في مكة أذى كثيراً- أصبحوا في أمن وسلامة، ثم إن الهجرة ألبستهم ثوب عزة بعد أن كانوا مستضعفين، ورفعت منازلهم عند الله درجات، وجعلت لهم لسان صدق في الآخرين، وقد سمى الله تعالى الصحابة الذين فروا بدينهم إلى المدينة بالمهاجرين، وصار هذا اللقب أشرف لقب يدعون به بعد الإيمان.
وأما أثر بركة الهجرة في البلاد التي هاجروا إليها، فإن فضل مكة كان معروفاً عند العرب من قبل بعثة الرسول ﷺ ، وجاءها الفضل من جهة أن الله اختارها لأن يقام فيها بيته المحرم، وأمر رسوله إبراهيم ﵇ ببناء ذلك البيت، ودعوة الناس إلى حجه، والتقرب إلى الله بالطواف به، وقد ازداد هذا الفضل بميلاد النبي - صلوات الله عليه -، ونشأته فيها، ثم نزول القرآن في أرجائها.
وأما المدينة فلم تكن معروفة قبل الإسلام بشيء من الفضل على غيرها من البلاد، وإنما أحرزت فضلاً بهجرة النبي ﷺ وأصحابه المؤمنين بحق، وبهجرة الوحي معهم إلى ربوعها، حتى أكمل الله الدين، وأتم عليهم النعمة.
وأما أثر بركة الهجرة في انتشار الإسلام وإعلاء كلمته، فلأن الإسلام كان بمكة في شيء من الخمول، ولم يكن الجهاد قد شرع؛ إذ لم تتهيأ أسبابه، أما بعد الهجرة إلى المدينة، فقد نزلت آيات في القتال؛ كقوله تعالى:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩].
وقوله تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠].
فإذا احتفلنا بذكرى الهجرة الشريفة، فإنما نحتفل بذكرى اليوم الذي ابتدأت فيه الهداية تسير سيرها الحثيث في الشرق والغرب، وذهبت فيه العزة
стр. 4622
تمد ظلالها على كل جماعة تنادي بأرفع صوت: "حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح".
* فاتحة السنة الثامنة عشرة (١):
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله الراشدين، وأصحابه الذين جاهدوا في سبيل نشر هدايته بأقوى الحجج، وأوضح البراهين.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة -بتوفيق الله تعالى- سنتها السابعة عشرة، وهي سائرة في الدعوة إلى الإصلاح سيرة اليقظة والحزم، عاملة لتحقيق أغراض الجمعية بثبات وعزم. ولنا اليوم أمل وطيد في أن انقضاء عهد الحرب ستزول معه المصاعب التي كانت تقف أمام قصدنا إلى توسيع نطاقها، وجعلها أنهض بما أخذتها على نفسها من الدعوة إلى هداية الإسلام، وإعلاء صرح عزته، وترقية اللغة العربية، ونشر آدابها الزاهرة، وتعريف الخلف بعظمة رجال السلف، إلى نحو هذا مما تزداد به ثقافة شبابنا صفاء وضياء.
ونقدم مع هذا واجب الشكر لحضرات الكتاب والشعراء الذين أسعدوا هذه المجلة بمقالات نافعة، وقصائد رائعة، ونرجو من الله تعالى التوفيق والتأييد ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩].
* فاتحة السنة التاسعة عشرة (٢):
الحمد لله الهادي إلى أقوم محجة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
стр. 4623
المبعوث بأوضح حجّة، وعلى آله الراشدين، وأصحابه المجاهدين.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها الثامنة عشرة، وهي سائرة في الطريقة التي رسمتها لنفسها منذ صدورها، تجاهد في الحق، وتذكر بالفضيلة، وتدعو إلى الإصلاح ما استطاعت، - وقد قيض الله أساتذة من الكتاب البارعين، عزموا على أن يمدوها بما تجود به أفكارهم، وتحرره أقلامهم من الموضوعات الإصلاحية والأدبية، وإدارة المجلة تقدم لهم ولحضرات من أمدوها في السنة الماضية بمنشآتهم الممتعة جزيل الشكر.
ولعل حضرات القراء قد لاحظوا من سيرة هذه المجلة أنها تسير بتوفيق الله تعالى في طريق وسط، وهي طريق من يعتز بدينه الحق، ويستخلص آراءه من الفطرة السليمة، والمقاييس المنطقية الصحيحة، فيحتفظ بالقديم الصالح، ويتقبل الجديد النافع.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
* فاتحة السنة الحادية والعشرين (١):
نحمدك اللهم على أن دعوتنا إلى دار السلام، وهديتنا سبيلها، وما سبيلُها إلا الاعتصام بعهد الإسلام. ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الأمين، المبعوث رحمه للعالمين، وعلى آله الأطهار، وصحبه الأبرار، وكل من جاهد في الحق بالسيف والسنان، ودعا إليه بالحكمة وحسن البيان.
стр. 4624
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة سنتها العشرين، وهي تسير في الطريق الوسط، تتحرى به الحقائق، ولا تضع قلماً إلا فيما يرضي الخالق، وستستمر بتوفيق الله -جل شأنه- على هذه السيرة التي حمدها قراؤها، لاهجةً بحمده تعالى على أن سدد خطاها، وناطقة بشكر من أمدوها بمنشآت قرائحهم، فثبتوا قدمها بين عواصف من المثبطات، كادت تقطعها عن جهاد هو أعذب مواردها، وأعز مناها، والحياة ليل دامس، وسراجها الوهاج إنما هي الدعوة إلى الحق في ثبات، والمسارعة إلى الخير في إخلاص.
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣].
* فاتحة السنة الثانية والعشرين (١):
نحمدك اللهم على أن هديتنا سبيل السعادة، وجعلت جزاء الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد الداعي بأبلغ حجة إلى أقوم محجة، وعلى آله المهتدين، وأصحابه المجتهدين.
أما بعد:
فقد قضت هذه المجلة اثنتين وعشرين حجة وهي تؤيد الحق، وتكافح الباطل، وثابرت على الدعوة إلى الخير في العسر واليسر، حتى قطعت تلك السنين التي شأنها أن تذهل الأفكار، وتجعلها على مواصلة الدعوة في شغل، وستستمر على خطتها ما أمدها الله بقوة، مردِّدة شكر أولئك العلماء والأدباء
стр. 4625
الذين يؤثرونها بمنشآتهم البارعة، وبحوثهم النافعة.
هذا وقد طرأ في الأشهر الماضية ما كان يعوق عن إصدار المجلة بانتظام، ومن أجل ذلك قرر مجلس الإدارة العود بها إلى أن يصدر كل جزء منها في أوائل شهره المعين له، وقرر أن يكون أول سنتها شهر المحرم فاتحة السنة العربية، فنرجو من حضرات أعضاء الجمعية والمشتركين في المجلة أن يتقبلوا هذا القرار الذي دعت إليه ظروف قاهرة.
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
* تزويد أحد الشبان التونسيين بموعظة (١):
سر في هذه الحياة، واليقظة نور عينيك، والحزم عن يمينك، والتأني في الأمور عن يسارك، فإن من غلبت غفلته على يقظته، كان العطب أقرب إليه من السلامة، ومن فاته الحزم، ذهب شطر حياته سدى، ومن يقوم على الأمور قبل أن يتدبرها، لا يأمن أن يقع في غير رشد، ويعود بغير حمد، وإن رزقت الاعتماد على الله من صميم قلبك، وفقك لأن تكون يقظاً حازماً بصيراً بالعواقب.
стр. 4626
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(١٩)
«أحَادِيثُ فِي رِحَابِ الأَزهَرِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 4627
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 4628
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الإمام محمد الخضر حسين يشع هدى ونوراً، ويفيض علماً، وينتضي القلم جهاداً.
بدأ رحلة الإيمان من مدينة "نفطة" في جنوب القطر التونسىِ، وانتهت به إلى مدينة "القاهرة". رفيقه الأوحد -ونعم الصاحب في الحل والترحال -كتاب الله ، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنهَ، ومناضلاً بقلمه وفكره كل صنوف البغي السياسي، والانحلال الخلقي، والإلحاد الشرس.
وبعد هذه الرحلة المؤمنة الشاقة والطويلة، أتته مشيخة الأزهر طائعة مختارة، تدق باب الإمام المتواضع برفق، وتدعوه لمزيد من الكفاح والعطاء، فيلبي النداء رغم الكهولة، وكيف لا يلبي الدعوة وهو القائل:
ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن وادٍ أعيش به وحدي
وباعتلائه قمة مشيخة الأزهر بعلمه وفضله، فقد شدَّ أواصر الصلة بين الزيتونة والأزهر، وفي هاتين القلعتين الإسلاميتين العظيمتين، سطَّر الإمام بين مطلع حياته الجليلة والسنوات الأخيرة من أيامه المباركة تاريخاً عبقرياً للرجل الداعية المسلم.
لقد جمع إشعاع هذين الجامعين الكبيرين -جامع الزيتونهَ، والجامع
стр. 4629
الأزهر- في قلبه الأنور، فكان الدرب في الحياة، والصراط المستقيم إلى مرضاة الله، وفيهما أخذ من العلم وارتوى، ومنهما أعطى وأروى.
والإنسان المؤمن يقف خاشعا أمام هذا الفيض من الآثار الإسلامية واللغوية والأديبة القيمة، التي عزَّزت صرح الإسلام، وزادته قوة ومنعة على مدى الأيام. في حين ينفر من هذا التراث أولياء الشيطان اندحاراً وخساراً.
جاءته مشيخة الأزهر تسعى إليه بنفسها، دون أن يفكر يوماً بهذا المنصب، فهو أزهد الناس بالألقاب وبالمناصب صغيرها وكبيرها، يكفيه من الدنيا كتاب يرتاح إليه ويقرؤه. وقلم يكتب الحق ليزهق الباطل، ولقيمات تبقي على قوة الجسد.
لم تكن لديه في القاهرة عشيرة تكون له سنداً، ولا أسرة تدفع عنه، ولا أخ يشد أزره، ولا ولد يرفع عن كاهله عبء الحياة.
وافته مشيخة الأزهر اعترافاً بفضله العميم، وعلمه الغزير، وسيرته التي هي مضرب الأمثال في التقوى والزهد والنضال والدعوة.
ولمثل الإمام محمد الخضر حسين تعقد ألوية الدعوة والجهاد، ولأمثاله تعهد القيادات الإسلامية، ومثله مثل شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
وهذه صفحات الكتاب تضم أحاديث الإمام محمد الخضر حسين في رحاب الجامع الأزهر، تلك التي نشرتها الصحف والمجلات -وخاصة جريدة "الأهرام" القاهرية التي أولت أحاديث الإمام عناية خاصة- بالإضافة إلى أقوال وتعليقات الصحافة من خلال اختياره للمشيخة.
وقد رتبت حسب تاريخ صدروها، واختيرت العناوين المثبتة في مجلة
стр. 4630
الأزهر مع الإشارة إلى نص العناوين الواردة في الصحف إن كان هناك اختلاف.
ولا يفوتني في هذه المقدمة -طالما أن هذا الكتاب يتعلق بالإمام والأزهر- ذكر حادثة يعرفها أهله، ويتداولها أصدقاؤه وتلامذته من العلماء:
والدة الإمام محمد الخضر حسين هي السيدة حليمة السعدية بنت التقي الصالح الشيخ مصطفى بن عزوز المدفون في مدينة "نفطة"، وشقيقة العلامة الأجل الشيخ محمد المكي بن عزوز دفين مدينة "إستنبول".
تلك الأم الفاضلة التي لقنت ابنها الإمام علوم القرآن والفقه واللغة والأدب، وأشرفت على تربيته الإسلامية، تلك الأم المثلى التي كانت ترفع وليدها بين يديها في سنيه الأولى، وتداعبه وهي تنشد:
إن شاء الله يا أخضر ... تكبر وتروح الأزهر
من هناك، من مدينة "نفطة" في أقصى الجنوب التونسي، كانت تربِّت عليه، وتضمه ... وبعد ما يقرب من ثمان وسبعين سنّة، وفي شهر المحرم من سنة ١٣٧٢ هـ؛ يصبح ذاك الوليد إماماً في الجامع الأزهر.
واستجاب الله دعاء الأم الصالحة، والحمد لله رب العالمين.
على الرّضا الحِسيني
стр. 4631
شيخ الأزهر يتحدث إلى الأهرام (١)
كتب مندوب جريدة "الأهرام" الخاص في عددها الصادر يوم الخميس ١٢ المحرم سنة ١٣٧٢ هـ (٢ أكتوبر سنة ١٩٥٢ م) يقول:
لا يزال فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر يحتفظ ببساطته في كل مظهر من مظاهر الحياة العامة والخاصة، ومع أنه يشغل منصباً دينياً خطيراً، فلا تزال هذه البساطة التي درج عليها وألفها الناس عنه منذ وفد إلى مصر تلازمه. إن مجلسه لا يزال كما كان، يغشاه كل محب له، وكل مريد للعلم، كيفما كان مظهره ومخبره، ولقد أردت أن أقف على آراء فضيلته في طائفة من المشاكل الأزهرية التي تواجه المسؤولين عادة في مستهل كل عام دراسي، ولما أفضيت بهذه الرغبة، لم يشعر بالحرج الذي يشعر به الرسميون والمسؤولون عادة في مثل هذا الموقف، بل آثر أن يكون صريحاً على سجيته، واضحاً كما عرفته منذ نيف وعشرين عاماً.
стр. 4632
* تنظيم البعوث الإسلامية:
قلت: إن مشكلة البعوث الإسلامية لا تزال قائمة، ولعل هذه المشكلة تكون هامة إذا عرفنا أن هذه البعوث إنما هي أداة صالحة للدعاية الإسلامية لمصر في مختلف الأمم التي تدين بالإسلام. فهل تزمعون فضيلتكم أن تعملوا على أن تكون هذه البعوث الإسلامية في نظامها الحاضر، وفي طريقة إعدادها متمشية مع ما نرجوه منها، وما نؤمله فيها؟
فقال فضيلته:
لا شك أنني أقدر الرسالة التي يصح أن يضطلع بها طلاب البعوث الإسلامية في الأزهر تقديراً خاصاً، فهم رسلنا لدى أممهم، وهم ألسنتنا المعبرة عن أمانينا وآمالنا، بل لا أبالغ إذا قلت: إنهم المرايا التي تصورنا عند أممهم وشعوبهم بما فينا من خصائص ومزايا ومناقب أصدق تصوير.
وإذا كان الأمر كذلك، فإن العناية بهم وبإعدادهم يجب أن تشغل حيزاً كبيراً من أوقاتنا. إنني أُعنى في هذه الأيام بوضع نظام خاص بإعدادهم إعداداً قوياً يمكنهم من أن يؤدوا رسالة الخير والسلام على خير الوجوه. إنني أَعد الأزهر في مصر بمنزلة الكعبة الشريفة التي يحج إليها المسلمون على مختلف أجناسهم ومذاهبهم؛ ليؤدوا فريضة دينية، والواجب يقتضي أن نُعني بكل ما يعود بالخير على الأزهر؛ لأنه يعود بالخير نفسه على مصر، وعلى الإسلام.
ولا أذيع سراً إذا قلت: إنني كنت أسمع الكثير من الأنباء التي تحز في نفسي وتؤلمني؛ لأنها كانت تمثل العلاقة بين طالب البعوث وشيخ رواقه تمثيلاً لا أحبه ولا أرضاه. لذلك عُنيت كل العناية بأن أعمل على أن تقوم
стр. 4633
بين الاثنين علاقة روحية قوامها الحب والمودة والإخاء والخير، وأعتقد أن هذه العلاقة سوف تقوم وتتوطد منذ الآن، فلا أعود أسمع مرة أخرى أن شيخاً ظلم تلميذاً له، أو أن تلميذاً لم يوقر شيخه التوقير الذي يليق به.
* المكتبة الأزهرية:
قلت: والمكتبة الأزهرية. ألا ترى فضيلتكم أنها اسم على غير مسمى، وعنوان لا موضوع له؟ وما هي الفائدة من أن يقال: "المكتبة الأزهرية"؛ أي: المكتبة التي تمثل أقدم جامعة دينية في العالم، ثم تعطل وظيفتها، فلا ينتفع بها طالب ولا عالم، ولا أجنبي ولا وطني، ولم لا تكون مكتبة على غرار "دار الكتب"؟ ولم لا تنشأ فيها غرفة للمطالعة، وأخرى للبحوث والدراسات؟!.
فقال فضيلته:
إن من الحقائق الثابتة: أن المكتبة الأزهرية تشغل مكاناً غير لائق بها، ويسمح لطلاب العلم والبحث والمعرفة بالانتفاع من كنوزها النفيسة، وذخائرها العلمية التي لا يوجد لها مثيل في جميع مكتبات العالم، إنها تشتمل على آلاف من الموسوعات العلمية والدينية ذات القيمة الخاصة في عالم البحث والمعرفة، وإن الأجانب الذين يترددون على الأزهر من العلماء والمستشرقين لا يعرفون كيف ينتفعون بما تشتمل عليه من النفائس والذخائر. ولذلك فإني أعمل الآن على تدبير مكان صالح لها، على أن تتوافر في هذا المكان الشروط التي يجب أن تتوافر في مكتبة تاريخية عامة تكاد تكون عالمية؛ كمكتبة الأزهر، فيكون فيها نظام الإعارة على نظام جديد، وأن ينتفع بها الطالب والعالم والباحث على الطريقة العلمية الصحيحة. وقد أفرغُ من دراسة هذا النظام في وقت
стр. 4634
قريب إن -شاء الله-، وسوف يكون من شأن هذا النظام أن توحد المكتبات الأزهرية التي توجد في مختلف الأروقة، وتجمع كلها في المكتبة الأزهرية الكبرى، فيشرف عليها مدير واحد، ويكون نظامها واحداً.
* المعاهد الدينية:
قلت: أعرف أن فضيلتكم تشتغلون الآن في إعداد تنقلات بين أصحاب الفضيلة شيوخ المعاهد، فهل انتهيتم إلى رأي في هذا الموضوع الهام، وقد أصبحنا في مستهل السنة الدراسية؟
قال فضيلته:
إنني أعتقد أن شيخ المعهد في الإقليم هو مظهره ورأسه المدبر، وعنوانه بين مختلف الطوائف والطبقات في هذا الإقليم، وأعتقد أن العناية باختيار شيخ المعهد بدرجته تحتاج إلى البحث عن صفات وشروط خاصة، فلا يصح أن يختار شيخ المعهد بدرجته أو أقدميته، وإنما يجب أن يختار بكفايته وأهليته ومكانته، سواء من ناحية العلم والخلق والكرامة، أو من أية ناحية أخرى.
ولذلك فإني أستضيء في بحثي بهذه الاعتبارات؛ لأني أحرص على اختيار شيوخ يتَّسمون بالخلق والكرامة والكفاية، مع الغيرة الدينية؛ ليكونوا قدوة حسنة لأبنائهم من الطلاب، وليكون شيخ المعهد في إقليمه خير سفير يمثل المسلمين في هذا الإقليم. وإني لأرجو أن أنتهي من هذه المسألة في وقت قريب جداً، أو في أيام قلا ئل؛ ليكون كل شيخ على رأس المعهد الذي يعين شيخاً له في مفتتح العام الدراسي.
* مدير مجلة الأزهر:
قلت: ولا زلت أرى أن "مجلة الأزهر" في حاجة قصوى إلى أن يوضع
стр. 4635
لها نظام صحفي يمكنها من أن تساير النهضات الاجتماعية في مختلف مرافق الحياة، وقد قرأت أن فضيلتكم قد قبلتم استقالة مديرها السابق الأستاذ أحمد حسن الزيات.
وهنا قاطعني فضيلة الأستاذ الأكبر، وقال بصوت خفيت: إنني سوف أختار لهذه المجلة عالماً أزهرياً يجعل طابعها أزهرياً، ويمثل فيها الأزهر ببحوثه، أو بالبحوث التي ينشرها فيها. ولا شك أنني أرمي من وراء ذلك إلى أن تكون هذه المجلة اللسان المعبر عن نزعات الأزهريين المختلفة، وآرائهم في مختلف البحوث التي تتصل بالإسلام، أو بالحياة الإسلامية، فتنير الطريق أمام قرائها، سواء أكانوا مسلمين، أم غير مسلمين، في أمهات المشاكل ومعضلات المسائل العامة التي تكون موضع أخذ ورد بين الناس، وبهذا تكون المجلة قد أدت رسالتها على نحو سليم صحيح. وأنت تعرف أنني قد تحملت أعباء العمل في هذه المجلة بضع سنوات، فعرفت مواطن الضعف فيها، ومكان النقص في رسالتها، ولذلك فإني أسترشد بما لمسته من الحقائق، وأرجو أن يكون رائدي فيما أعتزمه من العمل، على أن يوضع لهذا النظام الذي يكفل لها الحياة والنمو والبقاء.
* الأزهريون عنوان الخير والمحبة والسلام:
قلت: وهل لفضيلتكم كلمة تستقبلون بها أبناءكم من العلماء والطلاب في مناسبة افتتاح السنة الدراسية؟ إنني قد رأيت في هذه الأيام الأخيرة أن هناك اتجاهات متناقضة تصور بعض الأزهريين على أن بينهم خلافاً مستحكماً.
فقال فضيلة الأستاذ الأكبر:
أنا أميل بطبعي إلى الخير والسلام، ولم أكن في يوم من أيام حياتي
стр. 4636
متحزباً، ولا متعصباً، بل كنت دائماً أكره التحزب والتعصب، وأوثر أن آخذ الأمور باللين والرفق والهوادة، وأنت تعلم أن شيخ الأزهر هو الذي يمثل الأزهر، ودعوة الأزهر إنما تقوم على تحقيق معاني الخير والتواد والتحاب بين الناس أجمعين، والأزهريون -بحكم وضعهم ووصفهم- هم الذين يبصِّرون الناس في أمور دينهم ودنياهم، ولذلك كان طبيعياً أن يكونوا عنواناً للخير والمحبة والسلام، وأن يكونوا إخواناً متحابين في الله، متساندين؛ لتكون لدعوتهم صداها وأثرها في التوجيه والإرشاد في مختلف الأمم الإسلامية، إن علماء الأزهر هم أقرب الناس إلى معرفة أوامر الله ونواهيه، وهم من الأمة في مقام الأئمة والهداة، ومن أجل هذا وجب عليهم أن يكونوا حريصين على كل ما يرضي الله، وما يحقق الخير لهم وللناس، وأنت تعلم أن الصفح والعفو والمغفرة من صفات الرجل المؤمن بالله، العالم الإمام الحذق، وأن من أحب الأمور إلي أن تجتمع قلوبنا على ما يكون، وأن نستقبل الأيام بروح التسامح والمحبة حتى نصل إلى ما يرضي الله، ويحقق الصالح العام، والله وحده يهدينا إلى سواء السبيل.
* ترجمة تفسير القرآن:
قلت: هل أستطيع أن أقف على رأي فضيلتكم في ترجمة تفسير القرآن؟.
فأجاب فضيلته:
هل تريد ترجمة معاني القرآن، أم ترجمة تفسير القرآن؟ إن هناك فرقاً بين ترجمة معاني القرآن، وترجمة تفسيره، وعلى كل، فإني أرى أن نرجئ الكلام في هذا الموضوع حتى أتمكن من الاطلاع على ما سبق أن وضع من التقارير والمذكرات في هذا الموضوع، وإلى فرصة قريبة -إن شاءالله-.
стр. 4637
من الأستاذ الأكبر إلى أبنائه الطلبة (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد:
فباسم الله تعالى، وعلى بركته، نستقبل عاماً دراسياً جديداً في عهد جديد، والعهد الجديد يطلب من كل فرد أو جماعة أن يحقق الغاية التي يناط به تحقيقها.
والغاية التي ناطها الله بكم، وجعلها أمانة في أعناقكم: هي غرس الدين، وتقوية اليقين في الأمة، وتربية الفضائل فيها، واجتثاث الرذائل منها، ونشر الأخوة الإسلامية والوطنية بين أفرادها، وإحلال المحبة والتراحم محل التباغض والتشاحن، وإحلال التعاون على البر والتقوى محل التعاون على الإثم والعدوان.
بهذه التربية الرشيدة تنشأ الأمة مؤمنة قوية، شديدة الأسر، عزيزة الجانب، تأبى الضيم، وتنفر من الاستعباد، وتكون من الأمم -بحق- موضع الإجلال والكرامة، بل موضع القدوة والزعامة.
стр. 4638
إن غايتكم هذه هي غاية الأنبياء والمرسلين، وقد جعلكم الله ورثتهم: تقومون بما قاموا، وتؤدون الله والوطن ما أدوا. إنها أسمى غاية وأنبلها، وبدونها يكون كل إصلاح -وإن اجتهد صاحبه- سطحياً ظاهرياً، لا ينفذ إلى باطن الأمر ولبه، بل يكون رقماً على الماء، أو نقشاً في الهواء، وقد نبه على ذلك النبي ﷺ إذ يقول: "ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
أبنائي! إن الأمر الجسيم لا ينال إلا بالعمل الجسيم، والإعداد القوي.
فعليكم -أيها الطلاب- أن تعدوا أنفسكم لهذا الأمر الجلل، وذلك بأن تكملوا أنفسكم بالعلم، وتهذبوها بالخلق، وتجعلوا غايتكم أمامكم؛ لتسددكم وتقويكم، وتشد من عزائمكم. وستجدون -إن شاء الله- من أساتذتكم آباء رحماء، ينهلونكم من مناهل العلم والتثقيف، ويعنون بكم في الدرس وفي خارج الدرس، ويرعونكم ويوجهونكم، ويحلون ما يعرض لكم من مشكلات في حياتكم العلمية والاجتماعية. وسنربط بينكم -بإذن الله- رباط وثيق من المحبة والتعاون على بلوغ هذه الغاية العظمى.
سددكم الله وقوَّاكم، وأعاننا وإياكم على هذا الإصلاح العظيم، في هذه النهضة العظيمة المباركة، والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 4639
شيخ الأزهر يعترض على القبعة (١)
قالت جريدة "الأهرام" في عددها الصادر يوم الأحد ١٢ أكتوبر:
стр. 4640
على أثر ما أذيع خاصاً بأن اللجنة التي أُلفت لتوحيد الزي: أنها قد رأت استبعاد الطربوش كغطاء للرأس، والاستعاضة عنه بغطاء عملي مناسب؛ كالبيريه، أو القبعة، على أن يشمل توحيد الزي جميع المصريين، عدا هيئة كبار العلماء، والعلماء المشتغلين بالتدريس، توجه مندوب "الأهرام" إلى فضيلة الأستاذ الأكبر، وسأله رأيه في هذا الزي المقترح، فأفضى إليه فضيلته بهذا التصريح الهام:
إنني علمت أنه قد اقترح أن يكون الزي الموحد هو الزي الأوربي؛ لأنه أصبح زياً عالمياً، ولأنه من الناحية العملية أكثر ملاءمة لهيئات العمال والفلاحين، وهذا الزي يتألف من بنطلون وقميص بأثمان مناسبة.
وإنني أصرح بأن القبعة والبيريه ليستا زياً عالمياً، وأن مئات كثيرة من الملايين في آفاق لا حد لها من قارات الأرض لم تتخذ هذا الزي، ولذلك لم يبلغ أن يكون زياً عالمياً، ثم إنه ليس من الحتم على أية أمة أن تجاري الشكليات، حتى لو كانت عالمية، قبل أن تقتنع بأن ذلك أصلح لها.
والأصلح لجو كل أمة هو ما دلتها عليه تجارب ألوف السنين، وإذا استوحى المصلحون من هذه التجارب الطويلة ما يكون به توحيد الزي، فانهم يصيبون بذلك الغرض من التوحيد والإفادة من تجارب الزمن.
وإن مصر على الخصوص عضو ممتاز ومرموق في العالم الإسلامي الذي زاد تعداده في هذه السنوات على خمس مئة مليون، ومن غير المنتظر أبداً أن يرضى العالم الإسلامي بأن يفني شخصيته في غيره، ويندمج في الزي الأجنبي عنه المزعوم أنه عالمي، لاسيما وأن في سنن الإسلام الجوهرية التي لا يمكن أن يتساهل فيها المسلمون -إلا بانحرافهم عن دينهم- أن يكونوا
стр. 4641
متميزين عن غيرهم. وأئمة المسلمين يعدون من الخروج على الإسلام: الانحراف عن زيه إلى زي غير المسلمين فيما اختصوا به من علاماتهم، وقد كان من علاماتهم في القرون السالفة "الزنار"، فكان لبس المسلمين يومئذ للزنار يعد في الفقه الإسلامي خروجاً عن الإسلام يستحق فاعله العقوبة.
والمتعارف الآن عند المسلمين في مختلف أقطارهم: أن القبعة هي علامة غير المسلمين التي يفترقون بها عن أهل الإسلام، فلها الآن مثل حكم الزنار فيما مضى.
وعلى كل حال، فإن شهوة الانغمار في الزي على زعم أنه عالمي -وما هو بعالمي- سيفصل المصريين -وهم قلة قليلة من المسلمين- عن إخوانهم من أمم العالم الإسلامي البالغ عددهم خمس مئة مليون، وأول ما سيكون من سوء الأثر لذلك في شطر وادي النيل الجنوبي. وقد جربت إحدى الأمم الشرقية هذا الأمر قبل نحو ربع قرن، وحملت شعبها عليه بالقوة، ومع ذلك لا يزال شعبها حزيناً آسفاً مكسور الخاطر مما حمل عليه.
ولا يزال العالم الإسلامي ينظر إلى ذلك بعين الاستنكار والاستغراب، وقد كان القائمون بهذه التجربة يتوقعون هم والذين شجعوهم على ذلك أن يكونوا قدوة فيه لأمم إسلامية أخرى.
فكان المسلمون أحصف من أن ينزلقوا في ذلك؛ لأنهم يعلمون أن به خروجاً عن سنَّة من سننهم التي احترموها والتزموها منذ أربعة عشر قرناً.
إن فكرة توحيد الزي فكرة حسنة، ولكنها في أي قطر يغلب على سكانه العمل بأحكام الإسلام ينبغي أن لا يصطدم بسنَّة من سننه ليكتب لها النجاح والبقاء والرضا من جمهور الأمة.
стр. 4642
وقد سأل مندوب "الأهرام" فضيلته عن الزي الذي يراه ملائماً لنا، فقال: للقائمين بالأمر أن يختاروا الزي الذي يرونه ملائماً لنا، على أن يكون مخالفاً لما امتاز به غير المسلمين.
стр. 4643
لا قيمة للعلم ما لم تلازمه الفضائل الخلقية (١)
سال مندوب "المصري" فضيلة الأستاذ الأكبر عن رأيه في التعليم، وموقف الإسلام منه، فقال فضيلته:
كانت إساءة الاستعمار باحتلاله العسكري في السبعين سنة الماضية، ثم باحتلاله السياسي والاقتصادي، أهونَ شراً، وأدنى إلى دفع غوائله -على فداحتها- من إساءته إلى مصر على يد (دنلوب) فيما رسم من خطط لتوجيه الثقافة المصرية العامة توجيهاً آلياً، يعنى بالقشور والشكليات، وينأى بالمدارس ومعاهد العلم عن أن تكون لها رسالة سامية من رسالات الله في تهذيب النفوس، وإعداد الجيل الصالح، وتكوين الرجال الذين يعيشون لأمتهم، وينهضون بها إلى المستوى الكريم الذي يستحق أهله السعادة في أنفسهم وفي مجتمعهم، والاحترام من الأمم الأخرى.
стр. 4644
والمتاعب التي يواجهها الآن رجال الإصلاح في تطهير الأداة الحكومية وإصلاحها، وتقويم الاعوجاج الاقتصادي والاجتماعي، وتوجيه الأمة والوطن إلى الخير، لا شك أنها بعض نتائج هذه الناحية الضعيفة في نظام التعليم، كما رسم دنلوب خططه، ووضع أسسه؛ ليبتعد برجال المستقبل عن مواطن الخوف من الله وحده، وعن معايير الفضائل والأخلاق، وأن تكون للمصري المتعلم رسالة سامية في الحياة يحقق بها لوطنه السعادة والقوة والحيوية والنشاط الدائب الدائم، فطفقت هذه المصانع التعليمية تخرج الجيل بعد الجيل من المؤمنين بالمصلحة الذاتية وحدها دون المصلحة العامة، وبالرفاهية الشخصية من الحلال والحرام، وإن وصل الوطن إلى الحالة التي تتحدث عنها الصحف اليوم، وكان يبكي منها العقلاء دماء من قبل.
هذا التعليم في المدارس المصرية من زمن (كرومر)، إلى يوم الناس هذا، تعليم جاف، لا يعنى بتكوين الإنسانية في الإنسان، ولا الإسلامية في المسلم، ولا الوطنية في ابن الوطن، ولا الرحمة والرفق والتعاون على البر والتقوى في قلب الرجل المثقف، ولا يصل حاضر الأمة بماضيها التي تحمل لنفسها وللإنسانية أكرم أمانات الله وأنبلها.
ولعل أصدق شهادة على هذه الحقيقة جنوح عدد كثير من كبار رجال وزارة المعارف نفسها -فضلاً عن غيرهم- إلى تخريج أبنائهم في مدارس أجنبية، يعلمون أنها أسست لأبناء جاليات لا حاجة بهم إلى كثير مما يحتاج إليه التلاميذ المصريون في قوميتهم ودينهم، لكنهم اضطروا إلى الرضا لأبنائهم بهذه المدارس الغريبة عنهم، العارية عن أمسِّ حاجاتهم القومية والملية، فراراً من ناحية الضعف التي أزمنت عللها في مدارسنا، واستشرى داؤها مدة نصف قرن وأكثر.
стр. 4645
والآن، وقد منَّ الله بهذا الانقلاب الذي هيأ برحمته أسبابه، فقد آن لمدارسنا أن تبنى على أساس أن اكتساب العلم والمعرفة غاية مطلوبة لذاتها، لا وسيلة يتذرع بها للحصول على الشهادة، ثم الحصول بالشهادة على الوظائف، نعم، إن الوظائف تحتاج إلى موظفين مثقفين من حملة الشهادات بشرط أن تكون في قلويهم مخافة الله في حقوق الأمة ومصالح أبنائها.
وقد آن لها أن تبنى على أساس أن العلم إذ الم تلازمه الفضائل الخلقية، والخوف من الله، والحرص على مرضاته، فإنه يكون حينئذ كالسلاح في أيدي من لا يجيز القانون أن يكون في أيديهم.
بل من هنا تولدت الحاجة العظمى اليوم إلى التطهير والإصلاح، وإذا لم يتغير اتجاه القطار في التعليم، فستبقى هذه الحاجة إلى التطهير والإصلاح ما دمنا على ما نحن عليه.
وقد يظن البعيدون عن معرفة أثر الدين في نفوس الجيل أن العرض السطحي للأ خلاق في كتب المطالعة وأمثالها يغني الناشئة عن تثبيت عقيدتها بالله، وتوثيق معرفتها برسالات الله في مرحلتي التعليم الابتدائية والثانوية، وعن تحقيق ذلك بتطبيقه عملياً حتى يتمرن التلاميذ عليه، وتكون فضائله سجية، لاعادة.
وكل تقصير في ذلك يجعل الانحراف الناشئ عن زيغ العقيدة أصعب صلاحاً من الانحراف الناشئ عن طغيان الشهوة؛ لأن زائغ العقيدة يستهين ببعض محاسن الآداب؛ بزعم أنها ليست من الحسن في شيء، أما المغلوب للشهوة وحدها، فإنه ينصرف عن الحسنة معترفاً بأنه أقبل على سيئة؛ لذلك كانت معالجة المغلوب للشهوة أهون من معالجة من زاغت عقيدته؛ لتهاون
стр. 4646
المدرسة في حياطة هذه العقيدة، والقيام على أمانات الله فيها.
وإذا كان سوء الأخلاق -الذي هو علة اختلال النظام- ينشأ من زيغ العقيدة تارة، ومن طغيان الشهوات تارة أخرى، فإن الإسلام دين ينير العقول بالحجة، ويهذب النفوس بالحكمة، وكم أخرجت مدارسه، ومجالس القوَّامين على هدايته من رجال يلاقون الأسود فيصرعونها، ويخفضون أجنحتهم تواضعاً للمستضعفين! وإن سماحة الدين، وما له من الأثر الخطير في إعداد أمة روحها البطولة، وزينتها التقوى، وغايتها السيادة، من أشد ما يبعث أولي الأمر منا على أن يضعوا علوم الدين بالمكانة العليا، والتربية على آدابه وفضائله؛ بالإشراف، والمراقبة، والتدريب، والقدوة، في مقدمة ما يطلب من مدرسة العهد أن تحققه من أجل هذا الوطن.
إن هذه الأمة مسلمة، والأمة المسلمة لا ترضى إلا أن يكون أبناؤها مطمئنين بحجج الدين الحنيف، سائرين في ضوء حكمته الغراء، مسترشدين بسيرة عظماء السلف، وينشدون فيها مثلهم العليا. وإذا وجد في الناس من لا يؤلمه أن يكون ولده في ظلام من الغي، فأمثال هؤلاء -على قلتهم- استهواهم زخرف الحياة غروراً، وما كان للحكومة الرشيدة إلا أن تقيم سياستها على رعاية ما فيه خير النشء، ويكون قسط تلك الطائفة في هذه السياسة تقويم عوجهم. وإذا أهملت بلاد تربية أبنائها على الدين، باض الإلحاد وأفرخ في أدمغتهم يوم تكون في أيديهم أزمتها، ويا شقاء أمة يتولاها من لا يخاف الله، ولا يتوخى مرضاته.
стр. 4647
سماحة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين (١)
قال مندوب "الأهرام":
أتيح لي أن جلست وفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر جلسة طويلة ممتعة، وتحدثت إلى فضيلته في مختلف الشؤون، وكان في مقدمة هذه الشؤون: أهمية ما يتعلق بالأجانب المقيمين بمصر، وما حكم الشريعة الإسلامية في معاملتهم، وكيف ينظر إليهم الإسلام؟ وبماذا يأمرنا به نحوهم؟.
ولقد تجلى فضيلة الأستاذ الأكبر في تجليتها، وتبيان أحكام الشريعة السمحة فيها، وقد كان فضيلته يعنى أكبر العناية بدعم آرائه بالكتاب الكريم، والحديث الشريف، والأثر الصالح عن السلف الصالح، قال فضيلته:
ينظر الإسلام إلى رسالات الله كلها على أنها دين واحد، تتفق في أصولها وروحها وغاياتها، وإن اختلفت في صورها ومظاهرها وتطورها.
ولذلك كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي عرفه البشر داعياً إلى تكريم رسل الله وأنبيائه جميعاً، فقال في أواخر سورة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ
стр. 4648
مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فنظرة الإسلام هذه إلى وحدة الأصل ووحدة الغاية في ديانات الله ورسالاته كلها، كان من أولى نتائجها: أن لا ينظر المسلمون إلى شيء من ديانات الله نظرة ضغينة أو عداء، وأن لا يذكروا أحداً من الذين حملوا رسالات الله إلى أهل الأرض إلا بالتعظيم والإجلال والتكريم، فإذا ذكروا أحداً منهم، قالوا مثلاً: "سيدنا إبراهيم ﵇"، و"سيدنا موسى الكليم ﵇"، و"سيدنا عيسى ﵇" يقولون ذلك عن عقيدة وإيمان؛ لأن كتابهم الحكيم طالبهم بأن يؤمنوا بذلك وأن يقولوا ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
ولا شك عندنا بأن دين الإسلام هو أول دين في العالم أعلن هذا المبدأ، وهذا في سورة البقرة أيضاً: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ منَ الغَىِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] , بل لعل الإنسانية لم يطرق النداء بهذه العقيدة سمع أحد منها في أي بلد من بلاد الأرض قبل أن يفرض الإيمان بها في الحجاز، وقبل أن تقرر على أنها عقيدة من صميم الإيمان الإسلامي. فكل مسلم يخرج عليها، أويعمل بما ينافيها، فهو مخالف لشعبة عظيمة من شعب إيمانه بالإسلام.
والقرآن يسمي المنتسبين إلى التوراة والإنجيل: (أهل الكتاب)، ومع تسامحه العجيب الذي لم يسبق له مثيل مع بني الإنسان جميعاً؛ فإنه خص أهل الكتاب بمنزلة أسمى، ومعاملة أكرم. ومن ذلك قول الله في سورة العنكبوت: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُواءآمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ
стр. 4649
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
وغير المسلمين في نظر الإسلام ثلاثة أصناف: محاربون، ومعاهدون، وأهل ذمة.
وحكم الإسلام فيمن يحاربونه: أن يدفعهم المسلمون إذا هاجموا، وأن يبادروهم بما يكف باسهم إذا تحفزوا، وأن يقوِّموا اعوجاجهم إذا اعتدوا على الحق إلى أن يعودوا إلى الإنصاف، وفي ذلك يقول الله سبحانه في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ (أي: يقاتلهم المعتدون) بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا (أي: في حالة ظلم عدوهم لهم) وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩].
ويقول في سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
ثم إن القتال لا يكون في سبيل الله إلا إذا التزم فيه المسلمون مرضاة الله، والله لا يرضى منهم إلا الإنصاف والعدل والرحمة، وإيثار الحق على الباطل، والخير على الشر، في جميع التصرفات، وهذا هو سبيل الله، وما خالفه فليس من سبيل الله، والقتال فيه لا يكون عند المسلمين شرعياً. وإن تفصيل التشريع الإسلامي في القرآن الحكيم، وسنة نبيه الكريم فيما يتعلق بالحرب والمتحاربين، يدل على أنه قرر المبادئ الإنسانية السامية في ميادين القتال، وجعلها ديناً يحاسب أهله عليه بين يدي الله، فضلاً عما ينالهم في الدنيا من الخزي إذا خالفوا هذه المبادئ العليا.
ولا نظن أن أمة بلغت مبلغ المسلمين في ذلك، فضلاً عن الرحمة والرفق في تطبيق هذه المبادئ منذ أربعة عشر قرناً.
ومن الرفق الذي أقام الإسلام عليه سياسته الحربية: أنه منع التعرض
стр. 4650
بالأذى لمن لم ينصبوا أنفسهم للقتال؛ كالرهبان، والفلاحين، والنساء، والأطفال، والشيخ الهرم، والأجير، والمعتوه، والأعمى، والمصاب بالزمانة (١)، بل من الفقهاء من لا يجيز قتل الأعمى والزَّمِن، ولو كان من ذوي الرأي والتدبير في الحرب.
ولو أردنا الإفاضة في تفاصيل مبادئ الإنسانية العليا في أحكام الإسلام الحربية لاحتجنا إلى تأليف كتاب؛ لأنه لا يتسع له مقال في الصحف.
أما المعاهدون، وهم الذين انعقد بهم وبين المسلمين عهد على السلم، فيجب على المسلمين الوفاء لهم بعهدهم كاملاً، وأن يستقيموا لهم ما استقاموا للمسلمين.
وقد وصى النبي ﷺ أمته بالذين بينهم وبين المسلمين معاهدة، فقال: "من ظلم معاهداً، أو كلفه فوق طاقته، فأنا خصمه يوم القيامة".
وحتى لو توقع المسلمون الغدر والخيانة من عدوهم المعاهد، فلا يجوز لهم أن يعجلوهم بالقتال إلا بعد إنذارهم وإعلانهم إلغاء حالة السلم التي كانت بين الفريقين.
وهذا معنى قول الله في سورة الأنفال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥٨﴾ ومن تمام ذلك قوله سبحانه في سورة التوبة:: ﴿إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]. ثم قوله بعد قليل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
стр. 4651
وأكثر الأحكام التي يعامل بها المعاهدون في بلاد المسلمين مبنية -بعد الوفاء بالعهد- على مبدأ المقابلة بالمثل. فنعامل رعايا كل فريق من الذين بيننا ويينهم عهد بمثل ما يعاملون به رعايانا إذا دخلوا بلادهم، ويوصي الإسلام بنيه بأن يرتبطوا بهم في بلادنا برباط الألفة والعطف والتعاون، وأن يكونوا متمتعين بحقوقهم الدينية، آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
وأعظم من كل ما تقدم مكانة أهل الذمة في الإسلام، فلفظ (الذمة) معناه: ذمة الله وعهده وأمانته ورعايته.
وقد ورد في الحديث النبوي: "من قذف ذمياً، حُدَّ يوم القيامة بسياط من نار".
وروى الخطيب البغدادي، في تاريخه -وهو من كبار أئمة الحديث الشريف، وحفاظ السنَّة النبوية- عن عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله ﷺ : أن النبي ﷺ قال: "من آذى ذمياً، فأنا خصمه، ومن كنت خصمه، خصمته يوم القيامة".
وقد بنى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب على هذا الحديث أوامره إلى قائده الأعظم في جيش الفتح المصري، وواليه الأول على وادي النيل، وهو أبو عبد الله عمرو بن العاص السهمي، فكتب إليه عقب فتح مصر يقول: "احذر يا عمرو أن يكون رسول الله ﷺ لك خصماً؛ فإنه من خاصمه، خصمه". ونص عمر بن الخطاب على نفسه فيما كتبه من العهد لأهل ييت المقدس عند فتحها، فقال: إنه "أعطاهم الأمان لأنفسهم، وأموالهم، وكنائسهم، وسائر ملتهم، لا تسكن كنائسهم، ولاينقص منها، ولا من خيرها (أي: أوقافها وصدقاتها)، ولا من صُلبهم، ولا يُكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم".
стр. 4652
وقد نص الفقهاء عند استنباط الأحكام التشريعية من حديث: "لا يبيع رجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته"، فقالوا: البيع على بيع غير المسلم الداخل في ذمة الإسلام كالبيع على بيع المسلم، والخطبة على خطبته كالخطبة على خطبة المسلم، كلاهما حرام. وفي آداب المعاشرة نبهوا على حقوق أهل الذمة، وندبوا إلى الرفق بهم، واحتمال الأذى في جوارهم، وحفظ غيبتهم، ودفع من يتعرض لأذيتهم.
وقال الشهاب القرافي -وهو من كبار أئمة التشريع في الإسلام- في كتابه الشهير "بالفروق": "إن عقد الذمة يوجب لهم حقوقاً علينا؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وفي ذمةالله تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، ودين الإسلام. فمن اعتدى عليهم -ولو بكلمة سوء، أو غيبة في عرض أحدهم، أو أي نوع من أنواع الأذية-، أو أعان على ذلك، فقد ضيع ذمة الله تعالى، وذمة رسوله ﷺ ، وذمة دين الإسلام".
وقال الإمام ابن حزم في مراتب الإجماع: "إن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه أي: يقصدون من كان في ذمة الإسلام -، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك؛ صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى، وذمة رسوله ﷺ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة".
وبعد: فإن المسلمين قد استناروا بسماحة دينهم، وتعلموا من آدابه أن يحسنوا معاشرة أصحاب الأديان الأخرى ممن لا يكيدون لهم كيداً، ولا يُظاهرون عليهم عدواً، وأرشدهم إلى أن يعيشوا معهم في صفاء وتعاون على المصالح الوطنية المشتركة، وأنه لا ينحرف من المسلمين عن هذه الأحكام والآداب إلا المنحرفون عن دينهم، والعياذ بالله.
стр. 4653
الميسر وورق اليانصيب (١)
قابل مندوب جريدة "المصري" صاحبَ الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وسأله عن أحكام الإسلام في الميسر واليانصيب، فقال فضيلته:
من الناس من يعد نفسه من ذوي الأخلاق الفاضلة، وهو مولع بلعب القمار، وهذا لا يعد في نظر الشارع وأهل الفضل ذا أخلاق كريمة؛ فإنه قصد إلى الاستيلاء على مال غيره بغير حق، فهو والسارق سواء، لا فرق بينهما، إلا أن السارق يمد يده إلى مال غيره بوجه خفي، والمقامر يمد يده إلى مال غيره، ولا يدري هل يصل إليه، أو يستولي غيره على ماله، فيبقى حزيناً كاسف البال، وهو على كلتا الحالتين منظور إليه بمقت وذم، ففي الحالة الأولى ممقوت؛ لأنه استولى على مال غيره بغير حق من عمل أو أمر آخر، وفي الحالة الثانية مذموم محتقر؛ حيث طمع في مال غيره، ومد يده إليه، غير أنه لم يصل إليه.
فالشارع الحكيم أباح للإنسان أن يتمتع بما كان ملكاً لغيره إن دفع له في مقابله عملاً أو شيئاً كان في ملكه، فقال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].
стр. 4654
وصاحب القمار لم يتاجر بماله، بل تاجر بأخلاقه قبل كل شيء.
ولا يغرنك فعل الأمم الأوربية، واكتفاؤها برضا صاحب المال في ظاهر الأمر؛ فإنه إذا أخذ منه المال، انقلب رضاه غيظاً؛ بخلاف من اكتسب بماله عملاً، أو بضاعة ينتفع بها.
والشارع الحكيم راعى في المعاملات أن تكون عن رضا من صاحبها ظاهر وباطن، وذلك وجه إباحته للتجارة، وحله للبيع، ومنعه من القمار، وإذا كان الأوربيون أغنياء، فإن لديهم معامل ومزارع متقنة، والقمار قليل بالنسبة إلى مصانعهم ومزارعهم وتجارتهم، والشارع الحكيم يحرم على المسلمين أن يدفعوا مالهم طمعاً في أن ينالوا من إنسان آخر مثله، فيعودوا بالمالين جميعاً، فمن المحتمل أن يذهب مال المقامر جملة، ولا يصل به إلى عمل أو إلى بضاعة.
* اليانصيب للأعمال الخيرية:
أما اليانصيب للأعمال الخيرية، فهو قمار بلا ريبة، وقد كان العرب في الجاهلية -كما ذكر ابن قتيبة في "الميسر والقداح"- عند شدة البرد، وجدب الزمان، وتعذر الأقوات على أهل الفقر والمسكنة - يقامرون بالقداح على الإبل، ثم يجعلون لحومها لذوي الحاجات منهم والفقراء، وهذا ما قصده القرآن بالمنفعة في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
ومع هذا، قد جعله القرآن بمنزلة الخمر؛ إذ قرنه بها في الآية.
والشارع الحكيم يريد من أتباعه أن يكونوا خياراً كراماً، يدفعون أموالهم التي لا يتاجرون بها إلى الفقراء وذوي الحاجة العامة قاصدين وجه الله ورضوانه، دون أن يقصدوا إلى سلب مال غيرهم؛ فإن ذلك إثم كبير.
стр. 4655
الاحتكار والربح الفاحش حرام كالربا (١)
تحدث مندوب "الأهرام" الخاص إلى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر عن الأزمة المستحكمة التي تعانيها في هذه الأيام المواد الغذائية الضرورية، بسبب اختزان بعض هذه المواد طلباً للربح الفاحش، وطلب إلى فضيلته أن يوضح للناس حكم الشريعة السمحة في مثل هذا الإجراء، وقد تفضل فضيلته بإجابة هذا الطلب، وقال:
إن الاحتكار الذي حرمة الله هو: إمساك شيء من الأغذية وضروريات الناس، والامتناع عن بيعها انتظاراً للغلاء، حتى إذا ازداد اضطرار الناس إليها، تحكم محتكرها ببيعها بالسعر الفاحش الذي يفرضه عليهم.
وهذا العمل حرام شرعاً، ولا يعد من البيع الحر الذي أحله الله، ولذلك كان الكسب منه كسباً خبيثاً، لا يباركه الله ، ولا يرضى عن صاحبه.
стр. 4656
إن مثل المحتكرين كمثل المرابين؛ من جهة استغلال الفريقين حاجة الناس، وتحكمهم فيهم بسبب الحاجة. غير أن المحتكرين يزدادون عند الله إثماً من جهتين:
إحداهما: أن استغلال حاجة الناس إلى الأقوات والأغذية وما أشبهها أفظع من استغلال الحاجة إلى النقود.
والثانية: أن استغلال المحتكرين لأقوات الناس وضروريا تهم يعم ضرره جماهير الناس، أما استغلال المرابين لحاجة من يحتاج إلى النقود، فإن نطاقه ضيق يخص عدداً قليلاً منهم، ولا يعم جماهيرهم؛ فإذا كان المرابي يأكل ربحه من الربا ناراً في جوفه؛ لاستغلاله حاجة عدد محدود من الناس، فالمحتكر يأكل ربحه من الاحتكار لهيباً من نار الجحيم بقدر ما ينال جماهير الناس من أذى جشعه الذي لن يبارك الله له بشيء منه.
وقد صح في الحديث النبوي: أن عاقبة المحتكر: أن يضربه الله بالإفلاس، أو بأخبث الأمراض، وهو الجذام.
روى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في "مسنده" بإسناد صحيح: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى المسجد، فوجد طعاماً منثوراً، فقال: ما هذا الطعام؟ قالوا: طعام جلب إلينا. قال: بارك الله فيه، وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين! فإنه قد احتكر. قال: ومن احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر.
فأرسل أمير المؤمنين إليهما، فدعاهما فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين! نشتري بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله
стр. 4657
بالإفلاس، أو بجذام"، فقال فروخ عند ذلك: يا أمير المؤمنين! أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود -إلى الاحتكار- في طعام أبداً.
وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى المكي راوي هذا الحديث: فلقد رأيت مولى عمر مجذوماً.
ومما يلاحظ في هذا الحديث: أن النبي ﷺ سمى الأغذية المعروضة للبيع: طعام المسلمين؛ لأنه إذا كان للذي يشتريها حق الثمن الذي يشتري به، ثم يتقاضاه في البيع، فإن إباحتها في السوق من حق المسلمين؛ لأنها طعامهم وغذاؤهم ومن ضرورياتهم، فبيعها لهم بالثمن هو من حق رأس المال، وأما إباحتها وعرضها في السوق، فهو من الحق العام الذي هو حق الأمة، واحتكارها اعتداء على الحق العام، وهضم لحقوق الأمة.
وفي "مسند الإمام أحمد" أيضاً عن سعيد بن المسيب: أن معمر بن عبد الله بن فضلة القرشي ﵁ قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: "لا يحتكر إلا خاطئ".
والخطأ في الشرع: الخروج عن سبيل الشرع، وسبيلُ الشرع هو سبيل الله، ويا ويل من يخطئ سبيل الله لأجل كسب حرام غير مشروع يستغل به ضرورات الأمة في غذائها وقوت عيالها، فيستحق عليه ما أنذره به النبي ﷺ من الإفلاس أو الأمراض الخبيثة، ويعاقب عليه يوم القيامة بما يستحقه الذين يُسخطون الله في إيذاء مخلوقاته.
وروى الإمام أحمد أيضاً في "مسنده" عن الحسن البصري عن معقل ابن يسار ﵁، وهو من أهل بيعة الرضوان، وهو الذي حفر نهر معقل بالبصرة بامر عمر بن الخطاب: أنه لم ثقل المرض على هذا الصحابي الجليل، جاءه
стр. 4658
أمير البصرة عبيد الله بن زياد يعوده، فدار بينهما حديث، ثم قال معقل ﵁: أجلسوني. ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك شيئاً لم أسمعه من رسول الله مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله ﷺ يقول:
"من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغليه عليهم، فإن حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة". فقال عبيد الله لمعقل: أأنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غير مرة أو مرتين.
ومن هنا يعلم كل مسلم يتاجر في المواد الغذائية والضروية للمسلمين: أن احتكارها ليس من البيع الذى أحله الله، بل هو كسب حرام، وأشد ضرراً على عامة المسلمين من المراباة، والعياذ بالله. والنبي ﷺ قد أنذر مرتكبه بالإفلاس والأمراض، وبنار جهنم يوم القيامة. فليعلم المحتكر عاقبة عمله قبل أن يقدم عليه.
стр. 4659
أكمل رسالات الله
حديث لفضيلة الأستاذ الأكبر في احتفال الأزهر بالمولد النبوي الشريف (١)
يحتفل العالم الإسلامي اليوم بمولد الإنسان الكامل، الذي اختاره الله لحمل أكمل رسالاته إلى البشر كافة، فكان هذا الحادث في تاريخ الإنسانية الحد الفاصل بين الحق مموهاً باهواء المتغلبين، ومطامع المغالطين، وأغراض الظالمين، فهو لذلك عرضة للتغيير والتبديل، وبين الحق الأبلج النقي من شوائب الأهواء والمطامع والأغراض، فهو لذلك ثابت خالد إلى يوم الدين.
إنه احتفال بمولد الحق مجرداً خالصاً صافياً، ويدعوة الخير عامة شاملة كاملة.
إنه احتفال بانتقال الإنسانية من عهد طفولتها ورعونتها، إلى ما ينبغي لها عند اكتمال نضجها وبلوغها عهد رشدها.
كل ذلك مما يحتفل به العالم الإسلامي اليوم، إذ يحتفل بمولد خاتم رسل الله محمد- صلوات الله وسلامه عليه -.
وقد كرمه ربه بما حف به ولادته من أصالة النسب، وصفاء الفطرة، وسلامة الخلق. ثم استرضع في بني سعد بين أخبية البادية وآفاقها، فازدادت آصرته بالبيئة السعيدة البعيدة عن شوائب المجتمع، وكان كلما شب بعد
стр. 4660
ذلك ونما، اتسعت شهرته بين قومه بالأمانة والصدق والاستقامة في الطريق المستقيم، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال، دعته السيدة خديجة بنت خويلد إلى التزوج بها؛ لما اشتهربه من كريم الفضائل، ومعالي الأخلاق، فأجابها إلى ذلك، ورأى فيها من الكمال والوفاء ما قابلها عليه بأحسن منه.
ولما قارب أمر الرسالة، جعل يختلي في غار حراء للتحنث والعبادة، ومناجاة الله ، فكانت زوجه السيدة خديجة ﵂ تساعده على ذلك، وترسل إليه زاده في هذه الخلوة القدسية بينه وبين ربه.
وآن أوان بعثته العامة الشاملة إلى الأمم كلها عندما بلغ من عمره الشريف نحو الأربعين، فأوحى الله إليه في سورة الأنعام -وهي مما أوحى به إليه في مكة قبل الهجرة-: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: ١٩] , فهو ﷺ نذير برسالته لمعاصريه، ولكل من تبلغه دعوته في كل زمان ومكان تتلى بهما آيات هذا القرآن على ألسنة الأمم، فتبلغ أحكامها وحكمها مسامع الأجيال، ولأن رسالته عامة شاملة كتب رسالته المشهورة إلى ملوك الأرض في زمنه: قيصر، وكسرى، وهرقل، والمقوقس، والنجاشي، وملكي عمان، وغيرهم، يوجه فيها الدعوة إليهم وإلى أممهم بأن يدخلوا في دين الله.
وقد تحمل- صلوات الله عليه - في سبيل أداء الرسالة وتبليغ الدعوة ما كان يتحمل أنبياء قبله من الأذى والجفوة، والصد عن قبول الحق، إلى أن استجاب له الأنصار، وبايعوه على الإيمان، ثم نهضوا مع إخوانهم المهاجرين لمقاومة من يقف في سبيل الدعوة، أو يصد عن انتشارها، فكتب الله النصر لدعوة الحق في بدر، ثم في غيرها، إلى أن فتح الله لرسوله مكة أم القرى،