4496

الأرض خير لها من ظهرها. تلك الحكومة التونسية -وهي تحت نفوذ دولة غير إسلامية- قد أدركت كفاية المتخرجين في المعهد الزيتوني للقيام بالقضاء، وإدارة شؤون الدولة، فلم تستطع أن تحرمهم من مناصب القضاء، والعمل بدوائر الحكومة، فتجد المتخرج في المعهد الزيتوني أستاذاً في مدارس الحكومة، وقاضياً بالمحاكم الأهلية، بلهَ المحاكم الشرعية، وتجده في دوائر الأوقاف والمالية والحقانية، بل تجد للزيتونيين مكاتب في الرياسة العامة، والفرنسيون أنفسهم يشهدون لهؤلاء الزيتونيين بالكفاية والبراعة في تطبيق النظم والقوانين، ولن تبلى مصر -إن شاء الله- برجال دولة يكونون أقسى قلوباً على أبناء المعاهد الدينية من الحكومة الفرنسية. وإذا شوهد في بعض المتخرجين في هذه المعاهد قصور في التعليم أو الإدارة، فهو بمقدار ما يقع فيه إخوانهم من المتخرجين في المدارس الأخرى، وإذا صح أن يكون هذا القصور ظاهراً فيهم أكثر مما يظهر في غيرهم، فإنما هو أثر التعليم الذي ننادي بإصلاحه وتنظيمه. ومتى صلح التعليم، وتهذبت طرقه، أخرجت هذه المعاهد رجالاً يجمعون إلى طهارة الذمم والاستقامة على الطريقة ثقافة صافية، وعملاً ناصحاً. وإذا كانت معرفة العلوم الإِسلامية في نظر الكاتب ذنباً أو عيباً يستحق به صاحبه أن ينفى من دوائر الحكومة ومدارسها ومحاكمها، فذلك رأي قد يوافقه عليه قوم لا يشعرون، وآخرون لا يهتدون، أما من لهم السلطان على هذه المعاهد، فلم يزالوا بنعمة الله يشعرون ويهتدون، وأخالهم حين يمرون بمقال هذا الكاتب لا يمرون به إلا كراماً، كما أنه لا يلقى من طلاب

стр. 4497

هذه المعاهد إلا ازدراء. خير للكاتب أن يترك الخوض في إصلاح المعاهد الدينية جانباً، ففي هذه المعاهد اليوم حياة غير ما كان يعهد، وفي هذه المعاهد فتيان وكهول عرفوا قيمة ما يدرسون، فهم لا يبتغون سوى إصلاح مناهج التعليم، وهم لا يرضون إلا أن يقفوا مع إخوانهم المتخرجين في المدارس الأخرى جنباً لجنب، وكذلك حكمة الإِسلام الخالص تنبت في نفوس دارسيها إرادات قوية، وهمماً طماحة إلى المعالي، وتعلمهم أن يكونوا في الصف الأول من صفوف العاملين لإصلاح شأن البلاد، وإعزاز جانب الأمة. ولقد أبى ذلك الكاتب إلا أن يختم مقاله بشيء من المزح، فدعا طلاب العلم بهذه المعاهد أن يدعوا الدنيا وأعراضها، وتلا الآية الكريمة في غير موضعها. كلا. لا رهبانية في الإِسلام. وآية ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥] إنما يراد بها كبح جماح المفتونين بزينة هذه الحياة، فخطابها لا يختص بالمتخرجين في المعاهد الدينية، بل هم، وأساتذة الجامعة، وسائر المسلمين أمام موعظتها الحسنة على سواء.

стр. 4498

الأدوية المفردة بين دسقوريدس - وابن البيطار (١) بحث تاريخي يرى فيه القارئ كيف انتقل فن الأدوية المفردة من اليونانية إلى العربية، وكيف نَمَّاه العرب بتجاربهم ومؤلفاتهم. اتفق الأطباء على أنه متى أمكن التداوي بالغذاء، لا يعدل إلى الدواء، ومتى أمكن التداوي بالمفرد، لا يعدل عنه إلى المركب. ويذكر الكاتبون في سيرة الطبيب أبي المطرف عبد الرحمن بن محمد ابن وافد الأندلسي: "أنه كان لا يرى التداوي بالأدوية ما أمكن التداوي بالأغذية، أو ما كان قريباً منها، فإذا دعت الضرورة إلى الأدوية، فلا يرى التداوي بمركبها ما وصل إلى التداوي بمفردها، فإن اضطر إلى المركب منها، لم يكثر التركيب، بل اقتصر على أقل ما يمكنه منه". فشأن الطبيب أن يبحث عن حال الأغذية، والأدوية المفردة، والأدوية المركبة، ولهذا نرى في مؤلفات الأطباء ما يبحث فيه عن الأغذية وما يبحث فيه عن الأدوية المفردة، وما يبحث فيه عن الأدوية المركبة، ولما ندبني مجمع فؤاد الأول لتمثيله في المؤتمر الطبي الذي سينعقد في مدينة الإسكندرية في أيام عيد الأضحى سنة ١٣٦١ هـ، رأيت أن أقدم لهذا المؤتمر كلمة في تاريخ

стр. 4499

التأليف في الأدوية المفردة، والتنبيه لطريق نقلها من اليونانية إلى اللغة العربية، والتذكير بشيء من معاناة العرب للتأليف فيها. من بين الأطباء الذين ظهروا بعد أبقراط، وقبل جالينوس، نشأ الطبيب دسقوريدس المنسوب إلى عين زربى، أو زريه، وقد عني هذا الطيب بالأدوية المفردة بحثاً وتأليفاً وتصويراً، وكان يجول في البلاد لهذا الغرض النبيل، وقد قال في وصفه يحيى النحوي الإسكندراني: "النافع للناس منفعة جليلة، السائح في البلاد، المفتش لعلوم الأدوية المفردة في البراري والجزائر والبحار، المصور لها، والمحدد لمنافعها". ويقول الأطباء في القديم: إن دسقوريدس رأس كل دواء مفرد، وعنه أخذ جميع من جاء بعده. وجاء على أثر دسقوريدس أطباء من اليونان ألفوا في الأدوية المفردة كتباً حتى جاء جالينوس، فألَّف فيها، وفضل على تلك الكتب كتاب دسقوريدس، فقال: "إني تصفحت أربعة عشر كتاباً في الأدوية المفردة لأقوام شتى، فما رأيت فيها أتم من كتاب دسقوريدس الذي هو من أهل عين زربى". وممن ألف في الأدوية المفردة بعد جالينوس: عيسى بن قسطنطين، فله كتاب الأدوية المفردة، وهو -فيما يقال- أول من نقل كتب اليونانيين إلى اللغة السريانية. * كيف نقلت الأدوية المفردة إلى اللغة العربية ؟ أول من نقل كتاب "الأدوية المفردة" لدسقوريدس من اللسان اليوناني إلى اللسان العربي اصطفن بن بسيل، وطريقته في الترجمة: أنه إن علم للمعنى الطبي اسماً في اللسان العربي، ذكره باسمه العربي، وإن لم يعلم له اسماً عربياً، أبقاه على اسمه اليوناني رجاء أن يأتي بعده من يعرف لذلك المعنى

стр. 4500

اسماً عربياً يناسبه، وبعد أن أتم ترجمته، عرضه على حنين بن إسحاق، فصحح الترجمة، وأجازها، ووصل هذا الكتاب إلى الأندلس، فكان الناس ينتفعون بما عرف اسمه في العربية إلى أيام الخليفة عبد الرحمن الناصر. وفي سنة ٣٣٧ هـ بعث أرمنيوس ملك قسطنطينية بهدايا إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، ومن جملة هذه الهدايا: كتاب دسقوريدس باللسان الإغريقي اليوناني القديم، وكانت النسخة مصورة الحشائش بالتصوير الرومي، وقال أرمنيوس في كتابه للناصر: إن كتاب دسقوريدس لا تجتنى فائدته إلا برجل يحسن العبارة باللسان اليوناني، ويعرف أشخاص تلك الأدوية، فإن كان في بلدك من يحسن ذلك، فزت أيها الملك بفائدة الكتاب، واتفق أن لم يكن بقرطبة يومئذ من يقرأ اللسان الإغريقي، فبقي كتاب دسقوريدس في خزانة الناصر دون أن يترجم إلى العربي. ثم إن عبد الرحمن الناصر بعث إلى أرمنيوس أن يبعث إليه برجل يحسن التكلم الإغريقي؛ ليعلِّم من يصلحون لأن يكونوا مترجمين، فبعث أرمنيوس براهب كان يسمى: "نقولا" (١)، فوصل إلى قرطبة سنة ٣٤٠ هـ، وكان الناس وقتئذ في حرص على معرفة ما جهلوه من أسماء عقاقير ذلك الكتاب. ومن الأطباء الباحثين عن تفسير تلك الأسماء، وتعيين أشخاصها: محمد المعروف بالشجار، وطبيب يعرف بالبسباسي، وأبو عثمان الحزاز، ومحمد بن سعيد، وعبد الرحمن بن إسحاق بن هيثم، وأبو عبد الله الصقلي.

стр. 4501

وكان الراهب يتكلم باليونانية، ويعرف أشخاص الأدوية، فتلقَّى عنه أولئك الأطباء تصحيح أسماء العقاقير، ووقفوا على أشخاصها بمدينة قرطبة، قال ابن جلجل في "أنباء أطباء الأندلس": "وقد أدركت هؤلاء الأطباء، وصحبتهم". أما كتاب جالينوس في الأدوية المفردة، فمن المعروف أن كتب جالينوس في الطب قد نقلت إلى اللغة العربية، وكان معظمها بنقل حنين بن إسحاق، أو تصحيحه لها بعد نقلها، ومن مؤلفات حنين بن إسحاق: اختصاره لكتاب جالينوس في الأدوية المفردة، وألفه بالسريانية، وهو إحدى عشرة مقالة، ثم نقل منه إلى العربية خمس مقالات، وهي الجزء الأول منه، ولكن ابن البيطار يقول في مقدمة كتابه الجامع: إنه استقصى فيه ما أورده جالينوس في الست المقالات من مفرداته بنصه، وذكروا في مؤلفات الفيلسوف ابن رشد تلخيصه لأول كتاب الأدوية المفردة لجالينوس. وتناول العرب كتاب دسقوريدس، وكتاب جالينوس، واستمدوا منهما، وأخذ هذا الفن ينمو، ويزداد تحقيقاً؛ كما صنع أبو المطرف عبد الرحمن ابن وافد؛ فقد ألف كتاباً جمع فيه ما تضمنه كتاب دسقوريدس، وكتاب جالينوس المؤلفين في الأدوية المفردة، ورتبة أحسن ترتيب، وقال صاعد: وأخبرني أنه عانى جمعه، وحاول ترتيبه وتصحيح ما تضمنه من أسماء الأدولة وصفاتها، وأودعه إياها من تفصيل قواها، وتحديد درجاتها نحواً من عشرين سنة. وكما صنع أبو جعفر أحمد بن محمد الغافقي إذ ألف كتاباً في الأدوية المفردة، واستقصى فيه ما ذكره دسقوريدس، وجالينوس، وأضاف إلى ذلك

стр. 4502

ما تجدد للمتأخرين من الكلام في الأدوية المفردة. وكما صنع أبو داود سليمان المعروف بابن جلجل؛ فقد فسر أسماء الأدوية المفردة من كتاب دسقوريدس، وكشف مغلقها، ورفع إبهامها، وله مقالة في الأدوية التي لم يذكرها دسقوريدس في كتابه (١). وكما صنع أبو العباس أحمد بن مفرج المعروف بابن الرومية، ويعرف بالنباتي؛ فقد فسر أسماء الأدوية المفردة من كتاب دسقوريدس، قال ابن أبي أصبيعة في ابن العباس هذا: أتقن علم النبات، ومعرفة أشخاص الأدوية، وقواها ومنافعها، واختلاف أوصافها، وتباين مواطنها، وجال سنة ٦١٣ هـ في الشام والعراق ومصر، وعاين نباتاً كثيراً في هذه البلاد مما لم ينبت بالمغرب، وشاهد أشخاصها في منابتها، ونظرها في مواضعها، وعاد إلى المغرب، وأقام بإشبيلية. وألف في الأدوية المفردة من غير هؤلاء جمع كبير من الأطباء؛ مثل: حنين بن إسحاق، وإسحاق بن حنين، وإسحاق بن عمران، وإسحاق بن سليمان المعروف بالإسرائيلي، وأحمد بن أبي خالد المعروف بابن الجزار، وخص الرئيس ابن سينا الكتاب الثاني من كتاب "القانون" بالأدوية المفردة، وجاء بعد هؤلاء أبو محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن البيطار، وعني بالأدوية المفردة، وسافر إلى بلاد اليونان، وأقصى بلاد الروم، ولقي أناساً كثيرين من المولعين بهذا الفن، ورأى منابت الحشائش المذكورة في كتب الأدوية المفردة بعينه، وعاد بعد هذه الرحلة إلى الشام، وخدم

стр. 4503

بصناعة الطب الكامل بن العادل في دمشق، ثم خدم بها ولده الصالح بمصر، وتوفي في دمشق سنة ٦٤٦ هـ. ولابن البيطار شرح على أسماء أدوية كتاب دسقوريدس، قال ابن أبي أصبيعة: قرأت عليه تفسيره لأسماء أدوية كتاب دسقوريدس، فكنت أجد من غزارة علمه ودراسته وفهمه شيئاً كثيراً، وكان يذكر أولاً ما قاله دسقوريدس في كتابه باللفظ اليوناني على ما قد صححه في بلاد الروم، ثم جمل ما قاله دسقوريدس من نعته وصفته وأفعاله، وأعجب من ذلك: أنه كان لا يذكر دواء إلا ويعين في أي مقالة هو من كتاب دسقوريدس، وفي أي عدد هو من جملة الأدوية المذكورة في تلك المقالة. ولابن البيطار كتابه المشهور المسمّى "الجامع"، وسماه الجامع؛ لأنه جمع فيه بين الأغذية والأدوية المفردة. قال ابن سعيد في كتاب "المغرب" بعد أن ذكر الأدوية المفردة: "وقد جمع أبو محمد المالقي الساكن الآن بالقاهرة بمصر كتاباً حشر فيه ما سمع به فقدر عليه من تصانيف الأدوية المفردة؛ ككتاب الغامقي، وكتاب الزهراوي (١)، وكتاب الشريف الإدريسي الصقلي، وغيرها، وضبطه على حروف المعجم، وهو النهاية في المقصد". وذكر ابن البيطار في كتابه "الجامع": أنه استوعب فيه مقالات دسقوريدس الخمس بنصها، وما أورده جالينوس في المقالات الست من مفرداته بنصها

стр. 4504

كذلك، وألحق بهما من أقوال المحدثين في الأدوية النباتية والمعدنية والحيوانية ما لم يذكراه. ولم يأخذ ابن البيطار فيما ينقله عن هؤلاء طريقة المتابعة المحضة، بل كان يتحرى طريقة النقد، فقال: "وما كان مخالفاً -في القوى والكيفية والمشاهدة الحسية في المنفعة والماهية- للصواب والتحقيق، أو أن ناقله أو قائله عدل فيه عن سواء الطريق، نبذته ظِهريّاً، وهجرتُهُ مليّاً، وقلت لناقله أو قائله: لقد جئت شيئاً فرياً، ولم أحابِ في ذلك قديماً لسبقه، ولا محدثاً اعتمد غيري على صدقه" ونبه في صدر الكتاب على أغراضه، وجعل من هذه الأغراض: التنبيه على كل دواء وقع فيه وهم أو غلط لمتقدم أو متأخر؛ لاعتماد أكثرهم على الصحف والنقل، واعتماد على التجربة والمشاهدة. وقد دل ابن البيطار في هذه الجمل على مبدأ لا يترقى علم الطب إلا به، وهو نقد الأقوال، وعدم تلقيها بالتسليم إلا أن تكون مصحوبة بدليل من نحو التجربة والمشاهدة. وقدّر الغربيون هذا الكتاب قدره، وأذكر أن الدكتور (لوكير) نقله من العربية إلى اللسان الفرنسي، وطبعت الترجمة بباريس.

стр. 4505

كلمات وخواطر وآراء " يطالع القارئ الكريم في الصفحات التالية كلمات لفضيلة الإمام الأكبر محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - ألقاها في احتفالات دينية إسلامية رائعة، ومناسبات اجتماعية. كما يطالع القارئ خواطر وآراء متفرقة نشرها الإمام في مجلة "الهداية الإِسلامية". وقد ضممنا إلى تلك الكلمات والخواطر والآراء القيمة فواتح سنوات المجلة، التي كان يفتتح بها سنتها الجديدة عاماً بعد عام؛ لما في هذه الفواتح من توجيه صادق، ودعوة إلى الإصلاح. وغايتنا: أن نجمع كل التراث العظيم لذاك الرجل المصلح العظيم؛ خدمة للإسلام، وليعم النفع المسلمين، والله ولي التوفيق". * شعور الحاضرين بموضوع الخطبة (١): شعور الحاضرين بموضوع الخطبة -قبل أن يشرع الخطيب في إلقائها- يجعلهم على بصيرة من أمرها، فيتلقونها بآذان واعية، وأذهان حاضرة، ولاسيما حيث يكون الموضوع عزيزاً شيقاً، وفي إيذان الحاضرين بالغرض الذي ستلقى فيه الخطبة معونة على وقوعها في نفوسهم بصورة منظومة أجزاؤها، موصولة

стр. 4506

أوائلها بأواخرها؛ فإن الخطيب قد يفتتح الخطبة بمقدمات لا يظهر القصد من إتيانه عليها إلا عندما يدخل في حديث الغرض نفسه، فإعلام المستمعين بالغرض يجعلهم يتلقون تلك المقدمات على تنبه لوجه المناسبة التي تنتظمها في نفسها، ثم للصلة التي تربطها بالغرض المصوغ من أجله الخطاب. دل التاريخ على أن العرب قد يأخذون بهذه العادة المعروفة اليوم؛ من تنبيه الملأ للموضوع الذي أزمع الخطيب أن يخوض بيانه. نجد في التاريخ: أن عبد الله بن الزبير قدم على الخليفة عثمان بفتح أفريقية، وقص عليه كيف كانت الواقعة، فأعجب عثمان بما سمع منه، وقال له: يا بني! أتقوم بمثل هذا الكلام على الناس؟ فقال: يا أمير المؤمنين! أنا أهيبُ لك مني لهم، فقام عثمان في الناس خطيباً، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! إن الله قد فتح عليكم أفريقية، وهذا عبد الله بن الزبير يخبركم خبرها -إن شاء الله-، وكان عبد الله بن الزبير إلى جانب المنبر، فقام خطيباً. وكان أول من خطب إلى جانب المنبر. ولا ننسى مع هذا أن هناك أحوالاً تقتضي عدم إشعار الملأ بما يقصد من الخطبة؛ كان يكون الغرض الذي يرمي إليه الخطيب من الأمور التي عهدوا بإنكارها، أو عدم الاحتفال بشأنها، والخطيب في هذه الحال مضطر إلى أن يبهم الغرض من الخطبة؛ حتى يطرق مقدمات شأنها أن تهيئ نفوس السامعين لقبول ما يقرره من حقيقة، أو يدعو إليه من إصلاح. * جمعية الهداية الإِسلامية - سبب تأليفها (١): إن متانة أصول الإِسلام، وحكمة شريعته، ووضاءة آدابه، تجعلنا على

стр. 4507

أمن من أن تمسه الدعايات المناوئة له بسوء، فلا نخشى على أصوله أن تزعزع، ولا على شريعته أن يبدو فيها مغمز، ولا على آدابه أن توزن بما هو خير منها، أو مثلها، ولكن قلة العناية بالقيام على هذه الأصول والشريعة والآداب، وتلقينها لنشئنا في أول طور من أطوار حياتهم العلمية، مهد الطريق لنفر يحملون ألقاباً إسلامية، ثم ما يكون منهم إلا أن يأتمروا على الإِسلام، ويبثوا سموم دعايتهم في بعض الصحف، ومجامع التعليم. دعاية سارت في استهواء بعض شبابنا خطوات غير قليلة، ومن أثرها: أن أصبح طائفة ممن يقعدون في مقاعد التدريس، أو السيطرة على جماعة من المسلمين، يطعنون في جانب هذا الدين الحنيف بكل صفاقة، لا يرعون في أهله ذمة، ولا يرقبون لآداب الاجتماع عهداً، ويريدون بعد هذا كله أن يسموا الإلحاد إصلاحاً، والخلاعة حرية. نحن على يقين من أن دعاية تكيد الإِسلام وتناصبه العداوة لا تتقدم بشيء من العلم أو المنطق، وإنما هي عوامل مادية تدفعها، ثم لا تجد أمامها قوة علمية منظمة تكفي الناس شرها، وتحمي الوطن من وبائها. ولو تمثلت عاقبة هذه الدعاية في أعين أهل العلم يوم أخذت تدرج في أوطاننا، لقضوا عليها قبل أن يقول قائل: "يجب القضاء على الدين الذي تتعدد فيه الزوجات"، ويقول آخر: "سيأتي الوقت الذي تعرفون فيه أن الميراث ليس من الدين"، ويؤلف ثالث كتاباً (١) يخادع فيه المسلمين بزعم أن القضاء ليس من الدين.

стр. 4508

ولو اتخذ أهل العلم الصغائر مرآة يبصرون ما وراءها من الكبائر، لما بلغ بعض رؤساء الشعوب الإِسلامية أن يرهقوا ذلك الشعب طغياناً، ويحملوه على عوجاء نهارها كليلها، ثم لا يصغوا إلى توبيخ ضمائرهم حين يسمون الإرهاق حرية، ونور الإيمان غباوة. لا تستطيع أي قوة أن تقضي على الدين الذي تتعدد فيه الزوجات، ولن يأتي الوقت الذي يعتقد فيه الناس أن الميراث ليس من الدين، ولا ينخدع المسلمون لمن يكيد للإسلام، ويريد أن يخرجه لهم في صورة الدين الذي يمكن فصله عن القضاء والسياسة، ولا يستقيم الأمر لرئيس يجهل على الإِسلام، أو يتخذ ممن يجهلون على الإِسلام عضداً، فقد تيقظ المسلمون حقاً من خمولهم، وقام أهل العلم يطفئون فتنة الإغواء جهدهم. وعلى هذا القصد تألفت جمعية الهداية الإِسلامية. مبادئ هذه الجمعية ومساعيها: في اليوم الثالث عشر من شهر رجب سنة ١٣٤٦ هـ الموافق ٦ يناير سنة ١٩٢٨ م تأسست جمعية الهداية الإِسلامية، وهي جمعية علمية أدبية، الغرض من تأسيسها: القيام بما يرشد إليه الدين الحنيف؛ من علم نافع، وأدب رفيع، وخلق كريم، وتعتمد في تحقيق هذا الغرض على الوسائل الآتية: ١ - السعي لتعارف الشعوب الإِسلامية، وتوثيق الرابطة بينها، ورفع التجافي بين الفرق الإِسلامية، والتعاون مع كل جمعية تسعى لهذه الغاية. ٢ - نشر حقائق الإِسلام بأسلوب يلائم روح العصر. ٣ - مقاومة الإلحاد والدعايات غير الإِسلامية في الأوطان الإِسلامية بالطرق العلمية.

стр. 4509

٤ - الجهاد في إصلاح شأن اللغة العربية، وإحياء آدابها. ويقوم أعضاء هذه الجمعية منذ أنشئت بإلقاء محاضرات في المساجد عقب صلاة الجمعة، ومحاضرات في بعض النوادي عندما تدعو الحاجة إلى ذلك، وبتحرير هذه المجلة التي ستسير -بتأييد الله تعالى- على الصراط السوي، وتفتح صدرها لنشر ما تسمح به أقلام البلغاء، ودعاة الإصلاح من المباحث القيمة والنصائح السامية. الذين قاموا بالدعوة إلى تأسيس هذه الجمعية: السادة: ولي الدين أسعد المدني - حسين شكري الشواء - أحمد العربي المدني - يوسف عبد الرزاق المشهدي - محمد الحسن مصطفى - عبد الله مصطفى المراغي - هاشم دفتر دار المدني - محمد البسطامي - خلوصي الكيالي - صلاح الدين أبو علي - عبد القادر عبد العزيز يوسف - عبد الحليم علي النجار - محمد منجود. مجلس الإدارة: محمد الخضر حسين: رئيس - الشيخ محمد عبد المطلب مدرس بدار العلوم العليا: وكيل أول - الشيخ علي محفوظ المدرس بقسم الوعظ والإرشاد بالأزهر: وكيل ثان - الشيخ فكري يس مدرس بالأزهر: كاتم سر الجمعية - عبد الحميد أفندي مدكور: أمين الصندوق - الشيخ مصطفى بدر زيد مدرس بالأزهر: مراقب الجمعية. الأعضاء: الشيخ عبد ربه مفتاح المفتش العام للوعظ والإرشاد بالوجه البحري - الشيخ عبد الجليل عيسى مدرس بالأزهر - الشيخ علي مصطفى أبو درة مدرس بالأزهر - الشيخ عبد الوهاب النجار مدرس بقسم التخصص بالأزهر - الدكتور عبد العزيز قاسم بك - الشيخ يوسف حجازي مدرس بالأزهر - الشيخ محمد عبد السلام القباني مدرس بالزهر - الشيخ أحمد أبو سلامة مدرس

стр. 4510

بالأزهر - الشيخ محمد سلامة مدرس بالأزهر - الشيخ حامد محيسن مدرس بالأزهر - الأستاذ محمد الأزهري الهاشمي بك المحامي بالاستئناف العليا. * منهج ابن سينا في البحث (١): يرتفع شأن طالب العلم، ويكون أرسخ قدماً في فهم الحقائق، متى أخذ نفسه بأدبين اثنين: أحدهما: أن لا يعجل إلى قبول ما يتلقاه من طريق الرواية إلا أن يثق بصحتها، ولا إلى تقليد ما يقف عليه من رأي إلا أن تؤيده الحجة. ثانيهما: أن لا يعجل إلى إنكار ما لم يستبن له أمره، بل يدعه إلى جانب الإمكان إلى أن يقوم له شاهد بامتناع وقوعه. وقد نبه على هذين الأدبين الفيلسوف ابن سينا في كتاب "الإشارات"، فقال: "إياك أن يكون تكيسك وتبرزك عن العامة هو أن تبرأ منكراً لكل شيء، فذلك طيش وعجز. وليس الخرق في تكذيبك ما لم تستبن جليته دون الخرق في تصديقك بما لم تقم بين يديك بينته، بل عليك الاعتصام بحبل التوقف، وإن أزعجك استنكار ما توعاه سمعك، ما لم يبرهن استحالته لك، والصواب: أن تسرح أمثال ذلك إلى بقعة الإمكان ما لم يردك عنها قائم البرهان، واعلم أن في الطبيعة عجائب، والقوى العالية الفعالة، والقوى السافلة المنفعلة اجتماعات على غرائب". يريك ابن سينا أن من الحمق إنكار الشيء الذي لم ينكشف لك وجه الحق منه، وليس هذا الحمق بأشد من حمق الذي يصدق بما لم تقم عليه

стр. 4511

بينة، إذن يجب عليك أن تزن ما يرد عليك من رواية أو رأي، فتضع هذا بمكان القبول، وتقابل ذلك بالرفض، وتطرح الآخر إلى جانب الإمكان؛ لعله يعود إليك محمولاً على عاتق الحجة. أما انصرافك عن الأشياء التي لم تستبن جليتها انصراف المنكر لها، فإنه يجعل بينك وبين كثير من الحقائق حجاباً مستوراً، فيخف في العلم وزنك، ويطيش في البحث رأيك، فتفسد أكثر مما تصلح، وتضل أكثر مما ترشد، وما أنت بأقل شراً ممن ينحط في هوى كل ناعق، وكلاكما عضو معتل يبعث من دمه الفاسد إلى جسد الأمة ما ينهك قوته، ويذهب ببهائه. * أبناء المسلمين في مدارس التبشير (١): من الذي يستطيع أن يهيئ لولده عيشاً راضياً، وينبته نباتاً حسناً، فينشأ سليم القلب، طاهر اللسان، صديقاً لأسرته، عاملاً على إعلاء شأن أمته، ولكنه يأبى أن يفعل هذا الذي ينصح به لولده، ويجني ثمار الحمد من عواقبه، فيعمد إليه وهو صافي الفطرة، فيلقيه في بيئة يتولاه فيها من لا يرقبون إلّاً ولا ذمة، فلا يزالون يلقنونه زيغاً، ويبذرون في نفسه شراً، والذي خبث لا يخرج إلا نكداً. ذلك مثل المسلم الذي يهبه الله ولداً ليسلك به في هداية، ويعدَّه لأن يكون عضواً يرتاح لسعادة قومه، ويتألم لشقائهم، فإذا هو يبعث به إلى مدارس أسست لمحاربة الدين الحنيف، ولقتل العاطفة القومية، وهي المدارس التي تنشئها في بلادنا الجمعيات التي يقال لها: "جمعيات التبشير".

стр. 4512

إن الذي يقذف بولده بين جدران هذه المدارس، لا تكون جريمته من جريمة أولئك الذين كانوا يقتلون أولادهم خشية إملاق ببعيد، ألم يقم الدليل إثر الدليل على أن القائمين فيها بأمر التعليم يلقنون أبناء المسلمين معتقدات ديانة غير إسلامية، ويحملونهم على تقاليدها، ويتعرضون للطعن في شريعة الإِسلام بطرق شأنها أن تؤثر على الأطفال ومن هم بمنزلة الأطفال في عدم معرفتهم بحقائق الدين معرفة تقيهم من شر ذلك الإغواء؟! ليس ذلك الذي يزج بابنه في مدارس التبشير بالذي يقتل نفساً واحدة، ولكنه يقتل خلقاً كثيراً، ويجني بعد هذا على الأمة بأجمعها، ولا أقول هذا مبالغة، فقد يصير هذا الولد أستاذاً من بعد، ويفسد على طائفة عظيمة من أبناء المسلمين أمر دينهم ووطنيتهم، كما أفسد عليه أولئك القسس أمر دينه ووطنيته، وقد أرتنا الليالي أن من المتخرجين في هذه المدارس من يملك سلطة على قوم مسلمين، فيجدون فيه من الغلطة والمكر وعدم احترام الشريعة ما لا يجدونه في الناشئ على غير الإِسلام. قد ينال الطالب في هذه المدارس علماً، وليس هذا العلم في جانب ما يخسره من دينه، وما يفوته من الإخلاص لأمته، بالشيء الذي يثقل وزنه، ولكنها الأهواء تأخذ القلوب، فتبعث الرجل على أن يأخذ بيد ابنه وهو كالملَك طهراً وطيبة، ويقوده إلى حيث يشهد ازدراء قومه، والطعن في الحنيفية السمحة، فلا يلبث أن ينقلب ذلك الطهر رجساً، وذلك الطيب خبثاً، وتكون العاقبة ما نسمعه عن كثير من المتخرجين في هذه المدارس وما نرى. عرفت أيام كنت في دمشق أن ذا منصب في العسكرية رفيع، جاء بابنه الصبي إلى الأستاذ صاحب مدرسة التهذيب الإِسلامي، وذكر له أنه كان أدخل

стр. 4513

ابنه هذا في مدرسة من المدارس الأجنبية، فأزاغوا عقيدته، ويلغ به الحال أن صار يدعوني وأمه إلى النصرانية، ثم رغب إلى الأستاذ وهو مملوء حزناً وندماً أن يعالج قلب هذا الغلام، ويعرض عليه محاسن الإِسلام لعله يزكى. وقد عرف القراء اليوم نبأ ذلك القسيس الذي صدرت صحف هذا الشهر، شهر الصيام، طافحة بإنكار ما قاله وهو في درس يلقيه بإحدى هذه المدارس طعناً في الإِسلام، ملأ فمه بالطعن في الدين القيم دون أن يحترم شعور بعض أبناء المسلمين الذين سيقوا إلى الجلوس بين يديه، وقد حملت الغيرة أحد الطلاب الذين لا تزال فيهم بقية من إيمان على أن أنكر قوله، وفضح أمره، وإن في ذلك لعبرة لقوم يؤمنون. ونحن لا نكثر من الإنكار على ذلك القسيس، ولا على القائمين بشؤون هذه المدارس، فإنهم يقضون حاجة في نفوسهم، أو ينفذون خطة رسمت لهم، وإنما نوجه إنكارنا، بل موعظتنا إلى إخواننا المسلمين الذين يقذفون أبناءهم في بيئة لا يخرجون منها إلا وقد غشي نفوسهم ضلال، من فوقه ضلال، ومن فوقه لوثة أخلاق حقيرة: ظلمات بعضها فوق بعض، ولظلماتُ الآخرة أشد وأبقى. * مجلة الرابطة تزعم أنها لا تنصر دينا على دين (١): تقول مجلة "الرابطة الشرقية" (٢) في عددها الثالث: "وقد أخذت مجلتنا على نفسها بأن تكون لسان الشرقيين جميعاً، لا تفرق بين أديانهم وأجناسهم، ولا تنصر ديناً على دين".

стр. 4514

تقول هذا في الرد على الأستاذ السيد محمد رشيد رضا حين نصح لها أن لا تنشر المقالات ذات الدعايات المناوئة للإسلام، ولقد عرفت لجنة تحريرها أن الناس لا يرجون منها أن تنصر دين الإِسلام على دين، وغاية ما يدعوها إليه عقلاء الأمة أن تسير في سبيل علمية أو أدبية أو اجتماعية، تحترس فيها من أن تمس عواطف الشعوب الإِسلامية بأذى، وإذا كانت مجلة الرابطة التي يديرها شيخ مشايخ طرق الصوفية تزعم أنها لا تنصر ديناً على دين، فما بالها تبتدئ عملها بنشر أقوال الطاعنين في الإِسلام من النصارى الأوربيين، ثم لا تستحي الأدب أن يراها تنشر مقالاً يكتبه بعض المخالفين في شأن مسيلمة الكذاب؛ كالموازنة بينه وبين أصدق الناس لهجة محمد بن عبد الله؟! وهل ضاقت على مجلة الرابطة مباحث الأوربيين العلمية والأدبية والاجتماعية بما رحبت، فرأت نفسها مضطرة إلى أن تملأ صحائفها بمثل هذه المقالات التي لا يخفى القصد من نشرها على القارئ النبيه؟!. ونحن لا نستطيع أن نفهم كيف يجتمع التصوف وفتح الصدر للدعاية التي يقوم بها أمثال سلامة موسى بارتياح؟! نعم، نستطيع أن نفهم كيف يلتقي هذا وذاك في نفس واحدة، متى استطاعت مجلة الرابطة أن تقنعنا بفساد ما أجمع عليه العقلاء قاطبة من أن النقيضين لا يجتمعان بمكان. * النقد التحليلي لكتاب في "الأدب الجاهلي " (١): كان الدكتور طه حسين وضع كتاباً سماه: "في الشعر الجاهلي" (٢)، وارتكب فيه من الخطأ في البحث، ومن مناوأة الإِسلام ما دعا طائفة من حملة

стр. 4515

الأقلام إلى نقده وتقويم عوجه، وكان الأستاذ المفضال محمد أحمد الغمراوي ممن نقدوا ذلك الكتاب بمقالات نشرت في جريدة "البلاغ"، وكان أهل العلم والفضل يقرؤونها بإعجاب، واقترح بعض أهل الفضل على الأستاذ الغمراوي جمعها، وإبرازها في كتاب، فلم يسترح لأن يجيب رغبتهم؛ نظراً لأن الكتاب المنقود قد حجز، وفي حجزه أمان من أن يخالط عقولاً فيكدرها، أو يساور نفوساً فيزيغها، ثم إن الدكتور طه حسين حذف من الكتاب المحجوز أجهل جمل نال فيها من الدين الحنيف، وأضاف إليه حديثاً من أوله، وحديثاً من آخره، وسماه: كتاب "في الأدب الجاهلي". وعند هذا رأى الأستاذ الغمراوي أن تنبيه النشء لما يحمله هذا الكتاب من مزاعم وهمزات، إنقاذ لهم من أن يتخبطوا في غير علم، أو يسقطوا في غير هدى، فعاد إلى ما كان قد نشره في جريدة "البلاغ"، واتخذه نواة لنقد كتاب "في الأدب الجاهلي" الذي هو كتاب "في الشعر الجاهلي" روحاً وغاية وطريقة، فطعنه في صميم مباحثه، وأمتع القول في الكشف عن عيوبه. تناول الأستاذ الغمراوي كتاب "في الأدب الجاهلي" من ناحية العلم والأدب والتاريخ، ثم من الناحية التي تمس الدين الحنيف، فرفع الطلاء عما احتواه من أغلاط، وأقام الشاهد بعد الشاهد على أنه وليد فكر تندفع به الأهواء في غير طريق. فمن يقرأ كتاب "النقد التحليلي" يأخذه الإعجاب بما وهب الله صاحبه من سلامة الذوق، وأصالة الرأي، ولو أن كل شبابنا الذين يدرسون في البلاد الغربية، أو أكثرهم يعودون إلينا بمثل ما عاد به الأستاذ الغمراوي من علم موزون، وعقل راجح، ونفس مطمئنة، لكان لنهضتنا اليوم من القوة والاستحكام

стр. 4516

ما يملأ النفوس أملاً، ويجعلنا من عهد الحياة الآمنة الزاهرة بمكان قريب. والكتاب متوج بمقدمة مكررة بقلم العلامة البليغ الأستاذ الأمير شكيب أرسلان، ولهذه المقدمة حظ عظيم من نقد كتاب "في الأدب الجاهلي" زيادة على ما عنيت به من النظر في كتاب "النقد التحليلي"، ووصفه وصف من قدره حق قدره، حتى قال: "وما لي وللتعليق على كتاب الغمراوي، واستقصاء ما فيه، وهو لم يترك في القوس منزع ظفر، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة من الموضوع إلا وفاها حقها من البحث بطريقة علمية اعتادها من مباحثه في الكيمياء وعلم الطبيعة، وتم فيها حظه بملكة عربية متناهية في البلاغة". * الأستاذ متفوخ (١): لقيته في "برلين"، وهو أحد علمائها المستشرقين، وقد ترجم كتباً عربية إلى الألمانية، منها: كتاب "علاج العيون" لعمار الموصلي، وفصل: علاج العيون من كتاب علي بن عيسى في صناعة الطب، وفصل: علاج العيون لابن سينا، وكتاب "وقائع العرب" لأبي عبيدة بن المثنى الكبير والصغير، ونقل إلى الألمانية ترجمة حمزة الأصفهاني، وترجمة ابن سعد صاحب "الطبقات". * حول "خطاب مفتوح إلى حضرة محمد " (٢): تقصد مجلة "الفتح" (٣) الغراء أن تقدم إلى المسلمين -كلما اقتضى الحال- أمثلة تجعلهم على بصيرة من الحركة التي يقوم بها في البلاد التركية أولئك النفر الذين يعملون على إطفاء نور الإِسلام من ديارهم، ومن هذه الأمثلة: ما نشرته

стр. 4517

في عدد ١٣٥، وهو: "خطاب مفتوح إلى حضرة محمد" لقومندان أوغلو قاسم توفيق صاحب جريدة "كنج دو شونجه لر"، وقد دل هذا الخطاب على ما بلغته تلك الحركة من الصفاقة والتلطخ برجس الزيغ والبهتان. قومندان أوغلو قاسم توفيق أراد أن يؤذي المسلمين بأبلغ ما يستطيع أن يؤذي به رجل أمة ذات دين عزيز، وشريعة حكيمة، فنحت من صميم قلبه أفحش سباب، وقذف به حضرة رسول الله ﷺ ، ولم يشف غليله أن يقول سفهاً، حتى أخرج سفهه في صورة خطاب مفتوح إلى حضرة الرسول الذي أخرج العالم من الظلمات إلى النور. دخل قاسم توفيق سوق الطعن في الإِسلام التي فتحها في البلاد التركية رهط لا يبصرون، وعرض من بضائع السباب أفضح ما يروج عند كبرائهم، وبقي يتمتع بهذا السباب، ويطلق فيه قلمه بضعة أشهر، وقلوبُ المسلمين تكاد يتميز من الغيظ، حتى قبض عليه البوليس السري وهو يقدم خريطة حربية لدار سفارة أجنبية، ولهذه الجريمة سيق إلى السجن، ولكن مجلة تسمى الخروج على الإِسلام إصلاحاً، عجلت إلى أن تخادع قراءها، فزعمت أن لسجن قومندان أوغلو قاسم توفيق صلة بالسباب الذي كان يتهجم به على الحضرة النبوية. وإن تعجب من بغضاء قوم للدين الحنيف بلغت ما يمثله "خطاب مفتوح إلى حضرة محمد"، فاعجبْ لنفر لا يزالون يسمون أنفسهم المسلمين، يعتبون على صحيفة "الفتح" أن تذيع بين المسلمين حقائق ما يقوله أو يفعله أولئك الرهط من دلائل عدائهم للإسلام، واستماتتهم في محاربته. ونحن لا نستطيع أن تتصور هؤلاء الذين يتخبطهم الغضب عند نشر

стр. 4518

المكائد التي تدبر للإسلام، إلا أنهم قوم لا يكادون يفقهون قولاً، أو أنهم يفقهون، ولكنهم لا ينصحون للقوم المسلمين، وعلى أي حال كان أولئك المحاربون، وهؤلاء الأغبياء أو الخائنون، لابد لأرباب الأقلام الرشيدة من أن ينقذوا العالم الإِسلامي من هذه الفتنة العمياء، ويحولوا بينه وبين عاقبة هي الخسران المبين. * افتتاح نادي جمعية الهداية الإِسلامية (١): أيها السادة! كنا نود أن لا نخطب أو نكتب إلا بحثاً في علم، أو حثاً على فضيلة، أو دعوة إلى إصلاح، وإنا لنكره أن نخوض فيما يمس الأمة من أمراض اجتماعية، أو فيما يبث بينها من زيغ وجحود، ولكنا نرى أنفسنا ملجئين إلى أن نصف حالتنا كما هي، وأن نذكر الحقائق كما يذكرها المؤرخ الذي يحرص على أن تكون نتائجه صادقة، وأحكامه في الأفراد أو الأمم عادلة، وإن الخطر لا يبلغ أن يكون كبيراً إلا أن يسكت عنه الناس يوم يظهر صغيراً. فإذا عرَّجنا في خطبنا على عوج في الأخلاق، أو مرض في القلوب، فإنما نقصد إلى السلامة من العوج، والحماية من المرض، ولا تنهض الأمة من كبوتها إلا أن تفتح صدرها لرجال ينقذونها على نصح، ويلفتون نظرها

стр. 4519

إلى ما يلقى في سبيلها من رجس وفساد. أيها السادة! ما من أحد في الشرق إلا يشعر بحاجتنا إلى أن ننهض كما تنهض الأمم المستقلة بتدبير شؤونها، نتحد في هذا الشعور، والذي يمكن أن تختلف فيه الأفراد أو الجماعات منا، إنما هو الوسائل التي نسلكها إلى مسابقة تلك الأمم الناهضة، بل إلى لحاقها؛ لأنها تقدمت علينا أشواطاً واسعة المدى. لا بأس في اختلاف الآراء النابتة في نفوس يعمرها الإخلاص، فإن الباحثين المخلصين لا يختلفون اختلافاً بعيداً، ولا يصرون على رأي شهدت الحجة على أنه غير سديد، وإنما البأس في آراء أو نزعات تقوم على أهواء، فهذه هي التي تطيش في عمى، وتنبذ إلى الأحلام الراجحة على سواء، وهذه هي التي تبعد بين الجماعات، فيتفرقون إلى غير ملتقى. في العالم الإِسلامي اليوم دعايتان بينهما من الاختلاف مثل ما بين بياض النهار وسواد الدجى: دعاية تقوم على ما أرشد إليه الإِسلام من حكمة وفضيلة ونظام، وحجةُ القائمين بهذه الدعاية -وهم المسلمون بحق-: أن الإِسلام لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من وسائل السعادة والعظمة إلا أرشد إليها، أو نبه على مكانها. وقد حدثت بجانب هذه الدعاية الرشيدة دعاية تقصد إلى صرف القلوب عن الهدى، وتسعى إلى أن تفتح في وجوه فتياننا وفتياتنا طرق المجون والخلاعة، والشبهةُ التي ينصبها القائمون بهذه الدعاية لاصطياد النفوس الغافلة، هي: أن هذه الأمم الباسطة سلطانها على كثير من أوطاننا، لا تتقلد الإِسلام ديناً، ولا تبالي أن تذهب في الخلاعة واتباع الشهوات أينما تشاء. يقولون هذا بأفواههم، كأنهم لا يعقلون أن تلك الأمم القوية إنما تسيطر

стр. 4520

علينا بما تملك من القوة المادية، وبما تحوطها به من نحو الصبر وقوة الأمل، أما الجحود وإطلاق العنان في الشهوات، فوصمة في عرض الإنسانية، وعلة لا تشيع في جماعة إلا انقلبت خطواتهم إلى وراء، ولو أن أمة ملكت من القوة المادية مثل ما يملك هؤلاء، ثم استقامت على طريقة الرشد والعفاف، لكان لها من القوة المعنوية ما يجعلها أرجح وزناً، وأشد بأساً، وأرفع لواء، وأعز جانباً. كنا نشعر بدعاية الجحود والخلاعة، ونسمع لها صوتاً ضئيلاً، ونلمح لها أثراً حقيراً، حتى انطلقت الحرب العامة من عقالها، وفعلت في الحالة النفسية فعلتها، فإذا بعض النفوس التي كانت تغتبط بهدايتها وطهارة سرائرها، أصبحت تباهي بجحودها، وتنحط في أهوائها، وإذا بعض الأقلام التي كانت تدعو إلى خير وإصلاح، أخذت تنزع إلى شر، وتنادي إلى خسار، وإذا بعض من شأنهم أن يكونوا أنصاراً للحق والفضيلة، يتحيزون إلى دعاة الجحود والإباحية، ويضاهونهم في الكيد للدين القيم، ولكن من تحت ستار. ساعد هذه الدعاية على أن تبلغ ما بلغت، وتفسد من نفوس شبابنا ما أفسدت: أنها تتصل بطوائف من المخالفين، يحرصون على أن لا يبقى لشريعة الإِسلام عين ولا أثر، أفلا تنظرون إلى زعمائها كيف يتملقون حلفاءهم، فيلتقطون سيئات العرب وغيرهم من رجال الإِسلام بسمِّ الخياط، ويعمدون إلى مباهتة التاريخ، فيجعلون الفضل في كل صالحة إلى غير القوم المسلمين؟!. أن يسمعوا سُبَّة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا عرف فريق من نبهاء المسلمين أن هذه الدعاية لا تستند إلى رجاحة في الفكر، أو رسوخ في العلم؛ فإن زعماءها يبحثون فيخلطون، وينطقون فلا
следующие страницы →