ما يملأ النفوس أملاً، ويجعلنا من عهد الحياة الآمنة الزاهرة بمكان قريب.
والكتاب متوج بمقدمة مكررة بقلم العلامة البليغ الأستاذ الأمير شكيب أرسلان، ولهذه المقدمة حظ عظيم من نقد كتاب "في الأدب الجاهلي" زيادة على ما عنيت به من النظر في كتاب "النقد التحليلي"، ووصفه وصف من قدره حق قدره، حتى قال: "وما لي وللتعليق على كتاب الغمراوي، واستقصاء ما فيه، وهو لم يترك في القوس منزع ظفر، ولم يغادر صغيرة ولا كبيرة من الموضوع إلا وفاها حقها من البحث بطريقة علمية اعتادها من مباحثه في الكيمياء وعلم الطبيعة، وتم فيها حظه بملكة عربية متناهية في البلاغة".
* الأستاذ متفوخ (١):
لقيته في "برلين"، وهو أحد علمائها المستشرقين، وقد ترجم كتباً عربية إلى الألمانية، منها: كتاب "علاج العيون" لعمار الموصلي، وفصل: علاج العيون من كتاب علي بن عيسى في صناعة الطب، وفصل: علاج العيون لابن سينا، وكتاب "وقائع العرب" لأبي عبيدة بن المثنى الكبير والصغير، ونقل إلى الألمانية ترجمة حمزة الأصفهاني، وترجمة ابن سعد صاحب "الطبقات".
* حول "خطاب مفتوح إلى حضرة محمد " (٢):
تقصد مجلة "الفتح" (٣) الغراء أن تقدم إلى المسلمين -كلما اقتضى الحال- أمثلة تجعلهم على بصيرة من الحركة التي يقوم بها في البلاد التركية أولئك النفر الذين يعملون على إطفاء نور الإِسلام من ديارهم، ومن هذه الأمثلة: ما نشرته
стр. 4517
في عدد ١٣٥، وهو: "خطاب مفتوح إلى حضرة محمد" لقومندان أوغلو قاسم توفيق صاحب جريدة "كنج دو شونجه لر"، وقد دل هذا الخطاب على ما بلغته تلك الحركة من الصفاقة والتلطخ برجس الزيغ والبهتان.
قومندان أوغلو قاسم توفيق أراد أن يؤذي المسلمين بأبلغ ما يستطيع أن يؤذي به رجل أمة ذات دين عزيز، وشريعة حكيمة، فنحت من صميم قلبه أفحش سباب، وقذف به حضرة رسول الله ﷺ ، ولم يشف غليله أن يقول سفهاً، حتى أخرج سفهه في صورة خطاب مفتوح إلى حضرة الرسول الذي أخرج العالم من الظلمات إلى النور.
دخل قاسم توفيق سوق الطعن في الإِسلام التي فتحها في البلاد التركية رهط لا يبصرون، وعرض من بضائع السباب أفضح ما يروج عند كبرائهم، وبقي يتمتع بهذا السباب، ويطلق فيه قلمه بضعة أشهر، وقلوبُ المسلمين تكاد يتميز من الغيظ، حتى قبض عليه البوليس السري وهو يقدم خريطة حربية لدار سفارة أجنبية، ولهذه الجريمة سيق إلى السجن، ولكن مجلة تسمى الخروج على الإِسلام إصلاحاً، عجلت إلى أن تخادع قراءها، فزعمت أن لسجن قومندان أوغلو قاسم توفيق صلة بالسباب الذي كان يتهجم به على الحضرة النبوية.
وإن تعجب من بغضاء قوم للدين الحنيف بلغت ما يمثله "خطاب مفتوح إلى حضرة محمد"، فاعجبْ لنفر لا يزالون يسمون أنفسهم المسلمين، يعتبون على صحيفة "الفتح" أن تذيع بين المسلمين حقائق ما يقوله أو يفعله أولئك الرهط من دلائل عدائهم للإسلام، واستماتتهم في محاربته.
ونحن لا نستطيع أن تتصور هؤلاء الذين يتخبطهم الغضب عند نشر
стр. 4518
المكائد التي تدبر للإسلام، إلا أنهم قوم لا يكادون يفقهون قولاً، أو أنهم يفقهون، ولكنهم لا ينصحون للقوم المسلمين، وعلى أي حال كان أولئك المحاربون، وهؤلاء الأغبياء أو الخائنون، لابد لأرباب الأقلام الرشيدة من أن ينقذوا العالم الإِسلامي من هذه الفتنة العمياء، ويحولوا بينه وبين عاقبة هي الخسران المبين.
* افتتاح نادي جمعية الهداية الإِسلامية (١):
أيها السادة! كنا نود أن لا نخطب أو نكتب إلا بحثاً في علم، أو حثاً على فضيلة، أو دعوة إلى إصلاح، وإنا لنكره أن نخوض فيما يمس الأمة من أمراض اجتماعية، أو فيما يبث بينها من زيغ وجحود، ولكنا نرى أنفسنا ملجئين إلى أن نصف حالتنا كما هي، وأن نذكر الحقائق كما يذكرها المؤرخ الذي يحرص على أن تكون نتائجه صادقة، وأحكامه في الأفراد أو الأمم عادلة، وإن الخطر لا يبلغ أن يكون كبيراً إلا أن يسكت عنه الناس يوم يظهر صغيراً.
فإذا عرَّجنا في خطبنا على عوج في الأخلاق، أو مرض في القلوب، فإنما نقصد إلى السلامة من العوج، والحماية من المرض، ولا تنهض الأمة من كبوتها إلا أن تفتح صدرها لرجال ينقذونها على نصح، ويلفتون نظرها
стр. 4519
إلى ما يلقى في سبيلها من رجس وفساد.
أيها السادة! ما من أحد في الشرق إلا يشعر بحاجتنا إلى أن ننهض كما تنهض الأمم المستقلة بتدبير شؤونها، نتحد في هذا الشعور، والذي يمكن أن تختلف فيه الأفراد أو الجماعات منا، إنما هو الوسائل التي نسلكها إلى مسابقة تلك الأمم الناهضة، بل إلى لحاقها؛ لأنها تقدمت علينا أشواطاً واسعة المدى.
لا بأس في اختلاف الآراء النابتة في نفوس يعمرها الإخلاص، فإن الباحثين المخلصين لا يختلفون اختلافاً بعيداً، ولا يصرون على رأي شهدت الحجة على أنه غير سديد، وإنما البأس في آراء أو نزعات تقوم على أهواء، فهذه هي التي تطيش في عمى، وتنبذ إلى الأحلام الراجحة على سواء، وهذه هي التي تبعد بين الجماعات، فيتفرقون إلى غير ملتقى.
في العالم الإِسلامي اليوم دعايتان بينهما من الاختلاف مثل ما بين بياض النهار وسواد الدجى:
دعاية تقوم على ما أرشد إليه الإِسلام من حكمة وفضيلة ونظام، وحجةُ القائمين بهذه الدعاية -وهم المسلمون بحق-: أن الإِسلام لم يغادر صغيرة ولا كبيرة من وسائل السعادة والعظمة إلا أرشد إليها، أو نبه على مكانها.
وقد حدثت بجانب هذه الدعاية الرشيدة دعاية تقصد إلى صرف القلوب عن الهدى، وتسعى إلى أن تفتح في وجوه فتياننا وفتياتنا طرق المجون والخلاعة، والشبهةُ التي ينصبها القائمون بهذه الدعاية لاصطياد النفوس الغافلة، هي: أن هذه الأمم الباسطة سلطانها على كثير من أوطاننا، لا تتقلد الإِسلام ديناً، ولا تبالي أن تذهب في الخلاعة واتباع الشهوات أينما تشاء.
يقولون هذا بأفواههم، كأنهم لا يعقلون أن تلك الأمم القوية إنما تسيطر
стр. 4520
علينا بما تملك من القوة المادية، وبما تحوطها به من نحو الصبر وقوة الأمل، أما الجحود وإطلاق العنان في الشهوات، فوصمة في عرض الإنسانية، وعلة لا تشيع في جماعة إلا انقلبت خطواتهم إلى وراء، ولو أن أمة ملكت من القوة المادية مثل ما يملك هؤلاء، ثم استقامت على طريقة الرشد والعفاف، لكان لها من القوة المعنوية ما يجعلها أرجح وزناً، وأشد بأساً، وأرفع لواء، وأعز جانباً.
كنا نشعر بدعاية الجحود والخلاعة، ونسمع لها صوتاً ضئيلاً، ونلمح لها أثراً حقيراً، حتى انطلقت الحرب العامة من عقالها، وفعلت في الحالة النفسية فعلتها، فإذا بعض النفوس التي كانت تغتبط بهدايتها وطهارة سرائرها، أصبحت تباهي بجحودها، وتنحط في أهوائها، وإذا بعض الأقلام التي كانت تدعو إلى خير وإصلاح، أخذت تنزع إلى شر، وتنادي إلى خسار، وإذا بعض من شأنهم أن يكونوا أنصاراً للحق والفضيلة، يتحيزون إلى دعاة الجحود والإباحية، ويضاهونهم في الكيد للدين القيم، ولكن من تحت ستار.
ساعد هذه الدعاية على أن تبلغ ما بلغت، وتفسد من نفوس شبابنا ما أفسدت: أنها تتصل بطوائف من المخالفين، يحرصون على أن لا يبقى لشريعة الإِسلام عين ولا أثر، أفلا تنظرون إلى زعمائها كيف يتملقون حلفاءهم، فيلتقطون سيئات العرب وغيرهم من رجال الإِسلام بسمِّ الخياط، ويعمدون إلى مباهتة التاريخ، فيجعلون الفضل في كل صالحة إلى غير القوم المسلمين؟!.
أن يسمعوا سُبَّة طاروا بها فرحاً ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا
عرف فريق من نبهاء المسلمين أن هذه الدعاية لا تستند إلى رجاحة في الفكر، أو رسوخ في العلم؛ فإن زعماءها يبحثون فيخلطون، وينطقون فلا
стр. 4521
يصيبون، ولولا مظاهر يأخذون بها أعين الغافلين من الناس، لذهبت مساعيهم كالنقش على الماء عبثاً.
عرف هؤلاء النبهاء منشأ هذه الدعاية، وعرفوا الأيدي التي تشد أزرها، وتنفق عليها بسخاء، وعرفوا أنها تقوم على بهرج من القول، فلم يروا من الصعب عليهم أن يقعدوا لها كل مرصد، ويطاردوها بما استطاعوا من قوة، وما القوة إلا الرمي بالحجة والموعظة، فقاموا يؤلفون الجمعيات، وينشئون الصحف، ويفتحون النوادي، وقد ظهر لهذه المساعي النبيلة -بحمد الله- أثر عظيم.
وعلى هذا النحو تنهض جماعة من أهل العلم إلى إنشاء جمعية إسلامية علمية أدبية فأنشؤوها، ولقبوها: "الهداية الإسلامية".
فالغرض الأسمى لهذه الجمعية: حماية أبناء المسلمين وإنقاذهم من حفرة تلك الدعاية الغاوية.
فشأن هذه الجمعية أن تعرض حقائق الدين الحنيف، وحكمة تشريعه في صورها الخالصة النقية، وشأنها أن تبحث في تاريخ رجال الإِسلام من العرب وغير العرب، تنبه على ما كان لهم من عبقرية في العلم، أو فضل في البيان، أو شرف في الأخلاق، أو رشد في السياسة.
ولا تضل أمة وقفت على حكمة شريعتها، ودرست تاريخ الأعلام من رجالها.
قال محمد بن إسحاق المعروف بأبي العباس: أدركت شيوخ الحي وهم يحضروننا ناديهم ونحن صبيان نسمع ما يتذاكرونه، وكانوا يفتتحون الكلام ويختتمونه بإنشاد هذا البيت:
قد يعلم الناس أنا من خيارهم ... في الدين ديناً وفي أحسابهم حسبا
стр. 4522
تعمل هذه الجمعية على إصلاح الأخلاق، ولا سيما خلق كالمداجاة والملق يكون لها في ظهور الباطل على الحق أثر شديد، وقد علَّمنا التاريخ والمشاهدة أن لا خير في نفوس تلقي بمودتها وتملقها إلى من يقطعون سبيل الرشد ويبغونها عوجاً، ويعجبني قول الشاعر الحماسي:
ولست وإن قربت يوماً ببائع ... خلاقي ولا ديني ابتغاء التحبُّبِ
تحرص هذه الجمعية على أن ترى في العالم الإِسلامي رجالاً بارزين تسمو هممهم، ويجدُّ جدُّهم حتى يتركوا في الدنيا دوياً يمثل قول ابن الحسين:
وتركك في الدنيا دوياً كأنما ... تداولَ سمعَ المرء أنمله العشر
دويٌّ، ولكنه يتفجر من نفوسٍ طينتها الإخلاص، وغذاؤها أشار الشرف الخالد على زهرة هذه الحياة، دويّ، ولكن يتموج فيه صوت الحق، فلا يسع الباطل إلا أن يخر له صعقاً زاهقاً.
ومن علل الضعف الذي دخل في الإِسلام: تلكم الاختلافات التي كان مبدؤها اختلافاً في الرأي، ثم صار إلى اختلاف في القلوب، وإذا اختلفت القلوب، فلا شيء سوى التخاذل والتنازع، وإذا تخاذلت الأمة وتنازعت، فإنما هو الفشل، وإنما هي الدائرة التي يتربصها خصومها ليقضوا من سيطرتهم عليها وطراً.
ولهذا أزمعت جمعية الهداية أن تعمل على رفع التجافي بين الفرق الإِسلامية، ولعلها تستطيع يتأبيد الله، وبوسيلة مجلتها الضاربة في الشرق يميناً وشمالاً، أن تضع مكان التجافي ألفة وسلاماً، وإذا عزَّ على زعماء هذه الفرق الوصول إلى تقليل مواقع الاختلاف في الآراء، فلا يعز عليهم أن يخففوا وقعه
стр. 4523
في القلوب، ويكفوه عن أن يشيع فيها فاحشة التقاطع، والقصد إلى الأذى.
يبدو لنا أن تلك الدعاية التي تأكل الطمأنينة والهمم الخطيرة من نفوس أبنائنا، لم يتيسر لها أن تبلغ ما بلغت إلا بالتفرق الضارب بين علماء الإِسلام، فإن من أهل العلم من لا يشعر بهذه الفتنة كما هي، ومنهم من يشعر بها وبسوء مغبتها، ويدري من أين تثور عاصفتها, ولكن تعظم في عينه حتى يأخذه اليأس من أن توجد قوة تطعن في مقاتلها.
نظر القائمون على جمعية الهداية إلى هذه العلة: علةِ تفرق أهل العلم، فوضعوا في منهج الجمعية أن تعمل على تعارف العلماء المستنيرين أينما كانوا، حتى يكونوا على بينة من أمر هذه الدعاية، وينهضوا لإطفائها من حول فتياننا وفتياتنا قبل أن يصلَوها وهم لا يعقلون.
لا يهولنا خطب هذه الدعاية النزقة، ولا يخالط أوهامنا أن أمرها قد نفذ، وأنها أصبحت الروح المتفشي في البلاد، فإننا نخاطب الفطر السليمة، والعقول النابهة، وإنما نخاطبها بالحجة. وما وقعت الحجة إلى فطرة سليمة، أو إلى عقل نابهٍ إلا كانت الهداية ثالثهما.
ولقد قام محمد - صلوات الله عليه -، والروح السائدة في البلاد جحود وخلاعة، فجاهد بما أوتي من حكمة، فقلب الجحود إلى طمأنينة، والخلاعة إلى وقار وعفاف، ولم يقف أمام حكمته ما يملكه خصومه من ألفاظ وأساليب، ولا ما يملكونه من ثراء وزعامة. وهذا ما يملكه أعداء شريعته السمحة في هذا اليوم، فإن أومؤوا إلى الفلسفة، أو تفيقهوا باسم الفلسفة، قلنا: الصادق من نظراتها يخدم القرآن، وسفسافُها لا يلقي الشبهة في كلام البشر، فضلاً عن أن يعترض حكمة علام الغيوب.
стр. 4524
وإذا قام اليوم نفر يريدون القضاء على اللغة العربية الفصحى، ويدعوننا إلى أن تتفرق شيعاً، ويزخرفون القول في أن يستعمل كل شعب أو وطن لغته الدارجة، فإن هذه الجمعية ستظل ثابتة على الدفاع عن هذه اللغة العامرة السامية، واضعة يدها في أيدي من يعملون لإعلاء شأنها، وبسط سلطانها على الشعوب الشرقية قاطبة.
تسير هذه الجمعية على حكمة نطق بها أبو العباس المبرّد إذ يقول:
ليس لقدم العهد يفضل القائل، ولا لحدثانه يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق.
فهذه الجمعية أكيسُ من أن تتمسك بالقديم على أي حال، أو تنبذ الجديد كيفما كان، بل شأنها أن تحترم الصالح، وإن كان ابن يوم أو ليلة، ولا تعبأ بغير الصالح، وإن بلغ من الكبر عتياً.
فلا نقيم تقدم الزمن ولا لحداثته وزناً:
ألا إنما الأيام أبناء واحد ... وهذي الليالي كلها أخواتُ
وإنما نعتمد على أصول العلم الصحيح، وما تقضي به العقول البريئة من الأهواء.
أخذت هذه الجمعية على نفسها أن لا تتعرض لشؤون السياسة؛ فإن الجمعيات التي تحوم على السياسة قد تقصر أعمارها، أو لا تستقر على مبادئها، ونحن نبغي لهذه الجمعية عمراً طويلاً، وجولة واسعة، وخطة قيمة راسية.
أيها السادة! هذه مقاصد جمعيتنا الناهضة نعرضها على حضراتكم في وجه من الإيجاز، وقد أخذنا نعمل لتحقيقها في قرارة جأش، وحرية ضمير، وصراحة في القول، وإنا إن شاء الله لمهتدون.
стр. 4525
* تروتسكي "يعتنق الإِسلام في بيئة تجهل على الإِسلام " (١):
نقلت الصحف خبر اعتناق تروتسكي الزعيم البولشفي للإسلام، وهو منفي في تركيا، وجاء في حديث إسلامه: "أنه على أثر شفائه من مرضه في الآستانة، دعا مفتي الآستانة، فأجاب دعوته، وشهد اجتماعهما مندوب جريدة "وقت" التركية، فقال تروتسكي: كنت يهودياً، غير أن مبادئي لم ترق لبعض الحاخامين، فحرموني من ديانتي، ولكني لم أعر حرماني هذا اهتماماً كثيراً؛ لأن مبادئ الدين الإسرائيلي لم تكن لتروقني، فلم أحتجّ، ولم أعارض.
وأما الآن، وأنا أتقدم في السن, فإني أشعر كغيري من الناس بأني في حاجة إلى إيمان ودين سماوي، ففكرت في وقت ما أن أصبح مسيحياً، غير أني عدلت عن ذلك؛ لكرهي اعتناق دين القياصرة المستبدين، وراسبوتين الراهب الشرير، فلم يبق أمامي غير الدين الإِسلامي الذي دققت في البحث في شرائعه، فوجدت فيه مزايا حسنة، منها: أنه يحض على المناقشة والمباحثة في أصوله، ولذا سأعتنق الإِسلام. وسيتناول فضيلة المفتي العشاء معي، ثم يبدأ بتلقيني الشرائع الإِسلامية" (٢).
مجلة "الهداية الإِسلامية": يحدثنا تروتسكي أنه اعتنق الإِسلام بعد أن دقق البحث في حقائق شريعته الغراء، ومن نظر إلى أن تروتسكي نشأ في منبت غير إسلامي، وأشرب مذهباً ذا مبادئ لا تلائم طبيعة الدين الحنيف، ثم وقع في بيئة أخذ مترفوها يفسقون عن الإِسلام علانية، وثق بأن مثل تروتسكي إنما يسلم على سلطان من الحجة مبين.
стр. 4526
ولا عجيب أن يهتدي تروتسكي للإسلام، ويزيغ عنه نفر ترددوا على معاهد شريعته بضع سنين؛ فإن هؤلاء النفر لم ينظروا في حقائقه نظر الباحث النبيه، وما كانت تعاليمه إلا كالصور تقع على ظاهر قلوبهم دون أن تخالط سرائرها، فما هم من أولئك الذين يتجافون عنه بجهالة مطلقة ببعيد.
ولنا الأمل في أن تصلح طرق التأليف والتعليم، فيسهل على كل ناشئ يدرس حقائق الشريعة أن يصل إلى لبابها، وينفذ إلى بالغ حكمتها.
ولو عني القائمون على شؤون الدين بترجمة محفوفة بالاستدلال وبيان الحكمة، لأصبح عدد المعتنقين للإسلام من أمثال تروتسكي غير قليل.
* حول نقل الكتب العربية إلى الألمانية (١):
لقيت في "برلين" شاباً مستشرقاً يقال له: "ريشه"، وكان يقيم في الآستانة، وله اختصاص الأستاذ الشيخ إسماعيل حافظ أمين مكتبة بايزيد.
نقل هذا الشاب من العربية إلى الألمانية قصائد أبي الأسود الدؤلي، "ومقامات الهمذاني"، و"أطباق الذهب" لعبد المؤمن الأصفهاني، و"مقامات الزمخشري"، و"الأدب الصغير" لابن المقفع، وكتاب "أحسن ما سمعت" للثعالبي، وهذا ما ترجمه وتم طبعه، واخبرني أنه ترجم "الأدب الكبير" لابن المقفع، ومقدار الربع من "فتوح البلدان" للبلاذري، وربما طبع الكتاب أو الرسالة كما هي، وعلق عليها بعض بيانات باللسان الألماني، مثل: "شرح ابن الأنباري لمعلقة زهير" و"شرحه لمعلقة عنترة"، ورسالة "المذكر والمؤنث" لابن جني، ورسالة "بقايا الأشياء" لأبي هلال العسكري.
стр. 4527
* للتاربخ (١):
تلقى مدير هذه المجلة من أستاذ علامة كبير في رباط الفتح رسالة خاصة، دلت على غزارة علمه، وسعة اطلاعه في التاريخ, وعلو مكانته في الأدب، فنقتبس منها ما يأتي خدمة للتاريخ:
"منذ برهة اجتمعت بحاضرتنا بالشيخ القاصر الصدام "أحد مدرسي جامع الزيتونة"، فكانت مجالس أنس، ومسامرات علم، ومحاضرات أدب، وكان أول ما جرى من الأحاديث مما يتعلق بكم، فاستعبر وبكى على فراقكم ... وأجبته تسلية له: بأن القاهرة المعزية هي كرسي الإِسلام وإيوانه كما يقول ولي الدين الحضرمي، والتاريح يعيد نفسه، ولذلك تجبى إليها ثمرات كل شيء، وليست هذه الأولى من نوعها، وذكرته بعهد أسد بن الفرات، وسحنون، ورحلتهما للعلم والغنم، والتدوين والتمدين، وعهد ابن خلدن، ثم "بيرم" القريب العهد.
وعلى العكس من ذلك همّ الحافظ زين الدين العراقي بالرحلة لسماع "الموطأ"؛ لعلو خطيب "الزيتونة" بها، فلم يتفق له كما في "طبقات ابن فهد المكي".
على أن فضل "الخضراء (٢) " غير قاصر من هذه الناحية على جارتها الشرقية، بل سرى حتى إلى جارتها الغربية، وليس ببعيد ما عقده في العهد السليماني شيخ الإِسلام الرياحي تلميذ الشيخ إسماعيل التميمي مع الهيئة العلمية بالمغرب من أواصر الإخاء والصفاء، مما زاد في مفاخر الخضراء ..
стр. 4528
على أن ذلك غير قاصر على الأعيان، بل شامل حتى للبنيان.
وما زلت أسمع أن الملو ... ك تبني على قدِّ خطاها
فإن الجامع الأزهر بمصر إنما بناه القائد جوهر القادم من تونس يوم السبت ٢٤ جمادي الأولى سنة ٣٥٩ كما هو مشهور ... وإن جامع القرويين بفاس إنما بنته القانتة أم البنين السيدة فاطمة بنت محمد الفهري القيرواني يوم السبت فاتح رمضان سنة ٢٤٥ لما قدمت مع أبيها وإخوتها في وفد القيروان على مولانا إدريس باني فاس نجلِ الفاتح العظيم.
فاستحسن ما ذكرته في "القرويين"، واستغربه، فأحلته إلى صحف التاريخ المغربي؛ كالقرطاس وغيره، وإنه من الحقائق المقررة في الحقائب، فحاول أن يجعل ذلك من الإنصاف، فقاومت بأن "حقائق الأشياء ثابتة"، وأن العلم رحم بين أهله، وأن الإِسلام لا وطنية له، وإنما المؤمنون إخوة".
هذا ما كتبه فضيلة ذلك الأستاذ، وهو أحد أفاضل علماء المغرب الأقصى، ونحن لا ننسى ما للجامع الأزهر بالقاهرة، ولجامع القرويين بفاس من الأثر الكبير في نهضة العلم بجامع الزيتونة؛ فإن الكتب التي تدرس بجامع الزيتونة أغلبها من مؤلفات الأزهر، أو علماء المغرب الأقصى، ولتعاليم الجامع الأزهر، وتعاليم جامع القرويين أثر عظيم في الثقافة الزيتونية، ولا ننسى بعد هذا طائفة من علماء فاس قدموا إلى تونس، واتخذوها دار إقامة، وتلقى عنهم التونسيون من العلوم ما لم يكونوا يعلمون؛ مثل: الشيخ محمد الفاسي المتوفى سنة ١٢٣٢، وأذكر الآن أن أحد الفضلاء من علماء مصر، وهو أبو المكارم هبة الله ابن الحسن المصري، رحل من مصر إلى الأندلس، وولي القضاء بإشبيلية، وانتقل إلى المغرب، وولي القضاء بفاس، ثم استصحبه السلطان يعقوب
стр. 4529
المنصور إلى تونس، وولاه قضاءها، واستمر قاضياً بها إلى أن توفي سنة ست وثمانين وخمس مئة، وكذلك كانت البلاد الإِسلامية ولا تزال في نظر الذين أوتوا الحكمة وطناً واحداً.
* فاتحة السنة الثانية (١):
أيها السادة! تشعر الأمة بعلل ضعفها، فتلجأ إلى الدواء الناجع، ودواءُ ضعف الأمم: التربية النقية، والعلم الموزون، وإذا ظفرت الأمة من التربية المهذبة بأمنيتها، وملأت من العلم النافع يدها، تقاربت عقولها، وتشابهت قلوبها، وإذا تقاربت الآراء، وتشابهت الهمم، فما هو إلا الوفاق والاتحاد، وبرابطة الاتحاد تبلغ الأمة أشدها، وتملك وسائل نجاتها، والأمة القوية باتحادها، المالكة لوسائل نجاتها، تتراءى لها الغاية الشريفة، فلا تتمالك أن تسعى لها سعيها, ولا ترضى إلا أن تقف عندها:
شعورٌ فعلمٌ فاتحادٌ فقوةٌ ... فعزمٌ فإقدامٌ فإحرازُ آمالِ
بمثل ذلك كانت الأمة الإِسلامية في عزة ضافية، وسلطان مكين، أدركت الأمة ذلك المقام المحمود يوم أخرج الإِسلام رجالاً استنارت عقولهم، وخلصت ضمائرهم، فأفاضوا على العالم حكمة ورشداً وإصلاحاً، ويوم كانت معاهدنا العلمية طافحة برجال لا يرضون من العلم إلا باللباب، ولا من المعالي إلا بالسنام، ولا يهابون الرئيس إلا أن يكون تقياً.
стр. 4530
أعقمت المعاهد إلا نزراً، ونضب معين العلم إلا ثمداً، أخلدت النفوس إلى الأهواء، تفرقت الأمة أيدي سبا، تداعى بناء تلك العزة، تقلص ظل ذلك السلطان، وإذا العاقبة ما ترون بأعينكم، أو تسمعون بآذانكم.
لا أريد أن أتناول في هذا المقام ما يمس جماعتنا من مرض في الأخلاق، ولا ما تقاسيه بعض الشعوب من عسف وإرهاق، وشأني في هذا المقام أن ألفت أنظاركم إلى نزعة لو خلي سبيلها، وألقي حبلها على غاريها, لمزقت الأمة شر ممزق، ولبسطت بها في خسر دائم وشقاء بعيد.
ثلة من المخالفين، وثلة ممن نشؤوا في بيوت المسلمين، تشابهت قلوبهم، وتواطأت آراؤهم على أن يقعدوا للحق في كل مرصد، ويطعنوه في كل مقتل، يعملون على هذا القصد في بعض الصحف، في بعض المؤلفات، في نوادي بعض الجمعيات، بل أخذ الزيغ بمجامع قلوبهم، فلم يبالوا أن يقذفوه في نفوس طلاب العلم، وقد جلسوا إليهم في فطر صافية، وأذهان خالية.
ومما نقضي له أشد الأسف: أن يتخذوا في بعض المعاهد الإِسلامية أصابع يومئون بها إلى ما ابتغوا من إباحة منكر، أو استبدال جحود بإيمان.
تخيل القائمون بهذه الدعاية الزائفة أن أولياء الحق في موتة فلا ينتبهون، أو أنهم في رهبة من رؤوس الضلال فلا يكافحون، فهاجموا الدين الحنيف من نواحي شتى، وأوشكت سهامهم -لولا وقاية الله- أن تنفذ في قلوب النشء، فيرتدوا على أعقابهم خاسرين.
من مظاهر هذه الوقاية: أن كان في نشئنا فطر سليمة تدرك شر ما يوسوس به أولئك المنحرفون عن السبيل، وإن خرجوا في زي المرشد رياء، أو صاغوا دعايتهم زخرف القول غروراً. وقد رأينا بعض المتخرجين في المدارس التي
стр. 4531
لا يعني فيها بدرس شيء من علوم الدين، يقفون أمام من يحاول إغواءهم موقف المزدري بأقوالهم، الضارب بها في وجوههم، وما هي إلا الألمعية المهذبة، أو ما يتلقى في البيت من تربية ناصحة، وأدب حكيم.
وإذا نحن بحثنا عن نشأة هذه الجمعيات التي نهضت لتحول بين دعاة الجحود والإباحية وما يشتهون، نجد أكثر الداعين إلى تأسيسها، والقائمين بعبء ثقيل من أعمالها، هم الشبان الذين سمعوا أو قرؤوا ما يقوله أولئك المجرمون، فعرفوا أن أشرف جهاد في هذه الحياة العمل على إنقاذ الأمة من بلاء يثيره حولها قوم لا يهتدون.
توفق فريق من الشيوخ والشبان إلى أن يدافعوا هؤلاء المنكرين بمثل سلاحهم الذين يحاربون، فألفوا الجمعيات كما ألفوا، وفتحوا النوادي كما فتحوا، وأنشؤوا الصحف كما أنشؤوا، وقد أخذوا من هذه الوسائل بما استطاعوا، فوجدوا لها في إزاحة الشر ودفع الخطر أثراً مشهوداً.
وهذه جمعية الهداية الإِسلامية أنشئت، وليس لديها من وسائل الجهاد إلا الثقة بأن الله مع الذين يصلحون ولا يفسدون.
افتتحت الجمعية أعمالها بمحاضرات تلقى لإرشاد الجمهور في مساجد القاهرة وغيرها من القرى، ومحاضرات تلقى عن طريقة البحث العلمي في بعض النوادي الأدبية.
وأخذ مجلس الإدارة مع هذا يسعى لإنشاء مجلة تعمل لتحقيق مبادئ الجمعية.
ظهرت المجلة، ولم نستطع بالنظر إلى مقدار ما تيسر من الوسائل المادية أن نصدرها في مظهر أكبر مما صدرت، وأقدمنا على إظهارها حسب الميسور؛
стр. 4532
رجاء أن تكون من المشروعات التي تبدو صغيرة، ثم لا تزال تنمو حتى يتسع نطاقها، ويعظم في الناس أثرها.
سارت المجلة في خطبتها المرسومة على نظر وبصيرة، فنالت في البلاد الإِسلامية حظوة، ولقيها أهل العلم في كل قطر بأحسن قبول.
خطة المجلة: تتناول الخطة المرسومة للمجلة نواحي متعددة: قد تمكنا في السنّة الماضية من التحرير في بعضها، وسنمضي -بتأييد الله تعالى- في هذه الخطة، ونأتي على كل ناحية منها كما مست الحاجة إلى شيء من موضوعاتها.
تبحث المجلة في حقائق الإِسلام، وفي كل إصلاح تتناوله أصول الشريعة الغراء، مع اجتناب الآراء المخالفة لما أجمع عليه الأئمة المجتهدون، والابتعاد عن الجمود الذي لا يليق بسماحة الدين الحنيف.
تبحث عن حكمة التشريع الإِسلامي؛ لتري قراءها أن الإِسلام يرفع أولياءه بحق إلى أرقى ما يرام من السعادة في الحياة الأولى قبل الآخرة.
تتصدى لدفع ما يلقى حول الدين من شبه، أو يوجه إليه من مطاعن، وتكشف اللثام عن الضلالة التي تجيء باسم التجديد مرة، واسم حرية الفكر مرة أخرى.
تبحث عما يفعله الناس على أنه من الدين، وما هو من الدين في شيء، تتعرض لتراجم عظماء الرجال، ولا سيما من كان لهم في حياة المسلمين العلمية أو السياسية أو الاجتماعية أثر جليل.
تبحث في الأخلاق والعادات من حيث حسنها، فتحث على التمسك بها، أو من حيث قبحها، فتنصح بتحاميها والإقلاع عنها.
стр. 4533
تبحث عما يجري في المعاهد العلمية من أطوار التربية وأساليب التعليم؛ لتتناولها بالنقد، وتميز مساوئها من محاسنها.
ينشر فيها ما يقضي الحال نشره من المباحث العائدة إلى علوم اللغة العربية وآدابها.
وهي -بعد هذا- تعد صفحاتها لكل مقال يبحث عن شيء من أسرار الكون، أو ما وصل إليه العلم من نظريات ومبتكرات.
هذا هو المنهج الذي تتوخاه المجلة فيما يستقبل من الأيام، وإنا -إن شاء الله- لمهتدون.
* ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الألمانية (١):
ترجم القرآن المستشرق "ركرت" المتوفى في أواسط المئة الماضية، ولكنه توفي قبل أن يتم ترجمته. ثم ترجمه المستشرق "هنينك"، وكان في أيام الحرب الكبرى يعيش في "فرنكفورت". إلا أن "ركرت" كان يراعي في الترجمة بلاغة اللسان الألماني، فيتصرف في الترجمة بنحو التقديم والتأخير، والتعبير بالحقيقة مرة، والمجاز أخرى، وأما "هنينك"، فكان يقصد إلى أن يترجم القرآن ترجمة حرفية، فيحافظ على ترتيب الآية، ويتحرى في الترجمة أداء المعنى الأصلي جهد استطاعته.
وهناك ترجمة أخرى للقرآن لا أذكر صاحبها، وأخبرني بعض من اطلع عليها أنها مملوءة بالخطأ والتحريف، وأخبرني الأستاذ "هردر" أن إحدى الجمعيات راسلته تقترح عليه أن يترجم لهم آيات من سور متفرقة من القرآن،
стр. 4534
فاقتبس لهم مما ترجمه المستشرق "ركرت" آيات كثيرة في التوحيد والأخلاق والأحكام، وطبعوها مجموعة وصارت منتشرة بينهم انتشار التراجم الأخرى.
* قسم التخصص بالأزهر الشريف (١):
الغرض من إنشاء هذا القسم: إخراج علماء واسعي الاطلاع، راسخي الفهم فيما أقبلوا على التخصص فيه من العلوم، وهو من أعظم المفاخر التي امتازت بها مصر عن بقية الممالك الإِسلامية في هذا العصر، فنحن ننظر إلى هذا القسم كأنه مطلع حياة علمية إسلامية راقية، ولا نعد أنفسنا مبالغين إذا قلنا: إنه يراد من إنشاء هذا القسم: إخراج علماء بالتفسير؛ كالقاضي البيضاوي، ومحدثين؛ كالحافظ ابن حجر، وفقهاء؛ كالقفال في الشافعية، أو الكمال بن الهمام في الحنفية، أو أبي بكر الأبهري في المالكية، أو ابن قدامة في الحنابلة، أو إخراج نظار في الأصول؛ كابن إسحاق الشاطبي، وفلاسفة بلاغة؛ كعبد القاهر الجرجاني، وفلاسفة أخلاق؛ كأبي حامد الغزالي، وأدباء؛ كالجاحظ، وفلاسفة تاريخ؛ كابن خلدون.
ولست من المتشائمين الذين يذهبون إلى أن قسم التخصص أبخل من أن تنبت فيه هذه العلوم نباتاً فائقاً، أو أن هذا الزمن أقصر يداً من أن يخرج لنا أمثال أولئك الأعلام النبغاء، بل أجدني على ثقة من أن هذه المعاهد الإِسلامية تحتوي كنوزاً من العلم قيمة، وليس بينها ويين أن تتدفق برجال يبهرون العيون علماً وجلالة، إلا أن تأخذ من إصلاح التعليم حظها، ويكون لأبنائها في نظر أولي الأمر مقام كريم.
стр. 4535
* خطب عظيم (١):
في الساعة الرابعة من صبيحة يوم السبت ٢٧ ذي القعدة من هذا العام (٢)، فجع العلم والدين والفضيلة بوفاة رجل قلما رأت العين مثله، ذلك هو صاحب السعادة العلامة الكبير أحمد تيمور باشا.
فاجعة قطعت الأكباد حزناً، وأخذت الألباب ذهولاً، فما لي على أن أصف هذا العبقري بما يوفي حقه اليوم من قوة، وما مثلنا -وقد بلينا بفقده- إلا المدلجون يطلع عليهم القمر ساطعاً، فيستبينون به أعلام الطريق رشداً، حتى إذا ازدهتهم طلعته، وتدفقت حولهم أشعته، توارى بالحجاب، فإذا هم مظلمون.
استأثرت المنون بأحمد تيمور، فخسرت مصر، بل خسر الشرق والغرب عالماً نحريراً، وباحثاً مدققاً، ومثالاً أعلى للخلق الجميل، والأدب الأصيل، تواضع في شمم، وغيرة على الحق لا تكفكفها رغبة في مدح، أو حذر من ذم، ينفق في سبيل الخير، وهو يكره أن تعلم شماله ما أنفقت يمينه، وإذا اغتبط أهل الدنيا يساراً ووجاهة أو منصباً، فأحمد تيمور لا يرى فخراً في غير علمه ودينه وقوة يقينه.
قام طلاب العلم يدعون لإنشاء جمعية الهداية الإِسلامية، وشد أزرهم في هذه النهضة كثير من كبار أهل العلم، ولما أنس فيها الفقيد ﵀ عزماً ورشداً، أخذ يؤازرها، ويمدها بما يوطد أملها، ويزيدها نشاطاً على
стр. 4536
نشاطها، حتى جرى انتخابه عضواً في مجلس إدارتها، فتلقى هذا الانتخاب بارتياح، وجعل يسعى في تقدم الجمعية بما لديه من استطاعة حتى يكون لها في خدمة الإِسلام واللغة العربية العمل الجليل، وله بعد هذا في كل جمعية أدبية أو خيرية عارفة.
كتب هذه الكلمات والأسى يملأ ما بين الجوانح، والقلم من هول مصابه جامح، وسنقضي حق البسط في مزايا الفقيد بحفلة تأبينه التي أزمعت جمعية الهداية الإِسلامية على إقامتها في أجل قريب، رحمك الله أيها الهمام المفضال، وطيَّبَ ثرى تربتك، وقيَّض للعلم والفضيلة والتقوى من يقتدي فيها على أثرك.
* فاتحة السنة الثالثة (١):
الحمد لله الذي جمع على الجهاد في سبيله كلمتنا، ووفق أولي الهمم الكريمة وأنصار الإصلاح لمؤازرتنا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث بأحكم كتاب، والداعي إلى أفضل السنن وأشرف الآداب، وعلى آله النبلاء، وصحبه الأجلاء.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة حولين كاملين في العمل لمثل ما يعمل له المصلحون، وقد لقيت في سبيلها عقبات فاقتحمتها، ووقعت في أزمات فما زالت تعالجها حتى خرجت منها -بتأييد الله تعالى- قوية الساعد، محمودة الأثر.
ولا ننسى أن نذكر بجميل الشكر أول من مدَّ يده إلى هذه المجلة بمعونة
стр. 4537
ذات بال، وهو فضيلة الزعيم السوري الكبير الأستاذ الشيخ محمد كامل القصاب، ونذكر -والحزن يساور أفئدتنا- فقيد العلم والدين العلامة الكبير الأستاذ المرحوم أحمد تيمور باشا، وما كان له من يد في حياة هذه المجلة بيضاء، بل كان له الأثر العظيم في نهوض الجمعية واتساع نطاقها، ونقدم خالص الشكر بعد هذا إلى كل من آزر الجمعية أو مجلتها مسألة أو بقلمه، أو بكلمة يدعو بها إلى المؤازرة.
وستسير المجلة بإذن الله تعالى كاشفة عن حقائق الدين جهدها، دافعة لشبه المبطلين بساطع حججها، رافعة للغة العرب وآدابها لواء، ناشرة من تاريخ عظماء الإِسلام ما يجد فيه القاري سنى وسناء، وسيكون معظم موضوعاتها ما يلقى في نادي الجمعية من خطب ومحاضرات، وما يصل إلينا من الدروس التي يلقيها بعض المصلحين من علماء جامع الزيتونة في تونس، وما تجود به قرائح غير هؤلاء من مقالات أو محاضرات. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣].
* جمعية الهداية الإِسلامية (١):
أنشئت جمعية الهداية الإِسلامية في القاهرة، ووفقها الله تعالى أن كان لدعوتها آثار في نفوس النشء حسنة، وأنشئت بعدها جمعية الهداية الإِسلامية في بغداد، فرأينا للقائمين بها علماً وشجاعة لا تخاف في الحق لومة لائم، ولا نشك في أن خيرها كان وسيكون عظيماً، واليوم قد زف إلينا فضيلة الأستاذ
стр. 4538
الجليل الشيخ محمود ياسين هذه الرسالة تبشرنا بإنشاء جمعية الهداية الإِسلامية في دمشق.
وقد سبق لنا أن عرفنا الأستاذ الشيخ محمود ياسين، وطائفة عظيمة من حضرات السادة الأساتذة علماء دمشق، فرأينا فيهم من الغيرة على الدين الحنيف، والوقوف في وجه المفتونين الزائغين، ما يقوي أملنا في نجاح هذه الجمعية، وثباتها في سبيل إظهار الحق، وإعلاء كلمة الفضيلة.
وبقي لنا أن نرى في فلسطين وتونس والجزائر ومراكش جمعيات توافق جمعيات القاهرة وبغداد ودمشق في اسمها، والغاية التي تسعى إليه، وما غايتها إلا إرشاد الناس إلى ما فيه خير الدنيا وسعادة الآخرة.
* فقيد الإِسلام والشرق مولانا محمد علي (١):
يصاب الشرق بفقد رجال يواصلون جهادهم في النضال عن حقوقه السياسية، ويصاب الشرق بفقد رجال يجاهدون في إعلاء كلمة الإِسلام، وتأكيد رابطته السماوية. أما اليوم، فقد أصيب الشرق بفقد عظيم سياسي حكيم، ومجاهد إسلامي عظيم، هو المرحوم مولانا محمد علي (إنا لله وإنا إليه راجعون).
ولو كانت الزعامة في زخرف من الخطابة أو التحرير، أو في ألمعية تلحق الأعمى بالبصير، لم تتمزق أفندتنا على هذا الزعيم الخطير؛ فإن لدينا من الخطباء والأدباء والأذكياء عدداً غير قليل، وإنما الزعامة الصادقة في السيرة القائمة على العقيدة السليمة، والأخلاق الرصينة، وقد كان هذا الراحل المأسوف
стр. 4539
عليه خطيباً مصقعاً، وكاتباً مبدعاً، ومؤمناً صادقاً، ومجاهداً مخلصاً، وإذا كان لكل وطن زعيم، فمولانا محمد علي زعيم الشعوب الإِسلامية بأجمعها.
توفي هذا الزعيم الكبير في "لندن" في منتصف شعبان من هذه السنة، ولما بلغ نعيه إلى فلسطين، بعث سماحة رئيس المجلس الإِسلامي الأعلى إلى آل الفقيد برقية يرجو فيها من أخي الفقيد مولانا شوكت علي أن يوافق على جعل مثوى الفقيد في جوار المسجد الأقصى، فأجاب بالموافقة، ووصلت جثة الفقيد إلى بورسعيد في صباح يوم الأريعاء ٢ رمضان سنة ١٣٤٩، ونقلت إلى القدس الشريف ليلة الجمعة، وشيعت الجنازة في موكب حافل عظيم، ودفن في جوار المسجد الأقصى يوم الجمعة، حيث دفن كثير من أبطال الإِسلام، وفي دفن هذا الزعيم الهندي بالقدس الشريف رمز إلى أن هذا البلد المقدس وطن لجميع الشعوب الإِسلامية قاطبة، فلا يدعون الدفاع عنه إلا أن يرضوا بالصغار، وقد أمرهم دينهم بأن يعيشوا في عزة، أو يموتوا في كرامهّ، وقد سافرت عند وصول رفات الفقيد إلى بورسعيد، ولقيت مولانا شوكت علي، وأبلغته تعزية جمعية الهداية وأسفها لهذا المصاب الكبير، وكان حديث هذا الزعيم في الجامعة الإِسلامية، وأشار وقتئذ إلى ملابسه مفتخراً بأنها من المصنوعات الوطنية ما عدا القفاز (١)؛ فقد اعتذر الزعيم بأن شدة البرد اضطرته إليه، فاشتراه من باريس، وقال: سأرميه عن يدي، ولا ألبسه بعد الآن.
فنسأل الله تعالى أن يفيض على قبر الفقيد رحمة، ويعوض المسلمين منه خيراً.
стр. 4540
* طريقة جمعية خيرية في مساعدة البائسين (١):
كنت عرفت يوم كنت في ألمانيا أن هناك جمعية خيرية تبحث عن البائسين من طرق خفية، وتوجه إليهم على طريق البريد صدقات من غير أن يشعروا بمصدرها، وقص علي الأستاذ (هردر) أن إحدى البائسات كانت ترتزق بصنعة الخياطة، فجاءها ذات يوم أحد السعاة بادارة البريد بخمس مئة مارك، وناولها إياها، فدهشت فرحاً، وسألته عن مرسلها، فأبى أن يخبرها بالمرسل، وترى هذه الجمعية أن التبرع بقسط عظيم على بائس واحد أنفع من توزيعه على كثير ينال كل واحد شيء يسير.
* خطاب ترحيب بالزعيم الإِسلامي مولانا شوكت علي (٢):
أيها الزعيم الكبير، ويا أيها السادة! جمع احتفالنا هذا مثلاً عالية لشعوب شرقية مختلفة البلاد، ولم يكن تلاقيهم هذا على وجه المصادفة كما يلتقون في متنزه أو معرض يشهدون فيه ما تلذ أعينهم، وإنما اجتمعوا إجابة لداعي عاطفة انبعثت من ذلك الكتاب الحكيم الذي يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠﴾ , ويقول: ﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. رابطة استحكمت في أسلافنا، فكانت مظهر عظمة وسيادة، ووهنت من بعد قوة، فسقطت مهابتنا من أعين خصومنا، حتى طمع فينا من لا يدفع عن نفسه، ورام
стр. 4541
استعبادنا من كانوا يعيشون في ظل سلطاننا أحراراً. وهنت تلك الرابطة بعد توكيدها، فولدت الليالي غرباناً: ذاك ينعق في بلاد الترك بالطورانية، وهذا ينعق في مصر بالفرعونية، وآخر ينعق في المغرب بالبربرية، خناجر صاغها خصومنا لتمزيق وحدتنا، وطمس عواطفنا، فافتتن بها أحداث يطيرون إلى تقليد كل ناعق، ولولا كتاب الله ينطق بالحق، لكان لتلك الصيحة المشؤومة مدى واسع، وأثر في إفساد النفوس غير قليل.
والفضل -بعد كتاب الله- في تأكيد رابطة الدين المقدسة، لرجال يجاهدون في الإصلاح بصدق، ويهتدون في زعامتهم بمعالم الشريعة الغراء، ولو أشرب زعماء الشعوب الإِسلامية جميعاً النصح للدين، لكان للعالم الإِسلامي في حياته المدنية والسياسية غير هذا الشأن.
ويسرنا أن نشهد في هذه الليلة زعمياً يعتصم في زعامته بعروة الدين الوثقى، وهو حضرة مولانا شوكت علي. إن الزعيم الذي يكون سلاحه العزم والإخلاص لا يلبث أن يفتح للحرية باباً كان مغلقاً، أو يقوِّم طريقاً للإصلاح كان عوجاً، وأقل ثمرة يجنيها الزعيم المخلص من جهاده الشريف: أن ينبه شعوراً خاملاً، وإذا شعرت الأمة بحقوقها، فليدعها؛ فإنها لا تسير إلا قدماً.
أيها الزعيم الكريم! لجمعية الهداية الإِسلامية في بلاد الهند حاجة، وأن خير من توصيه بقضائها الزعيم المسلم الغيور، هي: أن في تلك الديار فرقاً حديثة؛ كالبهائية والقاديانية تفسد في دين الله علناً، أو من وراء نفاق، فإذا لم تبادروا إلى علاج هذا المرض بالدواء الناجح، انحط بالنفوس إلى هاوية الجهالة، وفتَّ في عضد الزعماء، فلا يجدون من ورائهم قوة الاتحاد الذي تخضع له كل قوة.
стр. 4542
والدواء الناجع أن يقف الراسخون في العلم تجاه هذه الفرق الزائعة عن السبيل، ويدفعوا باطلها بالحجة وحسن البيان.
فبغية جمعية الهداية الإِسلامية التي تضعها بين يدي حضرتكم: أن تكثروا من حث العلماء هناك على الجهاد في الحق بالطرق العلمية، ولا تدعوا تذكيرهم بأن ينقذوا الناس من وساوس تلك الفرق قبل أن يروج بهتانها، ويكون السواد الغالب في جانبها.
هذا، وجمعية الهداية الإِسلامية تغتبط بزيارتكم دارها، وتقدم لكم جزيل الشكر على إجابة دعوتها، ونسأل الله تعالى أن يسدد خطواتكم، ويقرن بالنجاح غدواتكم وروحاتكم.
* الناشئة والآداب الإِسلامية (١):
السلام عليكم ورحمة الله.
أما بعد:
فجمعية الهداية الإِسلامية رأت في مشروعات تقوم بها وزارة المعارف ما هو مخالف للدين الحنيف، وليس هو من الإصلاح في شيء. أنشأت وزارة المعارف معهداً للتمثيل ورقص الفتيان والفتيات، فكان لهذا النبأ أثر استياء في جميع الطبقات التي ترى سعادة الأمة في المحافظة على آداب دينها القويم. والإِسلام -يا صاحب المعالي- يحرم اختلاط المرأة بغير مَحْرمَ، ولا سيما اختلاط يبعد بها عن واجب الصيانة، وقد عرفت الأمم الغربية بعد التجارب الطويلة مضار هذا الاختلاط، وأصبح عقلاؤهم يرفعون أصواتهم بالتحذير منه.
стр. 4543
جمعية الهداية الإِسلامية في مقدمة الداعين إلى الإصلاح، والأخذ بكل جديد نافع، ولكن معهد التمثيل والرقص لا صلة له بالإصلاح في حال، وهو -على الرغم من موافقته أهواء طائفة خاصة- يجر الأمة إلى مظهر من مظاهر الأخلاق المكروهة، وإذا كان الدين لا يرضى عن مثل هذا المشروع، وأصبح الناصحون لأممهم يشكون من سوء عاقبته، فإن جمعية الهداية الإِسلامية تستند إلى ما جاء به الإِسلام من تحريم اختلاط النساء بالرجال في لهو، ثم إلى نص المادة من الدستور المصري الصريحة في أن دين الدولة الرسمي هو الإِسلام. ونرجو من دولتكم أن تعدل وزارة المعارف عن ذلك المشروع الذي يعد مقدمة خطر يأتي على خلق الحياء والصيانة، ويجعل آداب الدين في غير رعاية.
ونرفع إلى معاليكم بعد هذا: أن إدخال بعض المعروفين بأنهم دعاة التبشير القائمين عليه صباحاً ومساء في لجنة يوكل إليها وضع السياسة العامة للتعليم، قد جرح إحساس المسلمين، وأبعد آمالهم من أن يكون لمدارسنا صبغة إسلامية.
فجمعية الهداية الإِسلامية ترجو معاليكم إبعاد ذوي الآراء المحاربة للدين من النظر في سياسة التعليم العامة، واعتبار الدين الإِسلامي الكفيل بسعادة البشر أساساً لتلك السياسة، وإدخاله في مناهج التعليم بجميع أدواره تحقيقاً للإصلاح المنشود، والتهذيب المرغوب فيه. وتفضلوا بقبول فائق الاحترام.
* ارتجال الشعر الألماني (١):
كنت شهدت في "برلين" شاعراً يقف في جمع كبير، فيلقي عليه طوائف
стр. 4544
من الحاضرين جملاً منثورة في معان مختلفة، وهو يكتبها في أوراق بيده جملة بعد أخرى، وعقب الفراغ من إلقاء الجمل، ينطق بكل جملة منها في شعر يؤديه بصوت جهوري. ويعد هذا من فكاهاتهم الأدبية.
* من جمعية الهداية الإِسلامية إلى وزير المعارف (١):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فإن جمعية الهداية الإِسلامية كانت في مقدمة من استنكروا من وزارة المعارف في العهد السابق بعض تصرفات غير صالحة، وعبرت عن استنكارها في خطاب وجهته إلى حضرة صاحب الدولة رئيس الوزراء.
ومن تلك التصرفات المخالفة للدين الحنيف، الملقية في شر العواقب: إقامة معهد للتمثيل والرقص، وفتح باب اختلاط الفتيان بالفتيات، وقد شاء الله تعالى أن يصرف وزارة المعارف عن هذه الوجهة التي ضاقت لها صدور عقلاء الأمة قلقاً، فنقل زمامها إلى يد معاليكم، فوجدت الرأي الرشيد، والحزم اليقظ، فبادرتم إلى معالجة المرض الذي طرأ عليها لذلك العهد، فوضعتم الدواء مكان الداء، ومن أشد ما يفتك بالأخلاق الفاضلة: أن تهيئ الحكومة غرفاً أو قاعات يختلط فيها الفتيان والفتيات، ولا سيما اختلاط هو عين الاستخفاف بالصيانة، وطعن الكرامة بالنحر.
ومما قابلته الجمعية بالارتياح والشكر، وقوّى في النفوس أمل أن يكون نشؤنا خير نشء يرفعون راية الشرف حتى لا تطاولها راية: ما نشرته الصحف
стр. 4545
من أن عناية معاليكم قد توجهت إلى إصلاح مدارس الحكومة، باعطاء التعليم الديني في هذه المدارس حقه، وهي همة طالما سعى زعماء الإصلاح ليظفروا بها من وزير معارف لدولة دينها الرسمي الإِسلام، فكنْ -يا معالي الوزير- ذلك الرجل الذي يقدر الدين قدره، ويبذل النصح للأمة جهده، ومن النصح لها: أن تحافظ على ما فيه سعادة أبنائها، وقد أحس زعماء الإصلاح روح الحزم واليقظة في حديث معاليكم، فاطمأنت النفوس، فإذا مرّ على سمع معاليكم صوت يبتغي منكم أن تتبعوا خطوات من جهلوا حكمة الإِسلام، وزاغت أبصارهم عن حجته، فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، وسيروا في طريقكم حتى تجعلوا وزارة المعارف مصدر العلم النافع، والتربية الخالصة من كل سوء.
وفي الختام: أقدم إلى معاليكم باسم جمعية الهداية الإِسلامية جزيل الشكر على هذه الهمة النبيلة، والله في تأييدكم ما حرستم آداب دينه، وأهل العلم في رضا عن سيرتكم ما حميتم معاهد التربية العامة من كل فساد دخل فيها باسم التجديد، والتجديد النافع بريء منه.
* فاتحة السنة الرابعة (١):
نحمدك اللهم على أن وصلتنا بمعونتك، وحففتنا برعايتك، وحميتنا مما يقطع عن إقامة حجتك، أو يقف عثرة في سبيل إعلاء كلمتك. وأزكى صلواتك وسلامك على سيدنا محمد الهادي إلى مراقي السعادة، وعلى آله وصحبه الذين قادوا الأمم إلى سبيل القيام، فأحسنوا القيادة.
стр. 4546
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها الثالثة مجدّة في القيام بقسط كبير مما أنشئت له جمعية الهداية الإِسلامية: تنقل إلى حضرات القراء ما يلقى في نادي الجمعية من خطب ومحاضرات، ثم ما تجود به قرائح أهل العلم والأدب في مصر وغيرها من البلاد، فكانت خير الوسائل لتعارف العلماء والأدباء في الشرق والغرب، وكانت -بحمد الله- من أبعد القسيِّ مرمى، وأمضاها في الذود عن حمى الشريعة سهماً، والفضل في هذا -بعد توفيق الله- عائد إلى حضرات أعضاء الجمعية، وأصدقائها الذين يمدونها بثمرات أفكارهم، وقوة إخلاصهم، ثم إلى حضرات قراء المجلة الذين طبعوا على كرم النفس، وقدروا الغاية التي تعمل لها الجمعية، وعرفوا أن العمل في سبيل الهمم النبيلة لا ينتظم إلا بالمال، فكانوا يسارعون إلى بذل قيمة الاشتراك بباعث من أنفسهم، شاعرين بأن اليسير إذا انضم إلى اليسير صار كثيراً.
قضت المجلة في جهادها ثلاثة أعوام صابرة مصابرة، وظهرت اليوم في مفتتح السنة الرابعة أمتن عزماً، وأوثق أملاً، يزيد عزمها متانة، وأملها وثوقاً: تلك المراحل التي قطعتها في نصرة الفضيلة، والذود عن الحقيقة؛ حتى شهدت ثمار سعيها يانعة على قدر ما أنفقت من مجهودها، ومن شواهد هذا: أن أعضاء الجمعية في نماء، وأصدقاءها في ازدياد، والرسائل العامرة بالعطف عليها ترد عليها في غير انقطاع.
والمجلة تقدم جزيل شكرها إلى كل من آزرها بعلمه، أو بأدبه، أو بذات يده، أو بكلمة طيبة يقصد بها تشجيعاً، أو التوسل إلى ما فيه نفعها، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يرضى، ويكفينا بأس من لا ينهى النفس عن الهوى.
стр. 4547
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
* النهضة الأدبية العلمية في جمعية الهداية الإِسلامية (١):
أيها السادة! إذا نظرنا إلى الأزهر من ناحية العلوم الأدبية، وجدنا نصيبه من أكثرها فوق كل نصيب، فللأزهر تبريز في مثل: النحو والصرف، والمعاني والبيان، ولكنه منذ حين غير بعيد، قلّت عنايته بصناعتي الشعر والنثر، وأصبح مصلِّياً (٢) فيهما لا مجلِّياً (٣).
ولا نكتم أنفسنا أن في بيئات مصر غير الأزهر أنبتت في العهد الأخير كتّاباً وشعراء تجري أسماؤهم في الصحف والأندية أكثر من أسماء الكتّاب والشعراء الأزهريين، ولم يفت الأزهر أن يكون المجلّي في صناعتي الشعر والنثر؛ لتوقفهما على ذكاء حرم منه، أو اجتهاد يقصر عنه عزم طلابه، وإنما هو الإقبال على العلوم ذات المناهج الفسيحة، والمباحث العويصة، فأخذته بجلالتها عن أن يكون السابق في هاتين الصناعتين، مع علمه بلطف مسلكهما، ولذة مذاقهما، وحسن أثرهما في الإصلاح.
أقول هذا في غير أسف شديد؛ لأني أرى اليوم في شباب الأزهر من بنحو في التحرير نحو البراعة، وينسج في الشعر على مثال الإبداع، ويذهب في المحاضرات مذهب قوة الإقناع، وحسن التنسيق، فلا نلبث -إن شاء الله تعالى-
стр. 4548
أن نرى الأزهر يحمل لواء صناعتي الشعر والنثر باليد التي يحمل بها ألوية سائر العلوم الأدبية.
وملاك النبوغ في علم الأدب: كثرة ترديد النظر على المنشات البليغة، ثم تربية ملكات النظم والإنشاء والنقد، وأخذها بالتمرين العملي حيناً فحيناً.
وتزداد هذه الملكات قوة بإلقاء المحاضرات، وعقد المناظرات، وارتجال الخطب على أعين الناس. وقد دلت خطبتا الأستاذين الداعيين إلى هذا الاجتماع: أن القصد من إقامته النظر في تأليف رابطة أدبية تعمل لترقية الأدب ونفاق سوقه؛ فإن الكتابة والخطابة والشعر هي المظهر العملي لتلك العلوم التي نقضي في دراستها أعواماً، وقد جُرِّبت فكانت أنجح الوسائل إلى إيقاظ الأمة والنهوض بها حتى تبلغ الغاية من حريتها، وتنفي قذى المهانة عن ساحتها.
فنشكر حضراتكم أيها السادة الداعون إلى هذا الاجتماع، والمتفضلون بإجابة الدعوة إليه، ونسأل الله تعالى أن يتولى سعيكم النبيل بالتوفيق، وما بعد توفيق الله إلا الظفر بحسنى العواقب والنجاح.
* كلمة في تأبين الفقيد الشيخ محمد عبد المطلب (١):
الله أكبر! حياة كانت عامرة بالعمل المجيد، وطويت طي السجل للكتاب، تلك حياة فقيد الدين والأدب الأستاذ الشيخ محمد عبد المطلب، سكنت أنفاسه وحسامُه مخضب بدم الجهاد في سبيل الحق، فلم يمت على فراشه ملقي السلاح كما يموت ضعيف العزيمة، أو مزلزل العقيدة، بل كان
стр. 4549
قلمه ودواته أقرب إليه من قارورة الدواء الذي كان يعالج به مرضه الملقي به يد الموت.
ولي قلم في أنملي إن هززته ... فما ضرني أن لا أهزّ المهنّدا
انتخب الفقيد وكيلاً أول لهذه الجمعية، واقترح على مجلس الإدارة أن يعقد اجتماعاته في بيته الكريم ريثما نهيئ للجمعية منزلاً، فكان أول عضو شد أزر الجمعية بعد تأليفها، وما زال يمدها برأيه وأدبه وذاتِ يده حتى فجعت برحيله إلى الدار الباقية، فكان مصابها به عظيماً، وحزنها عليه شديداً، فإذا رأيتم اليوم ناديها موحشاً كاسفاً، فلأنه فقد منطقاً طالما وقف على هذا المنبر، فملأ الأسماع حكمة، وأوقد في النفوس حماسة.
وضاءة أخلاق، في متانة دين، في براعة بيان، ثلاث خصال اجتمعت في الفقيد ﵀، وإذا رأيت الخلق وضيئاً، والدين متيناً، والبيان بارعاً، فإن هناك عظمة، فانسجْ من برود الثناء ما شئت، وأهدها إلى تلك العظمة.
إذا بكاه الحق، فلأنه كان بطلاً لا يلوي جبينه عن طعان، وإذا بكاه عشاق الأدب، فلأنه كان غوّاصاً على درره الغالية، ونظّاماً لقلائدها الزاهية الرائعة، فكم أخذ الألباب بشعر ألقت عليه البداوة جزالة، وأودعته الحضارة معاني أنيقة!.
وإذا وجد في الشعراء من لا يبالي أن يهيم في وادي الزور، أو يسقط في حفرة من الزيغ، فإن الفقيد ﵀ قد جعل قوة الخيال تحت سلطان العقل، فاعتصم بحكمة الله من سقطات وقع فيها كثير ممن أوتوا خيالاً وحذقاً، ولم يؤتوا استقامة ورشداً.
стр. 4550
ومما امتاز به الفقيد ﵀: براءته من التصنع والرياء، فلم يكن بدويًا في شعره فقط، بل كانت البداوة تتمثل في صراحته، وجلاء سريرته؛ كما تتمثل الحضارة في لطف خطابه، ورقة حاشيته.
لقيت الفقيد في كثير في المجالس التي اعتاد الناس في الحديث بها أساليب خاصة، وأذكر أنه كان يجول فيها بلهجة تدل على أن احترام الحقائق في نفسه يفوق كل احترام.
هذه كلمة أفتتح بها هذه الحفلة الموقرة، وستستمعون -إن شاء الله تعالى- من حضرات الخطباء والشعراء خطباً ممتعة، وقصائد عامرة، ونسأل الله تعالى أن يفيض على جدث الفقيد رحمته، وإن رحمته لقريبة ممن هم بآياته يوقنون.
* احتجاج جمعية الهداية الإِسلامية على حادثة التبشير (١):
السلام عليكم ورحمة الله.
أما بعد:
فإن أعز شيء على الأمة دينها، تسالم من يسالمه، وتشتد في مناوأة من يناوئه، وإن دعاة النصرانية الذين يهبطون مصر المسلمة، فيجدون في أهلها سماحة، وفي سياستها رفقاً، لَيندفعون إلى الطعن في الدين الإِسلامي علناً، ويقذفون مقام الرسالة العظمى بأشياء يفترونها افتراء، وها هي تلك الكتب التي يدرسونها في مدارسهم محشوة ببذاء يلمزون به الشريعة السمحة، ولا يتحامون
стр. 4551
أن يقرعوا به أسماع التلاميذ المسلمين الذين يلقي بهم آباؤهم الغافلون تحت سيطرتهم.
ولم يقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى اصطياد نفوس الشبان والفتيات بوسائل تنكرها العقول، ولا تبيحها أي شريعة أو قانون، وما أكثر الحوادث التي يأتونها من هذه الطرق الممقوتة! ولولا أن حادثة يوسف أفندي عبد الصمد حفت بأحوال اقتضت إذاعتها, لذهبتْ كما ذهب غيرها من حوادثهم مطوية على ما يلتهب له قلب الإنسانية جزعاً.
إن الخطر -يا صاحب الدولة- عظيم، وترك هؤلاء المبشرين يطعنون الدين، ويفسدون القلوب، فتنة لا تصيب من يقع تحت أيديهم من الأطفال خاصة، وإنما هي روح سامة ينفخونها في جسم الأمة؛ ليقطعوا أوصالها، ويلقوا بها في حفرة من البلاء بعد أن أنقذنا الله منها، وإذا كان لموعظة أهل العلم أثر في قلوب قوم يعقلون، فيكفون عن توجيه أبنائهم إلى تلك المدارس، فإن من تأخذهم زهرة الحياة الدنيا, ولا يتدبرون العواقب، غير قليل.
لجمعية الهداية الإِسلامية -يا صاحب الدولة- أمل تضعه بين يدي رئيس حكومة دينها الرسمي الإِسلام، هو: أن تحموا البلاد من هذه الفتن، وتضعوا تلك المدارس تحت مراقبة وزارة المعارف، وتتخذوا التدبير الحازم في منعهم من التعرض لعقيدة التلميذ المسلم، أو إلزامهم له بأداء شعائرهم النصرانية، فإن وجهتم همتكم إلى هذا الباب من الفساد فأغلقتموه، كانت هذه الهمة مظهراً من مظاهر يقظة الدولة، وبقيت في الناس كلسان يعبر عن حكمة تدبيركم، ويستدعي جزيل شكركم، وتفضلوا -يا صاحب الدولة- بقبول عظيم الاحترام.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 4552
* كلمة في تأبين الفقيد الشيخ مصطفى بدر زيد (١):
عينتُ منذ خمس سنين في إحدى لجان الامتحان بقسم التخصص، فجئت الغرفة المعدة للامتحان، فوجدت فتى جالساً بها وحده، فسلمت، وجلست حتى انتظمت اللجنة، فإذا هذا الفتى أحد أعضائها، ورأيت من مناقشته للطلاب ما دل على ألمعيته، ورعايته الأمانة فيما يعهد به إليه، ذلك الفتى هو الأستاذ الشيخ مصطفى بدر زيد.
انقضى عهد الامتحان، وقام طائفة من نجباء الطلاب يسعون لتأليف جمعية الهداية الإِسلامية، وأخذوا يتساءلون عمن يصلح لمجلس إدارتها، فخطر لي ما رأيته في ذلك الأستاذ من النباهة وحسن التصرف في العلم، فذكرت اسمه، فعرضوا عليه رغبتهم، فأجاب بالقبول، وانتخبوه مراقباً عاماً للجمعية، فقام بما ألقي إلى عهدته أحسن القيام.
ولما قرر مجلس الإدارة إصدار المجلة، اختاره لإدارة شؤونها المالية، فنهض بهذا العمل مضافاً إلى مراقبة الجمعية، وكان له في نماء مشتركي المجلة أثر جليل.
ومنذ عهد قريب ندبه مجلس الإدارة لعمل كاتم السر، فانتدب له بحزم، وما لبث أن زاره الداعي إلى لقاء الله، فرحل وزادُه عمل صالح، ونوره الذي يسعى بين يديه إيمان صادق، فالجنة -إن شاء الله تعالى- هي المأوى.
فإذا تلظى قلب هذه الجمعية لمصابه، فلأنها فجعت بفقد رجل من رجالها الذين ولدت على أيديهم، وشبت تحت رعايتهم، فساروا بها على
стр. 4553
الصراط المستقيم، وحنوا عليها حنو المرضعات على الفطيم، ولكن هذه الجمعية قد أنشئت لتذكر الناس بخصال السؤدد والمجد، ومن أعز هذه الخصال: لقاء الرزايا في دروع ضافية من الصبر، فجدير بها أن تتلقى مصيبة فقد الأستاذ في عزاء وسكينة. ولم تقم الجمعية هذه الحفلة لتظهر كما تظهر الثكلى جزعها، وإنما أقامتها لتنبه على فضل ذلك العضو المجاهد، وتدل على شيء من خصاله الحميدة، وليس في ذكر محامد المجاهدين بعد انتقالهم إلى حياتهم الأخرى من بأس.
وستسمعون من حضرات الخطباء والشعراء شيئاً من آثار حياة الفقيد العلمية والخلقية، فنسأل الله تعالى أن يفيض على قبره رحمة، ويعوض الإِسلام منه خيراً.
* حقيقة الدكتور طه حسين (١):
حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
عرف الناس منذ سنين أن الدكتور طه حسين يعمل لهدم العقائد الإِسلامية، وإفساد الأخلاق الكريمة، فكانوا يأسفون الأسف الشديد على طائفة من شباننا يدخلون الجامعة ليتغذوا بلبان العلوم الصافية، والتربية الصحيحة فيقعون بين يدي هذا الرجل الذي يعمد إلى تلك الفطر السليمة،
стр. 4554
فينفخ فيها زيغاً، ويثير فيها أهواء، بل دلت محاضراته ومؤلفاته على أنه ينحو بالطلاب نحواً يبعد بهم عن طريق التفكير المنتجة، وطالما ضجت الأمة ورفعت صوتها بالشكاية من نزعته المؤذية للدين، المفسدة للأخلاق، المعكرة لصفو العلم. وطالما ترقبت أن ترى من ناحية وزارة المعارف ما يحقق أمنيتها، فكنت -يا صاحب المعالي- ذلك الوزير الذي عرفت حقيقة الدكتور طه حسين كما هي، فأقصيته عن دائرة التعليم، وأرحت ضمائر الأمة، فكفاك مفخرة أن حميت الدين والفضيلة والعلم من لسان شدَّ ما جهل عليها، وأفسد في طريقها.
وإن جمعية الهداية الإِسلامية التي تنظر إلى تصرفات وزارة المعارف من ناحية الدين والعلم والأخلاق، لَتقدم لمعاليكم أخلص الشكر على هذه الهمة الدالة على ما رُزقتموه من غيرة وحزم وسداد رأي.
وتفضلوا -يا صاحب المعالي- بقبول عظيم الاحترام.
* الدكتور طه حسين أيضاً (١):
حضرة المسلم الشهم الهمام الدكتور عبد الحميد سعيد المحترم رئيس جمعية الشبان المسلمين!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فإن جمعية الهداية الإِسلامية التي ترى أن المهمة الملقاة على عاتق
стр. 4555
الجمعيات الإِسلامية مهمة واحدة، وترى أن الجمعيات الإِسلامية بتعاونها على أداء هذه المهمة تؤلف خط جهاد واحد، تسجل لكم بقلم الفخر والشكر موقفيكم الأخيرين في مجلس النواب يوم ذكرتم الحكومة بواجبها تجاه عدوان دعاة النصرانية، ثم يوم وقفتم أخيراً تعربون عن شكوى الأمة الإِسلامية من عدوان الملاحدة على الإِسلام، وعلى رأسهم عدو الله طه حسين، فكنتم موفقين من الله في كل ما أدليتم به من حجج نواصع، وحقائق روائع.
وقد كلفني مجلس إدارة جمعية الهداية الإِسلامية أن أبلغكم شكره على هذا الموقف المحمود.
وتفضلوا بقبول جزيل الاحترام.
* كلمة في الاحتقال بالمولد الكريم (١):
كان العالم يتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة من الجهل، ظلمة من دناسة الأخلاق، ظلمة من منكر الأعمال، فبعث الله المصطفى ﷺ ليخرج الناس من هذه الظلمات إلى نور يسعى بين أيديهم في الحياة الأولى، ويهديهم السبيل إلى السعادة في الحياة الأخرى.
طلع محمد - صلوات الله عليه - بكتاب ممتع بالحكمة، مقوِّم للأخلاق، مصلح للأعمال، منظم لشؤون الحياة، تدبرته فئة قليلة، واتخذته قائدها المطاع، فكانت خير أمة جاهدت في الله فانتصرت، وغلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت المعارف ينابيع بعد