رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه.
حضرة صاحب السماحة العلامة الهمام صديقي الأعز الأستاذ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -أبقاه الله تعالى للعلم والإصلاح-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فقد تلقيت خطابكم العزيز، والشوق إليكم بالغ أشده، فأحمد الله تعالى على سلامتكم، وأهنئ من صميم قلبي آل جامع الزيتونة أساتذة وطلبة بولايتكم النظر في شؤون هذه الجامعة الراقية النافعة، وأرجو لكم من الله تعالى الرعاية والتوفيق.
وأملُنا في أن تسعد الأقدار بلقائكم كبير. أدامكم الله للجهاد في رفع لواء العلم والدين الحق.
وإحالتنا على المعاش هيأت لنا الاتجاه في آخر حياتنا إلى ابتغاء الأعمال المرضية عند الله على طريق يستدعينا إليه سن السبعين.
وتفضلوا بقبول أزكى التحية وعظيم الاحترام.
من أخيكم وحافظ عهد ودادكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة في ٦ جمادى الأولى سنة ١٣٦٤
стр. 5182
رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
حضرة صاحب السماحة العلامة الهمام صديقي الأعز الأستاذ الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -دام عزه وفضله-.
بعد إهداء أطيب التحية، وإبداء أبلغ الأشواق:
أرجو أن تكونوا وسائر الأسرة الكريمة في أتم صحة وعافية. طالت المدة التي لم أوفق فيها للمراسلة، وقد عرضت في أثنائها أعذار صحية وغير صحية. والحمد لله على كل حال.
اجتمعت ببعض القادمين لأداء فريضة الحج، وسرني ما تلقيته عنهم من تمتعكم بالصحة، وطموحكم السامي إلى إصلاح الجامعة الزيتونية.
تحدثت في إدارة الأزهر عن مكانتكم العلمية والأدبية والاجتماعية، ورغبوا في الاتصال بكم، ثم أخبروني بأنهم فعلوا.
وتفضلوا بقبول أسنى التحية وعظيم الاحترام
حافظ عهدكم في القرب والبعد
محمّد الخضر حسين
القاهرة ١٨ ذو الحجة ١٣٦٥ هـ
стр. 5183
رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
حضرة صاحب الفضيلة صديقي الأعز الأستاذ الأجل الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور -حفظه الله-.
بعد إهداء أطيب التحية، وإبداء أعظم الشوق إلى اللقاء:
عقد المجمع اللغوي جلسة لتعيين أعضاء مراسلين، وقد عرضت اسم فضيلتكم، ووقع الإجماع على انتخابكم عضواً مراسلاً للمجمع، وهذه العضوية، ترشح صاحبها لعضوية المجمع من بعد عند الحاجة إلى ذلك. ولهذا رضيت الاكتفاء بهذه العضوية، وإن كان مقامكم أعلى منها.
كما انتخب لهذه العضوية الشيخ الحجوي من فاس، وبعض العلماء من سورية والعراق.
طبع ديوان الشعر "خواطر الحياة" (١)، وسأرسل إلى فضيلتكم اليوم نسخة منه، وقد جمعت فيه ما وجدته بين يدي من أوراق، أو ما علق بالحافظة.
стр. 5184
وأرجو إبلاع تحيتي إلى الأستاذ الفاضل بن عاشور، وآل عاشور الأماجد قاطبة، أدامكم الله فخراً للمغرب، بل للعالم الإسلامي.
وتفضلوا بقبول أسنى تحيتي وعظيم احترامي
حافظ عهدكم أخوكم
محمّد الخضر حسين
القاهرة ٢١ جمادى الأولى سنة ١٣٦٧ هـ
стр. 5185
رسالة شعرية إلى علي النيفر (١)
تلقى الإمام قصيدة من الشيخ علي النيفر العالم الأديب -المنشورة في الحاشية- بعث بها من تونس فأجابه بالقصيدة التالية:
رَعى الله حُسْنَ الْعَهْدِ هَزَّ قَريحَةَ ... فَألْقَتْ عَلَيْنا مِنْ حَلاها فَرائِدا
وَما الْكَلِمُ الْفُصْحى سِوى دُرَرٍ إذا ... تَلاقَتْ عَلى الْقِرْطاسِ صارَتْ قَلاِئدا (٢)
وَرُبَّ قَصيدٍ هاجَ ذِكْرى تُثيرُ مِنْ ... تَباريحِ شَوْقِ ما يُذيبُ الجَلامِدا (٣)
قَصيدٌ بَدا مِنْ أُفْقِ أرْضٍ نَشَأْتُ في ... مِهادِ رُباها لا عَدِمْتُ الْقَصائِدا (٤)
أبا الحَسَنِ اسْتَسْمَنْتَ ذا وَرَمٍ أما ... تَرى عَزْمَهُ بَيْنَ الجَوانِحِ خامِدا (٥)
رسالة إلى محمد المكي بن الحسين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو أن تكونوا في خير وعافية، وقد أبطات في مكاتبتكم، والعذر هو انحراف الصحة، وأحمد الله، فالحالة في هذه الأيام خير، وقد شرعت في تنظيم مذكراتنا في الحياة التي اخترت أن أسميها: "مراحل الحياة" (١).
стр. 5190
وأرجو أن ترسلوا إلي القصيدة التي نشرت في مجلة "السعادة" (١):
"أيعاتب الزمن الذي لا يسعد"
وقصيدة كنت رثيت بها المرحوم الشيخ عمر بن الشيخ (٢)، وإذا تيسر لكم إرسال ما كتبناه في جريدة "الزهرة" عن رحلتنا (٣) إلى الشرق ١٣٣٠،
стр. 5191
أكون شاكراً لكم.
وبلغوا أعز تحيتي إلى سائر الأهل والأخوان، وسأكاتبكم قريباً إن شاء الله.
والسلام من أخيكم محمد الخضر حسين
في ٤ رجب ١٣٦٩ - القاهرة
[حاشية]
كتبت خطاباً للسيد محمد الأمين في شأن كتاب طبع في المغرب، وهو كتاب جمع فيه مؤلفه ما اتفق عليه الصحاح الست فيما بلغنا، وقد أخبرني الأستاذ النابغة السيد عثمان الكعاك (١) بأنه توجد منه نسخة في
стр. 5192
المكتبة العامة التي يشرف عليها، فأرجو تحريض السيد الأمين على إرساله، وإخباري بثمنه لأسلمه إلى من يوصله إليه، والسلام.
بلغوا أعز تحيتي أخانا الشيخ سيدي التبريزي بن عزوز.
стр. 5193
رسالة شعرية إلى محمد الشاذلي خزنه دار (١)
بعث أمير شعراء تونس محمد الشاذلي خزنه دار بتحية شعرية -وهي منشورة في الحاشية- وأجابه الإمام بالقصيدة التالية:
طالَ البَقاءُ وباعُ العَزْمِ في قِصَرِ ... فَما قَضَيْتُ بِهِ لِلْمَجْدِ مِنْ وَطَرِ
أبيتُ سَبْعينَ عاماً والهَوى يَقِظٌ ... أرى بِمرآتِهِ الحَصْباءَ كالدُّرَر (٢)
وحُسْنُ ظَنِّكَ بي وارى نقَائصَ لا ... تَغيبُ عَنْ أَعْيُنِ النُّقَّادِ لِلسِّيَرِ (٣)
وللرِّضا مَنْطِقٌ لَوْ شاءَ صَوَّرَ لي ... وَجْهَ الدَّميمَةِ مَنْحوتاً مِنَ الْقَمَر
ماذا يرى شاعِرُ الخضْراءِ في صِلَةٍ ... شَدَّتْ عُراها يَدٌ مَحْمودَةُ الأثَرِ (٤)
стр. 5194
ذَكَرْتَ عَهْداً ذَكَتْ آدابُهُ وَزَهَتْ ... كما زَهَتْ حِلْيَةٌ في سَيْفِ مُنْتَصِرِ
نَسيتُ نَفْسيَ إنْ أُنْسِيتُهُ وَلَهُ ... في طَيِّها صورَةٌ مِنْ أَبْهَجِ الصُّوَرِ
ما زِلْتُ أذْكُرُ ما خَطَّتْ يَمينُكَ في ... سِفْرِ السَّعادَةِ مِنْ آدابِكَ الغُرَرِ (١)
وَلَمْ تَفُتْني قَوافٍ كُنْتَ تُرْسِلُ في ... يَوْمِ النِّضالِ بِها نَبْلاً مِنَ الشَّرَرِ (٢)
وأنْفَعُ الشِّعْرِ ما هاجَ الحَماسَةَ في ... شَعْبٍ يُقاسي اضْطِهادَ الجائِرِ الأَشِرِ (٣)
لَوْ لَمْ أَخَفْ وَخْزَ تَثريبٍ يَصولُ بهِ ... عَلَيَّ ناقِدُ شِعْري مِنْ بَني مُضَرِ (٤)
لَقُلْتُ: لا شِعْرَ إلّا في قَريحَةِ مَنْ ... يَبيتُ مِنْ شِقْوَةِ الأَوْطانِ في سَهَرِ
مَنْ ذا يُقيمُ على أرْضٍ يُظَلِّلُها ... ضَيْمٌ وُيحسِنُ وَصْفَ الدَّلِّ والحَورِ (٥)
دَرَيْتَ حَقّاً وما أَدْراكَ أنِّيَ مِنْ ... حَرِّ اشْتِياقي إلى الخَضْراءِ في ضَجَرِ (٦)
أَقْبَلْتَ تَبْحَثُ عَين ذِكرى أَبيتُ لَها ... في سَلْوَةٍ عُصِرَتْ مِنْ جَأْشِ مُصْطَبِرِ (٧)
стр. 5195
وصُغْتَها كالصَّبا في رِقَّةِ فَسَرَتْ ... والطَّلُّ بَلَّلَ زَهْرَ الرَّوْضِ في سَحَرِ (١)
وافَتْ فَخِلْنا صَباحَ العيدِ حَنَّ لَنا ... وَعادَ كَيْ نتَمَلّى الأُنْسَ في صَفَرِ (٢)
مَنْ لي بِأَنْ أرِدَ الأرْضَ التي ... مِنْها وَأفْتَحَ في أَرْجائِها بَصَرِي (٣)
هُناكَ ما شِئْتَ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ أَدَبٍ ... وَمِنْ حَدائِقَ تُؤتي أَطْيَبَ الثَّمَرِ
أُسيمُ طَرْفيَ "بالمَرْسى" وشاطِئِهِ ... وأَحْتَسي بِلِقاها قَهْوَةَ السَّمَرِ (٤)
وَمِنْ نفَائِسِها أنَّي صَحِبْتُ بِها ... مَنْ لَوْ كَدِرْتُ لَلاقَى بِالصَّفا كَدَري (٥)
ما ضَرَّ "أريانَةَ" الْغَنّاءَ لَوْ قَرُبَتْ ... مِنْ مِصْرَ في نَفْحَةٍ مِنْ وَرْدِها الْعَطِرِ (٦)
نَصَحْتَ يا شاذِليُّ الْقَوْمَ في عَذَلٍ ... وَغَيْرُكَ اخْتانَهُمْ في زِيِّ مُعْتَذِرِ (٧)
والنَّاسُ مُذْ دَرَجوا فَوْقَ الثَّرى اخْتَلَفَتْ ... طُعومُهُمْ كاخْتِلافِ الشَّهدِ والصَّبِرِ (٨)
стр. 5196
تَفاوَتوا بِالنُّهى حَتَّى جَرُؤَتُ على ... رَهْطٍ وَبَرَّأْتُ مِنْهُمْ أُسْرَةَ الْبَشَرِ (١)
هَذا دَرِيٌّ بِأَسْرارِ الأُمورِ فَلا ... يَرْمي إلى هَدَفٍ إلَّا عَلى حَذَرِ
وذاكَ كالظِّلِّ يَقْفو الدَّهْرَ صاحِبَهُ ... والرَّأْيُ في خَطَلٍ والْقَوْلُ في هَذَرِ (٢)
كُلٌّ لَهُ نَزْعَةٌ تَدْعو الحكيمَ إلى ... ما يَنْتَقي في دُعاءِ الخَيْرِ مِنْ عِبَرِ (٣)
ما أقْرَبَ الرُّشْدَ مِنْهُم والْفَلاحَ إذا ... ما ساسَهُمْ مُحْكِمٌ لِلْوِرْدِ والصَّدَرِ (٤)
محمّد الخضر حسين
رسالة شعرية إلى محمد المقداد الورتتاني (١)
" أبيات قالها الإمام جواباً على بيتين بعث بهما إليه صديقه الشيخ محمد المقداد الورتتاني من تونس صحبة مروحة من سعف النخيل".
يا أخا الآدابِ صُغْتَ الشِّعْرَ مِنْ ... كَلِمٍ يَعْذُبُ في سَمْع وفَمْ (٢)
وَدَرَيْتَ الحَرَّ في مِصْرَ إذا ... أَقْبَلَ الصَّيْفُ تَلَظَّى واحْتَدَمْ (٣)
стр. 5199
فَتَخَيَّرْتَ لأِنْ تُهْدِيَ لي ... مَنْ بِلادِ النَّخْلِ مِهْداءَ النَّسَمْ (١)
أنا في حَرٍّ مِنَ الشَّوْقِ فَما ... طُبُّ حَرِّ الشَّوْقِ إنْ شَوْقٌ ألَمْ
طُبُّهُ النَّاجِعُ مَلْقاكَ ألا ... تَبْتَغي مِصْرَ سَبيلاً لِلْحَرَمْ (٢)
هَذِهِ مِرْوَحَةُ الرُّوحِ وَدَعْ ... سَعَفَ النَّخْلِ إلى لَحْمٍ وَدَمْ (٣)
محمّد الخضر حسين
القاهرة
стр. 5200
رسالة شعرية إلى سعيد أبو بكر (١)
" أبا بَكْرٍ" نَظَمْتَ وما مَدَحْتا ... فَهأنذا أقَرِّظُ ما نَظَمْتا (٢)
ومَا التَّقْريظُ إلَّا الشُّكْرُ يُهْدى ... على ما صُغْتَ مِنْ أَدَبٍ وصُنْتا
ولسْتُ أقولُ ذا دُرٌّ نَضيدٌ ... لأنَّكَ ما الْتَقَطْتَ ولا نَضَدْتا (٣)
وَلَسْتُ أقولُ ذا زَهْرٌ أنيقٌ ... لأنْكَ ما غَرسْتَ ولا قَطَفْتا (٤)
ولستُ أقولُ راحٌ في زُجاحٍ ... لأنَّكَ ما عَصَرْتَ ولا سَبَكْتا (٥)
وَقَدْ لَهَجوا بِقَوْلهِمُ "بديعٌ" ... "بليغُ" "فائقٌ" حَتّى سَئِمْتا (٦)
رسالة شعرية إلى محمد المأمون النيفر
" بعث الأديب التونسي الأستاذ محمد المأمون النيفر إلى الإمام بقصيدة -المنشورة في الحاشية- تنم عن عاطفة أدبية رقيقة. وقد أجابه بالقصيدة التالية":
أَهَذي تَحايا الوِدِّ والْبَرَكَاتِ ... أَمِ الرَّوْضُ يُهْدي أَطْيَبَ النَّفَحاتِ؟
وهذا رَقيمٌ لَوْ بَدَوْتُ لَخِلْتُهُ ... وَقَدْ جادَ بالإيناسِ لَحْظَ مَهاةِ (١)
أَجَلْ هُو شِعْرٌ يَحْمِلُ الأُنسَ مِن ربُى ... بلادٍ بِها قَضَّيْتُ صَدْرَ حَياتي (٢)
ذَكَرْتُ ربُى المرْسى الأنيقَةِ والصَّبا ... تُذيعُ شَذا أزْهارِها الْبَهِجاتِ (٣)
وَسامِرَ آدابٍ حِسانٍ كأنَّهُ ... مَراتِعُ ما بالقاعِ مِنْ ظَبَياتِ (٤)
стр. 5204
ورَوْضَةَ عِلْمٍ كُنْتُ أَجْني ثِمارَها ... وأَرْشِفُ مِنْها أَعْذَبَ اللَّهَجاتِ (١)
فَيا مُذكِري عَهْداً طَوَتْهُ يَدُ النَّوَى ... وأَذْكَتْ له في مُهْجَتي حَسَراتِ
أُحَيِّيكَ مِنْ مِصْرٍ تَحِيَّةَ والِدٍ ... تبرُّ بِهِ الآصالَ والْغُدواتِ (٢)
بَعَثْتَ بِشِعْرٍ طارِفٍ لَمَعَتْ بِهِ ... مِنَ الأدَبِ الموْروثِ خَيْرُ سِماتِ (٣)
أراكَ ظَلَمْتَ الْغِيدَ إذْ صُغْتَ لُؤْلُؤاً ... ونَضَّدْتَهُ شِعْراً على صَفَحاتِ (٤)
وأَهديْتَ طاقاتِ الثَّناءِ وَلَيْتَني ... مَلأتُ يَدي مِنْ تِلْكُمُ الحَسَنَاتِ
فَيا أَسَفاً لَمْ أقْضِ حَقَّ الْعُلا وما ... بَلَغْتُ مِنَ الْعِرْفانِ شَأْوَ لِداتي (٥)
وآنستُ في روح الخطاب سَنا الهُدى ... وبَعْضَ بَني الأَمْجادِ غيرُ هُداةِ (٦)
وما أَبْصَرَتْ عَيْنايَ أَجْمَلَ مِنْ فَتىً ... يَخافُ مَقامَ اللهِ في الخَلواتِ
ولا خَيْرَ إلا في نُفوسٍ تَرَشَّفَتْ ... لِبانَ التُّقى مِنْ حِكْمةٍ وعِظاتِ (٧)
стр. 5205
فَأَحْمَدُ مِنْكَ الوِدَّ والْقَلَمَ الذي ... جَنى ليَ طاقاتٍ مِنَ الدَّعواتِ
ولا زِلْتَ مِثْلَ الغُصْنِ يَنْمو بِمَنْبِبٍ ... كَريمٍ فَيُؤْتي أَطْيَبَ الثَّمَراتِ
محمّد الخضر حسين
стр. 5206
رسالة شعرية إلى محمد المكي بن عزّوز (١)
" العلامة محمد المكي بن عزوز خال الإمام وأستاذه، وعليه تلقى بواكر العلوم.
وقد قرظ كتاب أستاذه " السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني" بقصيدة لم تنشر في ديوان "خواطر الحياة".
وقد كتبها في تونس سنة ١٣١٠ هـ وهي من أوائل قصائده".
стр. 5207
صلي واسألي آل المجادة عن ذكرى ... أذو شرفٍ مثلي لديهم بذا القُطْرِ (١)
أصيلٌ كريمُ النفسِ ذو همةٍ سَمَتْ ... وذو وَلَع بالمَكْرُماتِ وبالفَخْرِ
عبوسٌ على أَهلِ الضَّلالِ غَضَنْفَرٌ ... وإني مع القومِ الهداة لَذُو بِرِّ (٢)
ومِنّي نجادُ السيفِ للعزِّ مقبلٌ ... ولستُ على كأسِ المذلَّةِ ذا صبرِ
فكيف وآبائي لأشرفُ سادةٍ ... سراةٌ أولو المجدِ المؤثَّلِ والذِّكْرِ
كرامُ المعالي منبعُ الفضلِ مَنْ سَمَوْا ... بمجدٍ لهم كالشمسِ بين الورى يسري
وأسحبُ أذيالَ الفخارِ بتونسٍ ... أيا حبذا مأوى عيونِ الظِّبا السُّمْرِ
فكم بِتُّ من ليلٍ أُقبِّلُ مبسماً ... وأرشِفُ من تحت النقاب لَمَى الثَّغْرِ
أَذُبُّ عن المظلومِ بالمال ناصراً ... وإِلَّا بسيفٍ في رقاب العدا يَفْري (٣)
أَجولُ به بينَ الأُسودِ ولم أَخَفْ ... أَذىً بل به يسمو لدى وفدِهم ذِكري
ولكنَّ سَيْفَ العِلْمِ أعطبُ فاتكٍ ... وأعظمُ رُزْءٍ للمُعَنِّتٍ ذو أَزْرِ
وأَشْرَفُ ما يسمو به المرءُ رتبةً ... يعزُّ بها فالجهلُ عارٌ على الحرِّ
فإنْ رُمْتُمُ نيلَ المعارفِ دُونَكُمْ ... ومنبعها السامي فما البحرُ كالنهرِ
ألا إن يَنبوعَ العلومِ وسعدَها ... محمدُ المكيُّ الرِّضا غُرَّةُ العصرِ
كريمُ الورى كنزُ المعارفِ من غدتْ ... مفاخرُهُ تنمو عن العدِّ والحَصْرِ
стр. 5208
ولو عادتِ الأشجارُ والبحرُ والملا ... مِداداً وأقلاماً لما جيء بالعُشرِ
فمن جاء يحكيه يُقال له لقد ... حَكَوْتَ وما تدري بما قيل في الشعرِ
فما كلُّ من قادَ الجوادَ يسوسها ... وما كل من يجري يقال له يجري
فمالك يا هذا بأي فضائلٍ ... تقيس، وهل قيس المُمَوَّهُ بالتبِر
ألا فهو سَحْبانُ البلاغةِ مَطْلَعُ ... السيادة يَنبوعُ المجادَةِ والبِرِّ (١)
فكم من عويصاتٍ أَمَطْتَ حِجابَها ... وكم مُلِئَتْ منكَ الحقائبُ بِالدُّرِّ (٢)
وكم أثمرتْ منك الغروسُ وزُخرفِتْ ... بأفخرِ آدابٍ ويالكَ مِنْ فَخْرِ
تآليفُه منها الأباطحُ أشرقَتْ ... كما يُشرق الليل البهيمُ من البدرِ
فانعمْ بما أبداه ردّاً على ذوي ... اعتراضٍ على الآلِ المحلين بالسِّرِّ
بمطلعهِ لاحَ الكمالُ بتونُسٍ ... فأصبحَ سعدُ الدّين مُبْتَسِمَ الثَّغْرِ
وناظِرُه أَمْسى كناظرِ روضةٍ ... ببهجتها زاهٍ ومنشرحِ الصدرِ
هو العِقْدُ في جِيدِ المهاة أو السَّما ... كواكبُه تبدو لدى مَطلع الفَجْر
هو السعدُ إرشاداً هو الروض مرتعاً ... هو العَضْبُ للأعدا تَأَزَّر بالنصرِ (٣)
أيا حبّذا التأْليفُ عِقداً مرصَّعاً ... تهلَّلَ من حَلْيِ الجواهرِ والدُّرِّ
стр. 5209
أيا حبذا سيفاً يزين نجادَه ... طرازٌ لعمري ما بدا سالف الدهرِ (١)
أيا حبذا روضاً غدا اليوم مثمراً ... عرائسَ أفكارٍ تَبَدَّتْ من الخِدْرِ
ألا فارتَشِفْ كأسَ المدامَةِ واقتطِفْ ... مِنَ أزهارِه زهرَ الرُّبى طَيِّبَ النَّشْرِ
هو الرشد لا تجنحْ لقولِ مُعَنِّتٍ ... عليه انثنى خُبْثُ الَّلآمَةِ بالشَّرِ
فتعساً له هلاً وقى دينه بُكىً ... عليه كَمبْكى أُخْتِ صَخْرٍ على صَخْرِ
يحاول أن يطفي سَنا الشمسِ بينما ... نحاه لقد خابت مقاصدُ ذا الغمرِ
أَيَطْفَاُ نورُ اللهِ ما لَكَ آفِكاً ... تَهيمُ بآفاقِ الظلامِ ولا تدري
ألا ليت شعري هل دريتَ عذابَـ ... ـكَ الأليمَ ومأواكَ الجحيم ألا فادْرِ
فلم لا وقد ضلَّتْ يداك وسَطَّرَتْ ... سواداً به مَسَّتْ حمى مفرد القدر
إمامِ الهدى الجِيلِيِّ من شاعَ صيتُه ... وسارتْ به الركبانُ في البَرِّ والبحر
ولكنْ ضِيا سيفِ الكمالِ محا لما ... له رَقَّمَتْ أَيدي الجَهالةِ والوِزْرِ
ولاح جمال الطبع بالنفع شاملاً ... جميعَ الورى لا سيما شارد الفكرِ
ولولا انتشار الطبع بين أُولي النهى ... لما بان كنهُ العلم من شاسع المِصْرِ
فقلت وفي طبع الكتاب مؤرخاً ... بذا البيت تاريخ بكلٍّ من الشطر
بدا سيفُ نصرٍ في يدِ الطوْدِ دوحة الـ ... ـكمال الهدى محيي العلوم أَبي الفخر
محمّد الخضر حسين
سنة ١٣١٠
стр. 5210
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٢٢)
«الرِّحْلات»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 5211
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 5212
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
قام فضيلة الإمام الأكبر المرحوم محمد الخضر حسين - رضوان الله عليه - برحلات علمية باعتبارها وسيلة لترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع.
فقد نفر الإمام الأكبر إلى بلاد طلباً للعلم والتفقه في الدين، وسار في الأرض للاطلاع والاعتبار بأحوال الأمم الماضية والحاضرة. وخرج من تونس إلى الشرق مهاجراً في سبيل الله ورسوله بعد أن سلط عليه الاحتلال الفرنسي سيف الإرهاب، وأصدر عليه حكماً بالموت، كما هاجر من دمشق إلى القاهرة لنفس السبب، وقضى حياته في مصر داعياً إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ومدافعاً عن الإسلام بكل ما أوتي من قوة وجرأة وإقدام، حتى وافاه الأجل فيها، ووقع أجره على الله.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
стр. 5213
قام المؤلف ﵀ بالعديد من الرحلات العلمية إلى الشرق والغرب. فقد زار طرابلس بليبيا عام ١٣١٧ هـ - ١٨٨٩ م، وفي عام ١٣٢١ هـ - ١٩٠٣ م قام برحلته العلمية الأولى إلى الجزائر، وعاد لزيارتها عام ١٣٢٢ هـ - ١٩٠٤ م. كما بدأت رحلته الأولى إلى الشرق عام ١٣٣٠ هـ -١٩١٢ م في الشهر السابع حتى الشهر الحادي عشر، زار خلالها مالطة، والإسكندرية، والقاهرة، وبورسعيد، ويافا، وحيفا، ودمشق، وبيروت، وإستنبول، ثم عاد إلى تونس، ولم يمض شهر حتى عزم على الهجرة إلى دمشق فراراً بدينه. فارتحل إليها متنقلاً من مصر إلى الشام والحجاز، ثم ألبانيا وبعض بلاد البلقان والآستانة وألمانيا.
وفي عام ١٩٢٠ م ارتحل إلى القاهرة، واستقر فيها حتى آخر حياته، وقام خلالها برحلات إلى سورية ولبنان والحجاز.
وكم كان متشوقاً للعودة إلى الوطن الأم تونس، بعد أن نالت استقلالها. وقد طلب إليه الرئيس الحبيب بورقيية العودة، وكانت يين الرجلين مودة وصلة وثيقة منذ أيام الجهاد والكفاح في مصر. وما إن قبلها الشيخ الخضر، وتهيأ لها، حتى أدركته المنية بعيداً عن الوطن.
لقد دوّن ﵀، وأجزل إليه الثواب - مشاهداته عن بعض الرحلات التي قام بها إلى البلدان الأخرى، ونحن إذ نقدم للقارئ المسلم هذه الرحلات، فإن الدافع لذلك هو ما تضمنته من محادثات وتحارير علمية غايتها الدعوة إلى الحق والإصلاح في كل زمان ومكان.
ولم نتمكن من العثور -رغم ما بذلناه من جهد- على مذكراته كاملة عن ألمانيا، والتي نشرت في "صحيفة البلاغ" في بيروت عام ١٩١٨ م، وجريدة
стр. 5214
"المقتبس" بدمشق والأمل أن نجدها كاملة في المستقبل إن شاء الله تعالى.
وقد اكتفينا بنشر ما اختصرته مجلة "المقتبس" من المشاهدات في الجزأين السابع والثامن من المجلد التاسع ١٣٣٢ هـ - ١٩١٣ م نقلاً عن جريدة "المقتبس" والتي لم نعثر عليها رغم الجهد المبذول.
هذه صفحات من رحلات مشرقة مليئة بالإيمان والجهاد والبذل والتضحية، وهي لمحات عن حياة عالم مجاهد أمضى عمره داعياً إلى الإسلام، مدافعاً عن الإسلام، والله نسأل السداد والتوفيق.
علي الرّضا الحسيني
стр. 5215
أثر الرّحلة في الحياة العلمية والأدبية (١)
يكثر الراحلون من بلاد إلى أخرى، والغرض من هذه المحاضرة: البحث عن رحلات أهل العلم والأدب، وما تأتي به من ثمار طيبة؛ لنعرف كيف تكون الرحلة من وسائل ترقية العلوم والآداب، وتهذيب النفوس، وإصلاح حال الاجتماع.
ولعل قائلاً يقول: إن فائدة الرحلة قد عرفها الناس على اختلاف أصنافهم، وتفاوت طبقاتهم، وأصبحت من المعلومات الموضوعة على ظاهر اليد، فالحديث عنها صرف للوقت في غير جدوى.
وأقول في الجواب: إني في شك من هذا؛ لأني أرى كثيراً ممن وهبهم الله القدرة على الرحلة، وهيأ لهم وسائلها، لا يُقبلون عليها، وينصرفون عنها انصرافهم عن الأشياء التي يرونها خالية من كل فائدة ولذة.
على أني أريد التنبيه لما في الرحلة من فوائد؛ ولأضعها أمام نشئنا، حتى إذا خطر لهم ما في الرحلة من حرج وعناء، نظروا إلى هذه الفوائد، فيخف وزن تلك المتاعب، وتذهب أمام أنظارهم غير محتفل بها.
стр. 5216
* الرحلة في نظر الإسلام:
لم يدَع الإسلام وسيلة من وسائل الرقي إلا نبه علمِها، وندب إلى العمل بها، وهذا شأنه في الرحلة، فقد دعا إليها رامياً إلى أغراض سامية، منها: طلب العلم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
ويلحق بالتفقه في الدين: كل علم يعد في وسائل الرسوخ في علوم الدين؛ كالنحو، والبلاغة، بل يلحق بالتفقه في الدين كل علم يتوقف عليه استقلال الأمة وسلامتها من أيدي أعدائها؛ كفنّ صنع الغواصات والطيارات وما شاكلها من وسائل القوة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ومن هذه الأغراض: الاعتبار بأحوال الأمم الماضية، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].
ويلحق بأحوال الأمم الماضية: أحوال الأمم الحاضرة، متى كان في النظر إليها عبرة ينتفع بها في وجه من وجوه الإصلاح.
ومن هذه الأغراض السامية: التخلص من دار البغي والضلال إلى الإقامة في دار عدل وهداية، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
هذه الآية وأمثالها واردة في قوم كانوا يقيمون في دار غواية وعسف، وكان في هجرتهم إلى المدينة بعد عن مشاهدة المنكرات، وشد لأزر المسلمين، وتكثير لسوادهم، فإذا تشابهت البلاد في الاستخفاف بأمر الدين، فعلى كل عالم أن يجاهد في الدعوة إلى الحق والإصلاح أينما كان.
стр. 5217
* المثبطات عن الرحلة:
لا أريد من المثبطات عن الرحلة: العوائق التي ليس في استطاعة الشخص علاجها؛ كفراغ يده من نفقات السفر، وكقيامه على أسرة إذا فارقها، وقعت في حاجة ونكد من العيش، بل أريد من المثبطات: ما يعرض للنفوس الضعيفة، ويغلب على أمرها، ولولا ضعفها، لما كان له عليها من سبيل.
ومن هذه المثبطات: استعظام الرجل مفارقة من يعزّ عليه من قريب أو صديق.
ألقي على إمام الحرمين وهو على المنبر سؤال، وهو: لماذا كان السفر قطعة من العذاب؟ فقال: لأن فيه فراق الأحبة.
وفي الناس من يذكر ما في الرحلة من متاعب بدنية، فيحجم عنها، وأكثر من يعرض لهم هذا المثبط أولئك الذين ينشؤون في ترف وانحلال عزيمة، فيخشون أن يفوتهم ما اعتادوا من راحة ورفاهية، ولو أياماً قليلة.
وقد يحجم الرجل عن الرحلة مخافة أن ترمي به بين أقوام لا يعرفون أدبه أو حسبه، فيجد من مرافقتهم أو معاشرتهم كدراً، وإلى مثل هذه الآلام النفسية أشار ابن جبير بقوله:
لا تغترب عن وطنٍ ... واحذرْ تصاريفَ النوى
أما ترى الغصنَ إذا ... ما فارق الأصل ذوى
وقال الرحالة ابن سعيد الأندلسي متألماً من بعض ما لاقاه في بلاد الشرق:
وأنادَى مغربياً ليتني ... لم أكن للغرب يوماً أُنسبُ
стр. 5218
نسبٌ يشرك فيه خامل ... ونبيه أين منه المهربُ؟
أتراني ليس لي جدٌّ له ... شهرة أو ليس يُدرى لي أبُ
* علاج هذه المثبطات:
يعالج الرجل هذه المثبطات الناشئة عن ضعف النفس وقلة تمرينها على احتمال المكاره؛ بأن يذكر ما تأتي به الرحلة من الفوائد العلمية أو الأدبية، خاصة أو عامة، فإذا وثقت نفسه بغايتها النبيلة، وعواقبها الحميدة، سهل عليها كل صعب، واستهانت بكل خطر.
قال عبد الملك بن سعيد في وصية ابنه علي عندما أراد الرحلة إلى بلاد الشرق:
وكلّ ما كابدته في النوى ... إياك أن يكسر من همتك
وليذكر أن هذه المؤلمات تذهب، وأن ثمرة الرحلة لذيذة باقية.
قال القاضي محمد بن عيسى أحد الراحلين من الأندلس إلى الشرق بعد أوبته:
كأن لم يكن بَيْنٌ ولم تك فرقةٌ ... إذا كان من بعد الفراق تلاقي
كأنْ لم تؤرق بالعراقين مقلتي ... ولم تمْرِ كفُّ الشوق ماء مآقي
ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم ... بذات اللوى من رامة وبراق
ولم أصطبح بالبيد من قهوة الندى ... وكأس سقاها في الأزاهر ساق
ونرى في كتب الأدب شعراً كثيراً يقصد ناظمه الرد على من يحاول تثبيطه عن الرحلة، كما قال أبو تمام:
أآلفةَ النجيب كم افتراق ... أظلّ فكان داعية اجتماع
стр. 5219
وقال آخر:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوفُ
وقال ابن دراج:
ألم تعلمي أن الثواء هو النوى ... وأن بيوت العاجزين قبور
ويروى: أن المأمون أراد الخروج في بعض الحروب، فوقفت له جارية ممن شغف بهن، ورغبت إليه أن لا يخرج، فقال: لولا قول جرير:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهارِ
لما خرجت.
* فوائد الرحلة:
إذا درسنا تاريخ العلماء والأدباء الذين رحلوا عن أوطانهم، ووجهنا النظر إلى ما نتج عن رحلاتهم من فوائد تعود عليهم أنفسهم، أو على قومهم، أو على الأوطان التي نزلوا بها، وقفنا على فوائد كثيرة يقدرها الباحثون عن وسائل رقي الأفراد والجماعات.
* أثر الرحلة في حياة الراحل:
من أنفس ما يكسبه الرجل في رحلته: أن يعلم أشياء لم يكن يعلمها من قبل، فكم من عالم لم يبلغ المقام الذي يشار إليه بالبنان إلا بالرحلة! ولابن خلدون في "المقدمة" مقالة افتتحها بقوله: "إن الرحلة في طلب العلم ولقاء الأساتذة مزيد كمال من التعلم"، وختمها بقوله: "فالرحلة لابد منها في العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ والتلقي عن الرجال".
وفي الرحلة عون على التمكن من بعض الأخلاق السامية، مثل: خلق
стр. 5220
الصبر؛ لكثرة ما يلاقيه الراحل من متاعب بدنية، وآلام نفسية، ومثل: أدب المداراة؛ فإن البعيد عن وطنه أشد شعوراً بالحاجة إلى هذا الأدب ممن يعيش بين قوم يعرفون من حسبه ومكانة بيته ما يجعل صراحته خفيفة على أسماعهم.
ولا يخلو الراحل من أن يلاقي في رحلته رجالاً صاروا مثلاً عالية في مكارم الأخلاق، فيزداد بالاقتداء بهم كمالاً على كمال.
بقي يحيى بن يحيى بن بكير النيسابوري عند مالك بعد أن أتم الرواية عنه، وقال: أقمت لأستفيد من شمائله.
وقد يرى الرجل في وطنه سلطاناً طاغياً، وحكماً جائراً، فيتخلص بالرحلة إلى بلد يكون مجال الحرية فيه أوسع.
كان أَبو جعفر أحمد بن صابر القيسي كاتباً للأمير أبي سعيد فرج بن الأحمر ملك الأندلس، فكان يرفع يديه في الصلاة على ما صح في الحديث، فبلغ ذلك السلطان، فتوعده بقطع يده، فقال: إقليم تمات فيه سنّة رسول الله ﷺ ، حتى يتوعد بقطع اليد عليها، لجدير أن يرحل منه، فخرج، وقدم مصر.
وقد ينشأ الفتى في نبوغ، ويضيق بلده عن أنظاره الواسعة، فيرحل إلى مدينة تكون أوسع مجالاً للآراء الخطيرة، فتعظم مكانته، ويكثر الانتفاع بحكمته، ولولا الرحلة، لما عظم شأنه، ولما كثرت ثمرات نبوغه.
أذكر أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام مر عند خروجه من الشام بالكرك، فتلقاه صاحبها، وسأله الإقامة عنده، فقال له الشيخ: بلدك صغير عن علمي. وتوجه إلى القاهرة.
وأسوق شاهداً على هذا: أن القاضي يوسف بن أحمد بن كج الدينوري