أن يقرعوا به أسماع التلاميذ المسلمين الذين يلقي بهم آباؤهم الغافلون تحت سيطرتهم.
ولم يقفوا عند هذا الحد، بل تجاوزوه إلى اصطياد نفوس الشبان والفتيات بوسائل تنكرها العقول، ولا تبيحها أي شريعة أو قانون، وما أكثر الحوادث التي يأتونها من هذه الطرق الممقوتة! ولولا أن حادثة يوسف أفندي عبد الصمد حفت بأحوال اقتضت إذاعتها, لذهبتْ كما ذهب غيرها من حوادثهم مطوية على ما يلتهب له قلب الإنسانية جزعاً.
إن الخطر -يا صاحب الدولة- عظيم، وترك هؤلاء المبشرين يطعنون الدين، ويفسدون القلوب، فتنة لا تصيب من يقع تحت أيديهم من الأطفال خاصة، وإنما هي روح سامة ينفخونها في جسم الأمة؛ ليقطعوا أوصالها، ويلقوا بها في حفرة من البلاء بعد أن أنقذنا الله منها، وإذا كان لموعظة أهل العلم أثر في قلوب قوم يعقلون، فيكفون عن توجيه أبنائهم إلى تلك المدارس، فإن من تأخذهم زهرة الحياة الدنيا, ولا يتدبرون العواقب، غير قليل.
لجمعية الهداية الإِسلامية -يا صاحب الدولة- أمل تضعه بين يدي رئيس حكومة دينها الرسمي الإِسلام، هو: أن تحموا البلاد من هذه الفتن، وتضعوا تلك المدارس تحت مراقبة وزارة المعارف، وتتخذوا التدبير الحازم في منعهم من التعرض لعقيدة التلميذ المسلم، أو إلزامهم له بأداء شعائرهم النصرانية، فإن وجهتم همتكم إلى هذا الباب من الفساد فأغلقتموه، كانت هذه الهمة مظهراً من مظاهر يقظة الدولة، وبقيت في الناس كلسان يعبر عن حكمة تدبيركم، ويستدعي جزيل شكركم، وتفضلوا -يا صاحب الدولة- بقبول عظيم الاحترام.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 4552
* كلمة في تأبين الفقيد الشيخ مصطفى بدر زيد (١):
عينتُ منذ خمس سنين في إحدى لجان الامتحان بقسم التخصص، فجئت الغرفة المعدة للامتحان، فوجدت فتى جالساً بها وحده، فسلمت، وجلست حتى انتظمت اللجنة، فإذا هذا الفتى أحد أعضائها، ورأيت من مناقشته للطلاب ما دل على ألمعيته، ورعايته الأمانة فيما يعهد به إليه، ذلك الفتى هو الأستاذ الشيخ مصطفى بدر زيد.
انقضى عهد الامتحان، وقام طائفة من نجباء الطلاب يسعون لتأليف جمعية الهداية الإِسلامية، وأخذوا يتساءلون عمن يصلح لمجلس إدارتها، فخطر لي ما رأيته في ذلك الأستاذ من النباهة وحسن التصرف في العلم، فذكرت اسمه، فعرضوا عليه رغبتهم، فأجاب بالقبول، وانتخبوه مراقباً عاماً للجمعية، فقام بما ألقي إلى عهدته أحسن القيام.
ولما قرر مجلس الإدارة إصدار المجلة، اختاره لإدارة شؤونها المالية، فنهض بهذا العمل مضافاً إلى مراقبة الجمعية، وكان له في نماء مشتركي المجلة أثر جليل.
ومنذ عهد قريب ندبه مجلس الإدارة لعمل كاتم السر، فانتدب له بحزم، وما لبث أن زاره الداعي إلى لقاء الله، فرحل وزادُه عمل صالح، ونوره الذي يسعى بين يديه إيمان صادق، فالجنة -إن شاء الله تعالى- هي المأوى.
فإذا تلظى قلب هذه الجمعية لمصابه، فلأنها فجعت بفقد رجل من رجالها الذين ولدت على أيديهم، وشبت تحت رعايتهم، فساروا بها على
стр. 4553
الصراط المستقيم، وحنوا عليها حنو المرضعات على الفطيم، ولكن هذه الجمعية قد أنشئت لتذكر الناس بخصال السؤدد والمجد، ومن أعز هذه الخصال: لقاء الرزايا في دروع ضافية من الصبر، فجدير بها أن تتلقى مصيبة فقد الأستاذ في عزاء وسكينة. ولم تقم الجمعية هذه الحفلة لتظهر كما تظهر الثكلى جزعها، وإنما أقامتها لتنبه على فضل ذلك العضو المجاهد، وتدل على شيء من خصاله الحميدة، وليس في ذكر محامد المجاهدين بعد انتقالهم إلى حياتهم الأخرى من بأس.
وستسمعون من حضرات الخطباء والشعراء شيئاً من آثار حياة الفقيد العلمية والخلقية، فنسأل الله تعالى أن يفيض على قبره رحمة، ويعوض الإِسلام منه خيراً.
* حقيقة الدكتور طه حسين (١):
حضرة صاحب المعالي وزير المعارف العمومية!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
عرف الناس منذ سنين أن الدكتور طه حسين يعمل لهدم العقائد الإِسلامية، وإفساد الأخلاق الكريمة، فكانوا يأسفون الأسف الشديد على طائفة من شباننا يدخلون الجامعة ليتغذوا بلبان العلوم الصافية، والتربية الصحيحة فيقعون بين يدي هذا الرجل الذي يعمد إلى تلك الفطر السليمة،
стр. 4554
فينفخ فيها زيغاً، ويثير فيها أهواء، بل دلت محاضراته ومؤلفاته على أنه ينحو بالطلاب نحواً يبعد بهم عن طريق التفكير المنتجة، وطالما ضجت الأمة ورفعت صوتها بالشكاية من نزعته المؤذية للدين، المفسدة للأخلاق، المعكرة لصفو العلم. وطالما ترقبت أن ترى من ناحية وزارة المعارف ما يحقق أمنيتها، فكنت -يا صاحب المعالي- ذلك الوزير الذي عرفت حقيقة الدكتور طه حسين كما هي، فأقصيته عن دائرة التعليم، وأرحت ضمائر الأمة، فكفاك مفخرة أن حميت الدين والفضيلة والعلم من لسان شدَّ ما جهل عليها، وأفسد في طريقها.
وإن جمعية الهداية الإِسلامية التي تنظر إلى تصرفات وزارة المعارف من ناحية الدين والعلم والأخلاق، لَتقدم لمعاليكم أخلص الشكر على هذه الهمة الدالة على ما رُزقتموه من غيرة وحزم وسداد رأي.
وتفضلوا -يا صاحب المعالي- بقبول عظيم الاحترام.
* الدكتور طه حسين أيضاً (١):
حضرة المسلم الشهم الهمام الدكتور عبد الحميد سعيد المحترم رئيس جمعية الشبان المسلمين!
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
فإن جمعية الهداية الإِسلامية التي ترى أن المهمة الملقاة على عاتق
стр. 4555
الجمعيات الإِسلامية مهمة واحدة، وترى أن الجمعيات الإِسلامية بتعاونها على أداء هذه المهمة تؤلف خط جهاد واحد، تسجل لكم بقلم الفخر والشكر موقفيكم الأخيرين في مجلس النواب يوم ذكرتم الحكومة بواجبها تجاه عدوان دعاة النصرانية، ثم يوم وقفتم أخيراً تعربون عن شكوى الأمة الإِسلامية من عدوان الملاحدة على الإِسلام، وعلى رأسهم عدو الله طه حسين، فكنتم موفقين من الله في كل ما أدليتم به من حجج نواصع، وحقائق روائع.
وقد كلفني مجلس إدارة جمعية الهداية الإِسلامية أن أبلغكم شكره على هذا الموقف المحمود.
وتفضلوا بقبول جزيل الاحترام.
* كلمة في الاحتقال بالمولد الكريم (١):
كان العالم يتخبط في ظلمات بعضها فوق بعض: ظلمة من الجهل، ظلمة من دناسة الأخلاق، ظلمة من منكر الأعمال، فبعث الله المصطفى ﷺ ليخرج الناس من هذه الظلمات إلى نور يسعى بين أيديهم في الحياة الأولى، ويهديهم السبيل إلى السعادة في الحياة الأخرى.
طلع محمد - صلوات الله عليه - بكتاب ممتع بالحكمة، مقوِّم للأخلاق، مصلح للأعمال، منظم لشؤون الحياة، تدبرته فئة قليلة، واتخذته قائدها المطاع، فكانت خير أمة جاهدت في الله فانتصرت، وغلبت فرحمت، وحكمت فعدلت، وساست فأطلقت الحرية من عقالها، وفجرت المعارف ينابيع بعد
стр. 4556
نضوجها. واسألوا التاريخ؛ فإنها قد استودعته من مآثرها الغر ما بصر بضوئه الأعمى، وازدهر في الأرض ازدهار الكواكب في كبد السماء.
هذه حقائق لم أنحُ فيها نحو المبالغة؛ فإن المصطفى - صلوات الله عليه - قد قضى على عبادة الأوثان، والغلو في الخضوع لغير الواحد القهار، وقضى على الإلحاد وإنكار الإله، فأصبح المؤمنون أمماً بعد أن كانوا أفراداً، وأنتم تعلمون أن الغلو في تعظيم غير الله رجس من عمل الشيطان، وأن الإلحاد داعية الفسوق والطغيان، فلدعوة محمد ﷺ الفضل الأكبر في رفع النفوس من حضيض الشرك إلى سماء التوحيد الخالص، ولها الفضل في تطهر النفوس من خبث الإلحاد الذي يشوه فطرتها، ويوفر أسباب شقوتها.
جاهد المصطفى ﷺ الجهل، وشرُّ الجهل عدم معرفة مبدع الكائنات بحق، وجاهد الأخلاق الرذيلة، فكرَّه للنفوس الجزع، والجبن، والبخل، والصغار، والكبر، والقسوة، والأثرة. وعلَّمها الصبر، والشجاعة، والكرم، والعزة، والتواضع، والرحمة، والإيثار.
علَّمها الصبر، فهان عليها كل عسير، وعلمها الشجاعة، فحقر أمامها كل خطير، وعلمها الكرم، فجادت في سبيل الخير بكل نفيس، وعلمها العزة، فسمت إلى كل مقام مجيد، وعلمها التواضع، فتألفت كل قلب سليم، وعلمها الرحمة، والرحمةُ رباط التآزر والتعاون على تكاليف الحياة، وعلمها الإيثار، والإيثارُ أقصى ما يبلغه الإنسان من مراتب الكمال.
رفع المصطفى ﷺ أعلام العلم، وهدى إلى مكارم الأخلاق، ثم علم الإنسان كيف يعمل صالحاً، ويعيش آمناً، وهو الذي أوحي إليه بأصول تجعل المدنية محكمة البناء، وآداب تكسوها رونقاً وبهاء.
стр. 4557
فإذا احتفلنا بذكرى مولد الرسول الأكرم، فإنما نحتفل بذكرى منقذ العالم من ظلماته الثلاث، وستستمعون من حضرات الخطباء والشعراء شيئاً من تفاصيل هذا الذي لوحت إليه بكلمتي الموجزة، والسلام عليكم ورحمة الله.
* فاتحة السنة الخامسة (١):
الحمد لله الذي هدانا إلى أقوم السبل، وأمدنا بعزم لم يأخذه فتور ولا ملل، ونفى من قلوبنا اليأس فقوي الأمل. والصلاة والسلام على سيدنا محمد المؤيد بأجلى آية، وأسطع برهان، والداعي إلى الدين الحق بأبلغ بيان، وعلى آل بيته السادة الأمجاد، وصحبه الذين فتحوا بحكمتهم القلوب، وبأسنتهم الوهاد والنجاد.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة أربع سنين وهي تجاهد في سبيل الدين والعلم واللغة العربية خير جهاد، تعرض على قرائها ما يلقى في الجمعية من محاضرات نافعة، وخطب باهرة، وقصائد عامرة. أو ما تجود به قرائح أهل العلم والأدب في مصر أو في غير مصر من مقالات بارعة، ودروس محررة. فكانت -بتوفيق الله تعالى- في الصف الأول من صفوف المجلات العلمية الأدبية الداعية إلى الإصلاح، وإذا أدركها النقص من بعض النواحي، فأية الصحف أو الرسائل تظهر مبرأة من كل عيب؟ وإذا ألقيت عليها تبعة ذلك النقص، احتملتها وحدها، واستحيت أن تلقي على قرائها أو أصدقائها قسطاً من هذه التبعة.
وقد نظر أستاذ مخلص من أعضاء الجمعية في حال هذه المجلة، فنقدها،
стр. 4558
وكتب مذكرة تشتمل على مقترحات ذات بال، وطرحها أمام مجلس الإدارة، فتلقاها منه بالقبول والشكر، وعقد مجلس الإدارة عزمه على العمل لتحقيق هذه الرغبات ما استطاع.
دخلت المجلة في سنتها الخامسة، حامدةً حزم إدارتها، مغتبطة بإقبال الشيوخ والشبان على قراءتها، آملة نجاحاً فوق نجاحها، ومظهراً أسمى من مظهرها، فإن نشاط أعضاء الجمعية اليوم في ازدياد، وصدق عزمهم أورث المجلة أنصاراً في كثير من البلاد، وفي كثرة الأنصار قوة وعزة، ونصر الله أكبر وأبقى.
ولا نضع القلم من أيدينا حتى نقضي واجب الشكر لحضرات الأساتذة الذين خصوا المجلة بنتائج بحثهم العلمي أو الأدبي أو اللغوي، خصوصاً الذين واصلوها على بعد ديارهم، وآثروها بمنشآتهم: من الشام وفلسطين وتونس وحضرموت وجاوة وغيرها، فأصبحت بما يجودون به ملتقى أفكار الناهضين من الشعوب الإِسلامية، وفي التقاء الأفكار صلة التعارف والتعاون على تحقيق الموضوعات العلمية، وإصلاح الشؤون الاجتماعية، نسأل الله تعالى أن يزيد هذه الصلة تأكيداً، ويمنحنا رحمة من لدنه وتأييداً.
* تكريم أعضاء الجمعية الذين أكملوا دراستهم العليا (١):
يحرز الإنسان في كمال النفس منزلة قاصية، فيحس في صدره ارتياحاً، ويكون ارتياحه أشد وأبلغ متى عرف أنه يعيش بين قوم يقدرون تلك المنزلة
стр. 4559
قدرها، وتقديرُ المنازل في العلم والفضل شأنه خطير، وأثره في انتظام الحياتين المدنية والعلمية كبير؛ فإنه يعين على العدل في المعاملة، ويشجع الناشئين على التنافس في سبيل المجد، والأمةُ التي تنظر إلى النبغاء بالعين التي تنظر بها إلى غير النبغاء جديرة بأن لا يكون بين أرضها وسمائها عبقرية، وإذا أنبتت على خلاف طبيعتها ألمعياً بارعاً، لم يجد من العزم ما يجعل ألمعيته البارعة كالشجرة المباركة تؤتي في كل حين تمراً زاكياً، قال علامة نحرير يعتذر عن فتور همته بكساد علمه بين قومه:
غزلت لهم غزلاً رقيقًا فلم أجد ... لغزليَ نسّاجاً فكسَّرت مغزلي
وقال ابن حزم يشكو قلة إقبال قومه عليه، وزهدهم فيما لديه من علم:
أنا الشمس في جو العلوم منيرة ... ولكن عيبي أن مطلعي الغرب
وقال:
وإن مكاناً ضاق عني لضيق ... على أنه فُسْح مَهامهه سُهْب
وإن رجالاً ضيعوني لَضُيَّع ... وإن زماناً لم أنل خصبه جدبُ
وأذكر أن أحد كبار العلم بدينور قيل له: العلم لك، والصيت لأبي حامد، فقال: رفعت أبا حامد بغداد، وخفضتني دينور.
والتاريخ يحدثنا وهو صادق فيما يحدث: أن النبوغ في العلم، والإبداع في العمل، لا يصلان إلى الذروة إلا في ظلال أمة أو دولة تزن رجالها وزن المثقال.
عهد الناس تكريم العلماء والأدباء والأبطال منذ زمن بعيد، ولا أريد بتكريمهم تلكم البيضاء أو الصفراء يبذلها بعض الرؤساء أو الوجهاء لعالم
стр. 4560
شهير، أو شاعر قدير، أو بطل خطير؛ فإن السخاء بالبيضاء والصفراء قد يكون مبعثه العطف والشفقة، وكثيراً ما يعطف الرجل أو يشفق على من لا يكون في نظره أهلاً للتوقير والإجلال، وإنما أريد من تكريم الرجل الماجد: مظاهرَ يؤذن بما له من مكانة تجلها القلوب.
نظم ابن خميس التلمساني قصيدة يقول في طالعها:
عجباً له أيذوق طعمَ وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها
ولما وصلت هذه القصيدة إلى قاضي القضاة ابن دقيق العيد، قام إجلالاً لها، فقيام قاضي القضاة بالديار المصرية لشعر ابن خميس الجزائري تكريم لابن خميس.
ورحل أبو علي القالي صاحب كتاب "الأمالي"، "والنوادر" إلى بلاد الأندلس، ولما دخلها، ابتهج لمقدمه الحكم بن عبد الرحمن الناصر- وكان كالوزير لوالده الخليفة عبد الرحمن-, وأرسل إلى أحد مسألة أن يتلقى أبا علي في وفد من وجوه الناس، ويجيء معه إلى قرطبة تكرمة له.
وقد قصدت جمعية الهداية الإِسلامية أن يكون في سيرتها ما يدل على أنها تقدر النجابة والنبل، فجعلت من مبادئها: الاحتفال بتكريم العاملين المخلصين من أعضائها متى سابقوا في علم أو فضل، فسبقوا.
وعلى هذا المبدأ أقامت هذه الحفلة تكريماً لهؤلاء الأساتذة؛ إذ أحرزوا شهادات عالية، وهم من العاملين في الجمعية بحزم وثبات. ولا أخالهم في حاجة إلى أن أصوغ كلمة في الثناء على حضراتهم؛ فإحرازهم لهذه الشهادات العالية نطق بألمعيتهم، وسمو هممهم، وانتظامهم في جمعية الهداية شاهد بطهارة قلوبهم، ورقي آدابهم، ومن ضم إلى الألمعية همة سامية، وإلى طهارة
стр. 4561
القلب آداباً راقية، كان حظه من خصال الحمد عظيماً.
وفي هذه الحفلة دليل صادق على أن جمعية الهداية سائرة في خطة تنشرح لها صدور الناشئين على اختلاف معاهد تثقيفهم ومناهج تعليمهم، وفي هذه الحفلة ما يبشر بأن الجمعية قد نجحت في سعيها لبث روح الدين الحق في نفوس الشبان، وإراءتهم أن العلوم الكونية تجتمع مع الإيمان والتقوى في نفس واحدة.
وأختم كلمتي بشكر هؤلاء الأساتذة المحتفَل بهم على ثباتهم في مؤازرة الجمعية، وأسأل الله تعالى أن يزيدهم هدى، ويجعل وجه الحياة في أعينهم مستبشراً، والسلام عليكم ورحمة الله.
* فقد عالم نحرير ببلاد الجزائر (١):
نعت إلينا صحف "الجزائر" الأستاذ الجليل الشيخ عبد الحليم بن سماية من أفضل العلماء بعاصمة الجزائر، وقد كان الأستاذ مدرساً بالمدرسة الثعالبية، وبالجامع الجديد، وقد تخرج من دروسه كثير من العلماء الذين تولوا مناصب القضاء والفتوى، والإمامة والتدريس، توفاه الله تعالى يوم الأربعاء السابع من رمضان سنة ١٣٥١، وشيعت جنازته بعد ظهر يوم الخميس في مشهد عظيم جامع للعلماء، ورجال الدولة، وأرباب الصحف، ورؤساء الجمعيات، وغيرهم من أهل الفضل، ولما وضعت جنازته، خطب في تأبينه مدير أمور الوطنيين، ومدير المدرسة الثعالبية، وخطب من تلاميذه: الشيخ حمود حمدان المدرس بالمدرسة الثعالبية، ثم السيد سامح فاتح بالنيابة عن جمعية التلاميذ، ثم الشيخ عبد القادر حاج حمو المدرس بالجامع الكبير، ثم السيد أحمد بن
стр. 4562
يحيى الأكحل، ثم السيد عبد الرحمن الجلالي، ثم الشيخ قدور الحلوي، ثم أودعت جثته المكرمة في قبره، والعبرات دافقة، والقلوب محزونة (إنا لله وإنا إليه راجعون).
وكنت لقيته -رحمه الله تعالى- عندما زرت عاصمة الجزائر في رمضان سنة ١٣٢١، فلقيت به عالماً بحاثاً شاعراً بمقتضيات العصر، ومسلماً غيوراً، وأديباً مهذباً، وشهدت درساً كان لقيه في ليالي رمضان بأحد المساجد، فأعجبت بحسن تصرفه، وبراءة بيانه، فنسأل الله تعالى أن يفيض على قبره رحمة، ويعوض الأمة منه خيراً.
* افتتاح فرع الجمعية بالعباسية (١):
نحمدك اللهم على أن هديتنا سبيل الفلاح، ونستعين بك على إعلاه كلمة الحق والدعوة إلى الإصلاح، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الذي أوتي جوامع الكلم، ونطق بأبلغ المواعظ وأبدع الحكم، وعلى آله الذين قاموا على سنته فأحسنوا القيام، وأصحابه الذين جاهدوا في سبيل إسعاد البشر بالحجة والحسام.
أيها السادة! كان العالم في فساد يملأ ما بين جوانبه، فقضت حكمة علَّام الغيوب أن نزل الروح الأمين بالكتاب الكريم، على الرسول العظيم، فبلغ ﷺ ما أنزل إليه من ربه، وبينه أحسن بيان، وقام على إنفاذ أوامره بحزم وقوة، فأنار بدعوته بصائر كانت مغبَّرة، وأيقظ بدعوته قلوياً كانت عن طريق
стр. 4563
السعادة غافلة، وزجر بماضي عزمه نفوساً كانت إلى الشر فازعة، فتألف حزب الله رويداً رويداً حتى فتحت مكة المكرمة، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وما أكمل الله الدين، وطوى بساط الوحي بوفاة خاتم النبيين، حتى نبت في مهابط الحكمة الإلهية رجال عرفوا السعادتين: الدنيوية، والأخروية، وأتقنوا علم السياستين: الحربية، والمدنية، فقاموا بتلك الفتوح التي رفعوا بها لواء العدل، وأقاموا بها قاعدة المساواة، وأطلقوا ريح الحرية يتنسمها الضعفاء والأقوياء على سواء.
ساد الإِسلام في البلاد، وتفيأت ظلاله في الأغوار والأنجاد، والباحث في التاريخ بإنصاف يشهد أن تلك السيادة كانت تقوى وترسخ في الممالك على قدر استضاءة الأمة بعلوم الدين، وعملها بنصائحه، وتحليها بآدابه.
ضعف المسلمون بعد تلك القوة، وانحدروا بعد الصعود، واستخف بهم أعداؤهم بعد أن كانت مهابتهم تملأ الصدور، فوقعوا فيما ترونه بأعينكم، وتسمعونه بآذانكم.
وكان من سنة الأمم التي تصعد إلى ذروة العز والمجد، ثم تنحط إلى درك الهون والخمول: أن تقوم طوائف منها يبحثون عن علة ضعفها وانحدارها، ثم ينظرون في الوسيلة التي تعيد إليها شباب مجدها، وتملأ الصدور بمهابتها.
قامت طوائف يرمون بخطبهم وأقلامهم إلى هذا الغرض، فمنهم المصيبون، ومنهم المخطئون، ولا أريد بسط القول في بيان من أصابوا منهم ومن أخطؤوا، بل أختصره اختصاراً، فأقول:
وجد بين الباحثين عن علة ضعفنا واستضعافنا طائفة اهتدت إلى أن العلة هي انصرافنا عن نصائح الكتاب العزيز، ونكث أيدينا من الاعتصام بشرعه،
стр. 4564
فنهضوا يخطبون ويكتبون في بيان حقائق الدين الإِسلامي، ويقيمون الحجة على صدق لهجته، ويديع حكمته، وعلى هذا المبدأ المقدس تألفت جمعية الهداية الإِسلامية.
تألفت هذه الجمعية في شهر رجب سنة ١٣٤٦، وافتتحت عملها بإلقاء المحاضرات في المساجد والنوادي، ثم عزمت على إصدار مجلة ينشر فيها ما يلقيه حضرات أعضائها من الخطب والمحاضرات، وما تجود به أقلامهم من الرسائل والمقالات، وقرنت عزمها بالعمل، وقرن الله عملها بالتوفيق والنجاح، فأصدرتها في غرة جمادى الثانية سنة ١٣٤٧، وما زالت تصدر بانتظام وهي تغالب الأزمات، ولا تهاب ما يقف في وجهها من العقبات.
وما زالت الجمعية تجاهد بمحاضراتها نحواً من ست سنين، وبمجلتها نحواً من خمس سنين، فقطعت في تحقيق أغراضها النبيلة مراحل بعيدة المدى.
ولنذكر لحضراتكم أمثلة من نزعات الطوائف التي حاربتها الجمعية في قوة وحكمة:
وجدت الجمعية رهطاً نشؤوا في عماية، وتخبطوا في سفاهة، فزعموا أن سبب سقوط الأمة الإِسلامية من مكانتها تمسكُها بدينها، ووقوفها عند حدود شريعتها، حتى قالوا: إن سبب فقدها لسلطانها الغالب ربطُها للسياسة بالدين.
وقد أرتهم الجمعية أنهم قد قلبوا الحقيقة رأساً على عقب، وكانت تذكرهم بالتاريخ الصادق، وتعرض عليهم أحوال الشعوب المختلفة في العصور، فتناديهم بأن قوة الدولة وعزتها على مقدار إقامتها للشريعة السمحة،
стр. 4565
وارتباطها بأحكامها العادلة.
وجدت الجمعية فريقاً آخرين اشتدت عداوتهم للإسلام، وحدثتهم أنفسهم بالعمل لهدمه من أساسه، فابتدعوا نحلاً يخدعون بها الضعفاء والجهَّال، ويزعمون أنها الإِسلام، ومن أخبث هذه النحل: نحلتا البهائية، والقاديانية، وقد كشفت الجمعية عن سرائر هاتين النحلتين، وأقامت الحجة على أن مؤسسيها ملاحدة يخادعون الله والذين آمنوا, ولو ألقت حبلهما على غاربهما، وخلت لهما السبيل، لأضلوا كثيراً.
وجدت الجمعية فريقاً لا يبحثون في علم، ولم يرزقوا فطراً سليمة تعينهم على السير في رشد، فاندفعوا إلى محاكاة غير المسلمين، حتى فيما تتبرأ منه الفضيلة، ويلعنه الدين الحق لعناً كثيراً، وقد عنيت الجمعية بحال هذا الفريق، وأخذت تنظر إلى ما يحاكون فيه الأجانب، وتزنه بميزان الحكمة، فتميز الخبيث من الطيب، وتدعوهم بالتي هي أحسن إلى أن يكونوا نابتة صالحة، وأغصاناً مثمرة.
وجدت الجمعية فئة لا يفرقون بين ما هو من حقائق الدين، وما هو من المحدثات الملصقة به، فقد تعدُّ بعض ما تسعه أصول الدين بدعة، وتعدُّ بعض ما لا يقبله الدين سنَّة، فوقفت الجمعية في هذا الشأن على بصيرة، وجعلت مرجعها في الفرق بين السنة والبدعة، الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة.
وجدت الجمعية بعد هذه الفرق جماعات من الأجانب يهبطون أوطاننا، ويفتحون مدارس ومستشفيات يتخذونها حبائل لإفساد عقائد أبنائنا، وإخراجهم من نور الإِسلام إلى النصرانية، فكان لمحاضرات الجمعية ومجلتها حظ عظيم
стр. 4566
من مقاومة هذا النوع من التضليل.
ولم تقصر الجمعية في محاضراتها أو منشآت مجلتها على هذه الموضوعات الدينية أو الاجتماعية، بل خدمت اللغة العربية وآدابها والتاريخ الإِسلامي أجل خدمة. وألقيت على منصة خطابتها محاضرات في بعض الفنون أو المخترعات العصرية، تسمح بذلك حيث ترى في إلقائها زيادة تنوير للأذهان، أو تمريناً لشبانها على صناعة المحاضرة والخطابة.
ومن مقاصد الجمعية: تأكيد رابطة التعارف بين رجال العلم والفضل في مختلف الأقطار الإِسلامية، وقد أقامت لتحقيق هذا المقصد النبيل حفلات أتت بثمرات طيبة، وإن عزمها على أن تقيم أمثال تلك الحفلات كما سنحت الفرصة لَشديد.
ومن أعمال الجمعية: تحرير مذكرات تقدمها لأولي الشأن عندما تقتضي المصلحة تقديمها؛ كمذكرتها في إلغاء البغاء، ومذكرتها في طلب العناية بالتعليم الديني في مدارس الحكومة، وإعطائه حقه.
هذه مساعي الجمعية التي أنشأت هذا الفرع في حيكم الكريم، وترجو من الله تعالى المعونة والتوفيق، ومن حضراتكم الإقبال والمؤازرة، وإنكم -إن شاء الله- لفاعلون.
* نداء من جمعية الهداية الإِسلامية إلى كل مسلم يحب العمل في سبيل الله (١):
لقد انكشف الغطاء عما كان مستوراً من خفايا المدارس التي تريدها جمعيات التبشير، وما لهذه الجمعيات من ملاجئ ومستشفيات، وثبت
стр. 4567
للجمهور أن ما ارتكبه هؤلاء المضللون في بناتنا وأبنائنا مخالف للقوانين والمروءات وأصول الديانات، فضلاً عن إهانتهم الأمة بتحاملهم على دينها، واستخفافهم بقرارات الحكومة، ومحاولتهم مخالفة النظام.
وقد رأى المسلمون بعيونهم، ولمسوا بأيديهم الخطر المحقق من إدخال أبناء المسلمين وبناتهم مدارس هؤلاء المعتدين على الإِسلام، ومن تردد الرجال والنساء على مستشفياتهم وملاجئهم.
إن المبشرين لم يأخذوا أبناء المسلمين وبناتهم بالقوة من بيوت آبائهم، وإنما الذي قذف بهؤلاء البنات والأبناء إلى هذه المدارس هم آباؤهم، وولاة أمورهم، فجنوا بذلك على الوطن، وعلى الدين، وعلى رجال المستقبل وأمهات المستقبل، أعظمَ جناية.
إن جمعية الهداية الإِسلامية توجه هذا النداء إلى كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بأن يعمل ما استطاع لإنقاذ هذه الضحايا من هذه الأماكن الخطرة. فمن وصل إليه هذا النداء من المسلمين والمسلمات، وله ابن أو بنت، أو قريب أو قريبة في آية مدرسة غير إسلامية، يجب عليه أن يبادر في الحال إلى إنقاذه منها, لا سيما والسنّة الدراسية انتهت، فيجب أن لا يتجدد دخول تلميذ مسلم أو تلميذة مسلمة مدرسة غير إسلامية بعد الآن مهما كانت الحال.
وكل من يصل إليه هذا النداء من المسلمين والمسلمات، وهو يعلم أن لصديقه أو جاره أو زميله أو مواطنه ولداً أو بنتاً في مدرسة غير إسلامية، عليه أن يبذل ما استطاع من إقناع لحمل هؤلاء على إخراج أولادهم وبناتهم من ذلك الوسط الذي رأى الناس جميعاً شدة ضرره وخطره.
стр. 4568
لا ريب أن المسلمين في ألم عظيم من الإهانات الواقعة على الإِسلام في جهات كثيرة، وكل مسلم يسأل عن العمل الذي يستطيع أن يقوم به، فجمعية الهداية الإِسلامية توجه نظر كل من يقع نظره على هذا النداء من المسلمين إلى هذا النوع من أنواع الجهاد، وتؤكد لهم أن العمل فيه له عند الله ثواب العبادة.
أيها المسلمون! يجب أن لا تبدأ السنة الدراسية الجديدة وفي مدارس المبشرين مسلم أو مسلمة، وإذا مضى سنتان أو ثلاث على مدارسهم، وليس فيها مسلم، فإنها ستقفل من نفسها، وتستريح الأمة منها.
هذا ميدان من ميادين العمل، والله يحب العاملين.
* فاتحة السنة السادسة (١):
الحمد لله الذي أنطق الألسنة بالحكم الرائعات، وشرح القلوب بالعظات البالغات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الداعي إلى سبيل الرشاد، والمبعوث بالشريعة الخالدة إلى يوم التناد، وعلى آله المستقيمين على الطريقة المثلى، وأصحابه العاملين لإعلاء كلمة الحق، وجعلِ كلمة الباطل هي السفلى.
أما بعد:
فقد قضت مجلة "الهداية الإِسلامية" سنتها الخامسة وهي ثابتة على مبادئ الجمعية، عاملة لتحقيق مقاصدها، تضع بين يدي قرائها محاضرات أو مقالات تكشف عن حقائق دينية، أو تحرر مباحث علمية، أو تلم بشؤون
стр. 4569
اجتماعية، أو تدني قطوف فوائد لغوية أو أدبية، وسيكون عزمها -بتوفيق الله تعالى- في هذه السنة أمتن، وجهادها أكبر، ونظامها أحكم، وما ذلك من أعضائها وأنصارها ببعيد.
والمجلة تشكر لمن شدَّ أزرها بما آتاه الله من علم وحسن بيان، أو مدَّها بقيمة الاشتراك، أو بما طابت به نفسه من تبرع، عالماً أن المال ينفد، وما عند الله خير وأبقى. وتعتذر لحضرات من كانت ترسل إليهم في كل شهر، ولم يرعوا حقها، بأن حالتها المالية اضطرت إدارتها لأن تكف عن إرسالها إلا إلى من تكرموا بدفع قيمة الاشتراك في السنّة الماضية، أو رغبوا في الاشتراك فيها، وعرضوا رغبتهم على إدارة المجلة مباشرة، أو على طريق بعض وكلائها.
وأما من بقي في ذممهم شيء من قيمة الاشتراك بعد الاطلاع على الخطاب الذي وجهته لتذكيرهم بهذا الحق، فقد وكلتهم إلى ضمائرهم، فمن وجد ضميره مرتاحاً لاهتضام جمعية تخدم الدين والعلم والأدب، فليبق على ذلك الارتياح ما شاء.
هذا، وقد استحسن حضرات أعضاء مجلس الإدارة أن يكون أول سنة المجلة شهر رجب؛ لأنه مبدأ النصف الثاني من السنة، والشهر الذي أسست فيه الجمعية.
ونرجو من الله تعالى أن يكون التوفيق رائدنا، وتأييد الحق في كل حال نصب أعيننا:
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
стр. 4570
* كلمة في حفل تكريم المتبرئين من القاديانية (١):
فضيلة الأستاذ أكبر، وأصحاب الفضيلة! ويا أيها السادة الكرام: أقدم لحضراتكم جميعاً عظيم الشكر على ما تفضلتم به من قبول دعوة الجمعية وتشريفها بالحضور.
ساعة مباركة أقف فيها مغتبطاً بهذا الاحتفال البهيج، ومهنئاً حضرات إخواننا الذين استكشفوا دخيلة النحلة القاديانية، ثم عادوا إلى وطنهم الذي هو الإِسلام، وقلوبهم تتلألأ إيماناً خالصاً.
وقد كان في اتصال هؤلاء الإخوان بتلك النحلة الزائفة، وإعلان براءتهم منها على رؤوس الأشهاد فائدتان عظيمتان:
أما الأولى: ففائدة علمية؛ فإنهم اطلعوا على سريرة ذلك المذهب المنافق، وتركوه على بينة من أمره، ومن طريقهم اطلعنا على كتب ومقالات لغلام أحمد كانت عوناً لنا على سعة العلم بزيفه وسخف عقله، وقوة على نقض ما يورده هو وأتباعه من شبه وأباطيل.
وأما الثانية: فخلقية؛ فإن حضرات الإخوان عندما وقفوا على فساد تلك النحلة، وخروجها على الدين الحنيف، حملتهم فضيلة الإنصاف والرجوع إلى الحق على أن يعودوا إلى صفوف المسلمين، ويجاهدوا في سبيل الرشد مع المجاهدين، وقليل من الناس من يرجع إلى الحق بعد الابتعاد منه،
стр. 4571
وقليل من الناس من يعلن براءته من مذهب اتصل به، واستبان أنه مذهب غير رشيد.
نحن نعلم أن القاديانية كالبهائية، فرع من تلك الشجرة الخبيثة؛ أعني: نزعة الباطنية، والباطنية -أيها السادة- نِحْلَة، بل مكيدة بيَّتها طائفة من المجوس؛ ليأخذوا -في زعمهم- بثأر المجوسية من الإِسلام، ومن درس تاريخ الباطنية، وجد مبادئها تتمثل في النحلتين القاديانية والبهائية في أجلى صورة، ومن مبادئها: أن يتظاهر زعماؤها بالدعوة إلى الإِسلام، وهم يعملون في الخفاء لتقويض أركانه، ولا يبوحون بما في صدورهم إلا لمن استدرجوه حتى وقع في حبالتهم، وأصبحت نفسه قريبة من نفوسهم، وكذلك يفعل دعاة هاتين النحلتين الخاسرتين.
ليبث أولئك المضلون في غير بلاد الإِسلام ما شاؤوا من سموم قاتلة، وحرام على مصر وغير مصر من بلاد الإِسلام أن يتخذ فيها أذناب غلام أحمد، وأذناب عباس البهائي سوقاً ينادون فيه على بضائعهم الموبئة.
ولا لوم على من يتصل بطائفة يزعمون أنهم دعاة إصلاح، حتى إذا وقف على خفي أمرهم، وضاق صدره من ظلمات إلحادهم، صرف وجهه عن وجوههم، وحذر الناس من الاتصال بهم، والإصغاء إلى هذيانهم، وإنما اللوم، بل غضب الله على من لم يسلَّ يده من أيديهم، ويرضى أن يكون من عُمّار مجالسهم، ومكثّري سوادهم.
وأعود فأقول: إن حضرات إخواننا المحتفَل بهم، قد خدموا بهذه البراءة الدين الإِسلامي أجلّ خدمة، ورفعوا صرح فضيلة قلّ من يفي بحقها، وهي فضيلة الرجوع إلى الحق، فإذا احتفلنا بتكريمهم، فإنما نحتفل بتكريم
стр. 4572
جنود الحق، وأنصار الفضيلة، وتكريم الله لهم في هذه الحياة، وتلك الحياة خير وأبقى.
* خطبة الإمام في حفل افتتاح فرع جمعية الهداية الإسلامية بالجيزة (١):
أيها السادة! من الذي لا يدري أن المسلمين كانوا أقوم الأمم سيرة، وأسعدها حياة، وأشرفها مظهراً، يفجرون ينابيع العلم إذا فكروا، ويرفعون لواء الظفر إذا دافعوا، ويبسطون ظلال العدل إذا حكموا، وهم الذين أحكموا صناعة السياسة الممزوجة بالرفق، المحوطة بالحزم، يعرف ذلك شبانهم كما يعرفه شيوخهم، ويشهد به خصومهم كما يشهد به أعقابهم. فلست في حاجة إلى أن أعرض على حضراتكم صفحة من تاريخهم المجيد، وإنما أريد أن أذكركم بأن ذلك الانقلاب الخطير، بل الإصلاح الذي لا يعرف له التاريخ من نظير، لم يكن صنع مفكر عبقري، ولا نتيجة تدبير بشري، وإنما هو أثر الحكمة التي نزل بها القرآن الكريم، وجرت على لسان ذلك الرسول العظيم ﷺ .
فتح المسلمون الشرق والغرب، وحملوا إلى الأمم إصلاحاً لم تحمله إليها أمة من قبل ولا بعد، وحدث بعد هذا أن تزعزعت أركان عظمتهم، وكسفت شموس فخارهم، فإذا هم في ظلمات بعضها فوق بعض، فلم تبق لهم عين تبصر ماذا تعده الأمم الأخرى من قوة، ولم تبق لهم أذن تحس ما تبيته تلك الأمم من خطط الهجوم، فصاروا في غفلة وغيرُهم في يقظة،
стр. 4573
صاروا في بطالة وغيرهم في عمل، صاروا في لهو وغيرهم في جد، صاروا في تفرق وغيرهم في اتحاد، صاروا في تخاذل وغيرهم في تعاون، صاروا في خمول وغيرهم في ظهور، فكانت عاقبتهم شقاء بعد سعادة، ذلة بعد سيادة:
ومن غدا لابساً ثوب النعيم بلا ... شكر عليه فإن الله ينزعه
أطلق أولو الألباب أنظارهم ليتعرفوا أسباب هذه الحالة الممزقة للأفئدة، فاهتدوا إلى أن العلة التي أكلت اللحم، وشربت الدم، وأوهت العظم، هي انصرفنا عن أوامر الدين الحنيف، ونبذنا لوصاياه العالية وراء ظهورنا، فتهاوناّ بالواجبات، وانقدنا إلى الشهوات، ولم ننتفع بالعظات البالغات.
قام دعاة الاصلاح يصفون تلك العلة القاتلة، وينادون بالرجوع إلى الدين الحق في غير تباطؤ، ويبينون كيف تنطبق أصوله الصحيحة وآدابه السنية، على قوانين مكارم الأخلاق، ومقتضيات المدنية الفاضلة، فأخذ الناس ينتبهون من سباتهم، ويفتحون لنصائح أولئك الدعاة قلوبهم، فقلنا: حياة جديدة، ونهضة مباركة.
وحدث بعد هذا أن خرج بعض الزائغين في ثوب الدعوة إلى الإصلاح، وصاروا يقلبون الحقائق، ويدسون السم في الدسم، وبدت الزندقة والإباحية على أفواههم، حتى نعق غراب من غربانهم قائلاً: إن سبب تأخر المسلمين ربطُهم السياسة بالدين، ولا ندري متى ربط المسلمون السياسة بالدين فتأخروا، ولا متى فصلوها عنه فتقدموا!.
وما كفى هؤلاء الزائغين أن يكونوا في أنفسهم ملاحدة إباحيين، بل تصدوا للدعاية إلى اللهو والباطل والفجور تحت اسم: الحرية والتجديد.
стр. 4574
اتصلتْ هذه الدعاية الخائنة بشبان لم ينبتوا نباتاً حسناً، ولم يتعدوا قشور العلم إلى لبابه، فتزلزلت عقائدهم، وساءت أخلاقهم، وأصبحت الأمة تذكرهم في أسف، وتتمثل بقول الشاعر:
وإخوان حسبتهم دروعاً ... فكانوها ولكن للأعادي
وخلتهم سهاماً صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي
وقالوا: قد صفت منّا قلوب ... نعم صدقوا، ولكن من ودادي
وبلي المسلمون بعد طاعون الإلحاد بدعايات أخرى مضلة عن السبيل؛ كدعاية البهائية والقاديانية، ومن يسمون أنفسهم: المبشرين.
ولحماية أبنائنا من مرض الإلحاد، وإنقاذهم من شرور تلك الدعايات، أسست جمعية الهداية الإسلامية، ويضاف إلى هذا: عنايتها بإحياء اللغة العربية، وترقية آدابها، ثم سعيها في عقد رابطة التعارف بين الشعوب الإسلامية، ولا سيما رجال العلم والأدب، ومن لهم سابقة في خدمة الإسلام والمسلمين.
تعمل الجمعية لهذه الأغراض السامية بما يُلقيه حضرات أعضائها أو مؤازريها من خطب ومحاضرات، وبما يحررونه في مجلتها من مقالات، وبما تقيمه لتكريم العلماء أو الفضلاء المخلصين من حفلات، وقد قطعت -بتأييد الله تعالى- في العمل لهذه الأغراض أشواطاً بعيدة، وهي صحيحة العزم، رشيدة الرأي، ثابتة الخطا.
ومن أسباب نجاح الجمعية -بعد توفيق الله تعالى-: أنها تتوخى في دعوتها سبيل الرفق والحكمة، وتتحامى أن تخوض في أمور تثير عداوة طائفة من الطوائف الإسلامية، فإن دعاها الحال إلى تقرير حقيقة يخالف فيها بعض الطوائف، بيناها بقول لين، دون أن نمس الطائفة المخالفة بكلمة جافية،
стр. 4575
نفعل ذلك امتثالاً لنصيحة القرآن، وحذراً من أن نحدث تقاطعاً بيننا وبين قوم مسلمين.
ومن أسباب نجاح الجمعية: أنها لم تحد عن الخطة التي أخذتها على نفسها من العناية بالشؤون الإسلامية والعلمية والأدبية والاجتماعية، وعدم التدخل في الشؤون السياسية والإدارية، والسياسةُ الرشيدة يناء أساسُه الإيمان الراسخ والآداب السنية، والعلوم الصحيحة، واللغة الراقية، ويكفي الجمعية أن توجه همتها لإصلاح الأساس حتى يكون البناء مستقيماً محكماً.
هذه أغراض جمعية الهداية الإسلامية، وهذه سيرتها، وقد تعرفها نخبة من شباب الجيزة النجباء، فارتاحت لها نفوسهم الطيبة، ورأوا أن الجيزة في حاجة إلى جمعية تسير هذه السيرة، وتعمل لهذه الأغراض، فزاروا مركز الجمعية العام، وعرضوا رغبتهم في إنشاء فرع لها في هذا البلد الكريم، فرأينا سيماء الإخلاص في وجوههم، فأكبرنا همتهم، وبادرنا إلى إجابة رغبتهم، فأنشؤوا هذه الجمعية المحتفل بافاتتاحها، وألفوا مجلس إدارتها من أساتذة أجلاء، وفتيان مخلصين نبهاء، فجمعوا إلى تجارب الأساتذة ورويتهم، نشاطَ الفتيان ومضيَّ عزائمهم.
ونحن على ثقة من أن هذه الجمعية ستسير بجانب الجمعية القائمة بالقاهرة، تقصد قصدها، وتنسج على مثالها، فنراهما -بتوفيق الله تعالى- متعاونين على الدعوة إلى الحق والفضيلة، يرودهما الإخلاص، ويحالفهما الثبات، وما كان الإخلاص رائده، والثبات حليفه، فذلك العمل الصالح الذي يكتب الله له النجاح، وينفع به الناس.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧].
стр. 4576
* فاتحة السنة السابعة (١):
نحمدك اللهم حمد من هديته السبيل، وحميته من سوء التأويل، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الداعي إلى أقوم حجة، بأبلغ محجة، وعلى آله الأخيار، وصحبه الأبرار، وكل من أخلص في طاعتك، واعتز بهدايتك.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها السادسة في جهاد لا يحوم عليه فتور ولا ملل، أما سلاحها، فالحكمة والموعظة الحسنة، وأما غايتها، فظهور الرشد على الغي، وإقامةُ معالم المدنية الطاهرة، وتربية النشء على سموّ الهمة، والطموح إلى المعالي، والاعتماد على النفس، بل غايتها النهوض بالشرق إلى ذروة المجد، حتى تكون له العزة من بعد، كما كانت له من قبل.
جاهدت المجلة في هذا السبيل، فكان لجهادها أثر لا يستهان به، والفضل في هذا النجاح -بعد توفيق الله تعالى- لحضرات المشتركين فيها، وأعضاء الجمعية وأنصارها، هذا ينفق عليها من علمه الغزير، وذلك يؤازرها بقلمه البارع الحكيم، أو رأيه الراجح الأمين، وآخر يمدها بما استطاع من مال كثير أو قليل، وقد اتصلنا على طريق المراسلة بطائفة عظيمة من أكابر العلماء ونوابئ الأدباء، في مصر وغيرها من البلاد، نستنهض أقلامهم المشهود لها بالبلاغة والإخلاص؟ لتحرير مباحث علمية، أو مقالات أدبية، أو قصائد إصلاحية، وإهدائها للمجلة، حتى يتحقق ما نسعى له في كل وقت، وهو أن تكون هذه المجلة كمعرض لآراء علماء الشعوب الإسلامية وزعمائها،
стр. 4577
وفي مثل هذا التعاون خير كثير.
وأختم كلمتي هذه بشكر حضرات أولئك العلماء والأدباء والفضلاء الذين جردوا أقلامهم، أو أنفقوا شيئاً من أموالهم، أو قالوا كلمة طيبة في مؤازرة هذه المجلة، فلولا هذه المؤازرة، لما استطاعت القيام بشيء من الواجب الذي تؤديه اليوم في روية وحزم وتؤدة. والله المستعان على بلوغ المرام، وله الحمد في البدء والختام.
* شعبة شباب الإصلاح لجمعية الهداية الإسلامية (١):
تألفت جمعية الهداية الإسلامية منذ سبع سنين لمقاصد هي: بيان سماحة الإسلام، وبث آدابه العالية، والتحذير مما ألصق به من بدع وأباطيل، والعمل لتعارف الشعوب الإسلامية، وتوثيق الرابطة بينها وبين أفرادها وجماعاتها، والمحافظة على اللغة العربية، وترقية آدابها، والنظر في أحوال الاجتماع ومقتضيات المدنية، لترشد إلى ما كان صالحاً، وتحذر مما كان سيئاً ..
سارت الجمعية في سبيل هذا الإصلاح، وبلغت -بحمد الله تعالى- غاية بعيدة، فعرفت بالإخلاص في الدعوة، والاستقامة على الطريقة، وما زالت تتبع علل الفساد، وتجتهد في مداواته، حتى ألقت على حال الشباب نظرة خاصة، فرأت في كثير منهم غفلة عن تعاليم الإسلام، وقلة احتفال بتاريخ عظمائه، وعدم إعطاء اللغة العربية حقها، وذلك ما بعثها على أن أنشأت في مركزها بالقاهرة شعبة سمتها: "شعبة شباب الإصلاح"، ووضعت لها
стр. 4578
نظاماً يدور على إرشاد طلاب العلم إلى العقائد الصافية، والآداب السنية، وأخذهم بالأساليب الحكيمة إلى القيام على اللغة العربية وآدابها، وتمرينهم على الخطابة والتحرير والنقد، وإلقاء المحاضرات في العلوم والأخلاق، وآداب الاجتماع، ومساعدتهم على القيام برحلات علمية أو تاريخية، وفتح قاعة يجلب إليها من الكتب القيمة ما ترى فيه عوناً على تحقيق هذه الأغراض الشريفة، علاوة على ما تحتويه مكتبتها من الكتب الدينية والتاريخية والأدبية، فغرض الجمعية من إنشاء هذه الشعبة: أن تعد للمستقبل رجالاً يكونون مُثلاً كاملة للاعتزاز بالدين، والتحلي بالاستقامة، والاحتفاظ بالكرامة، والإخلاص في الدعوة إلى الإصلاح، والخبرة بطرق الإقناع.
وأدرك فريق من أذكياء الطلبة خلوص الجمعية في إنشاء هذه الشعبة، ووثقوا بكفاية رجالها للقيام بالمشروعات الجليلة، فأقبلوا على الانتظام في سلكها، والسير على منهجها، وأقبلت عليهم الجمعية فسيحة الصدر، آخذة بالحزم في إنجاز الأمر، وأملها أن ينضم إلى هؤلاء الأذكياء كثير من أمثالهم، وما كثرة أعضاء هذه الشعبة إلا قوة تملأ سبيل الإصلاح ضياء، وتدع الدعايات الباطلة هباء، وعلينا الثبات واقتحام العقبات، ومن الله التوفيق والهداية لأقوم طريق.
* فاتحة السنة الثامنة (١):
حمداً لمن أنزل القرآن المجيد في أفصح لسان، وعلمنا كيف ندفع الشبهة بالبرهان، وصلاة وسلاماً على سيدنا محمد الذي أنشأه الله في حصن من العصمة، وأرسله إلى الناس رحمة، وعلى آله النبلاء، وأصحابه الأجلاء،
стр. 4579
وكل من جاهد في الحق على سواء، ولم يتخذ من المضلين أولياء.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها السابعة في سيرة راضية، وجهاد حازم، تأخذ في دعوتها بالموعظة الحسنة، وتتحرى في مباحثها العلمية الأساليب السائغة، ترشد إلى الحقائق الدينية، وما يرجع إلى إصلاح حال المجتمع، وتتجاوزهما إلى موضوعات لغوية أو أدبية أو تاريخية، وتسع صفحاتها جانباً كبيراً من مباحث العلوم الكونية، وتلم بشؤون مما يجري في البلاد الإسلامية، ويتصل بالحركة الإسلامية، وتنقد ما تراه في بعض الصحف من الآراء المنحرفة عن أصول الدين، أو قوانين العلم، وتناقشها في حدود أدب البحث، ولا تبالي ما تلاقيه في سبيل ذلك من أذى.
ومما زاد بعزم القائمين بهذه المجلة قوة: رغبة كثير من أهل العلم والأدب والفضل في الاتصال بها، وإقبالهم على اقتنائها، وشهادتهم لها بأنها صافية الموارد، بعيدة من لغو الحديث، آخذة في نقدها بقانون المنطق السليم.
وقد حافظت المجلة على ما وصفت به نفسها من أنها مجلة العالم الإسلامي، فكانت ملتقى أقلام العلماء والأدباء في الشرق والغرب، وربما احتوى الجزء الواحد منها على مقالات واردة من أقطار مختلفة؛ كمصر والشام وتونس والمغرب الأقصى.
وحقيق علينا أن نقدم خالص الشكر إلى حضرات أولئك العلماء والأدباء على ما تفضلوا به من تلك المقالات، أو المحاضرات، أو القصائد التي تزينت بها صفحات هذه المجلة، وكانت جهاداً في سبيل الدين والعلم والأدب والفضيلة.
стр. 4580
وحقيق علينا أن نشكر أولئك الذين يقدرون ما تقوم به الجمعية من أعمال نافعة، ويشعرون بأن هذه الأعمال تستدعي نفقات غير قليلة، فيبادرون إلى مؤازرتها بإرسال قيمة الاشتراك فيها أو في مجلتها، ونعتذر لمن أرسلت إليه المجلة نحو السنتين، ولم تسمح له نفسه بإرسال قيمة الاشتراك على ضآلته، فأوقفت الإدارة إرسالها إلى حضرته، نعتذر إليه بأن تباطؤه عن مساعدة الجمعية بتلك القيمة الزهيدة، يشعر بضعف الرغبة في الاتصال بمجلتها. ونحن لا نحرص على أن نبعث بها إلا لمن يضعها موضع العناية.
هذا، وقد اتصل بالجمعية رجال من أفاضل العلماء والكتاب، وسيكون للمجلة من منشآتهم ومحاضراتهم - إن شاء الله تعالى- حظ عظيم.
﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
* نداء جمعية الهداية الإسلامية لمساعدة منكوبي فلسطين (١):
منذ تدفق سيل الهجرة الصهيونية على أرض فلسطين، وإخواننا العرب يلاقون أياماً قاسية، ولا أشد قسوة من هذه الأيام التي يذوقون فيها الشدائد ألواناً، ولا أظن ذا قلب يسمع أنباء ما يجري في تلك الأرض المقدسة من الحوادث المرهقة، ولا يذوب قلبه حزناً على ما يتجرعه أولئك المنكربون من غصص، إلا أن يكون هذا القلب مخلوقاً من الحديد أو الحجارة.
وإذا كان الرجال يصبرون على الشدائد، ويخوضون الخطوب من غير مبالاة، فلنضع أمام أعيننا أطفالاً يتضورون جوعاً، ونساء فقدن القوت بفقد من كان يقوم عليهن، وهذا أشد ما يهز عواطفنا، فيبسط كل منا يده
стр. 4581
بما يستطيع من معونة، عسى أن تخفف عن أولئك المنكوبين وقع الكارثة التي غَلَّت أيديهم، وأكلت لحومهم، وشريت من دمائهم.
يكفينا في إثارة عواطف الأمة المصرية الكريمة لمساعدة منكوبي فلسطين أن نعرض عليها حال أولئك الأطفال والنساء والمستضعفين من الرجال؛ لأننا نعلم أن بين جوانحها أفئدة رقيقة، ونفوساً سباقة إلى الخير، ولكننا نذكِّرها -بعد هذا- بحق الجوار، وبواجب الدين الذي يدعو إلى التراحم والتعاون عند الشدائد، وإذا كان لرضا الخالق وسائل، فالتراحم من أقرب وسائله، وإذا كان للتراحم مظاهر، فمعونة المنكوبين من أجلِّ مظاهره.
ونذكّر الأمة المصرية الكريمة بتاريخها المجيدة فإنه يشهد بأن لها في رعاية الجوار، والعطف على شعوب الشرق مواقف محمودة، والأمة المشهود لها بالزعامة، والطامحة إلى أن تكون أعلى ذروة من المجادة كالأمة المصرية، يسرها أن تعمر حاضرها كما عمرت ماضيها بالهمم العظيمة، والأيادي البيض، والمكارم التي تلبسها أطواق الشكر والثناء.
وستشارك جمعية الهداية الإسلامية في هذا السبيل بما يتيسر جمعه من حضرات أعضائها وأصدقائها معتبرة بقوله تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩].
* فاتحة السنة التاسعة (١):
نحمدك اللهم على أن أريتنا سبيل الرشد واضحاً جلياً، والصلاة والسلام
стр. 4582
على سيدنا محمد الذي أنزلت عليه قرآناً عربياً، ورفعت ذكره مكاناً علياً، وعلى آله الذين اقتبسوا من سيرته أدباً سنياً، وصحبه الذين جاهدوا في الحق، وعلى كل من كان للحق ولياً.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها الثامنة، وهي تستمد من الله تعالى المعونة فيمدها، وتطلب من أولي العلم والأدب أن يهبوها من منشآت قرائحهم المبدعة، فتجدهم عند طلبها، فشكراً لهم على ما وهبوا من مقالات حكيمة، أو قصائد بليغة، أو محاضرات رفيعة.
وستأخذ المجلة -بتوفيق الله تعالى- في عامها التاسع مظهراً أرقى من مظاهرها الأولى، وتضع بين أيدي قرائها مباحث غزيرة الفائدة، مختلفة الفنون، ومما يساعدنا على تحقيق هذا الأمل: أن شعبة الهداية قد التحق بها أعضاء من كليات الجامعة والمدارس العالية، اتصل هؤلاء الأعضاء بالجمعية اتصال شباب صفت فطرهم، وطابت منابتهم، والتهبت حماستهم، فأقبلوا يعملون في كل ناحية من نواحي الإصلاح الذي أنشئت له الجمعية، في حكمة وتؤدة. ومما عقدوا عليه عزمهم: أن يمدوا هذه المجلة بمقالات سامية المقاصد، يحررونها، أو ينقلونها بالتعريب من صحف أو مؤلفات غير عربية.
وحيث انضم إلى الجمعية أعضاء قدروا سمو الغاية التي تدعو إليها، وأخذوا على أنفسهم النهوض بكل وسيلة من وسائل دعوتها، ستنتظم -بتأييد الله- المحاضرات على طريقة تجعلها أرقى طبقة، وأعظم فائدة.
وسنبذل مجهودنا في إصدار المجلة أول كل شهر، ويساعدنا على هذا: أن عمل طبعها أصبح تحت إشراف الجمعية نفسها، والله المستعان في كل حال،
стр. 4583
والمعتصم في بلوغ الآمال.
* حفلة تكريم رئيس مجلس الشيوخ (١):
سادتي! هذه جمعية إسلامية أدبية، وقد أخذت على نفسها منذ نشأت أن لا تتعرض للشؤون السياسية، ولا سيما شؤون السياسة المصرية، وقد مضى على إنشائها تسع سنين، وهي سائرة على الخطة التي رسمها أعضاؤها المؤسسون، ولا أكتمكم أن أعضاء الجمعية -شيوخاً أو شباباً- قد تختلف آراؤهم في بعض المسائل السياسية، وقد تذهب عاطفة هذا إلى ناحية، وعاطفة ذاك إلى أخرى، ولكنهم يدخلون دار الجمعية برأي واحد يرمي إلى غاية واحدة هي إعلاء شأن الثقافة الإسلامية الصحيحة، والجهاد في سبيلها بالحجة وحسن البيان.
وإذا أكبرت الجمعية ذا شخصية بارزة، فإنما تقدر فيه صدق الإسلام وأدبه، فإذا قامت اليوم تحتفل بتكريم الأستاذ الكبير محمود بسيوني، فلأنها عرفت فيه نفساً نشأت على هدى وسيرة نقية، ولأن سعادته يحمل عاطفة شريفة، عاطفة من يقول:
وأتعب إن لم يمنح الناس راحة ... وغيري إذا لم يَتْعَب الناس يَتْعَبُ
وتلك العاطفة هي التي جعلته يسعد ذوي الحاجات، ويبذل جاهه ووقته في قضاء مآربهم من غير سآمة ولا منة.
نعم، نحتفل اليوم بتكريمه؛ لأن لنا الأمل الوثيق أن يصرف جانباً من
стр. 4584
حكمته وشجاعته في نصح مصر بإن تقف موقف الرصانة، ولا تطيش مع الطائشين، أو تزيغ مع الزائغين، فتغضب الخالق، ولا ترضي المخلوق، ينصح لها أن تحافظ على روح الدين، وبهذه الروح يصدق قول الشاعر في القديم:
من لم ير مصر ولا أهلها ... لم يبصر الدنيا ولا الناسا
هذه أمنية جمعية الهداية الإسلامية، بل أمنية العالم الإسلامي من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
هذا، وأقدم خالص شكري لسعادة رئيس مجلس الشيوخ على التكرم بإجابة دعوة الجمعية، كما أقدم خالص شكري لحضرات السادة الذين أجابوا دعوتنا، وشاركونا في هذه الحفلة الموقرة.
* الاحتفال بعودة الإمام من سورية (١):
سادتي! رأى حضرات السادة أعضاء جمعية الهداية أن يقيموا حفلة بمناسبة عودتي من البلاد السورية، فقلت: إن الجمعية قد مرت على تأسيسها عشرة أعوام، وهي تجاهد في سبيل الإصلاح بإخلاص وثبات وروية، فلنقم الحفلة على هذه المناسبة وحدها، فلم يحظ اقتراحي لدى حضراتهم بالقبول، ولم يسعني أمام رأيهم القاطع إلا أن سكتُّ، ووضعت رأيي تحت قدمي.
ولكني قرأت في ورقة الدعوة إلى الحفلة: أني رفعت ذكر الجمعية في البلاد السورية، فوجدت في نفسي شيئاً من الارتياح، ذلك لأن رفع ذكر
стр. 4585
الجمعية إنما هو بالحديث عن جهادها، واستقامة سيرتها، وسمو غايتها، وهذا الحديث في معنى ذكر مقاصد حضرات أعضاء الجمعية، وما يقومون به من جلائل الأعمال.
فبرحلتي ازداد أهل البلاد السورية خبرة بأن في مصر شيوخاً وشباباً يعتزون بالدين الحنيف، ويقدرون اللغة العربية، ولا يبالون في سبيل إعلاء كلمة الحق، ورفع شأن لغة القرآن، أن يجاهدوا بأموالهم وأقلامهم، وبكل ما يملكون من قوة.
فما أحرى هذه الحفلة أن تكون حفلة تكريم لحضرات أعضاء الجمعية وأصدقائها الذين يؤازرونها بمعارفهم ومنشآتهم وجاههم، ونفوذ كلفتهم، وإذا لم تسمَّ هذه الحفلة حفلة تكريم أعضاء جمعية الهداية وأصدقائها، فإنها لا تصلح إلا لهذا الاسم، ذلك أن نصيبي من العمل في الجمعية لا يزيد على عمل أي عضو من أعضائها، ولو بمثقال ذرة.
ولكن إخواني الذين وضعت يدي في أيديهم للنهوض بأعباء الدعوة إلى الحق، يبالغون في حسن الظن بي، فيرون الصغير من عملي كبيراً، وربما عدوا في حساب عملي أعمالاً جليلة لم تكن إلا وليدة آرائهم وأيديهم.
وإذا اغتبطت بشيء في الحياة، فإنما أغتبط بالعمل مع أمثال هؤلاء الرجال الذين يعملون في سكينة، والإخاء الصادق أو البنوة البارَّة تملأ ما بين جوانحهم.
وإذا كان من المناسب أن أذكر لحضراتكم على وجه المثل أثراً من آثار دعوتهم الحكيمة الحازمة، فهو أن كثيراً من طلاب العلم في المدارس العالية وكليات الجامعة، قد اتصلوا بالجمعية ليتعرفوا حقائق الدين وآدابه من محاضراتها،
стр. 4586
ومجلتها، ومحاورات علمائها، وأصبحوا يقومون بجانب من أعمال الجمعية، ويتسابقون إلى تحقيق أغراضها بجد وحماسة. ومن الذي لا يشعر بأن أبناءنا الذين سيتولون مقاليد الأمور السياسية والإدارية والقضائية، في حاجة إلى تربية دينية صحيحة؟ ويغير هذه التربية لا تجد فيهم الأمة خيراً، بل يكونون بانحرافهم عن هداية الله عقبات في سبيل فلاح الأمة في الدنيا، وسعادتها في الآخرة.
هذا وأقدم خالص شكري لحضرات السادة الذين أجابوا الدعوة، وصرفوا جانباً من أوقاتهم النفيسة في حضور هذه الحفلة، كما أقدم خالص شكري لحضرات أعضاء الجمعية بمركز القاهرة، وفرع الجيزة، على كرم هممهم، وسمو عواطفهم، وإذا ارتحت لهذه الحفلة، فلأنها مظهر رضا إخواني عن أن أعمل في صفوفهم، ولأنها محققة لغرض من أغراض الجمعية، وهو العمل لتعارف أهل الفضل والأدب، وتأكيد روابط الصداقة الفاضلة بينهم، ولأنها تسدي إلى بعض الجماعات أو الأفراد نصيحة، هي أن صلة الإخاء الإسلامي هي الصلة الني يدور عليها التعاون على الدعوة إلى خير الأوطان وإصلاح شؤونها.
* الاحتفال ببعثة الإخاء الإسلامي (١):
سادتي! كانت الأمة الإسلامية في قوة وعزة وسيادة، فسقطت إلى ضعف وذلة واستعباد، وإن من يسمو بنظره إلى تاريخنا أيام كنا نقول فنفعل، ثم يرجع
стр. 4587
بصره إلى حالنا الحاضر، ويرى ماذا تقاسيه الشعوب الإسلامية في الشرق والغرب من إهانة وعذاب، سال قلبه دماً قبل تساقط عبراته.
أروني شعباً إسلامياً يتمتع بالحرية في إقامة شعائر دينه، والتقاضي إلى شريعته السمحة، وعنده من القوة ما يجعله في أمن من سطوة الأجنبي الغاشم!.
من الأقطار الإسلامية ما يشكو بلاء الاحتلال الجائر، ومنها ما يتخبط تحت سلطان الإلحاد الفاجر، ومنها مالا يزال في استقلاله أو شبه استقلاله ماسكاً بجانب من إيمانه، إلا أنه لا يملك من القوة ما يرهب به عدوه المتخفر، أو يدافع به عدوه المهاجم.
إذاً كل الشعوب الإسلامية في مرض وبلاء، وليس بينها شعب إسلامي يستطيع أن يزعم أنه في سلامة وأمن من سوء العاقبة.
هذه حقيقة مُرَّة، يجب أن نقولها، ثم نقولها، ثم نقولها؛ لعلنا نضعها نصب أعيننا، ونبذل كل مجهود في علاجها.
تسقط الأمم بالجهل والتفرق، وإذا اجتمع الجهل والتفرق، قال لهما البؤس: إني معكما، وقد ضرب الجهل بين الشعوب الإسلامية خيامه، وتفرقوا تفرق عِقد تقطَّع خيطه، فانتثرت حباته لا تقف حبة بجانب أخرى.
سادتي! دواؤنا أن نتفقه في حكمة القرآن المهيد، ونجري على ما يرشد إليه من وسائل القوة والحياة الطيبة؛ فإنه لم يترك وسيلة من وسائل الخير إلا دل عليها، ولا باباً من أبواب الشر إلا حذر منه.
ومن أعظم وسائل الفلاح في الأولى والآخرة: أن تتعارف ونتوادَّ، ونتعاون، وقد أرشد إلى هذه الوسيلة العظمى قوله تعالى:
стр. 4588
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣].
وقوله تعالى:
﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وقوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
إذاً يجب أن نتعارف، وإذا تعارفنا، تواددنا، وإذا تواددنا، تعاونا، وإذا تعاونا، لن تقف دون آمالنا الكبيرة عقبة.
سادتي! لا نيئس، ولا نجبن؛ فقد خلق الله شيئاً آخر خيراً من اليأس والجبن، هو الحزم والإقدام في حكمة، ولنوجه عنايتنا إلى تأكيد رابطة الإخاء الإسلامي، تلك الرابطة التي ألف الله بها بين أقوام اختلفت قبائلهم وأوطانهم، وامتن بهذا التأليف، فقال تعالى:
﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
وإذا كانت الشعوب الإسلامية مسؤولة عن هذه الرابطة المقدسة، فإن نصيب مصر من هذه المسؤولية فوق كل نصيب، ذلك أن موقعها في وسط البلاد الإسلامية، ثم إن ما امتازت به من غزارة العلوم، وكثرة المعاهد الدينية وغير الدينية، قد جعلها مورد الراحلين على تباعد أوطانهم، ومقصد طلاب العلم على اختلاف رغباتهم.
ولعل ضيوفنا الكرام إذ يرون في هذا الاحتفال أساتذة وطلاباً من الجامعتين: الأزهرية والمصرية، وغيرهما من معاهد العلم، يلاقونهم في سرور، ويعبرون في خطبهم عما تحمله ضمائرهم لأبناء الأقطار الأخرى من عطف ووداد، يشعرون بأن في مصر روحا إسلامية لا تلبث أن تكون
стр. 4589
كلمتها هي العليا.
سادتي! إذا أقمنا هذا الاحتفال لتأكيد رابطة التعارف والصداقة بيننا وبين حضرات إخواننا الصينيين وغيرهم من أبناء الأقطار الإسلامية، فإنما نعمل لناحية من نواحي الإصلاح، فنقدم جزيل الشكر لحضرات أعضاء بعثة الإخاء الإسلامي، وبعثة فاروق الأول، وسائر من أجابوا دعوتنا، فلجميعهم الفضل في هذه الحفلة القائمة على صفاء، المشرقة بنور الإخاء، والسلام عليكم ورحمة الله.
* مصاب تونس بوفاة عالم جليل (١):
أصيبت تونس بوفاة العلامة الجليل صديقنا الأستاذ الشيخ السيد محمد الصادق النيفر قاضي القضاة في تونس سابقاً، فقد كان الأستاذ ﵀ أحد النوابغ الذين أنبتتهم الجامعة الزيتونية نباتاً حسناً، وكان له فضل كبير في النهضة العلمية الحديثة.
وقد قدرت الجمعيات العلمية والأدبية في تونس قدر الأستاذ الراحل، فأقاموا له عند مرور أربعين يوماً على وفاته حفلة تأبين ألقى بها كثير من العلماء والأدباء خطباً وقصائد أتوا فيها على ما كان للفقيد من غزارة علم، وسمو أخلاق، وجهاد في سبيل الحركة الوطنية السياسية.
وكانت لجنة هذه الحفلة أشعرت رئيس تحرير هذه المجلة بما عزمت عليه من تأيين صديقه الأستاذ، فاختار أن يشترك بتلك الحفلة بكلمة في صلة الصداقة التي انعقدت بينه وبين الأستاذ ﵀، وبعث إلى اللجنة بالكلمة الآتية:
стр. 4590
طالعت المجلة الزيتونية الزاهرة، فوقع نظري على عنوان: "رثاء فقيد العلم الإمام محمد الصادق النيفر"، فرماني هذا العنوان بسهم من نار، فإذا الفؤاد يتلظى، والفكر يتقلب في ذكريات العهد الذي كنت اْتمتع فيه بصحبة الأستاذ الفقيد، ورابطة الصداقة بيني وبينه خالصة محكمة.
تقدمت الأستاذ الراحل في تلقي العلم ببضع سنين، وكنت أراه فيمن أرى من طلاب العلم وهو يشار إليه بأنه حفيد العلامة القاضي في ذلك العهد الشيخ محمد الطاهر النيفر، وكنت ألاقي الفقيد في الطريق، فيبادرني بالتحية، فأقدر له ذلك الأدب السنيّ.
واللبنة الأولى في بناء صداقته المتين: أني كنت جالساً يوماً بالجامع الأعظم، فأقبل ﵀ وجلس يحييني في تواضع زاده في عيني رفعة، وأبدى رغبة في دراسة علمي العروض والقوافي، وأذكر -إن لم تخني الذاكرة- أنا قرأنا على وجه المذاكرة فصلاً أو فصلين من علمي العروض والقوافي بالحجرة القائمة على يمين المصلى بالمعهد الزيتوني، فعرفت في ذلك الفتى يومئذ نباهة الألمعي، وأدب الماجد السريّ، وانتظمت الصداقة بيني وبينه في صفاء وسماحة.
وما زال ذلك الفتى البارع مجداً في طلب العلم، حتى رأيته أستاذاً يدرس الكتب العالية بالمعهد الزيتوني، وطلابُ العلم يزدحمون على دروسه، ويردونها ورود الظِّماء للماء الزلال.
وأذكر أني أديت صلاة بعض الجمعات في جامع باب البحر، وكان الأستاذ الراحل ﵀ يلقي على منبره خطباً بليغة، يراعي في اختيار مواضيعها ما يستدعيه الحال، وكنت أعجب بما أسمع، وآنس من تلك الخطب فواتح