← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4656–4695 · переход к 4661.

стр. 4656

إن مثل المحتكرين كمثل المرابين؛ من جهة استغلال الفريقين حاجة الناس، وتحكمهم فيهم بسبب الحاجة. غير أن المحتكرين يزدادون عند الله إثماً من جهتين: إحداهما: أن استغلال حاجة الناس إلى الأقوات والأغذية وما أشبهها أفظع من استغلال الحاجة إلى النقود. والثانية: أن استغلال المحتكرين لأقوات الناس وضروريا تهم يعم ضرره جماهير الناس، أما استغلال المرابين لحاجة من يحتاج إلى النقود، فإن نطاقه ضيق يخص عدداً قليلاً منهم، ولا يعم جماهيرهم؛ فإذا كان المرابي يأكل ربحه من الربا ناراً في جوفه؛ لاستغلاله حاجة عدد محدود من الناس، فالمحتكر يأكل ربحه من الاحتكار لهيباً من نار الجحيم بقدر ما ينال جماهير الناس من أذى جشعه الذي لن يبارك الله له بشيء منه. وقد صح في الحديث النبوي: أن عاقبة المحتكر: أن يضربه الله بالإفلاس، أو بأخبث الأمراض، وهو الجذام. روى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ في "مسنده" بإسناد صحيح: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى المسجد، فوجد طعاماً منثوراً، فقال: ما هذا الطعام؟ قالوا: طعام جلب إلينا. قال: بارك الله فيه، وفيمن جلبه. قيل: يا أمير المؤمنين! فإنه قد احتكر. قال: ومن احتكره؟ قالوا: فروخ مولى عثمان، وفلان مولى عمر. فأرسل أمير المؤمنين إليهما، فدعاهما فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ قالا: يا أمير المؤمنين! نشتري بأموالنا ونبيع. فقال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم، ضربه الله

стр. 4657

بالإفلاس، أو بجذام"، فقال فروخ عند ذلك: يا أمير المؤمنين! أعاهد الله وأعاهدك أن لا أعود -إلى الاحتكار- في طعام أبداً. وأما مولى عمر فقال: إنما نشتري بأموالنا ونبيع. قال أبو يحيى المكي راوي هذا الحديث: فلقد رأيت مولى عمر مجذوماً. ومما يلاحظ في هذا الحديث: أن النبي ﷺ سمى الأغذية المعروضة للبيع: طعام المسلمين؛ لأنه إذا كان للذي يشتريها حق الثمن الذي يشتري به، ثم يتقاضاه في البيع، فإن إباحتها في السوق من حق المسلمين؛ لأنها طعامهم وغذاؤهم ومن ضرورياتهم، فبيعها لهم بالثمن هو من حق رأس المال، وأما إباحتها وعرضها في السوق، فهو من الحق العام الذي هو حق الأمة، واحتكارها اعتداء على الحق العام، وهضم لحقوق الأمة. وفي "مسند الإمام أحمد" أيضاً عن سعيد بن المسيب: أن معمر بن عبد الله بن فضلة القرشي ﵁ قال: سمعت من رسول الله ﷺ يقول: "لا يحتكر إلا خاطئ". والخطأ في الشرع: الخروج عن سبيل الشرع، وسبيلُ الشرع هو سبيل الله، ويا ويل من يخطئ سبيل الله لأجل كسب حرام غير مشروع يستغل به ضرورات الأمة في غذائها وقوت عيالها، فيستحق عليه ما أنذره به النبي ﷺ من الإفلاس أو الأمراض الخبيثة، ويعاقب عليه يوم القيامة بما يستحقه الذين يُسخطون الله في إيذاء مخلوقاته. وروى الإمام أحمد أيضاً في "مسنده" عن الحسن البصري عن معقل ابن يسار ﵁، وهو من أهل بيعة الرضوان، وهو الذي حفر نهر معقل بالبصرة بامر عمر بن الخطاب: أنه لم ثقل المرض على هذا الصحابي الجليل، جاءه

стр. 4658

أمير البصرة عبيد الله بن زياد يعوده، فدار بينهما حديث، ثم قال معقل ﵁: أجلسوني. ثم قال: اسمع يا عبيد الله حتى أحدثك شيئاً لم أسمعه من رسول الله مرة ولا مرتين، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليُغليه عليهم، فإن حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة". فقال عبيد الله لمعقل: أأنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، غير مرة أو مرتين. ومن هنا يعلم كل مسلم يتاجر في المواد الغذائية والضروية للمسلمين: أن احتكارها ليس من البيع الذى أحله الله، بل هو كسب حرام، وأشد ضرراً على عامة المسلمين من المراباة، والعياذ بالله. والنبي ﷺ قد أنذر مرتكبه بالإفلاس والأمراض، وبنار جهنم يوم القيامة. فليعلم المحتكر عاقبة عمله قبل أن يقدم عليه.

стр. 4659

أكمل رسالات الله حديث لفضيلة الأستاذ الأكبر في احتفال الأزهر بالمولد النبوي الشريف (١) يحتفل العالم الإسلامي اليوم بمولد الإنسان الكامل، الذي اختاره الله لحمل أكمل رسالاته إلى البشر كافة، فكان هذا الحادث في تاريخ الإنسانية الحد الفاصل بين الحق مموهاً باهواء المتغلبين، ومطامع المغالطين، وأغراض الظالمين، فهو لذلك عرضة للتغيير والتبديل، وبين الحق الأبلج النقي من شوائب الأهواء والمطامع والأغراض، فهو لذلك ثابت خالد إلى يوم الدين. إنه احتفال بمولد الحق مجرداً خالصاً صافياً، ويدعوة الخير عامة شاملة كاملة. إنه احتفال بانتقال الإنسانية من عهد طفولتها ورعونتها، إلى ما ينبغي لها عند اكتمال نضجها وبلوغها عهد رشدها. كل ذلك مما يحتفل به العالم الإسلامي اليوم، إذ يحتفل بمولد خاتم رسل الله محمد- صلوات الله وسلامه عليه -. وقد كرمه ربه بما حف به ولادته من أصالة النسب، وصفاء الفطرة، وسلامة الخلق. ثم استرضع في بني سعد بين أخبية البادية وآفاقها، فازدادت آصرته بالبيئة السعيدة البعيدة عن شوائب المجتمع، وكان كلما شب بعد

стр. 4660

ذلك ونما، اتسعت شهرته بين قومه بالأمانة والصدق والاستقامة في الطريق المستقيم، حتى إذا بلغ مبلغ الرجال، دعته السيدة خديجة بنت خويلد إلى التزوج بها؛ لما اشتهربه من كريم الفضائل، ومعالي الأخلاق، فأجابها إلى ذلك، ورأى فيها من الكمال والوفاء ما قابلها عليه بأحسن منه. ولما قارب أمر الرسالة، جعل يختلي في غار حراء للتحنث والعبادة، ومناجاة الله ، فكانت زوجه السيدة خديجة ﵂ تساعده على ذلك، وترسل إليه زاده في هذه الخلوة القدسية بينه وبين ربه. وآن أوان بعثته العامة الشاملة إلى الأمم كلها عندما بلغ من عمره الشريف نحو الأربعين، فأوحى الله إليه في سورة الأنعام -وهي مما أوحى به إليه في مكة قبل الهجرة-: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الأنعام: ١٩] , فهو ﷺ نذير برسالته لمعاصريه، ولكل من تبلغه دعوته في كل زمان ومكان تتلى بهما آيات هذا القرآن على ألسنة الأمم، فتبلغ أحكامها وحكمها مسامع الأجيال، ولأن رسالته عامة شاملة كتب رسالته المشهورة إلى ملوك الأرض في زمنه: قيصر، وكسرى، وهرقل، والمقوقس، والنجاشي، وملكي عمان، وغيرهم، يوجه فيها الدعوة إليهم وإلى أممهم بأن يدخلوا في دين الله. وقد تحمل- صلوات الله عليه - في سبيل أداء الرسالة وتبليغ الدعوة ما كان يتحمل أنبياء قبله من الأذى والجفوة، والصد عن قبول الحق، إلى أن استجاب له الأنصار، وبايعوه على الإيمان، ثم نهضوا مع إخوانهم المهاجرين لمقاومة من يقف في سبيل الدعوة، أو يصد عن انتشارها، فكتب الله النصر لدعوة الحق في بدر، ثم في غيرها، إلى أن فتح الله لرسوله مكة أم القرى،

стр. 4661

وتم تطهير بيت الله الأعظم من لوث الوثنية، ودانت العرب كلها لهذا الدين القيم، فما انتقل - صلوات الله عليه - إلى الرفيق الأعلى حتى كان سكان جزيرة العرب كلهم قد آمنوا، إلا طائفة من اليهود والنصارى أبقاهم ﷺ على دينهم، ومنحهم ذمة الإسلام المتكفلة بحماية أنفسهم وأموالهم وشعائرهم. ولقد عمل أصحابه الكرام - رضوان الله عليهم - بهدايته، وساروا على سنته السنية، فمضوا في الدعوة بعده إلى دين الحق، ملتزمين ما التزمه ﷺ من العدل والرأفة والرحمة ومكارم الأخلاق، لا يفرقون في ذلك بين من اتبع دينهم أو خالفه، عملاً بقول الله في سورة المائدة:: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] , وبذلك فتحت لهم الممالك، واستجابت لدعوتهم الأمم، ووجد شعوب الأرض في هذه الدعوة كل ما كانوا ينشدونه في مطالب الحياة من حقوق ومواريث، وآداب ومواعظ وأخلاق وحكم، وإرشاد لأكمل الأحكام في الحرب والسلم، وكل ما يحتاج إليه الفرد والمجتمع الصالح في هذه الحياة. ومع أن أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا من جزيرة العرب ليحققوا الانقلاب العظيم، الذي أراد الله أن يكون به الحد الفاصل بين الحق والباطل، كانوا قلة بالنسبة إلى الممالك والإمبراطوريات التي واجهوها بدعوتهم، فإن الله جعل الغلبة لهم منذ تعلموا من هدايتهم القرآنية أن العبرة في الغلبة ليست للكثرة التي لم يلازمها الحزم والإخلاص للحق والصبر عليه، وذلك في قول الله من سورة المائدة: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠] , وقد شبه النبي ﷺ الكثرة إذا تجافت عن

стр. 4662

الحق والخير بأنها "غثاء كغثاء السيل"، وقال الله في سورة البقرة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. [البقرة: ٢٤٩]. فجعل فضيلة الصبر على إقامة الحق من أسباب الغلبة والنصر، ولو كان القائمون بالحق الصابرون عليه قليلاً عددهم عند مواجهتهم الكثرة من أنصار الباطل، وبهذا ربى الإسلام من أبنائه الأولين كتلة حازمة لا تهاب الموت في سبيل عزتها والدفاع عن حقها، فعاش المسلمون الأولون سادة قادة ذادة، يحميهم الحق ويحمونه، وتجملهم فضائل الخلاق ويجملونها، ويملؤون الدنيا عدلاً ورحمة، وتحوطهم الدنيا بالعزة والغبطة والإعجاب. ولما فشلت كثرة الباطل في قمع الحق الذي بعث به صاحب هذه الذكرى - صلوات الله عليه -، أراد المبطلون في زمن البطن الأول من أصحابه أن يفسدوا دعوة الحق؛ بالانتساب إليها، ودس العقائد الباطلة فيها، فأفشوا في بعض الضعفاء دعوة تأليه علي- ﵇، وبعض من ينتمي إلى آل البيت، فكان أول من غضب لهذه الدعوة، وبطش بالمبطلين من أصحابها، علي -كرم الله وجهه-، ومن ذلك اليوم انفتحت جبهة أخرى للدفاع عن الحق الذي بعث الله به رسوله؛ بقيام طائفة من أئمة الإسلام في كل زمان ومكان يفرقون بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والرشاد والغي، والصدق والكذب، وطريق أولياء الله السعداء وأعداءالله الأشقياء، وبهم حفظ الله دينه الذي وعد بحفظه إلى يوم الدين. إن ذكرى مولد صاحب هذا الانقلاب الإنساني العظيم، تذكرنا بكل ماكان لهذه الدعوة من أثرعظيم في عقول البشر وأخلاقهم ومداركهم، وبالنجاح المنقطع النظير بمن عملوا بها في أنفسهم، وتطوعوا لنشرها بين الناس، وهي

стр. 4663

تدعونا إلى أن نرجع من جديد إلى هداية الإسلام كما كانت في صفائها ونقائها؛ ليرجع لنا أثرها من العزة في أنفسنا ودولتنا، والسعادة في بيوتنا وأوطاننا، والكرامة بين شعوب الأرض. صلى الله وسلم على معلم الناس الخير، وعسى الله أن يهدي أمته للرجوع إلى هذا الخير، في هذا العهد الطاهر المبارك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4664

موقف الإسلام من الشيوعية (١) كتب مندوب "الأهرام" الخاص يقول: كانت جلسة هادئة طيبة، تلك التي جلستها مع فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر في حفلة خاصة، كان الشيخ الأكبر فيها ملتقى الأنظار، وموضع التقدير، وكان كل واحد يحب أن يستأثر به؛ ليقف على جلية حكم من أحكام الشريعة في موضوع معين، وقد رأيت أن انتهز هذه الفرصة الطيبة لأتبين موقف الإسلام من (الشيوعية)، وحكمه على (الرأسماليين)، ونظرته إلى الفقراء بين هذه وتلك، وقد حمدت لفضيلته أن آثر "الأهرام" بعنايته، فأجابني إلى طلبي، وتحدث إلي بقوله: من مظاهر الكمال في دين الإسلام وأحكامه: أنه لم يعارض الفطرة الإنسانية في طبيعة من طبائعها، وحتى ما كان فيه انحراف أو مظنة زلل من هذه الطبائع الإنسانية؛ فإن الإسلام اكتفى بتعديله، وتوجيهه وجهة خير، مع إقراره

стр. 4665

أصل الفطرة، ومحاولته تهذيبها وإصلاحها. ولما كان مبدأ (التملك الشخصي) من مقتضى الفطرة، فإن الإسلام اعترف به، وأقره، لكنه جنح فيه إلى الاعتدال؛ كدأب الإسلام في الأمور كلها، واشترط أن يكون هذا التملك الشخصي بالأساليب المشروعة التي أحلها الله. ثم رتب عليه تكاليف شرعية، هي نصيب الجماعة من أموال أصحاب الأموال، كما حث أهل الغنى على الأخذ بأيدي أهل الفاقة؛ حتى لا يكون في المجتمع الإسلامي إلا المحبة والتراحم، والتعاون على البر والتقوى. وكما أقر الإسلام مبدأ التملك الشخصي، وجنح فيه إلى الاعتدال، ونظمه تنظيماً يسعد به المجتمع، كذلك أقر مبدأ آخر من مبادئ الفطرة، وهو تفاوت الناس في مواهبهم ومداركهم ومقدرتهم على الكسب لأنفسهم وعلى النفع للمجتمع، فهذا التفاوت موجود في كل زمان ومكان؛ لأنه من فطرة البشر، ويترتب عليه التفاوت والتفاضل في المعايش، لكن الإسلام -مع إقراره هذا الأمر الفطري- شرع الأحكام لتعديل آثاره، والتقريب بين طبقات الناس، وأوجد لهم مراتب أخرى يكتسبونها من فضائلهم الأدبية والخلقية، وجعل لذلك قيمة رفيعة في المجتمع الإسلامي؛ بحيث يغبط أهل الدرجات العليا في المال إخوانهم من أهل الدرجات العليا في الأخلاق والفضائل، بحسب ما سنَّه الإسلام لأهله في المجتمع الإسلامي. ومن أعظم ما اتخذه الإسلام لحماية الفقراء من استغلال الرأسماليين وأصحاب الأموال: تحريمه للربا، وقطعه لدابر المراباة في المجتمع الإسلامي. وهذه الحماية، لا نظن أن أمة من أمم الأرض -حتى ولا المحكومة بالشيوعية- تمتعت بمثلها في نظام غير نظام الإسلام.

стр. 4666

وتزعم الشيوعية أنها نزعت عوامل الاستغلال ووسائل استعمال الثروة من أيدي الأفراد، فحرمت عليهم امتلاكها، ودفعت بها إلى الجماعة. والذي يتأمل في الواقع يرى أن ما زعموا أنهم فوضوا أمره إلى الجماعة في وسائل الإنتاج وتوزيع المنتجات والمصنوعات، إنما تولته في النظام الشيوعي هيئة قليلة العدد من الرجال المنظمين، فبعد أن كان هذا التملك خفيف الوطأة بما هو معرض له من المنافسة وتعدد المالكين، أصبح في النظام الشيوعي منحصراً في إدارة واحدة، يقوم عليه نفر قليل، يتمتعون الآن بمعايش وقصور لا تقل فخامة وسرفاً وغطرسة واستعداداً عما كان في قصور القياصرة، بينما الجماعة كلها مجندة في السلم والحرب لتقضي حياة مملة على وتيرة واحدة لا تزيد عن حياة العمال في البلاد الأخرى، غير أن العمال يملكون في البلاد الأخرى أمرهم، ويستقلون بإرادتهم وتصرفاتهم، فينتقل أحدهم من مصنع إلى مصنع إذا أراد. أما جمهور الأمة في النظام الشيوعي، فمسلوب الإرادة ولا يملك حق الانتقال من مصنع إلى مصنع؛ لأن المصانع كلها لا تتمتع بمزية التنافس ما دامت إدارتها في يد واحدة، تتصرف في جميع العمال كما تتصرف في المواد الخام. وبذلك تحول أغنياء البلاد المحكومة بالنظام الرأسمالي إلى رجل واحد في النظام الشيوعي، يتصرف بلا منافس في كل ما في البلاد من بشر وشجر وحجر، وكما تحول إقطاعيو البلاد الأخرى إلى أقطاعي واحد في النظام الشيوعي، فأضحى رعاياه محجوزين وراء ستار حديدي، لا يدخل عليهم أحد، ولا يتمكن من الانفصال عنه أحد. هذا في أمور العيش وحرية التملك، وأما في أمور الدين وحرية التدين،

стр. 4667

فإذا كان أهل الديانات الأخرى يبكون من اضطهاد الشيوعيين لهم في كنائسهم، والسيطرة على عباداتهم، فإن المسلمين يزيدون على ذلك: أن دينهم لا يقتصر على أنه دين عبادة ومسجد، بل إن نظامه المالي والاجتماعي هو من صميم الدين، وحرمان المسلم من حريته في نظامه المالي والاجتماعي يعد حرماناً له من عناصر مهمة هي أيضاً من كيان الدين، وهي خير لكل مسلم من أي نظام آخر، ولاسيما النظام الشيوعي الذي يضطهد كل الأنظمة المخالفة له، ونظام الإسلام في طليعة الأنظمة المخالفة له من كل وجه. وإن الإسلام في اعتداله وكونه من الأصل لم تشرع أحكامه لمصلحة أي طائفة من الطوائف دون غيرها، ولا أي طبقة من الطبقات دون غيرها، بل إن الله شرعها لجميع بني الإنسان؛ بتعديل طبائعهم، وتهذيب فطرتهم بعد إقرارها والاعتراف بها، وبذلك جمع التشريع الإسلامي في نظامه الاجتماعي والمالي جميع الحسنات والمزايا التي توجد في كل نظام آخر، وجرده من جميع العيوب التي توجد في أي نظام آخر. وكان من أعظم ما أسيء به إلى الإسلام: إطلاق يد الأقوياء في معايش الضعفاء، حتى تجاوزوا حدود الاعتدال الإسلامي في التملك والتسلط والأثرة، بل لم يكتفوا بتجاوز حدود الاعتدال، حتى خرجوا عن نظام الإسلام إلى ما حرمه من الاستغلال المحرم، والبغي المنظم من الأقوياء على الضعفاء، فانتهز دعاة الشيوعية والمذاهب الباطلة هذه الحالة الشاذة، التي كانت سائدة في بعض بلاد المسلمين، فاحتجوا بها عند قليلي العلم بمزايا دينهم من عوام المسلمين، أو المتعلمين تعليماً أجنبياً، ومن هنا أصيب بعض أبناء هذه الملة بهذه النزعات التي انزلقت بها أقدامهم عن طريق الإسلام، فامتلأت بهم

стр. 4668

السجون، وراح أهلهم وذووهم سادرين في أحزان مؤلمة بسبب هذا الضلال الاجتماعي والجهل بدين الإسلام. أما وقد منّ الله الآن بهذه النهضة التي أخذت في القضاء على أسباب البغي والأثرة والاستغلال، وانتزاعها من جذورها، فقد زال ما كان يحتج به دعاة الأنظمة الباطلة والمنافية للإسلام، وانفتح الطريق واسعاً أمام المستنيرين من شباب المسلمين؛ ليبثوا في الوعي القومي أن الإسلام باعتداله وعدالته ورحمته، وتعاونه ومواساته للجميع، هو أكمل أنظمة الدنيا في إسعاد الإنسانية؛ لأن النظام الإسلامي أقر المبادئ المقررة في فطرة الإنسان، ثم هذب ميولها، وعدل اعوجاجها، وأحسن توجيهها إلى الحق والخير. وإلى هنا شعرت أن الشيخ الأكبر قد وفى هذا الموضوع حقَّ توفيته، فشكرته على عنايته، واستأذنته على نشره، فأذن مشكوراً.

стр. 4669

نداء فضيلة الأستاذ الأكبر إلى العالم الإسلامي بما يجب عليه لإخوانه المسلمين في تونس والجزائر والمغرب الأقصى (١) أذاع فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر البيان التالي على المسلمين في مشارق الأرض ومغاريها في صباح يوم الخميس ٣٠ ربيع الأول: أيها المسلمون الآمنون في أوطانهم، المتمتعون من الله بنعمة العافية والاطمئنان! إن دماء إخوانكم في الأسلام تناديكم من الحدود الغربية لمملكة ليبيا إلى أقصى جبال الأطلس؛ لتكونوا عوناً لأهلها على درء الظلم عنهم، ووضع حد للبغي على حقوقهم الإنسانية والوطنية، وتمكينهم من أن يعيشوا في ديارهم أحراراً كراماً آمنين. إن إخوانكم هؤلاء هم ذرية الأبطال الذين كانوا مع طارق بن زياد في إيصال رسالة الإنسانية والحضارة والآداب والعلوم والعمران إلى غرب أوربا، وفيهم سلالة اللاجئين من الأندلس فراراً بدينهم وإنسانيتهم من مظالم دواوين التفتيش عند خروج المسلمين من ذلك الفردوس المفقود. وهذه أسلاك البرق وموجات الأثير تنقل إليكم بين كل ساعة وساعة صدى قذائف المدافع الرشاشة ومختلف الأسلحة وهي تغتال الأحرار بأساليب قطاع الطرق، وتحصد أرواح

стр. 4670

المدنيين العزل من السلاح كما يفعل الجبناء، وتأخذ لأصحابها -من المسلمين الآمنين في تونس والجزائر ومراكش- الثأر الذي عجزوا عنه في شرق فرنسا لما وطأت أرضهم سنابك خيول الألمان في بداية الحرب العالمية الثانية. يقول نبي الرحمة - صلوات الله وسلامه عليه - فيما روى الإمام أحمد في "مسنده" عن أبي هريرة: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله"؛ أي: لا يظلمه إذا كان في ولايته وتحت سلطانه، ولا يخذله إذا مسه الظلم من عدوله يبغي عليه. نحن -المسلمين العاملين بقواعد الإسلام-، وهو دين السلام - قد فتحنا أبوابنا، ووطأنا رحابنا للفرنسيين وغير الفرنسيين من أمم الأرض، فأقاموا بيننا مرافقهم ومدارسهم، وقصدوا أسواقنا بمصنوعاتهم ومنتجاتهم، ولقوا من حسن معاملتنا ورحابة صدورنا وسلامة قلوبنا ما لم يروه في أي بلد آخر. كل ذلك على أمل منا بأن يحسنوا معاملة كل من له علاقة بهم من إخواننا في الدين، وأن يقوموا لهم بحقوق الإنسان على أخيه الإنسان، وأن يحترموا حريتهم، ويحافظوا على كرامتهم. وإننا لا نزال على أخلاقنا وآداب ديننا مع جميع الأمم، ومن ينكر علينا، أو على طائفة من إخواننا في الدين ما يجب عليه أن يرعاه من حقوقهم الإنسانية والوطنية والملية، فإن أقل ما يجب على المسلمين حينئذ ألا يتعاونوا مع أهل البغي في تجارتهم وصناعتهم ومرافقهم، وأن يكون أول ما يفعلونه: مقاطعة مدارسهم ومعاهدهم، وكل وسائل التعاون معهم، وأساليب الاتصال بهم. والولاية في الإسلام هي: النصرة والتعاون، والاتصال من أوثق مظاهر الولاية، والله يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]،

стр. 4671

ولو أنهم قائمون لأبناء ديننا بحقوقهم، محافظون لهم على كرامتهم وحريتهم، فإن المسلمين من أصدق أمم الأرض عهداً مع غيرهم من الأمم. ومن كان منه لإخواننا المسلمين عكس ذلك من البغي والظلم؛ كما هو جار الآن من الفرنسيين في شمال إفريقيا، فإن أقل ما يتحقق به الواجب الشرعي على المسلمين في جميع بقاع الأرض مقاطعةُ أهل البغي في جميع وسائل التعاون، وأسباب الاتصال، إلى أن يعرفوا لإخواننا في الدين حقوقهم الإنسانية والوطنية والملية، ويقوموا بها حق القيام. بهذا تحكم الشريعة المطهرة، وبهذا تنادي دماء المسلمين المسفوكة في جناح الإسلام الغربي. ومن حق هذه الدماء وأهلها على المسلمين أن يبادروا، لها بإسعاف المنكويين، وتضميد جراح المجروحين، ومعاونة الأيامى والأيتام والمنكوبين. والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه.

стр. 4672

هل للمرأة أن تباشر الوظائف العامة ؟ (١) عادت مسألة المرأة إلى الظهور على مسرح الحياة الاجتماعية والسياسية، وعادت (المرأة) نفسها تنادي بأن لها حقوقاً معينة، ومن هذه الحقوق: أن تكون عضواً في البرلمان، ووكيلاً للنائب العام، وضابطاً من ضباط البوليس، ومحضراً يعلن الأحكام، ويباشر عمليات الحجز التحفظي، أو الحجز على مختلف أنواعه. وهي تقول في هذا المقام: إنه ليس بدعاً في تاريخ الأديان، ولا في فقه التشريع أن تباشر مثل هذه المهام الاجتماعية والسياسية، وخاصة في هذا العصر الذي استطاعت المرأة فيه أن تظفر من الحقوق العامة بحق المساواة والحرية. ويمكن أن يقال في مقام التدليل على صحة هذه الدعوى: إن الحكومة قد وافقت أخيراً على أن تنشئ المرأة حزباً سياسياً، وهذه الموافقة فيها اعتراف ضمني بأن الحكومة قد أقرت المرأة على وجهة نظرها. ولكن فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر يرى أن في هذا قلباً للأوضاع المنطقية،

стр. 4673

وأن المرأة قد جاوزت في هذه الدعوى القدر المحدود لها بحكم طبيعتها في الحياة العامة. وقد استهل فضيلته حديثه في هذا الموضوع الخطير بالسؤال عن الغاية التي تهدف إليها المرأة من وراء هذه الدعوى، وقال: هل تريد أن تهجر البيت؛ لتقضي وقتها بين الأندية والمجتمعات والمحافل السياسية في مناقشة القوانين، وفيما يجب أن يفرض من العقوبات، ويرسم من الحدود، وما إلى ذلك من مسائل التشريع والتقنين؟ إن كان هذا مقصدها، فهل لها أن ترشد أهل الصواب والمنطق والحق في أي عصر إسلامي كان هذا؟ وفي أي عهد من العهود التي ازدهرت فيها تعاليم الإسلام، وانتشرت أحكامه ومذاهبه تولت المرأة شؤون الولاية العامة؟!. ثم استطرد فضيلته فقال: إن الشريعة الاسلامية تحرم اختلاط المرأة بالرجال. والدعوى بمنح المرأة حقاً سياسياً إنما هي وسيلة من وسائل الاختلاط، تريد المرأة في هذا العصر أن تتذرع بها؛ لتكسو اختلاطها بالرجال ثوب المصلحة العامة، وهذا عمل لا تقره الشريعة الإسلامية، وليس جائزاً في أي مذهب من مذاهبها؛ لأن الشريعة قد فطنت إلى ما ينجم عن اختلاط المرأة بالرجل من مضار اجتماعية وخيمة، ومن شرور لو قلنا: إنها محتملة الوقوع، لكان ذلك الاحتمال كافياً لمنعها ودرئها. وإذا كانت المرأة تريد في سبيل تبرير دعوتها أن تلجأ إلى السباب، وإلى الغض من أقدار سلف العلماء، والطعن عليهم، والنيل من كرامتهم، وتحقير شأن من يريد أن يبصرها بالصواب والرأي السديد، فإنما تكون قد أقامت الدليل القاطع على أنها لا تصلح عضواً في

стр. 4674

معترك الحياة؛ لأن مثل هذا الطريق لا يلجأ إليه إلا من ضعفت حجته، واختلطت عليه موازين الأشياء ومقاييس الأمور. ولقد سبق أن أفتت لجنة الفتوى في الأزهر فتوى شرعية بينت فيها -بمختلف طرق التبيين، على مختلف الآراء الفقهية- ما للمرأة من حقوق، وما عليها من واجبات، وفصلت لها نوع الولاية، وعرفتها أن الولاية العامة هي السلطة الملزمة في شأن من شؤون الجماعة؛ كولاية سن القوانين، والفصل في الخصومات، وتنفيذ الأحكام، والهيمنة على القائمين بذلك، وقالت: إن الشريعة الإسلامية قد قصرتها على الرجال إذا توافرت فيهم شروط معينة، وزادت على ذلك في مقام التبيين: أنه لم يثبت أن شيئاً من هذه الولايات العامة قد أسند إلى المرأة، لا مستقلة، ولا مع غيرها من الرجال، وقد كان في نساء الصدر الأول مثقفات فضليات، وفيهن من تفضل كثيراً من الرجال؛ كأمهات المؤمنين، وساقت قصة سقيفة بني ساعدة، في اختيار الخليفة الأول بعد الرسول ﷺ ؛ إذ بويع أبو بكر البيعة العامة في المسجد، ولم تشترك امرأة مع الرجال في مداولة الرأي في السقيفة، ولم تُدع لذلك. وقد أفاضت لجنة الفتوى في بيان أحكام الشريعة الإسلامية فيما يتعلق بما يجب أن تمنع منه المرأة من الوظائف العامة، ودعمته بالبراهين القطعية، والأسانيد التاريخية، والأدلة اليقينية، وكان المأمول أن تقف المرأة عند حدودها التي رسمتها لها الشريعة الإسلامية، في بلد إسلامي، ودولة إسلامية، وأن تعمل من جانبها على أن تسترشد بما يراه أهل الرأي من الفقهاء في أمرها، فتلزم بيتها في رعاية زوجها وكنفه، ولكنها عادت مرة ثانية إلى المناداة بوجوب منحها حقوقاً سياسية معينة، ومع أن الشريعة الإسلامية قد أفسحت لها الطريق في

стр. 4675

كل ما يتعلق بمسائل الولاية الخاصة، وقد ساوتها بالرجل في هذا النوع من الولايات؛ إذ جعلت لها حق التصرف في أموالها بالبيع والهبة والرهن والإجارة، وغير ذلك من مختلف ضروب التصرفات، وأجازت لها الوصاية على الصغار، والولاية على المال، والنظارة على الأوقاف، إلا أنها لم تقنع بما رسمته لها الشريعة الإسلامية، وأرادت أن تدفع نفسها بنفسها، وأن ترسم الطريق حسب أهوائها وغاياتها؛ لتتولى وظائف الدولة التي تدخل في نطاق الولاية العامة؛ كسن القوانين، والفصل في الخصومات، وتنفيذ الأحكام ... إلخ. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد جعلت القوامة على النساء للرجال، وقد قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤]، وجعلت حق طلاق المرأة للرجل وحده، ومنعتها السفر دون محروم أو زوج أو رفقة مأمونة، وجعلت لها حق حضانة الصغار دون الرجل، وأوجبت على الرجل حضور الجمعة والجماعة والجهاد، ولم توجب عليها شيئاً من ذلك. أقول: إذا كانت الشريعة الإسلامية قد رسمت لها حدودها، وبينت لها مهمتها، فما بالها تريد أن تخرج على أحكامها؛ لتزج بنفسها في انتخابات تدافع فيها وتدفع، وتختلط في ميدانها بالجماعات والأفراد من الرجال، وهي بطبيعة أنوثتها غير مأمونة ولا معصومة؟! وما بالها تريد أن تريد أن تثير حولها الزوابع، وتخوض المعامع، في الوقت الذي كفتها فيه الشريعة مؤونة الكفاح، وجنبتها مواطن الزلل، ورسمت لها من الحدود ما يتكافأ وطبيعتها في ميدان العمل المنتج المفيد لها وللجماعة التي تعيش فيها. وأعتقد: أنه من المستحسن أن أسوق بعض ما رأته لجنة الفتوى في مقام التدليل الفقهي على منع المرأة من الاشتغال بوظائف الولايات العامة،

стр. 4676

فقد استندت إلى ما رواه البخاري في "صحيحه"، وأخرجه أحمد في "مسنده"، والنسائي في "سننه"، والترمذي في "جامعه". قال البخاري: حدثنا عثمان بن الهيثم، قال: حدثنا عوف عن الحسن البصري، عن أبي بكرة، قال: لقد نفعني الله بكلمتين أيام الجمل: لما بلغ النبيَّ ﷺ أن فارس ملَّكت ابنةَ كسرى، قال: "لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة"، وقد ذهبت اللجنة في استنتاج المراد من هذا الحديث، وفي استنباط دلالته العامة مذهب صدق، فقالت: إن الرسول ﷺ لا يقصد بهذا الحديث مجرد الإخبار عن عدم فلاح القوم الذي يولون المرأة أمرهم؛ لأن وظيفته ﵊ بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح، وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشر والخسار، وإنما يقصد: نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على فلاحهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملازم لتولية المرأة أمراً من أمورهم. ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في أي عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة، وهذا العموم تفيده صيغة الحديث وأسلوبه، كما يفيده المعنى الذي من أجله كان هذا المنع. وهذا هو ما فهمه أصحاب الرسول ﷺ ، وجميع أئمة السلف، لم يستثنوا من ذلك امرأة ولا قوماً، ولا شأناً من الشؤون العامة، فهم جميعاً يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى، والقضاء، وقيادة الجيوش، وما إليها من سائر الولايات العامة.

стр. 4677

هذا الحكم المستفاد من هذا الحديث -وهو منع المرأة من الولايات العامة- ليس حكماً تعبدياً يقصد مجرد امتثاله دون أن تعلم حكمته، وإنما هو من الأحكام المعللة بمعان واعتبارات لا يجهلها الواقفون على الفروق الطبيعية بين نوعي الإنسان: (الرجل والمرأة)، ذلك أن هذا الحكم لم ينط بشيء من وراء (الأنوثة) التي جاءت كلمة (امرأة) في الحديث عنواناً لها، وإذاً، فالأنوثة وحدها هي العلة فيه. وواضح أن الأنوثة ليس من مقتضاها الطبيعي عدم العلم والمعرفة، ولا عدم الذكاء والفطنة؛ حتى يكون شيء من ذلك هو العلة؛ لأن الواقع يدل على أن للمرأة علماً وقدرة على أن تعلم كالرجل، وعلى أن لها ذكاء وفطنة كالرجل، بل قد تفوق الرجل في العلم والذكاء والفهم، فلا بد أن يكون الموجب لهذا الحكم شيئاً وراء ذلك كله. إن المرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها، وهي مهمة الأمومة، وحضانة النشء وتربيته، وهذه قد جعلتها ذات تأثير خاص بدواعي العاطفة، وهي -مع هذا- تعرض لها عوارض طبيعية تتكرر عليها في الأشهر والأعوام من شأنها أن تضعف قدرتها المعنوية، وتوهن من عزيمتها في تكوين الرأي، والتمسك به، والقدرة على الكفاح، والمقاومة في سبيله، وهذا شأن لا تنكره المرأة من نفسها. ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أن شدة الانفعال، والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها. فقد دفعت هذه الغرائز المرأة في أسمى بيئة نسوية إلى تغليب العاطفة على مقتضى العقل والحكمة.

стр. 4678

وآيات من سورة الأحزاب تشير إلى ما كان من نساء النبي ﷺ ، وتطلعهن إلى زينة الدنيا ومتعتها، ومطالبتهن الرسول أن يغدق عليهن مما أفاء الله به عليه من الغنائم؛ حتى يعشن كما تعيش زوجات الملوك ورؤساء الأمم، لكن القرآن قد ردهن إلى مقتضى العدل والحكمة، من ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. وآية أخرى من سورة التحريم تحدث عن غيرة بعض نسائه ﵊، وما كان لها من الأثر في تغليبهن العاطفة على العقل؛ مما جعلهن يدبرن ما يتظاهرن به على الرسول ﷺ ، وقد ردّهن القرآن إلى الجادة: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤]. هذه هي المرأة في أسمى البيئات النسوية، لم تسلم من التأثر الشديد بدواعي العاطفة، ولم تنهض قوتها المعنوية على مغالبة نوازع الغيرة، مع كمال إيمانها، ونشأتها في بيت النبوة والوحي، فكيف بامرأة غيرها لم تؤمن إيمانها، ولم تنشأ نشأتها، وليس لها ما تطمع به أن تبلغ شأوها، أو تقارب منزلتها؟! فالحق أن المرأة بأنوثتها عرضة للانحراف عن مقتضى الحكمة والاعتدال في الحكم، وهذا ما عبر عنه الرسول ﷺ بنقصان العقل، ورتب عليه -كما جاء في القرآن الكريم-: أن شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل. ومجمل القول في هذا كله: أن المرأة لا يجوز لها أن تباشر عملاً من

стр. 4679

أعمال الولاية العامة مطلقاً، ولا يجوز لها كذلك أن تغشى الأندية والمحافل والمجتمعات العامة، مهما كان السبب الذي يدفعها إلى ذلك؛ لأننا أمة إسلامية، والإسلام يُلزمها هذه الحدود، ولا يجيز لها أن تتعداها.

стр. 4680

الرفق بالحيوان في الشريعة الإسلامية (١) كتب مندوب "الأهرام" الخاص يقول: هذه مسألة لم يألف الناس أن يتحدثوا فيها؛ إذ الحيوانات عندهم لا حقوق لها، وهي عجماوات لا تفصح، وخرساء لا تبين، ونحن نضربها ضرباً مبرحاً أليماً؛ حتى لنكاد نمزق أجسادها بالسياط، ونحمل عليها ما يرهقها، وما يثقل كاهلها. وغايتنا أن نحمل أثقالنا، ولا يعنينا ماذا تكون. ولقد أراد فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الأزهر أن يعطي هذه الناحية بعض عنايته؛ إذ الحيوانات خلق مثلنا، وعوالم تتعاون معنا في هذه الحياة. قال فضيلته: وهل جهل هؤلاء الذين يعنفون الحيوانات أنهم يخالفون قواعد دينهم، ويخرجون على تعاليمه السمحة؟ ثم استطرد فضيلته فقال: لقد أقام الإسلام هدايته على أساس الرحمة

стр. 4681

المحفوفة بالحكمة، والرحمة تبعث النفوس مبعث الرفق والإحسان، والحكمة تقف بالرحمة عند حدود لو تجاوزتها، انقلبت إلى ضعف ورعونة. وعلى هذا الطريق الوسط جاءت الأحكام والآداب الإسلامية الخاصة بالتصرف في الحيوان. فقد أذن الإسلام في قتل الحيوان المؤذي؛ كالكلب العقور، والفأر، لكنه أمر بالإحسان في قتله، فقد أمر النبي ﷺ : "إن الله كتب الإحسان في كل شيء، فإذا قتلتم، فأحسنوا القتلة". وأذن الإسلام في ذبح الحيوان؛ للاستمتاع بالطيب من لحومه، لكنه أمر بالإحسان في ذبحه، فقال ﷺ : "وإذا ذبحتم، فأحسنوا الذبحة، وليحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته". وقد ذكر أئمة المسلمين آداباً اقتبسوها مما جاءت به الشريعة في أصول الرفق بالحيوان، فقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "من الإحسان للذبيحة أن لا تجر الذبيحة إلى من يذبحها". وقال ربيعة أحد فقهاء المسلمين وأئمتهم في المدينة: من الإحسان: أن لا تذبح ذبيحة وأخرى تنظر إليها. ونص الفقهاء على: أنه يستحب للذابح أن لا يحد شفرته بحضرة الذبيحة، وأن لا يصرعها بعنف. وأباحت الشريعة صيد الحيوان، ولكنها منعت أن ينصب الحيوان غرضاً (أي: هدفاً) ليرمى بالنبال والرصاص، وفي "صحيح مسلم" قول النبي ﷺ : "لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً"؛ أي لتتعلموا به الصيد والرماية. وفي "صحيح مسلم" أيضاً: أن عبد الله بن عمر بن الخطاب مر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وجعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم،

стр. 4682

فلما رأوا ابن عمر، تفرقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله ﷺ لعن من اتخذ شيئاً فيه روح غرضاً. ومن الرفق بالحيوان: تجنب أذيته في بدنه بنحو الضرب الأليم. وورد النهي عن خصاء البهائم، كما جاء في "شرح معاني الآثار" للإمام الطحاوي من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يخصى الإبل والبقر والغنم والخيل. وحتى لو دعت الضرورة إلى ذلك في الحيوان الذي يخشى عضاضه، فإنه إذا وجد طريق لمنع أذاه من غير طريق الخصاء، فإنه لا خلاف في منع الخصاء حينئذ، لأنه تعذيب، وقد نهى الشارع عن تعذيب الحيوان. ومن الرفق بالدابة: أن لا يتابع السير عليها متابعة ترهقها تعباً، فقد روى مسلم، وأبو داود عن النبي ﷺ : أنه قال: "إذا سافرتم في الخصب، فأعطوا الإبل حظاً من الأرض". وورد في الصحيح: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر إلا قطعت"، فذهب بعض أهل العلم في فهم الحديث مذهب الرحمة بالحيوان، وقال: إنه أمر بقطع القلائد من أعناق الإبل مخافة اختناق الدابة بها عند شدة الركض؛ لأنها تضيق عليها نفسها ورعيها، وكراهة أن تتعلق بشجرة، فتخنقها، أو تعوقها عن المضي في سيرها. ومن المحظور: وقوف الراكب على الدابة وقوفاً يؤلمها؛ فقد ورد في "سنن أبي داود" عن النبي ﷺ أنه قال: "إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر؛ فإن الله إنما سخرها لكم؛ لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس"، وحرمت الشريعة الإسلامية الإساءة إلى الحيوان بتحميله من الأثقال ما لا يطيق، وكان الصحابة ﵃ يعرفون أن من حمل دابة ما لا تطيق، حوسب

стр. 4683

على ذلك يوم القيامة، حتى روى عن أبي الدرداء ﵁: أنه قال لبعير له عند الموت: يا أيها البعير! لا تخاصمني عند ربك، فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك. ولا يجوز الحمل على ما لم يخلق للحمل؛ كالبقرة، قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا خلاف في أن البقرة لا يجوز أن يحمل عليها، وذهب كثير من أهل العلم إلى المنع من ركوبها؛ نظراً إلى أنها لا تقوى على الركوب، إنما ينتفع بها فيما تطيقه من نحو إثارة الأرض، وسقي الحرث. ومن الرفق بالدابة: أن لا يركبها ثلاثة أشخاص يكون عبؤهم عليها ثقيلاً. أخرج ابن أبي شيبة عن الكندي أحدِ علماء التابعين في الكوفة: أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل الثالث؛ فإن رسول الله لعن الثالث. وأخرج الطبري عن علي ﵁: أنه قال: "إذا رأيتم ثلاثة على دابة، فارجموهم حتى ينزل أحدهم". ومجمل هذه الآثار على حال ما إذا كان ركوب الثلاثة يرهق الدابة، فإن كانت تطيق ذلك؛ كالناقة، أو البغلة يركبها رجل وصبيان -مثلاً-، فليس به بأس، ولاسيما ركوبها في مسافة قصيرة، وهذا ما كان من النبي ﷺ حين قدم مكة راكباً على بغلته، فاستقبله أغيلمة من بني عبد المطلب، فحمل واحداً بين يديه، والآخر خلفه. ومن الفنون التي يسلكها قساة القلوب في تعذيب الحيوان: تهييج بعض الحيوان على بعض؛ كما يفعل بين الكباش والديوك وغيرها، وهو من اللهو الذي حرمته الشريعة؛ لما فيه من إيلام الحيوان، وإتعابه في غير فائدة، وفي "سنن أبى داود"، والترمذي: "نهى رسول الله ﷺ عن التحريش بين البهائم"،

стр. 4684

والتحريش بينها: إغراء بعضها ببعض. وروى أبو داود عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حُمَّرَة -وهي طائر قد يسمى القُبَّرَة- معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تعرش -أي: ترتفع، وتطل بجناحيها-، فلما جاء رسول الله ﷺ ، قال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال: "من أحرق هذه؟ "، قلنا: نحن، قال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار". ونص علماؤنا على حرمة تمكين الصبي من التلهي بالطير على وجه فيه إيلام له. وروى الطبراني والبزار عن أنس: أن رسول الله ﷺ -رأى حماراً موسوماً على وجهه، فقال: "لعن الله من فعل هذا". وقال المقداد بن معدي كرب: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن لطم خدود الدواب. وفي "صحيح مسلم": أن امرأة كانت على ناقة، فضجرت، فلعنتها، فسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فأمر بإعراء الناقة مما عليها، وإرسالها؛ عقوبة لصاحبتها، وفي رواية أنه قال: "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة". ووردت الأحاديث عن النبي ﷺ في فضل سقي الحيوان وإطعامه، وعدهما من عمل الخير الذي تنال به الزلفى عند الله، فجاء في "صحيح البخاري": أن النبي ﷺ -قال: "ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فتأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة". وفي "صحيح البخاري" أيضاً: أن رسول الله ﷺ قال: "بينما رجل يمشي

стр. 4685

بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئراً، فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: قد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي، فنزل البئر، فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه، فسقى الكلب، فشكره الله، فغفر له"، فقالوا: يا رسول الله! وإن لنا من البهائم أجراً؟ فقال: "في كل ذات كبد رطبة أجر". وفي "صحيحي البخاري ومسلم"، أن رسول الله ﷺ قال: "عُذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض". وقرر الفقهاء وجوب القيام على سقي الدابة وإطعامها، وصرحت طائفة منهم بأن القضاء الإسلامي يجبره على ذلك إذا قصر فيه، فإن لم يقم للدابة بما يجب عليه من حسن تغذيتها وسقيها، باعها ولي الأمر، ولم يتركها تحت يده تقاسي. وفي "سنن أيي داود": أن النبي ﷺ مر ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: "اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة -أي: التي لا تقدر على النطق-، فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة". وبلغ من تأثر الصحابة والمسلمين الأولين بهذا الأدب في الرفق بالحيوان أن كان عدي بن حاتم يفت الخبز للنمل، ويقول: إنهن جارات، ولهن حق، روى ذلك النووي في "تهذيب الأسماء". وبلغ من أدب إمام الشافعية أبي إسحاق الشيرازي في الرفق بالحيوان: أنه كان يمشي في طريق يرافقه فيه بعض أصحابه، فعرض لهما كلب، فزجره رفيق الإمام أبي إسحاق، فنهاه الإمام وقال: أما علمت أن الطريق بيني وبينه مشترك؟!.

стр. 4686

وإذا كانت جمعية الرفق بالحيوان في إنجلترا قد تأسست سنة ١٨٢٤ م، فإن الإسلام أيقظ عاطفة الرحمة بالحيوان في قلوب جميع المسلمين، فأسس منهم -منذ بضعة عشر قرناً- أعظم وأقدم جماعة في الدنيا للرفق بالحيوان، فضلاً عن الرفق بالإنسان، ولا يشذ أحد منهم عن ذلك إلا بعد أن يكون قد شذ عن آداب دينه وأوامر شريعته.

стр. 4687

خير نظام للحكم (١) أثيرت في الأيام الأخيرة بحوث حول نظام الحكم: كيف يكون؟ وعلى اْي وضع يقوم؟ والحق أن هذا الموضوع من الدقة والخطورة بحيث يصح أن يستأثر بشيء كبير من عناية الباحثين. وقد كانت فرصة طيبة تلك التي أتيحت لي في مساء أمس؛ إذ التقيت بفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وتحدثت إلى فضيلته في هذا الموضوع الحيوي، وكان الأستاذ الأكبر صريحاً على عادته، فتحدث إلي يقول: تجتاز مصر في اْيامها التاريخية الحاضرة أعظم انقلاب اجتماعي مر بها منذ قرون؛ لأنه الانقلاب الوحيد الذي ينشد لمصر النظام؛ لتتمكن من الاستقرار عليه، والاستمرار فيه إلى الأبد. ومما يلاحظ في هذا الموقف: أن التطورات الماضية لم تكن نتيجة طبيعية للوعي القومي، ولذلك كان الوطن يفاجأ بها مفاجأة، وكان نظام الحكم الذي يترتب على تلك المفاجآت يفرض على البلاد فرضاً، إما من استعمار قاهر، أو من مستبد متغلب. ولذلك قلما كان يلاحظ فيه حاجة الأمة واقتناعها، والأساليب التي ترتاح إليها، وتعتبرها منتزعة من روحها وذوقها، ومن المبادئ

стр. 4688

التي آمنت بها، ونشأت عليها، وترجع بذكرياتها وتقاليدها إلى ما حفظه التاريخ من مفاخرها وأمجادها، لذلك كان نظام الحكم في مصر في العصور الأخيرة بعيداً عن أمنية الاستقرار، وكان مؤيداً بالقوة القائمة عليه، لا بالاقتناع به، والطمأنينة له، والإيمان بصلاحه. والآن قد عزمت مصر على أن تختار بمحض إرادتها، فمن سعادتها أن يكون نظامها المرتجى منتزعاً من مثلها العليا التي تؤمن بها، وترتاح إليها، بوازع من النفس، وإيمان من القلب، لا بوازع من سلطان القوة الصماء، ونصوص القانون التي كثيراً ما شكا أقطابه مواطن الضعف فيه. ولقد أخذ كل عالم بمزايا نظام من الأنظمة الأجنبية يعرض على الرأي العام مزايا ذلك النظام، محاولاً إقناع الأمة بالأخذ به. إن هذه الأنظمة -مع كثرة عيوبها، وما يحف بها من مواطن الضعف- لا يتعاملون بها مع كل من يتعامل معهم من الشعوب القوية والضعيفة، والمشاهد من حالهم: أنهم مع الشعوب القوية في عداء متواصل، ومع الشعوب الضعيفة في بغي مخجل، وما هكذا يكون أصحاب المبادئ الإنسانية السليمة، والنظم البريئة التي يراد منها سعادة المجتمع في عصر يفتخر بحضارته وعلومه. فالوصف النظري الذي نسمعه من فصحائنا وخطبائنا لبعض تلك النظم الأجنبية عنا، لا نرى آثاره في البلاد التي اخترعته، وعملت به، وقلبت جميع الأوجه في تعديله وترقيعه وتحويره لينتج لها السعادة، فكان أملها منه السعادة كأمل الظمآن بالسراب، فكيف بنا ونحن الأجانب عن تلك النظم المخترعة لغيرنا؟! ولو حاولنا استعارتها، لكانت لنا كما تكون الألبسة التي تستعار للممثلين.

стр. 4689

إن الدعاة لتلك الأنظمة قرروا في مؤلفاتهم، وأعلنوا في صحفهم: أنها كل لا يتجزأ، وهم يدعون هذه الأمة إلى أن تأخذ بهذا الكل الذي لا يتجزأ، شاءت أو أبت، والأمة لها نظام فطري نظيف ينظر إلى الحق من حيث هو حق، وإلى الخير من حيث هو خير، وتدين لله بقول خاتم رسله: "أيها الناس! إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف، تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، قطع محمد يدها"، وقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في رسالته المشهورة إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة: "آس الناس في مجلسك وفي وجهك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك". هذا النظام الفطري الذي يقيم الحدود على الكبير والصغير سواء، لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، وحث على استعمال الأصلح، واختيار الأمثل فالأمثل للولايات العامة والوظائف، وأوجب على ولي الأمر أن يقلد أعمال المسلمين لمن يجده صالحاً منهم؛ فقد قال النبي ﷺ : "من ولي من أمر المسلمين شيئاً، فولى رجلاً وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، خان الله ورسوله". وفي رواية أخرى لهذا الحديث: "من قلد رجلاً على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله، وخان رسوله، وخان المؤمنين". وقد جاء كذلك عن عمر بن الخطاب: أنه قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئاً، وولَّى رجلاً لمودة أو قرابة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"، ومعنى هذا: أن النظام الذي يكفل المساواة بين جميع الأفراد في الحقوق والواجبات، ويجعل من الواجب على كل من ولي شيئاً من أمر المسلمين أن

стр. 4690

يوجه في كل موضع، وفي كل عمل من الأعمال أصلحَ من يقوم به، ويؤديه الأداء الصحيح، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره؛ بسبب قرابة أو صدقة، أو موافقة في بلد أو مذهب أو طريقة، أو لرشوة يأخذها منه من مال أو منفعة، أو لضغينة في قلبه على الأحق، أو لعداوة بينهما، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين. وهو النظام الذي يشعر الحاكم والمحكوم بأنهما سواء، وهذا أبو عبيدة الجراح يضرب لنا أروع الأمثال في هذا الباب، فقد فتح بلد "حمص"، فجاؤوا له بطعام فاخر صنع له خصيصاً، فما كان منه إلا أن سأل: أهذا الطعام قد أطعم منه الجيش؟ فقالوا: كلا، وإنما هو لك. فقال: ردوه؛ فإني لا آكل طعاماً لم يأكل الجيش منه!!! وقد جاء في الآثار: أن بعض خلفاء بني العباس سأل بعض العلماء أن يحدثه عما أدرك، فقال: أدركت عمر بن عبد العزيز، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أفغرت أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيء لهم. وكان في مرض موته، فقال: يا بني! والله! ما منعتكم حقاً هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح، فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح، فلا أترك له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني. هذه هي الأمثال التي تضرب في معنى العدالة في ولاية أمور الناس، وكلها تجمع على أن الإسلام دين إنساني محض، وهو نظامنا الذي نؤمن به، خلافاً للأنظمة الأجنبية عنا، وإن العمل به ليحول هذه الأمة إلى كتلة فولاذية مؤمنة بنظامها كإيمانها بكعبتها وقرآنها، والأمر أعظم وأخطر من أن ترتجل فيه الخطط والنظم.

стр. 4691

ونحن لا ندعو الأمة وأهل الحل والعقد فيها إلا إلى التروي والتفكير، والدرس والمقارنة، مع العلم بأن مصر لا تعلم منذ عشرة آلاف سنة إلى الآن حكماً أعدل ولا أرأف ولا أسعد من الحكم الذي بسط جناح رحمته عليها في المئة السنّة الأولى من الفتح الإسلامي، ودليل عدله ورأفته وسعادته: أن مصر باختيار منها تحولت إليه بأرواحها وقلوبها وألسنتها، فكانت الدرة المتألقة في تاج الوطن العربي والإسلامي، ويرجو لها كل محب لها أن تبقى كذلك إن شاء الله إلى ما شاء الله.

стр. 4692

قضية فلسطين وإخلال ألمانيا الغربية بحيادها في اتفاقية التعويضات لإسرائيل (١) قال مندوب "الأهرام" الخاص: أتيح لي أن أقضي بعض الوقت مع فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، وهو رجل أحبه، وأوثره المودة والتقدير؛ لما جبل عليه من صفات الرجل المؤمن، وكان على غير عادته؛ إذ كان يبدو غضبان أسفاً. وقد أعرب حقاً عن ألمه البالغ حين تحدث إلي في مسألة إسرائيل، والتعويضات التي رأت ألمانيا الغربية أن تمدها بها. قال الشيخ الأكبر في عنف وغضب: لو أن المؤرخين أرادوا أن يؤرخوا أسوأ مثل لأقبح حادث أسيء به إلى الإنسانية ومبادئها في القرن العشرين، لما وجدوا أبلغ من تاريخ هذا الحادث المروع الذي تألبت فيه بعض دول الغرب، وعاونت على إخراج أهل فلسطين الشرعيين من بيوتهم وبساتينهم وحقولهم، ومتاجرهم ومصانعهم؛ ليحلوا

стр. 4693

إن هتلر طردهم من بلاده- عن الخسائر التي تكبدوها، مع أن هؤلاء اليهود الذين طردوا من ألمانيا كانوا رعايا ألمانيين. والقوانين الدولية لا تلزم أية حكومة بدفع تعويضات من غير طريق القضاء، في الدعاوى التي تقام من أشخاص كانوا من رعايا تلك الدولة، وفضلاً عن ذلك، فإن إسرائيل التي يراد دفع هذه التعويضات إليها ليست هي التي تستحقها، وكان الوضع السليم يقضي على ألمانيا -بدلاً من أن تدفع هذه التعويضات- أن تفتح أبوابها ليعود إليها كل يهودي يثبت أنه أخرج من ملك كان له في ألمانيا، وأن يعود إلى فلسطين كذلك كل عربي يثبت أنه أخرج من ملك كان له في فلسطين، أما العدول عن ذلك إلى أن تعطي ألمانيا الغربية مئات الملايين من الدولارات لإسرائيل، وهي في حالة حرب مع مصر والدول العربية والعالم الإسلامي، فإن ذلك يعد من ألمانيا الغربية إخلالاً بقواعد الحياد، ويصورها في صورة الضالع مع أحد الطرفين المشتبكين في حرب ضروس سجال، وتعده الدول العربية تهديداً لها، وإطالة لحياة حكومة إسرائيل عشرة أعوام أخرى أو أكثر، بينما هي تعيش الآن على الصدقة والاستجداء، وسيكون هذا العمل من ألمانيا الغربية سابقة تستعين بها إسرائيل على أخذ تعويضات أخرى من بلاد يزعمون أن بني جلدتهم اضطهدوا فيها أيضاً، ومنها: النمسا، وألمانيا الشرقية، وهنغارية، ورومانيا، وبولندا ... إلخ. ويجب أن تعلم ألمانيا الغربية: أن مساعدتها هذه لإسرائيل ستخل بالتوازن الحالي في الشرق الأدنى، وتمكن إسرائيل من القيام بعدوان جديد على البلاد العربية، بينما الذين يدعون أنهم الأوصياء على السلام العام واقفون يتفرجون على هذه المهزلة التي لم يسبق لها نظير في العالم.

стр. 4694

إن إسرائيل ليست وريثة لحقوق اليهود المزعوم أنهم تضرروا من حكومة هتلر، لذلك لا يجوز أن تعتبر طرفاً في تسوية مع ألمانيا الغربية، على حقوق يهود لم يكونوا يومئذ من رعايا إسرائيل، بل لم تكن حكومة إسرائيل هذه موجودة في الدنيا يوم وقع الاضطهاد المزعوم من ألمانيا على رعاياها اليهود. وحكومة إسرائيل هذه لا تعترف بحق التعويض في القانون الدولي، ولو كانت تعترف بهذا الحق الموهوم بالنسبة لليهود الألمان الذين كانوا قبل وجودها، لكان ينبغي لها أن تعترف بالحق الأبلج الماثل أمام أعينها وأعين رجال حضارة القرن العشرين للاجئين العرب الذين أخرجوا من ديارهم وبساتينهم وحقولهم، ومتاجرهم ومصانعهم، وقررت الأمم المتحدة التعويض لهم، فهزأت إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة، وألقت بها في سفط المهملات. إن يهود ألمانيا الموجودين الآن في فلسطين، وتزعم إسرائيل أنها تتقاضى التعويضات من ألمانيا الغربية باسمهم، قد هاجر معظمهم إلى فلسطين قبل اضطهاد هتلر لليهود، وقسم كبير منهم جاء إلى فلسطين بعد انقضاء حكم النازيين في ألمانيا، وقد جاؤوا إلى فلسطين في الحالتين عندما كانت فلسطين آهلة بأصحابها الشرعيين من العرب، فكان مجيئهم الاختياري إلى فلسطين اضطهاداً منهم للعرب، ويغياً عليهم، واغتصاباً لوطنهم، حتى بلغ عدد العرب الفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم الشرعي تحت ضغط الصهيونية العالمية أكثر من مليون نسمة نساء ورجالاً، أطفالاً وشيوخاً، فانتزعت منهم ديارهم في غير شفقة ولا رحمة، ولأول مرة في التاريخ يشرد سكان متوطنون في بقعة ما؛ ليحل محلهم أناس غيرهم يزعم أنهم شردوا من بقاع أخرى.

стр. 4695

إن النازي غير موجودين اليوم، فأعيدوا المشردين الألمان إلى وطنهم ألمانيا، وأعيدوا المشردين من عرب فلسطين إلى وطنهم فلسطين، وإلا، فإن دعوى الإنسانية والحق في بلاد الغرب المتمدنة تكون من أكبر الأكاذيب التي سيسجلها التاريخ لتخجل منها الأجيال الآتية ما دام للإنسانية ومبادئها أنصار صادقون في العالم.
следующие страницы →