← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

الواجب على العلماء أن يسعوا في بيان أحكام الشريعة، وبث تعاليمها في صدور الناس، وإن لم يسألوا عن ذلك. فنقل لنا ذلك الشيخ عن ابن العربي ما يؤيد هذا، وهو أن المسائل الدينية يجب على العالم تعليمها، ولو بدون سؤال، بخلاف غيرها، فلا يطالب بتعليمها إلا عند السؤال. وأخذ الجماعة في استحسان السفر، وييان فوائد الرحلة، فقلنا: تأييد ذلك: أن ابن العربي بعد أن حقق إباحة الاستياك للصائم بالنقل عن القاضي سيف الدين في كتاب "العارضة" قال: ويوم حصلت هذه المسألة، قلت: الحمد لله الذي أفادني هذه في الرحلة، وعلمت أني لو لم أحصل غيرها، لكفتني. وقال في "الأحكام" عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ [الأعراف: ١٨٩]: اختلف علماؤنا في راكب البحر، هل حكمه حكم الصحيح، أو الحامل؟ فقال ابن قاسم: حكمه حكم الصحيح، وقال الأشهب: حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر، وابن القاسم لم يركب البحر، ولو عاين ما يشاهده المسافر فيه، لكان رأيه كرأي أشهب. والتقينا بالفاضل البارع السيد يوسف بن سماية، فوقفنا معه موقف التسليم والوداع أمداً لم يتجاوز ٢٠ دقيقة، وقد لاح لنا على خطاباته ملاطفة جميلة تشف عن جودة فكرة، وحلاوة في الأخلاق. استطلع رأينا في تفسير قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥﴾ على معنى: ابتدئ فيه نزول القرآن، فقلنا: ذلك التفسير صحيح، ونسبه المفسرون إلى ابن إسحاق، والأحاديث الدالّة على

стр. 5252

إنزال القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وإن كانت صحيحة، لا يتعين حمل الآية على معناها. ودفعتنا المناسبة إلى الكلام على العمل بالحديث الضعيف، فقلنا: قال الفقهاء: إن الحديث الضعيف لا يعمل به في أحكام الحلال والحرام مطلقاً، ويعمل به في فضائل الأعمال بثلاثة شروط: أن لا يكون شديد الضعف، ولا يعتقد العامة نبوته؛ لئلا ينسب إلى النبي ﷺ ما لم يقله، وأن يتدرج بمعناه تحت قاعدة كلية من قواعد الشريعة. وذهب أبو بكر بن العربي إلى أن الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقاً. وسامرنا بدكان السيد علي بن الحداد الشيخ مصطفى بن الطالب أحد علماء تلمسان، والمتولي خطة الفتوى بصور الغزلان (١)، وكان له ميل شديد إلى المباحثات العلمية، ويحب التطلع على علل المسائل، وربما هجم على إبداء ما يلوح له من ذلك. حاول في أثناء المذاكرة أن يفرق بين الكفارة والحدِّ في عرف الشريعة؛ بأن الكفارة تستعمل في عقوبة ما هو حق لله، والحد يطلق على عقوبة ما فيه حق لمخلوق، فنازعه بعض المحاضرين بأن عقوبة الزنى تقع على ما هو حق لله، وتسمى حداً، فقلنا: إن كثيراً من الفقهاء يطلقون القول بأن الحق في الزنى لله، ويبنون على هذا: أنه إن تاب، برئت ذمته، والتحقيق أن لأقارب المرأة المزني بها في ذلك حق أيضاً؛ لما يلحقهم من العار وهتك الحرمة، وذلك مما لا تغفره التوبة، كسائر الحقوق المتعلقة بالمخلوقين، والأمثل أن يقال: إن الحدود تستعمل في العقوبات الخالصة، والكفارة يغلب إطلاقها

стр. 5253

على الطاعات التي تقع في مقابلة جناية. وانجر بنا البحث إلى مسألة تقديم الكفارة على الحنث، وذكر الخلاف في إجزائها، فقلنا: ذهب أبو حنيفة إلى أن سبب الكفارة هو الحنث، وعليه فلا يجزي التكفير قبله، ورأى أن الكفارة بدل عن البر، فلزم أن يكون موضعها عدم المبدل منه، وذهب مالك إلى أن سبب الكفارة هو اليمين، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]. فإن المعاني إنما تضاف إلى أسبابها، وعليه، فيجزي التكفير، ولا يلزم عليه تقدم الحكم على شرطه؛ لأن الحنث إنما هو شرط في انحتام الكفارة من غير تخيير، لا شرط في أصل وجوبها، وحدثنا الشيخ مصطفى المذكور: أنه كان قرر درساً بمحضر بعض الإفرنج، وقال في خلاله: إن العرب هم سكان الحاضرة وإن كانوا أعاجم، والأعراب هم سكان البادية، وإن لم يكونوا من العرب، فعارضه بعض الحاضرين بأن المتعارف: أن العرب اسم الجيل المخصوص، سواء سكنوا البادية، أو الحاضرة، والأعراب اسم لمن يسكن البادية من ذلك الجيل، فطالعنا وقتئذ بعض كتب في اللغة، فعثرنا فيها على شبهة فيما قرره الشيخ في "المصباح": وأما الأعراب -بالفتح-، فأهل البدو من العرب، الواحد أعرابي، وزاد الأزهري فقال: سواء كان من العرب، أو من مواليهم، قال: فمن نزل البادية، وجاور البادين وظعن بظعنهم، فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب، فهم عرب، وإن لم يكونوا فصحاء، وذكر حديث: "أحب العرب لثلاث: لأني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي". فقال الشيخ مصطفى: هذا الحديث تكلم فيه. بيان ما أشار إليه: أن

стр. 5254

الحديث رواه البيهقي في "الشعب"، والحاكم في "المستدرك"، والطبراني في "معجمه"، وكلهم من طريق يحيى بن بريد، وهو ممن يروي المقلوبات، وضعفه أحمد وغيره، وتابع يحمى على رواية هذا الحديث محمد بن الفضل ابن عطية، ومحمد بن الفضل متفق على ضعفه واتهامه بالكذب، فلا يصح للمتابعات، ولكن للحديث شاهد رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" من رواية شبل بن العلا عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة، مرفوعاً: "أنا عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي". وهذا الحديث ضعيف فقط، لا صحيح، ولا موضوع، ولا يثبت به أن كلام أهل الجنة عربي؛ إذ الأحاديث الضعيفة لا يكتفي بها في العلميات. وزرنا المكتبة العمومية، فرأينا فيها عدة من الكتب الغريبة، مثل: "القبس على موطأ مالك بن أنس"، "وترتيب المسالك على موطأ مالك"، هجت أسفاً على أني لم أتمكن من زيارتها إلا في آخر يوم من أيام إقامتنا، حتى إني لم أستوف مطالعة أنموذج الكتب بتمامه (١).

стр. 5255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5256

خلاصة الرّحلة الشرقية (١) اقترح عليّ جماعة من الفضلاء أن أحرر خلاصة في آثار رحلتنا الشرقية، فعطفت عنان القلم لمساعفة اقتراحهم، بعد أن رسمت له الوجهة العلمية والأدبية سبيلاً لا يحيد عن السير في مناكبها، ولئن لم يلتقط الناظر منها درة علمية فائقة، فإنها لا تخلو من أن تنبسط له بملحة أدبية رائقة، وإليك التحرير: سنح لي باعث على الرحلة إلى بلاد الشام، وهو زيارة الأهل؛ وفاء بحق صلة الرحم، فامتطيت الباخرة يوم الخميس الرابع من شعبان سنة ١٣٣٠ هـ، وعندما أقلعت من مرساها، وأخذت المباني التونسية تتوارى عن أبصارنا، أخذ الحنو إلى الوطن يتزايد، وحرّ الأسف لمفارقة الأصحاب يتصاعد، حتى أصغيت إلى نفسي وهي تخاطب رائد السفينة بقولها: حادي سفينتنا اطْرَحْ من حمولتها ... زاد الوقود فما في طرحه خطر وخذْ إذا خمدت أنفاس مِرْجَلها ... من لوعة البين مقباساً فتستعر

стр. 5257

وإني لأدرك في مثل هذا الموطن دقة نظر إمام الحرمين حين قيل له: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور بقوله: لأن فيه فراق الأحبة. * الوصول إلى مالطة: رست الباخرة على جزيرة "مالطة" عند مغرب يوم الجمعة، ولم نر من فائدة في نزولنا والليل قد ضرب أطنابه، قضينا ليلتنا على متن البحر، وانحدرنا صباحاً إلى المدينة التي هي مقر حكومتها، وتسمى: "فاليتا" (١)، فتجولنا في مناهجها المتناسقة، وشهدنا من خطاباتهم كيف تنحط العربية، وتندرس أطلال فصاحتها بين الأمة التي تجهل مكانتها، وتزهد في تعاليمها إلى أن تلتحم بأخلاط من لغة أخرى؛ فإن لغة أهل هذه الجزيرة عريية محرفة، وأكثر ما يتخللها قطع من اللغة الطليانية، وإنما انساقت إليها العربية حتى استولى عليها أبو الغرانيق محمد بن الأغلب سنة ٢٥٥ هـ. ويشعرك بانتشار العربية وآدابها بينهم لذلك العهد: ما قصه المؤرخون من أن ملك مالطة صنع له بعض مهندسي بلده تمثال جارية يتعرف بها أوقات الصلاة، وكانت ترمي ببنادق على الصنج "قصاع الآبنوس!، فقال أبو القاسم ابن رمضان المالطي أحدُ شعرائها لعبد الله بن السمنطي المالطي، وكانت له براعة في صناعة الشعر: أجز هذا المصراع: "جارية ترمي الصنج" ... بها القلوب تبتهج فقال له:

стр. 5258

كأن من أحكمها ... إلى السماء قد عرج وطالع الأفلاك عن ... سرّ البروج والدرج ثم عدنا إلى الباخرة حيث أزف رحيلها، وجعلت أنظر إلى زوارقها المزخرفة وهي تحوم حولنا واردة وصادرة، فوقع بصري على زورق يطوف به على جوانب السفينة سائل مقعد، فأراني إحدى رجليه نحيفة ملتوية، فقذفت له مسكوكاً، فالتقطه وهو يقول: بالسلامة بالسلامة. وحيث لم يتعرض لي قبل هذا سائل في زروق قلت: عهدت الذي يسعى على متن زورق ... إلى الرزق يدلي نحوه شرك الصيد وذا قانص في اليمّ يرمي إلى العلا ... حبالة أقوال فتظفر بالقصد * السفينة في مرسى الإسكندرية: بارحنا "مالطة" عند الزوال يوم السبت، واسترسلت السفينة على بحر صامت، ما عدا نسمات لينة تخطر علينا غسق الليل وأطراف النهار، حتى قدمت على مرسى الإسكندرية ضحوة يوم الأربعاء، فنزلنا منزلاً ألقينا فيه رحلنا، وبعد أن طفئت حرارة الهاجرة، خرجت صحبة رفيق يعرف شعاب المدينة، إلى أن وافينا باب مسجد، فجزته لأداء صلاة الظهر، وإثر ما قضيت الصلاة، جلس إمام المسجد مستنداً إلى أسطوانة، ودنا له طائفة من الناس، فقرأ لهم نبذة من كتاب "الشفا" العياض، مع بعض بيانات تدل على أنه ذو حظ من علوم الدين، ثم حان وقت العصر، وبعد أن انصرف من صلاتها، ألقى عليّ السلام متعرفاً لأثري، وعرض عليّ المبيت بمنزله في طرف البلد، فاعتذرت له بقصر مدة الإقامة، وقصد الاستطلاع على مناظر البلد ومعاهدها العلمية.

стр. 5259

امتطيت عربة أتت بنا على مكتبتها القائمة لإزاء إدارة البلدية، فطالعت صحائف متفرقة من نموذج كتبها، ولم يقع بصري فيما طالعته على كتاب نادر يستحق أن نذكره، ثم اجتزنا إلى متحف يقال له: "عمود السواري" يحتوي على تماثيل عتيقة، وعلى عمود قائم ذكر لنا الدليل المكلف باستطلاع الغرباء على المتحف أن ارتفاعه يبلغ ستًا وأربعين ذراعاً، وذكر المقريزي في "الخطط": أن ارتفاعه سبعون ذراعاً، وقال المقريزي أيضاً: ويذكر أن هذا العمود من جملة أعمدة كانت تحمل رواق أرسطاطاليس الذي كان يدرس به الحكمة. وقصدنا لزيارة مقام الشيخ الأبوصيري، ثم مقام أستاذه أبي العباس المرسي، ويتجمع حول هذين المقامين عدد وافر من الطائفة الظاهرة في زي المجاذيب. التقينا بالسيد حسن بن عياد من أهالي "جربة" القاطنين بتلك المدينة، وذهب بنا إلى ناد حافل يقال له: "المنشية" فقضينا به جانباً من الليل في أسمار مؤنسة، واستطلاع على مجامع متنوعة، وهيئات من الملابس المختلفة؛ فإن هذا النادي يأوي إليه السائحون من بلاد الشرق، ولا تتجافى عنه الطبقة العالية من الأهالي، ومما يذود عن جفنك الكرى هنا: أن باعة الجرائد يخترقون الصفوف والمجامع، وهم يصرخون بأسمائها، وأيدي القوم تتلقفها واحدة عقب واحدة. * رسالة "الدعوة إلى الإصلاح ": وأبثّ الأسف هنا حيث لم يتمهد لنا التعارف بفضيلة العالم الأستاذ الشيخ السيد عبد الفتاح المكاوي أحد العلماء بمشيخة الإسكندرية قبل مقدمي

стр. 5260

هذا، حتى أحظى بسعادة لقائه؛ فإنه بعث لي رسالة بعد، وأنا حينئذ بدمشق، خاطبني فيها على أن أوجه له بنسخة من رسالتنا: "الدعوة إلى الإصلاح"، فما لبثت أن قدمتها لفضيلته بواسطة البريد، فطالعها بعين الكرم، وتفضل -حفظه الله- بالكتاب الذي قصرت اليراعة أن تبسط باعها بما يستوجبه من الشكر، ونصه بعد الديباجة: "فقد تلقيت خطابك السامي، ورسالتك الداعية إلى الإصلاح والخير والفلاح، وبمطالعتها علمت أن الإسلام لم يعدم أنصاراً، ولم يزل للإرشاد دعامة هي الخير الدعامات، قلتَ فبرهنت، ودعوت فسددت، وأحييت سنّة الخلفاء والمصلحين، فربطت بهذا آخر العالم الإسلامي بأوله، ولا يسعني إلا تهنئة الحاضرة التونسية بك، بل الأقطار الإفريقية، بل الممالك الشرقية، وإني وايم الله! لقد امتلأ قلبي سروراً، وأفعم فرحاً من تعاليم جامع الزيتونة؛ حيث انتخبت مفكراً وعالماً دينياً بصيراً مثلك، ولقد ضاقت عليَّ سبل الشكران، أأشكرك على ما قدمته للإسلام والمسلمين من براهينك الساطعة، وحججك الدامغة؟ أم أشكرك على ما أهديته للحركة الفكرية العصرية مما تلقته البصائر بالإجلال والإعظام؟ أو على عنايتك الكبرى بتبديد الخرافات التي علقت بأفئدة سواد كثير من المسلمين؟ أو على شجاعتك المتناهية في إزالة سحب الجهالات التي أخرتنا إلى الوراء أميالاً ليست بقليلة؟ أو أشكرك على إهدائك لي ما أعده ذكراً حسناً، وأثراً خالداً؟ ". * الطريق إلى القاهرة: باكرنا يوم الخميس إلى القطار المصري، فانطلق يهرع ما بين أشجار وأنهار، ومزارع وقرى، منها: دمنهور، وطنطا، وبنها العسل. وأسماء الأماكن

стр. 5261

التي يقف عندها القطار مرسومة بالقلم العربي، وباعة الصحف والمتكففون يلجون عربات الرتل، ويتحولون فيها المسافة البعيدة مجاناً. * زيارة مساجد ومعاهد القاهرة: وصلنا إلى مصر، وتبوأت بيتاً في قصر يسمّى: "الكلوب المصري"، ثم هويت من المنزل يرافقني السيد محمد القديدي القيرواني، ودرجنا إلى مسجد سيدنا الحسين ﵁، وفيه منفذ للمكان الذي اشتهر أنه مشهد رأسه الشريف، ورأيت زوّار هذا المسجد وزائراته كيف يزدحمون على بابه ما بين وارد وصادر، وللعلماء بالروايات مقال في هذا المشهد الحافل، فإن منهم من يقول: إن مدفن رأس الحسين ﵁ بعسقلان (١)، ولعلنا نقص أثر هذا المطلب في مقام آخر. ثم توجهت إلى زيارة المعهد العلمي الشهير بالأزهر، ولما وافيته، نهض لي زمرة من التلامذة تونسيون وجزائريون، وكان بعضهم ممن تقدم له الحضور بالدروس التي نلقيها بالمعهد الزيتوني، فطافوا بنا في زوايا الجامع وحواشيه، ثم جلسنا برواق المغاربة مدة وجيزة، وأزمعت على الإياب تخلصاً من متاعب السفر، فالتمسوا مني العودة لزيارتهم مساء. وجنح بنا السبيل إلى منزل صديقنا السيد الشريف بن حمودة، فلما وقع بصره على رؤيتنا، انطلق لسانه بعبارات الترحاب والإعجاب، فلبثنا لديه ساعة أنس خففت عنا معظم ما مسنا من النصب، ثم آويت إلى محل الإقامة. اكتفيت بحظ من الراحة يسير، وانصرفت لإنجاز الموعد الذي أخذه

стр. 5262

مني التلامذة، فقضينا أمداً في محاورة علمية بحسب ما تجذب إليه المناسبة، ثم ذهبنا نتجول في المناهج والأسواق، ومن رفقائنا: الشيخ محمد الصالح الشواشي، والسيد محمود بن رشيد التونسي، حيث برزنا إلى جسر ممدود على وادي النيل، وعبرناه إلى حديقة ناضرة، فذكرت قول صلاح الدين الصفدي: رأيت في أرض مصر مذ حللت بها ... عجائباً ما رآها الناس في جيلِ تسودّ في عيني الدنيا فلم أرها ... تبيضّ إلا إذا ما كنت في النيل وقلت: عبرت على جسرٍ أرى النيل تحته ... إلى روضة فاشتقت منْهَلَ زغوانِ (١) صراط وفردوس وسلسال كوثرٍ ... وما قيظُ أشواقي سوى وهج نيرانِ * صلاة الجمعة بالأزهر: شهدت صلاة الجمعة بالجامع الأزهر، والخطيب من أبناء الشيخ السقا صاحب الخطب الشهيرة، فكان موضوع الخطبة: فضل ليلة النصف من شعبان، ولكنه ألقاها بصوت جهير في هيئة مرتجل دون أن يمسك في يده ورقة، وحينما شرع في دعاء الخطبة الثانية، أخذ ينزل من موقفه الأعلى، فانتهى من الدعاء عند الدرجة السفلى من المنبر. أجبنا دعوة الشيخ محمد عبان القيرواني، وناولنا كؤوساً من الشاهي، وهو يلتمس العذر؛ كأنه يعد نفسه مقصراً في الضيافة، فأنشدته قول الصاحب ابن عباد:

стр. 5263

نسائلكم هل من قرى لنزيلكم ... بملء جفون لا بملء جفان * مسامرات علمية: التقينا مساء هذا اليوم بأساتذة أزهريين، أحدهم: الشيخ الزنتاتي من طرابلس الغرب، وأتى في المذاكرة الحديث عن الشيخ ابن عرفة، فقال ذلك الأستاذ: إن الفخر به لأهل طرابلس؛ لأن قبيلة الشيخ لذلك العهد كانت من ملحقات طرابلس، فقلت له: إنما يعود فخره إلى التونسيين؛ لأن نشأته الأدبية وحياته العلمية إنما كانت في تونس. * الصلاعة: وجرى في المحادثة لفظة: "صلاعة" على معنى: الاستراحة من التعليم، فقلنا: هي كلمة في أصلها عربية، قال في "القاموس": صِلاع الشمس؛ ككتاب: حرّها. وأيام الاستراحة هي أوقات الحَرّ غالباً. والكلمة الشائعة في معنى الاستراحة من التعليم عند كثير من أهل الجزائر، ولا سيما المتخرجين من المدارس هي لفظ: "فكّانس"، وهي حرف فرنسوي. * إنا أنزلناه في ليلة مباركة: دعانا الشيخ إبراهيم صمادح أحد المجاورين بالأزهر للسمر عنده ليلة يوم السبت، فقضينا نصف هذه الليلة في أسمار علمية، ومحاورات أدبية، ممن جاذبنا أطرافها: الشيخ أحمد أمين الشنقيطي أحد العلماء الذين تجولوا في بلاد الشام والحجاز، والشيخ عبد المعطي السقا أحد المدرسين بالأزهر. وفيما طرح من المباحث بمناسبة خطبة ذلك اليوم: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]. حيث ساق بعض الخطباء الآية في فضائل ليلة النصف من شعبان كما

стр. 5264

ينقله بعض المفسرين عن عكرمة، وأوردنا في هذه المذاكرة إنكار أبي بكر ابن العربي لهذا التفسير، وتحقيقه: أن المراد من الليلة المباركة: ليلة القدر، وهي التي يفرق فيها كل أمر حكيم. واتصل الكلام بالبحث في البدعة، وسقنا تحرير أبي إسحاق الشاطبي في ضابطها، وهو أن يكون السبب الذي استند إليه العامل قائماً زمن شرع الأحكام، ويسكت عنه الشرع، ولا يقرر له حكماً. ويصح أن يضرب المثل لهذا بصلاة الرغائب، فقد ألف الشيخ عز الدين بن عبد السلام رسالة وضح فيها أنها بدعة. وهذا مما لا تدخله الريبة؛ فإنه إذا ثبت أن الحديث الذي يروي في شأنها موضوع، كما حقق ذلك أبو الفرج بن الجوزي، انطبق عليها أنها عمل لم يحدث له موجب، ولا ورد فيه أثر عن صاحب الشريعة، وهذا بخلاف ما يكون السبب الموجب له طارئاً بعد زمن الوحي؛ كتدوين علم العربية، وجمع القرآن في المصاحف. * درس في التفسير: سايرني بعد أن انتثر عقد المجلس بعض التلامذة، واقترحوا عليّ إقراء درس من التفسير، وحكوا أن لغيرهم من أهل العلم حرصاً أكيداً على هذا الاقتراح، فبسطت إليهم بمعذرة أني قد ربطت العزم على الرحيل صبيحة يوم الأحد، فقالوا: يمكن أن نعيِّن لميقات الدرس عشية غد، ونكتفي بالمقدار الذي يتيسر جمعه وبيانه، والغرض إنما هو المحافظة على سنّة الكثير من أهل العلم حيث يمرون بالأزهر، فما وسعني إلا أن ساعدت مرغويهم، فأحضروا "تفسير القاضي البيضاوي"، ووقع الاختيار على أن يكون موضوع الدرس: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] إلى آخر الآية.

стр. 5265

افتكرت في المنهج الذي نتبعه في تحرير الدرس، فسبق لي استحسان إبرازه في الأسلوب المتعارف في جامع الزيتونة، فلا أسلّ يدي من تقرير ما يناسب من مباحث عربية أو أصولية، أو أحكام فرعية؛ لأن المقترحين للدرس أزهريون. أتينا صباح يوم السبت على المسجد الذي ابتدعه عبد الرحمن بن الشيخ عليش ﵀ وشاهدنا بأعيننا ما رسمه في أعلى مفتحه بالقلمين الأفرنجي والعربي، وأنكره عليه علماء الإسلام. ثم مضينا للوفاء بموعد الشيخ عبد المعطي السقا، فجاز بنا إلى داخل منزله، وأهداني كتاباً حافلاً ألَّفه فضيلة جده المنعم في فضل عمارة المساجد، وللشيخ عبد المعطي عناية كبرى بالفحص عن التآليف النادرة، والسعي الحثيث في تحصيل ما نشرته المطابع في البلاد القاصية. وقد تفضل عليّ بردّ الزيارة، فاتفق أن كنت في خارج المنزل، فكتب بطاقة يشعرني فيها بزيارته، ويتأسف لعدم الملاقاة، وأودعها لدى ناظر "الكلوب". * تعليم الصبيان: ذهبت إلى الجامع الأزهر لأذان العصر، وانتدبت للتحية مكاناً بين مجمعين لتعليم القرآن، فانشق صدري أسفاً لأحد المعلمين؛ إذ كان لا يضع العصا من يده، ولا يفتر أن يقرع بها جنوب الأطفال وظهورهم بما ملكت يده من القوة، وربما قفز الصبي آبقاً من وجع الضرب الذي لا يستطيع له صبراً، فيثب في أثره بخطوات سريعة، ويجلده بالمقرعة جلداً قاسياً، حتى قلت لأزهري كان بجني: من جلس إزاء هذه المزعجات، فقد ظلم نفسه. وذكرت أني كنت ألقيت خطبة في أدب تعليم الصبيان ببلد بنزرت (١) حالما كنت

стр. 5266

قاضياً بها، وأدرجت فيها ما قرره صاحب "المدخل" من الرفق بالصبي، وعدم زيادة المعلم إن اضطر إلى ضربه على ثلاثة أسواط، وتحذيره من اتخاذ آلة للضرب مثل عصا اللوز اليابس، والفلقة. ولما خطبت في هذه الآداب، أرسل لي بعض المعلمين كتاباً على طريق البريد يعترض فيه على نشر هذه الآداب، ويقول: إن هذا مما ينبه قلوب التلامذة للجسارة علينا. وكان أمامي في هذه الجلسة تلميذان يتفاهمان كتاباً في العربية يطالعانه، بمقربة منهم تلميذ ثالث، حتى أتيا على قول الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . ... على أن فاها كالسلافة أو أحلى فقال أحد التلميذين: السلافة: الخمر، فقال له ذلك التلميذ الذي هو بمعزل عنهما: السلافة: حيوان، فأعاد عليه الأول القول بأنها الخمر، وكرر الآخر القول بأنها حيوان، فقال له صاحبه منبهاً له على وجه خطئه: "أو أحلى، أو أحلى! "، فرجع وقال: السلافة شيء ضيق، قال هذا ليلائم تشبيه الفم بها، وأظنه اشتبه عليه أولاً لفظ السلافة بالسلحفاة. * إلقاء درس في التفسير: سبق في ظني أن مقترحي الدرس قصدوا أن يكون إقراؤه برواق المغاربة، فانصرفت بعد صلاة العصر متوجهًا لذلك الرواق، فأنبؤوني بأنهم اختاروا أن يكون بوسط الجامع، وعرضوا عليّ منصة بعض الأساتذة، فلم يسعني إلا أن أجلس حيث عزموا. أقبلت قبل الشروع في تقرير الدرس على تلميذ أعرفه بحفظ القرآن، وصرفِ الهمة في تجويده، واقترحت عليه أن يجهر بتلاوة الآية؛ ليسمعها الحاضرون، فمنعه الحياء، وتقدم تلميذ آخر، فرفع بها قراءته، ورتلها ترتيلاً.

стр. 5267

ونودع في هذه الخلاصة جملة من المباحث التي أوردناها في تفسير الآية، عسى أن تكون أنظار بعض القارئين قد طمحت إلى الإلمام بمقاصدها. قررنا في فاتحة الدرس قول الشيخ ابن عرفة: "من الناس من ينظر في وجه المناسبة بين الآية وما قبلها؛ كابن الخطيب، ومنهم من لا يلتزمه في كل آية؛ كالزمخشري، وابن عطية، ومنهم من يمنع النظر في ذلك، ويحرمّه؛ لئلا يعتقد أن المناسبة من إعجاز القرآن، فإذا لم تظهر المناسبة للناظر، وهم في دينه، ووقع له خلل في معتقده"، وعلقنا عليه: أن هذا الاختلاف إنما يقع لهم في الآيات التي لم تقترن بنحو حرف العطف؛ إذ يمكن الاكتفاء في بعضها بأن اتصال الآية بما قبلها معتبر فيه الترتيب بينهما في النزول الوارد على حسب الوقائع والحاجات، أما إذا اتصل بها حرف الوصل، كهذه الآية، فتطلُّب المناسبة متعين؛ لأن رعايتها حينئذ داخلة في حقيقة البلاغة التي هي الركن الأعظم في الإعجاز. ثم أتينا على عقد المناسبة بين هذه الآية وما قبلها. ثم انتقلنا إلى بيان قول القاضي في تفسير الآية: "لا يستقيم للمؤمنين أن ينفروا جميعاً لنحو غزو، أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يتثبطوا جميعاً؛ فإنه يخل بأمر المعاش". والبيان: أما خطر انصراف الناس قاطبة إلى اجتناء ثمر العلوم، وإخلاله بمطالب حياتهم، فلأن الإنسان يفتقر في تحصيل معاشه ووسائل بقائه إلى مساعدة أبناء جنسه، ولا يستطيع أحد أن يقوم بها وحده، وإن بلغ أشدّه في استقامة البنية، وسعة الفكر، فإذا نفر الشعب بحذافرهم، وولوا وجوههم شطر الارتواء من العلم، ضاعت واجبات اجتماعهم، وانتقضت عليهم قواعد العمران من زراعة وصناعة وتجارة.

стр. 5268

وأما تخلفهم جميعاً، وقعودهم عن الرحلة في طلب العلم، فإنه يخل بنظام العيش من جهة أن جهل القبيلة بما أرشدت إليه الشريعة من العقائد والأخلاق، وخلوّها عما فصّلته من قوانين الاجتماع وضروب السياسات، يفضي إلى انتشار المفاسد، واشتعال نار الفتن مثلما كانت عليه حال العرب في جاهليتها، ولا تخالجنا الريبة في هذه الحقيقة، متى شاهدنا انتظام شؤون العمران، وتوفر أسباب الراحة لدى بعض الأمم العارية عن الصبغة الدينية، فإنها ما وصلت إلى تلك التراتيب التي ضربت بها أطناب الأمن والسكينة، إلا بعد أن فتحت أعينها في نظامات الشرائع السماوية، أو اقتدت على آثار الأمم المتدينة. وفضائل العبادات أيضاً لها مدخل في انتظام العيش بمعنى: قرار النفس، ورضاها عما سخر الله لها من العيش، وهذا يعتبره الإنسان من نفسه متى نظر إلى حالته، وهو ملتفت بقلبه إلى زخارف الدنيا، وقاسها بحالته إذا أقبل بسريرته على ما يقربه إلى فاطر السموات والأرض؛ فإنه يجد في هذه الحالة من لذة اليقين، وراحة الخاطر ما يكشف له عن كدر كان يمازج قلبه، وحزازة هي أثر القساوة والإعراض بجانبه عن الطاعة، فيرى أن العيش المنتظم على الحقيقة إنما هو عيش الفائزين بهداية الدين علماً وعملاً. وعبر في الآية بالمؤمنين دون الناس؛ لأن الآية مسوقة للحثّ على القيام بعمل، والأعمال إنما يرجى الامتثال فيها من المؤمنين، ولو كان الأمر هنا بواجب من العقائد، لناسبه التعبير بنحو: الناس. وقد قرر بعض المفسرين -فيما أعهده-: أن من عادة القرآن التعبير بمثل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١] إذا كان المخاطب به مما يرجع إلى أصل من أصول الدين، فإذا كان المأمور به

стр. 5269

فرعًا من الفروع، صدر الخطاب بنحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]. أو يقال: إن ذكر المكلفين هنا بوصف الإيمان؛ لمقوية داعيتهم، وإغرائها على العمل بأسلوب لطيف؛ فإن في تسميتهم بالمؤمنين تلويحاً إلى صفة الإيمان بالله من شأنها أن تبعث على حسن الطاعة، والمسارعة إلى امتثال أوامره. وتعرضنا عقب هذا إلى البحث في لفظة: "كافة"، فقررنا أن ابن هشام ذهب في "مغني اللبيب" إلى أنها من الأسماء التي لا تخرج عن النصب على الحال، وخطأ الزمخشري في قوله بخطبة "المفصل": "محيطاً بكافة الأبواب"، وقد صحح الشهاب في "شرح درة الغواص": أنها لا تلزم النصب على الحالية: ومما استشهد به القائلون بانفصالها على الحالية: قول عمر بن الخطاب ﵁:، قد جعلت لآل بني كاهلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مئتي مثقال ذهباً إبريزاً". قال الدماميني: إن صح هذا، سقط القول بملازمتها للنصب على الحالية. وتعليق الدماميني مفارقة "كافة" للحالية على صحة الأثر مما جرى فيه على سنن التحقيق؛ فإن المحرر في الأصول العالية لعلم العربية: أن الكلمة إذا وردت في محل، ولم يسمع استعمالها في غيره، فإنما تطرد في الموضع الذي سمعت فيه، ولا يقاس عليه غيره من المواضع، ومن هذا تخصيصهم: "فل، ولومان، ونومان" بالنداء، ونحو: "قط، وعوض" يختصان بالظرفية، وبنى على هذا الشيخ ابن الحاجب أن لفظة "كل" إذا أضيفت إلى الضمير، لم تستعمل في كلامهم إلا توكيدًا، أو مبتدأ، فيمتنع

стр. 5270

جعلها مفعولاً به، أو فاعلاً. ثم قلنا: ويندرج في التفقه في الدين: تعلم ما يرجع إليه من أحكام وعقائد وأخلاق، وأما إطلاق الفقه على معرفة الفروع خاصة، فعرْفٌ حادث بعد نزول القرآن، فلا يصح تفسير الآية به؛ فإن القرآن أنزل بلسان عربي؛ ليتمكن العرب من فهمه، فينتفعوا بالعلم به في أنفسمهم، ويبلغوه إلى غيرهم من الأمم لعلهم يتذكرون، وهذه الحكمة تستدعي أن يكون الكتاب جارياً في سائر استعمالاته على المعاني المألوفة لهم في موضوعات لسانهم، وأساليب كلامهم، وإذا ألقى إليهم قولاً مجملاً، أو كلمة لم يسبق لهم علم بمدلولها، لم يتمادوا على الجهل بها، وتعلموا بيانها عن رسوله ﷺ . فإذا لم تكن الكلمة معهودة الاستعمال في معنى وقت الوحي، ولم يعينه صاحب الشريعة في بيانها امتنع حملها عليه، وبهذا يظهر عدم صحة ما قاله بعض البيانيين في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ﴾ [الأنبياء: ٢٢] إلخ الآية، من أن استعمال "لو" في الاستدلال بامتناع الفساد على امتناع تعدد الآلهة وارد على قاعدة أهل المعقول، والصحيح ما قاله الشيخ ابن الحاجب من أنه استعمال عربي فصيح، كما لا يستقيم قول بعض الكاتبين على قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]: إن المراد: الشعر الذي هو أحد أقسام القياس، وقد أنكر الشيخ ابن تيمية على من فهم التأويل في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧] على معنى صرف اللفظ عن المعنى الراجح لدليل يقترن به؛ لأنه معنى اصطلح عليه طوائف من المتأخرين، ولم يكن معروفاً للسلف بهذا الوضع، بل مسمّى التأويل في لغة القرآن هو نفس المراد بالكلام من الأمور الموجودة في الخارج.

стр. 5271

ثم قررنا تفاوت العلوم في الشرف، واستطردنا أن الإقبال على العلم أفضل من الاشتغال بالعبادة لوجهين: أحدهما: أن مصلحة العبادة خاصة، ومصلحة التعليم عامة، وما له مصلحة عامة أشرفُ مما مصلحته خاصة. ثانيهما: أن في التعليم درء مفسدة، وفي العبادة جلب مصلحة، ودر المفاسد مقدم على جلب المصالح، ولا سيما ما يدرأ الخلل في الدين، قال ابن جماعة في "كشف المعاني" عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]: المستعاذ به في هذه ثلاث صفات، والمستعاذ منه شيء واحد، وهو الوسوسة، والمستعاذ به في السورة قبلها صفة واحدة، والمستعاذ منه أربعة أشياء؛ لأن المطلوب في سورة الناس: سلامة الدين من الوسوسة القادحة فيه، والمطلوب في سورة الفلق: سلامة النفس والبدن والمال، وسلامة الدين أعظم وأهم، ومضرته أعظم من مضرة الدنيا، فموقع الدين من النفوس شديد، ولهذا كان تأثيرها للاستخفاف بشأنه، أو تحريف بعض حقائقه فوق كل تأثير، وانظروا إلى فرعون لما أراد صرف وجوه القوم عن اتباع موسى ﵇ كيف قدّم لهم التخوف منه على تبديل دينهم، فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر: ٢٦]. هذا في دين يفتضح صاحبه لأول كلمة ترمى لإبطاله، فما بالكم بدين كشف عن صفاء فطرته كتاب حكيم، وخضع لسطوته كل فكر مستقيم. ثم أوردنا -بعد تقرير ما أمرت به الآية من تعلم أحكام الدين- قول العضد في خطبة "المواقف" ناقلاً عن بعض الأئمة: إن المراد من الاختلاف في حديث: "اختلاف أمتي رحمة": اختلاف هممهم في العلوم، فهمّة واحد

стр. 5272

في الفقه، وهمّة آخر في الكلام، كما اختلفت همم أصحاب الحرف؛ ليقوم كل واحد بحرفة، فيتم النظام، وعلقنا عليه: أن الذي يحمل الحديث على هذا المعنى يقصد التباعد من فهم الأثر على معنى: اختلاف الأمة في آرائها، ولا يرضيه أن تدخل الرحمة من ناحية اختلاف الآراء، ولو في الفروع؛ لأن نصوص الشريعة طافحة بالنهي عن الاختلاف بإطلاق، وذوو الاجتهاد مأمورون ببذل الوسع في إزالته، والتلاقي في مذهب واحدة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: ٥٩﴾ إلخ الآية، لكنهم إذا أفرغوا جهدهم في البحث عن الأدلة، وأمعنوا النظر فيها بقصد الوصول إلى ما هو حق، ثم أدركهم العجز عن الاتفاق، فالعذر قائم، وباب العفو مفتوح، والعفو عن هذا الاختلاف وعدم مؤاخذتهم عليه لا يقتضي أن في الخلاف رحمة، وأنه أصلح من الوفاق، وأسعد من تضافر الآراء على مذهب. نقلت قول القاضي: أن في الآية إيماء إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم من العلم: أن يستقيم، ويقيم غيره، وتخلصنا منه إلى أن أعظم درجات الإنسان وأشرفها أن يكون كاملاً في نفسه، ومنبعاً يتدفق منه الصلاح والكمال إلى غيره. ووصلنا هذا بنكتة لطيفة أعهدها لبعض المفسرين عند قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] وهي أنه وقع تشبيه النبي ﷺ بالسراج دون أن يمثله بنحو القمر الذي هو أغزر نوراً؛ لأن القمر يضيء في نفسه، ولا يمكن أن يستمد من ضوئه عدة أجرام تكون مضيئة في نفسها؛ بخلاف السراج، فإنه في ذاته، ويمكن أن يقتبس منه سرج لا يشملها الإحصاء، فالتمثيل به أو فى بالمراد، وأقرب مطابقة لحاله ﵊.

стр. 5273

أتينا هنا على أن المنذر يتعين عليه أن يتحرى في إنذاره؛ بحيث لا يستند فيه إلا إلى علم صحيح من آية، أو حديث ثابت، أو نص من يقتدى به من الأئمة، وخرجنا منه إلى جريمة الحكم بغير ما أنزل الله، وقررنا ما نعهده للرازي في آية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ﴾ [المائدة: ٤٤] وفيما نقلناه من الأجوبة عن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]: أن المشار إليهم بالكفر هنا من حكموا بغير ما أنزل الله معتقدين أن ما قضوا به أوفق بالسداد، وأحفظ للمصالح. وأدرجنا هنا دقيقة للشيخ ابن عرفة، وهي: أن أسلوب الآية أبلغ من أن لو قيل: "ومن حكم بغير ما أنزل الله"؛ فإن هذه العبارة لا تتناول من تقدم إليه الخصمان بقضية، فأهملها، وهو يستطيع فصلها؛ بخلاف الآية؛ فإنها تتناول من حكم في القضية بالباطل، ومن أبي الحكم فيها بما أنزل الله، وسكت، وهو منتصب في مقام الفصل بين الناس. انتقلنا إلى أن للإنذار بالقرآن تأثيراً بالغاً على النفوس؛ بحيث لا يقوم كلام البشر مقامه، وإن ارتقى من البلاغة ذروة سامية. واستطردنا مقالة نفيسة لصاحب "المنهاج"، وهي: أن الله تعالى خصّ القرآن بأنه دعوة وحجة، ولم يكن مثل هذا لنبي قط، إنما كان لكل واحد منهم دعوة، ثم يكون له حجة غيرها، وقد جمعها الله لرسوله ﷺ في القرآن، فهو دعوة بمعانيه، حجة بألفاظه، وقلنا عقب هذا: إن القرآن حجة بمعانيه أيضاً؛ فإن استقامة سائر ما احتوى عليه من القضايا، وانطباقها بجملتها وتفاصيلها على مناهج الحكمة، ورسوم السياسة العادلة، يدل دلالة مثل فلق الصبح على أنه وحي سماوي، وأنه بريء من أن تبتدعه أفكار البشر، وبهذا يمكن للعجم الذين لا يحسنون

стр. 5274

العربية أن يدركوا وجهاً من إعجازه متى نقلت لهم معانيه الأولية بترجمة محررة. ثم قررنا عند قوله: ﴿قَوْمَهُمْ﴾ [النساء: ٩٠]: أن إضافة القوم هنا للعموم، ومعلوم أن الجمع المضاف من صيغ العموم، فتفيد الآية: أنهم ينذرون بما تعلموه من الفقه كل فرد من أفراد قومهم، فيبطل ما يزعمه بعضهم من أن لأهل التصوف أحكاماً خاصة يتلقونها بطريق الباطن. قال أبو إسحاق الشاطبي: لم يشرع الله تعالى إلا ما جاء به النبي ﷺ ، وتلقاه منه الصحابة، ثم العلماء. والتصريح بإبطال أن يكون للعارفين بالله أحكام تخصهم فيه سد لباب الخروج عن تقاليد الشريعة، زيادة على كشفه عن الحقيقة؛ فإن فتح هذا الباب يفضي أن ينبذ كثير من الناس الجادة، بدعوى: أنهم بلغوا درجة الولاية، وأنهم متعبدون بأحكام باطنة، وأهل التصوف الخالص أنفسُهم يصرحون بهذا. قال الإمام الجنيد -حسبما نقله الزركشي في شرح "جمع الجوامع"-: من لم يحفظ القرآن، ويكتب الأحاديث، لن يقتدى به في هذا الأمر؛ لأن علمنا مقيد بالكتاب والسنة. ذكرنا استدلالهم بالآية على أن خبر الآحاد حجة، ثم قلنا: اشتهر بين الأصوليين أن خبر الآحاد حجة في العمليات، وأما المسائل العلمية، فلا يتمسك فيها إلا بقاطع، قال الإمام في "المحصول": إن ورد خبر الآحاد في مسألة علمية، وليس في الأدلة القاطعة ما يعضده، رد، وإلا، قبل. واختار الشيخ ابن عرفة أن المسائل العلمية التي لا ترجع إلى العقائد يكتفى فيها بالأدلة الظنية؛ كخبر الآحاد، وإنما يشترط القطع في العمليات الراجعة إلى العقائد الإيمانية.

стр. 5275

واستطردنا هنا مسألة اعتراض خبر الآحاد لقاعدة كلية، وأوردنا في مساقها ما ذكره أبو بكر بن العربي في تفصيل مذاهب الأئمة الثلاثة، وهو قوله: إذا جاء خبر الآحاد معارضاً لقاعدة من قواعد الشرع، هل يجوز العمل به، أو لا؟ فقال أبو حنيفة: لا يجوز العمل به، وقال الشافعي: يجوز، وتردد مالك في المسألة، ومشهور قوله، والذي عليه المعول: أن الحديث إن عضدته قاعدة أخرى، قال به، وإن كان وحده، تركه؛ كحديث العرايا؛ فإنه صادمته قاعدة الرب، وعاضدته قاعدة المعروف. وأتى بنا سؤال من أحد الحاضرين إلى معنى القاعدة ومأخذها، فقلنا: هي قضية تنتزع من دلائل متفرقة في الشريعة حتى تكون قطعية في نفس من استقرأها من المجتهدين؛ كقاعدة: ارتكاب أخف الضررين، فمن مأخذها قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩] فإن إعابة السفينة ضرر، ولكنه أخف من أخذ الملك لها بسلطة غاصبة، ومن منازعها حديث الأعرابي الذي جعل يبول في المسجد، وزجره بعض الصحابة، فقال لهم النبي ﷺ : "لا تزرموه"؛ فإن بوله في المسجد ضرر، إلا أنه أخف من الضرر الذي ينشأ من إمساكه عن البول قبل فراغه. وجئنا في تفسير: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢﴾ على اختلافهم في حرف الترجي الواقع في كلام الله تعالى؛ فإن منهم من يخرجه على معنى التعليل؛ كما ذكره ابن هشام في "مغني اللبيب"، ومنهم من يصرفه إلى المخاطبين؛ كما نقله صاحب "الإتقان" عن سيبويه؛ حيث قال في معنى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤]: اذهبا على رجائكما وطمعكما. ويجري على هذا كل ما فيه حرف تَرَجٍّ، نحو قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩].

стр. 5276

وكان بعض التلامذة حين شرعت في إقراء الدرس قائمين على أقدامهم من ورائي يوردون أسئلة، ويطالبون إعادة بعض التقارير، وما لبثوا أن انقلبوا إلى السكينة والإصغاء، وكانوا يلهجون عند الاستحسان بكلمة: "كويس" تصغير كيّس. * الاجتماع بأهل العلم والفضل: رافقني بعد انفصالنا عن الدرس طائفة من التلامذة، فمررنا بمنزل كان أحد الجلساء به الأستاذ الشيخ الزنتاني، فوقف موقف التحية، وحدثه أحد الرفقاء بما كنا بصدده من قراءة التفسير، فتوجه لي وقال: قد أحييت سنّة الشيخ ابن عرفة، فذكر له الرفيق: أن الدرس أيضاً يحتوي على مباحث متعددة منقولة عن الشيخ ابن عرفة. تفضل عليّ بالزيارة في هذا المساء السيد شرف أحد الأعيان في عائلة أشراف مكة المحترمة، فمثّل لنا بعلو همته، وسلاسة أخلاقه كيف تكون همم بني هاشم وآدابهم، ثم أخذ بيدي حتى امتطينا عربة سارت بنا لإجابة دعوة السيد الشريف بن حمودة، ولما انقضت المسافة، ضرب كل منا بيده إلى كيسه ليتولى خلاص أجر الركوب عن سائر الجماعة، فكانت يد السيد شرف أسرع في فتح الكيس ومناولة الدراهم لسائق العربة، وأكد علينا أن نرد إلى الأكياس بضائعها، فقال له الشيخ محمد الصالح الشواشي على وجه الدعابة: لا تقسم علينا أيها الشريف متطاولاً، فنحن أشراف أيضاً، فتبسم منبسطاً لهذه الجسارة المشعرة بسلامة الضمير وحريته. وقد تذكرت بهذه المداعبة ما كتبه الشريف الرضي إلى الإمام القادر بالله، وهو:

стр. 5277

عطفاً أمير المؤمنين فإنّنا ... في دوحة العلياء لا نتفرّق ما بيننا يوم الفخار تفاوتٌ ... أبداً كلانا في المعالي مُعرقُ إلا الخلافةَ قلّدتك فإنني ... أنا عاطلٌ منها وأنت مُطَوَّقُ مضى لنا مع الشرف والشريف مجلس أنس يحاكي نسيم الأسحار، إذا جاءت متضمخة بنفحات الأزهار، ولكننا مررنا عند إيابنا بامرأة جالسة بقارعة الطريق، والناس ملتفة حولها وهي تتلو القرآن بصوت رخيم. أخذ مني الأسف مأخذه، لما قدمت على المعهد الأزهري حين طويت منه محاضر الدروس، وبرز أساتذته العظام لقضاء أمد الراحة الصيفية في أماكن الرياضة ومهابِّ النسيم، ولم يتفق لي أن أشاهد محضرة درس بهذا الجامع العظيم، وأنبأني التلامذة بأن سائر دروس الجامع معطلة، ولا يقرأ به في هذه الأيام ولو درساً واحداً. * زيارة بورسعيد: سافرت صباح يوم الأحد إلى (بور سعيد) (١)، ومررنا على جانب من فتحة السويس التي وصلت البحر الأحمر بالبحر الأبيض المتوسط، وحقّ لي عندما بلغت إلى مجمع هذين البحرين أن أذكر بيتين كان العلامة البليغ صاحبنا الشيخ السيد محمد الطاهر بن عاشور (٢) قد أرسلهما إليّ في بطاقة يدعوني بها إلى زيارته حيث حل بحضرته اثنان من أولي العلم والأدب، وهما:

стр. 5278

تألقت الآداب كالبدر في السحر ... وقد لفظ البحران من موجها الدُّرَرْ فما لي أرى منطيقها الآن غائباً ... وفي مجمع البحرين لا يفقد الخَضِرْ شأن القرآن في سرد القصص وضربها أمثلة الاكتفاء بماله مدخل في الموعظة والاعتبار، فتجده -في الغالب- لا يصرح بأسماء الأماكن التي تجري فيها الوقائع؛ كقصة ملاقاة موسى للخضر ﵉؛ فإنه لم يعين المراد بمجمع البحرين؛ حيث لا ينبني على التعيين فائدة في الإرشاد؛ لأن الحكمة من مساق هذه القصة: التذكير بما اشتملت عليه من المحامد والآداب؛ كسفر العالم للازدياد في العلم، وتكبده المشاق في السير له، ولو بعدت المسافة سنين؛ فإن موسى ﵇ يقول: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] , والإيماء إلى أن التوكل: اعتماد القلب على الله، لا في نكث اليد من الأسباب؛ فإنه ﵇ حمل معه الزاد، ودلّ على هذه بقوله: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] إلى غير هذا من الفوائد، ولكن بعض المفسرين كثيراً ما يسردون أقوالاً في أسماء ما جاء مبهماً في القرآن؛ كاختلافهم هنا في المراد من البحرين، فقيل: هو بحر فارس والروم، وقيل: بحر القلزم (١) وبحر الأردن، ومجمع البحرين عند طنجة، أو بإفريقيا، وقيل: هو بحر الأندلس والبحر المحيط، والتعيين في مثل هذا لا يعول عليه إلا إذا جاء به حديث صحيح، ومن العجائب قول بعضهم كما نقله الأبي في "التفسير": إنه يقع في نفسي أن مجمع البحرين هو مجتمع البحر المالح، ووادي مجردة عند الدرسة، وهو الذي يقال له: حرق الجسرين، والصخرة: صخرة أبي ربيعة، والجدار في "المحمدية".

стр. 5279

* الرسوُّ في يافا: امتطينا الباخرة الخديوية مساء هذا اليوم، وتعارفنا فيها بالشيخ عبد القادر ابن الشيخ زاده أحد علماء طرسوس (١)، فأرانا السكينة في أحسن تقويم، وما برحنا نروح الخاطر بمحادثته إلى أن رست الباخرة أمام بلد "يافا"، فغرب عنا بدر فضله بعد أن أعطانا ملء صدورنا أنساً. * جولة قصيرة في حيفا: وصعد إلى الباخرة من بلد "يافا" الفاضلان: السيد المختار بو هاشم التونسي، والشيخ موسى البديري أحدُ المدرسين بجامع القدس، وهو عالم استقى من الأزهر، ثم من مدارس الآستانة، وقد صحبنا صحبة ذي عهد قديم، وجاملنا مجاملة الصديق الحميم. نزلنا رفيقين إلى بلد "حيفا" لما أرست الباخرة تجاهها، وتجولنا يميناً وشمالاً، ثم آوينا إلى جامعها الكبير، ووقفنا على مشكاة يذكرون أن بها شعرات من آثار الحضرة النبوية، ورأينا في هذا الجامع أربع معلقات مقرراً فيها فرائض الصلاة، وسننها، ومستحباتها، ومكروهاتها، ومبطلائها، كل معلقة مرسومة على مذهب إمام من المذاهب الأربعة. لبثنا في "حيفا" مقدار أربع ساعات، ثم ودعت رفقائي الفضلاء: السيد مسعود المحيرصي، وأخاه السيد عثمان، والسيد محمد القديدي، وانقلبنا إلى الباخرة. كنت أسمع كثيراً من الناس يذكرون الصخرة بالقدس، ويعتقدون بأنها

стр. 5280

قائمة في الهواء، ولكن بعض الأمراء بنى حذاءها جداراً ملاصقاً لها؛ ستراً لشأنها العجيب؛ لئلا يفتتن بها الناس، وقد رأيت هذا في بعض الرحلات أيضاً، وفي ظني أنها رحلة خالد بن عيسى البلوي، وطالما يجري بيني وبين من يعتقد صحة هذا مناقشة. ولما نبأني الشيخ موسى أنه يقوم بالتدريس عند فنائها، حادثته بقصتها، فحدثني بأنها موضوعة على بناء راسخ في الأرض، وأن هذه خرافة افتراها بعض الدجالين هناك، ثم أخذ خلفهم يلقونها إلى الواردين البسطاء لغرض واضح. * المرور في بيروت إلى دمشق: بلغنا إلى "بيروت" يوم الأربعاء، وأقمت بها نحو ساعتين، ثم توجهت إلى محطة الرتل، فأخذت في بعض بيوته مقعداً، وسار الرتل متدرجاً من بطاح بيروت إلى جبل لبنان، وكان أحد الجلساء عارفاً بأسماء المواقع، وله ذوق في الأدب، فاستفدت من تعاريفه، حتى انحدرنا على الرياض المتصلة بدمشق، وقد أنشأت في هذا الحال: لجّ القطار بنا والنار تسحبه ... ما بين رائق أشجارٍ وأنهارِ ومن عجائب ما تدريه في سفر ... قوم تقاد إلى الجنات بالنارِ * مع علماء وفضلاء دمشق: وصل القطار إلى مدينة دمشق بعد الساعة العاشرة مساء، وحيث لم أكن على خبرة مفصلة بالمنزل الذي حلته عائلتنا، عمدت إلى بيت في أحد القصور المعدة للغرباء، واسترحت بها بقية سواد الليل، وما انصرفت إلى مسكن العائلة حتى مطلع الفجر. جاء لنا طائفة من فضلاء المدينة وعلمائها بزيارة التسليم، ولاقونا بحفاوة

стр. 5281

بالغة حين غشيت منازلهم زائرين، وفي مقدمة هؤلاء الكرام: المفتي الجليل الشيخ محمد أبو الخير بن عابدين من عائلة الشيخ ابن العابدين الحنفي الشهير، والشيخ السيد أديب نقيب الأشراف، والأمير عبد الله بن الأمير عبد القادر، والأساتذة الشيخ يوسف النبهاني الشهير، والشيخ عارف منير، والشيخ حسن الأسطواني، والشيخ عطاء القسم، والشيخ مصطفى طنطاوي، والشيخ رضا مفتي آلاي، وابنه الشيخ يحيى المكتبي، والشيخ محمود، والشيخ سعيد الجزائري. * صلاة الجمعة في المسجد الأموي: زرت مسجدها الشهير بالجامع الأموي، وشاهدت من تنميقه واتساع أركانه ما يعز نظيره فيما رأيت من المساجد الجامعة، ولم نلف به لذلك الحين سوى درسين: أحدهما: في الوعظ يقوم به أحد المشايخ الصادرين عن الجامع الأزهر. وثانيهما: في الفقه المالكي يتولى قراءته الشيخ عبد القادر من فقهاء الجزائر. شهدت به صلاة الجمعة، فكان مع هذه السعة في الطول والعرض غاصاً بالمصلّين، وحدثني الشيخ سعيد الجزائري، وقد التقيت به عقب الصلاة: أن بعض الباحثين قدَّر المصلين به في مثل هذا اليوم بحساب محرر، فبلغ عددهم سبعة آلاف. أما خطباؤه، فإنهم يلقون الخطب بلهجة صادعة، وأسلوب مؤثر، ولا ترى بيد واحد منهم عند الخطبة ورقة، فهم يمثلون هيئة الخطابة عند العرب، ويحفظون أثراً من آثار الفصاحة، بمعنى: طلاقة اللسان، والنطق

стр. 5282

بالحروف متمكنة من مخارجها. * زيارة مقام ابن العربي: وقصدت إلى مقام الأستاذ الشهير الشيخ محي الدين بن عربي ﵁ في بناءات تسمى: "الصالحية" تتصل بطرف دمشق، وقرأت على ضريحه رسماً به بيتان يحتوي ثانيهما على تاريخ، وفاته. وهو: إن سألتم متى توفي حميداً ... قلت أرخت: (مات قطب همامُ (١)) ويرى الزائر بجانب منه ضزيح الأمير عبد القادر الجزائري، قد رسمت عليه أربعة أبيات تشتمل على تاريخ وفاته، أولها: لله أفق صار مشرق دارتي ... قمرين هلّا من بلاد المغربِ وآخرها: من نال مع أعلى رفيق أرّخوا ... (أزكى مقامات الشهود الأقرب (٢))

стр. 5283

وكان لهذا الأمير صبابة بفتوحات الشيخ ابن عربي، حتى إنه أرسل عالمين من علماء دمشق إلى "قونية" لتصحيح نسخة "الفتوحات"، ومقابلتها على النسخة التي حفظت هناك، وعليها خط يد المؤلف نفسه. * المكتبة الظاهرية ودار الحديث: وكنت أزور مكتبة الملك الظاهر، وهي مكتبة حافلة، وفيما رأيته من كتبها: "تفسير البقاعي" الذي أخذ على قلمه، وشرط على نفسه، أن يحرر فيه المناسبات بين الآيات. ودخل أبو المحاسن الشيخ يوسف النبهاني المؤلف الشهير يوماً، وأوصى حافظ المكتبة برعايتنا، وقال له: إن هؤلاء من بيوت الفضل بتونس. وزرت مدرسة دار الحديث التي أنشاها الملك الأشرف، وفوّض تدريسها إلى الشيخ تقي الدين المعروف بابن الصلاح، ثم تولى مشيختها الإمامان: النووي، وتقي الدين بن السبكي، وهي التي يقول فيها ابن السبكي: وفي دار الحديث لطيف معنى ... على بسط لها أصبو وآوي عسى أني أمسّ بحرٍّ وجهي ... مكاناً مسّه قدمُ النواوي ويشير بالبسط في البيت: إلى بساط رسم عليه الملك الأشرف -وهو واقف المدرسة- اسمه، وبسطه في أرضها. قال تاج الدين السبكي في "الطبقات": وكان يجلس عليه والدي "تقي الدين" وقت الدرس.

стр. 5284

ولقيت في هذه المدرسة فضيلة العالم المحدّث الشيخ بدر الدين، وجلسنا لديه حيناً، فكانت عمارة الجلسة: بحث الأستاذ عما يوجد في الديار التونسية من الكتب الغريبة؛ مثل: "شرح الإمام المازري" لبرهان إمام الحرمين، و"حاشية الشيخ معاوية على مختصر السعد"، والحواشي التي علقت على "مختصر ابن الحاجب" في الأصول، ولهذا الأستاذ درس في "صحيح البخاري" يقرئه في الجامع الأموي يوم الجمعة فقط، يشرع في قراءته عقب صلاة الجمعة، والجوامع كلها تصلي لوقت الزوال، وينتهي لوقت العصر، شهدت هذا الأستاذ وهو يلقي الدرس بترسل، ويملي ما يبسطه الكاتبون على الحديث، وإذا استطرد حديثاً، ساقه بسنده، وله دروس أخرى يقرئها بمدرسة دار الحديث؛ فإن مشيختها اليوم بيده. * مسامرات أدبية: وزارنا الشيخ عبد الرحمن بن سلام أحد علماء بيروت، والسيد عبد النبي أحد معلمي المدارس الأميرية، ومعرب جريدة سوريا الرسمية، ونثر الشيخ على أسماعنا نبذة من جواهر أشعاره، وهو من الأدباء الذين يحذون في نطقهم الاعتيادي حذو العربية الصحيحة، ومما قاله في حاكي الصدى: أنا الفنغراف مهما قُلْنَ أقبلُه ... إن شئت قلْ حسناً أو شئت قلْ خشنا لكنه سوف يدري من يخاطبني ... أني لسان الذي قد ظنني أذنا وقال وقد سافر إلى "بعلبك"، ولم تتبرج له تبرج البلاد الرائعة: أتيت لبعلبك ومن أتاها ... يرى لديارها شيئاً عجيبا كأن بيوتها أبيات شعري ... فلا حشواً تضم ولا غريبا

стр. 5285

* محادثات علمية في المدرسة التجارية بدمشق: وزرنا المدرسة التجارية، فتلقانا مديرها الشيخ مصطفى طنطاوي، وأحد مدرسيها الشيخ محمود بكامل المبرة، وعرّفنا الشيخ مصطفى بنموذج تعليمها. وبمناسبة ذكر اللغة الفارسية في جملة اللغات التي تدرس بها، قلنا: إن للغة الفارسية مزية، ولهذا أجاز أبو حنيفة ﵁ القراءة بها في الصلاة لمن عجز على العربية، فقال لي: بل الإمام يجيز القراءة بأي لسان، اتفق، ولا يخص هذا الحكم بالفارسية، وقد كنت طالعت هذه المسألة مقيدة بالفارسية في كتاب "الأحكام" لأبي بكر بن العربي، ثم أعدت النظر في بعض كتب المذهب الحنفي، فوجدت أحد الفقهاء، وهو الشيخ البرادعي نص على تخصيص الحكم بالفارسية، ولعل الراجح في المذهب خلافه. ومما أورده في المحادثة: أن الحريق الذي حدث بدمشق لهذه السنة، قد أحاط بساحة المدرسة من جهاتها الأربع، ولم يتناول من مبانيها فتيلاً، فقلت له: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] فوقعت لديه موقع الارتياح. ودار على البساط حكم العلوم الرياضية والطبيعية في نظر الإسلام، ومما أدرجناه في هذه المحاورة: قول القرافي في "فروقه": قد يغمض على الفقيه والحاكم الحق في كثير من المسائل بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة، فينبغي لذوي الهمم العلية أن لا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم، وتجاذبنا خلاصة ما حققه الإمام أبو حامد الغزالي في كتاب "المنقذ من الضلال" عند بحثه عن علم الطبيعيات، ونصه: "أما علم الطبيعيات، فهو بحث عن أجسام العالم: السماوات، وكوكبها، وما تحتها من الأجسام المفردة؛

стр. 5286

كالماء، والهواء، والتراب، والنار، ومن الأجسام المركبة؛ كالحيوان، والنبات، والمعادن، وما تحتها، وعلى أسباب تغيرها، واستحالتها وامتزاجها، وذلك يضاهي بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة، وأسباب استحالة مزاجها، وكما ليس من شروط الدين إنكار علم الطيب، فليس من شروطه إنكار ذلك العلم، إلا في مسائل معينة ذكرناها في "تهافت الفلاسفة"، ثم قال: "وأصل جملتها: أن يعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى، لا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها، فالشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، لا فعل لشيء منه بذاته عن ذاته". فهذا التقرير من إمام عرف شعاب هذه العلوم، بعد أن رسخ في العلم بمقاصد الشريعة الإسلامية، يشهد شهادة عادلة بأن الإسلام يسع صدره لكل ما يتدرج في حقيقة العلم ما لم يتحقق ضرره؛ كعلم السحر. ودعانا هذا الشيخ إلى احتفال أقامه في هذه المدرسة لتوزيع الشهادات على تلامذتها، وكان النادي يحتوي على ما يناهز خمسمائة نسمة، فيهم العلماء، وأرباب المناصب العالية، فوضعوا في صدره منصة شامخة، وصعد عليها فريق من التلامذة، وألقوا خطباً من محفوظاتهم باللغات الثلاث: العربية، ثم التركية، ثم الفرنسية، ويعد هذا قام غلام على المنصة، وألقى على التلامذة خطاباً أودع في ضمنه: أن هذه الشهادات التي سيبسطون أيديهم لتناولها، إنما منحوا بها محاباة، وأنهم سيتقلدونها عن غير استحقاق، فنهض أحد التلامذة، وأجابه عن ذلك الخطاب بمقال أومأ فيه إلى كفاءتهم، وأوسع له المجال في اختبارهم، فأجرى ذلك التلميذ عليهم الاختبار واحداً عقب آخر، وعرض عليهم أسئلة في العلوم التي تزاول بالمدرسة؛ كالحساب، والهندسة، والجغرافيا،

стр. 5287

والنحو، والصرف، والتوحيد، والفقه، والفرائض، لكن السؤال في هذا الفن الأخير كان من قييل المسائل التي يوردها الفرضيون في قالب الألغاز، ويتخلل هذا الاحتفال فترات يترنم فيها التلامذة بأناشيد وطنية. * خضاب الشيب: وممن تواصل بيننا وبينهم اللقاء: الأديب السيد رشيد الرافعي من العائلة الرافعية الشهيرة بطرابلس الشام، وهو أحد الأذكياء الذين استقوا معارفهم من الأزهر، وعكفوا على التحرير بالجرائد. جلسنا يوماً بدكان لشراء متاع، فقص علينا بعض الأميين أنه يوجد خضاب للشيب يبقى ساتراً لبياضه سنين، فالتفت إليّ السيد رشيد مستطلعاً رأي في هذا الحديث، فسقت لهم من "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء والفضلاء ببجاية" (١) ذكرى في ترجمة أبي العباس الجدلي: أنه وصل إلى أفريقية في خلافة المستنصر بالله، وسأله عن البلاد التي دخلها، والغرائب التي اطلع عليها، فمن جملة ما ذكر: أنه رأى ببلاد الهند صبغة إذا خضب بها الخاضب يقيم الثلاثين سنة لا يفتقر إلى خضاب، وكان من جملة الحاضرين بالمجلس "المروزي" من فضلاء الأطباء، فأنكر هذه القضية، وأنكرها الخليفة؛ لأن هذا إما أن يمنع نمو الشعر، أو يحيل الطبيعة بأن يؤثر هذا الصبغ في الشعر الذي ينبت من بعده، ولم يتفق له اجتماع بعد ذلك بالخليفة، وهكذا ينبغي للرجل أن لا يفتح سمعه لقبول الروايات إلا بعد أن يضعها على محك النظر والاعتبار، ثم التفت السيد الرشيد إلى ذلك الرجل، وأعاد عليه القصة بعبارات يفهمها.

стр. 5288

* الشيخ عبد القادر الخطيب: شهدت درس الأستاذ عبد القادر الخطيب لصحيح الإمام البخاري بالجامع الأموي، وكان الدرس لذلك اليوم: أول حديث من كتاب الصوم، فعجبنا بفصاحته، وكثرة ما يجلب مما كتب في شرح الحديث. ومن سنّتهم: أن يتقدم -قبل أخذ الأستاذ في تقرير الدرس- أحد القائمين بتجويد القرآن، ويتلو منه بعض آيات بترتيل. وليس من المكروه في عادتهم أن يقوم الجالس بحلقة الدرس، وينطلق إلى درس آخر، ثم يحن إلى الدرس الأول، فيعود إليه، أو يقف قبالة الأستاذة لينظر إليه ماذا يقرر، أو ليقتنص منه فائدة، ويفارقه إلى درس آخر، ثم إذا شاء انقلب إليه. ودعانا الشيخ رضا مفتي آلاي إلى منزله، وصعد بنا إلى بيت نضد فيه من الكتب ما يجعله مكتبة حافلة، ومما أطلعنا عليه: تآليف لطائفة الدروز بثوا فيها عقائدهم السرية، وقد انساقت إليه هذه الكتب حين خرج صحبة سامي باشا لتمهيد ثورتهم. ومن أصول عقائدهم: التصديق بألوهية الحاكم بأمر الله المتوفى قتيلاً بمصر سنة ٤١١ هـ. * درس في الجامع الأموي: بعثني ما شاهدته من إقبال العامة، واحتفالهم بدروس الوعظ: أن ألقي دروسًا بالجامع الأموي، فألقيت نحو اثني عشر درساً في أحاديث جامعة، وكانت الأسئلة في الدروس عندهم نادرة؛ فإني حضرت بمقربة من دروس متعددة، ولم يتفق أن أسمع باحثاً يتفاهم مع أستاذ. ومما جرى لنا في الدرس الأول: أن أحد المستمعين الذين لهم صلة بالقراءة، ألقى بحثاً في موضوع كنت آخذاً في تقريره، فتعرض له بعض

стр. 5289

الحاضرين، فأومأت إليه بعدم التعرض، وقلت له: إن التفاهم في خلال الدروس مما لا بد منه. وجاريت السائل، ولكنه تشعب في المجادلة إلى أن شعرت بأن مباحثته مبنية على أن الموعظة التي كنت بصدد بثها لم تلتئم بما تهواه نفسه، ويوافق غرضه، فذكرت قول المتنبي: إنما تنجح المقالة في المرء ... إذا صادفت هوى في الفؤاد ثم أرسلت له عبارة مقنعة في الجواب، ومضيت في تقرير مطلب آخر، وبعد انقضاء الدرس، دنا إليّ، والتمس الإغضاء عفا فرط منه، فقلت له: إنا متعودون بالبحث وتوسيع المجال للتفاهم. * درس آخر في المسجد الأموي: أخذت يوماً في إقراء حديث العرباض بن سارية ﵁ المسوق في اتباع سنّته ﵊، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعده، فأقبل جماعة من العلماء، وتفضلوا بالحضور في حلقة الدرس، منهم: الشيخ المفتي أبو الخير، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ أديب نقيب الأشراف، والشيخ السعيد الجزائري، وجرت بيننا وبين هؤلاء الأساتذة في أثناء الدرس مباحثات لطيفة. وقد تحلى علماء دمشق بهذا الخلق العالي، وهو حضورهم بدروس الحديث من تلقاء أنفسهم؛ استمداداً لبركة الحديث، ومجاملة لمن انتصب لتدريسه. وبسطنا هنا المقال في البدعة، وأتينا على تقسيم القرافي لها إلى خمسة أقسام، وتعقبناه بحصر أبي إسحاق الشاطبي لها في قسمين فقط: المحرّمة، والمكروهة، وأورد بعض الشيوخ على هذا الحصر قول سيدنا عمر بن

стр. 5290

الخطاب ﵁ في شأن صلاة التراويح: "نعمت البدعة"، فقلت: ذلك الإطلاق ملاحظاً فيه المفهوم اللغوي، وهو معنى المحدث، وأبو إسحاق الشاطبي يراعي البدعة في مقصد الشارع، وقد عرف بعض المحققين البدعة بأنها: ما يفعله الإنسان على أنه قربة، مع عدم ثبوته عن الشارع، وذلك لأن الفعل إنما يصير بأمرين: أحدهما: النية الفاضلة. والثاني: موافقته لوضع الشرع وشرطه. فإذا تجرد عن الأمر الأول، كان عبثاً، وإذا اختل فيه الأمر الثاني؛ بأن أصدره صاحبه في أسلوب لم يثبت عن الشارع، كان بدعة. وبعضهم يتسامح للعامة في كثير من المحدثات يأتونها، ويلتمس لهم المعذرة؛ بأن نواياهم صالحة، وبما تقرر في تعريف البدعة تسقط هذه المعذرة؛ ويتضح أن القصد الجميل وحده لا يقلب العمل طاعة، ونضرب المثل لهذا بما رأيته بعيني من بعض زائري المقام الذي اشتهر أنه يضم قبر خالد بن سنان ﵇؛ حيث يرى الناظر أفواجاً من العامة يطوفون بشجرة جوار ذلك المقام كما يطوف الحاج ببيت الله الحرام. وأذكر أني حللت ببعض البلاد، فرأيتهم إذا بلغ الصبي سورة البقرة، أحضروا بقرة، ووضعوا عليها زينة من الحلي، وتتجول بها جماعة في الطرقات العامة، وهم يقتفون أثرها بالدفوف والأذكار، فألقيت عليهم خطبة في البدع، ونصصت فيها على هذه المحدثة، فتلقاها الفضلاء وأهل العلم بالاستحسان؛ لأنهم يشعرون بسماجة هذه البدعة قبل أن أخطب، وقال طائفة من العامة: لو كان هذا أمراً بدعة، لنهانا عنه الشيخ فلان، أو الشيخ فلان -رحمهما الله-.
следующие страницы →