من عناصره، وممارسة الاستعداد بنية الجهاد عبادة كعبادة الجهاد؛ لأن المجاهد إذا لم يستعد للجهاد بالتمرين، وممارسة استعمال السلاح، لا يقوى على هذه المهمة عند الحاجة إليها.
والمسلمون الأولون كانوا دائماً على قدم الاستعداد لكل طارئ حربي، فلم يستطع عدو أن يفاجئهم بسوء وهم على غرة.
وإن النبي- ﷺ كان مفطوراً على اليقظة للطوارئ، وهو أعظم استعداداً لاستقبالها منهم جميعاً.
روى البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، ومؤلفو كتب السيرة النبوية: أن أهل المدينة فزعوا ذات ليلة لصوت استغاثة سمعوه، فانطلق ناس منهم إلى جهة الصوت، فما راعهم إلا أن رأوا النبي- ﷺ راجعاً قد سبقهم إلى جهة الصوت، واستبرأ الخبر على فرس عُرْي لأبي طلحة، والسيف في عنقه وهو يقول: "لن تراعوا".
وتنظيم الصفوف عند القتال، وفي التمرين للاستعداد له من أعظم القربات عند الله. والنبي- ﷺ كان يقوم به بنفسه، ويندب له خاصة رجاله.
وقد ذكر الإمام أبو منصور الماتريدي وغيره في تفسير آية: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١]: أنها تشريع في تعاهد ولاة الأمر أحوال الجند، وتنظيمهم، ودفع الخلل والضياع عنهم، وأن على الأمة طاعة الأئمة في هذا التنظيم.
وللإمام أبي الوليد الطرطوشي فصل في تفصيل ذلك بحسب نظام الجند في زمانهم، وهو في كتاب "سراج الملوك" وهو يقول: إن على كل أمة إسلامية أن تقوم بالتنظيم العسكري اللائق بزمانها. ونقل قول الحكماء:
стр. 4727
"الملك بناء، والجند أساسه، فإذا قوي الأساس، دام البناء، وإذا ضعف الأساس، انهار البناء".
وكل الذي تقدم خاص بالاستعداد والتمرين في زمن السلم، أما الجهاد عند وقوع الحرب، فهو أعلى مراتب العبادة في الإسلام، والنصوص على ذلك تملأ الكتب.
روى البخاري ومسلم من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القانت بآيات ربه لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع".
وروى البخاري من حديث عبد الله بن عباس: أن النبي- ﷺ قال: "ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله، فتمسه النار".
стр. 4728
الاستعمار يقرب من نهايته (١)
خاض الغرب معركة استعماره للشرق في القرنين الماضيين مستعيناً بما كان يسود ظروف تلك المعركة من متناقضات. فالغرب كان قد أخذ يستنير بمعارفه المادية، ويقوى بآلاته الصناعية، وأنظمته المبتكرة، وأسلحته الجديدة. غير أن لجج الظلام كانت قد بدأت تغمره بنزعات الإلحاد والتحاسد، والجشع والبغي، والفراغ السياسي من الدافع الأعلى، كما يقول المؤرخ (ولز)، بينما الشرق كان قد أخذ ينحط بضعف حكوماته، وتخلفها وتقاطعها، وإن كانت شعوبه لم تزل يومئذ ممتازة ببقية كريمة من الأخلاق النبيلة؛ كالقناعة، والتراحم، والأمانة، والثقة، حتى لقد شهد (المسيو جومار) أحد مهندسي الحملة الفرنسية على مصر بأنه رأى بعينه الغلال وبضائع التجار تكدس على ساحل النيل في فرضة بولاق التي كان فيها جمرك القاهرة، فلم يكن يمسها أحد بسوء ليلاً ولا نهاراً، مع أنها متروكة في العراء بلا حراسة ولا خفراء.
فالاستعمار كان في القرنين الماضيين بغياً من القوة المادية على شعوب ذات فضائل وأخلاق، منتهزاً فرصة الضعف الذي دب إلى حكومات تلك الشعوب الطيبة الأعراق، الآمنة في أوطانها، السعيدة بقناعتها وأمانتها وتراحمها.
стр. 4729
وكان الغرب يمنّ على الشرق في استعماره؛ بأنه حمل إليه الحضارة والنظام والمعارف، وهو لم يحمل إليه من الحضارة إلا قشورها، ومن النظام إلا ما يجعل الشرق آلة في يد الغرب، ومن المعارف إلا ما يستعمر به القلوب والعقول بعد استعمار الأرض وخيراتها، وبذلك كان الغُنم في كل هذه الأمور للمستعمر، وغُرمها على الشعوب التي رُزئت باستعماره بلادها، واستغلاله كنوزها وخيراتها.
هذه هي قصة استعمار الغرب للشرق في سيرة هولندا مع الأندونسيين، وفي سيرة إنجلترا مع الهنود، وسكان ملايو، والمصريين، والسوادنيين، وفي سيرة فرنسا مع الجزائريين، والتونسيين، والمراكشيين.
إن استيلاء فرنسا على الجزائر مثال من أمثلة التاريخ على الظروف المتناقضة التي نشأ عنها الاستعمار، فالشعب الجزائري كان يومئذ من أقوى شعوب الأرض بأخلاقه وحيويته، بينما حكومة الجزائر التي كانت تتولى أموره كانت من أفسد الحكومات في الأرض، وأضعفها وأحمقها، والمستعمر كان يستعد قبل ذلك طويلاً للبغي على الجزائر، ويتخذ لذلك مختلف الذرائع التي تنافي الدافع الأعلى.
فلما وقعت الواقعة، خارت قوى القائمين بالحكم على الجزائر، وتخلفت الحكومة العثمانية التي كانوا تابعين لها من أن تؤدي واجبها في هذا الموقف، وهنا تجلت حيوية الشعب الجزائري وأخلاقه، فنظم صفوف جهاده بقيادة الأمير عبد القادر، وظل يجاهد ببطولة منقطعة النظير مدة ثمانية عشر عاماً، ومن ذلك الحين إلى الآن والحوادث تبرهن على ضعف المستعمر الأدبي، وفراغه السياسي من الدافع الأعلى، وعلى قوة الشعب الجزائري الأدبية، وحيويته في
стр. 4730
مقاومة ما لا يستطيع مقاومته إلا أعظم الأمم بطولة من صنوف البغي الاستعماري الذي لا يجنح إليه إلا أضعف الدول في أخلاقها ومبادئها الأدبية.
وقِس على حيوية الجزائر حيوية جارتها في الشرق والغرب، تونس، والمغرب الأقصى، ولو أن مؤرخاً من الحكماء أمثال (فولتير، وجيبون، وولز) أراد أن يقارن بين قوة فرنسا وضعفها في بداية استعمارها لشمال أفريقيا ونهايته، وبين قوة المغاربة وضعفهم بين تلك البداية والنهاية، لحكم مطمئناً بأن فرنسا اليوم تعاني في شمال أفريقيا أعراض الاضمحلال بالنسبة إلى ما كانت عليه في سنّة ١٨٣٠ م. بينما ضحايا بغيها من المغاربة لم يزدهم البغي إلا قوة وحيوية، وقد استيقظوا من غفلتهم، وتخلصوا من ضعف حكوماتهم، وأصبحوا من نتائج الفوز والفلاح قاب قوسين أو أدنى.
وما يقال عن فرنسا في شمال أفريقيا يقال مثله عن الهند التي شاهدنا باعيننا، وشاهد التاريخ معنا عواقبَ الاستعمار البريطاني فيها، واضطراره إلى الانسحاب من تلك الربوع، وازدهار الحيوية في بكستان والهند، حتى صارت منهما دولتان من كبريات الدول، وشاهدنا كذلك عاقبة الاستعمار الهولندي في أندونسيا، بعد أن رسخت أقدامه فيها ٣٠٠ سنة، فاضطر أخيراً إلى التسليم بالأمر الواقع.
لقد شب عمرو عن الطوق، بل لقد استيقظ العملاق من نومه، فأخذ يبحث عن مكانه اللائق بين الأمم، وإن الحوادث المتكررة برهنت على أن اعتماد الاستعمار على قوته المادية لا تجديه نفعاً، وأنه إنما أتي من ناحية ضعفه الأدبي؛ لأنه قائم على البغي، وآخر الشواهد على ذلك: هذه المؤامرة الاستعمارية على إخراج نحو تسع مئة ألف فلسطيني من وطنهم الذي هم
стр. 4731
أصحابه منذ دهور، وتشريدهم في العراء لإحلال أجانب غرباء في أرضهم وأملاكهم الشرعية، ومثل هذه المؤامرة لا يمكن أن يرضى بالاشتراك فيها إلا الذين يعيشون في فراغ سياسي من الدافع الأعدى، كما يقول المؤرخ (ويلز)، والاستعمار الذي يعيش في هذا الفرغ المخزي لا شك أنه اليوم أضعف مما كان في بداية بغيه قبل مئة سنة.
أما فريسة الاستعمار التي وقعت فيما مضى بين يديه بسبب ضعف حكوماتها المتهافتة، وأخذت تنقه من الضعف الذي جرتها إليها تلك الحكومات، وقد نهض فيها رجال يحسنون التعاون مع شعوبهم، ولا شك أن يقف الجميع معاً أمام الاستعمار الضعيف موقف المؤمن بحقه، الحازم في دفاعه عنه، المصمم على التخلص من هذا العدو الذي أنهكه جشعه.
وإني أقدم لأمتي النصيحة مخلصاً بأن أقوى أسلحتها لمقاومة الاستعمار إنما هو الأخلاق، والدين هو الذي يهدي إلى مكارم الأخلاق، وإذا كان على ولاة الأمور أن يفكروا في توفير أسباب القوة المادية، وتنظيم استعمالها، فإن على كل فرد من أفراد الأمة أن يتسلح بالأخلاق، وأن يتعامل بها مع أفراد أمته، وأن يعلم أن أعظم رسالات الله، وأكملها، إنما جاءت للتعامل بمكارم الأخلاق.
стр. 4732
العلم بين الأساتذة والطلاب (١)
في هذه الفترة بين عام دراسي أوشك أن ينقضي، وبين عام جديد يستقبله المدرسون والطلبة بعد أشهر الاستجمام، رأيت أن أتحدث إلى إخواني مدرسي المعاهد وأبنائهم الطلبة بما ينبغي للفريقين أن يطيلوا التأمل فيه، عندما يفرغون من فترة الاستجمام؛ استعداداً لاستئناف عهد جديد في الحياة الدراسية.
إن أجمل ما فهمه المسلمون من معاني (العلم) قول أبي حامد الغزالي فيه: إنه عبادة القلب، وصلاة السر، وقربة الباطن إلى الله، وكما لا تصح الصلاة التي هي وظيفة الجوارح الظاهرة إلا بتطهير الظاهر من الأحداث والأخباث، فكذلك لا تصح عبادة الباطن وعمارة القلب بالعلم إلا بعد طهارته من خبائث الأخلاق.
وهذا الفهم الجميل لمعنى العلم في الإسلام، إذا كان ينبغي لمدرسي المعاهد الأزهرية وطلبتها أن يجعلوه دستوراً لهم في حياتهم الدراسية في جميع المعاهد، فإن أولى ما ينبغي لهم أن يتخذوه دستوراً في هذا العهد الذي أخذ يتجدد فيه نظر الأمة إلى جميع أوضاعها؛ استعداداً لاستئناف حياة سعيدة مباركة
стр. 4733
النتائج، ويانعة الثمرات- إن شاء الله-.
من المأثور عن رسول الرحمة ﷺ : أنه كان يقول لأصحابه -وهم الطبقة الأولى من طلبة العلم في تاريخ الإسلام-: "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده".
وإن المدرس في المعاهد الإسلامية ينبغي له أن يستقبل سنته الدراسية المقبلة بهذه الروح العالية، وبهذا الأدب الإسلامي الرحيم، فيكون لطلبته مثل الوالد مع الولد.
روى الذين دونوا ترجمة الإمام الفاتح أسد بن الفرات: أنه لما كان يأخذ العلم عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة، كان الإمام محمد بن الحسن إذا رأى تلميذه أسد بن الفرات غلب عليه النوم، وهو يسهر في تلقي العلم عنه، نضح على وجهه رشاشاً من الماء؛ ليجدد له نشاطه؛ شفقة عليه، ورغبة منه في أن ينهض إلى مستوى الإمامة في العلم. ولولا أن محمد ابن الحسن تأدب بأدب الإسلام، وعمل بالمبدأ المحمدي في أن يكون لتلميذه كما يكون الوالد لولده، لانتهز فرصة غلبة النوم على تلميذه، وأرجأ الدرس إلى الليلة الثانية، هذا ما نعلمه من مقام الإمام محمد بن الحسن في الدولة، وكئرة أعماله العلمية، لكنه لما كان يعلم أن من أدب الإسلام أن يكون التلميذ بمنزلة الولد من الوالد، التزم مع أسد بن الفرات هذا الأدب الرحيم، وكان من نتيجته: نبوغ أسد بن الفرات، وقيامه للملة الإسلامية بما لا يقوم بمثله إلا أفذاذ النوابغ من صفوة البشر.
وهذا الشيخ ابن التلمساني، أحد كبار علماء شمال أفريقية سأله السلطان عن مسألة، فقال: إن تلميذي فلاناً يحسن الجواب عنها، فوجه السلطان السؤال إلى تلميذ ابن التلمساني، فأحسن الجواب، فأجازه، وأحسن منزلته، وكان ابن
стр. 4734
التلمساني أعلم من تلميذه فيما سأله عنه السلطان، لكنه لاعتباره تلميذه بمنزلة ولده، أراد أن ينوه به في حضرة السلطان كما لو كان ولده حقاً.
والطلبة في دستور الإسلام عرفوا كيف يقابلون هذا العطف الأبوي من أساتذتهم بما يكافئه من حرمة ومحبة وإجلال.
ومن أقدم الأمثلة على ذلك: ما رواه الشعبي: أن زيد بن ثابت صلّى على جنازة، ثم قربت إليه بغلته ليركبها، فبادر إليه عبد الله بن عباس، فأخذ بزمام البغلة ليساعده على الركوب، فقال له زيد: خل عنه يا ابنَ عم رسول الله، فأجابه ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء.
وقد حافظ ذرية ابن عباس على هذا الأدب من التلاميذ نحو أساتذتهم، بعد أن صار بنو العباس ملوك الدنيا، فقد نقل برهان الإسلام الزرنوجي، في كتاب "تعليم المتعلم"، وهذا الكتاب ترجمه (رولاند) إلى اللغة اللاتينية، وطبعه في مدينة "أوتراخت" بألمانيا قبل نحو مئتين وخمسين سنة: أن أمير المؤمنين هارون الرشيد بعث ابنه إلى الأصمعي؛ ليعلمه العلم والأدب، فرآه يوماً يتوضأ، وابن الخليفة يصب الماء على رجله، فعتب الخليفة على الأصمعي؛ لأنه لم يأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل رجل أستاذه باليد الأخرى، ورأى أن تقصير ابنه في ذلك تقصير في أدب التلميذ مع أستاذه.
وروى الزرنوجي في هذا الكتاب أيضاً عن شيخه برهان الدين، صاحب "الهداقي": أن أحد كبار أئمة "بخارى" وهو في حلقة درسه في المسجد رأى ابن أستاذه يمر أمام باب المسجد، فقام له؛ تعظيماً لحق أستاذه.
وقد علمنا من سيرة ابن خلدون: أنه لما رزئ بوفاة كبار شيوخه، "وكان منهم: قاضي القضاة محمد بن عبد السلام، والرئيس أبو محمد الحضرمي،
стр. 4735
والعلامة محمد بن إبراهيم الأبلي، ضاق به وطنه، فترك مقامه الوجيه الذي وصل إليه في قصر الإمارة، ورحل عن تونس إلى الجزائر والمغرب الأقصى؛ لأن مقام أساتذته كان في نفسه فوق كل مقام.
وهذه المحبة الصحيحة التي يكنها التلميذ لأستاذه هي التي حملت العالم أحمد بن القاضي على أن يقول في شيخه المنجوري: "وصارت الدنيا تصغر بين عيني، كلما ذكرت أكل التراب للسانه، والدود لبنانه".
ومن ذلك قول ابن عرفة:
إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة ... وإيضاح إشكال بأحسن صورة
الأبيات، فيجيبه تلميذه الأُبِّي بقوله:
يميناً بمن أولاك في العلم رتبة ... وزان بك الدنيا بأحسن زينةِ
لمجلسك الأعلى كفيل بكلها ... على حينما عنه المجالس ولَّتِ
ووقت خروج جنازة أستاذنا الشيخ عمر بن الشيخ من منزله ليصلَّى عليها في جامع الزيتونة، ذكرتُ خروجه منه لدرس كتاب "المواقف"، والشيوخ ينتظرونه بموضع الدرس، وذكرت قول أحد الأساتذة في قصيدة ألقاها عند ختم الكتاب:
إذا عمر بن الشيخ وافى لدرسه ... تعال التقط دراً بملء جفانِ
ففاضت عيناي بالدموع.
إن هذا الأدب الإسلامي الذي جعل من الطلبة أبناء للأساتذة كفلذات كبادهم، وجعل من الأساتذة آباء لتلاميذهم، يعطفون عليهم أكثر من عطف الآباء على أبنائهم، هو الأدب اللائق بنا أن نرجع إليه لنجدد في تاريخنا عهداً
стр. 4736
سعيداً، فننعم به، ونسعد بنعمته، والطلبة الذين يكتسبون من دراستهم مثل هذا الأدب ينالون به من السعادة أضعاف ما ينالون به من دراسة العلم مهما تقدموا فيه.
стр. 4737
الحج المبرور (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ورد في "صحيحي البخاري ومسلم" عن أي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "إيمان بالله وبرسوله"، قال السائل: ثم ماذا؟ قال: "ثم الجهاد في سبيل الله"، قيل: ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور".
وقد ثبت في "صحيحي البخاري ومسلم لما أكثر كتب السنة المعتبرة: أن النبي- ﷺ قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".
والحج المبرور: هو الذي وُفيت أحكامه، ولم يخالطه شيء من الإثم.
والذي يستعرض أعمال الحج وأحكامه يجدها ترجع إلى عناصر يكمل كل منها الآخر، ومدارها على أن يجدد المسلم حياته بالحج، فيقطع صلته بكل ما كان يعلق بها من شوائب الإثم، أو الانحراف عن طريق الله ووسائل مرضاته، ويبدأ حياته جديدة نقية، بنفس راضية تقية، بعد توبة نصوح
стр. 4738
يُشهد الله عليها في أطهر بقاع الأرض، مخاطبا ربه قائلاً: "لبيك اللهم لبيك"، وملتزماً أن لا يعمل من ذلك الحين إلا ما يرضي الله من عمل، وأن لا يقول إلا ما يقربه إلى ربه من خير وحق، وأن لا يعود إلى أهله ووطنه إلا وهو إنسان آخر، يؤثر مرضاة الله في كل ما يصدر عنه، ويكون في جانب الحق في كل ما يصطدم فيه الحق والباطل، ويحرص على أن يكون من أهل الخير، كلما دعته الظروف، وسنحت له الفرص لعمل الخير.
كما أن المدرسة مصنع يدخله غير العارفين، ثم يتخرجون منه علماء عارفين، كذلك الحج فرصة من فرص الحياة يتعرض لها المسلمون بما ارتكبوا في حياتهم من هفوات، وما وقع منهم مما لا يرضى الله عنه، فيجددوا توبتهم العظمى في البلد الحرام، والشهر الحرام، ويهتفون من أعماق قلوبهم معاهدين ربهم على التزام أوامره واجتناب نواهيه قائلين: "البيك اللهم لبيك"، فلا ينتهون من مناسكهم إلا وهم على عهد مع الله بأن يكونوا من أهل الاستقامة في حياة جديدة قامت مناسك الحج حائلاً بينها وبين شوائب الماضي، فيعفو الله عما سلف على قدر ندم صاحبه عما فرط منه، وعلى قدر ثباته على عهده مع الله بأن يكون من أهل السلامة والاستقامة والتقوى.
إن عشرات الألوف من المسلمين يقفون بين يدي الله في عرفة، في البقعة المباركة التي وقف بها رسول الله- ﷺ وصفوة خلق الله من أصحابه الأكرمين والتابعين لهم بإحسان.
وهذه الألوف التي لا تحصى، ترفع أصواتها بالدعاء إلى الله الرحمن الرحيم معلنة أنها أجابت دعوته، وأنها تعاهده على أن تتوخى رضاه في أقوالها وأفعالها. ولن تكتفي هذه الجموع العظمى بهذا العهد العظيم مع الله،
стр. 4739
بل إنها بعد الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة تدفع من مزدلفة إلى منى قبل أن تطلع الشمس، وفي منى تعلن مقاطعتها للشيطان، وترمز لهذه المقاطعة برميه عند الجمرة الكبرى، ثم عند الجمرة الوسطى، وجمرة العقبة في أيام التشريق، وهي الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر.
هذه المقاطعة الرمزية للشيطان في كل ما ينتظر أن يسول به للمسلم في حياته من شر أو إثم، يقوم بها الحجاج بعد ذلك العهد الذي قطعوه لربهم كلما هتفوا له: "لبيك اللهم لبيك"، فتخرج نفوسهم نقية طاهرة منيبة إلى الله، مستريحة من أوزار الماضي، ومستقبلة حياة جديدة صالحة، وأياماً سعيدة هنيئة.
هذا هو الحج المبرور؛ لأنه يرجع بالمسلم إلى الله، ويرجع المسلم إلى سعادته التي كفلها له الإسلام، ودله على طريقها، وضمن له الجنة إذا التزم هذا الطريق فلم يخرج عنه.
يا حجاج بيت الله الحرام إن الله قد هيأ لكم الفرصة الثمينة لتجددوا أنفسكم، وترجعوا إلى ربكم، وتكونوا من خيرة أبناء بلادكم وأمتكم، فتسعدوا في الدنيا، وتكونوا من أهل الجنة في الآخرة. وسبيل ذلك: أن تكونوا من أهل الحج المبرور، ولا يكون حجكم مبروراً إلا بالتوبة الصادقة، ومقاطعة الشيطان إلى الأبد، وفي كل شيء.
نسال الله أن يتم عليكم هذه النعمة، وأن يجعلكم من عباده الصالحين.
والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 4740
جددوا أنفسكم في هذا العيد كما جددتم ثيابكم (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون!
في مثل هذا اليوم المبارك من حجة الوداع خطب رسول الله ﷺ في المسلمين الأولين، وكانوا بشهادة الله لهم خير أمة أخرجت للناس، فأعلن فيهم بدء حياة جديدة، يتناسون فيها ما كان بينهم من إحن وشحناء، وترات وبغضاء، وتعامل بما لا يرضي الله، واختلاف بالباطل على الأموال، وتعامل بالربا، وخروج عن سنن الإسلام إلى سنن الجاهلية. وبذلك جدد فيهم الأخوة والمحبة، والتعاون على الخير، والتعامل بشرع الله وأخلاق الإسلام، وجعل ذلك نظاما لأمته جميعاً، من حضر منهم تلك الخطبة النبوية العظيمة، ومن غاب عنها. وقد فعل ذلك بأمر من الله، ولذلك أشهد الله على ما فعل، وأمر الذين شهدوا خطبته وسمعوا مقالته أن يبلغ الشاهد الغائب.
стр. 4741
وإذا كنا نحن -أيها المسلمون- ممن غاب عن تلك الأوامر والإرشادات المحمدية، فقد أبلغنا ذلك الرواة الثقات العدول.
أيها المسلمون!
إن أمل نبيكم فيكم لعظيم، وإنكم أمة مباركة، أولها خير وآخرها، ولذلك قال- ﷺ في خطبته التي خطبها في حجة الوداع: "ربَّ مبلغ أوعى من سامع". وها أنتم هؤلاء ممن بلغتهم دعوة نبيكم ﷺ إلى أن تجددوا أنفسكم في هذا العيد المبارك كما جددتم ثيابكم، فاجعلوا نفوسكم نقية طاهرة، كما جعلتم ثيابكم وبيوتكم طاهرة نقية، كونوا من أمة نبيكم المباركة؛ لتكونوا من أهل الخير كما كان سلفكم الأول من أهل الخير، وكونوا من أهل الوعي لهذا الإرشاد العظيم؛ لتسعدوا به، ولتكونوا ممن قال فيهم - صلوات الله وسلامه عليه -: "رب مبلغ أوعى من سامع".
أيها المسلمون!
إن هذا العيد يفرح فيه المسلمون بما كتب الله لإخوانهم حجاج بيت الله الحرام من تجديد في حياتهم بما خلعوا عنهم من سيئات الماضي وآثامه، وبما عاهدوا الله عليه عندما هتفوا له: "لبيك اللهم لبيك" بأن يكونوا من أهل مرضاته. فهذا العيد هو عيد الفرح بأن هذا الجمع الأعظم من المسلمين الذين حجوا بيت الله الحرام قد طهروا نفوسهم وقلوبهم من درن الآثام، وصاروا من صالحي أمة محمد ﵊، وإذا كان هذا مما يفرحنا، ونعيِّد لأجله، فلماذا لا نشاركهم في هذا العيد الذي نعقده مع الله بأن نكون نحن أيضاً من أهل الخير، وأن نتعامل فيما بيننا بما يرضيه، وأن نتعاون على البر والتقوى؟.
стр. 4742
أيها المسلمون!
عاهدوا ربكم على ذلك، وجددوا حياتكم؛ لتلقوا الله وأنتم من أهل السعادة، وإذا عاد إليكم حجاج بيت الله الحرام، فراقبوهم، وصاحبوهم، وكلما هفا أحد منهم هفوة تخالف ما عاهد الله عليه عندما نادى ربه قائلاً: "لبيك اللهم لبيك"، فذكروه بعهده مع الله، وتعاونوا على ما يرضي الله؛ لتكونوا بعد اليوم أمة صالحة سعيدة، تعيش الحق وللحق، ويما يرضي الحق، جلت عظمته، وعز سلطانه.
أيها الأغنياء من المسلمين!
إن نبيكم ﷺ كان يضحي في هذا العيد المبارك بكبشين سمينين عظيمين، فإذا صلى وخطب الناس، أُتي بأحدهما وهو قائم في مصلاه، فذبحه، ثم يقول: "اللهم إن هذا عن أمتي جميعاً؛ ممن شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلاغ"، ثم يؤتى بالكبش الآخر، فيذبحه ويقول: "هذا عن محمد وآل محمد"، فيطعمهما جميعاً للمساكين، ويأكل هو وأهله منهما.
فالنبي- ﷺ كان يعيش لأمته، ويحمل عن أمته.
فيا من أغناهم الله! اشكروا نعمة الله عليكم؛ بأن تعيشوا أيضاً لأمتكم، وتحملوا عن أمتكم، وإن الزمان قد استدار، وإن أمتكم قد عزمت بحول الله وحسن توفيقه على أن تبدأ حياة جديدة يدعمها كل فرد منا بما يستطيعه من الناحية التي هو فيها، وبالموهبة التي وهبها الله له من مال أو علم أو صناعة، أو غير ذلك من نعم الله عليه.
فكل فرد من أفراد الأمة مدعو إلى بذل ما يستطيعه، وما يتيسر له من تضحية؛ ليتمتع هو الآخر من مجموع تضحيات.
стр. 4743
وعيد الأضحى رمز إسلامي قديم لمعنى التضحية، ولما يجب على المسلم من بذل في دائرة مقدوره، وبمجموع ذلك يكون التعاون، وإن الحياة بهذا التعاون وهذه المحبة تكون جميلة وسعيدة، وفي أيدينا أن نكون من أهل السعادة -إن شاء الله-، وهذا العيد المبارك يذكرنا بهذا كله، أعاده الله عليكم بالهناء والسعادة، وتحقيق الأماني.
стр. 4744
موقف الإسلام من حوادث مراكش ومعاهدة ليبيا (١)
قال مندوب "الأهرام":
أديت فريضة المغرب أمس مع فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر.
وعقب الصلاة اتجه إلى الله رافعا يديه نحو السماء، داعياً أن ينصر الإسلام، ويحرر بلاد العرب من الاستعمار والمستعمرين، ويخلصها من الأذناب الموالين للأعداء.
* أذناب الاستعمار شر خلق الله:
ثم التفت فضيلته إليَّ وقال: إن شر ما تصاب به الأمم المستعمَرة: أن يجد أعداء البلاد من بنيها أتباعاً وأشياعاً وأذناباً يخونون ربهم ووطنهم، ويفقدون كرامتهم وإنسانيتهم، فيعملون في خدمة أولئك الأعداء على حساب البلاد التي نبتوا فوق أرضها، واستظلوا بسمائها، وشربوا ماءها، وهؤلاء هم شر خلق الله، وأبعدهم من رحمته ورضاه؛ لأنهم منافقون؛ يقابلون مواطنيهم بوجه وطني، ويقابلون أعداء البلاد بوجه استعماري، لا يثقون في أنفسهم،
стр. 4745
ولا يؤمنون بوطنهم، ويدعون إلى الهزيمة والخيانة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٠].
* حوادث مراكش:
فسألته عن رأي الإسلام في الأحداث الجارية في مراكش، وما تمخضت عنه من خلع سلطانها الشرعي.
فقال فضيلته: إن مراكش وبلاد المغرب الأقصى تعد من أعرق الدول الإسلامية في التاريخ، ولقد أخذت طريقها إلى مجدها ونهضتها من قديم، حتى ضرب عليها الاستعمار الفرنسي حمايته قبيل الحرب العالمية الأولى، وكاد لأهلها شراً، وأبى الوطنيون المسلمون أن يخضعوا لهذه الحماية التي يأباها الإسلام، وترفضها كرامة العروبة، فسقط في ميدان الجهاد كثيرون من أبنائها، وشرد المجاهدون وسجنوا، وسجل الاستعمار وثيقة حمايته للبلاد قسراً، وفرض عليها قيوداً، وما من يوم مر بتاريخ هذه البلاد إلا سجل فيه الاستعمار خزياً جديداً، واعتداء سافراً على حقوق الوطن والوطنيين في تونس ومراكش.
ولما أعيتهم الحيل، لجؤوا إلى أحدث أساليب الاستعمار، فمزقوا وحدة أبنائهما المسلمين، وخلقوا منهم شيعاً يضرب بعضهم رقاب بعض لصالح الاستعمار نفسه.
ووجد الخونة الذين يبيعون بلادهم بأبخس الأثمان للمحتلين، ويعينونه على خلع السلطان الشرعي للبلاد، ولا شك أن الإسلام يأبى الخضوع للمستعمرين، ويطالب بتقليم أظافر المعتدين.
стр. 4746
* المعاهدة البريطانية في ليبيا:
وسألت شيخ الأزهر عن رأيه في المعاهدة الإنجليزية التي عقدتها ليبيا أخيراً.
فقال فضيلته: إن الاستعمار ملة واحدة، والذي يقرأ نصوص المعاهدة الليبية يدرك تماماً أهداف المستعمرين من تثبيت قدم الاحتلال في هذه المنطقة العربية. ولقد صدر بيان هيئة كبار العلماء، وحدد المسؤولية الإسلامية بشأن هذه المعاهدة، والأحداث الجارية في مراكش.
* الدول تنحرف كالأفراد:
ثم أضاف فضيلته قائلاً: إن الدول تنحرف أحياناً كما ينحرف الأفراد، وتعاقب على خيانة العهد وموالاة الأعداء، ومن نكد الدنيا، وفساد الطبائع، أن يجد أعداء الإسلام من أرباب المنافع الشخصية في البلاد قوماً يودونهم ويوالونهم، ويعملون لدعم قواعد احتلالهم لأوطانهم، وتحقيق أهدافهم الاستعمارية، ومعاونتهم في القضاء على الدين والدولة والأوطان، إما جرياً وراء نفع مادي، وإما خشية سوء العواقب. وذلك على الحالين مرض في القلب، وخيانة لله والرسول، ونفاق يأباه الشرع، وتمقته المروءة، ويرفضه القرآن الذي قال عنهم: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢].
* لا مودة لأعداء الله والوطن:
واستطرد فضيلته فقال: لقد حرم الاسلام مودة أعداء الله ورسوله بالغةً ما بلغت صلتهم بالانسان، حتى لو كانوا آباء أو أبناء، أو أهلاً أو عشيرة،
стр. 4747
فما بالك بأعداء لا تربطنا بهم إلا أسوأ صلة هي صلة الاستعمار والاضطهاد؟.
والله يأمرنا بالاستعداد دائماً لمحاربتهم، ومقابلة قوتهم بالقوة، فيقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ويجرد أنصارهم من الإيمان، فيقول الله تعالى في قرآنه العظيم: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
* وجوب التكتل لمواجهة الاستعمار:
وقد أمر الله المسلمين في جميع بقاع الأرض بأن يتكتلوا، وأن يواجهوا أعداءهم صفاً واحداً، وأن يقلموا أظافر الخونة الذين يوالون أعداء الدين والوطن، وأن لا يضعفوا أمام أية عاطفة في سبيل جهادهم، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
* الإسلام ومعاهدة الأعداء:
وقلت لفضيلة الشيخ الأكبر: إني أطلب رأياً في هذه المعاهدات التي تعقد بين هذه الدول الغادرة، والبلاد العربية المنكوبة، وهل هي نوع من ولاية الكافر على المؤمن؟ وما هو رأي الإسلام فيمن يتولى عقدها مع هؤلاء الأعداء خشيهَ بطشهم، أو قصد الحصول على أموالهم، في سبيل بيع حرية البلاد، ويفضلهم على بني جنسه وعروبته؟!.
стр. 4748
فقال فضيلته: لقد أجاب القرآن الكريم إجابة حاسمة عن كل هذا في آية صريحة واضحة لا شبهة فيها ولا التباس، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩].
* قصيدة للأستاذ الأكبر:
وختم الأستاذ الأكبر حديثه بأن أنشد قصيدته الجديدة التي صاغها لمناسبة الأحداث الجارية في مراكش وليبيا وتونس، وقد جاء فيها:
لا تسامى كلما خضتَ غِمَاراً ... وإذا رُضْتَ جواداً لا يجارى
هاتِ من عزمك ما ترقى به ... أمة هيضت جناحاً وفقارا
إن يصح العزم من قوم ... فلا يلتقي شانِئُهُم إلا تَبارا
ولقاء الموت في ذودك عن ... ساحه يكسب ذكراك فَخارا
فأسال المغرب كيف امتلكوا ... بعد الاستعمار زرعاً وعَقاراً
أبرموا العهد ولم يوفوا على ... أنهم لاقوا كراماً وخيارا
ورعينا منهم الجارَولو ... أنصفونا حمدوا منا الجوارا
لارعى الله عهوداً قد كست ... بلظى الضيم صِغاراً وكبارا
وختم الأستاذ الأكبر حديثه قائلاً: "إنني أتمنى على الله أن أعيش حتى أشهد مصرع الاستعمار في كل البلاد الإسلامية والعربية".
فقلت لفضيلته: حياك الله، وأحياك حتى تبلغ مناك، فهي مُنى جميع العرب والمسلمين.
стр. 4749
إشاعات السوء وموقف الإسلام منها (١)
إشاعات السوء عن شؤون الأمة وسير أعمالها، وأهداف إصلاحاتها، ومقاصد رجالها، لا تقل ضرراً في كيان الأمة وسلامة الوطن عن التجسس للعدو على دخائلها، ومواطن قوتها وضعفها. فكل ذلك خدمة للعدو، وموالاة له. وقد خاطب الله المسلمين بقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ ﴿الممتحنة: ١].
بل إن موالاة العدو -في حال عدوانه-، وترويج ما ينفعه في مضرة الإسلام وأهله تُخرج الموالين له عن تبعيتهم لأمتهم، وتلحقهم بأمة عدوهم. وفي ذلك يقول الله : ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].
* ترويج إشاعات السوء:
ومن أشد ما يوالي به المنافقون من يكيد للأمة من أعدائها: ترويج إشاعات السوء، والإصغاء إليها، وقد ورد في ذلك قول الله : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١﴾
стр. 4750
وكان مما كانوا يرجفون به: ما ذكره الله عنهم في قوله : ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢].
ولهؤلاء المنافقين خلفاء في كل عصر من عصور الإسلام، وفي كل وطن من أوطانه، يخذلون الناس عن أئمتهم وولاة أمرهم، ويشيعون السوء عن برامجهم وخططهم، وهذا مرض في القلوب كما وصفه الله ، وعلى من يصاب بهذا المرض أن يعالج نفسه قبل أن يعالج بأحكام الله.
وفي هؤلاء أيضاً ورد قول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء: ٨٣]؛ أي: أفشوه؛ حيث لا يكون من المصلحة العامة إذاعته وافشاؤه، وقد يكون ما يذيعونه كذباً ومضراً بالمصلحة، فيكون ذلك من الإثم المزدوج الذي طهر الله قلوب المؤمنين منه.
واللائق بالمسلمين إذا سمعوا قالة السوء أن يكونوا كما أراد الله للمسلمين في قوله : ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾ [النور: ١٢]، إلى أن قال سبحانه: ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥ - ١٦].
ولما عاد المسلمون من غزوة أحد، كان فيهم من اختلفوا في الحكم على المنافقين والمرجفين، فقال فريق للنبي ﷺ : "اقتلهم "، وقال فريق: "لا تقتلهم"، فنزل في ذلك قول الله : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، وفي ذلك ورد الحديث النبوي: "إنها طيبة -أي: المدينة- تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الحديد"، وفي رواية: "خبث الفضة".
وأول فتنة فىِ الإسلام، وهي الجرأة على خليفة رسول الله وصهره
стр. 4751
سيدنا عثمان، كان منشؤها إشاعات السوء الكاذبة، وتضليل البسطاء وضعاف الأحلام، فجرّ ذلك على الأمة من الضرر ما لم تتوصل إلى مثله الدول المعادية بما لديها من جحافل وقوات حربية.
وفي الليلة الأخيرة قبل نشوب حرب الجمل، توصل أصحاب رسول الله ﷺ من الفريقين إلى التفاهم على ما يرضي الله من إقامة الحدود الشرعية على من يثبت عليه أن له يداً في مصرع أمير المؤمنين عثمان، وبات أبناء كل فريق في معسكر الفريق الآخر بأنعم ليلة، وأسعدها، وأرضاها لله، فما كان من قتلة عثمان، ومن يتبعهم من قبائلهم إلا أن أنشبوا القتال في الصباح الباكر، وأشاعوا في كل معسكر من المعسكرين بأن المعسكر الثاني هو المهاجم له، على خلاف ما اتفقوا عليه بالأمس، وبذلك كانت الإشاعات بين الطرفين أفتكَ بهما، وأضرّ على الإسلام من أسلحة البغاة الفاتكة.
أيها المسلمون!
إن إشاعات السوء سلاح العدو، والذي يصغي إليها يمكن العدو من الفتك بالأمة والوطن، ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. فاعملوا في ذلك بهداية الله وإرشاده حين يقول: ﴿ولَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦].
وعلى ولاة الأمر أن يتصرفوا فيمن يثبت عليهم ذلك وفقاً لحكم الله تعالى حين يقول لنبيه: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].
إن الأمة تجتاز اليوم مرحلة من أدق مراحلها في تاريخ نضالها العنيف،
стр. 4752
هي مرحلة تقرير المصير. وهذه المرحلة -بما لها من الخطر والأثر في مستقبل الأمة وحاضرها- تقتضي منا أن نتيقظ لكل ما يراد بنا، سواء من العدو الغاصب، أو من أعوانه، وأن نحذر دعاة الفتنة، والذين يعملون على إشاعتها بين طبقات الأمة، ولنعلم أن هؤلاء وأولئك يستهدفون غرضاً واحداً، ويعملون لغاية واحدة، هي: تمزيق الشمل، وتشتيت الجمع، وتفريق الكلمة، وإشاعة الكراهية بين الحاكم والمحكوم، وإلقاء العداوة بين المؤتمين والمأموم. وهم بهذا يعملون للفتنة ومن أجلها، فإذا ما تحققت غايتهم، فإن الفتنة لا تصيبهم وحدهم، ولا تصيب طائفة دون أخرى، وإنما هي تصيب الأمة بأسرها.
وقد حذرنا الله تعالى منهم ومن فتنتهم، فقال- جل شأنه-: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥﴾ , واتقاء الفتنة يكون بدفعها وإدحاضها، وإنزال العقوبة الرادعة على كل من يثبت عليه أنه كان سبباً فيها، أو في عنصر من عناصرها، ويرى علماء الشافعية أن تكون العقوبة هي (الإعدام) لكل من يثبت عليه أنه أحدث بين المسلمين فتنة. وأما علماء المالكية، فإنهم يتركون الحد على هذه الجريمة لاجتهاد الإمام؛ أي: الحاكم، ومن هنا نرى أنه لا سبيل إلى الهوادة أو المهادنة في إقامة الحد على هذه الجريمة النكراء، جريمة إحداث الفتنة بين الصفوف؛ مناصرة لعدو البلاد الأكبر، وهو المستعمر الغاصب.
فلنتق الله في أمتنا ووطننا، وتقوى الله تدفع كل شيء، وتحول دون أي مكروه، والله يوفقنا، ويسدد خطانا إلى ما فيه النجح والرشاد.
وإلى هنا كان الشيخ الأكبر قد أوفى على الغاية، وأصاب المحز، فأماط اللثام عن حكم الله في مثل هذه الطامة الكبرى، فشكرت لفضيلته، واستأذنت في نشره، فتفضل وأذن.
стр. 4753
لا تعرف الإنسانية حضارة قاومت الرق كالإسلام (١)
استعباد البشر للبشر قديم جداً، لا يعرف له التاريخ بداية؛ فقد رأيناه بجميع أنواعه في أقدم ما نعرفه عن الصين، وفي الهند كانوا يدينون بأن من لم يكن برهمياً، فهو مخلوق ليكون عبداً للبرهمي، ويسمونه: (سودرار). وكان الرقيق في النظام الفرعوني هو أداة العمل، وعلى كتاف الرقيق بنيت الأهرام، وكان الرق عريقاً في تاريخ الآشوريين والفرس، أما في بني إسرائيل، فقد أباحت التوراة الاسترقاق بطريق الشراء، أو سبياً في الحرب، بل أباحت التوراة للعبري أن يُستعبد إذا افتقر، فيبيع نفسه لغني، حتى يوفي له الثمن، أو يخدمه ست سنين، ثم يتحرر، وإذا سرق العبري ماشية وذبحها، أو أي شيء استهلكه، ولم يكن في يده ما يعوضه به عن سرقته، يباع السارق بسرقته، كما نصت على ذلك التوراة في: سفر الخروج، وأباحت التوراة للعبري أن يبيع بنته، فتكون أمةً للعبري الذي يشتريها.
* الرق عند اليونان:
وكان استعباد البشر للبشر مطلقاً وبكثرة في حضارة اليونان، وكان قرصانهم يتخطفون أبناء الأمم الأخرى في مختلف السواحل، ويبيعونهم في
стр. 4754
أسواق "أثينا"، وغيرها، ولما صارت لليونان مستعمرات في آسيا الصغرى، صارت لهم فيها أسواق للاتجار بالرقيق، حتى امتلأت بيوت الإغريق بالإماء والعبيد، يستعبدهم اليونان جميعا، لا فرق بين غني وفقير، ولم تؤثر في تاريخهم كلمة واحدة عن أي حكيم من حكمائهم باستنكار استعباد الإنسان، لأخيه الإنسان أو الترغيب في تحريره.
وعند الرومان:
أما الرومانيون، فإن النخاسين كانوا يتخذون الحروب الكثيرة مواسم لتجارتهم، فيصحبون الجيوش إلى أوطان الشعوب الأخرى؛ ليشتروا الأسرى والمغلوبين من صبيان وينات، ورجال ونساء بأبخس الأثمان، حتى لقد كان النخاس إذا كان غنياً يشتري ألف إنسان صفقة واحدة، عقب نصر كبير تعده الإنسانية خزياً، ويعده تاريخ الاستعمار الروماني عظمة ومجداً، وفي مدينة "رومية" العظمى كانت للرقيق سوق تعرض فيها هذه البضائع للمزاد العلني على رابية مرتفعة، فيكون الرقيق عرياناً من كل ما يستره، ذكراً كان أو أنثى، كبيراً أو حدثاً، ولمن شاء من الناس أن يدنو من هذا اللحم الحي المعروض للبيع، فيجسه بيده، ويقلبه كيف شاء، ولو لم يشتره في النهاية، والقانون الروماني لم يكن يعتبر الرقيق إنساناً له شخصية ذات حقوق على الإنسانية، بل يعتبره شيئاً من الأشياء كسائر السلع التي يباح الاتجار بها.
* نظام كان معترفاً به:
ولما جاءت المسيحية، كانت عبودية الإنسان شائعة في كل العالم. نقل الدكتور (جورج برست) أحد رجال الجامعة الأمريكية في بيروت، في المجلد الثاني من كتابه "قاموس الكتاب المقدس" (ص ٦٠ - ٦١) طبع المطبعة
стр. 4755
الأمريكية في بيروت سنّة ١٩٠١ م قول العالم (شاق): إن المسيحية لم تعترض على العبودية من وجهها السياسي، ولا من وجهها الاقتصادي، ولم تحرض المؤمنين على منابذة جيلهم في آدابهم من جهة العبودية، حتى ولا على المباحثة فيها، ولم تقل شيئاً ضد حقوق أصحاب العبيد، ولا حركت العبيد إلى طلب الاستقلال، ولا بحثت عن مضار العبودية، ولا عن قساوتها، ولم تأمر باطلاق العبيد حالاً. وبالإجمال: لم تغير النسبة الشرعية بين المولى والعبد بشيء، بل بعكس ذلك، فقد أثبتت حقوق كل من الفريقين وواجباتهما.
هكذا كانت عبودية الإنسان في أمم الأرض عندما ظهر الإسلام. فهو نظام كان معترفاً به من كل الأمم، وأسواقه قائمة في كل مكان، وآثاره موجودة في بيوت الناس ومجتمعاتهم، وفي أنظمة الدول ومرافقها.
ثلاث جهات:
وأبرز مواقف الإسلام من الرق كان من ثلاث جهات:
أولاً: أمر المسلمين بحسن معاملة من تحت أيديهم من الرقيق إلى أقصى ما يمكن أن تسمو إليه الفضائل الإنسانية.
ثانياً: الترغيب في تحرير الرقيق إلى أقصى ما ينتظر من دين عالمي جاء ليعالج عيوب المجتمع بحسن توجيهه نحو الفضائل.
ثالثاَّ: وضع قاعدة المعاملة بالمثل في الحروب الدولية فيما يتعلق بالأسرى ومبدأ الاسترقاق. وكلما وجد الإسلام دولة ترضى أن تتعامل معه بمبدأ ينطبق على أهدافه في تحرير الإنسانية من الرق، فإنه كان دائماً على استعداد للاتفاق معها على تحقيق هذه الأمنية بالفعل.
إن النصوص الصحيحة المأثورة عن الدين الإسلامي في القرآن، وكتب
стр. 4756
السنّة النبوية المشهورة بصحة رواتها، إذا أردنا أن نقتصر منها على المعاني الإنسانية الخاصة بالرقيق، فإنها وحدها تبلغ كتاباً، وإذا حاولنا أن ننقل الوقائع التاريخية عن عظماء المسلمين وأئمتهم، وأخبارهم في تطبيق هذه النصوص والمبادئ والأحكام بالعمل، لكان من ذلك مجلدات كئيرة. ويمكننا أن نعلن ونحن مطمئنون بصحة ما نقول: أنه من أول ابتلاء الإنسانية بنظام الرق، واستعباد البشر للبشر، إلى طروء الضعف على دول الإسلام في العصرين الأخيرين، لا تعرف الإنسانية حضارة، ولا ديانة، ولا فلسفة قاومت الرق، وحاولت التخفيف من أضراره، وتهذيبه بما يلائم الإنسانية كما فعل الإسلام وحده، دون غيره من أنظمة البشر ومذاهبهم وطوائفهم.
* تحرير الرقاب:
أما نص القرآن على ايجاب تحرير الرقيق، فنجده في سورة التوبة (الآية ٦٠) التي فرض فيها الإسلام ضريبة على المسلمين لهذا الغرض، وهي الزكاة، فجعل من مصارفها تحرير الرقاب؛ (أي: تحرير المملوكين): ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]. والرقيق الذي يطلب من مالكه أن يتعاقد معه على مبلغ من المال يدفعه له بسعيه وعمله ليتحرر من الرق، قد وردت (الآية ٣٣) من سورة النور بأمر المسلم المالك للرقيق أن يجيب هذا الطلب، وذلك في قول الله : ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
وتحرير الرقيق قد جعله الإسلام فدية عن أمور كثيرة؛ كقول الله -
стр. 4757
في (الآية الثالثة) من سورة المجادلة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: ٣﴾.
وكقوله سبحانه في (الآية ٨٩) من سورة المائدة: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩].
ومما أوصى الله به المسلمين في (الآية ٣٦) من سورة النساء، قول الله ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦].
* النبي يوصي بالرقيق:
أما الأحاديث النبوية في هذا الموضوع الإنساني، فكثيرة جداً لا يكاد يأتي عليها الحصر؛ لأن النبي- ﷺ ما برح يحدث أمم الأرض بها، ويحث القبائل والشعوب على العمل بها مدة ثلاث وعشرين سنة، منذ بعثه الله بالنبوة إلى أن اختاره للرفيق الأعلى.
ونحن نورد هنا نماذج قليلة منها؛ لندل على سائرها مما يتسع له المقام.
من ذلك: ما ورد في كتاب: الإيمان من "صحيح الإمام مسلم"، من حديث أبي ذر: أن النبي- ﷺ قال في الرقيق: "هم إخوانكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كفلتموهم، فأعينوهم".
وفي ذلك الكتاب من "صحيح مسلم" أيضاً، عن أبي هريرة: أن
стр. 4758
النبي- ﷺ قال: "من لاءمكم من خدمكم، فأطعموه مما تأكلون، وأكسوه مما تلبسون -أو قال: تكتسون-، ومن لا يلائمكم، فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله .
* الاسترقاق الشرعي:
ثم إن الاسترقاق الشرعي هو الذي يقع في حرب يراد بها إعلاء كلمة الحق، وأن يأذن بها الحاكم العام، وأن يعامل المسترق بالرفق والإحسان كما يعامل الابن والأخ.
وقد أصدر أحمد باي تونس سنة ١٢٦٢ هـ أمراً بتحرير المسترقين في المملكة التونسية، حيث إن غالب المالكين لا يعاملونهم بما أمر به الإسلام من الرفق وحسن المعاملة، ووافق الشيخ إبراهيم الرياحي رئيس الفتوى في تونس على ذلك.
ونص الفقهاء على أن من أضر برقيق ضرراً بيناً يعتقه القاضي عليه، وقد قدمنا أن الرق ليس بواجب من واجبات الحرب، إنما أباحه الإسلام للحاكم العام إذا اقتضته مصلحة الحرب، فلو اتفقت الدول على أن لا استرقاق، فرغبة شارع الإسلام في الحرية تجيز للحاكم العام أن يتفق مع المحاربين هذا الاتفاق، ويبطل الاسترقاق من أصله.
стр. 4759
الدعوة لتحديد النسل هدم لكيان الأمة، وجريمة في حقها (١)
قال مندوب "المصري" لفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر: كان لا بد للقراء أن يقفوا على رأيكم في مشكلة تحديد النسل، وهي مشكلة الساعة، وحديث الناس في محافلهم ومجالسهم.
فقال فضيلته:
إن التفكير في تحديد النسل لأفراد الأمة كلها أمر لا يجيزه الدين بحال، ولا ترضاه الشريعة الإسلامية السمحة، وإلى جوار ذلك، فإنه عمل لا يمكن تحقيقه بقانون عام يطبق على جميع الأفراد.
ومضى فضيلته يقول: وفيم هذا الهلع من كثرة النسل، ونحن في هذه الحياة قد تكفل المولى- جل شأنه- بأرزاقنا إذ يقول ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ] [هود: ٦].
ويقول- جل شأنه-: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ ﴿الإسراء: ٣١].
стр. 4760
* النيل:
ثم قال فضيلته: وهذا الكلام -أعني: الالتجاء إلى تحديد النسل- لا يقال في هذا البلد الذي وهبه الله النيل ليحيل صحراءه إلى نعيم، وأرضه إلى ثروات، وتساءل فضيلته قائلاً: هلا حاول الذين ينادون بتحديد النسل -قبل مناداتهم بهذه الدعوة- البحث عن وسيلة فعالة تحقق للبلاد الانتفاع بمياه النيل التي تذهب إلى البحر سدى أيام الفيضان؟ والانتفاع بهذه المياه لا شك يساعد على النهوض باقتصاديات البلاد وإنتاجها، ويساعد على قيام عديد من المشروعات النافعة الهامة. هلا فكروا في شيء من هذا وإبداء الآراء النافعة للنهوض بموارد البلاد.
* مشكلة الأيدي العاملة:
وماذا يمكن أن يجدي تحديد النسل على الجميع غير الضيق، ونقص الأيدي العاملة المنتجة؟ إننا نرى الرجال في الريف يفرحون بكثرة الأبناء؛ لأنهم يساعدونهم في أعمالهم الزراعية، ويضاعفون إنتاج آبائهم، فكيف إذن يحد نسل هؤلاء؟ ... إن لدينا مساحات واسعة يمكن تعميرها، والمشكلة مشكلة الأيدي العاملة، لا كثرتها.
* تقسيم صوري:
أما قلة الدخل وكثرته الذي تجعله الهيئة الصحية العالمية مقياساً لتقسيم الأمم إلى متأخرة ومتوسطة ومتقدمة، ففي نظري يكاد يكون تقسيماً صورياً لا غير، ذلك أننا إذا قسمنا متوسط الدخل في مصر، وهو ٣٠ جنيهاً تقريباً للفرد في العام، بمتوسط دخل الطبقة الأولى، وهو مئتا جنيه في العام؛ كما هو الحال في أمريكا وبعض ممالك أوربا، فإننا نجد النسبة محفوظة؛ لأن الحالة
стр. 4761
المعيشية في مصر أرخص جملة مرات من الحياة في أمريكا أو أوربا، والفرد الذي يعيش في مصر بثلاثين جنيهاً في العام لا يستطيع أن يعيش بمئتين أو ثلاث مئة في أمريكا وأوربا. أفما كان من الواجب مراعاة رخص الحياة أو إغلائها في مثل هذا الإحصاء؟.
* أصحاب الضرورة:
وتحدث فضيلته عن أصحاب الضرورة، والحالات الخاصة، فقال: أما أصحاب الضرورات؛ كالمرضى -مثلاً-، فإن هذه الضرورة تقدر بقدرها. وفي غير حالات المرض من الزوجين لا يجوز تحديد النسل في حالات فردية خوفاً من الفقر، وقد كان العزل جائزاً في أول الإسلام، ثم نهى رسول الله- ﷺ عنه بقوله: "إن العزل هو الوأد الخفي".
وذهب ابن حزم إلى أن العزل قد نسخ بهذا الحديث الشريف، ولا يباح إلا لضرورة المرض.
* الأمة الناهضة:
وأكد فضيلته المعنى بقوله: ألسنا أمة ناهضة؟!
ألسنا في حاجة إلى إعداد جيشنا إعداداً يتفق ومقتضيات العهد الجديد؟ وهذا لا يتأتى إلا عن طريق أبناء الأمة وإكثار عددهم.
* هدم لكيان الأمة:
وختم فضيلته الحديث بقوله: إن دعوة تحديد النسل هدم لكيان الأمة وجريمة في حقها.
стр. 4762
رأي الإسلام في شروط من يعينون في الوظائف (١)
جرى حديث لمندوب "المصري" مع فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر عن رأي الإسلام في شروط التوظف، والسن التي يجب توافرها فيمن يلي الوظائف في الإسلام، فأجاب فضيلته على ذلك بقوله:
ولاية الأمور العامة في الإسلام يتوخى فيها شرطان أساسيان:
أحدهما: الكفاية العلمية التي تناسب العمل العام الذي يراد ممن يتولاه أن يقوم بأعبائه.
والآخر: العنصر الخلقي، ومناطه الإخلاص.
ومهما تتبع الدارس الشروط والمؤهلات التي يطلبها الإسلام فيمن يلي الأمور العامة، ويصف بها ولاة الأمر المثاليين، وعمال الحكومة الصالحين، فإنه يجدها لا تخرج عن هذين الشرطين.
وانظر ما وصف الله به أنبياءه الذين تولوا شؤون أممهم؛ كنبي الله يوسف ﵇؛ فقد جاء في كتاب الله على لسانه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يوسف: ٥٥].
стр. 4763
فذكر العلم، وفيه الإشارة إلى الكفاية العلمية، وذكر الحفظ، وهو يستلزم العنصر الخلقي المطلوب في مثل هذا العمل، وهو الأمانة والإخلاص.
وقال الله مخاطباً داود: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، فذكر الحكم بين الناس بالحق، ولا يكون ذلك إلا بالعلم ومعرفة الأحكام، وشرط الانتهاء عن اتباع الهوى، وفي ذلك إشارة إلى العنصر الخلقي، ومناطه الإخلاص.
وتاريخ الولاية في الإسلام يدور في نصوصه وتطبيقها في أصلح عهوده حول هذين الشرطين، من غير نظر إلى السن والقدم؛ لأن المطلوب في العمل: الكفاية للقيام به والإخلاص فيه، وهذه هي الأهلية لولاية العلم العام في الإسلام. وقد ورد في "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة".
إن العلم واسع ومتشعب، ولا حدود له، والمطلوب منه في ولاية الأمور العامة: ما يحتاج إليه في حسن إدارتها، وتوخي المصلحة في شؤونها. ففي الأمور العسكرية والحربية يكون العلم المطلوب هو العلم العسكري، وفنون الحرب، وفي الأمور المالية: علوم الحساب، وتدبير المال، وفي الأمور الإدارية أو الهندسية أو الطبية أو القضائية: الإلمام الكافي بكل واحد منها لمن يتولاه بقدر ما يلزم للإحسان فيه.
ومما يدل على أن المعرفة والإخلاص هما اللذان كان الإسلام يتوخاهما في تولية العمال دون السن أو القدم: ما ذكره التاريخ من أن النبي ﷺ لما تم له فتح مكة -وهي يومئذ أعظم أمصار الإسلام، وفيها بيت الله، وهي وطن مولد النبي ﷺ اختاره للولاية عليها عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن
стр. 4764
أمية، وكان عمره حين تولاها نيفاً وعشرين سنة، فأحسن الولاية عليها في حياة النبي ﷺ ، وأقره أبو بكر عليها إلى أن مات يوم مات. وقد برهن طول مدة ولايته على كمال الكفاية الإدارية، والإخلاص لله. روى عبد الله بن يسار عن عمرو بن أبي عقرب: أنه سمع عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول: "والله! ما أصبت في عملي هذا الذي ولاني رسول الله ﷺ إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان!.
ومن أمثلة ولاية اكفاء للعمل، وإن كانوا حديثي السن: تأمير النبي ﷺ أسامة بن زيد على جيش كان من جنوده أبو بكر وعمر وأمثالهما، لميزات توفرت لأسامة في ذلك العمل، وانتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، واختار المسلمون أبا بكر للخلافة عليهم، فأقر ولاية أسامة على ذلك الجيش، وأراد أن يستبقي عمر في المدينة؛ ليكون مستشاره ووزيره، فلم يأمر أسامة بالتخلي عن عمر، بل (استأذنه) في ذلك باعتبار أن أسامة هو الآمر على عمر، فلا يجوز -ولا للخليفة- التصرف في أمره إلابإذن آمره المباشر، وهي سنّة من سنن الإسلام الحكيمة في نظام الحكم سنها ولاة أمور المسلمين في صدر تاريخهم، ولم تتوصل إلى مثلها الدول العريقة في تقاليد الحكم إلا بعد دهر طويل.
ومما يدل على التقدم بالكفاية دون السن والقدم: أن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب كان يُحضر عبد الله بن عباس، وهو شاب حديث السن في جملة كبار المهاجرين والأنصار، ويستشيره؛ لما بدا له من معرفته وإخلاصه.
والكفاية المطلوبة لكل عمل هي التي فيها مصلحة الدولة والأمة في مدة العمل.
قال القاضي أبو الحسن الماوردي في "الأحكام السلطانية": "إذا كان
стр. 4765
أحد المرشحين للإمامة أعلم، والآخر أشجع، يراعى في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى؛ لانتشار الثغور، وظهور البغاة، كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء، وظهور أهل البدع، كان الأعلم أحق".
وقال في شروط تقليد الوزارة: "إنه يحتاج فيه إلى شرط زائد على شرط الإمامة، وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرة بهما، ومعرفة بتفصيلهما؛ فإنه مباشر لهما تارة، ومستنيب فيهما أخرى، فلا يصل إلى استنابة الكفاة إلا أن يكون منهم، كما لا يقدر على المباشرة إن قصر عنهم، وعلى هذا الشرط مدار الوزارة، وبه تنتظم السياسة".
وقال في شرط ولاية كاتب الديوان: "المعتبر في صحة ولايته شرطان: العدالة، والكفاية، فأما العدالة، فلأنه مؤتمن على حق بيت المال والرعية، فاقتضى أن يكون في العدالة والأمانة على صفات المؤتمنين، وأما الكفاية، فلأنه مباشر لعمل يقتضي أن يكون في القيام به مستقلاً بكفاية المباشرين".
وأنت ترى أن مدار الولاية في الإسلام على الكفاية الممثلة في معرفة ما يلزم للعمل الذي يراد تولية العامل عليه، والعنصر الخلقي، ومناطه الإخلاص، والغرض من ذلك: أن يكون العامل جامعاً للصفات التي تتحقق بها مصلحة الدولة والأمة في ذلك العمل بحسب ظروفه الزمانية والمكانية.
ومن هنا يقال في تولية ولي الأمر أقاربه، فإن كانت ظروف العمل، والصفات التي يتحلى بها أقارب الإمام تقتضي توليتهم؛ لما يتوسم فيهم من الحرص على بقاء الدولة ونجاحها، والإخلاص في جلب المصالح لها، ودرء