* الرحلة في نظر الإسلام:
لم يدَع الإسلام وسيلة من وسائل الرقي إلا نبه علمِها، وندب إلى العمل بها، وهذا شأنه في الرحلة، فقد دعا إليها رامياً إلى أغراض سامية، منها: طلب العلم، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
ويلحق بالتفقه في الدين: كل علم يعد في وسائل الرسوخ في علوم الدين؛ كالنحو، والبلاغة، بل يلحق بالتفقه في الدين كل علم يتوقف عليه استقلال الأمة وسلامتها من أيدي أعدائها؛ كفنّ صنع الغواصات والطيارات وما شاكلها من وسائل القوة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ومن هذه الأغراض: الاعتبار بأحوال الأمم الماضية، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١].
ويلحق بأحوال الأمم الماضية: أحوال الأمم الحاضرة، متى كان في النظر إليها عبرة ينتفع بها في وجه من وجوه الإصلاح.
ومن هذه الأغراض السامية: التخلص من دار البغي والضلال إلى الإقامة في دار عدل وهداية، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠].
هذه الآية وأمثالها واردة في قوم كانوا يقيمون في دار غواية وعسف، وكان في هجرتهم إلى المدينة بعد عن مشاهدة المنكرات، وشد لأزر المسلمين، وتكثير لسوادهم، فإذا تشابهت البلاد في الاستخفاف بأمر الدين، فعلى كل عالم أن يجاهد في الدعوة إلى الحق والإصلاح أينما كان.
стр. 5217
* المثبطات عن الرحلة:
لا أريد من المثبطات عن الرحلة: العوائق التي ليس في استطاعة الشخص علاجها؛ كفراغ يده من نفقات السفر، وكقيامه على أسرة إذا فارقها، وقعت في حاجة ونكد من العيش، بل أريد من المثبطات: ما يعرض للنفوس الضعيفة، ويغلب على أمرها، ولولا ضعفها، لما كان له عليها من سبيل.
ومن هذه المثبطات: استعظام الرجل مفارقة من يعزّ عليه من قريب أو صديق.
ألقي على إمام الحرمين وهو على المنبر سؤال، وهو: لماذا كان السفر قطعة من العذاب؟ فقال: لأن فيه فراق الأحبة.
وفي الناس من يذكر ما في الرحلة من متاعب بدنية، فيحجم عنها، وأكثر من يعرض لهم هذا المثبط أولئك الذين ينشؤون في ترف وانحلال عزيمة، فيخشون أن يفوتهم ما اعتادوا من راحة ورفاهية، ولو أياماً قليلة.
وقد يحجم الرجل عن الرحلة مخافة أن ترمي به بين أقوام لا يعرفون أدبه أو حسبه، فيجد من مرافقتهم أو معاشرتهم كدراً، وإلى مثل هذه الآلام النفسية أشار ابن جبير بقوله:
لا تغترب عن وطنٍ ... واحذرْ تصاريفَ النوى
أما ترى الغصنَ إذا ... ما فارق الأصل ذوى
وقال الرحالة ابن سعيد الأندلسي متألماً من بعض ما لاقاه في بلاد الشرق:
وأنادَى مغربياً ليتني ... لم أكن للغرب يوماً أُنسبُ
стр. 5218
نسبٌ يشرك فيه خامل ... ونبيه أين منه المهربُ؟
أتراني ليس لي جدٌّ له ... شهرة أو ليس يُدرى لي أبُ
* علاج هذه المثبطات:
يعالج الرجل هذه المثبطات الناشئة عن ضعف النفس وقلة تمرينها على احتمال المكاره؛ بأن يذكر ما تأتي به الرحلة من الفوائد العلمية أو الأدبية، خاصة أو عامة، فإذا وثقت نفسه بغايتها النبيلة، وعواقبها الحميدة، سهل عليها كل صعب، واستهانت بكل خطر.
قال عبد الملك بن سعيد في وصية ابنه علي عندما أراد الرحلة إلى بلاد الشرق:
وكلّ ما كابدته في النوى ... إياك أن يكسر من همتك
وليذكر أن هذه المؤلمات تذهب، وأن ثمرة الرحلة لذيذة باقية.
قال القاضي محمد بن عيسى أحد الراحلين من الأندلس إلى الشرق بعد أوبته:
كأن لم يكن بَيْنٌ ولم تك فرقةٌ ... إذا كان من بعد الفراق تلاقي
كأنْ لم تؤرق بالعراقين مقلتي ... ولم تمْرِ كفُّ الشوق ماء مآقي
ولم أزر الأعراب في جنب أرضهم ... بذات اللوى من رامة وبراق
ولم أصطبح بالبيد من قهوة الندى ... وكأس سقاها في الأزاهر ساق
ونرى في كتب الأدب شعراً كثيراً يقصد ناظمه الرد على من يحاول تثبيطه عن الرحلة، كما قال أبو تمام:
أآلفةَ النجيب كم افتراق ... أظلّ فكان داعية اجتماع
стр. 5219
وقال آخر:
تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أني للمقام أطوفُ
وقال ابن دراج:
ألم تعلمي أن الثواء هو النوى ... وأن بيوت العاجزين قبور
ويروى: أن المأمون أراد الخروج في بعض الحروب، فوقفت له جارية ممن شغف بهن، ورغبت إليه أن لا يخرج، فقال: لولا قول جرير:
قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهارِ
لما خرجت.
* فوائد الرحلة:
إذا درسنا تاريخ العلماء والأدباء الذين رحلوا عن أوطانهم، ووجهنا النظر إلى ما نتج عن رحلاتهم من فوائد تعود عليهم أنفسهم، أو على قومهم، أو على الأوطان التي نزلوا بها، وقفنا على فوائد كثيرة يقدرها الباحثون عن وسائل رقي الأفراد والجماعات.
* أثر الرحلة في حياة الراحل:
من أنفس ما يكسبه الرجل في رحلته: أن يعلم أشياء لم يكن يعلمها من قبل، فكم من عالم لم يبلغ المقام الذي يشار إليه بالبنان إلا بالرحلة! ولابن خلدون في "المقدمة" مقالة افتتحها بقوله: "إن الرحلة في طلب العلم ولقاء الأساتذة مزيد كمال من التعلم"، وختمها بقوله: "فالرحلة لابد منها في العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ والتلقي عن الرجال".
وفي الرحلة عون على التمكن من بعض الأخلاق السامية، مثل: خلق
стр. 5220
الصبر؛ لكثرة ما يلاقيه الراحل من متاعب بدنية، وآلام نفسية، ومثل: أدب المداراة؛ فإن البعيد عن وطنه أشد شعوراً بالحاجة إلى هذا الأدب ممن يعيش بين قوم يعرفون من حسبه ومكانة بيته ما يجعل صراحته خفيفة على أسماعهم.
ولا يخلو الراحل من أن يلاقي في رحلته رجالاً صاروا مثلاً عالية في مكارم الأخلاق، فيزداد بالاقتداء بهم كمالاً على كمال.
بقي يحيى بن يحيى بن بكير النيسابوري عند مالك بعد أن أتم الرواية عنه، وقال: أقمت لأستفيد من شمائله.
وقد يرى الرجل في وطنه سلطاناً طاغياً، وحكماً جائراً، فيتخلص بالرحلة إلى بلد يكون مجال الحرية فيه أوسع.
كان أَبو جعفر أحمد بن صابر القيسي كاتباً للأمير أبي سعيد فرج بن الأحمر ملك الأندلس، فكان يرفع يديه في الصلاة على ما صح في الحديث، فبلغ ذلك السلطان، فتوعده بقطع يده، فقال: إقليم تمات فيه سنّة رسول الله ﷺ ، حتى يتوعد بقطع اليد عليها، لجدير أن يرحل منه، فخرج، وقدم مصر.
وقد ينشأ الفتى في نبوغ، ويضيق بلده عن أنظاره الواسعة، فيرحل إلى مدينة تكون أوسع مجالاً للآراء الخطيرة، فتعظم مكانته، ويكثر الانتفاع بحكمته، ولولا الرحلة، لما عظم شأنه، ولما كثرت ثمرات نبوغه.
أذكر أن الشيخ عز الدين بن عبد السلام مر عند خروجه من الشام بالكرك، فتلقاه صاحبها، وسأله الإقامة عنده، فقال له الشيخ: بلدك صغير عن علمي. وتوجه إلى القاهرة.
وأسوق شاهداً على هذا: أن القاضي يوسف بن أحمد بن كج الدينوري
стр. 5221
قد بلغ في العلم مرتبة كبيرة، وقال له بعض من لقيه: يا أستاذ! الاسم لأبي حامد الغزالي، والعلم لك، فقال القاضي: ذاك رفعته بغداد، وأنا حطتني الدينور.
وقد تكون رحلة العالم أو الأديب من أسباب ظهور علمه أو أدبه، وانتشاره في الآفاق.
قال الأديب أَبو بكر المعروف بابن بقي:
ولي همم ستقذف بي بلاداً ... نأت إما العراق أو الشآما
لكيما تحمل الركبان شعري ... بوادي الطلح أو وادي الخزامى
وكيما تعلم الفصحاء أني ... خطيب علّم السجع الحماما
وقد أطلعتهن بكل أرض ... بدوراً لايفارقن التماما
وربما أدرك الرجل في وطنه ضيق عيش يخشى أن يعوقه عن الازدياد من العلم، أو التفرغ لنشره بالتدريس والمذاكرة، فيرحل حيث يلقى كفافاً أو يساراً يساعده على أن يقبل على الدرس والبحث بنفس مطمئنة.
رحل القاضي عبد الوهاب بن نصر من بغداد إلى مصر، ونبه على سبب رحلته فقال:
سلامٌ على بغداد في كل موطنٍ ... وحوّلها مني السلام المضاعف
فو الله ما فارقتها على قلى لها ... وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت عليّ بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف
وكذلك قال أَبو سعد النبرماني:
فقد سرت في شرق البلاد وغربها ... وطوّفت خيلي بينها ورِكابِيا
стр. 5222
فلم أر فيها مثل بغداد منزلاً ... ولم أر فيها مثل دجلة واديا
ولا مثل أهليها أرقّ شمائلاً ... وأعذب ألفاظاً وأحلى معانيا
وكم قائل لو كان حبك صادقاً ... لبغداد لم ترحل فكان جوابيا
يقيم الرجال الموسرون بأرضهم ... وترمي النوى بالمقترين المراميا
ومما يظفر به الرجل الفاضل في رحلته: أن يتخذ في البلاد التي ينزل بها أصدقاء يغتبط بصداقتهم، والصداقة الخالصة من ألذّ ما يمتع به الإنسان في هذه الحياة، وكتب الأدب مملوءة بالرسائل والقصائد التي دارت بين علماء وأدباء اختلفت مواطنهم، وهي عامرة بروابط ناشئة بوسيلة الرحلة.
وهذا ابن خلدون ارتبط بصداقات كثيرة من علماء البلاد؛ كلسان الدين ابن الخطيب، وابن زمرك، وجرت بينه وبينهم مراسلات، وأذكر من قصيدة بعث إليه بها ابن زمرك بعد نزوله مصر قوله:
بعيشك خبرني ولا زلت مفضلاً ... أعندك من شوق كمثل الذي عندي
ومثل الحافظ ابن عساكر رحل إلى بلاد العجم بعد بلاد العرب، وأذكر من قصيدة بعث بها إلى صديقه أبي سعد السمعاني قوله:
أنسيت ثدي مودة ... بيني وبينك وارتضاعه
* ماذا يستفيد قوم الرجل من رحلته ؟
قد تحظى البلاد بالعلم بعد انقطاعه عنها، أو تقوم سوقها فيها بعد خمولها، والفضل في ذلك لرجال يرحلون إلى الحواضر التي هي منبع العلوم، ثم يعودون وقد امتلؤوا مما اغترفوه من العلوم والفنون.
وقد بلغت الحالة العلمية بالأندلس بعد عودة أبي الوليد الباجي من
стр. 5223
رحلته المشرقية منزلة أرفع وأرسخ مما كانت عليه قبل أن يعود.
وارتحل أبو القاسم بن زيتون التونسي في أوساط المئة السابعة إلى المشرق، فبرع في العقليات والنقليات، ورجع إلى تونس، فأتبعها بعلمه الكثير، وأسلوب تعليمه البديع.
ويرحل العالم أو الاديب من وطنه وهو يحمل علماً غزيراً، أو يتحلى بأدب سني، وينزل بين جماعات من بلاد مختلفة، فيرونه مثالاً لأهل العلم والأدب من قومه، فيرتفع شأن قومه في أنظارهم، هذا إلى ما يصفه لهم من محاسن قومه، أو ينقله إليهم من ثمرات أفكارهم.
* ماذا تستفيد البلد ممن يرحلون إليهم من ثمرات أفكارهم ؟
يرحل العالم أو الأديب، وينزل ببلد، فيبذر بها متى كانت في حاجة إلى أمثاله: علماً، أو أدباً، ومن ذا ينكر أن بلاد الأندلس قد استفادت من العلماء الذين رحلوا إليها من الشرق، مثل: تاج الدين بن حمويه السرخسي، وأبي علي القالي، كما استفادت دمشق من أمثال ابن مالك، وابن السبكي، واستفادت مصر من أمثال أبي حيّان، وابن خلدون؟.
وهذا المعري يحمد السفر الذي جاء بالقاضي عبد الوهاب بن نصر من بغداد إلى المعرة، فقال:
والمالكي ابن نصر زار في سفرٍ ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تحدث أحيا مالكاً جدلاً ... وينشر الملك الضليل إن شعرا
وتفقه البربر في علوم الدين عن عشرة من فقهاء التابعين بعثهم عمر ابن عبد العزيز لهذا الغرض خاصة.
ونرى في تراجم كثير من العلماء الراحلين: أنهم كانوا يُلقون في البلاد
стр. 5224
التي ينزلون بها دروساً، أو يُدرسون بها علوماً يتلقاها عنهم بعض أهل العلم.
فرحلات العلماء والأدباء تنقل العلم والأدب من بلد إلى آخر على وجه أثبت وأنفع مما تنقله المؤلفات وحدها.
* أثر الرحلة في تنمية العلوم:
للرحلة فضل في نماء العلوم واتساع دائرتها، وكم من كتاب يعدّ في علمه من أمهات الكتب هو وليد الرحلة! ذلك أن أسد بن الفرات الراحل من القيروان إلى الشرق ورد مصر بعد أن تلقى العلم في الحجاز والعراق، وألقى على ابن القاسم أسئلة يطلب الجواب عنها على مقتضى مذهب الإمام مالك، وجمع تلك الأسئلة وأجوبتها في كتاب يسمّى: "الأسدية"، ثم رحل سحنون من القيروان بالأسدية إلى ابن القاسم، وعرضها عليه، وهذّبها، وأضاف إليها مسائل أخرى، وصارت تسمى: "المدونة"، وهي المشار إليها بقول بعض أهل العلم:
أصبحت فيمن له علم بلا أدبٍ ... ومن له أدب عار عن الدين
أصبحت فيهم فقيد الشكل منفرداً ... كبيت حسان في ديوان سحنونِ
وبيت حسان الذي لم يرد في "المدونة" غيره من الشعر هو قوله:
وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير
ومن فضل الرحلة: أنها حفظت جانباً عظيماً من التاريخ، حفظته الكتب التي يودعها مؤلفوها ما شاهدوه في أسفارهم من وقائع وأحوال، مثل: رحلة ابن بطوطة، ورحلة العبدري، ورحلة ابن جبير، ورحلة خالد بن عيسى البلوي، وغيرها؛ فإنا نرى في هذه الرحلات أشياء لا نجدها فيما بين أيدينا من كتب التاريخ.
стр. 5225
* أثر الرحلة في ثراء الأدب:
للرحلة أثر في ثراء الأدب لا يقل عن أثرها في ثراء العلم، فكم من قصيدة لا ينظمها الشاعر إلا حين يعزم على الرحلة لإلقائها بين يدي ملك أو وزير أو وجيه، مثل قصيدة:
أدرك بخيلك خيل الله أندلُسا ... إن السبيل إلى منجاتها درسا
فإن صاحبها أبا عبد الله بن الأبار الراحل من الأندلس قد نظمها استنجاداً لأمير تونس، وألقاها بين يديه.
ومما يرجع الفضل فيه للرحلة: ذلك الشعر الوارد في التشويق إلى الوطن، أو الأهل، أو الإخوان، ومن هذا الباب: قول محمد بن يوسف الدمشقي يتشوق إلى دمشق وهو ببلاد الروم:
بعادٌ يزيد الجوى والحنينا ... وبَيْنٌ يعلّم قلبي الأنينا
فراقٌ أذاب الحشا أدمعاً ... فأجرى بصافي الدماء العيونا
إلى أن قال:
وجاد الحيا أربعاً بالشآم ... وسلّم صحباً بها قاطنينا
رحلنا فما تابعتنا القلوب ... وسرنا فظلت لديكم رهونا
وأذكر بهذه المناسبة: أن أستاذنا المرحوم الشيخ سالم أبا حاجب كان قد سافر إلى إيطاليا، وبعث رسمه إلى بعض أصدقائه في تونس، وكتب عليه البيتين:
لما شكت شحط النوى روحي التي ... أبقيتها عند الأحبة بالوطنْ
стр. 5226
أرسلت تمثالي لها بوّاً (١) عسى ... تسلو فلا تبغي التحاقاً بالبدن
* أثر الرحلة في تعارف الشعوب:
لا ينزل الرجل الفاضل بوطن إلا التقى بطائفة من فضلائه، والشأن أن يصف لهم بعض النواحي من حياة قومه العلمية والاجتماعية، ثم إذا عاد إلى قومه، وصف لهم حال الأوطان التي نزل بها، فيكون كل من الشعوب التي رحل منها، أو نزل بها، على خبرة من حال الشعوب الأخرى.
وقد نبهنا على أن الرجل الطيب السريرة يتخذ في كل وطن أصدقاء، وهذه الصداقات تعد فيما يربط بين الشعوب الرابطة الوثيقة، وتعارف الشعوب بوسيلة العلماء والأدباء يثير في نفوسهم عواطف الائتلاف والاحترام.
وإذا كان من أفضل آثار الرحلة: عقد رابطة التعارف والتعاطف بين الشعوب، فعلى المستطيعين منا أن يخصوا البلاد الشرقية بجانب عظيم من رحلاتهم، ولو وجدوا في سبيل ذلك مشاق فوق ما يلاقونه في سبيل الرحلة إلى البلاد الأجنبية.
* أدب الرحلة:
الآداب السنية هي كمال الإنسانية، فيجب على الإنسان الاحتفاظ بها في وطنه كما يحتفظ بها في غير وطنه، ورأينا بعض الحكماء يوجهون إلى الغريب، أو من رام الغربة عنايةً خاصة، فيؤكدون عليه في الاحتفاظ بالآداب الشريفة، كما قالوا: يا غريباً! كن أديباً.
стр. 5227
ومن هذا القبيل وصية عبد الملك بن سعيد الأندلسي لابنه علي بن سعيد عند عزمه على الرحلة إلى بلاد الشرق، تلك الوصية التي يقول فيها:
أودعك الرحمن في غربتك ... مرتقباً رحماه في أوبتك
فلا تطل حبل النوى إنني ... والله أشتاق إلى طلعتك
وقال:
فليس يدرَى أصل ذي غربة ... وإنما تعرف من شيمتك
ونبه لآداب سامية فقال:
وامش الهوينى مظهراً عفة ... وابغ رضا الأعين عن هيئتك
وكل ما يفضي لعذر فلا ... تجعله في الغربة من إربتك
ولا تجادل حاسداً أبداً ... فإنه أدعى إلى هيبتك
وقال:
وانطلق بحيث العيّ مستقبح ... واصمت بحيث الخير في سَكْتتك
ومن أدب الراحل: أن ينصف البلد التي ينزل بها، فيذكر محاسنها؛ ويغتبط بما يلاقيه به أهلها من احتفاء ومؤانسة.
ورد تاج الدين بن حمويه السرخسي بلاد المغرب، فسأله سلطان المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن قائلا: أين هذه البلاد من بلادك الشامية؟ فقال السرخسي: بلادكم حسنة أنيقة، وفيها عيب واحد، فقال السلطان: ما هو؟ قال: أنها تنسي الأوطان.
وممن قاموا على هذا الأدب الجميل العلامة المقري صاحب كتاب "نفح الطيب"؛ فقد نظم في الثناء على دمشق أشعاراً، وتمثل فيها بأشعار،
стр. 5228
ومما أنشده: قول شمس الدين الأسدي:
إذا ذكرت بقاع الأرض يوماً ... فقل سقياً لجلّق ثم رعيا
وقل في وصفها لا في سواها ... بها ما شئت من دين ودنيا
وأختم هذه المحاضرة بأبيات خطرت لي معانيها عندما نزلت دمشق، وإني لست بشاعر، ولكني درست علم العروض، فأستطيع أن أقول كلاماً موزوناً، وإلى حضراتكم هذه الأبيات:
زارها بعد نوى طال مداها ... فشفى قلباً مجدّاً في هواها
راح نشوان ولا راح سوى ... أن رأى الشام وحياه شذاها
نظرة في ساحها تذكره ... كيف كان العيش يحلو في رُباها
ما شكا فيها اغتراباً وإذا ... حدثته النفس بالشكوى نهانا
من يحث العِيس في البيد إلى ... بردى يحمد للعيس سُراها
فهنا قامت نوادي فتية ... تبلغ النفس بلقياهم مناها
أدب يزهو كزهر بهج ... أرشفته السحب من خمر نداها
خلق لو نصح الخوْدَ به ... ناصح لاتخذت منه حِلاها
ملؤوا جلّق أُنساً فأرى ... ليلها طلق المحيا كضحاها
شدّ ما لاقوا خطوباً فانتضوا ... مرهفات العزم طعناً في لهاها
عزة الأمة في نشء إذا ... نشبت في خطر كانوا فداها
وجناحا فوزِها استمساكُها ... بهدى الله وإرهاف قناها
هي عين والهدى إنسانها ... فإذا ما فسقت لاقت عماها
...
стр. 5229
رتِّل الذكر ملياً تره ... يغرس الحكمة أو يدني جَناها
أطلق الأفكار من أصفادها ... فمضت ترعى الثريا وسهاها
* * *
خضْ علوم الكون أحقاباً وسِرْ ... في سماها إن تشأ أو في ثراها
لا ترى في الدين إلا مغرياً ... بحلاها أو مزيحاً لقذاها
* * *
ذكرونا سلفاً قاموا على ... سيرة غرّاء والدهر طواها
أمة يذكي التقى غيرتها ... مثلما يذكي الندى نار قِراها
شرف لو آنسته الشمس في ... أُفقه الأعلى لظنته أباها
* * *
أوَ يُجدي مجدُ أسلاف إذا ... غرقت أجفان خلف في كراها
أمة تلهو بذكرى تالد ... عن طريف لم ترم عهد صِباها
فابعثوها همماً تسمو كما ... سمت الجوزاء تزهو في سناها
ما الفخار الحق إلا نهضة ... أحكم الإيمان والعلم عُراها
стр. 5230
النهضة للرّحلة (١)
تشهد أساتذة الحكمة وجهابذة الفلسفة، ويزكيهم طول الاختيار والتجربة الصادقة: أن من انتشر بالأمصار، وجاس خلال البلاد، وعاشر طوائف الناس بنباهة قائمة، وضبط جيد، وعقل لا تأخذه سنة الذهول، يكون أبسط ذراعاً، وأطول باعاً في معرفة ما لنوعه البشري من طباع متباينة، وآراء متشعبة، وعوائد مختلفة، وأهواء متفرقة، وأنه أشد تمكناً في التخلق بالأحوال التي تقربه عند أولي الألباب، بحيث لا تصدر أقواله وأفعاله إلا عن إرادة قوية، وروية ثابتة، فما يلفظ من قول إلا صادف مرماه، ولا يكسب عملاً إلا كان حسنه في عيون أهل الفضيلة، وذلك لإحاطة مداركه بأوجه السياسة العامة خُبراً، يعرف حيث يستدل اللين بالحدة، وفي أي حين تستعمل الشدة بدلاً عن الأناة، ولا يخفى عليه في أي المواضع يتعاظم بعزة النفس، وإلى أي حد ينتهي التواضع، وهلمّ جُرّاً.
وضعُ الأشياء مواضعَها المناسبة حتى تلائم فضلاء الناس أمرٌ عسير، لابدّ له من اجتهاد عظيم، لا ينبغ فيه من ينشأ في الحلية، ولا يهدج إلا حول بيته، تجد في الذين يريدون علواً في الأرض، من لا يمشي فيها إلا مرحاً، وهو
стр. 5231
يشمخ بأنفه كأنما يريد أن يثقب به الفلك الأطلس، ومتى صوبت نظرك إلى قدمه، وجدتها سائخة في الدرك الأسفل من المهانة.
علّة ذلك: أنه لم يفتح عينه إلا على وجوه آخر له جباهها سجّداً، ولا يخاطب إلا بأفواه تتدفق عليه أشداقها بعبارات التعظيم والإطراء، فيكون ارتياحه لذلك غشاوةً على بصره تحجب عنه ما ارتكز في سريرته من النقائص، ولو امتطى غوارب الأسفار، وهبت به على المواطن التي لا يعباً فيها إلا بطارف المجد، ولا يعتنى فيها إلا بالكمال الذي يجري مع صاحبه حيث أصاب وأبصر رجالاً بمنزلة الجن في تفنن الأعمال وإبداعها، وآخرين يضاهون طبقة الملأ الأعلى في أخلاقهم المقدسة، لترفعت همته عن القناعة بما تداهنه به عبيد المطامع الواسعة، وتداجيه به ألسنة الذين في قلوبهم مرض النفاق، وطفق يسعى وراء ما أرشدته إليه المشاهدة إرشاداً صحيحاً، وينسج على منوال ما دلته عليه التجارب دلالة واضحة.
ومن الذين يريدون الحياة الدنيا، من تنبت له الفضاضة في نفوس بعض الأرذلين بذور الرهبة والإكبار، فينتزع من ذلك قياساً يظنه مطرداً، حتى إذا هجس في خاطره استرقاق بعض الضمائر الحرة، أسرع إلى جرح إحساساتها، ولربما عمد إلى إرهابها بمد يده إلى إنقاذ مقاتلها، ولو مارس مثل هذا أبناء الزمان شعوباً وقبائل، واختبرهم ظهراً وبطناً، لعلم علم اليقين أن من الأفئدة ما لا يستعبده إلا الجميل من القول، ولا يرد جماحه إلا بزمام الرفق والملاطفة.
ومما كان للناس عجباً: أن يحل الرجل بعض النوادي، فيرمي بالكلمة ولا يلقي لها بالاً، فتهتز لها الرؤوس عجباً، وتبتسم لها الثغور اعترافاً بحسن
стр. 5232
موقعها، فيأخذ أحد قرنائه في العمل على شاكلتها، فتصاعر له الخدود، وتقطب له الوجوه، كأنما جاء شيئاً فرياً.
النكتة في هذا المثال: اغترار هذا القرين بأن تلك الكلمة إنما أودعت في القوم نشوة بانسجام لفظها، أو إصابة معناها، لا لأنها وردت عليهم مخضبة بصبغة الانتساب إلى مصدر خاص، والمطلع على ما لبني جلدته من المذاهب المتنوعة، والشؤون المتخالفة، المتصرف فيها تصرفاً واسعاً، لا يلدغ من مثل هذا الأغوار الضيقة.
وكأني بمن يترصد مواضع النقد في الكلام، يوحي إلينا: أن من أبناء السبيل من لم يزدهم الاغتراب إلا خوراً في طباعهم، وانحلالاً في عقدة إيمانهم، وتشدقاً في الأقوال مع عجز في الأعمال، غمسوا وجوههم في الخبائث حتى نضب منها ماء الحياة، وانسدل عليها من السماجة والقحة قناع كثيف، ثم تمادوا يبنون معتقداتهم على ما يسمى عندهم: بحرية الفكر، حتى تلفقت لهم ديانة لا شرقية ولا غربية، ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. ولو انزوت هذه الفئة في حنايا بيوتهم، لكان خيراً لهم، وأخف فتنة على السماعين لهم.
فنقول: هذا لا ينصدع به الجدار الذي كنا بصدد إقامته؛ إذ لم نقل: إن السفر النافع هو مبارحة الأوطان كيفما اتفق، والجولان بالمدن والقرى كيفما كان الحال.
السفر لا يربي لصاحبه ملكة بالأدب إلا إذا قارنته فطنة مستيقظة تبحث عن أسرار الاجتماع، وتدقق النظر في تمييز الحسن من المعيب، لو قلت: إن هذه الشرذمة لم تهتد إلى غير المنازل التي تأوي إليها الأراذل، وتسكن إليها
стр. 5233
السفلة، استناداً إلى دعاويهم الطائلة، وأفكارهم الخاوية، لم أكن مخطئاً.
أما انحلال عقيدة إيمانهم، فلأن عقائده الحقة إنما بنيت عندهم على هاوية التقليد، فلما هبت عليها أعاصير الشبه، نسفتها من صدورهم نسفاً، فغادرتها قاعاً صفصفاً، فأصبحوا وهو في ريبهم يترددون.
وتلك آيات الكتاب الحكيم التي لم تترك للأدب وجهاً جميلاً إلا كشفت لثامه، ولا شرعة لأعلاء النفوس الطاهرة إلا فتحت أبوابها، وقومت ما نشز من كعوبها، تحثنا على سلوك هذه الجادة حثاً أكيداً، وتنبئنا بغياتها التي هي: الآداب الروحية، والمعارف التي تكمل بها السعأدة في الدنيا، ويتوسل بها إلى السعادة في الآخرة. قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢﴾ الآية. والتفقه في الدين كما يصدق على الأحكام التي تتلقى بطريق السمع، يندرج فيه التنبه لفهم الدقائق والأسرار التي تؤخذ من الأمور الحاضرة بواسطة المشاهدة، ولقد كان لعلمائنا العناية الكبرى، والعزيمة الماضية في النهوض للرحلة، والتجلد على اقتحام ما كان فيها من المشاق.
كان السفر قطعة من العذاب، بل العذاب كله، فمن اتخذ سبيله في البحر سرباً، لا يزال ينظر إلى أمواجه نظر المغشي عليه من الموت، كأنما ينفتح له ما بين كل موجتين قبر، وعواصف الرياح تقلبه ذات اليمين وذات الشمال، فيقضي شهوراً، أو ما قدر له، وهو على أعواد مشرف على الهلاك، لا يمسكه عن الوقوع في مهواته إلا خيط أجله، وإن كان السفر براً، فلا تسل عما يحيق بأهله عندما يحمى بهم وطيس الظهيرة، أو يجمد عليهم زمهرير الغدو والآصال، والمخاوف تنسل عليهم من كل فج عميق.
стр. 5234
أما الآن، فقد أصبح السفر قطعة من النعيم، فمن لقي من إقامته نصباً، ورام اغتنام الراحة وصفاء البال، بادر له بكل حزم ونشاط، غيرَ متوجس خيفة من تلك الغوائل المزعجة.
وبعد، فهل لإخواننا الكرام أن يسمحوا لنا بأن نعرض عليهم حاجة في أنفسنا ليقضوها، وإن قال قائل منهم: إنها كبرت كلمة تخرج من أفواهنا. وهي: أن نستنهض هممهم، ونستمنح من عواطفهم أن يطرحوا شيئاً من الشغب بالمنازل، والعكوف على الإقامة بها، ويسيروا في الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين سعوا جهدهم في خدمة الدين والوطن، ويساهموهم فيما يعودون به على أنفسهم وذوي أخوتهم من المساعي الحميدة، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
стр. 5235
الرحلة الجزائرية (١)
كنت أُسعفت فيما سلف من الزمان بإجراء سياحة في أطراف المملكة الجزائرية، وبقيت النفس مستشرفة إلى إعادتها تارة أخرى إلى مدينة الجزائر نفسها؛ لنكون على بينة من مقدار ما تبلغ إليه حالتها العلمية، وجلية من أمر أخلاق أهلها الغالبة، وعاداتها العامة؛ فإن لسان العيان أفصح من لسان البيان. وما برحت هذه الأمنية تتمثل في الخيال، وتجول في العقل، حتى مكنتنا الفرصة من توطيدها وإبرازها إلى حيز الوجود في شهر رمضان المعظم من هذه السنة.
ولما استقر بنا النوى من حيث ابتدأ، وصقل الإياب مرآة الصدور مما مسها به البعاد من الصدأ، قبضت قبضة من آثار سفرنا هذا، ونبذتها في صحائف هاته المجلة؛ عسى أن يعتبرها مطالعوها الكرام بمثابة فصل انتزعت شذوره من مجلد ضخم في أنباء الأمة الجزائرية من جهة معارفها وأخلاقها.
* سوق أهراس:
عقدت العزيمة على الظعن في الساعة الثامنة صباحاً من اليوم الخامس
стр. 5236
من الشهر المذكور (شهر رمضان سنة ١٣٢٢ هـ) (١)، واتخذت سبيلي في البر؛ لأنه أجمل منظراً، وأقل خطراً، فانسحب بنا القطار وهو يطوي البيد طياً، ويجوب من المفاوز الفسيحة مكاناً قصياً، إلى أن نفخ نفخة الغيور الكريم، ثم سار سيراً رويداً، واستوى على محطته الواقعة على جناح من بلد "سوق أهراس" (٢) في الساعة الرابعة مساء.
فهبطت متدلياً إلى المنزل الذي أعدّ لنا، وبعد أن نفضت نقع على ما علق بنا من النصب، تطوفنا في أغلب مناهجها المتسعة، وفسحنا الخاطر في بناءاتها المتناسبة، ولعدم أكبر ساحتها يمكن الإحاطة بها في مدة وجيزة. وعند مغيب الشفق توجهت إلى مسجد لاغتنام فضيلة الجماعة، وبعد أن قضيت الصلاة، وتأهبنا للانصراف، قام من الجماعة رجل تلوح على وجهه سمة أهل العلم، ودنا مني، وسلم عليّ سلام ذي المعرفة، ثم مسك بيدي، وتقدم بي إلى محراب المسجد، وأومأ إلي بالجلوس، ثم استدارت الجماعة على هيئة درس، ورأيت في يد أحدهم سفراً، فالتفت إلى ذلك الفاضل، وقلت له: هل لكم درس في هاته الساعة؟ فقال: نعم، درس في التوحيد، ولكن نريد أن نعوضه بمسامرة علمية معكم. فجرت على بساط المسامرة مسائل بعضها في العبادة، وبعضها في غير ذلك، منها: قول بعض المسترشدين: هل كان النبي ﷺ يحلق رأسه أم لا؟ وما حكم عدم الحلق؟
فكان الجواب: أن الآثار الصحيحة تدل على أنه ﷺ لم يحلق لغير نسك، فيحتمل أن يكون ترك الحلق من باب ترك الأخذ بالعرف، والجري
стр. 5237
على ما هو العادة عند قومه، وعلى هذا، فمن جرى عرف قومه بالحلق، كان الأولى في حقه العمل على مقتضاه، ويحتمل أن يكون على وجه التشريع، فيكون سنّة، وهو ما فهمه أَبو الوليد الطرطوشي، وابن العربي، وصرّحا بأن حلق الرأس لغير نسك بدعة، والذي يقوى في النظر: أن ترك الحلق هو من باب العادة، فلا يعد الحالق مبتدعاً، وقد يقال: لا تثريب على من ترك حلق رأسه بقصد التأسي بالنبي ﷺ ؛ فإن الصحابة والسلف الصالح كانوا يحافظون على الأسوة به في العادات؛ كما يحافظون عليها في السنن، فيعارض بأن الشارع قد أمر بموافقة ما جرى به العرف في غير ما شرّعه.
وبعد أن ختمت المسامرة، وانفضت الجماعة، تجاذبنا مع ذلك المدرس محادثة خاصة، فاستجلينا من خلالها: أنه الشيخ محمد الصالح بن الشايب العدل بالمحكمة القضائية.
ومما جرى في خاتمة المجلس لفظ: "منطاد"، فقلنا: هو الآلة التي تطير في الهواء المسماة بالبالون، وهو لفظ عربي، في "القاموس" (١): الانطياد: الارتفاع في الهواء صعداً، والمنطاد: البناء المرتفع.
ويوجد في هذه البلد مدرس آخر، وهو الشيخ عبد المجيد، كنت في السنة الفائتة أتيت المسجد الذي يدرس فيه "المختصر الخليلي"، وقد سبقت لنا معرفته بالحاضرة، فرحب بنا، وأحسن لقاءنا، ثم سعى بنا إلى محل الدرس، فجلس عن يسارنا، وشرع في تقريره بطريقة مقتصدة خالية عن التطويل، بعيدة عن الاختصار، وطالعُ الدرس: قول صاحب المختصر: "وعفى عما يعسر"، وبأثر انقضائه عقدنا معهم المسامرة، اشتمل غالبها على تفسير
стр. 5238
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢﴾ الآية. وعلقنا عليها ما حضرنا في فضل التعليم والتعلم.
* تبسة:
وفي الساعة الخامسة صباحاً، سافرت إلى "تبسة"، فوصلنا بعد مسير القطار نحو خمس ساعات، ويعد أن أزحنا بالاستراحة ما سامنا من عناء السفر، خرجنا نتدرج بأنحاء البلاد إلى أن استقصينا غالب مناهجها جولاناً، وألفيناها منفوضة الجراب من آثار التعليم، سوى أن بعض المتخرجين بالجامع الأعظم (١) من أهالي الجريد (٢) يجاور بها نحو خمسة أشهر في السنة، يلقي فيها دروساً من الكتب الابتدائية.
وبعد صلاة التراويح، زارنا جماعة من أعيان تجارها لهم عناية أكيدة بالمسائل التي تعرض لهم في أمور التجارة، وهو من أعظم الأدلة على متانة الديانة، والتوقي من الشبهات، منها قول بعضهم: "وما تقولون في رجل اقترض مالاً من عند آخر، واشترى به أشياء تجب فيها الزكاة، وعنده ملك آخر يفي بخلاص ذلك الدين، فهل تجب فيها الزكاة فيما اشتراه بمال القرض إن مرّ عليه الحول، أو لا تجب؛ لأنه مدين؟ ".
فكان الجواب: أن المدين الذي لا تجب عليه الزكاة هو الذي ليس له من الملك ما يسد به خلة ما عليه من الدين، أما إذا كان مالكاً لما يجعله في مقابلة ذلك الدين، فلا يعد الدين مُسقطاً للزكاة كما في "الموطأ".
стр. 5239
* عين البيضاء:
ومن الغد قصدت "عين البيضاء" في الساعة السادسة مساءً، فركبت عربة يجرها أربعة جياد؛ لعدم ارتباط البلدتين بسكة حديد، فوصلنا في الساعة الخامسة صباحاً، وبعد أن أخذنا سنة من النوم، أفاضت علينا من الاستراحة شيئاً يسيراً، وفد علينا بعض أهل العلم، مثل: الشيخ محمد العربي بن قشوط، والشيخ المسعود بن علي، والشيخ أحمد بن ناجي، فاستنارت صدورنا تأنساً بمحاورتهم العلمية في سائر ذلك اليوم.
ومن المسائل التي طرحت بيننا: مسألة الفرق بين الكل والكلية، فقررنا أن قوله ﷺ : "كل ذلك لم يكن" لما قال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ هو من باب الكلية، لا من باب الكل كما يقول بعض المصنفين؛ بدليل قول ذي اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، وقوله في الرواية الأخرى: "ما قصرت الصلاة، وما نسيت". وإن المعنى: كل ذلك لم يكن في ظني، فيكون مطابقاً للواقع والاعتقاد، ولا داعي إلى تأويل الحديث بتوجيه النفي إلى المجموع، بل لا يصح تحريجه على ذلك.
وبعد صلاة التراويح، دعانا الشيخ أحمد بن ناجي إلى المسجد الذي يدرِّس فيه "المختصر الخليلي"، فلما وافينا المسجد، وجدناه غاصاً بتلامذة ذلك الدرس وغيرهم، ففسحوا لنا مقعداً في المحراب، ثم قام رجل منهم، ووزع أجزاء نسخة قرآن على الحاضرين، وهذه عادتهم في كل ليلة جمعة، وبعد ختامها انتدب منا ذلك الشيخ أن نذاكرهم بتقرير بعض الأحاديث، فوقع اختيارنا على حديث: "سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل ... إلخ" الحديث، فأملينا بعض ما نعهده في شرحه، وأسبغنا المقال في شأن التوادد
стр. 5240
والتعاون عند قوله: "ورجلان تحابا في الله، اجتمعا على ذلك، وافترقا عليه", وشاهدنا من الحاضرين رغبة مفرطة، وإقبالاً زائداً على تلقي التعاليم الدينية.
* قسنطينة:
بارحت "عين البيضاء" في الساعة السادسة صباحاً، فوصلنا "قسنطينة" بعد مسير الرتل ست ساعات تقريباً، وأعدنا الاستطلاع على بعض معالمها الدينية، وآثارها القديمة والحديثة. بهذه المدينة مدرسة إسلامية معدة لتخريج القضاة والعدول، وثلاثة جوامع تقام فيها الجمعة: الجامع الكبير، والجامع الأخضر، والآخر يسمى: بجامع سيدي الكتاني، وفي هذا الجامع منبر من الرخام مرقوم فيه بيت من الشعر يتضمن اسم مؤسسه، وتاريخ تأسيسه، وهو:
بنى منبراً بالعزّ والنصر صالح ... له سبل الخيرات تاريخه رشد (١)
وأسس الجامع الأخضر سنة ١٢٥٦ هـ، وبها مكتبة عمومية تحتوي على عدة من الكتب المطبوعة المتداولة. والتقينا بأشهر علمائها الشيخ حمدان بن الونيسي الذي كان زار الحاضرة منذ عهد قريب. والعالم الشيخ أحمد بن الحبيبات، وهو رجل عليه سمة أهل الخير والصلاح، ولما حان وقت صلاة العشاء، ذهبت إلى الجامع الكبير، وبعد انقضاء الصلاة، رأيت جماعة مستديرة في جانب من الجامع، والناس يستبقون نحوها زمراً، فأخبرني بعض من معي بأن للشيخ حمدان درساً في التفسير، فدنوت منه، وأصغيت
стр. 5241
إليه، فإذا هو يقرئ في قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦﴾ الآية. بتفسير الخازن.
وبعد أن تم الدرس، تقدم إلينا بعض الطلبة الذين سبقت لهم بنا معرفة مسترشداً عن مسائل، منها: كيف يجمع بين قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؟
فكان الجواب: أن الله لا يؤاخذ أحداً بزلة أحد، وإنما يستحق العقوبة صاحب الذنب، إلا أن الله فرض على كل مسلم رأى منكراً أن يغيره، فإذا لم يفعل ما استطاع من تغييره، وسكت، كان عاصياً، فينخرط مع صاحب الذنب في العقوبة، أحدهما بفعله، والآخر برضاه. قال تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩].
فالفتنة في الواقع لا تصيب إلا صاحب الذنب، كما قال عمر ﵁: إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عملوا المنكر جهاراً، استحقوا العقوية.
واجتمعنا بأحد الثقات من بلد "المسيلة"، فحكى لنا أن بعض الطلبة في تلك الجهة يعمل في صيامه بقواعد الحساب، وتارة يؤم الناس في صلاة العيد وهو صائم، فقلنا: ورد قوله ﷺ : "فإذا غمّ عليكم، فاقدروا له"، فذهب مطرف بن عبد الله أحدُ التابعين إلى أنّ معنى "اقدروا له": احسبوا له بحساب المنجمين، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
والحق أن معنى "اقدروا": أكملوا العدد ثلاثين، بدليل رواية: "فإن غمّ عليكم، فكملوا العدد ثلاثين"، ثم إن الشرع مبني على ما تعلمه الجماهير،
стр. 5242
وأمر الحساب لا يعرفه إلا قليل من الناس، ولو كان الحساب طريقاً يعتد به في ثبوت الشهر، لعلّمه النبي ﷺ للصحابة كما كانوا يعلمون أوقات الصلوات، ويرد استدلال مطرف: بأن المراد من الآية: الاهتداء في طريق البر والبحر.
يبلغ عدد سكان هذه المدينة نحو ٥٥ ألف نسمة، نصفهم من المسلمين، وأربعة آلاف من اليهود، والباقي من الإفرنج.
* باتنة:
ثم التقيت بابن عمنا الشيخ الحسن، فربطنا النية على المرافقة في السفر، فتوجهنا إلى "باتنة"، فوصلنا في الساعة الثامنة مساء. وبعد أن وضعنا أوزار الأتعاب، تجولنا في شوارعها، فإذا هي فسيحة العرض، متناسقة البناء، منورة بالكهرباء، وفي أثناء المطاف قال لي رفيقنا المذكور: إني أعرف هنا رجلاً من أهل العلم والأدب، فقلت: تلك الضالة التي ننشدها في مثل هاته الليلة، اسع بنا إلى أن نروح الخواطر بأسماره. فمضينا حتى انتهينا إلى محل معدّ للتجارة، فوجدنا جماعة جالسين على شكل نصف دائرة، فلما رأونا، انتفضوا قائمين، وعلى وجوههم نضرة البشر والابتهاج، وعلى تحيتهم طلاوة الأدب واللطافة، فكان ذلك براعة استهلال لما ينبغي ملاحظته في ذلك المنتدى، واتفق أن كان من زمرة هؤلاء الفضلاء: الشيخ أحمد البوعوني المشار إله، والشيخ إبراهيم بن السلمي، ولكل منهما فصاحة منطق، وسجية نزاعة للأدب، ولأولهما شعر جيد، فقضينا في السمر مقدار ثلاث ساعات، كانت لتلك الليلة نطاقاً جميلاً. ولما أزمعنا الانصراف، ووقفنا موقف الوداع، تكدرت خواطرهم؛ لانصداع إيوان تلك المؤانسة، وتقطع أسبابها، فألقوا على مسامعنا عبارات يتمشى التحسر والتأسف في مناكبها، فقلنا لهم: العود أحمد، وأنشدنا لهم:
стр. 5243
لا تأس يا قلب من وداعٍ ... فإن قلب الوداع عادوا
* عاصمة الجزائر:
وفي الساعة الخامسة صباحا تحرك بنا القطار من "باتنة"، ولم يزل يخبُّ ويضع، ويحمل ويضع، حتى ضرب سواد الليل أطنابه، وفي الساعة الثامنة أشرفنا على عاصمة الجزائر، فتراءت لنا مصابيح أنوارها بمنظر أنيق، وأشكال متناسقة، وذلك لأن المدينة قائمة على أكمة مرتفعة يبتدئ العمران من أعلاها، ثم يمتد متدلياً إلى حافة البحر، فيبصر الداخل عند استقبال شوارعها المنورة، وهي طبقات بعضها فوق بعض، رونقاً مليحاً.
وبعد أن اصطفينا محلاً لمقامنا ووضع متاعنا، وتناولنا من الراحة جزءاً يسيراً، تكفأنا نجول في بعفالنواحي، فالتقينا بالسيد علي بن الحداد أحد أعيان تجارها الأفاضل، فبسط علينا من الحفاوة والترحاب رداء ضافياً، ولهذا الفاضل محل تجاري يتسامر فيه جماعة من أعيان العلماء والفضلاء، تعارفنا مع بعضهم في تلك الليلة.
ومن الغد تشرفنا بزيارة الولي الصالح الشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي (١)، وزرنا بإزائه المدرسة الثعالبية التي تم بناؤها في هذه السنة، وافتتحت باحتفال رسمي يوم الاثنين ١٧ أكتوير، وأسست هذه المدرسة لتعليم الوطنيين العلوم العقلية والنقلية، ومنها يتخرج القضاة والعدول. ثم بعد الزوال بساعة، ذهبت إلى الجامع الجديد، ويقال له: الجامع الصغير، فوجدت
стр. 5244
العالم الفاضل الشيخ بوقندورة المفتي الحنفي جالساً في زاوية منه، وحوله جماعة من الطلبة على شكل دائرة يتناوبون سرد "صحيح الإمام البخاري" واحداً بعد واحد، والشيخ مصغ إليهم، فإذا ناب أحدهم خطأ، استرده إلى ما هو الصواب، وهذه عادتهم في سائر أيام رمضان.
وبعد صلاة الظهر تنقلنا إلى الجامع الكبير، فالتقينا بالشيخ عبد الحليم ابن سماية، فغمرنا بنفحات خلقه الناضر، واختلب ألبابنا بفصاحة لسانه الساحر، ولم نلبث معه عند هذه الملاقاة إلا مدة قصيرة لأمر عارض حال بيننا وبين استطالة الجلسة.
وفي ذلك اليوم دعانا السيد علي بن الحداد لزيارة وقت الغروب، وبعد أن تناولنا معه الفطور، توجهنا إلى ضريح الشيخ سيدي عبد الرحمن الثعالبي، بقصد الحضور بدرس الشيخ علي ابن الحاج موسى، فمكثنا غير بعيد حتى دخل الشيخ وهو محفوف بسكينة ووقار، وجلس بالمحراب، ثم رفع يديه بقراءة الفاتحة قبل افتتاح الدرس، وبعد ذلك أخذ في تقرير مبحث: صفة الكلام من كتاب "الصغرى" للشيخ السنوسي بصوت جهور، فوضّح معناها، ثم أقام عليها الدليل ثانياً، وتعرض في أثناء ذلك إلى جلب مسائل لها تتعلق بالمبحث؛ كتنبيه على أن الحدوث الذي وصف به القرآن في بعض الآيات؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢] هو عائد إلى الألفاظ التي نتلوها، لا إلى المعنى الذي هو قائم بالذات العلية.
ومما يدل على صلاح حال هذا الرجل، وصفاء سريرته: أنه ما جرى ذكر النبي ﷺ على لسانه إلا ارتعد صوته، وفاضت دموعه، ثم أقيمت صلاة العشاء، فتقدم ذلك الشيخ وصلى بالجماعة إماماً، وقرأ في الركعة الأولى
стр. 5245
سورة القارعة، فلما بلغ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠] أخذته عبرة شديدة. وسمعته يجهر بالتأمين بعد الفاتحة في الصلاة، فعجبت من مخالفته للرواية المشهورة، وهي عدم تأمين الإمام في الجهر، وبلغني أنه خوطب في ذلك، فأجاب بأنه يختار رواية المدنيين؛ لترجحها بالحديث الصحيح. يريد بذلك قوله ﵊: "إذا أمّن الإمام، فأمنوا"، وهو ظاهر في تأمين الإمام في الصلاة الجهرية، والمتمسكون برواية البصريين المشهورة يؤولون "أمن" على: بلغ موضع التأمين؛ كأنجد: إذا بلغ نجداً؛ بدليل حديث: "إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين"، ولعل الشيخ ممن يستبعد ذلك التأويل، ولا يرى الحديث الأخير ظاهر الدلالة على عدم تأمين الإمام.
وعرجنا في إيابنا على محل السيد أحمد بن مراد المعد لبيع الكتب، فالتقينا بالشيخ محمد بوشنب أحد المدرسين بالمدرسة الثعالبية، فأخذنا معه أطراف محاورة أطلعتنا على ماله من النباهة التامة، والتفقه في الأمور الحديثة، زيادة عما له من التفنن. ثم انصرفنا، وصحبنا أحد الفضلاء فذكر لفظ "مجلة"، فاستنبأنا عن معناه لغة، فسقنا إليه عبارة "القاموس": مجلة - بالفتح-: الصحيفة فيها الحكمة، أو كل كتاب.
وفي اليوم الثاني من أيام إقامتنا، دعانا الشيخ عبد الحليم بن سماية إلى زورة محله في الساعة الخامسة مساءً، وكان منزله في أقصى المدينة وأعلاها، فصعدنا إليه على السيارة الكهربائية، سارت بنا في خطها الحديدي نحو ٢٠ دقيقة، ووقفت أمام ضريح الولي الكامل الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمن الأزهري المتوفي سنة ١٢٠٨ هـ، فنزلنا هناك، ووجدنا الشيخ
стр. 5246
عبد الحليم في انتظارنا، فذهب بنا إلى داره، وارتقى بنا إلى طبقتها العليا، وتنفست مدة المسامرة، فتواصلت حلقاتها نحو ست ساعات.
جرتنا المناسبة إلى الخوض في شؤون المدرسين، فقلنا: ليس المدرس حقيقة من يلقى المسائل على حسب ما تحويه الأوراق جيدها على رديها من غير أن يعرضها على محك النقد، ويزنها بمعيار النظر؛ فإن من المسائل ما لم تحط التآليف بتحقيقاتها واستخراج خباياها، فقال لي الشيخ: مثال ذلك من فن البيان: الاستخدام؛ فإن البيانيين يعدونه من المحسنات المعنوية، ولا يبينون كيف يعود حسنه إلى المعنى، ثم استرسل في بيان رجوعه إلى المعنى بكلام يشهد لصاحبه بسلامة الذوق، والولوع بالكشف عن أسرار المسائل، دون الاكتفاء بتصوراتها المجردة، ثم استطردنا أن الاستخدام لا يختص بالضمير كما نص عليه الشهاب الخفاجي في "حواشي البيضاوي"، بل يكون بغيره؛ كالاستثناء؛ نحو: أبداً حديثي ليس بالمنسوخ إلا في الدفاتر، والتمييز نحو:
أخثِ الغزالة إشراقاً وملتفتاً
والعطف، وعليه خرج قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤]. فالمراد من الصلاة: معناها الشرعي، ووقع عطف ﴿وَلَا جُنُبًا﴾ باعتبار معناها المجازي، وهو المسجد. وأطلعني على صدر مقالة له فصيحة المباني، شريفة الموضوع، مفرغة في قالب الإنشاء العصري، ووعدنا بإرسالها عند استكمالها.
وكان هذا الفاضل زار الحاضرة قديماً، وأقام بها نحو ثمانية أيام أخذ فيها "المقولات العشر" تدريساً عن الشيخ محمد بن عيسى الجزائري
стр. 5247
- ﵀، والتقينا بالعالم الشهير الشيخ عبد القادر المجاوي بعد شهودنا مجلس درسه "جوهرة التوحيد" بمسجد سيدي محمد الشريف، فحيانا بتحيات أكدت للتعارف القديم ميثاقاً، وصبّت علينا شيمه الشريفة من المؤانسة كأساً دهاقاً، وحينما عزمنا على الانصراف، أخذ علينا عهداً على تجديد الزيارة في الليلة القابلة، فعقبنا ذلك العهد بالوفاء، وبعد صلاة التراويح ذهب الشيخ ونحن في صحبته إلى جامع الشريف، وأقرأ به درسه الاعتيادي من "الأربعين النووية" في مجمع عظيم من الخاصة والعامة، وكان حديث تلك الليلة: "الدين النصيحة"، ثم عدنا إلى السمر، ومعنا جماعة من التلامذة.
نستحسن من دروس هذا الشيخ اقتصاره في كل فن على تقرير مسائله التي يشملها موضوعه، وعدم خلط بعضها ببعض. وقد كنت -عافاكم الله- ممن ابتلي درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، وأتوكأ في ذلك على أدنى مناسبة، حتى أفضى الأمر إلى أن لا أتجاوز في الدرس شطر بيت من ألفية ابن مالك -مثلاً-، ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج، عقيمة عن الإنتاج، ونرجو أن تكون توبتنا من سلوكها توبة نصوحاً.
ولهذا الشيخ أيضاً خلق عظيم نحمده عليه، وهو سلوكه في معاملة التلامذة طريقاً وسطاً، لا ينحط عن مكانة عزة النفس، ولا يرتفع عن ساحة التواضع، تحمله عواطف النسب العلمي على العناية بشؤونهم، وبذل الوسع في قضاء مآريهم، ويصده علو الهمة عن مجاراتهم فيما يزري بخطته الشريفة.
أأغرسه عزاً وأجنيه ذلة ... إذاً فاتباع الجهل قد كان أحزما
ولعل هذا الخلقال في لا ينبل الرجل إلا به، هو الذي غرس له في قلوب الجمهور مودة واحتراماً. وغالب القضاة وعدول المملكة الجزائرية
стр. 5248
تخرجوا على يديه؛ لأنه كان درّس بقسنطينة أيضاً سنين متطاولة.
وشهدت مجلس ختم العالم الفاضل الشيخ السعيد لصغرى السنوسي بجامع سيدي رمضان، بحضرة جماعة من العلماء، وجمّ غفير من غيرهم، فقرع الأسماع بمواعظ حسنة، ونصائح مفيدة، ودبجها بمسائل شتى من النحو والبيان والبديع، وساق في أثنائها أحاديث فضل التسمية باسمه ﷺ "محمد".
وفي صبيحة تلك الليلة اجتمعنا ببعض المنتسبين للعلم، فسألنا عن رتبة تلك الأحاديث، فقلنا: قد نقلها جماعة من المحدثين، ولم يتعقبوها بشىِء، وإلى ذلك استند الشيخ في إيرادها، ثم ذكرنا له ما نعهده لملَّا علي قاري في شأنها، وهو: من علامات وضع الحديث مناقضته لما جاءت به الشريعة مناقضة ظاهرة، ومن ذلك أحاديث من اسمه محمد أو أحمد، وإن كل من تسمّى بهذا الاسم لم يدخل النار، فهذا يناقض ما علم من الدين: أن النار لا يجار منها بالأسماء والألقاب، وإنما النجاة منها بالإيمان والأعمال الصالحة.
واجتمعنا بالعالم البارع الشيخ محمد بن مصطفى خوجة بدكان السيد أحمد بن مراد، فمد علينا من الملاطفة رواقاً، وفتح علينا رياض أنس كانت مغلقة أبوابها إغلاقاً، فنظم في سلك المسامرة فرائد، وأنشدنا من بنات أفكاره قلائد، ثم ختمنا بالتعريج على ما هو الأحسن في طرق التعليم، فأبديت ما نراه الطريقة المثلى في هذا الموضوع، خلاصته: هو أن الرتبة الابتدائية والرتبة الوسطى، ينبغي للمعلّم الاقتصار فيها على تقرير المسائل مجردة عن ذكر الخلافات، والأدلة الطويلة الذيل، حتى إذا اقتصر المتعلم على إحدى
стр. 5249
الرتبتين، أو عاقته دون الترقي لما بعدها عوائق، فقد نول ما فيه كفاية من غير أن يخفق مدة من حياته فيما لا فائدة فيه لمثله.
أما الرتبة العليا التي لا يقصدها إلا من طمحت همته إلى أن يكون عالماً معلّماً، فلابد فيها من تتبع عروق المسائل، واستقصاء آثارها، وحث مطية الفكر في أنجادها وأغوارها، على شريطة أن لا يلتفت المعلم إلى المباحث المتعلقة بعبارات المصنفين؛ فإنها داعية إلى خلط الفنون بعضها ببعض من غير كبير فائدة، والاشتغال بتحرير أصل من أصول العلم وصناعتها أفيد للطالب وأجدى، ويستغنى في تقوية الملكة وتشحيذ الذهن بالمباحث المتعلقة بنفس المسائل.
ودعانا السيد مصطفى بن الأكحل إلى منزله، وهو من أفاضل القوم، لا يحل بالبلد غريب، ولاسيما إن كان من أهل العلم، إلا وأكرم مثواه، وأحسن ضيافته، وحضر تلك المأدبة جماعة من أعيان العلماء؛ مثل: العالم الفاضل الشيخ بوقندورة، والشيخ عبد الحليم، والشيخ محمد بن مصطفى خوجة، فنضحوا بماء لطافتهم عن صدورنا وحشة الاغتراب، وتساقط من بين مذكراتهم العلمية ما تلذه عيون الألباب.
وجرت بمناسبة قول بعض الجماعة: أنا لا آكل لحماً، وقد آكل حوتاً، مسألة: من حلف أن لا يأكل لحماً هل يحنث بأكل الحوت أم لا؟ فقال أولئك السادة: لا يحنث؛ رعاية للعرف بمقتضى المذهب المتمسكين به مذهب أبي حنيفة، فسقنا نحن ما نقله ابن كمال باشا في "تفسيره" من أن سفيان الثوري أنكر ذلك على أبي حنيفة محتجاً بآية: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢].
стр. 5250
فقال أَبو حنيفة لرجل: اسأل سفيان عمن حلف لا يجلس على بساط، وجلس على الأرض، هل يحنث أم لا؟ فإن قال: لا يحنث، فقل له: قال تعالى: ﴿الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩]، فلما سأله وأجابه بعدم الحنث، وأورد عليه الآية، علم أن ذلك تلقين من أبي حنيفة. وذهب المالكية إلى الحنث؛ تمسكاً بالآية، وهو عند تحقق العرف بعدم تسمية الحوت لحماً مشكل لقاعدة: أن العرف مقدم على القصد اللغوي، ولم يحضرني حيئذ إلا أنه فرع مشهور بني على قول ضعيف، وهو أن المقصد اللغوي يقدم على العرف، أو العمل بقاعدة: أن الحنث يقع بأقل الوجوه؛ بخلاف البر، فقاعدته: أنه لا يقع إلا بأكمل الوجوه، فمن حلف ليسافر، لا يبر في يمينه إلا إذا سافر مسافة القصر، وإن سمّي ما دونها سفراً عرفاً ولغة، ومن حلف لا يسافر، حنث بسفره دون مسافة القصر.
وبعد طي بساط ذلك المجلس، ذهبنا إلى المسجد الذي أسسه السيد مصطفى بن الأكحل، فشهدنا مجلس ختم الشيخ عبد الحليم لكتاب في التوحيد لا أتذكر الآن ما هو؛ لأن الشيخ إنما قرر ما يتعلق بسورة الإخلاص، وبين كيف ينتزع منها العقائد الدينية بطريقة استحسنتها جداً، حتى إني كنت من المحرضين له على إقراء درس في التفسير زيادة عما هو بصدد إقرائه مثل درس السعد على "التلخيص".
ثم عدنا إلى السمر، وتناولنا أطراف البحث في مسائل، منها: مسألة اشتراط الولي لعقد نكاح المرأة، فأفادنا الشيخ محمد بن مصطفى خوجة: أن أبا يوسف، ومحمد بن الحسن يقولان باشتراط الولي، وهو قول عامة الفقهاء، وأسند ذلك إلى "عقود الجواهر المنيفة"، ثم مال بنا الكلام إلى أن
стр. 5251
الواجب على العلماء أن يسعوا في بيان أحكام الشريعة، وبث تعاليمها في صدور الناس، وإن لم يسألوا عن ذلك.
فنقل لنا ذلك الشيخ عن ابن العربي ما يؤيد هذا، وهو أن المسائل الدينية يجب على العالم تعليمها، ولو بدون سؤال، بخلاف غيرها، فلا يطالب بتعليمها إلا عند السؤال.
وأخذ الجماعة في استحسان السفر، وييان فوائد الرحلة، فقلنا: تأييد ذلك: أن ابن العربي بعد أن حقق إباحة الاستياك للصائم بالنقل عن القاضي سيف الدين في كتاب "العارضة" قال: ويوم حصلت هذه المسألة، قلت: الحمد لله الذي أفادني هذه في الرحلة، وعلمت أني لو لم أحصل غيرها، لكفتني.
وقال في "الأحكام" عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: اختلف علماؤنا في راكب البحر، هل حكمه حكم الصحيح، أو الحامل؟ فقال ابن قاسم: حكمه حكم الصحيح، وقال الأشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر، وابن القاسم لم يركب البحر، ولو عاين ما يشاهده المسافر فيه، لكان رأيه كرأي أشهب.
والتقينا بالفاضل البارع السيد يوسف بن سماية، فوقفنا معه موقف التسليم والوداع أمداً لم يتجاوز ٢٠ دقيقة، وقد لاح لنا على خطاباته ملاطفة جميلة تشف عن جودة فكرة، وحلاوة في الأخلاق.
استطلع رأينا في تفسير قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥﴾ على معنى: ابتدئ فيه نزول القرآن، فقلنا: ذلك التفسير صحيح، ونسبه المفسرون إلى ابن إسحاق، والأحاديث الدالّة على
стр. 5252
إنزال القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وإن كانت صحيحة، لا يتعين حمل الآية على معناها.
ودفعتنا المناسبة إلى الكلام على العمل بالحديث الضعيف، فقلنا: قال الفقهاء: إن الحديث الضعيف لا يعمل به في أحكام الحلال والحرام مطلقاً، ويعمل به في فضائل الأعمال بثلاثة شروط: أن لا يكون شديد الضعف، ولا يعتقد العامة نبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله، وأن يتدرج بمعناه تحت قاعدة كلية من قواعد الشريعة.
وذهب أبو بكر بن العربي إلى أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقاً. وسامرنا بدكان السيد علي بن الحداد الشيخ مصطفى بن الطالب أحد علماء تلمسان، والمتولي خطة الفتوى بصور الغزلان (١)، وكان له ميل شديد إلى المباحثات العلمية، ويحب التطلع على علل المسائل، وربما هجم على إبداء ما يلوح له من ذلك.
حاول في أثناء المذاكرة أن يفرق بين الكفارة والحدِّ في عرف الشريعة؛ بأن الكفارة تستعمل في عقوبة ما هو حق لله، والحد يطلق على عقوبة ما فيه حق لمخلوق، فنازعه بعض المحاضرين بأن عقوبة الزنى تقع على ما هو حق لله، وتسمى حداً، فقلنا: إن كثيراً من الفقهاء يطلقون القول بأن الحق في الزنى لله، ويبنون على هذا: أنه إن تاب، برئت ذمته، والتحقيق أن لأقارب المرأة المزني بها في ذلك حق أيضاً؛ لما يلحقهم من العار وهتك الحرمة، وذلك مما لا تغفره التوبة، كسائر الحقوق المتعلقة بالمخلوقين، والأمثل أن يقال: إن الحدود تستعمل في العقوبات الخالصة، والكفارة يغلب إطلاقها
стр. 5253
على الطاعات التي تقع في مقابلة جناية.
وانجر بنا البحث إلى مسألة تقديم الكفارة على الحنث، وذكر الخلاف في إجزائها، فقلنا: ذهب أبو حنيفة إلى أن سبب الكفارة هو الحنث، وعليه فلا يجزي التكفير قبله، ورأى أن الكفارة بدل عن البر، فلزم أن يكون موضعها عدم المبدل منه، وذهب مالك إلى أن سبب الكفارة هو اليمين، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
فإن المعاني إنما تضاف إلى أسبابها، وعليه، فيجزي التكفير، ولا يلزم عليه تقدم الحكم على شرطه؛ لأن الحنث إنما هو شرط في انحتام الكفارة من غير تخيير، لا شرط في أصل وجوبها، وحدثنا الشيخ مصطفى المذكور: أنه كان قرر درساً بمحضر بعض الإفرنج، وقال في خلاله: إن العرب هم سكان الحاضرة وإن كانوا أعاجم، والأعراب هم سكان البادية، وإن لم يكونوا من العرب، فعارضه بعض الحاضرين بأن المتعارف: أن العرب اسم الجيل المخصوص، سواء سكنوا البادية، أو الحاضرة، والأعراب اسم لمن يسكن البادية من ذلك الجيل، فطالعنا وقتئذ بعض كتب في اللغة، فعثرنا فيها على شبهة فيما قرره الشيخ في "المصباح": وأما الأعراب -بالفتح-، فأهل البدو من العرب، الواحد أعرابي، وزاد الأزهري فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين وظعن بظعنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء، وذكر حديث: "أحب العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي".
فقال الشيخ مصطفى: هذا الحديث تكلم فيه. بيان ما أشار إليه: أن
стр. 5254
الحديث رواه البيهقي في "الشعب"، والحاكم في "المستدرك"، والطبراني في "معجمه"، وكلهم من طريق يحيى بن بريد، وهو ممن يروي المقلوبات، وضعفه أحمد وغيره، وتابع يحمى على رواية هذا الحديث محمد بن الفضل ابن عطية، ومحمد بن الفضل متفق على ضعفه واتهامه بالكذب، فلا يصح للمتابعات، ولكن للحديث شاهد رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" من رواية شبل بن العلا عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "أنا عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي". وهذا الحديث ضعيف فقط، لا صحيح، ولا موضوع، ولا يثبت به أن كلام أهل الجنة عربي؛ إذ الأحاديث الضعيفة لا يكتفي بها في العلميات.
وزرنا المكتبة العمومية، فرأينا فيها عدة من الكتب الغريبة، مثل: "القبس على موطأ مالك بن أنس"، "وترتيب المسالك على موطأ مالك"، هجت أسفاً على أني لم أتمكن من زيارتها إلا في آخر يوم من أيام إقامتنا، حتى إني لم أستوف مطالعة أنموذج الكتب بتمامه (١).