رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
جناب العلامة العمدة (٢) النحرير الأكمل صديقنا الأعز الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل السلام وأسناه:
فنقدم إلى حضرتكم أن الفاضل الخير الزكي الشريف سيدي عبد الرحمن ابن علي التمس مني أن أخاطب جنابكم، وأستلفت نظركم الكريم إلى أن تهبوا له شيئاً من مساعيكم الحميدة بإدخاله في زمرة المنتفعين من فواضل "التكية" (٣).
стр. 5077
وقد كان بيده مكتب لتعليم الصبيان انتزع منه، وسيشرح لكم حالته، والمرجو من مكارمكم أن تشملوه برعاية خاصة كانعهد منكم، ودمتم في عز واحترام.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب ٢٦ في ذي القعدة عام ١٣٢٣ هـ
стр. 5078
رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير الأمجد الأستاذ أخينا الشيخ سيدي محمد الصادق النيفر (١) -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل التحية:
فإنّا نحمد الله على ما شملنا من العافية، نهنيكم بإحرازكم على خطبة
стр. 5079
التدريس (١)، بل نهنئ الجامع الأعظم (٢) على انتظام مثلكم في سلك مدرسيه.
تلقيت مكتويكم العزيز، فملأ قلبي أنساً، ولكنه أذكى لاعج الشوق إلى مجالسكم المؤسسة على المصافاة، المطرزة بالآداب.
تأخر عني مكتويكم، فقلت: لعله أمر اقتضاه الحال؛ لأني على ثقة من خالص ودكم، وأعلم أن بُعْدَ الدار لا ينقص منه فتيلاً، حتى وافى وهو يعرب عن عذر واضح، بل يبشر بمنْية طالما استشرفت لها النفس، وعلق بها رجاؤها.
تعين أخونا زين العابدين (٣) من الآستانة معلماً ابتدائياً في هذا المكتب السلطاني أيضاً.
دخل أخونا المكي (٤) معلماً ابتدائياً في مكتب أهلي.
стр. 5080
لقينا من أهل دمشق حفاوة واحتراماً فوق ما نستحق، لا سيما من الناشئة المتأدبة، وكثير من أهل الفضل والعلم، حتى ظهر منهم الاستبشار، وأقبلوا على تهمئتنا عندما بلغهم تعييننا لتدريس آداب اللغة العربية والفلسفة بمكتبهم (١).
يعنون بآداب اللغة العربية: الإنشاء، والبيان والبديع، وقرض الشعر، والعروض، وبيان أطوار اللغة في الجاهلية والإسلام، وشرح قصائد انتخبوها لبلاغتها، وما يشاكل ذلك.
وهذا الدرس كدرس الفلسفة، يحضره التلامذة الذين سبق لهم في التعليم نحو عشر سنين.
سافر في الجمعة الماضية الشيخ عبد العزيز جاويش (٢) في وفد لتأسيس
стр. 5081
مدرسة كلية بالمدينة المنورة، وأقاموا احتفالاً منذ خمسة أيام هناك عند وضع الحجر الأول، وتليت خطب.
تعين السيد أحمد تكالي التونسي معلم اللسان الفرنسوي بهذا المكتب؛ أي: الدمشقي.
تعين السيد محمد الصالح جمل التونسي معلم اللسان الفرنسوي بمكتب بيروت.
هذا الانقلاب الذي وقع بالحاضرة (١) كان وقوعه في منزلة المتحقق عندنا، سنَّة الله في الذين ظلموا، وكنا نظن أن نراه رأي العين، ولكن وقع بعد أن سار بنا القدر إلى معترك ثاني من الحياة.
أرجوكم أن تبلغوا أعز السلام مع طلب الدعاء إلى والدنا الشيخ الأكبر (٢)، وكافة من يحويه ناديكم، ولا تتأخروا عنا بمراسلتكم، فينها تطفئ شيئاً من لوعة الشوق، وتخالط أفئدتنا بأنسها اللطيف، وبواسطتها يكون كل منا على بينة من حال صديقه. ودمتم في عز كامل.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب ٢٠ محرم عام ١٣٣١ دمشق
стр. 5082
رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
بعد هجرة الإمام من تونس إلى دمشق سنة ١٣٣١ هـ، بعث إليه صديقه الإمام محمد الطاهر بن عاشور وهو قاضي القضاة بتونس رسالة مصدرة بالأبيات المنشورة في الحاشية. وأجابه بالقصيدة التالية:
أَيَنْعَمُ في بالٌ وأنتَ بَعيدُ ... وأَسْلو بِطَيْفٍ والمَنامُ شَريدُ
إذا أَجَّجَتْ ذكْراكَ شَوْقيَ أُخْضِلَتْ ... لَعَمْري -بدَمْعِ المُقْلَتَيْنِ- خُدودُ (١)
بَعُدْتُ وآمادُ الحَياةِ كثيرَةٌ ... وَلِلأَمدِ الأَسْمى عَلَيَّ عُهودُ (٢)
بَعُدْتُ بِجُثْماني وَروحي رَهينَةٌ ... لَدَيْكَ وَللْوِدِّ الصَّميمِ قُيُودُ (٣)
عَرَفْتُكَ إذْ زُرْتُ الوَزيرَ وَقَدْ حَنا ... عَلَيَّ بِإقْبالِ وأنْتَ شَهيدُ (٤)
فَكانَ غُروبُ الشَّمْسِ فَجْرَ صَداقَةٍ ... لَها بَيْنَ أَحْناءِ الضُّلوعِ خُلودُ
رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
جناب العلامة النحرير المفضال أخينا الشيخ الصادق النيفر - حرسه الله تعالى -.
أما بعد التحية الكاملة، والاشتياق البالغ:
فإني قدمت إلى الآستانة منذ ثمانية أيام، وقد عينتني الدولة مدرساً بمكتب سلطاني (١) بدمشق، والمرتب مئة فرنك وثمانون فرنكاً في الشهر، وقالوا: هذه بداية، ووعدوني بالزيادة، وإن شاء الله بعد خمسة أيام نتوجه إلى دمشق، فإن تفضلتم بالكتابة، فإليها.
وقد كنت أرسلت لكم مكتوباً في رمضان، ولعله لم يصلكم.
وسلامي إلى العلامة والدنا الشيخ سيدي الطاهر -أبقاه الله تعالى-.
إني متشوق إلى الاطلاع على أحوالكم -أجراها الله طبق ما تريدون-.
والسلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
وكلتب في ١٧ ذي القعدة عام ١٣٣١ - الآستانة
стр. 5086
[حاشية]
هل يمكن إفادتنا بشيء من أثر الانقلاب الشرعي (١)؟
стр. 5087
رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير، صاحب الأخلاق العالية والعهد الصحيح، صفوة الخيرة، صديقنا العزيز الشيخ سيدي الصادق النيفر -حرس الله كماله-.
أما بعد إهداء التحية الكاملة والاحترام:
فقد طلع علي مكتوبكم الكريم، والفؤاد في شوق إليه عظيم، فاقتطفت منه العلم بتمام عافيتكم، وارتشفت منه أنساً أعاد علي شيئاً من صفو تلك الليالي التي مرت لنا بمسامراتكم اللذيذة.
زارنا منذ أيام نقيب الأشراف بمكناسة (١) قادماً من المدينة، قاصد السفر على طريق تونس، وله سماع بفضيلتكم تلقاه من علماء فاس، ولا أدري هل تم له المرور بطرفكم؟
توفي منذ أسبوع الشيخ جمال الدين القاسمي (٢) أحد علماء دمشق،
стр. 5088
ولعلكم اطلعتم على بعض تآليفه المستقلة، وتحريراته بمجلة المنار (١) ﵀.
توفي الشيخ محيي الدين الخياط (٢) أحد علماء ييروت، وهو من المؤلفين أيضاً المحررين بالجرائد في لهجة إسلامية.
زارنا منذ مدة السيد العربي بسيس قادماً (٣) من طريق الحج ... وقد أخجلنا في بعض المجالس حيث أطلق لسانه بمديح، ... (٤) وإطرائه، ووصفه له بأنه من المصلحين المثقفين، وهكذا كان يفعل بالمدينة المنورة. وهذا ما دعانا إلى عدم مراجعته في كثير من المجالس الذي يمكنه أن يطلع عليها بواسطتنا، سلك ذلك الغلو في مجلس أحد العلماء يقال له: الشيخ بدر الدين (٥)، فلم ... (٦) أن قال له: قال ﷺ : "من علامات الإيمان: الحب
стр. 5089
في الله، والبغض في الله".
انفصلت مع بنت السيد عمر العتكي بطلاق، حيث لم يمكن مرافقتها لنا، عوضنا الله بما هو أسعد.
إنني وجميع الأهل في عافية تامة، وعيش ناعم، نحمد الله عليه بجميع قلوبنا وألسنتنا في الصباح والمساء.
قررت نظارة المعارف أن تزيد في مرتبنا بعد خمسة أشهر مئة فرنك في كل شهر، جاءني الإعلام بذلك منذ يومين.
شرعت في تأسيس مكتبة لي، فنقحت مما عندي من الآثار القديمة كتباً، وأخذت أشتري ما أحتاجه مقدماً الأمم فالأهم.
يبلغ لكم السلام من سائر إخوتنا المخلصين في مودتكم واحترام فضيلتكم.
التلامذة الذين يحضرون بدروسنا في المدرسة يبلغ عددهم الآن نحو ثمانين تلميذاً يتلقون القواعد النحوية والصرفية، ويتعلمون صناعة الإنشاء والخطابة، وعلمي البيان والبديع، وشرح قصائد من المنظومات البليغة.
كما نيط بعهدتنا درس الفلسفة؛ أي: أحوال النفس التي هي راجعة إلى القوى المدركة، والأخلاق، ثم المنطق.
وقد أخذنا نجني ثمرة التعليم، حيث تقدم التلاميذ في صناعة الإنشاء والخطابة شوطاً يبشر بنجاح في المستقبل - إن شاء الله تعالى -.
أنها سيرتنا بدمشق، فإنها لم تتغير عن الطريقة التي كنا نسلكها في تونس، وهو أن معظم أدبائها وكبرائها يعرفوننا ونعرفهم بالسماع والتحية عند الملاقاة، أنها التزاور، فإنه يكون لمناسبة كيدة، أو صحبة خالصة،
стр. 5090
وبالجملة: فقد لقيت منهم أخلاقاً حسنة، وآداباً مؤنسة، وفيما بلغني أنهم راضون عن سيرتنا، ومعجبون بمسالكنا في التعليم.
كما أن للتلاميذ أدب كامل معنا، وعواطف زائدة، لا سيما نجباؤهم، وكثيراً ما أحادثهم بالحالة العلمية في تونس (١)، وأحاضرهم بشؤون جامع الزيتونة وعلمائه، فأصبحوا يجلون التونسيين، ويدركون شيئاً من مقدرتهم العلمية.
وسلامي الكامل المقرون بالاحترام البالغ إلى الشيخ والد الجميع، مع طلب الدُّعاء، ودمتم في أكمل عز وسناء.
والسلام من أخيكم المتشوق إلى ملاقاتكم محمد الخضر بن الحسين
وكتب في ٢٩ جمادى الأولى ١٣٣٢ - دمشق
[حاشية]
ولا تأخرون عنا مراسلتكم، فإنا نشتاق إليها اشتياق الظمآن إلى الماء الزلال. أبقاكم الله. وبلغوا من فضلكم سلامي وشوقي إلى الشيخ القاضي سيدي محمد الطّاهر بن عاشور، وقد انفتح بيني وبينه باب المراسلة.
стр. 5091
رسالة شعرية إلى محمد الطاهر بن عاشور
" قيلت هذه الأبيات في مدينة دمشق تهممة لصديقه الإمام محمد الطاهر ابن عاشور عندما تولى القضاء في تونس سنة ١٣٣٢ هـ. وبعث بها في خطاب إلى صديقه".
بَسَطَ الهَناءُ عَلى الْقُلوبِ جَناحا ... فَأعادَ مُسْوَدَّ الحَياةِ صَباحا
إيهِ مُحَيَّا الدَّهْرِ إنَّكَ مُؤْنِسٌ ... ما افْتَرَّ ثَغْرُكَ باسِماً وَضَّاحا (١)
وَتَعُدُّ ما أوْحَشْتَنا في غابِر ... خالاً بِوَجْنَتِكَ الْمُضيئَةِ لاحا (٢)
لَوْلا سَوادُ اللَّيْلِ ما ابْتَهَجَ الْفَتَى ... إنْ آنَسَ المِصْباحَ وَالإصْباحا (٣)
ياطاهِرَ الهِمَمِ اْحتَمَتْ بِكَ خُطَّةٌ ... تَبْغي هُدًى وَمُروءَةً وَسَماحا (٤)
سَحَبَتْ رِداءَ الْفَخْرِ واثِقَةً بِما ... لَكَ مِنْ فُوادٍ يَعْشَقُ الإصْلاحا
стр. 5092
سَتَشُدُّ بالَحزْمِ الَحكيمِ إزارَها ... والَحزْمُ أَنْفَسُ ما يَكونُ وِشاحا (١)
وتَذودُ بالعَمْلِ الْقَذى عَنْ حَوْضِها ... والْعَدْلُ أَقْوى ما يَكونُ سِلاحا (٢)
في النَّاسِ مَنْ ألْقى قِلادَتَها إلى ... خَلَفِ فَحَرَّمَ ما اْبَتغى وَأباحا
فَالِحرْ قَضاياها بِفِكْرِكَ إنَّهُ ... فِكْرٌ يَرُدُّ مِنَ الْعَويصِ جِماحا (٣)
أَنْسى ولا أَنْسى إخاءَكَ إذْ رَمى ... صَرْفُ اللَّيالي بالنَّوى أَشْباحا (٤)
أَسْلو ولا أَسْلو عُلاكَ وَلَوْ أتَتْ ... لُبْنانُ تُهْدي نَرْجِساً فَيَّاحا (٥)
أَوَ لَمْ نكُنْ كالفَرْقَدَيْنِ تَقارنا ... والصَّفْوُ يَمْلأُ بَينَنا أَقْداحا (٦)
محمّد الخضر حسين
دمشق سنة ١٣٣٢ هـ
стр. 5093
رسالة إلى محمد الصادق النيفر
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
جناب العلامة النحرير الهمام، صديقي العزيز الأستاذ الشيخ سيدي الصادق النيفر -حرسه الله تعالى-.
أما بعد إهداء أكمل التحية، والإعراب عن شوق بلغ أشده:
فقد بلغني مكتوبكم العزيز أواخر رمضان، وكتبت لكم كتاباً لذلك العهد. وقد وقع سهو لمن كلف بإرساله، فبقي في ضمن أوراق.
وحيث علمت اليوم بتأخره، وقعت في خجل، فالمؤمل منكم العفو عن التأخير، أنها الكتاب الذي أشرتم إلى بقائه عندنا ... (١) لا شعور لي به الآن، وقد جاءتني الكتب التي أبقيتها عند الشيخ عمر العتكي، وما وجدتها في جملتها، وقد كنت عند عزمي على السفر أعدت إلى صديقنا الشيخ القاضي (٢) كتبه، فإن ظهر لكم التعريض بسؤاله عنه؛ لعله اندمج في جملتها، ولم يشعر به.
شرعنا في التعليم منذ أسبوع، أنها التأهل، فلم نعتمد الآن على رأي؛ لأن أخلاق النساء هنا غير ملائمة لأخلاقنا وعوائدنا، وقد عرض علي بعض
стр. 5094
أهل العلم أن أتاهل من بيوتهم، ولا زلت أفكر في ذلك.
نهنئكم بمصاهرة الشيخ محمد العنابي (١)، ونرجو للجميع سعادة واسعة، ووفاقاً دائماً. آجرنا داراً بسوق سروجه (٢) بها ستة بيوت داخلاً، وبيت بالدريبة (٣) للضيوف والزائرين بعشرين ليرة في السنة.
ألقيت دروساً بالجامع الأموي (٤) في شهر رمضان. إننا بخير والحمد لله، ومن فضلكم تبلغ سلامنا إلى الشيخ الكبير والد الجميع، مع طلب الدعاء، وعسى الأيام تجمع بيننا في القريب، وما ذلك على الله بعزيز.
وإن إخوتنا يبلغون إليكم أكمل السلام، ودمتم بخير وأكمل عز.
السلام من أخيكم محمد الخضر بن الحسين
كتب في ذي القعدة عام ١٣٣٣ هـ دمشق
[حاشية]
لا تنسونا من مراسلتكم؛ فإني والله! أبل بها صدى الشوق، وأكشف بها غيم الوحشة، عندما أتذكر الأيام التي قضيناها بذلك المعهد الخصيب (٥).
стр. 5095
رسالة شعرية إلى خليل مردم بك (١)
ما النَّجْمُ تَجْري بهِ الأفْلاكُ في غَسَقِ ... كالدُّرِّ تَقْذِفُهُ الأقْلامُ في نَسَقِ
стр. 5096
لَقَدْ سَلَوتُ مُحَيَّا الْبَدْرِ إذْ طَلَعَتْ ... عَقيلَةُ الطِّرْسِ والأجفانُ في أرَقِ (١)
وكُنْتُ أرْشُفُ مِنْ جَدْوى بَلاغَتِها ... راحاً فَيَهْدَأُ ما في الجَأْشِ مِنْ قَلَقِ (٢)
تَخْشى إذا أفْصَحَتْ عمَّا تَوَهَّجَ مِنْ ... حَماسَةٍ أن تَشُبَّ النَّارُ في الوَرَقِ
فَألْبَسَتْها أساليبَ النَّسيبِ، وَكَمْ ... ذاقَ الحَشا لَوْعةً مِنْ ناعِسِ الحَدَقِ
هِيَ "الرَّتيمَةُ" فيما قالَ مُبْدِعُها ... وَهَلْ يَغيبُ السَّنا عَنْ طَلْعَةِ الْفَلَقِ (٣)
إنِّي عَلى ثِقَةٍ مِنْ أن ذِكْرَكَ لا ... يَنْفَكُّ مُرْتَسِماً في النَّفْسِ كالخُلُقِ
وكَيْفَ أنسى "خَليلاً" قَدْ تَضوَّعَ في ... حُشاشَتي وُدُّوُ كالعَنْبَرِ الْعَبِقِ
وفي الوَرى خَزَفٌ لَكِنْ تَبَرَّجَ في ... نضَارَةِ الذَّهبِ الصَّافي أوِ الْوَرِقِ
وَلَوْ عَصَرْتَ بِكَفِّ النَّقْدِ مُهْجَتهُ ... لَما تَقاطَرَ غَيْرُ الضِّغْنِ والْمَلَقِ (٤)
لا عَتْبَ إنْ ضاقَ باعي في القَريضِ فَلمْ ... يُضِئْ كما ضاءَت الجوْزاءُ في الأُفُقِ
стр. 5097
فَإنَّ إحْساسيَ الشِّعْرِيَّ أوْشَكَ أن ... يَجودَ بالنَّفَسِ الأقْصى مِنَ الرَّمَقِ (١)
لَمْ تُبْقِ لي حادِثاتُ الدَّهْرِ مِنْهُ سِوى ... أَثارَةٍ كَبَقايا الشَّمْسِ في الشَّفَقِ (٢)
حافظ عهدكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة صفر سنة ١٣٣٨
стр. 5098
رسالة شعرية إلى عبد القادر المبارك (١)
عندما ألف الإمام كتابه "الخيال في الشعر العربي" بعث إليه اللغوي الفاضل الأستاذ عبد القادر المبارك قصيدة قرظ بها الكتاب -وهي المنشورة في الحاشية-، وقد أجابه الإمام بالقصيدة التالية:
يا رُبىً تَرْفُلُ في حُسْنِ وَطيبِ ... والصَّبا تَخْفِقُ بالغُصْنِ الرَّطيبِ (٢)
هاجَ ذِكْراكِ شَذا الأنْسِ الَّذي ... هَبَّ مِنْ أرْدانِ واديكِ الخَصيبِ (٣)
هاجَ ذِكْرى زَمَنٍ يَبْسِمُ في ... جِلَّقَ الْفَيْحاءِ بالثَّغْرِ الشَّنيبِ (٤)
وَسَلاماً مِنْ بَعيدٍ كُلَّما ... عَزَّ إلقاءُ سَلامي مِنْ قَريبِ
محمّد الخضر حسين
القاهرة سنة ١٣٤٠ هـ
стр. 5102
رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله.
الفاضل أخونا السيد محمد المكي بن الحسين - حفظه الله -.
السلام عليكم.
أما بعد السؤال عنكم:
فتصلكم قصيدة الشيخ عبد القادر وجوابها. وبلغوا أعز سلامنا إلى فضيلة الشيخ أخينا وأستاذنا الشيخ سيدي أحمد الأمين (١)، وأخينا الشيخ سيدي مصطفى (٢)، وكافة الأهل والإخوان.
стр. 5103
تصلني جريدة "الوزير" (١)، فإذا لقيتم صاحبها، فبلغوه السلام مع الشكر، وكذلك جريدة "النديم" (٢) تصلني، فبلغوا صاحبها أيضاً السلام مع الشكر، غير أن جريدة "الوزير" تأتي بعنوان "الخذر"، فإذا أمكن الإشارة إليه بتصحيح الاسم، فلا بأس، ودمتم بخير.
والسلام من أخيكم محمد الخضر
وكتب في ١٧ - ١ - ١٩٢٣ - القاهرة
[حاشية]
وقد أرسلت لكم قصيدة الشيخ عبد القادر بخطه، وهي النسخة التي جاءتني منه.
стр. 5104
رسالة إلى صديق أديب (١)
أشكركم على تنبيهي لتحرير مقال يرفع اللبس الذي حام على بعض الخواطر من فحوى كلمات وردت في مجلة "البدر" (٢). وقد جاذبكم القلم باستفساركم هذا إلى التعرض لبعض حقائق ما كنت أنوي الخوض فيها على صفحات الجرائد، حيث أرى أن مهمه السياسة لم يزل مغبر الأرجاء بشيء
стр. 5105
من الأوهام والغطرسة، علاوة على أن طلاب الحقيقة وذوي البصائر التي تنفذ من معاني الألفاظ إلى مناجاة روح منشئها ليسوا بكثير.
ولكني ألقي إليكم نبذة من تاريخ حياتي في الشرق أيام كان العرب في اتصال مع الدولة العلّية، وهي -فيما أحسب- كافية لكشف اللبس الذي ثار من خلال تلك الكلمات.
قدمت سورية سنة ١٣٣١ هـ فشعرت من نفحات بعض الجرائد، ولحن بعض الخطب والمسامرات: أن من بين سكانها فئة قليلة تعمل للانفصال عن الدولة العلّية، غير متحرزة من عقر الوقوع في قبضة دولة أجنبية، ولكن الجمهور منهم إنما يشكون شيئاً من سوء الإدارة، ولا تزيد أمنيتهم على أن يصلح هذا الخلل، ويعيشوا في ظل الخلافة هادئين.
ولما أمسكت القلم لأطرق باب الدعوة إلى الوفاق، بدا لي أن أكون على بينة من مجرى السياسة؛ لأجمع بين النصح للدولة، وعدم الإغضاء عن حق الأمة، فكنت أنشر مقالات وقصائد في مجلة "البلاغ" (١) وغيرها، أقيم فيها الحجة على أن في نفوس أولئك المتطرفين لطخاً من الغباوة، أو القصد إلى العبث بمستقبل الأمة، ثم أنبه الدولة على وجه التذكرة لإصلاح بعض مغامز هي بأجمعها لا تبلغ جزءاً من مئة إذا قيست بما تعانيه الشعوب الإسلامية الأخرى من أخف الدول الأجنبية وطأة.
ومما قلت في قصيدة أدعو فيها إلى اتحاد العنصرين:
ما العرب والترك إِلا إخوة نشآ ... في مهددين فكانوا السيف والبطلا
стр. 5106
وقد حاز هذا الأسلوب الذي توخيته رضاء الدولة، وارتاحت له نفوس الطبقة العالية من أهل الفضل والعلم.
وكانت الدولة العلية حينئذ تصغي أذنها إلى المطالب العادلة، وأخذت تعمل على تنفيذها؛ كإنشاء مدارس يكون التعليم فيها باللسان العربي، وتشريك أبناء العرب في تقلد المناصب الكبيرة، وفتح باب حرية التحرير والخطابة في النوادي الجامعة على مصراعيه، إلى أن أقبلت سنة ١٩١٤ تجر من ورائها الحرب الطاحنة، وما كان مني إِلا أن أدرت القلم عن مواقع الإصلاح جملة، وأخذت أعمل على ما تقتضيه حال دولة ينشب بها العدو مخالبه من كل ناحية، وتساورها من تحت ثيابها.
ضئيلة .............. من الرقش في أنيابها السم ناقع
أما اعتقالي "بخان مردم بك" (١) ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، فسببه
стр. 5107
أني حضرت مجلساً أخذ فيه بعض المحامين يخوض في سياسة الدولة بعبارات جافية، حتى استفتى في نكث العهد من طاعتها، فأخذت أكافحه بالحجة، وأقاومه بالموعظة وضرب المثل، كما شهد بذلك الشيخ صالح الرافعي، واعترف به هو نفسه لدى المحكمة العرفية، إلى أن انقطع الكلام، وانفصم عقد المجلس، فانصرفت، وتحاميت لقاءه من ذلك اليوم.
وما مرَّ مقدار شهرين على الواقعة، حتى بلغ الحكومة أن ذلك المحامي يسعى في تكوين جمعية باغية، وانجر البحث إلى استدعاء الشيخ صالح الرافعي المذكور آنفاً؛ لما بينه وبين ذلك المحامي من صلة القربى. فكان مما بثه بين يدي إدارة البوليس: أن ذلك المحامي كان يطعن في سياسة الحكومة، ويسأل عن حكم الخروج عنها، وذكر لها عني أني كنت حاضراً في هذا المجلس، وأنكرت عليه حتى قنع ولاذ بالتوبة.
دعتني إدارة البوليس، وسألتني عما جرى، فأخبرتها بالواقع، ولم تتهمني إدارة البوليس بأن لي علاقة بهذه الجمعية قط؛ بدليل أنها لم ترسل من جانبها من يتحرى ما في منزلي من الأوراق كما فعلت مع كل من اشتبهت في أمره. ولكنها ألحت في استجوابي، عسى أن يكون ذلك المحامي حين نثر بعض ما في كنانته بذلك المجلس، قد تحدث بأكثر مما قصصته عليه، ثم رأتني مسؤولاً عن عدم إبلاغ ما صدر من ذلك المحامي للحكومة في حينه، وأذنت باعتقالي حتى يرى المجلس العرفي رأيه.
وكان جوابي عن هذا السؤال: أنه لم يكن لدي ما يشهد بثبوت ما أبلغه عن المتهم إذا وقع على قضية طالبتني الحكومة بالإثبات، وذكرت لهم قضايا غضبت منها الحكومة على من بلغها أشياء، ولم يستطع إثباتها،
стр. 5108
ونسبته إلى الافتراء والتهويش عليها، بل حكمت على بعضهم بالسجن الطويل حيث أبلغها عن أناس أنهم يعقدون مؤامرة ضدها، وعجز عن إثبات ذلك.
وقد تلقى المجلس العرفي هذا العذر بالقبول، وحكم بالبراءة، وتلطف عليَّ رئيس المجلس فخري باشا، وقال لي في نفس الجلسة: هل لك مطلب لدى الدولة نتوسل لك في قضائه؟ فأجبته باني لا أبتغي شيئاً، وعدها بعض الحاضرين إضاعة لفرصة سنحت. وقرر المجلس ما قدم له المدعي العمومي من مخاطبة جمال باشا بطلب مكافأتي على القيام في وجه ذلك المحامي، والإنكار عليه، ولكني لم أتشبث بهذا القرار. وقنعت بما ظهر للدولة والأمة من طهارة ذمتي، وعدم تسرعي إلى النفخ في لهيب الفتنة على غير هدى.
لم أنحرف عن مبدأ تأييد الدولة العلية ومقاومة خصومها جهد استطاعتي، حتى في أثناء مدة اعتقالي، وكان "سعدي أفندي الملا" أحد أعيان طرابلس الشام الذين رافقوني بمكان الاعتقال يقول في شأني للوفود التي ترد عليه للتهنئة بالإفراج عنه: ما رأيت أحداً يدافع عن الحكومة وهو في معتقلها إِلا فلاناً.
وحيث لم يقدح في نفس الحكومة خاطر اتهامي بمشاركة الذين مالؤوا أعداءها عليها، عينتني بعد تخلصي من ضائقة الاعتقال محرراً بالقلم العربي في دائرة من أقسام وزارة الحربية، وكنت أصل إلى سرائر لا يدنو منها إِلا من نزل عندها منزلة الناصح الأمين، وتماديت على العمل إلى أن عقدت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها.
لم يسعني بعد انعقاد الهدنة ورجوعي من أوربا إِلا أن قفلت راجعاً إلى الشام مفوضاً الأمر إلى الله، وبعد أن استقر بي النوى في دمشق، أضمر
стр. 5109
لي قائدها العربي ما لا تحمد عاقبته، وشرع يناقشني الحساب بواسطة إدارة الأمن العام على علاقتي بالدولة العثمانية، وكان بيني وبينه تعارف أدبي كدت أسميه صداقة، ولما انتهى خبر هذه المعاملة الجافية إلى بعض أصحابنا الذين لهم به صلة متينة، تقدموا إليه باللائمة والإنكار، وجادلوه بشدة، حتى أقنعوه بنني لا أرجح عنصراً على غيره، إِلا العمل لترقية شأن الأمة الإسلامية، وتأكيد جامعتها، فطوى عندئذ بساط المناقشة والاستجواب، وكتب بيده إلى وزير المعارف يذكر أني عالم فاضل، وأنه لابد من الاستفادة من مقدرتي.
قدمت دمشق، فوجدت بها لجنة دولية أعلنت بأن لمن لحقه أذى من الحكومة العثمانية، مالياً أو غيره، أن يقدم طلب تعويض؛ لتسجله، وتدفع له المقدار المطلوب في وقت قريب، وهي ترجع به من بعد على الحكومة العثمانية، فتهافت عليها الناس من كل حدب، ومن بينهم طائفة اعتقلوا بضعة أشهر، وبرئت ساحتهم، فتقدموا إلى اللجنة يطلبون ألفي جنيه تعويضاً، وقررت لهم اللجنة ذلك، ولقد حثني بعض القوم على أن أفعل مثل ما فعلوا، فاجبته: بأن الدولة لم تظلمني فتيلاً، واقتضاء المال من بيت مال المسلمين على هذا الوجه غير سائغ بإجماع.
هذا ما أسمح اليوم ببثه، وأراه كافياً في إماطة اللبس الذي أتى من ناحية بعض الكلمات المعبر عنها في مجلة "البدر"، وللتاريخ بعد هذا لهجة ينكشف لصراحتها كل لبس، وحكم نافذ ليس من ورائه استئناف.
محمّد الخضر حسين
القاهرة - سنة ١٣٤٢ هـ
стр. 5110
رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة على رسول الله.
الفاضل الأخ السيد محمد المكي حسين - حفظه الله -. السلام عليكم.
أما بعد:
فقد بلغني المكتوب البغدادي، واستفدت من ظرفه أنكم بخير، فأحمد الله على ذلك ..
أقمنا منذ ليلتين حفلة تأبين للأستاذ الشيخ سيدي سالم بوحاجب (١) في رواق المغاربة بحضور جمع غفير من الطلبة وغيرهم، فقرئ نصيب من القرآن، ثم ألقيت محاضرة مرتجلة في آثار حياة الأستاذ ومقامه العلمي،
стр. 5111
وإن شاء الله ننشر خلاصتها في بعض الجرائد المصرية، وبلغوا أعز التحية إلى ابنتنا البغدادية (١)، وبناتها، وسائر الإخوان. وقد سرنا ولاية الأستاذ ابن عاشور (٢) كاهية باش مفتي، وولاية الأستاذ الشيخ أبي الحسن النجار (٣) مفتياً، فبلغوهما أعز التحية والتهنئة عندما تساعد الفرصة على ذلك، ودمتم بخير.
والسلام من أخيكم محمد الخضر
وكتب في ١٤ - ٨ - ١٩٢٤ القاهرة
[حاشية]
تأخرت عنا مكاتيبكم، وليس من عادتكم انتظار مكاتيبنا، ونكاتبكم بعد هذا -إن شاء الله-.
انتهى كتاب "المغني عن الحفظ" (٤) في الأحاديث الموضوعة، ولنا
стр. 5112
أمامه مقدمة في الكلام على وضع الحديث، وتعليق على أصل التأليف، كما انتهى "شرح التبريزي على المعلقات" (١)، وعليه تعليقات لغوية، وسنرسل إليكم من الكتابين نسختين.
стр. 5113
رسالة شعرية إلى أحمد تيمور باشا (١)
نظم الإمام هذه الأبيات وأرفقها ببقية القلم الذي كتب به تأليفه الشهير: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" وفيه الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وبعث بها إلى صديقه الكبير أحمد تيمور باشا.
سَفَكَتْ دَمي في الطِّرْسِ أنْمُلُ كاتب ... وَطَوَتْنِيَ المِبْراةُ إلّا ما تَرى (٢)
ناضَلْتُ عَنْ حَقٍّ يُحاوِلُ ذُو هَوًى ... تَصْوِيرَهُ للنَّاسِ شَيْئاً مُنْكَرا (٣)
لا تَضْرِبوا وَجْهَ الثَّرى بِبَقِيَّةٍ ... مِنِّي كما تُرمى النَّواةُ وَتُزْدَرَى (٤)
стр. 5114
فَخِزانَةُ الأُسْتاذِ "تَيْمورَ" ازْدَهَتْ ... بِحِلًى مِنَ العِرْفانِ تُبْهِرُ مَنْظَرا
فأنا الشَّهيدُ وَتلْكَ جَنَّاتُ الهُدى ... لا أبْتَغي بِسِوى ذُراها مَظْهَرا (١)
محمّد الخضر حسين
القاهرة سنة ١٣٤٥ هـ
стр. 5115
رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الأخ الفاضل السيد محمد المكي حسين -حفظه الله-.
السلام عليكم.
أما بعد:
فقد بلغني مكتوبكم، فأحمد الله على عافيتكم، تصلكم ورقة بها حوالة ٤٠٠ فرنك لابنتنا (١). إني بخير والحمد لله. ألقيت محاضرة في الرد على علي عبد الرازق (٢)، ونشرت في "الفتح" (٣)، عنوانها: "العظمة" (٤)، ثم طبعت