القاعدة السابعة: إننا نجعل مجلساً للتجارة برئيس وكاتب، وأعضاء من المسلمين وغيرهم من رعايا أحبابنا الدول؛ للنظر في نوازل التجارات بعد الاتفاق مع أحبابنا الدول العظام في كيفية دخول رعاياهم تحت حكم المجلس، كما يأتي إيضاح تفصيله؛ قطعاً لتشعب الخصام.
القاعدة الثامنة: إن سائر رعايانا من المسلمين وغيرهم لهم المساواة في الأمور العرفية، والقوانين الحكمية، لا فضل لأحد على الآخر في ذلك.
القاعدة التاسعة: تسريح المتجر من اختصاص أحد به، بل يكون مباحاً لكل أحد، ولا تتاجر الدولة بتجارة، ولا تمنع غيرها منها، وتكون العناية بإعانة عموم المتجر، ومنع أسباب تعطيله.
القاعدة العاشرة: إن الوافدين على إيالتنا لهم أن يحترفوا بسائر الصنائع والخدم، بشرط أن يتبعوا القوانين المرتبة، والتي يمكن أن تترتب مثل سائر أهل البلاد، لا فضل لأحد على الآخر، بعد الانفصال مع دولهم في كيفية دخولهم تحت ذلك كما يأتي بيانه.
القاعدة الحادية عشرة: إن الواردين على إيالتنا من سائر أتباع الدول، لهم أن يشتروا سائر ما يملك من الدور والأجنَّة والأرضين، مثل سائر أهل البلاد، بشرط أن يتبعوا القوانين المرتبة، والتي تترتب من غير امتناع، ولا فرق في أدنى شيء من قوانين البلاد، ونبين بعد هذا كيفية السكن بحيث إن المالك يكون عالماً بذلك، وداخلاً على اعتباره، بعد الاتفاق مع أحبابنا الدول".
وأنشا هذا الأمير مجلساً بلدياً في مدينة تونس تحت رياسة مستشار الخارجية، وتولى هذا المجلس تنظيم المدينة، وإصلاح طرقاتها، وتنوير
стр. 5042
شوارعها، وجلب أدوات الطباعة العربية إلى البلاد.
وتولى الإمارة بعده أخوه محمد الصادق باي، وشد أزره الوزير المصلح خير الدين باشا، فألَّف مجلساً أعلى يتألف من ستين عضواً من الوطنيين للنظر في مصالح الوطن.
وسنّ للفلاحة قانوناً راعى فيه مقتضيات حال القطر. ووزَّع الأراضي الحكومية على صغار الفلاحين، ووضع أول مجلس صحي لمراقبة الأمراض الوبائية.
وسعى في تقدم الصناعات الأهلية، وتوسيع دائرة التجارة الوطنية.
ونظَّم مناهج التعليم بجامع الزيتونة قرينِ الجامع الأزهر في كل ما يدرَّس فيه من العلوم الدينية والعربية، وأنشأ بجانبه المكتبة التي تدعى: "المكتبة الصادقية".
وأسس المدرسة الصادقية، وهي أول معهد أنشئ لدراسة العلوم العصرية واللغات الأجنبية، وصدرت في عهده سنة ١٢٧٧ هـ صحيفة "الرائد التونسي"، وهي الصحيفة الثالثة العربية للصحيفتين الأخريين: الوقائع، والجوائب.
وأطلق هذا الأمير على الحكومة اسم: الدولة، وأعطى لنفسه لقب: الملك، يوجد هذان اللقبان في نصوص القانون المسمى بقانون الدولة.
يرى الناظر من هذه الشذرات الموردة من تاريخ تونس: أنها أخذت منذ عهد المشير أحمد باشا باي تسير سير الأمم المتيقظة، وأنها قطعت في إصلاح شؤونها السياسية والعسكرية والعلمية والعمرانية شوطاً يشهد بأنها تستطيع القيام بواجبات استقلالها بنفسها، وأنها ليست في حاجة إلى ما يسمونه: حماية.
стр. 5043
* كيف وقع الاحتلال الفرنسي؟
بعد أن تم لفرنسا احتلال الجزائر، اتجه نظرها إلى احتلال تونس، وحصلت على موافقة بعض الدول في المؤتمر الذي عقد في "برلين".
ويقال: إن بسمارك أغراها باحتلال تونس بقصد إيقاع الشحناء بينها وبين إيطاليا التي كانت حريصة كل الحرص على ائتلاف هذا القطر.
ادعت فرنسا أن بعض العربان التونسيين الذين يقيمون بالقرب من حدود الجزائر يعتدون على بعض جيرانهم من الجزائريين، واتخذت هذه الدعوى وسيلة لاحتلال المملكة بأسرها، وأجلبت على تونس بخيلها ورجلها، وتجاوزت بها إلى داخل البلاد، وكانت الحكومة التونسية تسجل وتتشكى وتعارض بأنها مستعدة لتربية قبائلها الذين هم في نفس الأمر إنما اتخذوا وسيلة فقط (١).
* المعاهدة كيف أُمضيت؟
زحفت فرنسا بجنود من ناحية الجزائر، وزحفت بجند آخر من ناحية "بنزرت" حتى وصل هذا الجند إلى العاصمة، وأحاط بقصر الملك، وفي هذه الحال قدمت إليه معاهدة ليضع إمضاءه عليها، فتوقف الباي عن الإمضاء، وطلب من نائبي فرنسا: قنصلها، وقائد عساكرها أن يمهلاه مدة ليتأمل فيما تضمنته المعاهدة من الشروط، فأبيا له ذلك، فجمع الباي رجال مجلس الشورى، وكان ممن عارض في إمضاء المعاهدة: السيد العربي زروق رئيس البلدية، ونصح للباي بأن لا يوقع عليها، وقال له: إن ما تخشاه من عدم الإمضاء سيقع لا محالة، فالتمسك بعدم الإمضاء أشرف وأسلم، ولكن
стр. 5044
الباي رأى نفسه مضطراً إلى توقيع المعاهدة، فأمضاها، وكانت المعاهدة مشتملة على عشرة مواد، وتعريبها:
"إن دولة جمهورية فرنسا، ودولة باي تونس أرادوا أن يقطعوا بالمرة التحبير المخرب الذي وقع قريباً في حدود الدولتين، وفي شطوط تونس، وأرادوا أن يربطوا مخالطتهم القديمة التي هي مخالطة مودة وجوار حسن، فاعتمدوا على ذلك، وعقدوا معاهدة في نفع الجهتين المهمتين، فعلى موجب ذلك رئيس الجمهورية الفرنسية، سمى وكيله (مسيو الجنرال بريار) الذي يتفق مع حضرة الباي السامية على الشروط الآتية:
أولاً: المعاهدات الصلحية والودادية والتجارية وغيرها الموجودة الآن بين الجمهورية الفرنسية وحضرة الباي يتحتم تقريرها واستمرارها.
ثانياً: ليسهل على الدولة الجمهورية إتمام الطرق للتوصل إلى المقصود الذي يعني الجهتين العظيمتين، فحضرة الباي يرضى بأن الحكم العسكري الفرنسي يضع العساكر في المواضع التي يراها لازمة؛ لتقرر وترجع الراحة والأمان في الحدود، والشطوط، وخروج العساكر يكون عندما يتوافق الحكم العسكري الفرنسي والتونسي على أن الدولة التونسية تقدر على تقدر الراحة.
ثالثاً: دولة الجمهورية الفرنسية تتعهد لحضرة الباي بأن يستند عليها دائماً، وهي تدافع عن جميع ما يتخوف منه لضرر ما، إما في نفسه، أو في عائلته، أو فيما يجير دولته.
رابعاً: دولة الجمهورية الفرنساوية تضمن في إجراء المعاهدات الموجودة الآن بين دولة تونس والدول المختلفة الأوروباوية.
стр. 5045
خامساً: دولة الجمهورية الفرنساوية تحضر نحو حضرة الباي وزيراً مقيماً بينظر في إجراء هذه المعاهدة، وهو يكون واسطة فيما يتعلق بالدولة الفرنسية، وذوي الأمر والنهي التونسيين، وفي كل الأمور المشتركة بين المملكتين.
سادساً: إن النواب السياسيين، والقناصل الفرنسيين في الممالك الخارجية يتوكلون ليحموا أشغال تونس، وأشغال رعيتها، وفي مقابلة هذا، فحضرة الباي يتعهد بأن لا تعقد معاهدة عمومية من غير أن تعلم بها دولة الجمهورية، ومن غير أن يحصل على موافقتها من قبل.
سابعاً: دولة الجمهورية الفرنسية، ودولة حضرة الباي أبقوا لأنفسهم الحق في أن يؤسسوا ترتيباً في المالية التونسية؛ ليمكن لهما دفع ما يلزم الدين التونسي العام، وهذا الترتيب يضمن في حقوق أصحاب الدين التونسي.
ثامناً: إن غرامة الحرب يغصب عليها القبائل العصاة بالحدود والشطوط، وتفعل دولة الجمهورية مع حضرة الباي فيما بعد شروطاً على كميتها، وكيفية دفعها، ودولة حضرة الباي تضمن في ذلك.
تاسعاً: للمدافعة على منع إدخال السلاح والآلات الحربية للمملكة الجزائرية الفرنسية، فدولة باي تونس تتعهد بأن تمنع دخول الأشياء المشار إليها من جزيرة "جربة"، ومرسى "قابس" وسائر المراسي الجنويية في المملكة.
عاشراً: إن هذه المعاهدة توضع لدى رضاء دولة الجمهورية الفرنسية، وترجع في أقرب مدة ممكنة لحضرة الباي السامية.
حرر في ١٢ مايو سنة ١٨٨١ بالقصر السعيد
الإمضاء: محمد الصادق باي، والجنرال بريار
стр. 5046
* كيف كان وقع هذا الاحتلال في نفوس الوطنيين:
قابل الوطنيون هذا الاحتلال بحزن وجزع بالغين، وقامت بعض المدن والقبائل في وجه جيش الاحتلال، واستمر دفاعهم حيناً، ولكنهم لم يجدوا مدداً يساعدهم على إطالة مدة الحرب، فاستطاع جيش الاحتلال أن يلجئهم بكثرة عدده، وإطلاق مدافعه إلى التسليم.
* معاهدة المرسى:
رأت فرنسا أن معاهدة "باردو" تسمح لها بأن تبسط نفوذها في كل شأن من الشؤون الداخلية، فعزرتها بمعاهدة ثانية، وقدمتها إلى المرحوم علي باي للتوقيع، وتعريبها:
١ - الفصل الأول: لما كان مراد حضرة الباي المعظم أن يسهل للحكومة الفرنسية إتمام حمايتها، تكفل بإجراء الإصلاحات الإدارية والعدلية والمالية التي ترى الحكومة المشار إليها فائدة في إجرائها.
٢ - الفصل الثاني: الحكومة الفرنسية تضمن قرضاً يعقده حضرة الباي المعظم لتحويل، أو لدفع الدين الموحد البالغ ١٢٥ مليون فرنك، والدين السائر الذي لا يمكن أن يتجاوز قدره ١٧٥٥٠٠٠٠ فرنك، ولكنها هي التي تختار الزمن والشروط الموافقة لذلك، وقد تعهد حضرة الباي المعظم أن لا يعقد قرضاً في الاستقبال لحساب الإيالة التونسية دون الحكومة الفرنسية.
٣ - الفصل الثالث: يأخذ حضرة الباي من مداخيل الإيالة أولاً: المبالغ اللازمة للقيام بمقتضيات القرض الذي تضمنه فرنسا، ثانياً: راتبه السنوي الملكي، وقدره ١٢٠٠٠٠٠ فرنك، وما زاد على ذلك يعين بمصاريف إدارة الإيالة ودفع مصاريف الحماية.
стр. 5047
٤ - الفصل الرابع: هذا الاتفاق يكمل ويثبت المعاهدة المنبرمة في ١٢ سنة ١٨٨٢ فيما يحتاج منها إلى التئبيت والتكميل، ولا تغير له التراتيب التي سبق وضعها فيما يتعلق بتقدير الغرامة الحربية.
٥ - الفصل الخامس: يعرض هذا العقد على الحكومة الفرنسية لتوقيعه، وتعاد حجة التوقيع إلى حضرة الباي المعظم بما أمكن من السرعة، وإيذاناً بصحة ما تقدم.
حرر هذا الرسم، وختمه الموقعان بختمهما، وكتب في المرسى ٨ يونية سنة ١٨٨٣.
لا يزيد بسط الكلام في هذا الغرض، وندع البسط إلى مقام أفسح من هذا المقام، وإنما نسوق أمثلة بقدر ما يقتضيه الحال، وعسى أن يلم بها القارئ، فتوقد في نفسه غيرة تهزه إلى العطف على ذلك الشعب، ومؤازرة الساعين بالطرق الحكيمة لأن تعاد إليه حريته، حتى يعيش في كرامة وسلام.
الاحتلال ومناصب الحكومة الرئيسية وغير الرئيسية:
كان لتونس قبل الاحتلال وزراء من الوطنيين كما أشرنا إليه آنفاً، ولما احتلت فرنسا البلاد، جعلت وزير الخارجية سفيرها "المقيم العام"، وعينت للحربية، والبحرية، والمالية، والزراعة، والتجارة، والأشغال، والبريد، والمعارف رؤساء فرنسيين، ولم تسمح للوطنيين إلا بوزارة الداخلية، ولكنها أحدثت بجانب وزير الداخلية وظيفة "كاتب عام"، ويتقلد هذه الوظيفة فرنسي، ومكتبه بالقرب من مكتب الوزير، ويعرض عليه كل ما هو من اختصاص وزير الداخلية، وله القول الفصل في كل صغير وكبير.
وسمحت بعد سنين طويلة بأن يكون وزير العدل وطنياً، ولكنها وضعت
стр. 5048
له وكيلاً فرنسياً هو صاحب الرأي النافذ في إدار شؤون هذه الوزارة.
ووضعت إدارة المحافظة في أيدي فرنسيين، فرئيس الشرطة، ومراقب الشرطة، والمكلف بالإبعاد والصحافة كلهم فرنسيون.
ورضيت بأن يكون رئيس المجلس البلدي وطنياً، ولكنها جعلت له وكيلين فرنسيين، والوكيل الفرنسي في لغة الاحتلال هو الرئيس الذي يملك الرأي دون من سواه.
لم تكتف حكومة فرنسا المحتلة بتولي المناصب الرئيسية، حتى ملأت الدوائر الحكومية بصغار الموظفين من الفرنسيين، وأتت إلى المملكة، وقسمتها ١٨ مديرية، وولت في كل مديرية فرنسياً يدعى: "المراقب"، وهو الذي يسيطر على المديرية كما يشاء.
* عدم التسوية بين الوطنيين والفرنسيين في المرتبات:
قد تكون وظيفة الفرنسي ووظيفة الوطني متساويتين في الدرجة، متماثلتين في العمل، ويتفاوتان في المرتب تفاوتاً واسعاً، بحيث يزيد مرتب الفرنسي على مرتب الوطني زيادة فاحشة، ونذكر في سنة ١٣٣٩ بدا لمدير المعارف في ذلك العهد أن يجعل مرتبات الموظفين في إدارته متساوية، لا فرق بين فرنسي وتونسي، بناء على أن الاتحاد في العمل يقتضي ذلك، وأصدر بذلك قراراً أبلغه الوطنيين، ولكن حزب الاستعمار من الفرنسيين، ونوابهم في المجلس الشورى غضبوا لهذا القرار، وأصروا على إلغائه، فلم يكن من إدارة المعارف إلا أن أبطلت هذا القرار قبل إنفاذه.
* الاحتلال ومالية الحكومة:
تقرر ميزانية تونس بوزارة الخارجية في فرنسا، وترسل إلى تونس
стр. 5049
للتنفيذ، وإذا كانت تعرض على المجلس الشوري الذي أحدثته من مدة غير بعيدة، فإن رأيه استشاري فقط، على أن أكثرية أعضائه من الفرنسيين.
ويدلكم على أن المالية لا تقرر على مقتضى المصالح الوطنية كما هو الواجب: أنها قررت في ميزانية سنة ١٩٢٢ منح مليونين من الفرنكات إعانة لإقامة المؤتمر الإفخارستي الكاثوليكي، وحاول بعض أعضاء المجلس مناقشة الحكومة في هذا التبرع، فكان جوابها المنع من المناقشة في هذا الموضوع؛ حيث إن هذه الإعانة مقررة من وزارة الخارجية، فاحتج بعضهم على هذا العمل، ورددت الصحافة التونسية هذا الاحتجاج، فلم تجد أذناً واعية.
* الاحتلال وأراضي الدولة:
حصرت فرنسا أراضي الحكومة، وأنشأت لها إدارة فرنسية تسمى: "إدارة الفلاحة"، وفوضت إليها بيع هذه الأراضي قطعاً للفرنسيين، فصارت تبيعها لهم، ومقسَّط أثمانها على عشر سنين، وتأبى أن يكون البيع بالمزايدة؛ خشية أن يزاحمهم فيها الوطنيون.
* الاحتلال والأوقاف:
قررت عدم بيع أراضي الأوقاف بالمزاد العلني، وأذنت لإدارة الفلاحة بشرائها لنفسها بأثمان زهيدة؛ لتوزعها على المعمرين الفرنسيين بأثمان زهيدة كذلك، ولما صنعته في أراضي الحكومة وأراضي الأوقاف أصبح معظم أملاك الحكومة وأراضي الأوقاف ملكاً للفرنسيين.
* الاحتلال والقضاء:
في تونس محاكم شرعية، وفيها محاكم أهلية تتولى فصل القضايا بين
стр. 5050
الوطنيين، وأنشأت فرنسا سنة ١٨٨٤ م -أي: بعد الاحتلال بنحو ثلاث سنين- محكمة فرنسية للفصل في جميع القضايا التي تقع بين الأوربيين، أو بين الوطنيين والأوربيين، سواء كان الوطنيون مدعين، أو مدعى عليهم، ولهذا المحكمة فروع في نواحي القطر، والحكام في المحكمة الكبرى (التريبونال) وفروعها كلهم فرنسيون، ويسميهم رئيس الجمهورية الفرنسية، ويحكمون بقوانين فرنسية، وباسم الدولة الفرنسية.
* الاحتلال والجندية التونسية:
لما احتلت فرنسا تونس، ألغت المدرسة الحربية التي أسسها المشير أحمد باي، ولم تمكن الحكومة التونسية من أن ترسل طلاباً إلى فرنسا أو غيرها لتلقي فنون الحرب، ولهذا لا يوجد في الجنود الوطنيين متعلم في مدرسة حربية، ولا يتجاوز التونسي رتبة "يوزباشي".
استمر التجنيد في تونس، وأخذت حكومة الاحتلال تضم الجنود التونسيين إلى الجيش الفرنسي الذي هو تحت إمرة قائد الاحتلال، وإنما تركوا للباي بضع مئات من الجنود التونسية يسمون: "الحرس الملكي".
ولا تبالي الحكومة أن تسوق الجنود التونسيين إلى حروب خارج المملكة التونسية، كما أرسلت منهم فرقاً إلى "مدغشكر" سنة ١٨٩٥ ميلادية، وأرسلت قسماً منهم إلى "التونكين" على حدود "يونان فو" بالصين، وساقت فرقاً منهم إلى محاربة الألمان في الحرب الماضية.
* الاحتلال والتعليم الديني والمدني:
عرفت فيما أسلفنا أن وزير المعارف في تونس فرنسي، ولهذا الوزير التصرف المطلق في التعليم العام والفنون المستظرفة، فإليه يرجع النظر في
стр. 5051
جميع المعاهد العلمية، ومديرو المدارس الحكومية كلهم فرنسيون؛ كالمدرسة الصادقية، والمدرسة العلوية، والمدرسة العليا للآداب العربية.
وتعمل حكومة الاحتلال على تضييق دائرة التعليم ما استطاعت، فلا يوجد في المملكة كلية للطب، ولا كلية للهندسة، ولا مدرسة للصنائع أو الكيمياء أو الطبيعيات، ولا يبرع من التونسسين في علم من هذه العلوم إلا الذين يرحلون إلى أوريا، ويحوزون على الشهادة العليا من إحدى جامعاتها، ومن العجب أن تكون المدارس القرانية الأهلية تابعة لوزير المعارف، وهو فرنسي، وقرأنا في جريدة "مرشد الأمة"، وهي جريدة تصدر بتونس: أن أهل "باجة" طلبوا رخصة فتح مدرسة قرآنية، فأجابهم ذلك الوزير بالحرمان.
وبقي جامع الزيتونة قرينُ الجامع الأزهر مدة بعد الاحتلال تابعاً في إدارته إلى وزير المعارف الفرنسي، ثم ألحقوه بوزارة الداخلية، ولا بد من عرض شؤونه على الكاتب العام، ووزارة الداخلية والكتابة العامة متحدان في الأعمال.
* الاحتلال وحرية الصحافة:
في تونس صحف عربية، ولكنها لا تملك من الحرية ما تملكه صحف الجالية الفرنسية بتونس، وقد انتقد المرحوم محمد بك فريد في رحلته التونسية الضغط على الصحافة العربية هنالك، وجاهر بذلك (المسيو بادو) وكيل الكاتب العام، فأجابه: "بأن الأهالي شديدو الحمية والشكيمة، ولو أطلق لهم عنان حرية الجرائد، لثاروا، وقاموا في وجه الحكومة الفرنسية".
* الاحتلال واللغة العربية:
لغة الكتابة في القطر العربية الفصحى، ولغة التخاطب هي العربية مشوبة
стр. 5052
بانحراف كما وقع لغيرها من اللهجات العربية الحاضرة، ولكن حكومة الاحتلال هضمت حق اللغة العربية؛ إذ جعلت حظها في التعليم بمدارس الحكومة دون حظ اللغة الفرنسية، وجعلت الفرنسية كاللغة العربية لغة رسمية، وجرت على أن لا يقبل في إدارة البريد برقية إلا أن تكون مكتوبة باللغة الفرنسية.
* مجلس الشورى في تونس:
أنشأت فرنسا بتونس سنة (١٣٢٥ هـ - ١٩٠٥ م) مجلساً شورياً للنظر في مصروفات الدولة، ويتألف هذا المجلس من فرنسيين وتونسيين، والأعضاء الفرنسيون ٥٦، والأعضاء التونسيون ٤١، من بينهم ٧ من اليهود، وآراء هذا المجلس استشارية فقط، لا تتقيد بها الحكومة، واستثنت من هذا فصولاً من المالية لا تعرض على هذا المجلس؛ كمصروفات الدَّين التونسي، ومرتب الوزير المقيم وأعوانه، ومصاريف العدلية الفرنسية التونسية، ومصاريف الأمن العام.
* غطرسة المعمرين واحتقارهم للوطنيين:
يرى أولئك المعمرون أنهم أرفع من الوطنيين في الإنسانية درجات، ويعاملونهم معاملة السادة للخدم، وتأبى هذه الغطرسة إلا أن تظهر في أقوالهم وأعمالهم؛ كأنهم يفهمون أن الاحتلال لا يقف على أقدام راسخة، ولا يملكون به السيادة المطلقة، إلا إذا أشعروا الوطني بأنه في منزلة محتقرة؛ حتى لا يطمع في أن يقف بجانبهم موقف الأنسان من أخيه الإنسان، وأسوق مثلاً على هذا: أن الحكومة عندما أنشأت مجلس الشورى الذي أسلفنا الحديث عنه، أظهر هؤلاء المعمرون -وهم أغلب أعضاء هذا المجلس- نفوراً من أن يجتمعوا
стр. 5053
مع الأعضاء الوطنيين في قاعة واحدة، ويتبادلون الرأي وجهاً لوجه، فبعثوا وفداً منهم إلى "باريز" ليبلغ حكومتهم استياءهم من أن يجلسوا مع الوطنيين في مكان واحد، بل طلبوا إلغاء مشاركة الوطنيين لهم في الشورى، ولكن المقيم العام بتونس أراد تخفيف ثورتهم، فقسم الاعضاء قسمين: معمرين، ووطنيين، وخصص لكل قسم مكاناً، وأقام حاجزاً بين مقاعد المستعمرين والوطنيين.
وأذكر أن (مسيو بارجو) وكيل الدولة في المملكة الفرنسية بتونس، قال وهو يدافع في قضية اعتدى فيها أحد المعمرين على وطني: "إن هؤلاء المعمرين قد لوثوا بجريمتهم سياسة فرنسا، ودنسوا وجهها الجميل، وأسقطوا سمعتها بين الأقوام الذين أتينا لحمايتهم".
* الاحتلال والتجنس بالجنسية الفرنسية:
ليس الوطنيون في نظر الحكومة المحتلة بأهل لأن يمنحوا الحرية التي يتمتع بها الفرنسيون، ولكنها فتحت باب التجنس بالجنسية الفرنسية على أن يكون للمتجنس الحقوق التي يتمتع بها الفرنسي الأصل، فعلت هذا ترغيباً للوطنيين في الخروج عن قوميتهم العربية إلى الجنسية الفرنسية، ولكن الوطنيين المسلمين أدركوا أن هذا التجنس يسلخهم من دينهم، ويطعن في قوميتهم ووطنيتهم، فأحجموا عنه إلا نفراً قليلاً استهوتهم منافعه العاجلة، فأثاروا سخط الأمة عليهم، وصارت تنظر إليهم بإنكار وازدراء، وأصرت على أن لا يدفنوا في مقابرها حتى اضطرت الحكومة، ورسمت لهم مقبرة خاصة بهم.
* الاحتلال وجرح عواطف الوطنيين الدينية:
معلوم أن الحكومة الفرنسية لا دينية، ولكنها تعمل في البلاد المحتلة
стр. 5054
كحكومة مصبوغة بالمسيحية الكاثوليكية، وأذكر أن مناقشة جرت بالبرلمان الفرنسي في فصول من الميزانية الفرنسية تتضمن العناية بجمعيات التبشير، فقام وزير الخارجية، وقال ما معناه: "إن فرنسا غير متدينة داخل حدودها، وإنها متدينة في الخارج".
والوطنيون لا يأخذون على فرنسا أن تكون مصبوغة بالمسيحية خارج بلادها، وإنما ينكرون عليها إجراءات تتحيز فيها للمبشرين، وتجرح بها إحساس المسلمين، أو تهضم بها حقاً من حقوقهم، ومثال هذا: أنها نصبت في أشهر ميدان من ميادين العاصمة تمثالاً للكردينال "لا فيجري" شاهراً صليبه، رافعاً إياه فوق رؤوس المارين من العرب المسلمين، ومثال آخر: هو أنها عينت بالمؤتمر الإفخارستي الكاثوليكي الذي قام في تونس سنة ١٩٣٠، وساعدته بمليوني فرنك من خزينة الحكومة التونسية، علاوة على ما أرصدته إدارة الأشغال العامة للإنفاق على رصف الطرقات، ونصب المظلات للوافدين بمكان انعقاد المؤتمر.
* جهاد التونسيين في سبيل قضيتهم:
لم يغمض التونسيون أعينهم عن سالف مجدهم، ويستلموا استسلام الشعب الميت لما يلاقونه من عهد الاحتلال من عسف، بل كانوا يقابلون ذلك بالغضب والإنكار بما استطاعوا، ولهم في جهادهم مواقف حفظها التاريخ، وكم قاموا بمظاهرات تعرضوا بها للنار والحديد، وابتلوا بالاعتقال والسجن والإبعاد إلى أطراف القطر وخارجه، وكانوا يحتملون ذلك الأذى، ويتلقونه بالتجلد والتصميم على العمل لخير وطنهم.
ولا أطيل الكلام بسرد الوقائع في هذا الغرض، وأقتصر على حديث
стр. 5055
الحزب الدستوري ومطالبه الشاهدة بصدق ما وصفنا به الحكم في عهد الاحتلال.
في سنة (١٣٢٩ هـ -١٩١٩ م) تألف الحزب الحر الدستوري، وقام هذا الحزب بمطالب قدمها إلى جلالة الملك، والسفير الفرنسي، يقصد بها تخفيف وطأة الاحتلال، وهي أقصى ما يمكن أن تطالب به أمة يحيط بها استبداد دولة قوية من كل ناحية، ونص هذه المطالب:
١ - المادة الأولى: مجلس تفاوضي يتألف على التساوي من نواب تونسيين وفرنسيين معينين بالانتخاب العام، يملك حق عرض المسائل على المفاوضة، وله سلطة مالية غير محدودة.
٢ - المادة الثانية: مسؤولية الحكومة أمام هذا المجلس.
٣ - المادة الثالثة: التفريق بين السلط: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية.
٤ - المادة الرابعة: قبول التونسيين في كل الوظائف الإدارية بشرط الكفاءة.
٥ - المادة الخامسة: المساواة التامة في مرتبات الموظفين الذين يشغلون منصباً واحداً بدون ميز.
٦ - المادة السادسة: تشكيل مجالس بلدية بالانتخاب العام في كافة مدن المملكة.
٧ - المادة السابعة: حرية الصحافة والاجتماعات والمؤسسات.
٨ - المادة الثامنة: التعليم الإجباري.
٩ - المادة التاسعة: مشاركة التونسيين في شراء أراضي الاستعمار وأملاك الدولة.
ورأت فرنسا أن هذه المطالب ما يخالف شروط الحماية؛ حيث إن
стр. 5056
العميد أجاب الوفد الذي قدم له المطالب بجواب جاء فيه: "إن كلمة دستور التي تعودتم استعمالها، ربما يكون تفسيرها بمرادفها الفرنسي منافياً لأصول الحماية المؤسسة طبق معاهدات وقعت بين سمو الباي والحكومة الجمهورية، وذلك يؤدي إلى وجود مجلس أمة وحكومة مسؤولة أمامه، وهذان الأمران يخالفان المعاهدات الموجودة بين الدولتين".
وما زالت الحركات السياسية الوطنية في تونس تنهض مرة بعد أخرى، وتردد مطالبها على آذان الحكومة، وتعقد مظاهرات، وتقدم احتجاجات عند كل تشريع أو تصرف يجحف بحقوق الأمة، حتى غشيتها هذه الحرب القائمة، فوقف زعماء تلك الحركات يرتقبون عواقبها، ويرجون انتصار الحرية على الاستبداد، والعدل على الجور، ورأوا الظروف في هذه الأيام مساعدة على مواصلة السعي، فقاموا يجاهدون في سبيل قضيتهم، وما هي إلا أن تنال تلك البلاد حقوقها كاملة.
* أهداف هذه المذكرة:
تذكر الرابطة دول الحلفاء الذين قرروا في ميثاق الأطلنطي إنقاذ الشعوب الواقعة تحت وطأة الاستبداد، بأن تونس من الشعوب التي اعترفت الدول من قبل باستقلالها، كما وقع في مؤتمر "أيلس لا شابيل" الذي انعقد في بلجيك سنة ١٨١٠ م، وهي اليوم تقاسي من صنوف الاضطهاد والحرمان من الحقوق الضرورية لحياتها السياسية والاجتماعية ما تذوب له القلوب كمداً وحسرة.
وتذكرة الرابطة دول الاتحاد العربي بأن تونس عربية شعباً وحكومة، فلا فرق بينها وبين العراق وسوريا وفلسطين وغيرها من البلاد العربية في
стр. 5057
جنسيتها العربية، وثقافتها التي تؤهلها لأن تقف في صفوفهم، وتكون لبنة في بناء اتحادهم.
وتذكر الرابطة حكومة فرنسا الحرة بأن الشعوب المغلوبة على أمرها، قد انتقلت إلى طور جديد، واتجهت إلى الجهاد في حريتها بتصميم، فإن أراد الفرنسيون الأحرار أن يكونوا براء من تبعة ما سردناه من الحقائق في تصوير حال الشعب التونسي في عهد الاحتلال، فلينظروا إلى تونس بالمرآة الصافية، ويقدروا ما يشهدونه فيها من كفاية لأن تدير شؤونها بنفسها، فقد حظيت باستقلالها شعوب ليست بأفضل منها مدنية، ولا أرقى ثقافة، ولا أدرى بمذاهب السياسة.
стр. 5058
سَالم بوحَاجب آيَة من آيَات العبقريّة (١)
نعت إلينا الصحف التونسية فضيلة أستاذنا الشيخ سالم أبي حاجب واسطة عقد العلماء، ورئيس المحكمة الشرعية المالكية بالديار التونسية، فكان نعيه لدى العارفين بمقامه الأسنى كقبس من نار تذوب له القلوب لوعة، وتتساقط له العبرات أسفاً.
كان الفقيد ﵀ آية من آيات العبقرية، وأحد العلماء الذين لا تجود بهم يد الأيام إلا في أوقات معدودة، فلا جرم أن أنثر على بساط هذا الاحتفال الجامع شذراً من آثار حياته الزاهرة خدمة للعلم والأدب والتاريخ، وإنَّ في سيرة العظماء من الرجال لعبرة لأولي الألباب.
стр. 5059
ولد الفقيد حوالي سنة ١٢٤٤ بقرية من قرى الساحل تسمى: "بنبلة"، ثم ارتحل منها عندما بلغ سن التعليم إلى حاضرة تونس لتلقي العلم بجامع الزيتونة الأعظم، ولم يلبث أن سطع بين جدران ذلك المعهد شعاع ألمعيته ونبوغه، وصلاحيته في أندية العلم والأدب، ولا سيما إذ كانت له في صناعة القريض براعة فائقة، وفي نقده الشعر ذوق لا يقل عن ذوق العربي الصميم.
ترقى الفقيد في مدارج العلم حتى تقلد وظيفة التدريس بالمعهد الزيتوني، درس من علوم الشريعة والعربية كتباً عالية؛ مثل "شرح العضد على مختصر ابن الحاجب"، و"شرح القسطلاني على صحيح الإمام البخاري"، و"الشرح المطول للسعد التفتازاني". وكان يجلس لدرس هذه الكتب وغيرها على منصة التحقيق، ويخوض عبابها بنظر مستقل، وينطق فيها بلهجة مجتهد نحرير، فلا ينتهي من تقرير موضوع إلا بعد أن يعقد لما يجري فيه من الخلاف محاكمة يدخل إلى القول الفصل فيها من باب الحرية والإنصاف.
ولِما وضع في فطرته من حبِّ البحث، والغوص في أغوار المسائل، كان يتلقى أسئلة التلاميذ في الدرس بصدر رحب، وكثيراً ما يغمر الباحث النجيب بعبارات الثناء؛ تشجيعاً له على البحث، وأخذاً بيده إلى أن يسير مع أصحاب الآراء والمؤلفين على مقتضى حكمة من يقول: "هم رجال، ونحن رجال".
ولعلمه الراسخ، وعبقريته البارزة، كان بعض أقرأنه مثل: الأستاذ الشيخ مصطفى رضوان يقرر في درسه عازياً شيئاً من الأفهام التي انفرد بتحقيقها، وكثيراً ما يورد الفقيد في مجالسه أو دروسه في صدد الاستشهاد على بعض المعاني اللغوية عبارة "القاموس" بنصها، حتى ظن كثير من أهل العلم أنه يحفظه
стр. 5060
على ظهر قلب. وأغلب مسائل "الشرح المطول"، و"المغني" لابن هشام، و "شرح السيد على المفتاح"، و "شرح الدماميني على التسهيل". تجري على طرف لسانه مهما تدعو الحاجة إلى الاستشهاد بشيء منها.
ولم يكن الأستاذ ممن يسارع إلى الاعتقاد بصدق من يخرج في زي المجذوبين، أو يدعي أنه من أرباب الولاية والكرامة، وظهر منه هذا الخلق في مجلس بعض رجال الدولة، فقالماله: اعتقد ولا تنتقد. فقال الأستاذ: ليس الاعتقاد مما تعتنقه النفس بمجرد الاختيار، وإنما هو من قبيل العلم الذي لا يرتسم فيها إلا بمؤثر من حجة وبرهان.
وكان يحارب الخرافات، والاَراء السخيفة، والأقوال المسندة إلى الشريعة بمجرد الدعوى، أو بأحاديث غير ثابتة، وكان يبدي رأيه بكل صراحة، وإن صادم المعروف بين شيوخ عصره؛ كإنكاره لوجود جبل قاف، ومشاهدة الجن بعين الباصرة، ويرى أن ما يزعم من ذلك إنما هو من قبيل تأثير الخيال.
أحرز الفقيد بين رجال الدولة مكانة إكبار وإجلال، وانتظم له هذا الأقبال إذ كان من أولي النظر الواسع في شؤون الاجتماع، وما تقتضيه المدنية الراقية، وكذلك كانت دروسه في علوم الشريعة مملوءة بالبحث عن أسرارها من حيث المطابقة لما تستدعيه مصالح الشعوب. ومن هذا الوجه كان للأستاذ حياتان: علمية، وسياسية، فاتخذه الوزير خير الدين باشا من مساعديه في تنظيم التعليم، وإصلاح الإدارة قبل الاحتلال، وتقلد وظيفة العمل بإدارة المال، مضافة إلى وظيفة التدريس بجامع الزيتونة.
سافر الأستاذ إلى إيطاليا مبعوثاً من طرف الحكومة التونسية قبل الاحتلال؛
стр. 5061
لينوب عنها في قضية أقامتها على ورثة أحد قابضي أموالها المدعو "نسيم"، وأقام هنالك زمناً واسعاً، التقى فيه خلاله بكثير من علمائها، ودارت بينه وبينهم محاورات علمية، وكانوا يلقون عليه أسئلة فيما يشكل عليهم من بعض الأحكام الإسلامية، فيذهب في الجواب عنها إلى طريق النظر الفلسفي، حتى تقع أجوبته لديهم موقع القبول والتسليم. وكان الأستاذ يقول: إن هذه الرحلة مجموعة عنده في كتاب. وقصّ علينا أنه دخل إلى بعض المكاتب الحاوية لكتب عربية، فتناول كتاباً منها، فكان أول جملة وقع عليها بصره: "كان العرب إذا خطبهم لاعب الشطرنج، منعوه، وقالوا: إنه ضرة ثانية": وفي هذه الرحلة بعمث الأستاذ بصورة فتوغرافية إلى الوزير محمد البكوش، وكتب عليها من نظمه:
لما شكتْ شحطَ النوى روحي التي ... أبقيتها عند الأَحبَّةِ بالوطنْ
أرسلتُ تمثالي لها بوّاً عسى ... تسلو فلا تبغي التحاقاً بالبدنْ
وسافر الفقيد رفيقاً للوزير خير الدين باشا إلى الآستانة، وامتدح السلطان العثماني بقصيدة، فأمر بمكافأته عليها بوسام، فأبى، وقال للمرسل من جانب السلطان: إن حمل الوسام مما لا يرغب فيه أهل العلم ببلادنا، بل يرونه بحكم العادة مزرياً بمقامهم.
وكان يلقي في شهر رمضان من كل سنة درساً من "صحيح البخاري" بجامع (سبحان الله) ودرساً من كتاب "الموطأ" في المدرسة المنتصرية، ويشهدهما صاحب المملكة التونسية سمو الباي وكبير الوزراء في مجمع حافل من أعيان العلماء، وتجري فيهما مباحثات من أقران الأستاذ، أو نجباء تلاميذه، وقد يورد بعض الأبحاث الأمير نفسه متى كان من رجال العلم؛ مثل: المغفور
стр. 5062
له الناصر باي، وهذه الدروس التي كان يلقيها الفقيد بعناية، لا تزال محفوظة، إذ كان يحررها كتابة قبل يومها المشهود.
واشتهر بالفلسفة في العلوم الإسلامية، فكان مورد المستشرقين، ومن تشتد عنايتهم للاطلاع على حقائق الإسلام من فرنسيين وغيرهم، فيجاذبهم أطراف المحاورة بنفس مطمئنة، وأدب جميل.
وكان يقوم بالخطابة والإمامة بالجامع المعروف بجامع (سبحان الله)، ويلقي خطباً يراعي في إنشائها ما تستدعيه حال الزمان والمكان. ومما ابتكره في الخطابة: أنه كان يعمد إلى ما يرد في الخطبة من حديث أو آية يسبق إلى ظنه أنه بعيد الماخذ من أفهام السامعين، فيشرحه بعبارات يصوغها على طريقة بيانه في التدريس، وقد ظهر قسم من هذه الخطب مطبوعاً في تونس منذ ثلاث عشرة سنة.
وكان يشد أزر القائمين على بعض الأعمال الإصلاحية، وكان النشء الناهض يلتف حوله، ولهذا انتخبوه للخطابة في حفلة افتتاح المدرسة الخلدونية التي تعد شعبة من جامع الزيتونة لدراسة العلوم الرياضية والطبيعية والتاريخ.
وأذكر أني كنت أنشأت مجلة علمية أدبية تسمى: "السعادة العظمى"، فتحركت بعض النفوس الخاملة لكتم أنفاسها، فقال لي الأستاذ حال انصرافنا من درس "صحيح البخاري": لا تعباً بما يلقيه هؤلاء في سبيل عملك، وتأس بالنبي ﵊ إذ قال له ورقة بن نوفل: لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي.
وكان للفقيد عاطفة أدبية تسمو به إلى الاحتفاء بالعلماء الوافدين على الحاضرة، ويذل المستطاع في مجاملتهم. زار فيلسوف الإسلام الأستاذ الشيخ
стр. 5063
محمد عبده البلاد التونسية سنة ١٣٢١، ونزل ضيفاً مكرماً في بيت حضرة السيد خليل أبي حاجب نجل الفقيد، وهو اليوم وكيل وزير الداخلية بتونس، فعرف الفقيد فضل الأستاذ الشيخ محمد عبده، وكان يقضي جلّ أوقاته في مؤانسته ومذاكرته العلمية أو الأدبية أو الإصلاحية.
وورد عالم الجريد الشيخ إبراهيم أبو علاق الحاضرة، وأتى درس الفقيد بجامع الزيتونة، ولم تنعقد صلة التعارف بينهما بعد، فأخذ يناقش الأستاذ في المبحث الذي كان بصدد تقويره، ولما طال أمد المناقشة، ووقع في ظنّ الفقيد أن ليس الغرض منها طلب الحقيقة، بدرت منه كلمة كبرت على مسمع الشيخ أبي علاق، فانصرف عن الدرس وقال:
تقاصرتُ مذ أبدى التطاولَ سالمٌ ... وسالَمتُ والقاصي المكان يُسالمُ
ولما وصل نبأ هذا البيت إلى مجلس الفقيد، نهض في الحال للقاء الشيخ أبي علاق، فاسترضاه، وخطب مودته، ودامت بينهما الصداقة المحكمة.
وتحلى الفقيد بآداب راقية؛ مثل: التواضع، والحلم، والصراحة، فازداد شرفاً على شرف العبقرية، وانجذبت لا القلوب بعاطفة المحبة بعد امتلائها بمهابته وإجلاله، حتى إذا حضر مجتمعاً خاصاً أو عاماً، مسك بعنان المجلس، وأخذ ينشر على أسماع الحاضرين من غرائب المسائل ولطائف الأدب ما يخيل إليهم ئنهم في جنة عالية، لا تسمع فيها لاغية، وكنا نرى أهل العلم والأدب يقصدون في الاحتفالات الجامعة إلى أن تكون مجالسهم بمقربة من مجلس الفقيد؛ حرصاً على اقتباس أدب مؤنس، أو اقتناص علم غريب.
وانفود بين علماء جامع الزيتونة بأنه كان يتزيا في لباسه بزي علماء
стр. 5064
الشرق؛ أي: يلبس القفطان والجبة المفتوحة من أمام، ويضع عليهما البرنس، ولم يكن يلتزم تقاليد أهل العلم وذوي المناصب الشرعية في بلاده، حتى إنه كان يلبس الجزمة أيام كان لبس أهل العلم لها شيئاً نكراً، ويتجول في بعض المتنزهات العامة راجلاً، وغيره من ذوي المناصب العالية لا يغشونها إلا مروراً في عرباتهم.
وكانت له عند افتتاح الكلام عقدة خفيفة لذيذة على السمع، حتى إذا انطلق لسانه في التقرير، سمعت العربية الفصحى، ولهجة تتسوغها الأسماع بارتياح وإعجاب.
ومن المعروف عن الأستاذ: أنه كان يطمح إلى طول الحياة، ويمثل حركة الساعة الميقاتية بحسيس الأرَضَة في كلها من عمر الإنسان، وينقل عنه في تعليل عدم حمله للساعة: أنه يكره أن يسمع أو يرى آلة تذكره كيف تنقضي حياته العزيزة شيئاً فشيئاً.
هذا ما أجده في الذاكرة من مآثر حياة الأستاذ الذي فارقته -وبودي لا أفارقه- برحلتي الى بلاد الشرق سنة ١٣٣١، وقد ناهز التسعين من عمره. اهـ.
* عِلاوة:
حكى الأستاذ: أن أحد الباشاوات من قواد الجند بالآستانة دعاه إلى منزله في طائفة من أهل العلم، ومما دار بينهم في المذكرة: أن صاحب المنزل سأله عن حكم تعلم الجغرافية، فقال له: إن تعلمها من فروض الكفاية. قال الأستاذ: فالتفت ذلك الباشا الى أحد الفقهاء بالمجلس، وقال له: لماذا كنت تقول في: ان تعلمها حرام؟ فأقبل ذلك الفقيه على الأستاذ وقال له:
стр. 5065
ما دليلك على ما تقول من أن تعلم الجغرافية من الواجبات؟ قال: فلم أرد أن أطيل الحديث في الاستدلال بمثل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، واخترت أن أورد كلمة تكون أقرب إلى فهم السائل، فقلت موجهاً الخطاب لصاحب المنزل: إذا صدرت إرادة السلطان، يأمرك أن تسير بقسم من الجيش إلى بعض بلاد العدو، وكنت تجهل المسافة التي بينك وبين ذلك البلد، ثم لم تكن على خبرة مما يوجد في تلك النواحي من ضروريات حياة الجند وما لا يوجد، فإنك بلا ريب تذهب على غير هدى، ولا تأمن أن يقع الجيش في تهلكة. فوقع الجواب من نفس الباشا موقع الارتياح والقبول.
وفيما حكى الأستاذ من هذه المحاورات: أن أحد المستشرقين سأله عن الوجه في إباحة الإسلام تزوج المسلم بالكتابية من مسيحية أو إسرائيلية، ومنعه المسلمة من أن تتزوج مسيحياً أو إسرائيلياً. وقال السائل: ما هذا الحكم إلا ضرب من التعصب في الدين! فأجابه الأستاذ: بأنه حكم قائم على حكمة عمرانية بالغة، وهي أن النكاح يقصد به التعاون على مرافق الحياة، وهذا الغرض لا يتحقق إلا مع التآلف، وانتظام حلّة المعاشرة، ومن المعروف أن المسلم يؤمن بالرسول الذي تؤمن به الكتابية، ويعتقد بصحة دينها في الجملة، فلا يتوقع أن يصدر منه ما يجرح إحساسها، ويكدر صفو المعاشرة بينهما، وأما الكتابي غير المسلم، فإنه لعدم إيمانه بصحة الإسلام وصدق الرسول الذي جاء بشريعته، قد يؤذي المسلمة بما يقذفه من كلمات يطعن بها في أصل دينها، أو ينال بها من كرامة الرسول الذي تعتنق شريعته.
وحكى لنا الفقيد: أن الأستاذ الشيخ محمد عبده تكلم على ضرورة
стр. 5066
الاجتهاد في الأحكام الشرعية، حتى قال: ينبغي إهمال كتب الفقهاء وإتلافها بالإحراق. قال: فقلت له: لا بأس بإبقائها والاستعانة بها؛ لأنها لا تخلو من فوائد. فقال لي: فلتبق.
стр. 5067
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٢١)
«مِنْ أورَاقِ وَمُذَكَّرَاتِ الإمام مُحمد الخَضِر حُسَين»
" رَسَائِلُ الخَضِر"
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 5068
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 5069
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
" من مذكرات وأوراق الإمام محمد الخضر حسين" -رضوان الله عليه- أضع بين يدي الباحث والقارئ بعضاً من رسائله التي عثرت عليها بعد بحث وجهد.
كان الإمام -رضوان الله عليه- مقلاً غيرَ مكثر في رسائله، فلم يراسل إلا أشخاصاً معينين تربطه بهم صلة قربى، أو صداقة ترقى إلى مرتبة تدنو من الأخوة، أو الأخوة ذاتها عند بعض الأصحاب الذين قرؤوا معاً في جامع الزيتونة، ونهلوا من معين العلوم ونبعها الصافي كؤوس المعرفة الخالصة.
لما باشرت في جمع أوراقه ورسائله، لم أعثر بادئ ذي بدء إلا على وريقات متناثرة بين كتب ومخطوطات العم المرحوم محمد المكي بن الحسين في تونس، وسعدت بها سعادة الظامئ وقد ابتلت شفتاه بقطرات من الماء الفرات، وقلت: حمداً لله على نعمائه، وفرزتها في مغلف خاص منتظراً المزيد منها.
ثم جاءتني صور من رسائل أخرى زودني بها الأخ الدكتور عياض عاشور حفيد وابن العالمين افي جلين محمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الفاضل بن عاشور. كما أكرمني الأخ العلامة المفضال الشيخ محمد الشاذلي النيفر -حفظه الله- بتقديم ما لديه من رسائل الإمام إلى الشيخ محمد الصادق النيفر.
стр. 5070
لا شك عندي أن رسائل الإمام أكثر مما يضمه هذا الكتاب، فأصدقاؤه في أنحاء العالم الإسلامي متتشرون، ومحبوه أكثر من أن يحصون، ولكن تعذر عليَّ الإحاطة بها، والوصول إلى من قد تقبع في مكتبته، وسألتُ وخاطبتُ كل من عرفت عن تلك الرسائل، فلم أسعف إلا بالذي طربت بجمعه وتقديمه.
لم يكن الإمام يحتفظ بصور عن رسائله، فكان يخطها بيده الكريمة، ويبعث بها إلى المرسل إليه وحيدة فريدة.
قلت: إن الإمام كان مقلاً في رسائله، فقد بنيت هذا القول على ندرة الخطابات التي كانت ترد من الإمام في القاهرة إلى شقيقه سيدي الوالد زين العابدين بن الحسين -رضوان الله عليه- في دمشق، وأذكر أن الرسالة تطل مرة أو مرتين في العام الواحد، ويكون الوالد في عيد خلال قراءتها رغم اختصارها في سطور قد لا تتجاوز أصابع الكفين، ولا تتعدى في مضمونها المجاملة التي اعتاد عليها الأهل في رسائلهم حول الصحة والاطمئنان على الأسرة، وذكر المهم من الأسماء التي يعنيها المرسل بتحيته وشوقه.
بين أيدينا بعض رسائل الإمام، التي حفظها الزمن، ولم تعبث بها عاديات الإهمال، فإذا ما طرحناها تحت نظر الباحث، نجدها محاطة بعدة ملاحظات:
أولها: توخينا من نشرها على الناس الفائدة العلمية التي يتطلع إليها الفقيه والمؤرخ والأديب والباحث والدارس، وفيها أسماء كتبٍ وتواريخ حوادثَ، وأحداثٌ وأخبارٌ، وأعلام لها نفع كبير في إصدارها ضمن كتاب.
ثانيها: من الأمانة في العلم القول: إنني قد صرفت النظر عن بعض رسائله الخاصة جداً التى تتعلق بشؤون لا فائدة من وراء إعلانها.
стр. 5071
ثالثها: أوردت الرسائل بنصها الكامل دون أي حذف، ولو كلمة واحدة، ورتبتها حسب تواريخ تحرير الإمام لها.
وفي الرسائل الخالية من تاريخ خطها -وهي قليلة جداً- استخرجت من مضمونها ما يشير إلى تاريخها على وجه التقريب، وقد أشرت إليه في الحاشية. وفي حال تعذر ذلك جعلتها في آخر الكتاب.
رابعها: ذكرت شرحاً مقتضباً للأعلام المذكورين في الرسائل؛ ليكون المطلع عليها عارفاً بهم. كما عرّفت بالأسماء والكتب والعناوين والأماكن والوقائع باختصار، ولم أشر إلى القليل النادر مما لم أعثر على ترجمة أو تعريف به.
خامسها: إذا حصلت على المزيد من رسائل الإمام، فإني أعد -إن شاء الله تعالى- بنشرها مستقبلاً.
وأدعو الله أن يتقبل أعمالنا خالصة لخدمة الإسلام.
علي الرّضا الحسيني
стр. 5072
رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
فضيلة العلامة النحرير (٢)، ومجد الإسلام الذي هو بعلاجه بصير، الأستاذ صديقي الوحيد الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور (٣)، أيَّده الله تعالى.
стр. 5073
تحية كاملة، وتشوقاً مفرطاً، ورد عليَّ مكتويكم يشفّ عن مودة شريفة الغاية، طاهرة الذمة، بعد أن قلبت وجه الانتظار إليه ليالي وأياماً.
ثبطني (١) عن مكاتبكم أيها الصديق قبل وروده -مع قوة الباعث على الأخذ بأطراف الأحاديث بيننا- ما هتف على خاطري من أنها ربما قصرت بها الأهمية أن تطأ موطئاً ينال من الالتفات نيلاً. علّك أيها النقّاد تعلق على هذا الاعتذار ملاماً أطول باعاً مما قبله مما يلوح على ظاهره من مبدأ سوء
стр. 5074
الظنة، فأعترف بأنه هاتف خيالي، وما كنت بالرجل الذي تؤثر عليه عوامل الخيال، ويتبع آثار روايته قبل أن يتخبطني البعاد من الحس، أخشى أن ألقي إليك بمعذرة تزاحم الشواغل عليَّ، فلا تدفع حرج الملامة من الصدر دفاعاً بليغاً. لا أمتري (١) أن من الأشغال حقوقاً لا يرضى أربابها غير اقتضائها (٢) خلاف شأن الحقوق الودادية من التربص بها إلى مساعفة الغرض ولا جناح. بيد أني يتمثل في فراغ بعض دقائق من الوقت، فأراها فرصة مساعفة على عمارتها بمناجاة ذلك الودود، فيتردد مع النفس هاجس عتاب، لا يسكن إلا بعد حين أغالب فيه الخيال.
من ها هنا آثرت ذلك الاعتذار، وإن كان محلاً للتعليق، واقتبست من مكتوبكم عن التخلف عذراً واضحاً غير ما صرحتم به إلي.
بشرتموني باقتراب وفائكم بموعد الزيارة، عندما يأخذ الشيخ منبع الآداب في تمام الشفا والارتياح. وعراني أسف على ما عرض للشيخ من السقم، فنرجو له مزيد العافية والسلامة، ويبلغ له منا أتم السلام.
نبأتموني بموضوع المسامرة التي أردتم التفضل بها، وهو غرض صعب المراس، وما هو عن جنابكم الذي أبدع السباحة في لجج الفصاحة والتحرير ببعيد المنال، وقد عقدت القصد على الحضور ليلتها إن شاء الله.
أما ما أشرتم إليه من انتخابي لإلقاء مسامرة أدبية أو علمية بناء على ما طلبه منكم رئيس جمعية قدماء المدرسة الصادقية (٣)، فلا أظنه يعسر، فإن
стр. 5075
رأى جنابكم عرض بعض موضوعات تلائم منهج الجمعية أرسل بها إليَّ عسى أن نعيّن منها ما يمكن لنا تحريره في أجل مسمى، ودمتم في عز وتأييد.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
كتب يوم الأحد ١٤ في صفر
стр. 5076
رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جناب العلامة العمدة (٢) النحرير الأكمل صديقنا الأعز الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل السلام وأسناه:
فنقدم إلى حضرتكم أن الفاضل الخير الزكي الشريف سيدي عبد الرحمن ابن علي التمس مني أن أخاطب جنابكم، وأستلفت نظركم الكريم إلى أن تهبوا له شيئاً من مساعيكم الحميدة بإدخاله في زمرة المنتفعين من فواضل "التكية" (٣).
стр. 5077
وقد كان بيده مكتب لتعليم الصبيان انتزع منه، وسيشرح لكم حالته، والمرجو من مكارمكم أن تشملوه برعاية خاصة كانعهد منكم، ودمتم في عز واحترام.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب ٢٦ في ذي القعدة عام ١٣٢٣ هـ
стр. 5078
رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير الأمجد الأستاذ أخينا الشيخ سيدي محمد الصادق النيفر (١) -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل التحية:
فإنّا نحمد الله على ما شملنا من العافية، نهنيكم بإحرازكم على خطبة
стр. 5079
التدريس (١)، بل نهنئ الجامع الأعظم (٢) على انتظام مثلكم في سلك مدرسيه.
تلقيت مكتويكم العزيز، فملأ قلبي أنساً، ولكنه أذكى لاعج الشوق إلى مجالسكم المؤسسة على المصافاة، المطرزة بالآداب.
تأخر عني مكتويكم، فقلت: لعله أمر اقتضاه الحال؛ لأني على ثقة من خالص ودكم، وأعلم أن بُعْدَ الدار لا ينقص منه فتيلاً، حتى وافى وهو يعرب عن عذر واضح، بل يبشر بمنْية طالما استشرفت لها النفس، وعلق بها رجاؤها.
تعين أخونا زين العابدين (٣) من الآستانة معلماً ابتدائياً في هذا المكتب السلطاني أيضاً.
دخل أخونا المكي (٤) معلماً ابتدائياً في مكتب أهلي.
стр. 5080
لقينا من أهل دمشق حفاوة واحتراماً فوق ما نستحق، لا سيما من الناشئة المتأدبة، وكثير من أهل الفضل والعلم، حتى ظهر منهم الاستبشار، وأقبلوا على تهمئتنا عندما بلغهم تعييننا لتدريس آداب اللغة العربية والفلسفة بمكتبهم (١).
يعنون بآداب اللغة العربية: الإنشاء، والبيان والبديع، وقرض الشعر، والعروض، وبيان أطوار اللغة في الجاهلية والإسلام، وشرح قصائد انتخبوها لبلاغتها، وما يشاكل ذلك.
وهذا الدرس كدرس الفلسفة، يحضره التلامذة الذين سبق لهم في التعليم نحو عشر سنين.
سافر في الجمعة الماضية الشيخ عبد العزيز جاويش (٢) في وفد لتأسيس