ومجلتها، ومحاورات علمائها، وأصبحوا يقومون بجانب من أعمال الجمعية، ويتسابقون إلى تحقيق أغراضها بجد وحماسة. ومن الذي لا يشعر بأن أبناءنا الذين سيتولون مقاليد الأمور السياسية والإدارية والقضائية، في حاجة إلى تربية دينية صحيحة؟ ويغير هذه التربية لا تجد فيهم الأمة خيراً، بل يكونون بانحرافهم عن هداية الله عقبات في سبيل فلاح الأمة في الدنيا، وسعادتها في الآخرة.
هذا وأقدم خالص شكري لحضرات السادة الذين أجابوا الدعوة، وصرفوا جانباً من أوقاتهم النفيسة في حضور هذه الحفلة، كما أقدم خالص شكري لحضرات أعضاء الجمعية بمركز القاهرة، وفرع الجيزة، على كرم هممهم، وسمو عواطفهم، وإذا ارتحت لهذه الحفلة، فلأنها مظهر رضا إخواني عن أن أعمل في صفوفهم، ولأنها محققة لغرض من أغراض الجمعية، وهو العمل لتعارف أهل الفضل والأدب، وتأكيد روابط الصداقة الفاضلة بينهم، ولأنها تسدي إلى بعض الجماعات أو الأفراد نصيحة، هي أن صلة الإخاء الإسلامي هي الصلة الني يدور عليها التعاون على الدعوة إلى خير الأوطان وإصلاح شؤونها.
* الاحتفال ببعثة الإخاء الإسلامي (١):
سادتي! كانت الأمة الإسلامية في قوة وعزة وسيادة، فسقطت إلى ضعف وذلة واستعباد، وإن من يسمو بنظره إلى تاريخنا أيام كنا نقول فنفعل، ثم يرجع
стр. 4587
بصره إلى حالنا الحاضر، ويرى ماذا تقاسيه الشعوب الإسلامية في الشرق والغرب من إهانة وعذاب، سال قلبه دماً قبل تساقط عبراته.
أروني شعباً إسلامياً يتمتع بالحرية في إقامة شعائر دينه، والتقاضي إلى شريعته السمحة، وعنده من القوة ما يجعله في أمن من سطوة الأجنبي الغاشم!.
من الأقطار الإسلامية ما يشكو بلاء الاحتلال الجائر، ومنها ما يتخبط تحت سلطان الإلحاد الفاجر، ومنها مالا يزال في استقلاله أو شبه استقلاله ماسكاً بجانب من إيمانه، إلا أنه لا يملك من القوة ما يرهب به عدوه المتخفر، أو يدافع به عدوه المهاجم.
إذاً كل الشعوب الإسلامية في مرض وبلاء، وليس بينها شعب إسلامي يستطيع أن يزعم أنه في سلامة وأمن من سوء العاقبة.
هذه حقيقة مُرَّة، يجب أن نقولها، ثم نقولها، ثم نقولها؛ لعلنا نضعها نصب أعيننا، ونبذل كل مجهود في علاجها.
تسقط الأمم بالجهل والتفرق، وإذا اجتمع الجهل والتفرق، قال لهما البؤس: إني معكما، وقد ضرب الجهل بين الشعوب الإسلامية خيامه، وتفرقوا تفرق عِقد تقطَّع خيطه، فانتثرت حباته لا تقف حبة بجانب أخرى.
سادتي! دواؤنا أن نتفقه في حكمة القرآن المهيد، ونجري على ما يرشد إليه من وسائل القوة والحياة الطيبة؛ فإنه لم يترك وسيلة من وسائل الخير إلا دل عليها، ولا باباً من أبواب الشر إلا حذر منه.
ومن أعظم وسائل الفلاح في الأولى والآخرة: أن تتعارف ونتوادَّ، ونتعاون، وقد أرشد إلى هذه الوسيلة العظمى قوله تعالى:
стр. 4588
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣].
وقوله تعالى:
﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
وقوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
إذاً يجب أن نتعارف، وإذا تعارفنا، تواددنا، وإذا تواددنا، تعاونا، وإذا تعاونا، لن تقف دون آمالنا الكبيرة عقبة.
سادتي! لا نيئس، ولا نجبن؛ فقد خلق الله شيئاً آخر خيراً من اليأس والجبن، هو الحزم والإقدام في حكمة، ولنوجه عنايتنا إلى تأكيد رابطة الإخاء الإسلامي، تلك الرابطة التي ألف الله بها بين أقوام اختلفت قبائلهم وأوطانهم، وامتن بهذا التأليف، فقال تعالى:
﴿مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
وإذا كانت الشعوب الإسلامية مسؤولة عن هذه الرابطة المقدسة، فإن نصيب مصر من هذه المسؤولية فوق كل نصيب، ذلك أن موقعها في وسط البلاد الإسلامية، ثم إن ما امتازت به من غزارة العلوم، وكثرة المعاهد الدينية وغير الدينية، قد جعلها مورد الراحلين على تباعد أوطانهم، ومقصد طلاب العلم على اختلاف رغباتهم.
ولعل ضيوفنا الكرام إذ يرون في هذا الاحتفال أساتذة وطلاباً من الجامعتين: الأزهرية والمصرية، وغيرهما من معاهد العلم، يلاقونهم في سرور، ويعبرون في خطبهم عما تحمله ضمائرهم لأبناء الأقطار الأخرى من عطف ووداد، يشعرون بأن في مصر روحا إسلامية لا تلبث أن تكون
стр. 4589
كلمتها هي العليا.
سادتي! إذا أقمنا هذا الاحتفال لتأكيد رابطة التعارف والصداقة بيننا وبين حضرات إخواننا الصينيين وغيرهم من أبناء الأقطار الإسلامية، فإنما نعمل لناحية من نواحي الإصلاح، فنقدم جزيل الشكر لحضرات أعضاء بعثة الإخاء الإسلامي، وبعثة فاروق الأول، وسائر من أجابوا دعوتنا، فلجميعهم الفضل في هذه الحفلة القائمة على صفاء، المشرقة بنور الإخاء، والسلام عليكم ورحمة الله.
* مصاب تونس بوفاة عالم جليل (١):
أصيبت تونس بوفاة العلامة الجليل صديقنا الأستاذ الشيخ السيد محمد الصادق النيفر قاضي القضاة في تونس سابقاً، فقد كان الأستاذ ﵀ أحد النوابغ الذين أنبتتهم الجامعة الزيتونية نباتاً حسناً، وكان له فضل كبير في النهضة العلمية الحديثة.
وقد قدرت الجمعيات العلمية والأدبية في تونس قدر الأستاذ الراحل، فأقاموا له عند مرور أربعين يوماً على وفاته حفلة تأبين ألقى بها كثير من العلماء والأدباء خطباً وقصائد أتوا فيها على ما كان للفقيد من غزارة علم، وسمو أخلاق، وجهاد في سبيل الحركة الوطنية السياسية.
وكانت لجنة هذه الحفلة أشعرت رئيس تحرير هذه المجلة بما عزمت عليه من تأيين صديقه الأستاذ، فاختار أن يشترك بتلك الحفلة بكلمة في صلة الصداقة التي انعقدت بينه وبين الأستاذ ﵀، وبعث إلى اللجنة بالكلمة الآتية:
стр. 4590
طالعت المجلة الزيتونية الزاهرة، فوقع نظري على عنوان: "رثاء فقيد العلم الإمام محمد الصادق النيفر"، فرماني هذا العنوان بسهم من نار، فإذا الفؤاد يتلظى، والفكر يتقلب في ذكريات العهد الذي كنت اْتمتع فيه بصحبة الأستاذ الفقيد، ورابطة الصداقة بيني وبينه خالصة محكمة.
تقدمت الأستاذ الراحل في تلقي العلم ببضع سنين، وكنت أراه فيمن أرى من طلاب العلم وهو يشار إليه بأنه حفيد العلامة القاضي في ذلك العهد الشيخ محمد الطاهر النيفر، وكنت ألاقي الفقيد في الطريق، فيبادرني بالتحية، فأقدر له ذلك الأدب السنيّ.
واللبنة الأولى في بناء صداقته المتين: أني كنت جالساً يوماً بالجامع الأعظم، فأقبل ﵀ وجلس يحييني في تواضع زاده في عيني رفعة، وأبدى رغبة في دراسة علمي العروض والقوافي، وأذكر -إن لم تخني الذاكرة- أنا قرأنا على وجه المذاكرة فصلاً أو فصلين من علمي العروض والقوافي بالحجرة القائمة على يمين المصلى بالمعهد الزيتوني، فعرفت في ذلك الفتى يومئذ نباهة الألمعي، وأدب الماجد السريّ، وانتظمت الصداقة بيني وبينه في صفاء وسماحة.
وما زال ذلك الفتى البارع مجداً في طلب العلم، حتى رأيته أستاذاً يدرس الكتب العالية بالمعهد الزيتوني، وطلابُ العلم يزدحمون على دروسه، ويردونها ورود الظِّماء للماء الزلال.
وأذكر أني أديت صلاة بعض الجمعات في جامع باب البحر، وكان الأستاذ الراحل ﵀ يلقي على منبره خطباً بليغة، يراعي في اختيار مواضيعها ما يستدعيه الحال، وكنت أعجب بما أسمع، وآنس من تلك الخطب فواتح
стр. 4591
إصلاح الخطابة المنبرية في تونس.
ولا أنسى الليالي -ليالي الجمعة من كل أسبوع- إذ كان الأستاذ يتفضل فيها بالزيارة، ونقضيها في أسمار ممتعة، يجاذبنا أطراف أحاديثها فريق من طلاب العلوم والآداب.
ثم لا أنسى أوقاتاً عصفت فيها رياح بعض الرياسات، وأدارت وجوه بعض الإخوان إلى ناحية غير ناحيتنا، ورأيت الأستاذ الراحل من أشد الإخوان احتفاظاً بحقوق الصداقة، شأن من يعتز بعلمه ومجده، ولا يرضى أن يكون لاتجاه بعض الرياسات أثر في وصل صداقته وقطعها.
كانت ذكريات ذلك العهد تخطر، فتجد في النفس أمل لقاء ذلك الصديق الراحل، وتجديد ما درس من عهد الأنس به، فلا تثير من الأسى ما يجرح الفؤاد من كل ناحية، أما اليوم، وقد ذهب ذلك الأمل، فأراها تخطر فتثير أشجاناً يذوب لها القلب، وتتساقط لها العبرات.
أجل! ذهب ذلك الأمل المروِّح على القلب، وأصبحت ذكريات تلك الصداقة تبعث الحسرات فتجعلها ركاماً، وإن كان هناك ما يخفف من وقع هذا المصاب، فهو أملنا أن يكون لعلم الأستاذ الراحل وفضله ورثة من أنجاله النجباء، يحفظون التالد، ويعززون التالد بالطريف.
ويوطد هذا الأمل: أن بيت آل النيفر قد عرف بأنه منبت العلماء الراسخين، والأدباء البارعين، وإني ألمح في شباب هذا البيت اليوم همماً طماحة للمعالي، وجهوداً من أصدق الجهود التي تبذل لإعلاء شأن العلم والأدب والفضيلة. وأقدم لآل الفقيد على هذه الفاجعة خالص التعزية، وأسأل الله تعالى أن يفيض على ضريحه نوراً ورحمة، ويحسن جزاءه على ما بذل في سبيل الخير من همة،
стр. 4592
وما غذِّى به العقول من علم وحكمة.
* تأبين الدكتور ستومو (١):
إن في الموت والحياة لعبرة، ولكن أين المعتبِر؟ روح ينزل من علا، ويتصل بجسد مصور من طين وماء، فإذا العقل يفكر، واللسان ينطق، واليد تعمل.
يتصل الروح بالجسد إلى أجل مسمى:
يجوز أن تبطئ المنايا ... والخلد في الدهر لا يجوز
حتى إذا جاء الأجل، صعدت الروح إلى السماء، ونزل الجسد إلى باطن الثرى:
نور تردد في طين إلى أجل ... فانحار علواً وخلَّى الطين للكفن
والسعادة لمن فكر في رشد، ونطق في صدق، وعمل للكفن في استقامة.
سادتي! ما زلنا نذكر يوماً غير بعيد، يوماً زار فيه هذا النادي زعيم من زعماء الشرق، وألقى في موقفي هذا خطاباً يفيض حماسة وحزناً على ما صار إليه الشرق من وهن واستعباد، خطاباً يدعو إلى تقوية رابطة الإخاء والتعاون بين الشعوب الإسلامية قاطبة، ذلك الخطيب هو الدكتور (ستومو).
فارقنا ذلك الزعيم متقلباً في البلاد حتى عاد إلى وطنه، وقد ترك في قلوبنا أملاً لذيذاً، هو أن يعود إلى النهضة الجاوية، ويزيدها بجهاده قوة،
стр. 4593
وما زلنا نتلقى خبراً بعد آخر عن جهاد ذلك الزعيم وثباته، حتى طرق أسماعنا اليوم نبأ هزَّ أفئدتنا هزاً عنيفاً، هو نبأ وفاته، إنا لله وإنا إليه راجعون.
وكيف لا تهتز أفئدتنا فزعا لفقده، ونحن في أشد الحاجة إلى رجال عرفوا حقوق الأمة، وتحلوا بمزايا الإخلاص والإقدام والغيرة على الحقوق؟!.
إن أرضنا -وأريد من أرضنا: الشرقَ كله- لم تزل فقيرة من وسائل النبوغ، ولم ترزق من العلم الصحيح والتربية الصادقة ما يجعلها منبتاً خصباً لعظماء الرجال، حتى إذا فقدنا رجلاً مجاهداً، قلنا في غير حسرة:
إذا مات منا سيد قام سيد ... قَؤولٌ بما قال الكريم فعولُ
حقاً إن أرضنا لا تنبت من المجاهدين المخلصين إلا قليلاً، ولا يغرنا كثرة أسماء الزعماء، فإن فيهم المرائي والجبان، وصاحب الذمة التي تباع بثمن بخس، ومن هؤلاء من ترونه ينوح على الإسلام علانية، ويقتل دموعه، ولكن بأنامل تبيت تطعن في مقاتله خفية، ولا عجب أن تروا الأنامل الملطخة بدم الجريح مبتلة بدموع البكاء عليها، فإن الذي يستطيع أن يلاقي الناس بوجهين، ويحادثهم بلسانين، يستطيع أن يتخذ دموعاً ليست من نوع الدموع التي تبعثها حرارة الإيمان والغيرة على الحق.
ففي الزعماء ناصح للأمة يجاهد لسلامتها ورفعة شأنها، وفي الزعماء مخادع للأمة يتخذ زعامتها حبالة يصطاد بها مطعماً لذيذاً، أو ملبساً أنيقاً، بل يتخذ زعامتها معولاً يهدم به الباقي من صرح سيادتها، وفلاحُ الأمة في ممايزتها بين المخلص الأمين، والمداهن الأثيم، ولا تطمع الأمة أن تسير سيرة رشيدة، أو ترقى في عزة راسخة، إلا أن يكون في صدر سائسها إيمان بخالقها، وغيرة على حكمة شريعتها.
стр. 4594
وفي الختام: أقدم بالنيابة عن جمعية الهداية الإسلامية أخلص التعزية للأمة الأندنوسية والملايوية، ونسأل الله أن يملأ قبر الفقيد رحمة، ويعوض العالم الإسلامي منه خيراً.
* فاتحة السنة الحادية عشرة (١):
هديتنا اللهم صراطاً سوياً، وكنت لحماة الحق ناصراً وولياً، فنحمدك على نعمة هدايتك، راجين الفوز بنصرك وولايتك، رفعت سيدنا محمداً مقاماً علياً، وأنزلت عليه قرآناً عربياً، فبلغ الرسالة، وأنقذ من الضلالة، فصلِّ اللهم عليه صلاة زاكية سابغة، وسلِّمْ عليه وعلى آله وصحبه، ما نفذت عزيمة صادقة، وسطعت حجة بالغة.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة عشر سنين متتابعة، وهي تدعو إلى الخير والإصلاح، وتواصل البحث عن الحقائق الدينية والعلمية والأدبية، سالكة في جهادها سبيل الحكمة، لا تجمد عن حق، ولا يطيش لها قلم في باطل، تهزها الغيرة على الحق أن تدفع عنه بقوة، ويأبى لها العلم أن تخرج عن أدب البحث، أو تجادل بغير حجة، تسير في خطة آمنة إلى غاية سامية، وما خطتها إلا الاقتداء بكتاب الله المجيد، والسنَّة النبوية الصحيحة، والاستضاءة بفتاوى الأئمة الذين سبقوا إلى إقامة الأصول، واستنباط الأحكام في عبقرية وخشية من الله، وما غايتها الا أن تسلم العقيدة، ويستنير الفكر، ويسمو الخلق، وتستقيم السيرة، وتتأكد روابط الإخاء، وتبلغ الأمة أسمى درجات العزة، ويعظم مقام الشريعة في أعين الخاصة والعامة، وتظهر لغة
стр. 4595
القرآن في الشرق على كل لغة.
تسير المجلة على هذه الخطة، ومن ذا يجحد أنها أقوم الخطط؟ وتعمل لتلك الغاية، ومن ذا يشك في أنها أشرف ما تتوجه إليه النفوس من الغايات؟.
طالما نبهت المجلة لسنن الله في الخليقة، وأقامت الحجة بعد الحجة على أن جهاد المخلصين لابد أن يؤتي ثمرته، فنفذ صوتها في قلوب كانت في يأس، فاصبحت ترجو الخلاص والتمتع بنعيم الحرية الفاضلة؛ رجاء من يبصر بها، وليس بينه وبينها إلا شبر أو ذراع، استطاعت برفقها وبراعة بيانها أن تصل إلى أفئدة شباب كانت في غفلة عن حكمة الدين، فأصبحت عامرة بالإيمان والاعتزاز بهداية الله، وصار لهداية الله شباب يجمعون إلى النباهة رشداً، وإلى النشاط حسن الأناة، واستقادة الشباب بمعرفة الحق تدفعهم إلى الجهاد في سبيله، كما أن غيرة الشيوخ على الحق تبعثهم على تدبير خطط الدعوة إليه، والذود عن حياضه، فالفريقان من أسرة الهداية، يؤلفان جنداً دروعه الاستقامة، وسلاحه العزم وقوة الحجة.
هذه كلمة في خطة المجلة وغرضها الذي تعمل لها ليلها ونهارها، سقناها لنذكر أن المجلة ستسير في المستقبل على خطتها، متجهة إلى غايتها، آملة أن تكون خطاها في السير أسرع، وأثر جهادها في النفوس أعظم.
وقد دل التاريخ على أن الأمة قد تنحدر في غواية أو فسوق أو استعباد، حتى إذا أراد الله إنقاذها من الشر الذي تتخبط فيه، وضع مقاليد أمرها في يد ذي سلطان مصلح، قوي الإرادة، يرضي الخالق، ولو بما يغضب المخلوق، فإذا هي عائدة إلى رشدها، متمتعة بعزها وكرامتها.
هذا وقد رأينا أن نفصل الموضوعات التي تبحث فيها المجلة
стр. 4596
على الوجه التالي:
ا- أسرار التنزيل: وينشر تحت هذا العنوان: تفسير آيات من الكتاب العزيز على طريقة يختار فيها أقرب الوجوه إلى البلاغة، ويعنى فيها بما تدل عليه الآية من أحكام وآداب، وما ترمي إليه من إصلاح أحوال الأفراد والجماعات.
٢ - السنَّة والحكم النبوية: وينشر تحت هذا العنوان: شرح بعض الأحاديث النبوية الصحيحة.
٣ - أصول الدين: وينشر تحت هذا العنوان: مقالات في علم الكلام وأصول الفقه.
٤ - الفتاوى والأحكام: وينشر تحت هذا العنوان: المسائل التي ترد إدارة المجلة وأجوبتها، وما يستدعي الحال بيانه من أحكام شرعية علمية.
٥ - المقارنة بين الشريعة والقوانين الوضعية: وينشر تحت هذا العنوان: مقالات تعقد فيها مقايسات بين أحكام شرعية، وقوانين وضعية، على طريقة البحث عن وجود المصالح والمفاسد.
٦ - السيرة، وينشر تحت هذا العنوان: مقالات في سيرة رسول الله ﷺ وشمائله ودلائل نبوته، وحال دعوته وغزواته.
٧ - الأخلاق والاجتماعيات: وينشر تحت هذا العنوان: مقالات في الأخلاق؛ كالشجاعة والسخاء، والأمانة وصدق اللهجة، أو في مقتضيات الاجتماع؛ كالبحث في الحرية والمساواة، وأسباب أزمة الزواج، وأسباب ارتقاء الأمم وسقوطها.
٨ - البدع والعادات: وينشر تحت هذا العنوان: مقالات في المحَدثات المذمومة بلسان الدين؛ كصلاة الرغائب، وليلة النصف من شعبان، أو ما تجري
стр. 4597
به عادة بعض الأقوام، وإن لم يكن من قبيل المحدثات في الدين؛ كوصف عادات بعض الجماعات في مساكنهم، أو ملابسهم، أو مطاعمهم، أو مراكبهم، أو مجالسهم، أو حروبهم، أو مظاهر فرحهم، ونحو هذا مما تختلف فيه العادات، وتسعه دائرة الإباحة الشرعية.
٩ - دفع الشبه: وينشر تحت هذا العنوان: مقالات تدفع بها الشبه التي تعرض لبعض الشبان، أو يوردها بعض المخالفين على الدين.
١٠ - اللغة وآدابها: وينشر تحت هذا العنوان: ما يقتضي الحال نشره من المباحث العائدة إلى علم من علوم اللغة وحسن بيانها، وينشر تحت هذا العنوان أيضاً: قصائد أو خطب، أخذت من البراعة حظاً وافراً، سواء أكانت من منشآت القدماء، أم كانت من منشآت المحدثين.
١١ - التاريخ الإسلامي: وينشر تحت هذا العنوان: مقالات في ماضي الإسلام؛ من نحو: الفتوحات، أو الوقائع الهامة، أو الشؤون السياسية أو الاجتماعية.
١٢ - تراجم عظماء الإسلام: وينشر تحت هذا العنوان: تراجم العظماء من رجال العلم والسياسة والأدب والفضيلة.
١٣ - العلوم والفنون: وينشر تحت هذا العنوان: ما نرى في نشره فائدة من المباحث العلمية أو الفنية؛ كالمباحث العائدة إلى حفظ الصحة، أو الدالة على حكمة سنن الله في مخلوقاته.
١٤ - الأحاديث الموضوعة: وينشر تحت هذا العنوان: الأحاديث التي تنسب إلى النبي ﷺ كذباً؛ للتنبيه على وضعها.
١٥ - المزاعم الباطلة: وينشر تحت هذا العنوان: ما يدور بين الناس
стр. 4598
من أخبار أو آراء يظنونها صحيحة وهي باطلة.
١٦ - نصائح إسلامية: وينشر تحت هذا العنوان: رسائل مفتوحة توجهها الجمعية إلى بعض مشهوري الرجال عندما يصدر منهم مقال أو عمل، يعلنونه في الناس، ويكون مخالفاً لأمر من أوامر الدين التي أجمع العلماء على أن مخالفتها منكر يجب نصح من ارتكبه، وإرشاده إلى ما فيه الخير والسعادة.
١٧ - النقد والتقريظ: وينشر تحت هذا العنوان: المقالات التي يوصف فيها كتاب، أو مقال، أو خطبة، أو شعر، ويثنى عليه، أو ينبه لما فيه من خلل.
هذا تفصيل الموضوعات التي ستجول فيها أقلام حضرات أعضاء الهداية وأصدقائها، ونرجو من الله تعالى أن يجعل جولاتها سديدة الخطا، عظيمة الأثر، وكذلك وعد الله المجاهدين المخلصين بالهداية إلى أقوم السبل، فقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]. ومن سلكوا أهدى السبل، وظفروا بتأييد الله، وصلوا بلا ريب إلى أمجد غاية، وأسعد عاقبة.
* بدعة فصل الدين عن السياسة (١):
اطلعنا في عدد ١١ جمادى الآخرة سنة ١٣٥٧ من جريدة "المصري" على مقال تحت عنوان: "من محام عاقل" تعرض فيه صاحبه لمسألة إسلامية عظيمة الشأن، هي منزلة السياسة من الدين الحنيف، وزعم أن الدين لا صلة له بالسياسة، فقال: "هذا فضلاً عما في هذا من خلط الدين بالسياسة، وقد اتفق الجميع على فصلهما، وقال به كثير من علماء المسلمين القدامى والمحدثين، أقربهم إلينا الشيخ علي عبد الرازق مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم"
стр. 4599
الذي أوضح فيه أن الخلافة ليست من الدين الإسلامي في شيء، وهو ما قاله ابن خلدون في "مقدمته" من قبل".
يقول حضرته: إن الجميع اتفقوا على فصل الدين عن السياسة، ولم يبين لنا من هؤلاء الذين اتفقوا جميعاً على فصل الدين عن السياسة، أهم المسلمون، أم غير المسلمين؟ فإن أراد بالمتفقين على الفصل: غيرَ المسلمين، فاتفاقهم ليس بدليل ولا شبه دليل، وأن أراد جماعة المسلمين، فمثل هذا الاتفاق يراعى فيه آراء علماء الإسلام، وعلماء الإسلام مجمعون على أن للشريعة أحكاماً وأصولاً تتعلق بالقضاء والسياسة، يفرض على أولي الأمر تطبيقها وتنفيذها ما استطاعوا.
ثم إن حضرة المحامي بعد أن حكى الاتفاق على فصل الدين عن السياسة، جعله رأي الكثير من علماء المسلمين، فقال: وقال به كثير من علماء المسلمين القدامى والمحدثين.
لندع البحث في رأي الشيخ علي عبد الرازق (١)، ونقول لحضرة المحامي: أن ابن خلدون لم يقل قط بفصل الدين عن السياسة، وهذه "مقدمته" بين أيدينا، فليدلنا حضرته على العبارة التي تصرح أو تلوِّح إلى فصل الدين عن السياسة، بل نرى ابن خلدون يصرح في مقدمته تصريحاً ليس وراءه تصريح: أن السياسة الرشيدة إنما هي السياسة الدينية؛ إذ يقول: "فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من الله بشارع يقررها ويشرعها، كانت السياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة"، ويقول: "مقصود الشارع بالناس صلاح آخرتهم، فوجب بمقتضى الشرائع حمل الكافة على الأحكام الشرعية في أحوال دنياهم وآخرتهم"،
стр. 4600
ويقول: "الخلافة حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا".
فالحقيقة أن بدعة فصل الدين عن السياسة لم يقل بها ابن خلدون، ولا أحد من العلماء المسلمين، فننصح لحضرة المحامي المسلم أن يصرف نظره عن هذا الرأي الذي نسبه إلى اتفاق المسلمين، أو إلى كثير من علمائهم، وهم بريئون منه، ونذكره بأن هذا الرأي يفضي إلى إسقاط قسم عظيم من حقائق الدين، وهل يرضى حضرة المحامي المسلم أن يؤمن الناس ببعض الكتاب ويكفروا ببعض؟.
* تكريم أعضاء البعثة المغربية (١):
سادتي! نحتفل هذه الليلة بإخوان تربطنا بهم أشرف صلة تربط بين الجماعات والأمم، وهذه الصلة هي صلة الدين الحنيف، وهؤلاء الإخوان هم نخبة من أبناء المغرب الأقصى، وردوا مصر لغاية تعد من أنبل الغايات، وهي الارتواء من مناهل العلوم والآداب.
ونحن نبتهج بكل بعثة ترد مصر؛ لما في هذه البعثات من تأكيد رابطة التعارف والإخاء، ولأن تلقِّي هذه البعثات العلوم في معاهد مصر، يساعد على غرض طالما نادى إليه المصلحون، وهو تقارب الشعوب في ثقافتها
стр. 4601
العلمية، وآدابها الاجتماعية.
حق على أهل كل قطر أن يعملوا لتأكيد الرابطة الإسلامية، وكل عمل في هذا السبيل عمل لخلاص المسلمين، وإعادة سيادتهم، ولا ريب أن دائرة العمل في مصر أوسع، ونتائجه أسرع وأعظم، ولمزايا اختصت بها مصر أصبحت زعيمة العالم الإسلامي، وستنهض إن شاء الله تعالى بهذه الزعامة، وإن كره قوم لا يفقهون أو لا يؤمنون.
ولي كلمة أوجهها إلى أبنائنا أعضاء البعثة المغربية على وجه التذكرة؛ لعلهم يضعونها نصب أعينهم، لا وراء آذانهم.
أيها الأبناء النجباء! لا نقول لكم: فارقتم أوطانكم وعشائركم؛ فإن المسلم أينما حل من بلاد الإسلام فذلك وطنه، وبأي قوم من أهل العلم والفضل اتصل، فأولئك عشيرته، بل أقول: أنكم كنتم في بلاد هي المغرب الأقصى، وستعودون - إن شاء الله تعالى - إلى تلك البلاد بعد أعوام تقضونها في التردد على المعاهد العلمية والأدبية.
وأذكركم بأنكم ستعودون إلى تلك البلاد، وأن علماءها وفضلاءها وأدباءها سيحاسبونكم على ما كسبتم في رحلتكم هذه، سيزنون معارف كل واحد منكم، وينقدون أخلافة وسيرته، فإن وجدوا عنده من العلوم والأخلاق الفاضلة والإيمان الصادق ما يملأ العين، ويثلج الصدر، حمدوا رحلته، وغمروه بالإجلال، ويستطيع بعد هذا أن يكون داعية إصلاح، وزعيماً سياسياً، يقول فيسمع لقوله، ويفعل فيتسابق الناس لأن يكونوا أنصاراً له.
أيها الأبناء النجباء! ليستحضر كل منكم أباه أو عمه أو أخاه الأكبر يناجيه بمثل ما كتب به بديع الزمان الهمذاني إلى ابن أخت له يحثه على الجد في
стр. 4602
طلب العلم إذ يقول: "أنت ولدي مادمت والعلم شأنك، والمدرسة مكانك، والقلم أليفك، والدفتر حليفك، فإن قصرت -وما أخالك-، فغيري خالك، والسلام".
أيها الأبناء النجباء! إن في مصر خيراً كثيراً، وفيها شر غير قليل، وأريد من الشر نفوساً تنتمي إلى العلم، ولكنها ضلت السبيل، ولم تتزود من هدى الله كثيراً ولا قليلاً. فشأنها أن تخادع طلاب العلم، وتلقي بهم في ضلالة أو حيرة، فاستضيئوا بكتاب الله، وسنة رسول ﷺ ، تروا وجه الحق جميلاً مشرقاً، ووجه الباطل قبيحاً مظلماً.
نرجو من الله تعالى أن يشرح صدوركم للعلوم النافعة، ويوفقكم جميعاً للسيرة التي تكسبكم رضا الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله.
* وفاة علامه مجاهد كبير (١):
فجعت المقامات الدينية والعلمية بوفاة علامة جليل، ومصلح خطير، هو الأستاذ الشيخ محمد شكر، فقد كان ﵀ عالماً محققاً، ومجاهداً في سبيل الإصلاح مخلصاً.
ولد ﵀ في مدينة جرجا في شوال ١٢٨٢، وتلقى العلم بالأزهر الشريف، ثم تولى أمانة الفتوى يوم كان المفتي الشيخ العباسي المهدي، ثم تولى نائب محكمة مديرية القليوبية، وعين بعد قاضياً لقضاة السودان، وهو أول من تولى هذا المنصب، ثم صار شيخاً لعلماء الإسكندرية، وعين بعد وكيلاً لمشيخة الجامع الأزهر، واختير عضواً في الجمعية التشريعية.
стр. 4603
وعندما قامت الحركة الوطنية حوالي سنة ١٣٣٧، وجدت من الأستاذ غيرة متقدة، ونظراً حكيماً، وجأشاً قوياً، وقلماً بليغاً، فكان في مقدمة القائدين لهذه الحركة، وامتلأت الصحف بمقالاته، وكان لها في نفوس الشعب أثر عظيم. وكان الأستاذ يجاهد في سبيل القضية الوطنية، وإذا تعرض كاتب لطعن في الدين، أو إنكار لبعض حقائقه، كان الأستاذ أول من يتصدى للرد عليه، لا يبالي الأذى الذي يلحقه من أولئك الكاتبين وأذنابهم، وكانت هذه الناحية من النواحي التي يمثل بها الأستاذ مقام العالم الناصح الأمين، وهكذا كانت مقالاته في الصحف، ما بين مقالات سياسية وطنية، ومقالات دينية علمية.
وكان الأستاذ ﵀ على خلق حميد، وأدب سني، يرى منه إخوانه وزائروه تواضعاً وحسن لقاء، ومن أجلِّ الخصال التي يحمد عليها: الشجاعة الأدبية، وقلة مسايرة الوجهاء في غير حق، وهي خصلة قد أخذت في التقلص حتى بين أهل العلم، وأصبحت سوقها خاملة، على أن العالم الديني لا يسمو مقامه، ويلاقي ربه طاهر الذمة، إلا أن يعطي هذه الخصلة حقها.
وكنت أود أن لا أتعرض في تأبين عالم ديني لسلامة عقيدته، ولكن بلية الضلال والانحراف عن قصد السبيل قد انتشرت حتى وصلت إلى طائفة ممن يخرجون للناس في زي رجال الدين، فأخشى أن تستشرف نفس القارئ الذي لا يعرف الأستاذ بحق إلى كلمة تنبه لناحية الروح الديني الذي كان يعمر نفس الأستاذ، فأقول: إن الأستاذ ﵀ كان صحيح العقيدة، قوي الإيمان، صادق اللهجة، ولم يكن من أولئك الذين يقصدون للعبث بالدين الحق، ويذهبون به مذهب التأويل الذي يدل على جهل مرتكبه قبل أن يدل
стр. 4604
على ضعف إيمانه وانحلال عقيدته، فكان الفقيد ﵀ يجمع بين الإيمان الصادق، واستنارة البصيرة في مقتضيات العصر الحاضر. ومن هنا كان النظام الذي وضعه للمعاهد الدينية أيام كان شيخاً لعلماء الإسكندرية أساساً صالحاً لأن يقوم عليه التعليم في المعاهد الدينية.
وجه الأستاذ همته يومئذ لإصلاح نظام التعليم، ووجه همته لغرض آخر لا يقل شرفاً عن الأول، هو الاحتفاظ بكرامة أهل العلم من أساتذة وطلاب، وكان يبذل ما له من جاه في أن لا يلحق أستاذاً أو طالب علم بالمعهد، ما لا يناسب عزة العلم، كما يبذل بما له من سلطان في أن لا ينحرف أحد عن السيرة التي ينبغي أن يكون عليها طالب العلم، وإذ لم يكن للأستاذ ﵀ غاية يعمل لها إلا إعلاء شأن العلم والعلماء، كان الأساتذة كما كان الطلاب أمام عاطفته الدينية العلمية على السواء.
وقد جئت مصر في آخر سنة ١٣٣٨، ووجدت ألسنة العلماء لا تزال تلهج بذكر النهضة الإصلاحية الدينية التي قام بها في عهد توليه شيخاً لمعهد الإسكندرية، ووكالة الجامع الأزهر. وكان الأستاذ ﵀ يشد عزائم طلاب العلم على ما فيه خير للدين والعلم، ولا ننسى أن الطلاب الذين قاموا بإنشاء جمعية الهداية الإسلامية قد وجدوا منه تشجيعاً على المضي في سبيلهم، وها هو ذا قانونها الأساسي المشتمل على أسماء حضرات المؤسسين للجمعية يباهي بذكر اسم هذا الأستاذ العظيم.
وما زال الأستاذ يجاهد في سبيل الدين والعلم وحرية الوطن حتى أصيب بفالج ألزمه الفراش، وكانت وفاته في يوم الخميس الحادي عشر من جمادى الأولى سنة ١٣٥٨، فإلى مقام كريم، ونعيم مقيم.
стр. 4605
وأسرة جمعية الهداية الإسلامية ترجو من الله تعالى أن يملأ ضريح الراحل العزيز نوراً ورحمة، وتقدم إلى حضرات أبنائه وأسرته أخلص التعزية.
* الشيخ عبد الرحمن قراعة (١):
في اليوم الرابع من شوال سنة ١٣٥٨ فقد العلم والأدب والمجد رجلاً يعد من أكابر العلماء والأدباء والفضلاء، هو العلامة الأستاذ المرحوم الشيخ عبد الرحمن قراعة، فحزن لفقده كل من عرف قدره، أو شهد مجالسه العامرة بالفوائد العلمية، واللطائف الأدبية.
ولد الراحل الكريم بمدينة أسيوط في أسرة علم ومجد، وتلقى عن والده -بعد أن حفظ القرآن العزيز- جانباً من العلوم الدينية والعربي، ثم رحل إلى الأزهر الشريف، وأقبل على الازدياد من العلم، وظهر نبوغه في العلم، وبرع في صناعة القريض والإنشاء، فكان من أركان النهضة الأدبية المصرية، ومن أساتذته: الشيخ الأنبابي، والشيخ المهدي العباسي، والشيخ حسن الطويل، وحضر بعض مجالس للشيخ جمال الدين الأفغاني، وأدى الامتحان في عهد مشيخة الشيخ حسونة النواوي، فأحرز شهادة العالمية.
وتقلب الأستاذ في مناصب كثيرة إلى أن عين وكيلاً لمشيخة الأزهر الشريف، ومديراً عاماً للمعاهد الدينية، ثم تقلد منصب الفتوى بالديار المصرية.
كان الفقيد - رحمه الله تعالى - غزير العلم، واسع الاطلاع في الأدب العربي، بارعاً في صناعتي الشعر والممر، ومن ثم كان مقامه جليلاً عند العلماء والأدباء، وكانت مجالسه أينما حل رياض علوم وآداب، أما آدابه النفسية،
стр. 4606
فتمثل أدب العلماء الناشئين في بيوت مجد وتقوى، وأما غيرته الدينية، فتريك ما ينبغي أن يكون عليه علماء الشريعة من الإخلاص للدين، والاعتزاز به، وكانت له ﵀ مواقف يغضب فيها للحق، ويواجه فيها بعض أولي الوجاهة بالنهي عما يأتونه من عمل تنكره الشريعة.
وكنت أيام تحريري وطبعي لكتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ثم كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" أقدم للأستاذ ﵀ كل كراسة يتم طبعها من الكتاب إلى أن ينتهي الطبع، وكان ما يبديه من الرضا عن أسلوب الرد يزيدني قوة على التحرير والطبع.
وأذكر أن للأستاذ مؤازرة على نهضة جمعية الهداية الإسلامية؛ إذ كان يتكرم بحضور بعض حفلاتها أو محاضراتها، مع موالاته للاطلاع على مجلتها.
هبطت مصر سنة ١٣٣٩، وكان الأستاذ وكيلاً للأزهر الشريف، فكنت أزوره، وأجد بيته مورداً لأهل العلم على اختلاف طبقاتهم، وأراهم يجلونه بحق؛ إذ يشهمون في مجلسه وقار العلماء الأجلاء، ورقة حديث الأدباء النبلاء.
وكان الأستاذ يسير في الفتوى سيرة عالم يخشى الله، ويوقن بأنه سيسأل عما كتبت يداه، وكانت همته التي نشأت في حجر الإيمان الصحيح، تأبى له أن يتخذ من ضعفاء الإيمان جليساً أو عضداً.
* شعبة الأدب العربي لجمعية الهداية الإسلامية (١):
سادتي! من أغراض جمعية الهداية الإسلامية: أن تنهض باللغة العربية،
стр. 4607
وتنشر محاسنها وآدابها، وذلك أن للمحافظة على هذه اللغة، والقيام على أساليب بلاغتها، أثراً عظيماً في فهم مقاصد الدين الحق، وشأناً بالغاً في نجاح الدعوة إلى الإصلاح.
أما أثر المحافظة عليها في معرفة مقاصد الدين، فلأن القرآن المجيد نزل في أعلى طبقة من طبقات الفصاحة والبلاغة، ولأن النبي ﷺ كان يبين الكتاب، ويعلِّم الحكمة في أساليب واسعة يقف البلغاء دونها بمراحل.
وأما أثرها في نجاح الدعوة، فلأن الكلام المصوغ في أحسن بيان، يقع من النفوس موقعاً أشد من وقع الكلام الذي يؤدي المعنى، وهو مجرد من حلية كل بلاغة.
ويضاف إلى هذا: أن بليغ القول من منظوم ومنثور يروِّح عن الخاطر، ويزيح عن النفوس ما قد يخالطها من قلق وضجر، ويجدد نشاطها للجد إن كانت من أصحاب الجد.
وكان العلماء الأجلاء -وما زالوا- يقدرون أدب اللغة قدره، وينظرون إلى الكاتب البارع والشاعر المبدع باحترام.
فهذا العلامة ابن دقيق العيد لما بلغته قصيدة ابن خميس التلمساني التي يقول في مطلعها:
عجباً لها أيذوق طعمَ وصالها ... من ليس يأمل أن يمر ببالها
اهتز لجودة سبك هذا الشعر، وقام من شدة طربه له.
وعزم القاضي أبو البركات التلمساني على الرحلة إلى الشرق، فكتب إليه ابن خاتمة أحد شعراء تلمسان أبياتاً يقول فيها:
أشمس الغرب حقاً ماسمعنا ... بأنك قد سئمت من الإقامهْ
стр. 4608
وأنك قد عزمت على طلوع ... إلى شرق سموت به علامهْ
لقد زلزلت منا كل قلب ... بحق الله لا تقم القيامهْ
فقال أبو البركات: لا أرحل من إقليم فيه من يقول مثل هذا.
ولما في أدب اللغة العربية من فضل وجمال، تلقينا رغبة نخبة من الأدباء في إنشاء شعبة للأدب العربي بالإجابة، وارتحنا له جد الارتياح.
ويتناول عمل هذه الشعبة: البحث في علوم الأدب، وصناعة الكتابة والشعر والخطابة، وفي تراجم الأدباء من كتاب وخطباء وشعراء، ولا يفوتها -مع هذا- أن تخوض في نقد المنشآت القديمة والحديثة؛ لتمييز جيد القول من رديئه.
وتقوم -بعد هذا- بإقامة حفلات تكريماً للأدباء الذين سلكوا بالأدب طرقاً حكيمة، واتجهوا به إلى غايات شريفة، وجادت قرائحهم بثمار بهيجة.
وستنهض هذه الشعبة -إن شاء الله- بإلقاء محاضرات، ومناظرات، وتحرير مقالات في الصحف، وإذا تعدى بعض الناس باسم الأدب معناه اللائق به، وأطلقوه على ما يعده أهل الفضيلة دعوة إلى الرذيلة.
وإذا ساغ للأديب أن يطلع على كل ما يتناوله اسم الشعر أو النثر الفني في عصر من العصور، فإن الأديب الصادق لا يرضى لنفسه إلا أن يكون من طبقة النبلاء الذين يستمدون معانيهم من منابع الحكمة، ويؤلفون أقوالهم من الألفاظ التي تجري في بيئة الطهر والنزاهة.
وإنشاء هذه الشعبة في جمعية الهداية الإسلامية، يدلنا على أن المؤسسين لها لا يقصدون بإنهاض الأدب العربي قصداً واحداً، هو أنه فن فيه جمال وسلوة، بل يقصدون -مع هذا- قصداً أنبل وأعلى، هو التوسل بالأدب إلى
стр. 4609
إصلاح النفوس، وتهذيب الأخلاق، وهو القصد الذي يستحق أن يجعل نصب العيون، وتبذل فيه الجهود.
* فاتحة السنة الرابعة عشرة (١):
الحمد لله الذي دعانا إلى دار السلام، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا صراطها السويّ، ولا صراط لها اليوم غير الإسلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المصلحين، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في سبيل الحق، وكان أعظم سلاحهم براعة البيان، وقوة اليقين.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة ثلاث عشرة سنة وهي تجاهد في سبيل الدعوة إلى الله، والذود عن حقائق الدين الحنيف، وتعمل لنشر الفضيلة والآداب الزاهرة، ومحاربة الضلالات والبدع الخاسرة، ولم تدع أن تضع يدها في أيدي العاملين لترقية اللغة العربية، وإظهار فضلها وروعة بيانها، وستمضي -إن شاء الله- في هذا السبيل، راجية منه -جل شأنه- التوفيق والتأبيد.
* مهمة جمعية الهداية الإسلامية (٢):
سادتي! كان المسلمون على إيمان صادق، وطاعة لله خالصة، إلا نفراً لا يخلو منهم عصر، غلبت عليهم شقوتهم، فأصيبوا بمرض الإلحاد والإباحية، وكان هؤلاء النفر لا يتحدثون بإلحادهم وإباحيتهم إلا إذا خلا بعضهم إلى
стр. 4610
بعض، أو غمزوا بها غمزاً خفيفاً في بعض خطبهم، أو أشعارهم، أو مؤلفاتهم، وكان هؤلاء النفر يلاقون -بعد مقت الله تعالى- احتقار الأمة، والنظر إليهم كحيات سامة يجب الحذر منها.
كان هذا شأن المسلمين، إلى أن بليت الشعوب الإسلامية بالاحتلال الأجنبي، وكان من أغراض الأجنبي: صرف قلوب الأمة عن إيمانها، والتمسك بشريعتها، فأخذ يرمي إلى هذا الهدف بكل ما أوتي من قوة ودهاء، حتى صارت معاهد العلم تخرج لنا أفواجاً من الملاحدة والإباحيين، ووقعت مناصب ذات بال في أيدي هؤلاء، فأخذوا يشجعون على المروق من الدين، ويعملون لإبعاد الدين عن معاهد التعليم، ومظاهر السياسة، فأخذ الإلحاد يرفع رأسه، ويحاول أن يرفع صوته، ولكنه يجد قوة إيمان من سواد الأمة، فيخشى سطوتها، ويختفي حيث لا يشعر به إلا النبهاء من المؤمنين.
وعقب الحرب السابقة، ظهرت حركات وطنية ودعايات قومية، وقد يكون فيها خير، ولكنها لم تقف عند حد الاعتدال، وأخذت تنظر إلى الرابطة الإسلامية بعين الاستخفاف، بل مدت يدها إلى تمزيق أوصالها، ونالت منها شيئاً كثيراً، ووجد الملاحدة والإباحيون في هذه الدعايات مرتعاً، فأخذوا ينادون بإزالة الفوارق بين جماعات الشعب، ويريدون بإزالة الفوارق أن تهمل الجماعات أمر دينها، وتنكث يدها من شريعتها.
وفي تلك الأيام ظهرت كتب جاهر مؤلفوها بالطعن في الدين، ووجدوا من بعض ضعفاء الإيمان القابضين على طرف من زمام الأمر مناصرة ومؤازرة، ووقعت الأمة يومئذ في دهشة، وتخيل أولئك الزائغون أن المسلمين انسلخوا من إيمانهم، وأن القرآن المجيد أصبح مودعاً في الخزائن ككثير من الآثار
стр. 4611
العتيقة، فتقدموا في مناوأة الدين ومباهتته شوطاً واسعاً.
ولما أسرف هؤلاء في التهجم على الدين الحق، وحاربوه في خطة مكشوفة، أخذ الشعور الذي يهتز وينمو في نفوس الخاصة والعامة من المسلمين، حتى اتقد في نفوس شباب موفقين، وقام بعض دعاة الإصلاح يفكرون في وسائل يدافعون بها عن الحق، ويردون بها هؤلاء الجاحدين على أعقابهم، فسعوا في تأليف جمعيات، وإصدار مجلات، وكان في مقدمة هذه الجمعيات والمجلات جمعية الهداية الإسلامية ومجلتها.
فخطة جمعيتنا ومجلتنا: الجهاد في إعلاء كلمة الحق، والرد على هؤلاء المنكرين والإباحيين على طريقة آداب البحث، وقوانين المنطق الصحيح.
الجمعية -بعد هذا- تعمل لتهذيب الأخلاق، وإصلاح شؤون الاجتماع، وتبذل مجهوداً كبيراً في ترقية اللغة العربية، وفي الاحتفاظ بها حفظ القرآن الكريم، وسنة رسول الله ﷺ ، وفي ذلك صيانة الدين الحق، والشريعة الغراء.
هذه أغراض الجمعية، ونحن في حاجة ملحة إلى من يؤازرنا عليها، ويرافقنا في طريق الوصول إليها، وإنما تقوم الأعمال الجليلة، وتدرك الغايات النبيلة، بالتعاون والتعاضد، واعلموا أن أفراداً قليلين ملئت قلوبهم غيرة على الحق، وإخلاصاً يثبتهم على الذود عنه، خير من كثير يتظاهرون بالغيرة، وأفئدتهم منها هواء.
أيها السادة! إن هدى الله في خطر، وقد أصبحنا محاطين بشياطين الإلحاد والإباحية من كل جانب، ولو قلت: قد أصبحت الضلالة، وتقويضُ أركان الشريعة السمحة يأتيان من حيث كنا نرجو المناصرة، لم كن مخطئاً، فليكثر هؤلاء الزائغون، وليدعوا ما شاؤوا من أمثالهم إخوان الشياطين، ولتكن مظاهر
стр. 4612
الدعاية ووسائل التأثير في الأفكار بأيديهم؛ فإن يد الله فوق أيديهم، وإن عشرة من دعاة الحق يغلبون آلافاً من دعاة الباطل، وإنما يظهر الباطل عند غيبة الحق؛ أي: عند غيبة من يجدّ ويثبت في إعلاء كلمة الحق.
ومما يقوي أملنا في وصولنا إلى الغاية الشريفة التي نرمي إليها: أن الذين بعثوا هذه النهضة الدينية المباركة من خمولها، هم شباب من طلبة الجامعة المصرية وغيرها من المدارس العليا، وشبان يتولون اليوم أعمالاً في دائرة الحكومة، فإذا سار هؤلاء الشبان الموفقون بجانب شيوخ درسوا شؤون الاجتماع، وتقلبت بهم التجارب أطواراً، وآثروا رضاء الله على منافعهم الشخصية، فهناك نرى النصر المؤزر، ونرى هداية الله في سمو وإشراق.
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠].
* الاحتفال بذكرى الهجرة النبوية (١):
كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب ﵁ كتاباً يقول فيه:
"إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ"، فجمع عمر الناس ليستطلع رأيهم فيما يكون به التأريخ، فقال بعضهم: أرّخ بالمبعث، وقال بعضهم: أرّخ بالهجرة، فقال عمر: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا بها".
يقول عمر بن الخطاب: "الهجرة فرقت بين الحق والباطل"، وهذا إشارة منه إلى المزية التي استحقت بها الهجرة أن تكون مبدأ التأريخ العام في الاسلام؛
стр. 4613
فإن الدعوة إلى الإسلام كانت تلاقي في مكة معارضة وعقبات توضع في سبيلها، وأخذت بعد الهجرة حريتها كاملة، ولم يستطع أحد أو جماعة الوقوف في طريقها، وكانت الدعوة بمكة تسير في طريق النجاح رويداً رويداً، وأخذت بعد الهجرة تنتشر بسرعة، فلم يمض عليها عشر سنين حتى عمت الجزيرة، وانضوى إلى الإسلام ملوكها ورؤساؤها وقبائلها فوجاً عقب فوج، وكان المشركون يبسطون ألسنتهم وأيديهم إلى المسلمين بالأذى، وبالهجرة تخلصوا من ذلك الأذى، وأصبحوا في أمن ليس لذي قوة عليهم من سبيل.
وكانت الدعوة في مكة تتدرع بالصبر، واحتمال المكروه من أولئك الطغاة، أما بعد الهجرة، فقد رفعت الدعوة رأسها، وأذن للقائمين بها أن يجردوا الحسام في وجه كل من يناوئها، ويروم إطفاء نورها.
فبالهجرة ظهر الإسلام في ثوب عزته الصافية، وتمكن من أن يفيض على العالم هداية ورحمة.
ومن مآخذ العبرة في قصة الهجرة: أن الداعي إلى الإصلاح متى أوتى حكمة بالغة، وإخلاصاً نقياً، وعزماً صارماً، هيأ الله لدعوته بيئة طيبة فتقبلها، وزينها في قلوب قوم لم يلبثوا أن يسيروا بها في البلاد، ويطرقوا بها الآذان، فتسيغها الفطر السليمة، والعقول التي تقدر الحجج حق قدرها.
* الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف (١):
سادتي! لا يوجد في سير العظماء ما يوجد في سيرة سيدنا محمد ﷺ
стр. 4614
من خصال الشرف، ومظاهر الكمال، فلا شرف يذكر، ولا كمال ينعت، إلا أخذ في السيرة النبوية مكاناً أوسع، وكان له أرفع شأن، وليس في الوقت كفاية، ولا في اللسان مقدرة على أن أتحدث عن هذا الشرف والكمال بما يشفي غليل السامعين، وقصارى ما يستطيعه الخطيب أن يقول كلمة يلمح بها إلى شيء من خصال كماله ﵊.
وقد يقف الخطيب البارع وقفة المدهوش لكثرة ما يتراءى له من الأخلاق الباهرة، والآداب الرائعة، والهمم الفائقة.
ولا أكتمكم أني وقعت في هذه الدهشة عندما استقبلت السيرة النبوية لأقتبس منها كلمة ألقيها في هذه الحفلة المباركة، وكدت أنقطع عند التكلم، لولا أن الاعتذار بهذا الوجه من العجز لا يجد عند كثير من الناس قبولاً.
وقد أخذت -مع هذه الروعة- أروض الفكر إلى أن يملي على لساني شيئاً أضرب به في هذه الحفلة بسهم، عسى أن يكون لنا فيه قدوة حسنة، فما كان إلا أن ذكرت قول ابن الخطيب:
أيروم مخلوق ثناءك بعد ما ... أثنى عليك الواحدالخلّاق
فقلت: كتفي بتلاوة آية من الآيات التي أثنى بها الواحد الخلَّاق على رسوله الأكرم - صلوات الله عليه -، وتلك الآية هي قوله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
فمن واجب هذه الآية علينا أن ندرس السيرة النبوية حتى نعلم ما هو الخلق العظيم الذي كان عليه ﵊؛ لنعمل لتربيته في نفوس نشئنا، ونأخذ به أنفسنا ما استطعنا.
ونحن إذا درسنا السيرة النبوية، نجده ﷺ قد تجمل بأكمل الأخلاق
стр. 4615
وأسناها، فنجحت دعوته، واستقامت سياسته، وتألفت القلوب على محبته، والتفاني في حسن طاعته.
إن كل ما جاء به النبي ﷺ حق، ولكن الحق لا يطرق الأسماع، أو يتجاوزها إلى القلوب بنفسه، وإنما يطلع على الناس بوجهه الجميل، وتتملاه العقول لا تبغي عنه بدلاً، إذا كان القائمون بعرضه على الناس ذوي أخلاق عظيمة محكمة، تسعدها ألسنة تضع الكلم مواضعه.
فلندرس السيرة النبوية؛ لنخرج للناس دعاة إلى الإصلاح وهم على خلق عظيم، ودراية بالأساليب التي تدخل بالدعوة إلى القلوب، فتنفي عنها الغواية وخواطر السوء، وتعمرها بالهداية والرغبة البالغة في فعل الخير.
* تأبين الأستاذ الشيخ علي محفوظ (١):
هما السهمان يشتبهان مرمى ... وما كلُّ السهام يصيد عُمرا
وما سهم المنون كسهم قوسٍ ... إذا جريا إلى الأهداف قسرا
فسهم القوس كالعشواء يعدو ... فيخطئ مرة ويصيب أخرى
ولا ترمي المنون بغير سهم ... يهبّ بنصله ويصيب نحرا
وأحزم من رأت عيني أريبٌ ... يقدم قبل أن يغشاه ذخرا
ولا مثل امرئ يدعو بجدٍّ ... إلى طرق السعادة مستمرا
تلين به قلوبٌ لو مددت الـ ... ـبنانَ يجسُّها للمست صخرا
стр. 4616
يذكرنا بمنطقه وتهدي ... لنا أقلامه عظة وذكرى
كذلك كان في الدنيا عليٌّ ... وعاقبة التقى رُحمى وبُشرى
سادتي! في يوم الخميس الرابع من شهر ذي القعدة الحرام، طويت صحيفة حياة كانت مليئة بالهمم السامية، والأعمال الفاضلة، هي حياة العالم الكبير، والواعظ البليغ، الأستاذ الشيخ علي محفوظ.
ولا أقصد في هذا المقام إلى الحديث عن سيرته، فأفصل القول في سماحة أخلاقه، وغزارة علمه، وامتلاء أوقاته بالمساعي الحميدة، وإنما أريد أن أقول في صدد هذه الحفلة: إن جهاد الفقيد ﵀ في جمعية الهداية الإسلامية كان جهاد الموقنين بحكمة مبادئها، واستقامة اتجاهها؛ فقد انتخب ﵀ وكيلاً للجمعية في أول جلسة عقدت لتأسيسها سنة ١٣٤٦ هـ ومنذ انتخب - رحمه الله تعالى- لوكالتها، وهو يشد أزر الجمعية بإلقاء المحاضرات في دارها، أو في بعض فروعها، أو في بعض المساجد والنوادي باسمها.
وهذا كله إنما هو نصيب الجمعية من مجهودات الفقيد التي ضربت بأشعته في أكثر الجمعيات والمساجد والنوادي، بعد أن أخذ التدريس بالجامع الأزهر نصيبه منه كاملاً.
وسيعرض عليكم حضرات الخطباء والشعراء جانباً من تاريخ حياة الراحل الكريم، ويتحدثون عن علمه وخلقه وجهاده، ولا أدع مقامي هذا حتى أشهد للفقيد بخصلة من خصال المجد والحمد، هي خصلة الوفاء بالعهد، فقد تقبل الفقيد وكالة الجمعية، وأخذ يحمل لنهوضها بما أوتي من قوة، ومرت على الجمعية ظروف رأى فيما المتصلون بها أعذاراً لقطع صلتهم بها، ولكن الفقيد
стр. 4617
- ﵀ استمر ثابتاً أمام تلك الظروف، ولم تأخذ من عزمه وإخلاصه فتيلاً.
والواقع أن الجمعية قد خسرت بوفاته رجلاً غزير العلم، عظيم الخلق، صافي السريرة، قوي العزم، وكان أسفها بمصابه أسف القافلة، تهتدي بالقمر في مهمه مغبرة أرجاؤه، فيخسف القمر خسوفاً كلياً، ويدعها في ظلمة لا تدري كيف تتقدم فيها إلى الأمام، ولو خطوة قصيرة.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يفيض على قبر الفقيد نوراً ورحمة، وأن يعوض العالم الإسلامي منه خيراً.
* تكريم إنكليزي دخل الإسلام (١):
سادتي! أقدم إلى حضراتكم جزيل الشكر على ما تفضلتم به من إجابة دعوة الجمعية إلى هذه الحفلة، التي أشعر كما تشعرون، أن روح الإخاء والإيمان تهب فيها من كل جانب.
تحتفل الجمعية احتفاء بحضرة الأديب الأستاذ نور الدين جورج، وإنما تحتفل بشاب دخلها وهو يحمل بين جنبيه سراجاً من الهداية التي تدعو إليها، وتجاهد في سبيلها؛ أعني: هداية الإسلام.
فلحضرة الأديب نور الدين مزية في اتجاهه إلى البحث عن دين يرتاح إليه ضميره في الدنيا، ويدرك به السعادة في الأخرى، ولله المنّة في أن وفقه
стр. 4618
للدين الحق، وأراه إياه في صورته النقية، وحليته التي يبتهج لها العقل السليم:
﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: ١٧].
ودخول شاب اليوم في الإسلام دخولاً صادقاً، وهو لم ينشأ في بيئة إسلامية، يدل على أن في الشاب مزيتين فاضلتين:
مزية اليقظة والحزم؛ حيث إنه لم يرض لنفسه التمادي في التقليد، واتجه إلى البحث عن السعادة من طريق الأدلة المقنعة.
ومزية صفاء الفطرة، والسير على قانون المنطق المعقول؛ حيث اتجه في بحثه عن الدين إلى النظر في حقائقه وآدابه، ولم يزن الدين بحال من ينتسبون إليه.
وإذا كانت سيرة جمهور المسلمين فيما سلف، تصلح أن تكون مرآة لدينهم الحكيم، فلا نكتم أحداً أن سيرتهم اليوم في ناحية، وحقائق الإسلام وآدابه في ناحية أخرى.
ولا عجب أن نرى الإسلام، وهو صاحب الحجة الباهرة، والحكمة البالغة، قد وقف في انتشاره عند حد، أو صار يسير في المعمورة سيراً بطيئاً؛ فان قلة احتفاظ المسلمين بما أرشد إليه من الأخلاق الكريمة، والهمم السامية، والأعمال الصالحة، قد تكون عقبة في سبيل نجاح الدعوة إليه، هذا مع عدم نهوضهم بواجب الدعوة إليه في نظام وحكمة وحزم.
سادتي! منذ خمس سنين احتفلت جمعية الهداية الإسلامية بتكريم فيلسوف كان إسرائيلياً، ثم دخل في الإسلام، وهو الدكتور أحمد سوسه أحد الموظفين بالعراق، واليوم تحتفل الجمعية بتكريم شاعر كان مسيحياً، ثم دخل في الإسلام، وهو الأستاذ نور الدين أحد الموظفين بالجيش الإنكليزي.
стр. 4619
ولم يكتف الدكتور أحمد سوسه بارتياح ضميره، وابتهاج نفسه بالدين الجديد، حتى ألف كتاباً قارن فيه بين الموسوية الحاضرة والإسلام، ودل على أنه دخل في الدين الحنيف من باب النظر والاستدلال، وسمى هذا التأليف: "في طريقي إلى الإسلام"، وقد أدى بهذا التأليف نصيبه من الدعاية إلى الدين الحق.
ونحن نؤمل من الأستاذ نور الدين، وهو شاعر كاتب: أن ينفق شيئاً من وقته في الدعوة إلى الإسلام، فيكون عضواً في الأمة الإسلامية كاملاً في نفسه، مكملاً لغيره.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
* فاتحة السنة السابعة عشرة (١):
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي بعثه الله هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. جاء على حين فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واستغراق في الضلالة، وفساد في الأخلاق، وجنوح عن العدل، وعزوف عن كمال النفس، وتهالك على عرض الدنيا، فأخرج الناس من الظلمات إلى النور، وبصرهم بما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وسنّ لهم سبل المكارم، وشرع لهم نهج الفضائل بما أوحي إليه، وما نزل من الكتاب والحكمة عليه، فساد المسلمون وعزّوا، ويسطوا سلطانهم، وأذاقوا الناس راحة النصفة والمعدلة، وحلاوة المحبة والمساواة الإسلامية، وكان حكمهم يمناً وبركة على الناس
стр. 4620
أجمعين، فصلاة الله وسلامه عليه وعلى أصحابه نجومِ الهدى، ومصابيح الدجى، وأئمة الخير، وقادة الفكر الصحيح، وأولى الألباب المستقيمة.
وبعد:
فإن مجلة "الهداية الإسلامية" تستقبل سنتها السابعة عشرة، وهي تحمد الله على ما وفق وسدد من خطاها، وتشكر من شد أزرها، وشارك في ظهور بدرها من الكتاب والخطباء والمحاضرين، وأولي الفضل والأريحية، والنبل واللوذعية. وهي تعقد العزم -بعون الله- على المضي قدماً في خطتها، وسبيل جهادها في نشر الفضيلة، وتبيين محاسن الدين، ومآثر الشريعة الغراء، والدعوة بالحسنى إلى ما فيه رفعة الجماعة الإسلامية، وإعادة مجدها، والمساعدة في بث فروع الثقافة العامة مما ينير القراء، ويقفهم على ما يهمهم من العلم والمعرفة.
والله المسؤول أن يسنّي أمر المسلمين، ويعيدهم فيما كانوا فيه من عزة، واتفاق كلمة، ونفاذ سلطان، وهو المستعان.
* في الهجرة بركة (١):
هاجر النبي ﷺ وأصحابه الأخيار من مكة إلى المدينة، فظهرت بركة هذه الهجرة في المهاجرين أنفسهم، وفي البلاد التي هاجروا إليها، وفي انتشار الدين الذي هاجروا من أجل التمكن من الدعوة إليه.
أما أثر بركة الهجرة في المهاجرين أنفسهم، فلأنهم - بعد أن كانوا يلاقون
стр. 4621
في مكة أذى كثيراً- أصبحوا في أمن وسلامة، ثم إن الهجرة ألبستهم ثوب عزة بعد أن كانوا مستضعفين، ورفعت منازلهم عند الله درجات، وجعلت لهم لسان صدق في الآخرين، وقد سمى الله تعالى الصحابة الذين فروا بدينهم إلى المدينة بالمهاجرين، وصار هذا اللقب أشرف لقب يدعون به بعد الإيمان.
وأما أثر بركة الهجرة في البلاد التي هاجروا إليها، فإن فضل مكة كان معروفاً عند العرب من قبل بعثة الرسول ﷺ ، وجاءها الفضل من جهة أن الله اختارها لأن يقام فيها بيته المحرم، وأمر رسوله إبراهيم ﵇ ببناء ذلك البيت، ودعوة الناس إلى حجه، والتقرب إلى الله بالطواف به، وقد ازداد هذا الفضل بميلاد النبي - صلوات الله عليه -، ونشأته فيها، ثم نزول القرآن في أرجائها.
وأما المدينة فلم تكن معروفة قبل الإسلام بشيء من الفضل على غيرها من البلاد، وإنما أحرزت فضلاً بهجرة النبي ﷺ وأصحابه المؤمنين بحق، وبهجرة الوحي معهم إلى ربوعها، حتى أكمل الله الدين، وأتم عليهم النعمة.
وأما أثر بركة الهجرة في انتشار الإسلام وإعلاء كلمته، فلأن الإسلام كان بمكة في شيء من الخمول، ولم يكن الجهاد قد شرع؛ إذ لم تتهيأ أسبابه، أما بعد الهجرة إلى المدينة، فقد نزلت آيات في القتال؛ كقوله تعالى:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
وقوله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠].
فإذا احتفلنا بذكرى الهجرة الشريفة، فإنما نحتفل بذكرى اليوم الذي ابتدأت فيه الهداية تسير سيرها الحثيث في الشرق والغرب، وذهبت فيه العزة
стр. 4622
تمد ظلالها على كل جماعة تنادي بأرفع صوت: "حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح".
* فاتحة السنة الثامنة عشرة (١):
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الراشدين، وأصحابه الذين جاهدوا في سبيل نشر هدايته بأقوى الحجج، وأوضح البراهين.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة -بتوفيق الله تعالى- سنتها السابعة عشرة، وهي سائرة في الدعوة إلى الإصلاح سيرة اليقظة والحزم، عاملة لتحقيق أغراض الجمعية بثبات وعزم. ولنا اليوم أمل وطيد في أن انقضاء عهد الحرب ستزول معه المصاعب التي كانت تقف أمام قصدنا إلى توسيع نطاقها، وجعلها أنهض بما أخذتها على نفسها من الدعوة إلى هداية الإسلام، وإعلاء صرح عزته، وترقية اللغة العربية، ونشر آدابها الزاهرة، وتعريف الخلف بعظمة رجال السلف، إلى نحو هذا مما تزداد به ثقافة شبابنا صفاء وضياء.
ونقدم مع هذا واجب الشكر لحضرات الكتاب والشعراء الذين أسعدوا هذه المجلة بمقالات نافعة، وقصائد رائعة، ونرجو من الله تعالى التوفيق والتأييد ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
* فاتحة السنة التاسعة عشرة (٢):
الحمد لله الهادي إلى أقوم محجة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
стр. 4623
المبعوث بأوضح حجّة، وعلى آله الراشدين، وأصحابه المجاهدين.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها الثامنة عشرة، وهي سائرة في الطريقة التي رسمتها لنفسها منذ صدورها، تجاهد في الحق، وتذكر بالفضيلة، وتدعو إلى الإصلاح ما استطاعت، - وقد قيض الله أساتذة من الكتاب البارعين، عزموا على أن يمدوها بما تجود به أفكارهم، وتحرره أقلامهم من الموضوعات الإصلاحية والأدبية، وإدارة المجلة تقدم لهم ولحضرات من أمدوها في السنة الماضية بمنشآتهم الممتعة جزيل الشكر.
ولعل حضرات القراء قد لاحظوا من سيرة هذه المجلة أنها تسير بتوفيق الله تعالى في طريق وسط، وهي طريق من يعتز بدينه الحق، ويستخلص آراءه من الفطرة السليمة، والمقاييس المنطقية الصحيحة، فيحتفظ بالقديم الصالح، ويتقبل الجديد النافع.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
* فاتحة السنة الحادية والعشرين (١):
نحمدك اللهم على أن دعوتنا إلى دار السلام، وهديتنا سبيلها، وما سبيلُها إلا الاعتصام بعهد الإسلام. ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الأمين، المبعوث رحمه للعالمين، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، وكل من جاهد في الحق بالسيف والسنان، ودعا إليه بالحكمة وحسن البيان.
стр. 4624
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها العشرين، وهي تسير في الطريق الوسط، تتحرى به الحقائق، ولا تضع قلماً إلا فيما يرضي الخالق، وستستمر بتوفيق الله -جل شأنه- على هذه السيرة التي حمدها قراؤها، لاهجةً بحمده تعالى على أن سدد خطاها، وناطقة بشكر من أمدوها بمنشآت قرائحهم، فثبتوا قدمها بين عواصف من المثبطات، كادت تقطعها عن جهاد هو أعذب مواردها، وأعز مناها، والحياة ليل دامس، وسراجها الوهاج إنما هي الدعوة إلى الحق في ثبات، والمسارعة إلى الخير في إخلاص.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
* فاتحة السنة الثانية والعشرين (١):
نحمدك اللهم على أن هديتنا سبيل السعادة، وجعلت جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الداعي بأبلغ حجة إلى أقوم محجة، وعلى آله المهتدين، وأصحابه المجتهدين.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة اثنتين وعشرين حجة وهي تؤيد الحق، وتكافح الباطل، وثابرت على الدعوة إلى الخير في العسر واليسر، حتى قطعت تلك السنين التي شأنها أن تذهل الأفكار، وتجعلها على مواصلة الدعوة في شغل، وستستمر على خطتها ما أمدها الله بقوة، مردِّدة شكر أولئك العلماء والأدباء
стр. 4625
الذين يؤثرونها بمنشآتهم البارعة، وبحوثهم النافعة.
هذا وقد طرأ في الأشهر الماضية ما كان يعوق عن إصدار المجلة بانتظام، ومن أجل ذلك قرر مجلس الإدارة العود بها إلى أن يصدر كل جزء منها في أوائل شهره المعين له، وقرر أن يكون أول سنتها شهر المحرم فاتحة السنة العربية، فنرجو من حضرات أعضاء الجمعية والمشتركين في المجلة أن يتقبلوا هذا القرار الذي دعت إليه ظروف قاهرة.
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
* تزويد أحد الشبان التونسيين بموعظة (١):
سر في هذه الحياة، واليقظة نور عينيك، والحزم عن يمينك، والتأني في الأمور عن يسارك، فإن من غلبت غفلته على يقظته، كان العطب أقرب إليه من السلامة، ومن فاته الحزم، ذهب شطر حياته سدى، ومن يقوم على الأمور قبل أن يتدبرها، لا يأمن أن يقع في غير رشد، ويعود بغير حمد، وإن رزقت الاعتماد على الله من صميم قلبك، وفقك لأن تكون يقظاً حازماً بصيراً بالعواقب.