ونحن لا ندعو الأمة وأهل الحل والعقد فيها إلا إلى التروي والتفكير، والدرس والمقارنة، مع العلم بأن مصر لا تعلم منذ عشرة آلاف سنة إلى الآن حكماً أعدل ولا أرأف ولا أسعد من الحكم الذي بسط جناح رحمته عليها في المئة السنّة الأولى من الفتح الإسلامي، ودليل عدله ورأفته وسعادته: أن مصر باختيار منها تحولت إليه بأرواحها وقلوبها وألسنتها، فكانت الدرة المتألقة في تاج الوطن العربي والإسلامي، ويرجو لها كل محب لها أن تبقى كذلك إن شاء الله إلى ما شاء الله.
стр. 4692
قضية فلسطين وإخلال ألمانيا الغربية بحيادها في اتفاقية التعويضات لإسرائيل (١)
قال مندوب "الأهرام" الخاص:
أتيح لي أن أقضي بعض الوقت مع فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، وهو رجل أحبه، وأوثره المودة والتقدير؛ لما جبل عليه من صفات الرجل المؤمن، وكان على غير عادته؛ إذ كان يبدو غضبان أسفاً. وقد أعرب حقاً عن ألمه البالغ حين تحدث إلي في مسألة إسرائيل، والتعويضات التي رأت ألمانيا الغربية أن تمدها بها.
قال الشيخ الأكبر في عنف وغضب:
لو أن المؤرخين أرادوا أن يؤرخوا أسوأ مثل لأقبح حادث أسيء به إلى الإنسانية ومبادئها في القرن العشرين، لما وجدوا أبلغ من تاريخ هذا الحادث المروع الذي تألبت فيه بعض دول الغرب، وعاونت على إخراج أهل فلسطين الشرعيين من بيوتهم وبساتينهم وحقولهم، ومتاجرهم ومصانعهم؛ ليحلوا
стр. 4693
إن هتلر طردهم من بلاده- عن الخسائر التي تكبدوها، مع أن هؤلاء اليهود الذين طردوا من ألمانيا كانوا رعايا ألمانيين.
والقوانين الدولية لا تلزم أية حكومة بدفع تعويضات من غير طريق القضاء، في الدعاوى التي تقام من أشخاص كانوا من رعايا تلك الدولة، وفضلاً عن ذلك، فإن إسرائيل التي يراد دفع هذه التعويضات إليها ليست هي التي تستحقها، وكان الوضع السليم يقضي على ألمانيا -بدلاً من أن تدفع هذه التعويضات- أن تفتح أبوابها ليعود إليها كل يهودي يثبت أنه أخرج من ملك كان له في ألمانيا، وأن يعود إلى فلسطين كذلك كل عربي يثبت أنه أخرج من ملك كان له في فلسطين، أما العدول عن ذلك إلى أن تعطي ألمانيا الغربية مئات الملايين من الدولارات لإسرائيل، وهي في حالة حرب مع مصر والدول العربية والعالم الإسلامي، فإن ذلك يعد من ألمانيا الغربية إخلالاً بقواعد الحياد، ويصورها في صورة الضالع مع أحد الطرفين المشتبكين في حرب ضروس سجال، وتعده الدول العربية تهديداً لها، وإطالة لحياة حكومة إسرائيل عشرة أعوام أخرى أو أكثر، بينما هي تعيش الآن على الصدقة والاستجداء، وسيكون هذا العمل من ألمانيا الغربية سابقة تستعين بها إسرائيل على أخذ تعويضات أخرى من بلاد يزعمون أن بني جلدتهم اضطهدوا فيها أيضاً، ومنها: النمسا، وألمانيا الشرقية، وهنغارية، ورومانيا، وبولندا ... إلخ.
ويجب أن تعلم ألمانيا الغربية: أن مساعدتها هذه لإسرائيل ستخل بالتوازن الحالي في الشرق الأدنى، وتمكن إسرائيل من القيام بعدوان جديد على البلاد العربية، بينما الذين يدعون أنهم الأوصياء على السلام العام واقفون يتفرجون على هذه المهزلة التي لم يسبق لها نظير في العالم.
стр. 4694
إن إسرائيل ليست وريثة لحقوق اليهود المزعوم أنهم تضرروا من حكومة هتلر، لذلك لا يجوز أن تعتبر طرفاً في تسوية مع ألمانيا الغربية، على حقوق يهود لم يكونوا يومئذ من رعايا إسرائيل، بل لم تكن حكومة إسرائيل هذه موجودة في الدنيا يوم وقع الاضطهاد المزعوم من ألمانيا على رعاياها اليهود.
وحكومة إسرائيل هذه لا تعترف بحق التعويض في القانون الدولي، ولو كانت تعترف بهذا الحق الموهوم بالنسبة لليهود الألمان الذين كانوا قبل وجودها، لكان ينبغي لها أن تعترف بالحق الأبلج الماثل أمام أعينها وأعين رجال حضارة القرن العشرين للاجئين العرب الذين أخرجوا من ديارهم وبساتينهم وحقولهم، ومتاجرهم ومصانعهم، وقررت الأمم المتحدة التعويض لهم، فهزأت إسرائيل بقرارات الأمم المتحدة، وألقت بها في سفط المهملات.
إن يهود ألمانيا الموجودين الآن في فلسطين، وتزعم إسرائيل أنها تتقاضى التعويضات من ألمانيا الغربية باسمهم، قد هاجر معظمهم إلى فلسطين قبل اضطهاد هتلر لليهود، وقسم كبير منهم جاء إلى فلسطين بعد انقضاء حكم النازيين في ألمانيا، وقد جاؤوا إلى فلسطين في الحالتين عندما كانت فلسطين آهلة بأصحابها الشرعيين من العرب، فكان مجيئهم الاختياري إلى فلسطين اضطهاداً منهم للعرب، ويغياً عليهم، واغتصاباً لوطنهم، حتى بلغ عدد العرب الفلسطينيين الذين شردوا من وطنهم الشرعي تحت ضغط الصهيونية العالمية أكثر من مليون نسمة نساء ورجالاً، أطفالاً وشيوخاً، فانتزعت منهم ديارهم في غير شفقة ولا رحمة، ولأول مرة في التاريخ يشرد سكان متوطنون في بقعة ما؛ ليحل محلهم أناس غيرهم يزعم أنهم شردوا من بقاع أخرى.
стр. 4695
إن النازي غير موجودين اليوم، فأعيدوا المشردين الألمان إلى وطنهم ألمانيا، وأعيدوا المشردين من عرب فلسطين إلى وطنهم فلسطين، وإلا، فإن دعوى الإنسانية والحق في بلاد الغرب المتمدنة تكون من أكبر الأكاذيب التي سيسجلها التاريخ لتخجل منها الأجيال الآتية ما دام للإنسانية ومبادئها أنصار صادقون في العالم.
стр. 4696
الدعوة إلى عقد المؤتمر الإسلامي في القاهرة (١)
كتب مندوب "الأهرام" يقول:
يعد اجتماع المؤتمر الإسلامي في مدينة القاهرة حدثاً تاريخياً له دلالته وأهميته، ولعل أولى نتائجه: أن الأمم الإسلامية سوف يتاح لها أن تجتمع في صعيد واحد؛ لتتدارس ما يعتورها، أو ما كان يعتورها من مختلف العوامل لتقول كلها كلمة واحدة، ولتضع نظاماً واحداً من شأنه توحيد الجهود لمقاومة العدو المشترك، سواء أكان هذا العدو مرضاً وفقراً وجهلاً، أم كان مستعمراً بجثو فوق رؤوسنا وصدورنا بعدده وعدته وخيله ورجله.
وقد رجعت إلى فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر؛ لأقف منه على ما قد يعرض على هذا المؤتمر في اجتماعه المقبل من أمهات المشكلات المشتركة بين الأمم الإسلامية، والحق أن فضيلته قد تردد كثيراً في إجابتي إلى ما طلبت، وذكر لي: أن من الخير أن لا نتحدث عن مثل هذه المشكلات قبل أن يتخذ المؤتمرون فيها قراراً عملياً قد يكون له أثره المرتقب، ولكني
стр. 4697
شرحت له أن هذا الاعتبار -وإن كان اعتباراً له قدره- إلا أنه لا يصح أن يقف حائلاً دون الإعداد والتمهيد، فقال فضيلته:
* زعماء المسلمين:
لقد تقرر أن يجتمع كبراء المسلمين، وزعماؤهم في مؤتمر عام يعقد في القاهرة، كما عقد في مدينة "كراتشي" في العام الماضي؛ للتفاهم، أو للتفكير والبحث في "التعاون" على البر والتقوى.
واستطرد فضيلته، فقال متسائلاً: فهل لنا أن نمهد لذلك بالتفكير في أنفسنا، ثم في بحوثنا عن سبل الانتفاع الصادق بهذه الرابطة التي عقدها الله بين قلوب خمس مئة مليون مسلم على الحق والخير، وأباح لهم جميعاً سبل التعاون على الانتفاع بكل ما في أوطانهم من نعمة مدخرة.
إن التفكير في ذلك من مصلحتنا، ومن أسباب سعادتنا، ولاسيما إذا استلهمناه من روحنا الأصيلة، ومن مبادئ ميثاقنا الأقوم، معتبرين الأخوة التي عقدها الإسلام بيننا خطوة إلى الإنسانية التي تنشدها الأمم اليوم وتتمناها، ولكن العصبيات القومية، والاختلافات الوطنية، والتنافس على توافه المتع وسفاسف الرغائب تحول بينهم وبين ذلك.
ولو وفقنا نحن إلى شيء من ذلك، لضربنا المثل به لأمم الأرض، فتستكشف بضوئه مسالكها إلى السعادة والتعاون في أسمى معانيه.
* المسلمون أسرة واحدة:
كانت الإنسانية في بدء تكوينها أسرة واحدة، تتعاون كما تتعاون الأسرة الواحدة، وتتراحم كما تتراحم، ثم تكاثرت واتسعت، فطرأت عليها العصبيات والاختلافات والتنافس على توافه المتع وسفاسف الرغائب.
стр. 4698
وما زالت هذه العصبيات والاختلافات تنمو وتستفحل حتى نشأت عنها العداوات والإحن بين الأسر، فالمجازر والمذابح بين القبائل، حتى إذا تمكنت الأثرة والأنانية من النفوس، وانتقلت من القبائل إلى الشعوب، جاء الإسلام وهذا المرض الإنساني في مقياس واسع بين الروم والفرس، فكان من أعظم رسالات الله إلى الإنسانية على لسان خاتم النبيين: دعوة الأمم للرجوع بالإنسانية إلى وحدتها الأولى متآلفة بميثاق جديد، وهو ميثاق الحق حيثما كان، والخير كيفما يكون.
* رسالة الإسلام:
جاء الإسلام بهاتين الكلمتين: (الحق)، و (الخير) باسطاً يده إلى أمم الأرض، لا فرق بين أصفر وأحمر، وأبيض وأسود، فكل من دخل منهم في ميثاق الحق والخير، كان أخاً للداخلين فيه، لا فضل في ذلك لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بقدر مبادرته في الاستجابة لهذا الميثاق الإنساني، وتجنبه كل ما يخالفه أو يخل به.
* الإخاء في الإسلام:
وفي ظل هذا الميثاق الإنساني الأعظم كان الإسلام قد عقد الإخاء بين الأوس والخزرج، فكانوا جميعاً أنصار هذا الحق، ودعوة هذا الخير، ثم عقد الإخاء بين الأنصار والمهاجرين بما لم يسبق له نظير في تاريخ الإنسانية لما تتمناه الإنسانية من التواسي والتراحم والتعاون في أسمى معانيها، وإن هذا المثل الإسلامي الأعلى لا يزال مضروباً للناس جميعاً -وفي مقدمتهم المسلمون-؛ ليعودوا إليه، فيعظموا به، وليأخذوا بمبادئه، فيقوموا ويسعدوا.
روى الحسن بن أبى الحسن البصري: أن خطيب قريش سهيلَ بن عمرو،
стр. 4699
أحدَ بني عامر بن لؤي، وأبا سفيان بن حرب بن أمية، والحارث بن هشام ابن المغيرة المخزومي، وغيرهم من أشراف قريش كانوا بباب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وكان في بابه أيضاً بعض الموالي؛ كصهيب، وبلال، وغيرهما ممن شهد بدراً، فخرج إذنُ عمر للموالي، وأخر عنهم أولئك الأشراف، فامتعض بعض هؤلاء، وقال أبو سفيان: لم أر كاليوم قط، يأذن لهؤلاء العبيد، وتركنا على بابه لا يلتفت إلينا؟!. فقال سهيل بن عمرو -وكان من ذوي أحلامهم-: أيها القوم! إني أرى -والله- الذي في وجوهكم، إن كنتم غضاباً، فعلى أنفسكم فاغضبوا، دعي القوم ودعيتم، فأسرعوا وأبطأتم، فكيف بكم إذا دعوا يوم القيامة وتركتم؟!.
هذه هي أخوة الإسلام التي رفعت الضعفاء جزاء مبادرتهم في الاستجابة لدعوة الحق والخير، وساوت بلالاً وصهيباً وأمثالهما بأشراف قريش وساداتها، بل قدمتهم عليهم.
الحق والخير من مبادئ الإنسانية الأولى من الأزل، وسيبقيان جديدين إلى الأبد، وميثاق الحق الخير مدعوٌّ إلى الأخذ به كل إنسان يعرف قدر الإنسانية، والذي يستجيب لدعوته التي نادى بها الإسلام، يضمن بذلك السعادة لنفسه وذويه، والإسلام لا يطلب منه جزاء على ذلك، وأول من ينبغي لهم أن يستجيبوا لدعوة الحق والخير، وإحياء ميثاقهما: هم المسلمون، وسيجدون أنفسهم وبلادهم وأممهم بعد ذلك قد استحالت خلقاً آخر غير الذي كانت فيه.
وتعال نتساءل: ما بالنا -نحن المسلمين- لا نفكر في ذلك؟! وما بالنا لا نحسن إلى أنفسنا بالرجوع إلى مبادئ الإسلام الطيبة، وأساليبه الحكيمة
стр. 4700
الطاهرة في الأخوة والتعاون؟! ألسنا نعلن في كل يوم: أن الناس بخير ما تعاونوا؟!.
لماذا نستحسن التعاون على قروش في مواد البقالة، ولا نجرب التعاون على السعادة بحذافيرها في مواد الحياة ومبادئها؟!.
لقد دعانا الإسلام لنكون إخوة متعاونين، لا على الأمور الصغيرة؛ كفتح دكاكين البقالة وحسب؛ فإن هذا التعاون مطلوب بعد الإيمان بمبدأ التعاون الاسمي فيما هو أسمى من ذلك، وأوسع نطاقاً، وأعظم آفاقاً.
نحن الآن أمة لا يقل عددها عن خمس مئة مليون أو تزيد، فما أقوانا وما أسعدنا لو تعاونا على كل ما نشترك في الانتفاع به من معادن نفوسنا، ومرافقنا ومدخراتنا، وما أكثرها وأعظمها وأثمنها! بل لماذا لا نتعاون في آلامنا وأوصابنا، وأوجاعنا، وما أشدها! وفي آمالنا لحاضرنا ومستقبلنا، وما أوسع آفاقها!.
لقد أنعم الله علينا بدولتين جديدتين مستقلتين: الباكستان، وأندونسيا، وفيهما أكثر من ربع عدد المسلمين في العالم، وأنعم علينا بتطهير أرض الكنانة من أسوأ نظام وأبشعه، وأنعم علينا باليقظة في كل مكان، والاستعداد للأخذ بما هو أحسن؛ حتى نصل إلى الاستقرار والطمأنينة، والرضا بالحق، والإقبال على الخير، وفي ميثاقنا الإنساني الأول الذي أنعم الله به علينا في أكرم رسالاته ما يحقق ذلك كله لنا على أتم الوجوه وأجملها، فلماذا لا نمد يدنا إلى هذا الماء النمير العذب الصافي فنغترف منه؟ وفي أوطاننا الإسلامية من أقصى أندونسيا إلى آخر دنيا المسلمين كل أنواع المعادن والمحصولات والمنتجات والمواد الأولية، فلماذا لا نتعاون مع إخواننا من أهلها على تبادل هذه المنافع، وإكمال
стр. 4701
ما ينقصنا من أوطان إخواننا الذين يكثر ذلك عندهم؟ لماذا لا نعتبر الوطن الإسلامي وطناً واحداً في تبادل منافعه بالحق والخير، مع الاعتراف لأهل كل بقعة بأن الأقربين لها أولى بالمعروف، وأن عليهم أعباءها في مقابل ذلك، ثم علينا معاونتهم ولنا عليهم أن يكونوا في عوننا؟ ولماذا لا نفتح لهم قلوبنا ليفتحوا لنا قلوبهم، وبذلك نحصل على مفاتيح الخير كلها في السماوات والأرض؟
* ميثاق الإنسانية:
إن عقبة واحدة واقفة في طريق تحقيق ذلك، وهي أننا تناسينا ميثاق الإنسانية الذي عقدته رسالة الإسلام بين الأصفر والأحمر، والأسود والأبيض، وقد علّمنا الاستعمار في داخل فصول مدارسنا التي ننفق عليها من أموالنا بأن المسلمين أجانب عن المسلمين، وأن الإسلام نفسه شبح مخيف يجب أن نتنكر حتى للأخلاق التي يدعو إليها، وللمثل العليا في التاريخ التي ضربها أبطال التاريخ الإسلامي للعالم بما بنوا من أمجاد، وبما أقاموا من حق، وبما نشروا من دعوة الخير، فنشأ أبناؤنا ومعاصرونا غرباء عن هذا الجو، متخوفين من فتح نوافذهم إلى ناحيته، ولهذا بقي المسلمون متقاطعين فيما بينهم، ومقاطعين لميثاقهم الإنساني الأعظم، ومتجافين عن أخلاق دينهم التي بعث الله نبيهم ليتمم مكارمها، ويجمل الإنسانية بها.
وإذا كانت مدارسنا لا تحب أن تعلم هذه الأشياء لأبنائنا، فلماذا لا يقوم سليمو النية من أفاضلنا وأذكيائنا ومثقفينا بدراسة روح الإسلام من ناحيتها التعاونية والتعاملية، ويحاولون استنباط معادن الخير منها؛ لننتفع بها في أزماننا الحاضرة؟.
стр. 4702
جيل يؤمن بالأخلاق (١)
قال مندوب جريدة "الأهرام" الخاص:
حضر أمس الأول فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين ثميخ الجامع الأزهر اجتماعاً عاماً انتظم عديداً من ذوي المناصب العامة المختلفة؛ من ضباط الجيش، ورجال القانون والهندسة والطبابة، كان خطباء الاجتماع يتسابقون في تعداد الصفات التي يجب أن نتسلح بها لنواجه المستقبل الحافل بجسام الأمور. فتوجه فضيلته بالحديث إلي قائلاً:
إن الأمم الناهضة تحتاج نفوسها إلى الغذاء الجيد؛ من الأخلاق والسجايا؛ لتقوى به على مواصلة النهوض إلى المعالي، كما تحتاج أجسامها إلى الغذاء الجيد من الطعام؛ لتقوى به على مواصلة الكفاح في سبيل المعايش، والشجاعة غذاء من أغذية الأمة في طور التحرير، لا يتهاون به إلا صغار النفوس، والذين يستعذبون موارد العبودية، وإن لم تفرض عليهم، وأصل الشجاعة: أن تعرف الحق: حق الله، وحق الأمة، وحقوق المواطنين، وحقك الشخصي،
стр. 4703
فتوطن نفسك على أن تكون صادق العزم في إعطاء كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف.
وقد أوصى المسلمين بأن يكونوا أهل الشجاعة في مواقف الدفاع عن الحق، ما داموا يرجون لهذا الحق العزة والاستعلاء، فقال في سورة النساء: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]، فأرشدهم الله إلى أنهم بما يرجون من إقامة الحق، ومعونة الله عليه، ينبغي لهم أن يكونوا أبعد من أعداء الحق عن الوهن والضعف؛ لأن المؤمن الذي يرجو الحق، ويعيش له، ويعد نفسه لإعلانه ونصرته، يجب أن يكون من أبعد الناس عن الوهن في سبيله.
ومن هنا يتبين لنا: أن الشجاعة العسكرية وليدة الشجاعة الأدبية؛ لأن كلا نوعي الشجاعة منبعث عن الولاء للحق، وتوطين النفس على إقامته ونصرته. وإن الرجل الشهم الذي يوطن نفسه على الدفاع عن الحق، ويؤدي الشهادة الصادقة على نحو ما علم، دون أن يهاب ذا جاه أو سطوة، لا يقل عن البطل الصنديد في موقفه بساحة العرب أمام نيران العدو مدافعاً عن حق أمته وملته ووطنه.
واستطرد فضيلته قائلاً:
إن المسلم الذي يعلم أنه لم يكن مسلماً إلا بشهادة الحق: (لا إله إلا الله) يوطن نفسه على ألا يشهد إلا بالحق، ولو على نفسه وعلى والديه، في كل المواقف، متمثلاً دائماً في ذهنه أمر الله للمسلمين: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
стр. 4704
ولما ربى الإسلام أبناءه على إقامة الحق ونصرته ومحبته، والشهادة به والإعانة عليه، ربى فيهم بهذه السجية، خلق الشجاعة في النفوس، فأخرج منهم أمة لا تهاب الخطوب، وترى الموت في سبيل إعلاء كلمة الحق خيراً من ألف حياة يقضيها صاحبها في مشاهدة الباطل يمشي في الأرض مرحاً.
انظروا إلى قول الخليفة الأول أبي بكر الصديق في وصيته لقائده العظيم خالد بن الوليد: "احرص على الموت توهب لك الحياة"، فباقتحام موارد الموت في سبيل إقامة الحق تبرهن الأمة على أنها جديرة بالحق، وبهذا نكون من أهل الحياة، وأن الشهداء من رجالها أحياء عند ربهم، وأحياء في قلوب عباده، والذين لم ينالوا منهم نعمة الشهادة يتمتعون بالحق، وبما يفيضه عليهم الحق من نعمة الحياة. وإلى هذا المعنى يشير الفارس الشاعر حصين ابن الحمام، أحدُ بني سهم بن مرة:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة مثل أن أتقدما
جلس القائد المجاهد الشهير مسلمة بن عبد الملك، مع أخيه الخليفة الأموي هشام، ذات ليلة، فقال له أخوه الخليفة:
"يا أبا سعيد! هل دخلك ذعر قط لحرب أو عدو؟ "، فأجاب مسلمة: "ما سلمت في ذلك من ذعر ينبه إلى حيلة، ولم يغشني فيها ذعر سلبني رأيي"، فقال له هشام: "هذه هي البسالة".
ولما كان الحكم والسلطان في إسبانيا للخليفة الأموي عبد الرحمن الناصر، رفع أحد التجار قضية على الخليفة إلى القاضي الأكبر في عاصمة الأندلس "قرطبة"، وهو العالم الفقيه الورع ابن بشير، فحكم ابن بشير للتاجر على الخليفة، ولم يكتف بإصدار الحكم، بل كان حريصاً على سرعة تنفيذه،
стр. 4705
فذهب إلى الخليفة يخبره بنص الحكم الذي صدر عليه، وينذره بالاستقالة من القضاء إن لم يبادر الخليفة بالتنفيذ.
وحتى في أحط أدوار الدولة العبيدية بمصر، دخل الإمام أبو بكر محمد ابن الوليد الطرطوشي على الملك الأفضل، ابن أمير الجيوش بدر الجمالي -وكان الأفضل وزير مصر للمستنصر، والمستعلي، والآمر-، فتكلم الطرطوشي موجهاً الموعظة والنصيحة للملك الأفضل. ولاحظ في أثناء موعظته: أن إلى جانب الملك رجلاً لا يؤتمن على الدولة، ولا تهمه مصلحة الملة، فختم الطرطوشي موعظته بالحديث عن ذلك الرجل غير المؤتمن، وأشار إليه بيده، فلم يكن من الملك الأفضل-لما استشعر من صدق الإمام الطرطوشي وغيرته على الحق وشجاعته في إعلانه - إلا أن أمر ذلك الرجل الجالس إلى جانبه بأن يتنحى عن ذلك المقام.
إن الأمة الضعيفة المسكينة لا تستحق الحياة، وهي لا تقوى وترتقي وتعتز إلا إذا شاع في أفرادها -ولاسيما شبابها، خصوصاً المثقفين منهم - خلقُ الصدق، ومحبة الحق، وتوطين النفس على نصرته، والصراحة فيه، والدفاع عنه. ومن هذا الخلق يولد الجيش الباسل الذي لا يغلب، بل من ذلك الخلق يولد الجيل الفاضل الذي لا يطمع في حق غيره، ولا يطمع غيره في حقه. والحق شطر الإسلام، بل هو عظامه التي تقوم بها بنيته، أما الشطر الآخر، فهو الخير، وهو في مقام اللحم والشحم من بنية الإسلام.
ولم يرد في الإسلام أمر ولا نهي إلا وهو يرجع إلى شعبة من شعب الحق، أو إلى شعبة من شعب الخير. والمسلمون لن يعودوا كإخوانهم الذين حملوا لواء الحق، ونشروا قانونه في الأرض إلا إذا تضلعوا من معين الحق،
стр. 4706
وارتووا من موارد الخير، فأصبحوا يعرفون بين الأمم بأنهم أمة الحق والخير، وحينئذ يكون منهم الجيش الغالب الظافر الذي يقتحم كل عقبة تحول بينه وبين الحق، ويجتاز كل مخاضة تمنعه من الوصول إلى أهداف الخير.
وكما ينبغي أن يجهز الجيش بالدبابات، والمدافع الضخمة، والطائرات النفاثة، والقنابل الذرية، فإن كل هذه المعدات لا تنفعه إن لم يستمد جنوده وضباطه من أمة تربَّت على الصدق، وآمنت بالحق، ووطنت نفسها على محبة الخير. بل إن تجهيز الأمة بسجية الصدق، وتربيتها على الإيمان بالحق، وعلى الإيمان بالخير، هو الذي ييسر لها الأسلحة من كل نوع، والأنصار من كل أمة، وهو الذي يملأ بالهيبة والحرمة لها قلوب الأمم جميعاً.
وهكذا الأخلاق لا تزال معيار الأمم، وهي مفتاح الأماني المغلقة، وهي السبيل إلى استرداد الحقوق، وتيسير السبل إليها.
إن إعداد شباب الجيل بسجية الصدق، وتربيتهم على الإيمان بالحق، وعلى محبة الخير، عنصر من عناصر الإسلام.
ولقد صرنا الآن إلى عهد قام بالأخلاق، وهو في حاجة إلى الاستعانة بجيل يؤمن بالأخلاق. والمصانع المصرية لتربية الأخلاق هي معاهد العلم التي يتوقف عليها نجاح هذا العهد، ويكون لأمتنا منها الجيش الظافر الذي هي بحاجة إليه في مصيرها القريب، وكل يوم تضيعه معاهدنا العلمية، وتحجم فيه عن البدء في مناهجها الصالحة، يكون خسارة على الأمة، وعلى حقوقها. إن الأمر جد، والوقت أثمن من أن يضيع بغير عمل.
стр. 4707
لماذا صار المسلمون هدفاً للمستعصرين ؟ (١)
تفضل فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر فأدلى بالبيان التالي إلى جريدة "الأهرام"، ونحن ننقله عنها. قال:
إن مصر وجميع أقطار العالم الإسلامي تجتاز الآن دوراً من أعظم أدوار التاريخ، وكلما أدرك أهلها واجبهم، ووطنوا أنفسهم على القيام به، وبذل التضحيات الثمينة في سبيله، عجل الله لهم بثمراته الطيبة، وكافأهم بأضعاف ما كانوا يأملون.
والإسلام قد تكفل لأهله بالتوجيه السليم إلى كل ما يقيم لهم الكيان القوي، والمجتمع الصالح، والدولة العادلة المهيبة. ولو أنهم لم ينحرفوا في العصور الأخيرة عن التوجه الإسلامي في أنفسهم وجماعاتهم وحكوماتهم، لما وجد الاستعمار سبيلاً إليهم، فقد أراد الإسلام لأهله أن يكونوا أقوياء بالإيمان الصحيح، والأخلاق الكريمة، والعمل الصالح، وأقوياء بالاستعداد
стр. 4708
الحربي، والتأهب دائماً للدفاع عن كيان الأمة وحقوقها. وقد كانوا بالفعل هم أهل العزة في الأرض، والهيبة في عيون الأمم، عندما كانوا منقادين لهذا التوجه الإسلامي، وعاملين به، فلما تهاونوا به في المئات الأخيرة من السنين، وقصروا في الاستعداد من كل نواحيه؛ لتقصيرهم في معرفة الحقوق التي أتاحها الإسلام لهم، والواجبات التي أوجبها عليهم، طمعت دول الاستعمار حينئذ في استعبادهم، واستغلال خيراتهم، وتذرعت بأوهى الأسباب لبسط سلطانها عليهم، وكان ما قد حدثنا عنه التاريخ من استيلاء الهولنديين على جزائر أندونسيا قبل نحو ثلاث مئة سنة، ومحاولة البرتغاليين السطو على سواحل العالم الإسلامي، وتوغل الإنجليز في الهند وغيرها، واستيلاء فرنسا على الجزائر، ثم على بقية شمال أفريقيا. وهذا كله لتقصير المسلمين في معرفة ما لهم من الحقوق، وما عليهم من الواجبات التي بيّنها الإسلام لهم، ثم لتهاونهم في متابعة التوجيه الإسلامي أفراداً وجماعات وحكومات.
ولقد كان رسول الله ﷺ ينظر إلى ذلك بنور الله من وراء العصور الكثيرة، ويصدر في بيانه لأمته عن وحي صادق من الله فيما أنذرهم به، وذلك فيما رواه الإمام أحمد في"مسنده" من حديث ثوبان مولى رسول الله، وقد رواه عن ثوبان أيضاً الإمام أبو داود في الباب الخامس من كتاب: الملاحم من "سننه": أن رسول الله ﷺ قال: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلويكم الوهن"، فقال قائل: وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا، وكراهية الموت".
стр. 4709
فالمسلمون لما وهنت قلوبهم في العصور الأخيرة؛ لإيثارهم توافه الدنيا على المثل العليا، ولتهيبهم الموت في سبيل حقائقهم وحقوقهم، نزع الله حينئذ من صدور الأمم ما كان يملؤها من مهابة المسلمين بسبب ما شاهده من موت هممهم، وانحطاطهم فيما كان أسلافهم يمتازون به من سمو الخلق، وعلو النفس، والغيرة على الحقوق والحقائق، فأصبح المسلمون بسبب ذلك كالغثاء التافه الذي يطفو على سطح الماء في الأنهار ومجاري السيول، وحينئذ طمعت فيهم الأمم المستعمرة، وتداعت لالتهامها كما يتداعى الجائعون إلى التهام الطعام.
ثم كان ما كان من جثوم الاستعمار كالكابوس البغيض على صدور المسلمين في مشارق الأرض ومغاريها، وإن كان المحتل يجد في من ينتمي إلى الإسلام قلوباً يقلبها بأصبعه كما يشاء، وألسنة يحركها في أغراضه كما يريد، فإن تلك القلوب وتلك الألسنة -إلا من عصم الله- أصبحت مأمورة بالشعور الذي يريها الحقوق رأي العين، ويمنعها من أن تستخدم إلا في صالح المحتل، وتمكنه من احتلال ما شاء.
وفي الأمثال البديعة: أن أشجاراً رأت فأساً ملقى بجانبها، فانزعجت منه، فقالت لها شجرة منهن: لا تخافوا منه، فإنه لا يكسرنا إلا إذا دخل فيه عود منا (١).
стр. 4710
والآن وقد أخذت اليقظة تدب في أرواحنا، وانتشرت الدعوة بيننا إلى معرفة حقوقنا، والاستمساك بها، والتعويل على الدفاع عنها بأي ثمن، فقد أصبح من الواجب على كل فرد منا أن ينتظم في صفوف هذا الدفاع في كل مكان. وقد رأى المسلمون بعد الحرب العالمية الأخيرة كيف أن الله كافأ أهل كل قطر إسلامي هب للدفاع عن حقوقه، فوهبه الظفر بأمانيه، والتوفيق بالحصول عليها بأسرع مما كانوا يأملون. وإن قيام دولتي أندونسيا وباكستان أعظم شاهد ملموس في هذه السنوات على صدق ما وعد الله به الذين يجاهدون في سبيل حقوقهم من المسلمين. ومن سنَّة الله في هذه الأمة أن يعلي مقامها، على قدر ما تعرف من حقوقها، وتؤديه من واجباتها. والدنيا كلها بين حق وواجب، وما ضاع حق سعى له أهله من طرقه المعقولة الحكيمة، ولم يخيب الله أمة قامت له بما يجب عليها.
стр. 4711
التقليد والمحاكاة في نهضتنا الحاضرة (١)
تفضل فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، فخص "الأهرام" بهذا المقال الذي ننشره فيما يلي:
نحن الآن في طور من أطوار التاريخ، عزمنا فيه على أن نعالج أسباب ضعفنا، وأن نأخذ -إن شاء الله- بجميع وسائل القوة؛ لنعود كما كنا أمة صالحة سليمة الاتجاه، سعيدة العيش، محترمة من الأمم، ومتبادلة معها صنوف المصالح والمنافع، ومتعاونة مع الجميع على التقدم بالإنسانية إلى أهدافها العليا.
وأول ما ينبغي لنا تمييزه في معالجة أسباب الضعف، والأخذ بوسائل القوة: أن نكون على بينة مما نأخذ عن غيرنا، وما ينبغي لنا التمسك به من أصولنا ومبادئنا، وما به قوام كياننا.
إن الإسلام يأمرنا أمراً دينياً بأن نكون أمة قوية بأخلاقها، قوية بعلومها النافعة، وصناعاتها التي عليها مدار العمران، قوية باستعدادها العسكري للدفاع دائماً وفي أي لحظة عن كل مالنا من حقوق، وما نؤمن به من حقائق.
فالأخذ بأسباب القوة من جميع هذه النواحي، والاضطلاع بالعلوم
стр. 4712
اللازمة له من طبيعة وكيمياء، وميكانيكا ورياضة، واقتصاد وإحصاء، فرض لازم على المسلمين؛ لأن دينهم أمرهم بأن يكونوا أقوياء، فأصبح ذلك واجباً عليهم، وكل ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.
ومما ينبغي لنا في هذه الأمور: ألا نقتصر على المحكاة والتقليد، بل الواجب أن نعد الأذكياء من أبنائنا وشبابنا للتقدم فيها، حتى يكونوا من أئمتها المبتكرين، وعلمائها المخترعين، وقد وهبهم الله من الألمعية والذكاء وعظيم الاستعداد ما يساعدهم على ذلك في سنوات قريبة -إن شاء الله-.
هذا هو الجد، وبهذا تتم النهضة، فنأخذ في طريق الفلاح، ونبلغ مقام الإمامة في العلوم، ونتأهل لما وراء ذلك، مما استخلف الله به الإنسانية الكاملة في الأرض.
أما الأمور التي بها قوام كياننا، والعمل بمبادئنا، والرجوع إلى أصولنا، فهذا مما لا يجوز لنا محاكاة غيرنا فيه، بل إن كل أمة تحترم نفسها، وتعتز بكيانها، تترفع عن محاكاة غيرها في أصولها ومبادئها، وإننا لا نزال نذكر ما وقع في إنجلترا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية؛ فإن أعضاء حزب العمال في وزارة (تشرشل) كانوا يطالبون بتجديد الانتخابات النيابية، وكان (تشرشل) يحب أن يتأنى في ذلك، فكتب إلى (مستر أتلي) يقترح أن يستعاض عن تجديد الانتخابات بعمل استفتاء عام، فأجابه (مستر أتلي) بكتاب لا يزال يرن صداه في الآذان حتى اليوم، إذ قال فيه: "إن فكرة الاستفتاء (اختراع أجنبي)، وليس من الخير أن يسمح له بدخول البلاد البريطانية". ولقد كان (مستر أتلي) على حق في هذا؛ لأن كل أمة ذات أصول ومبادئ تتصل بنظامها الخاص بها، وبكيانها الذي تعتز به في تاريخها، لا يجوز لها أن تفرط في أصولها ومبادئها
стр. 4713
لتحاكي غيرها في شيء من ذلك، وهذا الاعتزاز بأصول الأمة ومبادئها من مظاهر قوة الأمة، بل هو من وسائل تلك القوة.
أما التفريط في ذلك، والتلون بالألوان الغريبة، فإنه من مظاهر الضعف، ومن وسائله، وهذه الحقيقة الاجتماعية قررها ابن خلدون في مقدمة "تاريخه"، وبرهن عليه، ولا تزال من حقائق الاجتماع إلى الآن، على أنه لو لم يكن هذا من حقائق الاجتماع، فإن الإسلام حتمه على أهله، وألزمهم بالتزامه، وكان أسلافهم أقوياء يوم كانوا ملتزمين به، ولو قيض الله لهذه الأمة علماء من أهل البصائر النيرة، يدرسون ما عندنا من هذه الأصول والمبادئ دراسة علمية بلا تعصب ولا غرض، لتبين لهم أنها هي المبادئ السليمة، والأصول الصحيحة التي تقوى بها الأمة وترقى، وأن التفريط فيها من مدارج الضعف، وأعراض الانحطاط.
ونحن إذا عمدنا إلى التفريط فيها، نكون متناقضين مع أنفسنا فيما نحاوله من أسباب القوة في مرافقنا المادية؛ من زراعية وصناعية، واقتصادية وعسكرية، وغير ذلك؛ إذ لا معنى لذلك إلا الجمع بين أسباب الضعف وأسباب القوة في وقت واحد.
إن هذه القاعدة المزدوجة -وهي الأخذ بكل ما وصلت إليه الأمم من علوم القوة والتقدم العمراني وأسبابهما، مع التمسك بالأصول والمبادئ الخاصة بنا، والموروثة عن أسلافنا- هي التي ينبغي لنا أن نعمل بها في أنفسنا أفراداً، وفي بيوتنا وأسواقنا ومجتمعنا ودولتنا، فالفرد منا يجهز نفسه وبيته بكل ما يحتاجه مما توصل إليه العلم؛ كالأدوات الكهربائية، والتليفون، وأمثال ذلك، وفي الوقت نفسه يتوقى كل ما لا يتفق مع آداب دينه؛ كاختلاط النساء بغير محارمهن.
стр. 4714
وفي مصانعنا نستعين بكل ما وصل إليه العلم من آلات دقيقة وسريعة؛ لننافس الأمم بتقدمنا وجودة إنتاجنا، وفي الوقت نفسه نتعامل مع عمالنا وعملائنا بكل ما أرشد إليه ديننا من رفق وتراحم، وتعاون وإخلاص وأمانة، وحفظ للمواعيد، وتمسك بالعهود، وتجنب لنقيصتي البخل والإسراف، والمحاباة والإجحاف.
وفي مجتمعنا نتحرى المبادئ والقواعد الخاصة بنا في كل ما نحاوله من تنظيم وعمل، مع ما نحرص عليه من أسباب القوة والتقدم والنجاح؛ ليتصل حاضرنا بماضينا، ولنكون به قدوة لمن يأتي بعدنا من الأجيال.
إن النهضة التي تقوم على هذين الأساسين هي النهضة الصادقة الثابتة الخطا، الوثيقة الدعائم، وهي التي تتقبلها الأمة بالاستبشار؛ لأنها توافق مصلحتها، وتتفق مع راحة ضمائرها، وتكون بذلك عبادة؛ لأنها جمعت بين سعادة الدنيا، وفضائل الدين.
أما الذين يشغلون الأمة عن سعادة الاستعداد للنهوض بالتعرض لأمور تراها الأمة ماسة بأصول ومبادئ عزيزة عليها، وهي في الوقت نفسه لا دخل لها فيما نحن آخذون به للنهوض بالمرافق الصناعية والزراعية والعسكرية؛ كمحاولة محاكاة الأمم الأجنبية في نظام الأسرة، وشؤون الزواج، والأمور الشكلية؛ كالأزياء وما إليها، فإن ذلك كله ليس من مصلحة الوطن، ولا خير فيه لهذه الأمة، وهي في هذا الطور العظيم من أطوار نهوضها وتقدمها.
ومما ينبغي لجمهور الأمة أن يكون على علم به: أن كل ما طرأ علينا من عدوى أجنبية في حياتنا الاجتماعية؛ كالإضراب عن الطعام احتجاجاً على أمر من الأمور، أو الإضراب عن العمل لاختلاف بين العمال وأصحاب الأعمال،
стр. 4715
فإنه مما لا يليق ببلد إسلامي؛ لأن الإضراب عن الطعام انتحار، والانتحار يسخطه الله، وصاحبه يبتعد عن حياة الدنيا وحياة الرضا في الآخرة، والإضراب عن العمل قتل للوقت، وسخط للرزق، وتعطيل لمصالح الأمة، وما دامت أبواب العدل مفتوحة، ومرافق الدولة مستعدة للنظر في الشكاوى، والتوفيق بين المصالح، فذلك هو الطريق للوصول إلى الحقوق العادلة، وإن هذا الشرق الإسلامي في حاجة إلى أن يأخذ عن غيره أسباب القوة، لا وسائل التعطيل والانتحار، ومن أدق موازين الحكم على الوعي القومي، والنضوج الاجتماعي: مراقبة ما تأخذه الأمة عن غيرها من خير، وما تتجنبه مما لا خير فيه، ونحن اليوم في هذا الطور من أطوار التاريخ، والتاريخ يراقبنا في هذا الامتحان ليرى ما نأخذ وما ندع.
стр. 4716
الأزهريون والتدريبات العسكرية (١)
زخرت إدارة المعاهد الدينية بجماهير حاشدة من العلماء والطلاب الأزهريين، وقد قابلوا فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وذكروا لفضيلته رغبتهم في الانضمام إلى التدريبات العسكرية التي تنتظم في هذه الأيام طوائف الأمة على بكرة أبيها، وقالوا: إنه يجمل بهم أن يكونوا في مقدمة تلك الطوائف مراناً على حمل السلاح للجهاد في سبيل الدفاع عن الوطن، وقد استمع فضيلة الأستاذ الأكبر لرغباتهم، ثم ذكر: أن ما يرغبون فيه واجب مقدس في سبيل الوطن، وعليهم أن لا يدخروا جهداً في سبيل الانضمام إلى معسكرات التدريب، وأن يكسبوا من المران على حمل السلاح وغيره من أدوات الجهاد ما يكفيهم في ميدان الدفاع عن الوطن.
وقد رأى مندوب "الأهرام" أن يرجع إلى فضيلته؛ ليقف على رأي الإسلام في هذه التدريبات العسكرية، فقال فضيلته:
الدفاع عن الوطن ركن من أركان الإسلام، وفريضة من فرائض عباداته، وإن الاستعداد له، والتمرن على حمل السلاح، وحسن استعماله؛ للقيام بذلك عند الحاجة، معدود من لوازم هذه الفريضة، والعلماء مطالبون بالعمل به
стр. 4717
كغيرهم من سائر المسلمين، بل قبل غيرهم من إخوانهم أفراد الأمة، ولذلك كان علماء الصحابة أسبق الناس إلى ساحات الجهاد، وأولهم استعداداً له، ومبادرة لإجابة دعوة الداعي إليه.
ولما استعر القتال باليمامة (١) وغيرها أيام فتنة الردة، كان علماء الصحابة، وحملة كتاب الله في طليعة المجاهدين والشهداء، ولذلك بادر الصحابة إلى جمع القرآن وكتابته؛ لئلا يضيع شيء منه مع حُفَّاظه من علماء الصحابة الذين كانوا أسرع من غيرهم إلى نيل مقام الشهادة في سبيل الله.
وما من حرب نشبت في صدر الإسلام إلا كان علماء الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في طليعة المجاهدين، وأسماؤهم في السطور الأولى من قائمة الشهداء، ومواقفهم في ساحات القتال، وعلى الحدود، وفي الثغور معلومة مشهورة.
ولما فتح المسلمون صقلية (٢) سنة ٢١٢ هـ، كان قائد أسطولها، والرئيس الأعلى لجيوش الفتح البرية والبحرية إماماً من أئمة الفقه، وقاضياً من قضاة الشرع، هو الإمام أسد بن الفرات تلميذ الإمام مالك بن أنس، والإمام محمد ابن الحسن صاحب أبي حنيفة، وطبقتهما، فهو الفاتح الأول لهذه الجزيرة الإيطالية المنيعة التي نعمت بسببه بالحكم الإسلامي الرحيم زمناً طويلاً، فكان
стр. 4718
فاتحها الفقيه الإمام الكبير من أبرع حملة السلاح بيمينه التي اشتهرت قبل ذلك بتدوين أحكام الشرع وبتبيين آداب الإسلام وسننه الرفيعة.
واستشهد أبو الربيع الكلاعي في واقعة أثيجة بالأندلس، وهو يتقدم الصفوف، وينادي بالجند: أعن الجنة تفرون؟ حتى قتل صابراً، وكان حافظاً للحديث، مبرزاً في نقده. وقال ابن خلدون في"مقدمته": ربما كانوا يجعلون للقاضي قيادة الجهاد في عساكر الطوائف.
وكان القاضي يحيى بن أكثم يخرج أيام المأمون بالطائفة إلى أرض الروم، وكذا منذر بن سعيد قاضي عبد الرحمن الناصر من بني أمية بالأندلس.
هكذا كانت حال علماء الإسلام في كل عصر ومصر، وعندما حشد صلاح الدين الأيوي الجيوش الإسلامية سنة ٥٨٣ هـ لقمع الصليبيين، وإجلائهم عن فلسطين، كان في جحافله عدد لا يحصى من العلماء والفقهاء، والصالحين، نذكر منهم: الإمام موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي مؤلف أجود الكتب وأشهرها في الفقه الحنبلي، وأخاه الأكبر الشيخ أبا عمر مؤسس المدرسة العمرية الشهيرة في سفح جبل قاسيون بدمشق وكانت لهما ولتلاميذهما في معسكر صلاح الدين خيام تتنقل مع الجيش من معركة إلى معركة، ومن نصر، إلى نصر حتى ختم الله ذلك الجهاد بموقعة حطين الفاصلة التي انتهت بإخراج جميع الأوربيين من فلسطين.
ولما عظم البغي من وثنيي التتار، وزحفت جيوشهم على الشرق العربي، كان الإمام تقي الدين بن تيمية هو معلن النفير بالجهاد العام، وهو الذي قدم من الشام إلى مصر لاستنفار حكومتها وشعبها وجيشها للاشتراك في الدفاع، وكان ابن تيمية في تلك الحرب أول شاهر بالسيف مقاتل به، على ما هو معروف
стр. 4719
من سيرته، فكان بذلك من أعلام المجاهدين بالسيف، كما كان من أعلام المجاهدين بدروسه ومؤلفاته.
إن جهاد علماء المسلمين في كل كتيبة خاضت غمرات الحرب استمر من صدر الإسلام في كل عصوره، حتى في العصور المتأخرة اشتهر جهاد الإمامين الشهيدين: السيد أحمد بن عرفان من تلاميذ الشيخ عبد العزيز بن ولي الله الدهلوي، وصنوه الشيخ إسماعيل بن عبد الغني الدهلوي؛ فقد قاما في الهند على رأس جيش من المسلمين في الدفاع عن حياة الأمة ببسالة منقطعة النظير إلى أن نالا مقام الشهادة في سبيل ذلك، وهما من العلماء الأعلام في النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، فكان جهادهم امتداداً لما سبقهم إليه أئمة الإسلام وعلماؤه من أقدم عصوره، وكانوا في ذلك المثل الأعلى لجهود المسلمين في التضحية والجهاد، وحفظاً للأوطان، وإرضاء للرحمن، وعلى غرار هؤلاء الأسلاف يسير العلماء وطلبة العلم الإسلامي في مصر وغيرها، كلما دعاهم داعي الجهاد ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
стр. 4720
الإسلام لا يقر المحسوبية (١)
إن عناية الإسلام بالناحية الخلقية للفرد والجماعة من أبرز النواحي التي تناولتها نصوصه؛ لأن من أكبر مقاصده: تكوين الأمة الصالحة، وأول وسائل ذلك: تقويم أخلاق أفرادها وجماعاتها، وحسن توجههم إلى كل ما يرضي الله من مكارم الأخلاق، لذلك كانت المحسوييات والوساطات للتوصل إلى المقاصد من غير استحقاق لها في مقدمة ما قاومه الإسلام، وصان أهله عن الانزلاق فيه. ولو لم يكن منع الإسلام للوساطات والمحسوبيات داخلأ في رسالة الإسلام الخلقية التي قال فيها الرسول ﷺ : "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فإنها داخلة في إقامة الحق الذي هو ركن عظيم من أركان الإسلام، وقد سماه الله- : ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩] في مواضع متعددة من كتابه الحكيم.
وأي غمط للحق أكبر من إيثار امرئ بما لا يستحقه من المنافع أو المناصب لأنه محسوب لجهة لا يمت إليها آخر هو أكثر استحقاقاً وأهلية لتلك المنفعة، أو ذلك المنصب؟ وأي غمط للحق أعظم من أن يحابى امرؤ في درء حد من حدود الله عنه، أو إعفائه من حق وجب عليه؛ رعاية لجهة قوية
стр. 4721
ينتمي إليها، أو وساطة ذي مكانة ما كان لولاها ليعفى من القيام بالحق الذي وجب عليه؟.
وأكثر المسلمين يحفظون في ذلك موقف النبي- ﷺ من المرأة المخزومية التي سرقت، فخاطبت قريش أسامة بن زيد؛ ليكلم رسول الله ﷺ في إسقاطه الحد عنها، فقال - صلوات الله عليه -: "أتشفع في حد من حدود الله؟ "، ثم أتى المسجد، فخطب خطبته المشهورة التي قال فيها: "أيها الناس! إنما هلك من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف فيهم، تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم، أقاموا عليه الحد، وايم (١) الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها".
ومن هذا الينبوع أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب المبدأ الإسلامي العظيم الذي قرره في رسالته إلى أبي موسى الأشعري واليه على البصرة، فقال له فيها: "آس بين الناس في مجلسك، وفي وجهك، وفي قضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك".
ثم مضى على هذا المبدأ أئمة المسلمين وولاتهم وقضاتهم، وقد رأس القضاء بأجمعه في الفسطاط (٢) عاصمة الوطن المصري، عظيمٌ من فقهاء الإسلام، وهو إبراهيم بن أبي بكر الأجنادي، فكان مما قال مترجموه في وصفه: "كان لا يقبل وساطة ولا شفاعة، بل يصدع بالحق، ولا يولي إلا مستحقاً".
وابراهيم بن إسحاق قاضي مصر ذكروا في ترجمته: أنه حكم في قضية
стр. 4722
لرجل على آخر، وكان المحكوم عليه قريب الصلة بالأمير، فتشفع المحكوم عليه بالأمير ريثما يصطلح المتقاضيان. فما كان من القاضي إبراهيم بن إسحاق إلا أن أقفل باب المحكمة، وترك القضاء، وذهب إلى منزله، فأرسل إليه الأمير يساله الرجوع قائلاً للقاضي: إني لا أعود إلى الوساطة في شيء أبداً، وليس في الحكم شفاعة.
ومن المعلوم في أحكام الفقه الإسلامي: أن الحاكم ليس له أن يشير على الخصوم بالصلح إلا إذا لم يتبين له الحق.
وقد بقيت هذه الأخلاق في علماء المسلمين حتى أيام الدولة العثمانية، فقد ذكر التاريخ: أن السلطان بايزيد حضر إلى المحكمة بين يدي شمس الدين محمد بن حمزة الفناري قاضي القسطنطينية ليشهد في قضية رفعت إليه، فما كان من القاضي الفناري إلا أن رد شهادة السلطان، ولم يقبلها، ولما سأله السلطان عن وجه رفى ها، قال له: إنك تارك للصلاة مع الجماعة، فبنى السلطان في الحال جامعاً أمام قصره، وعين لنفسه موضعاً فيه، ولم يترك صلاة الجماعة بعد ذلك.
فالمسلم الذي يأمره إسلامه برد شهادة شاهد لسبب من الأسباب، فيرد شهادته، مع أنه صاحب السلطان المطلق عليه، لا شك أنه ذو دين قد ريي أهله على إقامة الحق في كل الظروف، وعلى ألا ينحرف أحد منهم عن الحق لأية عاطفة من عواطف الحب والبغض، والرغبة والرهبة.
стр. 4723
الجهاد أعلى مراتب العبادة (١)
أعد فضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بياناً في توضيح مراتب الجهاد في الإسلام، وتبيان نظامه العسكري في زمن النبي محمد ﷺ ، وكيف أنه كان يستعرض بنفسه أبناء المسلمين مرة في كل عام، وكيف كان يعُدُّهم وهم في الحول الخامس عشر رجالاً مكلفين بأداء ضريبة الدم، ويجيز لهم حمل السلاح تحت إشراف القيادة، ونحن ننشر هذا البيان فيما يلي:
الرسالة الإسلامية رسالة (سلام)، ومنه اشتق الله اسم (الإسلام)، غير أنها قبل أن تكون رسالة سلام، كانت رسالة (الحق)، ومن تمام رسالة الحق: حمايته.
وقد جمع الله سبحانه بين هاتين الحقيقتين في آيتين متعاقبتين من سورة الأنفال، فقال- : ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، ثم قال بعدها:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].
فالحق والسلم هما غاية الإسلام، ولما كان من دأب الإنسانية أن أهل الحق معرضون فيها دائماً لبغي أهل الباطل عليهم، وطمعهم فيهم، واعتدائهم
стр. 4724
على حقهم، فقد أمر الله أهل الحق بالاستعداد لحمايته بكل ما في طاقتهم، ويأكل ما يصل إليه العقل البشري، والعلم الإنساني من وسائل القوة وفنونها، وأنظمتها وصناعاتها، بحسب ما تقتضيه حاجة العصر، وعلى قدر ما تمس إليه الحاجة.
ويالفعل صار هذا (الاستعداد) من آداب الإسلام، ومن شيمة المسلمين.
لقد كان من نظام الإسلام العسكري في زمن النبي- ﷺ : أن يستعرض النبي بنفسه أبناء المسلمين مرة في كل عام، فمن بلغ منهم الخامسة عشرة، عدّه من الرجال المكلفين بضريبة الدم، وأجازه ليحمل السلاخ تحت إشراف القيادة، وأمره بالاستعداد لإبراز نشاط رجولته، ومن كان دون الخامسة عشرة، ردّه إلى أن يبلغ هذه السن، وكان غلمان المهاجرين والأنصار يتنافسون في هذه الشهادة لهم بأنهم صاروا رجالاً، وأنهم نالوا شرف الانخراط في سلك المجاهدين، ويحزن الغلام منهم أشد الحزن إذا أرجئ إلى سنة أخرى، حتى إن سمرة بن جندب لما ردّه النبي- ﷺ لأنه لم يبلغ الخامسة عشرة، قال له: يا رسول الله أجزت فلاناً، ورددتني، ولو صارعني، لصرعته فتبسم ﷺ وقال له: "صارعه"، قال: فصارعته، فصزعته، فأجازني.
وهكذا كان المسلمون أمة دفاع وكفاح، وجهاد وتحرير، من يوم يبلغون الحلم إلى أن يلقوا الله. فهم في حربهم أمة عسكرية لا يتخلى فيها عن ضريبة الدم أحد من عالم، أو تاجر، أو سري، أو عامل، أو زارع، إلا أن تشغله الدولة في جهاد آخر هو من لوازم الجهاد العام، وفي حالة السلم يتمرنون باستمرار على فنون الحرب واستعمال السلاح.
روى البخاري في "صحيحه" من حديث سلمة بن الأكوع: أن النبي- ﷺ -
стр. 4725
خرج على نفر من قبيلة أسلم وهم ينتضلون (أي: يترامون بالسهام على سبيل التمرين)، فقال لهم: "ارموا بني إسماعيل؛ فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان"، فلما قال ذلك، أمسك الفريق الآخر عن الرمي، فقال لهم: "ما لكم لا ترمون؟ "، قالوا: كيف نرمي وأنت معهم، قال: "ارموا وأنا معكم كلكم".
وفي كتب السنن من حديث عقبة بن عامر: أن النبي- ﷺ قال: "إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه، والرامي به، والممد به -أي: الذي يناول الرامي النبل للرمي به-"، ثم قال: "ارموا، واركبوا، وأن ترموا أحبُّ إلي من أن تركبوا، كل لهو باطل إلا ثلاثاً: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله. ومن ترك الرمي بعدما علمه رغبة عنه، فإنها نعمة تركها".
وفي "صحيح مسلم" من حديث عقبة بن عامر أيضاً: أن فقيماً اللخمي قال له: تختلف بين الغرضين -أي: بين الهدفين اللذين تسدد السهم نحوهما- وأنت شيخ كبير يشق عليك؟ فقال له عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله- ﷺ ، لم أعانه، سمعته يقول: "من علم الرمي ثم تركه، فليس منا".
وفي "صحيح البخاري ومسلم"، وغيرهما من حديث عروة بن الجعد: أن النبي- ﷺ قال: "الخيل معقود في نواصيها الخير -الأجر والمغنم- إلى يوم القيامة".
وفي "سنن أبي داود" من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب: أن النبي- ﷺ كان يضمر الخيل يسابق بها.
والاستعداد للجهاد من تمام الجهاد. بل هو كالسلاح، عنصر أساسي
стр. 4726
من عناصره، وممارسة الاستعداد بنية الجهاد عبادة كعبادة الجهاد؛ لأن المجاهد إذا لم يستعد للجهاد بالتمرين، وممارسة استعمال السلاح، لا يقوى على هذه المهمة عند الحاجة إليها.
والمسلمون الأولون كانوا دائماً على قدم الاستعداد لكل طارئ حربي، فلم يستطع عدو أن يفاجئهم بسوء وهم على غرة.
وإن النبي- ﷺ كان مفطوراً على اليقظة للطوارئ، وهو أعظم استعداداً لاستقبالها منهم جميعاً.
روى البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، ومؤلفو كتب السيرة النبوية: أن أهل المدينة فزعوا ذات ليلة لصوت استغاثة سمعوه، فانطلق ناس منهم إلى جهة الصوت، فما راعهم إلا أن رأوا النبي- ﷺ راجعاً قد سبقهم إلى جهة الصوت، واستبرأ الخبر على فرس عُرْي لأبي طلحة، والسيف في عنقه وهو يقول: "لن تراعوا".
وتنظيم الصفوف عند القتال، وفي التمرين للاستعداد له من أعظم القربات عند الله. والنبي- ﷺ كان يقوم به بنفسه، ويندب له خاصة رجاله.
وقد ذكر الإمام أبو منصور الماتريدي وغيره في تفسير آية: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]: أنها تشريع في تعاهد ولاة الأمر أحوال الجند، وتنظيمهم، ودفع الخلل والضياع عنهم، وأن على الأمة طاعة الأئمة في هذا التنظيم.
وللإمام أبي الوليد الطرطوشي فصل في تفصيل ذلك بحسب نظام الجند في زمانهم، وهو في كتاب "سراج الملوك" وهو يقول: إن على كل أمة إسلامية أن تقوم بالتنظيم العسكري اللائق بزمانها. ونقل قول الحكماء:
стр. 4727
"الملك بناء، والجند أساسه، فإذا قوي الأساس، دام البناء، وإذا ضعف الأساس، انهار البناء".
وكل الذي تقدم خاص بالاستعداد والتمرين في زمن السلم، أما الجهاد عند وقوع الحرب، فهو أعلى مراتب العبادة في الإسلام، والنصوص على ذلك تملأ الكتب.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القانت بآيات ربه لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع".
وروى البخاري من حديث عبد الله بن عباس: أن النبي- ﷺ قال: "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار".
стр. 4728
الاستعمار يقرب من نهايته (١)
خاض الغرب معركة استعماره للشرق في القرنين الماضيين مستعيناً بما كان يسود ظروف تلك المعركة من متناقضات. فالغرب كان قد أخذ يستنير بمعارفه المادية، ويقوى بآلاته الصناعية، وأنظمته المبتكرة، وأسلحته الجديدة. غير أن لجج الظلام كانت قد بدأت تغمره بنزعات الإلحاد والتحاسد، والجشع والبغي، والفراغ السياسي من الدافع الأعلى، كما يقول المؤرخ (ولز)، بينما الشرق كان قد أخذ ينحط بضعف حكوماته، وتخلفها وتقاطعها، وإن كانت شعوبه لم تزل يومئذ ممتازة ببقية كريمة من الأخلاق النبيلة؛ كالقناعة، والتراحم، والأمانة، والثقة، حتى لقد شهد (المسيو جومار) أحد مهندسي الحملة الفرنسية على مصر بأنه رأى بعينه الغلال وبضائع التجار تكدس على ساحل النيل في فرضة بولاق التي كان فيها جمرك القاهرة، فلم يكن يمسها أحد بسوء ليلاً ولا نهاراً، مع أنها متروكة في العراء بلا حراسة ولا خفراء.
فالاستعمار كان في القرنين الماضيين بغياً من القوة المادية على شعوب ذات فضائل وأخلاق، منتهزاً فرصة الضعف الذي دب إلى حكومات تلك الشعوب الطيبة الأعراق، الآمنة في أوطانها، السعيدة بقناعتها وأمانتها وتراحمها.
стр. 4729
وكان الغرب يمنّ على الشرق في استعماره؛ بأنه حمل إليه الحضارة والنظام والمعارف، وهو لم يحمل إليه من الحضارة إلا قشورها، ومن النظام إلا ما يجعل الشرق آلة في يد الغرب، ومن المعارف إلا ما يستعمر به القلوب والعقول بعد استعمار الأرض وخيراتها، وبذلك كان الغُنم في كل هذه الأمور للمستعمر، وغُرمها على الشعوب التي رُزئت باستعماره بلادها، واستغلاله كنوزها وخيراتها.
هذه هي قصة استعمار الغرب للشرق في سيرة هولندا مع الأندونسيين، وفي سيرة إنجلترا مع الهنود، وسكان ملايو، والمصريين، والسوادنيين، وفي سيرة فرنسا مع الجزائريين، والتونسيين، والمراكشيين.
إن استيلاء فرنسا على الجزائر مثال من أمثلة التاريخ على الظروف المتناقضة التي نشأ عنها الاستعمار، فالشعب الجزائري كان يومئذ من أقوى شعوب الأرض بأخلاقه وحيويته، بينما حكومة الجزائر التي كانت تتولى أموره كانت من أفسد الحكومات في الأرض، وأضعفها وأحمقها، والمستعمر كان يستعد قبل ذلك طويلاً للبغي على الجزائر، ويتخذ لذلك مختلف الذرائع التي تنافي الدافع الأعلى.
فلما وقعت الواقعة، خارت قوى القائمين بالحكم على الجزائر، وتخلفت الحكومة العثمانية التي كانوا تابعين لها من أن تؤدي واجبها في هذا الموقف، وهنا تجلت حيوية الشعب الجزائري وأخلاقه، فنظم صفوف جهاده بقيادة الأمير عبد القادر، وظل يجاهد ببطولة منقطعة النظير مدة ثمانية عشر عاماً، ومن ذلك الحين إلى الآن والحوادث تبرهن على ضعف المستعمر الأدبي، وفراغه السياسي من الدافع الأعلى، وعلى قوة الشعب الجزائري الأدبية، وحيويته في
стр. 4730
مقاومة ما لا يستطيع مقاومته إلا أعظم الأمم بطولة من صنوف البغي الاستعماري الذي لا يجنح إليه إلا أضعف الدول في أخلاقها ومبادئها الأدبية.
وقِس على حيوية الجزائر حيوية جارتها في الشرق والغرب، تونس، والمغرب الأقصى، ولو أن مؤرخاً من الحكماء أمثال (فولتير، وجيبون، وولز) أراد أن يقارن بين قوة فرنسا وضعفها في بداية استعمارها لشمال أفريقيا ونهايته، وبين قوة المغاربة وضعفهم بين تلك البداية والنهاية، لحكم مطمئناً بأن فرنسا اليوم تعاني في شمال أفريقيا أعراض الاضمحلال بالنسبة إلى ما كانت عليه في سنّة ١٨٣٠ م. بينما ضحايا بغيها من المغاربة لم يزدهم البغي إلا قوة وحيوية، وقد استيقظوا من غفلتهم، وتخلصوا من ضعف حكوماتهم، وأصبحوا من نتائج الفوز والفلاح قاب قوسين أو أدنى.
وما يقال عن فرنسا في شمال أفريقيا يقال مثله عن الهند التي شاهدنا باعيننا، وشاهد التاريخ معنا عواقبَ الاستعمار البريطاني فيها، واضطراره إلى الانسحاب من تلك الربوع، وازدهار الحيوية في بكستان والهند، حتى صارت منهما دولتان من كبريات الدول، وشاهدنا كذلك عاقبة الاستعمار الهولندي في أندونسيا، بعد أن رسخت أقدامه فيها ٣٠٠ سنة، فاضطر أخيراً إلى التسليم بالأمر الواقع.
لقد شب عمرو عن الطوق، بل لقد استيقظ العملاق من نومه، فأخذ يبحث عن مكانه اللائق بين الأمم، وإن الحوادث المتكررة برهنت على أن اعتماد الاستعمار على قوته المادية لا تجديه نفعاً، وأنه إنما أتي من ناحية ضعفه الأدبي؛ لأنه قائم على البغي، وآخر الشواهد على ذلك: هذه المؤامرة الاستعمارية على إخراج نحو تسع مئة ألف فلسطيني من وطنهم الذي هم