← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

المعيشية في مصر أرخص جملة مرات من الحياة في أمريكا أو أوربا، والفرد الذي يعيش في مصر بثلاثين جنيهاً في العام لا يستطيع أن يعيش بمئتين أو ثلاث مئة في أمريكا وأوربا. أفما كان من الواجب مراعاة رخص الحياة أو إغلائها في مثل هذا الإحصاء؟. * أصحاب الضرورة: وتحدث فضيلته عن أصحاب الضرورة، والحالات الخاصة، فقال: أما أصحاب الضرورات؛ كالمرضى -مثلاً-، فإن هذه الضرورة تقدر بقدرها. وفي غير حالات المرض من الزوجين لا يجوز تحديد النسل في حالات فردية خوفاً من الفقر، وقد كان العزل جائزاً في أول الإسلام، ثم نهى رسول الله- ﷺ عنه بقوله: "إن العزل هو الوأد الخفي". وذهب ابن حزم إلى أن العزل قد نسخ بهذا الحديث الشريف، ولا يباح إلا لضرورة المرض. * الأمة الناهضة: وأكد فضيلته المعنى بقوله: ألسنا أمة ناهضة؟! ألسنا في حاجة إلى إعداد جيشنا إعداداً يتفق ومقتضيات العهد الجديد؟ وهذا لا يتأتى إلا عن طريق أبناء الأمة وإكثار عددهم. * هدم لكيان الأمة: وختم فضيلته الحديث بقوله: إن دعوة تحديد النسل هدم لكيان الأمة وجريمة في حقها.

стр. 4762

رأي الإسلام في شروط من يعينون في الوظائف (١) جرى حديث لمندوب "المصري" مع فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر عن رأي الإسلام في شروط التوظف، والسن التي يجب توافرها فيمن يلي الوظائف في الإسلام، فأجاب فضيلته على ذلك بقوله: ولاية الأمور العامة في الإسلام يتوخى فيها شرطان أساسيان: أحدهما: الكفاية العلمية التي تناسب العمل العام الذي يراد ممن يتولاه أن يقوم بأعبائه. والآخر: العنصر الخلقي، ومناطه الإخلاص. ومهما تتبع الدارس الشروط والمؤهلات التي يطلبها الإسلام فيمن يلي الأمور العامة، ويصف بها ولاة الأمر المثاليين، وعمال الحكومة الصالحين، فإنه يجدها لا تخرج عن هذين الشرطين. وانظر ما وصف الله به أنبياءه الذين تولوا شؤون أممهم؛ كنبي الله يوسف ﵇؛ فقد جاء في كتاب الله على لسانه: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يوسف: ٥٥].

стр. 4763

فذكر العلم، وفيه الإشارة إلى الكفاية العلمية، وذكر الحفظ، وهو يستلزم العنصر الخلقي المطلوب في مثل هذا العمل، وهو الأمانة والإخلاص. وقال الله مخاطباً داود: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، فذكر الحكم بين الناس بالحق، ولا يكون ذلك إلا بالعلم ومعرفة الأحكام، وشرط الانتهاء عن اتباع الهوى، وفي ذلك إشارة إلى العنصر الخلقي، ومناطه الإخلاص. وتاريخ الولاية في الإسلام يدور في نصوصه وتطبيقها في أصلح عهوده حول هذين الشرطين، من غير نظر إلى السن والقدم؛ لأن المطلوب في العمل: الكفاية للقيام به والإخلاص فيه، وهذه هي الأهلية لولاية العلم العام في الإسلام. وقد ورد في "صحيح البخاري" من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة". إن العلم واسع ومتشعب، ولا حدود له، والمطلوب منه في ولاية الأمور العامة: ما يحتاج إليه في حسن إدارتها، وتوخي المصلحة في شؤونها. ففي الأمور العسكرية والحربية يكون العلم المطلوب هو العلم العسكري، وفنون الحرب، وفي الأمور المالية: علوم الحساب، وتدبير المال، وفي الأمور الإدارية أو الهندسية أو الطبية أو القضائية: الإلمام الكافي بكل واحد منها لمن يتولاه بقدر ما يلزم للإحسان فيه. ومما يدل على أن المعرفة والإخلاص هما اللذان كان الإسلام يتوخاهما في تولية العمال دون السن أو القدم: ما ذكره التاريخ من أن النبي ﷺ لما تم له فتح مكة -وهي يومئذ أعظم أمصار الإسلام، وفيها بيت الله، وهي وطن مولد النبي ﷺ اختاره للولاية عليها عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن

стр. 4764

أمية، وكان عمره حين تولاها نيفاً وعشرين سنة، فأحسن الولاية عليها في حياة النبي ﷺ ، وأقره أبو بكر عليها إلى أن مات يوم مات. وقد برهن طول مدة ولايته على كمال الكفاية الإدارية، والإخلاص لله. روى عبد الله بن يسار عن عمرو بن أبي عقرب: أنه سمع عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول: "والله! ما أصبت في عملي هذا الذي ولاني رسول الله ﷺ إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان!. ومن أمثلة ولاية اكفاء للعمل، وإن كانوا حديثي السن: تأمير النبي ﷺ أسامة بن زيد على جيش كان من جنوده أبو بكر وعمر وأمثالهما، لميزات توفرت لأسامة في ذلك العمل، وانتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى، واختار المسلمون أبا بكر للخلافة عليهم، فأقر ولاية أسامة على ذلك الجيش، وأراد أن يستبقي عمر في المدينة؛ ليكون مستشاره ووزيره، فلم يأمر أسامة بالتخلي عن عمر، بل (استأذنه) في ذلك باعتبار أن أسامة هو الآمر على عمر، فلا يجوز -ولا للخليفة- التصرف في أمره إلابإذن آمره المباشر، وهي سنّة من سنن الإسلام الحكيمة في نظام الحكم سنها ولاة أمور المسلمين في صدر تاريخهم، ولم تتوصل إلى مثلها الدول العريقة في تقاليد الحكم إلا بعد دهر طويل. ومما يدل على التقدم بالكفاية دون السن والقدم: أن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب كان يُحضر عبد الله بن عباس، وهو شاب حديث السن في جملة كبار المهاجرين والأنصار، ويستشيره؛ لما بدا له من معرفته وإخلاصه. والكفاية المطلوبة لكل عمل هي التي فيها مصلحة الدولة والأمة في مدة العمل. قال القاضي أبو الحسن الماوردي في "الأحكام السلطانية": "إذا كان

стр. 4765

أحد المرشحين للإمامة أعلم، والآخر أشجع، يراعى في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى؛ لانتشار الثغور، وظهور البغاة، كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء، وظهور أهل البدع، كان الأعلم أحق". وقال في شروط تقليد الوزارة: "إنه يحتاج فيه إلى شرط زائد على شرط الإمامة، وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرة بهما، ومعرفة بتفصيلهما؛ فإنه مباشر لهما تارة، ومستنيب فيهما أخرى، فلا يصل إلى استنابة الكفاة إلا أن يكون منهم، كما لا يقدر على المباشرة إن قصر عنهم، وعلى هذا الشرط مدار الوزارة، وبه تنتظم السياسة". وقال في شرط ولاية كاتب الديوان: "المعتبر في صحة ولايته شرطان: العدالة، والكفاية، فأما العدالة، فلأنه مؤتمن على حق بيت المال والرعية، فاقتضى أن يكون في العدالة والأمانة على صفات المؤتمنين، وأما الكفاية، فلأنه مباشر لعمل يقتضي أن يكون في القيام به مستقلاً بكفاية المباشرين". وأنت ترى أن مدار الولاية في الإسلام على الكفاية الممثلة في معرفة ما يلزم للعمل الذي يراد تولية العامل عليه، والعنصر الخلقي، ومناطه الإخلاص، والغرض من ذلك: أن يكون العامل جامعاً للصفات التي تتحقق بها مصلحة الدولة والأمة في ذلك العمل بحسب ظروفه الزمانية والمكانية. ومن هنا يقال في تولية ولي الأمر أقاربه، فإن كانت ظروف العمل، والصفات التي يتحلى بها أقارب الإمام تقتضي توليتهم؛ لما يتوسم فيهم من الحرص على بقاء الدولة ونجاحها، والإخلاص في جلب المصالح لها، ودرء

стр. 4766

المفاسد عنها، فتكون توليتهم من مقاصد الإسلام وسنته، واعتبر ذلك بجهاد مسلمة بن عبد الملك في خلافة أبيه صاخوته؛ فقد قام للإسلام بما لو حرمت الدولة من قيادته وولايته، لكان ذلك خسارة كبيرة على الإسلام، أما إذا كانت ظروف العمل، والصفات التي يتصف بها أقارب الإمام تنافي المصلحة في تعيينهم، فيكون من سنّة الإسلام اجتناب ذلك. ولما طُعن أمير المؤمنين عمر، وأراد أن يجعل الأمر شورى في الستة الذين سماهم، اقترح عليه بعض الصحابة أن يستخلف ابنه عبد الله -وإن ابنه عبد الله من أعلم الصحابة وأكملهم-، ومع ذلك، فإنه عمر رأى الخير في الطريقة التي رسمها، وأبى أن يستخلف ابنه؛ لأنه كان يتوخى مصلحة الكيان الإسلامي على ما يحب أن يلقى الله عليه. إن سنن الإسلام في تولية العمال قائمة -كما ذكرنا- على عنصري: المعرفة، والإخلاص، ومدار ذلك: على ما تتحقق فيه مصلحة الدولة والأمة، وقد كانت الدولة الإسلامية والأمة الإسلامية في خير إلى أن خرج الأنانيون من الحكام عن هذه السنن، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

стр. 4767

نداء الأستاذ الأكبر إلى الطلاب بمناسبة افتتاح العام الدراسي بالأزهر (١) في يوم السبت ٢٢ صفر بدأت الدراسة في الأزهر، ومعاهده، وكلياته، وقد وجه يومئذ صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر السيد محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر هذا النداء: أبنائي طلاب الأزهر والمعاهد الدينية سلام الله عليكم ورحمته. أما بعد: فإنكم اليوم تستقبلون عاماً جديداً من حياتكم الدراسية الميمونة، وإنه ليطيب لي ولأساتذتكم أن نتلقاكم بالابتهاج والترحيب، وأن نؤازركم فيما تبغون من خير، وتنشدون من آمال، وأن أبذل لكم النصح، راجياً لكم التوفيق والسداد. أبنائي! إنكم تعدون لغاية نبيلة، ومقصد عظيم، يتقاضاكم أن تتزودوا من العلم، وأن تتحلوا بأحاسن الأخلاق، وتتجملوا بآداب الإسلام، فارصدوا لذلك أوقاتكم، وقفوا له جهودكم، واصرفوا فيه مواهبكم مخلصين صادقين.

стр. 4768

فبإخلاصكم ومثابرتكم تبلغون آمالكم، وتبنون مجدكم، ومجد الأمة التي تحوطكم بقلويها، وتعلق عليكم آمالها؛ فإن العلم أهدى سبيل إلى المجد، وأقوى دعامة لحضارة الأمم ورقيها. وقد نهضت الأمة إلى المجد، واطرحت حياة البطالة واللهو، فاستشعروا الواجب عليكم لدينكم ولأمتكم، وكونوا في طليعة العاملين، وفقكم الله، وعصمكم الله من بواعث الشر، ونفعكم بالعلم ونفع بكم ... والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4769

مولد رسول مولد رسالة (١) يحتفل المسلمون الآن بمولد خير الخلق، المبعوث بالهدى ودين الحق. إنه مولد الإنسان الكامل، الذي ولدت بمولده رسالة الإنسانية الكاملة. والإنسان الكامل الذي نحتفل بذكرى مولده، قد تمكن -في ثلاث وعشرين سنّة هلالية قضاها في حياته النبوية على الأرض- من أن يقدم للتاريخ أنموذجاً للأمة المثالية يعرضه على الأجيال منذ نحو أربعة عشر قرناً؛ لتقوم حجة الله على الناس فيما ينبغي لهم أن يأخذوا به، وما ينبغي لهم أن يتحرجوا منه، فيكونوا هم أيضاً صورة أخرى من صور الأمة الكاملة التي صنعها الله بيدي حامل أكمل رسالاته، فإن فعلوا، كانوا من أهل الهدى ودين الحق، وفتح الله لهم كنوز السعادة، ينعمون فيها بنعمة الطمأنينة والرضا إلى أن يلقوا الله راضياً عنهم، وهم راضون عنه. إن هذا المولود الكامل - صلوات الله وسلامه عليه - لم يكن في زمن مضى، ولا في زماننا هذا بحاجة من الإنسانية إلى تخليد ذكراه؛ فإن الله قد رفع له ذكره منذ شرح صدره للهدى والحق، وقرن اسمه إلى اسمه في شهادة الملايين له آناء الليل وأطراف النهار؛ بأنه أدى رسالة الله كاملة، واعترفت

стр. 4770

له الأمم -على اختلاف العصور- بأنه صنع من أمته أمة لا يعرف تاريخ الإنسانية أمة بلغت شأوها في فضائلها، وأقدار ساداتها وعظمة عظمائها. إن هذا المولود العظيم - صلوات الله وسلامه عليه - ليس في حاجة إلى إحياء ذكراه وتخليدها؛ فإن الدهر يفنى ولا تفنى ذكراه الطيبة الخالدة، ولكننا نحن- معاشر المسلمين المنتسبين إليه، المغتبطين بأننا من أهل الإجابة لدعوته- فىِ أشد الحاجة لأن يذكر بعضنا بعضا بأن سعادتنا وهناءنا، وكرامتنا وقوتنا، وصدق انتسابنا إلى صاحب هذه الذكرى، كل ذلك موقوف على أن نعود إلى الأخذ برسالته وأنظمتها: في أنفسنا، وييوتنا، وأسواقنا، ومجتمعاتنا، ومحاكمنا ودور حكمنا، في كل ما اشتملت عليه هذه الرسالة الكاملة من أغراض ومبادئ وأخلاق، وأحكام ومقاصد. علينا أن نحتفل اليوم بإحياء ذكرى (رسالة الإسلام) في عمومها وشمولها. وأول المظاهر فىِ إحياء هذه الذكرى: أن نتخذ الأسباب للعمل بها، وأول العمل بها أن يعمل بها كل مسلم في ذات نفسه، وفيما بسط الله عليه سلطان مسؤوليته وولايته من أهل وولد، أو أمة وبلد. إن الرسالة التي بعث الله بها صاحب هذه الذكرى - سلام الله ورحمته عليه - تنحصر في كلمتين اثنتين هما: (الحق)، و (الخير)، وإن وراء هاتين الكلمتين من مدلولات المعاني والأماني ما لا آخر له، ومجموع ذلك هو الإسلام الذي بعث الله به صاحب هذه الذكرى ﷺ ، ولا نعرف أحداً يخالف الحق والضرِ، أو يمتعض منهما، ويعارض في إقامتهما وظهورهما، إلا أن يكون مبطلاً، أو شريراً. ولذلك كانت رسالة الإسلام عامة إلى جميع الأمم في كل زمان ومكان.

стр. 4771

وجدير بكل من يحب الحق والخير أن يتدبر رسالة الإسلام، وما اشتملت عليه منهما؛ ليعمل بما انطوت عليه من حق وخير بقدر ما يرى فيها من مواتاة الحق والخير، وأن يصلي ويسلم عند ذلك على صاحب هذه الرسالة؛ لأنها رسالة الإنسانية الكاملة، والإنسان -من حيث هو إنسان- جدير به أن يؤمن بها، وأن يكون من أوليائها، وأن يحيا عليها إلى أن يموت عليها. أيها المسلمون! إذا كان الإنسان -من حيث هو إنسان- جديراً به أن يتدبر الرسالة التي ولدت بمولد هذا الرسول الكريم، وأن يعمل بها، وأن يصلي ويسلم من أعماق قلبه على المختار من الله لحملها، والدعوة إليها، وطبع أمم الأرض بطابعها، فأنتم أجدر الناس بأن تعاهدوا الله في هذه الذكرى المباركة بأن تجعلوا تدبر رسالة الإسلام أعظم أعمالكم، وأن تؤمنوا بكل ما انطوت عليه من حق وخير، وأن تعيدوا إليها جمالها بما يراه الناس من ذلك في أعمالكم. وهذا العهد أوفق العهود لذلك، ولاسيما في ذكرى مولد خير الخلق، المبعوث من الله بالهدى والحق، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وصحبه، وكل من عمل برسالته. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 4772

ليس للمرأة شرعاً أن تمارس السياسة لأن درء المفاسد المترتبة على ذلك مقدم على ما فيه من مصالح (١) قال مندوب "الأهرام": كان فضيلة الأستاذ الأكبر أمس عاكفاً على دراسة طائفة من المراجع الفقهية التي تحدثت في استفاضة وإبانة عن حقيقة موقف المرأة في نظر الشريعة الإسلامية، وقد ذكر لي فضيلته، أنه سوف يضع مذكرة مدعمة بالأدلة والبراهين القاطعة التي لا تدع مجالاً لقائل بأن للمرأة أن تمارس شأناً من شؤون السياسة العامة، وسوف يفرغ من هذا البحث في خلال أيام قليلة. * الإسلام دين الفطرة: ومضى الأستاذ الأكبر فقال: لست أريد بهذا البحث أن أدخل في جدل حول موقف المرأة نفسها، ولكني ساتحدث عن حكم الشريعة الإسلامية بوجه عام. ومن الحقائق الدائرة على الألسنة، المقررة بين علماء الإسلام: أن الإسلام دين الفطرة، وكان ذلك من أسباب سرعة انتشاره، واستمرار حيويته، وازدياد الإقبال عليه في كل العصور، ولو أتيح له أن يُعرف كما هو، لكان

стр. 4773

هو نظام الإنسانية كلها. ومن مظاهر كون الإسلام دين الفطرة: أنك مهما استقصيت أوامره، لا تجده يأمر إلا بما فيه مصلحة عامة، ومهما أحصيت نواهيه، لا تجده ينهى إلا عما فيه مفسدة، والإسلام يترك غير المسلمين يتحاكمون إلى أهل ملتهم، وإذا تحاكموا لدى القاضي المسلم، حكم بينهم، أو بينهم وبين المسلمين بالعدل؛ فإن العدل تابع للتحاكم، لا للإسلام، وذلك شأن دين الفطرة. وقد توصل علماء الإسلام إلى أن يستخرجوا من مجموع نصوص الشريعة وأحكامها قواعد عامة؛ كاستخراجهم قاعدة: الضرر يزال، من مثل قوله ﷺ : "لا ضرر ولا ضرار"، ويتفرع على ذلك أحكام لا تحصى في الفقه والقضاء. ثم قال: إن القواعد شأنها أن تؤخذ من موارد متعددة في الشريعة، ولهذا كانت في نفسها قطعية، وإنما الظن القوي في تطبيقها، وذلك كاف في حق المجتهد. وقد يرى واضع القانون الضرر الصغير في الواقع، فيمنعه، ويبيحه الشارع؛ لأنه وقاية من ضرر كبير، ومن هنا نشأت قاعدة: "ارتكاب أخف الضررين لما، ومن أصولها قول الله : ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا] [الكهف: ٧٩]؛ فإن عيب السفينة ضرر، لكنه أخف من أخذها غصباً. وينظر بعضهم إلى مصلحة تظهر من شيء، ولا تقع أنظارهم على المفاسد التي تنجم عنه، فيظهر لهم أنه أحكم من منعه؛ نظراً إلى مفاسده، ومن هنا نشأت في الشريعة قاعدة: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" ومن ذلك ما يدعيه القائلون بإعطاء المرأة حقوق الرجل السياسية؛ فإنهم نظروا

стр. 4774

إلى ما في المرأة من مزايا، وغفلوا أو تغافلوا عما يترتب على ذلك من مضار تشاهد في كل مكان، فدفعُ المضار مقدم على ما يذكرون من المزايا. ثم تحدث الأستاذ الأكبر مبيناً ما في الشريعة الإسلامية من النصوص والبراهين المؤيدة لهذا، فقال: من قواعد التشريع الإسلامي قاعدة: "العادة محكمة" أي: أنها تجعل حكما في إثبات الأحكام إذا لم يعارضها نص، وابتنى عليها قولهم: "الممتنع عادة كالممتنع حقيقة"، وقولهم: "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً"، وقولهم: "التعيين بالعرف كالتعيين بالنص"، وقولهم: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان"؛ أي: أن الأحكام التي كانت مبنية على عرف طرأ عليه التغير، تتغير بتغير ذلك العرف، فتبنى دائماً على العرف الذي لا يخالفه نص. ثم قال: إن القواعد -كما قلنا- مأخوذة من النصوص، والنصوص لا تأتي إلا للمصلحة العامة، والمصلحة العامة تتمشى دائماً مع الفطرة الإنسانية وسعادتها، فإذا لم تجز الشريعة للمرأة أن تمارس حقاً من حقوق السياسة، فإنما قصدت بذلك الخير الشامل للمجتمع الإنساني؛ فإن وظيفة المرأة الأولى أن تكون أما، وأن تكون ربة بيت، وقد أبيح لها أن تمارس الوظائف التي تتمشى مع طبيعتها، فإذا هي أرادت أن تتعداها، فإنما تكون قد خرجت عن الطريق التي رسمت لها، والتي تتفق مع طبيعة تكوينها، وفي هذا مضرة بها، ومضرة بالمجتمع، وشر بالإنسانية جمعاء يجب أن نتكاتف على دفعه، والله الموفق.

стр. 4775

طغيان الاستعمار وخطر الشيوعية ما نأخذ من نظم الغرب وما ندع (١) قالت "جريدة القاهرة": استقبل حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر صحفياً ألمانياً يمثل صحفاً ثمانياً، وهو (أتوبونجراتش) الذي قدم إلى مصر، وسيسافر إلى سوريا؛ ليوافي صحفه بمشاهداته في الأقطار الإسلامية. وقد سأل الصحفي فضيلته عن رحلته في ألمانيا، فقال فضيلته: كانت هذه الرحلة في أيام الحرب الكبرى، وكنت مع الأسرى الإفريقيين أتردد عليهم، وأعود إلى برلين. وقد زرت ألمانيا مرتين: أولاهما استغرقت تسعة أشهر، والثانية سبعة أشهر. ثم سأل الصحفي الأستاذ الأكبر عن أهم مشكلة في نظر المسلمين. فقال فضيلته: إننا نعمل على التخلص من طغيان الاستعمار على حقوق الأوطان الإسلامية والعربية.

стр. 4776

وسأل: إذا كانت روسيا من الدول الاستعمارية، فما هو خطرها على العالم الإسلامي؟ فأجاب فضيلته: إن الشيوعية نظام يخالف الإسلام، والمبادئ الشيوعية يقف الإسلام في وجهها، ولن تروج عندنا، وللأزهر وعاظه في أنحاء القطر، ومهمتهم نشر الفضائل الإسلامية، ومقاومة التطرف في أي صورة من صوره، ولن تروج الشيوعية إلا عند أفراد لا يتخذون منها مذهباً أو عقيدة، وإنما يجعلونها مغنماً مالياً. سأل الصحفي الألماني عن رأي الإسلام والمسلمين في طرق الحياة الغربية عامة. فأجاب شيخ الأزهر: في نظم الغرب ما يوافق الإسلام. وهنالك نظم وتقاليد يجري عليها الغرب لا يقرها الإسلام. والذي يدعو إلى تقليد الغرب في كل شيء مغالط. ونحن نخالف هؤلاء الدعاة فيما يخالف تقاليدنا الإسلامية؛ مثل: إعطاء المرأة الحرية المطلقة. قال الصحفي: هل تقصد فضيلتكم أن تبقى المرأة على النظام القديم؟ فأجاب: أعني: أنها لا تختلط بالرجال الأجانب عنها. وسأل الصحفي الألماني: هل على المرأة أن تطيع زوجها؟ فأجاب: عليها الطاعة فيما هو الحق والمصلحة. وقص فضيلته معنى ما روي عن عمر بن الخطاب: كنا معاشر قريش نغلب نساءنا، فجئنا الأنصار وهم قوم تغلبهم نساؤهم، فأخذ نساؤنا بأدب الأنصار، وكلمت زوجتي، فراجعتني في القول، فأنكرت عليها، فقالت: نساء النبي يراجعنه في القول.

стр. 4777

فنحن نريد زوجة تطيع فيما هو حق، ولها أن تراجع زوجها متى كان الحق في جانبها. فلما قال الصحفي: ومن يحكم بين الزوجين في الخلاف؟ أجابه الأستاذ الأكبر: المدار على خلق الزوج. وإذا كان الخلاف كبيراً، فالمرجع إلى القاضي؛ مثل: الخلافات المالية إذا عجز الأهل والأقارب عن حلها. وهل يبيح الإسلام أن تشكو المرأة زوجها؟ نعم، لها أن تذهب إلى القاضي. وانتقل الصحفي إلى أنه كان مع درية شفيق، وأنها تحتج على رأي الأستاذ الأكبر بالنسبة لتعدد الزوجات. وهنا ابتسم فضيلة الأستاذ الأكبر، وقال: تحتج على رأي الأسلام؟ ... و ... الإسلام أباح تعدد الزوجات، وليس للزوج أن يتعدى ما حددته الشريعة. لقد اشترطت الشريعة العدل والإنفاق، ورخصت للقادر أن يتزوج من أربع، وإذا خشي عدم القدرة على الإنفاق، كان عليه أن يقتصر على زوجة واحدة، والحكمة في تعدد الزوجات ظاهرة؛ لأن الزوجة قد تكون مريضة، وقد تكون عقيماً، والزوج يريد إنجاب الأولاد. وكثيراً ما ترضى الزوجة أن تظل مع زوجها، وتسمح له بالزواج من غيرها. والرجل ممنوع شرعاً من مباشرة غير زوجته، فإذا لم يبح الإسلام له الزواج، ربما ضاعت عفته. ولما قال الصحفي: إن التعدد يشاهد كثيراً بين أفراد الطبقة الفقيرة.

стр. 4778

أجاب الأستاذ الأكبر؛ بأن الإسلام اشترط العدل في الإنفاق والمبيت ... ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] والعرب كانوا يكثرون من الزوجات، فحارب الأسلام هذا الإكثار، ونظمه، وحدده. واستفسر الصحفي عن معنى ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤﴾ , وهل يدل ذلك على أن طبقات الرجال أعلى من طبقات النساء؟ فقال فضيلة الشيخ: إن عقول الرجال أوسع من عقول النساء، وفي النساء من هن أرجح عقلاً. والقوامة للرجال من جهة المال والإنفاق على النساء، والزوجة ذات المال غير مسؤولة عن نفقتها، ولا نفقة أولادها، إلا إذا تبرعت بمساعدة الزوج والأولاد. ومهمتها في البيت مهمة عظيمة، والإسلام لا يمنعها من التعلم والتثقيف، على أن تباعد بينها وبين الاختلاط بالرجال الأجانب عنها. والإسلام يرعى صالح المرأة، ويحرص على كيان الأسرة لإنشاء المجتمع القوي في الحياة.

стр. 4779

المعاهدات في الدول الإسلامية (١) كتب مندوب "الأهرام" يقول: آثر الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أن يستريح طيلة يوم أول أمس في منزله، وقد رأيت أن أقضي في صحبته بعض الوقت. وطاب له أن يطرق مع زائريه مختلف الأحاديث في عديد من الشؤون العامة الهامة. وقد رأيت أن أنتهز هذه الفرصة الطيبة؛ لأقف على رأي الإسلام حيال (المعاهدات) الدولية التي يبرمها الأقوياء مع الضعفاء، وحيال المعاملة التي يصح أن يعامل بها المسلمون ضيوفهم من (الأجانب) الذين يقيمون بين ظهرانينا، وقد تفضل فضيلته فاستهل حديثه بقوله: * العهود بين الدول: لا شك أن العهود بين الدول في أزمان السلم والحرب هي مناط الثقة في الحضارة الإنسانية، وعليها يتوقف الأمن الدولي العام، والاستقرار الاقتصادي، إذا قامت على أسس من العدل، والإخلاص في الوفاء. * الدس الخفي: غير أن مما لا ينكره أحد: أن أكبر العقول في كل فى دولة تتجه عند تدوين

стр. 4780

المعاهدات إلى الدس الخفي؛ ليكون حجة في التأويل عند الحاجة إلى ادعاء ما لم يكن واضحاً منه في وقت التدوين. وإذا كانت المعاهدات والعقود الدولية بين قوي وضعيف، أو بين غالب ومن قضت عليه الظروف أن يكون مغلوباً، فقد لا يبالي القوي بأن يحتمل عناء التأويل. وإن الإنسانية لا تنسى في الحربين العالميتين تسمية الأقوياء للمعاهدات؛ بأنها (قصاصات ورق)، ونستطيع أن نضرب الأمثال على هذا النوع من المعاهدات، وفي طليعتها: صك الانتداب على فلسطين الذي تعهد فيه أصحابه تعهداً رسمياً صريحاً بعدم المساس بحقوق العرب، وقد رأيت ما انتهى إليه ذلك الصك من الظلم الصارخ على أصحاب البلاد الذين سلبت منهم أوطانهم وأملاكهم وحقوقهم سلباً، وقذف بهم في العراء تحت الأمطار والعواصف. * المعاهدة الملغاة: بل إن معاهدة (سنة ١٩٣٦) التي فرضت على مصر تحت ضغط الاحتلال منصوص فيها على أنه لا يسمح للإنجليز بأن يكون لهم في منطقة القنال إلا عشرة آلاف جندي، وخلافاً لذلك التعهد ضاعفوا عدد تلك القوة إلى ثمانية أضعاف ما تعهدوا به ووقعوا عليه. * المثل العليا: واستطرد فضيلته فقال: إن المعاني الإنسانية العليا، ومدلولات الحق والعدل، هي آخر ما يخطر على البال عند الدول الحديثة عندما يجلسون إلى الموائد الخضراء ليكتبوا صيغ المعاهدات ونصوصها. أما الإسلام فقد كان في نصوصه، وتطبيقها العملي دلائلُ قائمة على أن المعاني الإنسانية لها شأن كبير في العهود التي

стр. 4781

يعقدها المسلمون مع غيرهم في حالتي السلم والحرب. وأظهر ما تمتاز به هذه العهود إذا صدرت عن المسلمين أن تكون صريحة واضحة لا لبس فيها ولا إبهام، وكثيراً ما يراعى فيها المقابلة بالمثل، صرف النظر عن قوة أحد الطرفين وضعف الطرف الآخر. * الوفاء بالعهد: ويرى فقهاء المسلمين: أن المسلم إذا كان أسيراً في يد العدو، وأطلقوه بشرط أن يبعث إليهم مالاً، وإن عجز عن إحضار المال، عاد إليهم، لزمه الوفاء لهم؛ عملً بقول الله : ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]، وقول نبيه ﷺ : "المسلمون على شروطهم". وفي منح الأمان للعدو من المعاني الإنسانية في الشرع الإسلامي ما لا يوجد في أي تشريع آخر قديم أو حديث. ومن المعقول أن يمنح الحاكم الأعلى أماناً للأعداء جميعاً، ومن المعقول أيضاً أن يمنح قائد جيش أماناً للجيش المقابل له، ولكن مما لا يعرف إلا في التشريع الإسلامي أن يصدر عن جندي عادي في جيش إسلامي لجندي من جنود العدو، أو لبضعة جنود، أو لقافلة كاملة، ثم يصبح الجيش الإسلامي كله ملزماً بقبول هذا الأمان، والعمل به. إن هذا لا يعرف في تاريخ الأمم إلا عند المسلمين، وفي تشريعهم، وإلى هذا يشير الحديث النبوي: "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وقد أمضى النبي ﷺ تأمين أم هانئ بنت أبي طالب لرجل من الأعداء، وقال لها النبي ﷺ : "قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ "، وهذا الخبر في "صحيح البخاري". ومن عجائب التشريع الإسلامي، والمعاني الإنسانية العليا التي يرمي إليها: أن الجيش الإسلامي إذا كان محاصِراً لحصن، أو بلد، وتقدم له من

стр. 4782

الحصن أو البلد من يتطوع بفتح الحصن في مقابل إعطائه الأمان، ثم بعد فتح الحصن اشتبه أمره، واختلط بغيره، كان على الجيش الإسلامي أن يمتنع عن قتل الجميع، والتعرض لحريتهم؛ لأن القاعدة الشرعية: أن المباح إذا اشتبه بالمحرم، وجب تغليب التحريم. وفي الحالات التي يترتب فيها على ذلك ضرر حربي عام: يؤخذ من أهل الحصن أي واحد بالقرعة، ويُعطى الأمان الذي كان موعوداً به ذلك الشخص المتطوع بفتح الحصن. وفي كل الأحوال ينبغي للمسلمين إذا وعدوا بوعد أن يفوا بوعدهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وفي مذهب المالكية: أن الوعد إذا كان مسبباً، ووقع السبب، وجب الوفاء به. أما إذا لم يكن مسبباً، فالوفاء به من مكارم الأخلاق. وإذا تبينت للجيش الاسلامي قرائن واضحة على أن العدو المعاهد يريد خيانة العهد، فلا يجوز للمسلمين المبادرة إلى نقض العهد السابق بينه وبينهم؛ اعتماداً على تلك القرائن مهما كانت قوية، بل ينبذون إليهم عهدهم علانية، وهذا منتهى النبل في آداب الحرب بين الأمم. * ما يجب على المسلمين نحو الأجانب: إن المخالفين للمسلمين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: محاربين، ومعاهدين، وذميين. فالمحاربون: هم الذين حدثناك ببعض أحكام الإسلام المتعلقة بهم. والمعاهدون: تقوم عهودنا معهم على أنبل الأسس الإنسانية، وأقلها مراعاة قاعدة: المعاملة بالمثل. والذميون: ضمن لهم الإسلام أنفسهم وأموالهم وأعراضهم. وواجب

стр. 4783

على الحكومة الإسلامية حفظهم، ومنع الغير من أذاهم، واستنقاذ من أسر منهم. والبلاد التي فتحها المسلمون في زمن الصحابة كان في إمكان الفاتحين أن يلغوا الأنظمة الدينية التي وجدوها في البلاد، ولكنهم لم يتعرضوا لها، وأقروا رؤساء الأديان على ما كانوا عليه، بل أحسنوا معاملتهم أكثر مما كان يعاملهم به الحكام السابقون الذين كانوا من أهل دينهم، وأباحوا من الشعائر والطقوس والأحكام ما لا تبيحه الدول الأخرى غير الإسلامية حتى في زماننا هذا. والمنصفون من المؤرخين وغيرهم يعترفون بهذه الحقائق، ولاسيما عند المقارنة بين الأنظمة والتشريعات. وكلما كان المواطنون -على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم- أكثر إخلاصاً لأوطانهم ومواطنيهم كانت السعادة أشمل لهم جميعاً، وعاشوا مع مواطنيهم في تعاون وتراحم، وتبادل للحقوق على أحسن الوجوه وأسعدها. وإلى هنا رأيت أن الشيخ الأكبر قد أوفى على الغاية في وضوح، فاستأذنت فضيلته في نشر هذه الآراء الطيبة، فأذن مشكوراً مقدوراً.

стр. 4784

كفانا قوتاً من الكلام (١) عندما أخذت طريقي لزيارة شيخ الأزهر الجديد -فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين-، ووصلت إلى حجرة مكتبه في داره، كان الشيخ الجليل قد انتهى من أداء فريضة الظهر، إلا أنه بقي جالساً على سجادة الصلاة، يقرأ في كتاب "دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة" وهنا سألت الأستاذ الأكبر: هل اعتاد القراءة عقب الصلاة؟ أجاب: إنني أقرأ يا بني في كل وقت، وأعيد ما أقرأ؛ لأنني أجد لذة وطلاوة في الإعادة. تماماً كما تسمع أنت قطعة موسيقية جديدة، فلا تتذوقها إلا بعد أن تستعيد سماعها مرات ومرات. * القراءة رياضة: ولما طلبت من الشيخ الوقور أن يحدثنا عن نوع الكتب التي يفضلها، أجاب بأنه يحب كتب الأدب القديمة والحديثة، ويعتبر كتاب ابن القيم، في الرد على المنطقيين أحسن كتب المنطق على الإطلاق، وعندما جاء ذكر بعض الكتب الحديثة، ابتسم في طيبة وهو يقول: هذه يُسأل عنها الشباب مثلكم .. ثم أطال الشيخ النظر إلى الكتاب الذي في يده ذاكراً أنه يعتبر القراءة رياضة فكرية لازمة، لا مجرد هواية، وهو يقرن هذه الرياضة الفكرية برياضة أخرى بدنية يمارسها، وهي المشي لمسافات طويلة.

стр. 4785

* هذه مؤلفاتي: وعندما أردنا أن نحصل على المزيد من المعلومات حول حياة الشيخ العلمية، سألناه: هل يهوى الكتابة أيضاً؟ فأجاب باسماً: وهل هناك من يجيد القراءة ولا يكتب؟ ثم قام إلى رفوف الكتب ليتناول منها بعضاً قائلاً: هذه مؤلفاتي، هذا الكتاب رد على كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق، وهذا نقد لكتاب طه حسين في الشعر الجاهلي"، وهذه "رسائل في الإصلاح"، وهذه مجاميع مجلة "السعادة" التي كنت أصدرها في تونس، وهذه مجلدات مجلةا الأزهر" التي رأست تحريرها سنوات، إنني كما ترى صحفي مثلكم. * رسالة رجل الدين: وقمنا إلى الصالون المتواضع -وكل شيء في دار الشيخ يتحدث عن البساطة والتواضع-، وإذا بالشيخ يسرع بغلق (الراديو) الذي كان يعلن عن إذاعة أغنية طائشة، والتفت إلينا شيخ الأزهر يقول: إن الناس يسمون المناداة بالإصلاح -من قبل رجال الدين-: رجعية وتعصباً، ويسمونها: حسماً وحزماً إذا ما أتت من رجال الحكم، ولذلك أرى أن رسالة رجل الدين تقتضيه أن ينبه الحكام إلى الشر، ويترك لهم مكافحته والقضاء عليه. * لن أذيع برنامجي عن الأزهر: وقلنا للأستاذ الأكبر: ما هو برنامجك الإصلاحي في الأزهر؟ فأجاب في بساطة: ليس لدي برنامج مدروس، إذ كنت لا أتوقع أبداً أن أكون يوماً شيخاً للأزهر، بعد أن قضيت عمرأ طويلاً أدرس علم السياسة الشرعية في كليتي الشريعة وأصول الدين، ثم أحلت على المعاش بعد عشرين عاماً في

стр. 4786

هذا العمل، ولزمت بيتي. واليوم فإني ساعد برنامجاً للأزهر، ولكني لن أذيعه، فأنا لا أرضى لنفسي أبداً أن يخيب في أمل أو رجاء، أو أتهم بالكذب والخدل، إذا ما اعترضت مشروعاتي العقبات، ولم أستطع تنفيذها. إنني أفضل أن أترك أعمالي المنجزة تتحدث بدلاً من أن أذيع برامج مفصلة قد تتم، وقد لا أتمكن من إتمامها. * لست عجوزاً: وسكت الشيخ لحظة، ثم استطرد يقول: ولعلكم تنظرون إلي نظرتكم إلى رجل عجوز هرم، ولكن هذه الشيخوخة البادية هي نتيجة الكفاح السياسي، أما القلب والرأس، فما زالا فتيين. ولما حدثت الشيخ عن الوقود الذي تحتاج إليه الثورة الإصلاحية؟ ابتسم ابتسامة خفيفة وهو يقول: "أليس الحطب اليابس هو وقود النار، والعيدان الخضراء الطرية لا تستطيع أن تشعل النار وحدها أبداً ... لقد تخرجت وطنياً متطرفاً في مدارس الثورات، قبل أن أتخرج عالماً دينياً في جامع الزيتونة بتونس". وهنا حاولنا أن نحمل الشيخ على أن يتحدث فيما شاب مشيخة الأزهر من أخطاء قديمة، فأجاب: (لا حق لي في أن أنصب نفسي قاضيا على أعمال الناس، وإنما علي أن أعتبر من هذه الأخطاء). * الأفندية الثلاثة: ولما دعونا الأستاذ الأكبر أن يحدثنا عن ظروف اختياره للمنصب الديني الكبير، قال: "كنت أتأهب للنوم بعد العاشرة مساء، عندما جاءت الخادم

стр. 4787

تنبئني أن (ثلاتة أفندية) جاؤوا لزيارتي، وفوجئت بهذا؛ لأن أحداً لا يزورني في مثل هذه الساعة، خصوصاً وأنا أعيش -مع زوجتي- وحيدين معتكفين، ولم يرزقنا الله بأولاد". وخرجت إلى الزائرين، فعرفت منهم: فضيلة الشيخ الباقوري وزير الأوقاف، الذي أعرفه معرفة وثيقة قديمة، فسارع يقول: لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخ الأزهر، وقد جئت مع زميلي -ثم قدمهما إلي-؛ لنبلغك هذا القرار، ولما حاولت الاعتذار بعدم استحقاقي للمنصب الخطير؛ لضعف صحتي، قال الشيخ الباقوري: "هذا أمر تجنيد، وفي هذا العهد المبارك تجند الكفاءات النزيهة لخدمة مصر" فأجبت: "وأنا لا أهرب من الجندية، وليوفقنا الله"، وودعني الوزراء الثلاثة الكرام، بعد أن ألقوا إلي بهذه المهمة الكبيرة ...

стр. 4788

فقدان الحياء بين النساء هو السبب في أزمة الزواج (١) قال مندوب "الأهرام": قلت لفضيلة الأستاذ الأكبر: إن التطور المبارك الذي أقبلت عليه مصر منذ تم الانقلاب الأخير قد وجه الأنظار إلى كئير من أوضاعنا الاجتماعية، وما ينبغي أن يتناولها من إصلاح. وفي مقدمة ما يخطر على البال الآن من ذلك: حالة المرأة في خارج منزلها. وقد رأينا كثيرين من الرجال، بل ومن النساء يحبون أن يقفوا على الحدود التي عينها الشرع الإسلامي في ذلك؛ ليلتزموها، حتى تكون الأمة صالحة في كيانها العائلي، فيتم لها بذلك ما تنشده الدولة من الصلاح الاجتماعي. فهل لكم أن تتفضلوا ببيان حكم الشريعة الإسلامية في هذه الناحية الاجتماعية ذات الأثر والخطر؟ وقد أجاب فضيلته بقوله: إن صلاح الأسرة هو الأساس الذي يقوم عليه صلاح المجتمع، وإصلاح الأسرة يحتاج من قادة الرأي وحكماء الأمة إلى تفكير طويل، وإرشاد حكيم، سيتسع له الوقت في المستقبل القريب -إن شاء الله-. أما الآن، فإن أهل القابلية للخير من الرجال والنساء، يستطيعون أن يخطوا الخطوة الأولى

стр. 4789

بتعميم الحشمة، وإيثار الصيانة والستر، والحرص على كمال المظهر للمرأة المسلمة إذا كانت في خارج منزلها، أو مع غير ذي محرم. ومن نعم الله على مصر -وعلى سائر الأقطار الإسلامية أيضاً-، أن السواد الأعظم من الأمة، وهم سكان الريف، يكاد يكون ما اعتاده نساؤهم من لبس الثياب السابغة، والبعد عن الزينة والتبرج، وستر رؤوسهن بالخمار الوطني المألوف، هو الذي يطلبه الإسلام من نسائه. ولو أن نساء المدن والعواصم ظهرن في خارج منازلهن بالأثواب السابغة، وهي التي لا تكون مقطعة على قدر الجسم، ولا مزيداً عليها ما لا حاجة إليه مما يقصد به تزيينه، لكان ذلك أبعد لهن عن استهواء الأبصار، وتطلع الأشرار. روى الإمام ابن جرير الطبري في "تفسيره" (ج ١ ص ٩٣) عن عائشة أم المؤمنين، قالت: (دخلت عليّ ابنةُ أخي لأمي عبدِ الله بن الطفيل مزينةُ، فدخل النبي ﷺ ، فأعرض، فقالت عائشة: يا رسول الله، إن ابنة أخي جارية (أي: فتاة لم تتزوج)، فقال: "إذا عركت المرأة (أي: حاضت)، لم يحل لها أن تظهر إلا وجهها، وإلا ما دون ذلك"، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى). وفي "سنن أبي داود" من حديث عائشة أم المؤمنين ﵂: أن أختها أسماء دخلت على رسول الله ﷺ ، وعليها ثياب رقاق، فأعرض عنها رسول الله ﷺ ، وقال: "يا أسماء إذا بلغت المرأة الحيض، لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا"، وأشار إلى وجهه وكفيه. ومعنى هذا: أن المرأة المسلمة لا يجوز لها أن تظهر لغير محارمها إلا

стр. 4790

بمثل ما تكون عليه في صلاتها، هذا هو الدين. وإن أكثرية المسلمين والمسلمات يحبون -ولله الحمد- أن يعرفوا الدين؛ ليقوموا به، ويلتزموه، فيكونوا من الذين ﵃، ورضوا عنه. لذلك فإن المرأة المسلمة لا ينبغي لها أن تظهر في خارج بيتها، ولا مع غير محرم لها إلا بثوب سابغ لا ينم عن شيء من أعضاء الجسم. وأن تتصور دائماً: أن الله يراها في جميع أحوالها، كما يراها وهي في صلاتها. ومما أمر الله به نساء المسلمين في سورة النور من كتابه الحكيم: أن لا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن. والزينة في كل ما يقصد به التجمل من ملبس وحلي أو كحل، أو ما إلى ذلك. إن في المسلمين خيراً كثيراً، وأمة محمد كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره، وكما فى خلت الأمة الآن في عهد جديد من إصلاح النفوس والقلوب والمعايش والأخلاق، فإن الذين يتوخون رضاء الله من رجال المسلمين ونسائهم يستطيعون أن يبدؤوا عهداً جديدأ في التقرب من الشريعة الطاهرة في كل ما يستطيعونه من حياتهم البيتية والاجتماعية، وفي طليعتها: تعديل مظاهر النساء، والابتعاد بها عما يسخط الله ، وينافي آداب الإسلام. وكما أن للشر عدوى تنتقل من أهله إلى غيرهم، كذلك للخير عدوى تنتقل من أهله إلى غيرهم. ومتى بدأ أهل الخير من المسلمين والمسلمات بالتزام شريعتهم من هذه الناحية، فإن عدوى هذا الخير لا تلبث أن تسري منهم إلى سائر الناس، وأول ما سينتج عن ذلك من أثر طيب: إقبال الشباب على الزواج باحثين عن البيوت التي تغلب عليها الحشمة، والتي تتربى بناتها على آداب الدين؛ لأن هذا العنصر هو المطلوب الآن لتأسيس البيوت، وإنشاء

стр. 4791

الأسر، وما الإعراض عن الزواج إلا بسبب ما يتوهمه طلاب الزواج من فقدان الحياء بين النساء؛ لما يشاهدونه بأعينهم في الشوارع والأسواق مما هو معروف للجميع. وإن الدين خير كله، ومن أعظم الخير في الدين: ما أرشد إليه النساء المسلمات من آداب يكسبهن كمالها جمالاً هو الذي يبحث عنه الرجل الكامل؛ ليقيم عليه دعائم البيت السعيد ... وهنا رأيت أن فضيلته قد أوفى على الغاية، وأماط اللثام عن حكم الشريعة الإسلامية فيما يجب أن تكون عليه المرأة خارج المنزل وفي الشوارع والأسواق العامة، في المجتمعات والحفلات. فاستأذنت فضيلته في نشر هذا الحديث فتفضل وأذن.

стр. 4792

النفاق والملق والمداراة أمام الحكام (١) للفضائل حدود تنتهي عندها، فإذا تجاوز المرء بفضيلة من الفضائل الحدود التي تنتهي عندها خرج بها عن مدلولها، وأوشك أن ينزلق في مهاوي الرذيلة التي تناقضها. ومن هذه الفضائل (المداراة). وقد التبست على كثير من الناس، فاطلقوها على ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال هي أدخل في باب (المداهنة) وأشبه بها. والمداهنة ما شاعت في جماعة إلا تقلصت الكرامة من ديارهم، وكانت الاستكانة شعارهم، ومن ضاعت كرامتهم، وداخلت الاستكانة نفوسهم. جالت أيدي الطغاة في حقوقهم، وكان الموت أقرب إليهم من حبال أوردتهم. إن الناس خلقوا للاجتماع لا للعزلة، والتعاون لا لينفرد كل واحد بنفسه، وللإنسان عوارض نفسية من الرضا والغضب، والحب والبغض، والاستحسان والاستهجان. فلو أنه كاشف الناس بكل ما يعرض له من هذه الشؤون في كل وقت وعلى أي حال، لاختلَّ المجتمع، ولانقبضت الأيدي عن التعاون، فكان من آية الله في خلقه أن هيأ لهم أدب المداراة، ليتحاموا به ما يحدث التقاطع بينهم أو يدعوهم إلى التخاذل.

стр. 4793

والمداراة، يبتغى بها رضا الناس وتأليفهم في حدود ما ينبغي أن يكون. ولا ينافيها القضاء بالقسط ولا إلقاء النصيحة في رفق. ومن ذلك قول أبي حازم، من أعلام التابعين للخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك، حين فى خل عليه ووعظه، فقال له: (إنما أنت سوق، فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر أيهما شئت). وينبغي أن تكون مداراة العاقل لمن يرجو منه العود إلى الرشد، ويأنس من فطرته شيئاً من الطيب، فوق مداراته لمن شاب على لؤم الخلق وعوج العقل، حتى انقطع رجاؤه من أن يصير ذا خلق كريم أو عقل سليم. والمداراة خصلة كريمة يحكمها الأذكياء، ولا يتعدى حدودها الفضلاء، والحكيم يراعي في مقدراها وطريقتها ما ينبغي أن يكون. قال الإمام سحنون، في وصيته لابنه محمد (وسلّم على عدوك وداره، فإن رأس الإيمان بالله مداراة الناس). وفي سيرة القاضي يحيى بن أكثم، أنه كان يداعب خصمه وعدوه. وقد تبلغ المداراة إلى إطفاء العداوة وقلبها إلى صداقة، قال محمد بن أبي الفضل الهاشمي، قلت لأبي: لم تجلس إلى فلان وقد عرفت عداوته؟، قال: أخبي ناراً وأقدح وداً. أما المداهنة فهي إظهار الرضا بما يصدر من الظالم أو الفاسق من قول باطل أو عمل مكروه، وهي تضم تحت جناحها الكذب وإخلاف الوعد. أما الكذب فلأن المداهن يصف الرجل بغير ما يعرفه منه، ومن دخل إلى الكذب من باب، سهل عليه بعد ذلك أن يأتيه من سائر الأبواب. وأما إخلاف الوعد فلأن المداهن يقصد إلى إرضاء صاحبه في الحال، وليس من الصعب عليه -وقد مرن على الكذب- أن يخلف الوعد

стр. 4794

ويختلق لإخلافه عذراً. والمداهنون يجعلون ألسنتهم طوع مرضاة القوي والوجيه، فيعجلون إلى قول ما يشتهي أن يقولوا، يمدحون ما يراه حسناً وإن لم يكن في الواقع حسناً، ويذمون ما يعدّه سيئاً، وإن لم يكن في الواقع سيئاً. أما الذين يعرفون ما في المداهنة من شر، ويحزنهم أن يظهر الشر على يد من في استطاعته الخير، فيربؤون بالسنتهم أن تساير أحداً في غير حق، ويؤثرون نصح القوي والوجيه على أن يزينوا له ما ليس بزين. إن العبور إلى النفع على جسر من المداهنة يحرم صاحبه من أفضل الأخلاق وأعلاها وهو الصدق، بعد أن يحرمه من أطيب لذة وهي ارتياح الضمير. وإذا كان في الناس من يحرص على أن يكون صديقاً للطوائف المتباينة، فإن الرجل الطيب منهم يأبى أن يلوث صدره بصداقة من يتملق الرجل الخبيث. قال رجل لعبد الله بن عمر بن الخطاب: إنا ندخل على أمرائنا، فنقول القول، فإذا خرجنا قلنا غيره، فأجابه عبد الله بن عمر: (كنا نعد ذلك نفاقاً على عهد رسول الله ﷺ ). وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: "يعد من شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه). ومن عظماء الرجال من يبغض المداهنة ولا يقبل من جليس مبالغة في مدح أو مسايرة. ومن المثل الكامل لهؤلاء العظماء عمر بن عبد العزيز ﵁، فإنا نقرأ في سيرته، أنه قال لجرير، الشاعر حين دخل عليه بقصيدة يهنئه فيها بالخلافة: اتق الله يا جرير ولا تقل إلا حقاً. وقال له رجل مرة: طاعتكم مفروضة، فقال له: كذبت، لا طاعة لنا عليكم إلا في طاعة الله.

стр. 4795

وكتب طاهر بن الحسين في كتاب وصيته الذي بعث به إلى ابنه عبد الله بن طاهر: وليكن كرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيباً لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في ستر، وإعلامك بما فيه من النقص، فإن أولئك أنصح أوليائك ومظاهريك لك. ولما ابتنى الخليفة عبد الرحمن الناصر، الأموي صرح (القبيبة) في قصر الزهراء، اتخذ لسطحه قراميد من ذهب وفضة، وجلس فيه أعيان الدولة، وكان مما قاله لهم مفتخراً: هل رأيتم أو سمعتم من فعل هذا قبلي؟ فقالوا: إنك الأوحد في شأنك كله. ثم تكلم القاضي المنذر بن سعيد، فوعظ الخليفة وعظأ بليغاً، وتلا عليه قول الله ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]. فأطرق الناصر ملياً، ثم أقبل على المنذر بن سعيد وقال له: جازاك الله يا قاضي عنا وعن نفسك خيراً، وعن الدين والمسلمين أجل جزاء، فالذي قلت هو الحق. وقام من مجلسه ونقض سقف (القبيبة) وأعاد قرمدها تراباً. والأجلاء من علماء الإسلام الذين كانوا يداخلون رجال السياسة فينعقد بينهم التئام أو صداقة، كانوا يأخذون بسنة المداراة، ولم يكونوا فيما قرأناه من سيرتهم، يتلطخون برجس المداهنة، ولو شئنا أن نضرب الأمثال على ذلك من التاريخ لامتلأت بفضائلهم المجلدات. ويحدثنا التاريخ أن بعض المنتمين إلى العلم من عبيد الدنيا، كانوا يتملقون أولي الأمر من المسلمين، وقد يفتونهم بغيو ما أنزل الله، ومنهم من يتملق الغاصبين ويرضى أن يكون جسراً يعبرون عليه إلى قضاء مآربهم التي يكيدون بها للإسلام والمسلمين.

стр. 4796

وقد يسمي المنتمي للعلم من هؤلاء تملقه للظالمين أو المخالفين الغاصبين مداراة ليقضي بعض المآرب الشخصية، وربما زعم أنه يقضي بهذا التملق مصالح وطنية، والواقع أن اتصال العالم بالمخالفين الظالمين، وهو يستطيع أن لا يتصل بهم، وصمة في عرضه لا يغسلها ماء، وجناية على الدين خاصة والأمة عامة، أما أنه وصمة في عرض هذا العالم، فلما عرف عن الظالم أو الغاصب أنه لا يقبل بوجهه ولا يضع يده إلا في يد من اختبر سرائرهم ووثق من إخلاصهم، وأما أنه جناية على الدين، فلأن ذلك الاتصال الآخذ اسم الصداقة للغاصب خروج عن الدين الذي ينهي عن مودة أعدائه، وأما أنه جناية على الأمة عامة، فإن هذا المنتمي للعلم لا يتحامى أن يرضي المتغلبين المخالفين بالمساعدة على أعمال يفسدون بها على الأمة أمر دينهم أو دنياهم. إن واجبات أساتذة التربية ودعاة الإصلاح في هذا العهد، أن يعنوا بتطهير نفوس النشء وقلوب الشباب من هذا الخلق الذميم، خلق المداهنة، وينفوه من أرضنا وتكون أوطاننا ومدارسنا منابتها نشء يميزون المداهنة من المداراة، فيخاطبون الناس في أدب رقيق وشجاعة نبيلة، ويحترمون من لا يلوث أسماعهم بالملق ولا يكتمهم الحقائق متى اتسع المقام لأن يحدثهم بها في صراحة ووضوح. وسكت الشيخ الأكبر، وعاد بعد هنية يقول: أظن أنني قد أوضحت رأي الشريعة الإسلامية في هذا الخلق الذميم الذي يمشي به بعض الناس في هذا العصر، وما دروا أنهم يجنون على أنفسهم بآثاره، قبل أن يجنوا على غيرهم من الناس.

стр. 4797

موقف الإسلام من الإلحاد والمذاهب الهدامة (١) سأل مندوب مجلة الصداقة التي تظهر بالقاهرة فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر عن رأيه في موقف الإسلام من الإلحاد والمذاهب الهدامة فأجاب الأستاذ الأكبر قائلاً: إن من المذاهب التي تسيطر على بعض نفر من الناس الاتجاه إلى الإلحاد، وهو ريط الإنسانية بالطبيعة وأحداثها، دون الالتجاء إلى خالق مدبر لهذا العالم. والأزهر باعتباره مركزاً للثقافة الإسلامية، وهي ثقافة مستمدة من تعاليم الإسلام، يحارب الإلحاد في جميع صوره، ويحارب الملحدين أنّى وجدوا، لأن مثل هذا الاتجاه لو ساد جماعة من الجماعات، لتغير نظامها من استقرار إلى اضطراب، وأصبح أفرادها جميعاً ينشدون ما على وجه الأرض، ويتخاصمون ويتنابذون بالألقاب في سبيل الحصول عليه، ومثل هذه الخصومة لا تجعل هناك طمأنينة لهذه الجماعة، وتجعلها أقرب ما تكون إلى الهدم منها إلى البناء، وأميل إلى الحرب منها إلى السلام. ومن المذاهب والاتجاهات التي يجعلها الأزهر مناوئة للإسلام وتعاليمه، الشيوعية العالمية، فضلاً عن أنها تقوم على محاربة الأديان وتمكين النزعة

стр. 4798

المادية وحدها في توجيه الناس، فإنها تدعو من جانب آخر إلى تقويض كثير من تعاليم الإسلام سواء أكانت في دائرة الأسرة أو في معاملة الأفراد بعضهم ببعض، أو في مجال الحرية الفردية. والإسلام إذا حارب النزعة المادية سواء أكان في الاتجاه الإلحادي أو في المذهب الشيوعي فإنه ينشد سعادة الأفراد وسعادة الجماعات والشعوب، كما يريد أن يجعل من الجزاء الأخروي جزاء له قيمته في نظر الناس يفوق الجزاء المادي. وإذا ساد اعتقاد الناس في الله وفي جزائه في الحياة الأخرى وفي عدله في هذا الجزاء، فإنهم لا شك مقتربون بعضهم إلى بعض، وبالتالي طارحون للمنازعات الشخصية الفردية حول الرغبات المادية، لأنهم سيجدون عوضاً أيما عوض في الجزاء الأخروي بدلاً عن هذا الجزاء الدنيوي المادي. وخصومة الإسلام لتعاليم الشيوعية في الأسرة والجماعة والمجال الحيوي للفرد، وهو ينشد في هذه الخصومة أيضاً تحقيق سعادة الأفراد والجماعات وتقديس أنواع المعاملات يين الأفراد بعضهم إلى بعض وتقدير الأنساب الإنسانية في الأسرة وروابط الزيجة فيها. والأزهر بعنايته بنشر الاسلام والثقافة الإسلامية، يبغي مكافحة سيطرة النزعة المادية والإلحادية، ويرغب رغبة كيدة في أن يكون للجانب الروحي مكانه في توجيه الإنسان، إذ الإنسان في نظر الاسلام ليس مادة جسمية فقط، وإنما هو روح قبل كل شيء يتصل بها هذا الجسم المادي. وقال المندوب: هل لي الآن بعد أن عرفت موقف الأزهر تجاه هذا الموضوع أن أعرف على سبيل الإجمال الوسيلة التي يتخذها الأزهر في مكافحة المذاهب الهامة؟

стр. 4799

فأجاب فضيلته الأستاذ الأكبر: إن الأزهر كمركز للدراسات الإسلامية والعربية في العالم الإسلامي كله، ينتسب إليه أكثر من ثلاثة وعشرين ألفاً من الطلاب، سواء كانوا من مصر أو وافدين من البلاد الإسلامية الأخرى، ففي كل عام يتخرج عدد كبير منهم، يبقى في مصر بعضه، ويعود إلى وطنه البعض الآخر، وهؤلاء جميعاً متفاوتون في التوجيه، فمنهم من تخصص في مهنة التدريس، ومنهم من تخصص في الوعظ والإرشاد، ومنهم من تخصص في وظائف القضاء. وهؤلاء جميعاً أيضاً هم دعاة للفكر الإسلامي وللتعاليم الإسلامية، دعاة للترابط بين المسلمين بعضهم ببعض وتوجيههم وجهة واحدة، ودعاة أيضاً لمكافحة المذاهب المنحرفة الهدامة بين الجماعات والشعوب الإسلامية، وبحكم اختلاف المتخرجين في الأزهر في التوجيه والمهنة، ونيط ببعضهم تثقيف النشء وتوجيهه الوجهة الإسلامية وتعليمه اللغة العربية، ونيط بالبعض الآخر تثقيف عدا هؤلاء من أفراد الجماعة وبالأخص الجماهير، فالمدرسون منهم توكل إليهم مهمة التربية في المدارس والمعاهد، والمتخرجون في الوعظ والإرشاد يوكل إليهم تثقيف الجماهير في المساجد أو في المجتمعات العامة أو في الشوارع في الثقافة الإسلامية وتوجيههم نحو مبادئ الإسلام التي من أهمها تقريب الصلة بين العبد والله، والاعتقاد بتمايز الأفراد في الرزق والكسب، وبأن الدنيا وزخرفها ليسا كل شيء في الوجود ولكن هناك متعة أخرى وجزاء آخر هو ما يقع في الدار الآخر. والمصريون من المتخرجين في الأزهر، لا يقصر مجال نشاطهم على مصر، وإنما يذهبون لمعاونة إخوانهم ممن يتخرجون من الأزهر من البلدان

стр. 4800

الأخرى في أوطانهم ويشتركون معهم سواء في مساعدة النشء أو في توجيه الجماهير والجماعات. فرسالة الأزهر ليست رسالة ثقافية دينية محلية وإنما هي مهمة عالمية إسلامية، والإسلام نفسه ليس ديناً روحياً للفرد وحده، وإنما هو دين للفرد والجماعة في أصغر صورها وهي الأسرة إلى أكبر هذه الصورة وهي الناس قاطبة. والأزهر كما يُعنى بمكافحة هذه المذاهب الهدامة في مصر وفي البلاد الإسلامية الأخرى، يُعنى بنشء آخر له أهمية، وهو توطيد حسن العلاقات بين الشعوب الإسلامية من جانب والشعوب الكتابية من جانب آخر، لأنه يرى أنه من مصلحة السلام عامة أن يوجد حسن التفاهم هذا، وذلك عن طريق نشر الإسلام في صورته الصحيحة في هذه البلدان غير الإسلامية، لإعطاء صورة واضحة عن الإسلام والحياة الإسلامية في صورها المختلفة، لأنه يرى أن إعطاء صورة سليمة صحيحة عن الإسلام كفيلة بتقدير غير المسلمين للمسلمين، وبالتالي كفيلة بتحسين العلاقات بين الفريقين.
следующие страницы →