كالماء، والهواء، والتراب، والنار، ومن الأجسام المركبة؛ كالحيوان، والنبات، والمعادن، وما تحتها، وعلى أسباب تغيرها، واستحالتها وامتزاجها، وذلك يضاهي بحث الطبيب عن جسم الإنسان وأعضائه الرئيسية والخادمة، وأسباب استحالة مزاجها، وكما ليس من شروط الدين إنكار علم الطيب، فليس من شروطه إنكار ذلك العلم، إلا في مسائل معينة ذكرناها في "تهافت الفلاسفة"، ثم قال: "وأصل جملتها: أن يعلم أن الطبيعة مسخرة لله تعالى، لا تعمل بنفسها، بل هي مستعملة من جهة فاطرها، فالشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، لا فعل لشيء منه بذاته عن ذاته".
فهذا التقرير من إمام عرف شعاب هذه العلوم، بعد أن رسخ في العلم بمقاصد الشريعة الإسلامية، يشهد شهادة عادلة بأن الإسلام يسع صدره لكل ما يتدرج في حقيقة العلم ما لم يتحقق ضرره؛ كعلم السحر.
ودعانا هذا الشيخ إلى احتفال أقامه في هذه المدرسة لتوزيع الشهادات على تلامذتها، وكان النادي يحتوي على ما يناهز خمسمائة نسمة، فيهم العلماء، وأرباب المناصب العالية، فوضعوا في صدره منصة شامخة، وصعد عليها فريق من التلامذة، وألقوا خطباً من محفوظاتهم باللغات الثلاث: العربية، ثم التركية، ثم الفرنسية، ويعد هذا قام غلام على المنصة، وألقى على التلامذة خطاباً أودع في ضمنه: أن هذه الشهادات التي سيبسطون أيديهم لتناولها، إنما منحوا بها محاباة، وأنهم سيتقلدونها عن غير استحقاق، فنهض أحد التلامذة، وأجابه عن ذلك الخطاب بمقال أومأ فيه إلى كفاءتهم، وأوسع له المجال في اختبارهم، فأجرى ذلك التلميذ عليهم الاختبار واحداً عقب آخر، وعرض عليهم أسئلة في العلوم التي تزاول بالمدرسة؛ كالحساب، والهندسة، والجغرافيا،
стр. 5287
والنحو، والصرف، والتوحيد، والفقه، والفرائض، لكن السؤال في هذا الفن الأخير كان من قييل المسائل التي يوردها الفرضيون في قالب الألغاز، ويتخلل هذا الاحتفال فترات يترنم فيها التلامذة بأناشيد وطنية.
* خضاب الشيب:
وممن تواصل بيننا وبينهم اللقاء: الأديب السيد رشيد الرافعي من العائلة الرافعية الشهيرة بطرابلس الشام، وهو أحد الأذكياء الذين استقوا معارفهم من الأزهر، وعكفوا على التحرير بالجرائد. جلسنا يوماً بدكان لشراء متاع، فقص علينا بعض الأميين أنه يوجد خضاب للشيب يبقى ساتراً لبياضه سنين، فالتفت إليّ السيد رشيد مستطلعاً رأي في هذا الحديث، فسقت لهم من "عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء والفضلاء ببجاية" (١) ذكرى في ترجمة أبي العباس الجدلي: أنه وصل إلى أفريقية في خلافة المستنصر بالله، وسأله عن البلاد التي دخلها، والغرائب التي اطلع عليها، فمن جملة ما ذكر: أنه رأى ببلاد الهند صبغة إذا خضب بها الخاضب يقيم الثلاثين سنة لا يفتقر إلى خضاب، وكان من جملة الحاضرين بالمجلس "المروزي" من فضلاء الأطباء، فأنكر هذه القضية، وأنكرها الخليفة؛ لأن هذا إما أن يمنع نمو الشعر، أو يحيل الطبيعة بأن يؤثر هذا الصبغ في الشعر الذي ينبت من بعده، ولم يتفق له اجتماع بعد ذلك بالخليفة، وهكذا ينبغي للرجل أن لا يفتح سمعه لقبول الروايات إلا بعد أن يضعها على محك النظر والاعتبار، ثم التفت السيد الرشيد إلى ذلك الرجل، وأعاد عليه القصة بعبارات يفهمها.
стр. 5288
* الشيخ عبد القادر الخطيب:
شهدت درس الأستاذ عبد القادر الخطيب لصحيح الإمام البخاري بالجامع الأموي، وكان الدرس لذلك اليوم: أول حديث من كتاب الصوم، فعجبنا بفصاحته، وكثرة ما يجلب مما كتب في شرح الحديث.
ومن سنّتهم: أن يتقدم -قبل أخذ الأستاذ في تقرير الدرس- أحد القائمين بتجويد القرآن، ويتلو منه بعض آيات بترتيل. وليس من المكروه في عادتهم أن يقوم الجالس بحلقة الدرس، وينطلق إلى درس آخر، ثم يحن إلى الدرس الأول، فيعود إليه، أو يقف قبالة الأستاذة لينظر إليه ماذا يقرر، أو ليقتنص منه فائدة، ويفارقه إلى درس آخر، ثم إذا شاء انقلب إليه.
ودعانا الشيخ رضا مفتي آلاي إلى منزله، وصعد بنا إلى بيت نضد فيه من الكتب ما يجعله مكتبة حافلة، ومما أطلعنا عليه: تآليف لطائفة الدروز بثوا فيها عقائدهم السرية، وقد انساقت إليه هذه الكتب حين خرج صحبة سامي باشا لتمهيد ثورتهم. ومن أصول عقائدهم: التصديق بألوهية الحاكم بأمر الله المتوفى قتيلاً بمصر سنة ٤١١ هـ.
* درس في الجامع الأموي:
بعثني ما شاهدته من إقبال العامة، واحتفالهم بدروس الوعظ: أن ألقي دروسًا بالجامع الأموي، فألقيت نحو اثني عشر درساً في أحاديث جامعة، وكانت الأسئلة في الدروس عندهم نادرة؛ فإني حضرت بمقربة من دروس متعددة، ولم يتفق أن أسمع باحثاً يتفاهم مع أستاذ.
ومما جرى لنا في الدرس الأول: أن أحد المستمعين الذين لهم صلة بالقراءة، ألقى بحثاً في موضوع كنت آخذاً في تقريره، فتعرض له بعض
стр. 5289
الحاضرين، فأومأت إليه بعدم التعرض، وقلت له: إن التفاهم في خلال الدروس مما لا بد منه. وجاريت السائل، ولكنه تشعب في المجادلة إلى أن شعرت بأن مباحثته مبنية على أن الموعظة التي كنت بصدد بثها لم تلتئم بما تهواه نفسه، ويوافق غرضه، فذكرت قول المتنبي:
إنما تنجح المقالة في المرء ... إذا صادفت هوى في الفؤاد
ثم أرسلت له عبارة مقنعة في الجواب، ومضيت في تقرير مطلب آخر، وبعد انقضاء الدرس، دنا إليّ، والتمس الإغضاء عفا فرط منه، فقلت له: إنا متعودون بالبحث وتوسيع المجال للتفاهم.
* درس آخر في المسجد الأموي:
أخذت يوماً في إقراء حديث العرباض بن سارية ﵁ المسوق في اتباع سنّته ﵊، وسنّة الخلفاء الراشدين من بعده، فأقبل جماعة من العلماء، وتفضلوا بالحضور في حلقة الدرس، منهم: الشيخ المفتي أبو الخير، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ أديب نقيب الأشراف، والشيخ السعيد الجزائري، وجرت بيننا وبين هؤلاء الأساتذة في أثناء الدرس مباحثات لطيفة.
وقد تحلى علماء دمشق بهذا الخلق العالي، وهو حضورهم بدروس الحديث من تلقاء أنفسهم؛ استمداداً لبركة الحديث، ومجاملة لمن انتصب لتدريسه.
وبسطنا هنا المقال في البدعة، وأتينا على تقسيم القرافي لها إلى خمسة أقسام، وتعقبناه بحصر أبي إسحاق الشاطبي لها في قسمين فقط: المحرّمة، والمكروهة، وأورد بعض الشيوخ على هذا الحصر قول سيدنا عمر بن
стр. 5290
الخطاب ﵁ في شأن صلاة التراويح: "نعمت البدعة"، فقلت: ذلك الإطلاق ملاحظاً فيه المفهوم اللغوي، وهو معنى المحدث، وأبو إسحاق الشاطبي يراعي البدعة في مقصد الشارع، وقد عرف بعض المحققين البدعة بأنها: ما يفعله الإنسان على أنه قربة، مع عدم ثبوته عن الشارع، وذلك لأن الفعل إنما يصير بأمرين:
أحدهما: النية الفاضلة.
والثاني: موافقته لوضع الشرع وشرطه.
فإذا تجرد عن الأمر الأول، كان عبثاً، وإذا اختل فيه الأمر الثاني؛ بأن أصدره صاحبه في أسلوب لم يثبت عن الشارع، كان بدعة. وبعضهم يتسامح للعامة في كثير من المحدثات يأتونها، ويلتمس لهم المعذرة؛ بأن نواياهم صالحة، وبما تقرر في تعريف البدعة تسقط هذه المعذرة؛ ويتضح أن القصد الجميل وحده لا يقلب العمل طاعة، ونضرب المثل لهذا بما رأيته بعيني من بعض زائري المقام الذي اشتهر أنه يضم قبر خالد بن سنان ﵇؛ حيث يرى الناظر أفواجاً من العامة يطوفون بشجرة جوار ذلك المقام كما يطوف الحاج ببيت الله الحرام.
وأذكر أني حللت ببعض البلاد، فرأيتهم إذا بلغ الصبي سورة البقرة، أحضروا بقرة، ووضعوا عليها زينة من الحلي، وتتجول بها جماعة في الطرقات العامة، وهم يقتفون أثرها بالدفوف والأذكار، فألقيت عليهم خطبة في البدع، ونصصت فيها على هذه المحدثة، فتلقاها الفضلاء وأهل العلم بالاستحسان؛ لأنهم يشعرون بسماجة هذه البدعة قبل أن أخطب، وقال طائفة من العامة: لو كان هذا أمراً بدعة، لنهانا عنه الشيخ فلان، أو الشيخ فلان -رحمهما الله-.
стр. 5291
واستطردنا بمناسبة التعرض لفضيلة أبي بكر الصديق ﵁ حديث إذن النبي ﷺ له في الصلاة بالجماعة، وإشارته إليه بعد خروجه ﵇ من حجرته الشريفة بالبقاء في مكان الإمامة، ودرج بنا التقرير على قاعدة تقديم الأدب، أو الامتثال، وفصلنا مجمل ما قاله الشيخ ابن حجر في "فتح الباري"، وهو: أن سيدنا أبا بكر إنما تأخر، ولم يقف عندما أشار إليه النبي ﷺ بالبقاء؛ لأنه فهم أن إيماءه ﵇ له بالمكث في مكان الإمام من قبيل مجاملة شخصه، وإظهاره عاطفة محبته وحرمته، وإذا كان الأمر من هذا الوجه، فإذا امتثل الصديق، فإنما يستوفي حقاً يعود عليه بالفضيلة وحده، وإذا تأخر، فإنما يسقط حقاً من حقوقه الخاصة؛ بحيث أصبح الأمر بمنزلة الأوامر الواردة للإباحة، فاختار الصديق التأخر؛ إيثارًا لجانب الأدب، وليست هذه الواقعة كقصة امتناع سيدنا علي بن أبي طالب من محو لفظ: رسول الله من صحيفة صلح الحديبية، حين أبي كفار قريش كتابتها؛ فإن الاستدلال بتقديم الأدب على الامتثال هنا ظاهر؛ لأن الأمر بالمحو ليست فيه فائدة تعود على علي بن أبي طالب وحده، حتى يكون عدم امتثاله من قبيل إسقاط ما هو حق له.
قررت هذا، فقال لي أحد الأساتذة: من أين فهم أبو بكر ﵁ أن الأمر إنما صدر على وجه الإجلال له، وإظهار فضيلته، دون أن يكون الباعث على الأمر وجه آخر؟ ولم يسنح لي في الجواب وقتئذ سوى أن الدال على ذلك قرينة المقام؛ فإن أمره بالاستمرار على موقف الإمامة، والإمام الأعظم بالحضرة، لا يظهر له وجه سوى الإعلان بكرامته.
انتهينا من الدرس لصلاة العصر، وإثر الصلاة تألفت حلقة لأستاذ مصري يقرئ إزاء المكان الذي كنت أدرس فيه، وتأخر ذلك الأستاذ عن وقته المتعارف
стр. 5292
مهلة، فقال بعض أهل العلم هناك للمجتمعين: إن الأستاذ المصري ليس من عادته التدريس في هذا اليوم الجمعة، ثم التفت إلي، وقال لي: لا يتفرق هذا الجمع عن غير فائدة، وعندما سمعه أولئك المتجمعون، وهو يقترح عليّ أن أقوم لهم مقام ذلك الأستاذ، انقلبوا إليّ، وأكدوا رغبتهم في سماع بعض الأحاديث، فوقفت وقفة المتردد، حتى تقدم الأديب السيد السعيد أحد الشبان الذين صدروا من مدارس الآستانة، وقال لي مخافتاً: إني أعرف الأستاذ المصري يقرئ يوم الجمعة، فكان هذا الإعلام عذراً فاصلاً للتخلص من حرصهم الشديد.
* رسالة "الحرية في الإسلام ":
واجهت ناظم باشا، وهو الوالي بالشام في ذلك الحين؛ للتفاهم معه في حاجة تخص العائلة، فكانت التحية بيننا أولاً إشارة باليد، ثم تقدم الفاضل السيد محمد بن شطه الجزائري ليترجم بيني وبينه، وكانت المخاطبة بينهما باللسان الفرنساوي؛ إذ كان لا يحسن النطق بالعربية، وذكروا أنه يقرأ بها، ويفهم جيداً، وقال له السيد محمد بن شطه في التعريف بشأني: هذا مؤلف رسالة "الحرية في الإسلام" (١)، وأخبرني أنه كان قد اطلع عليها، فنهض قائماً، ومد يده لمصافحتي، وأعطى عبارة في الشكر على تأليفها.
* حفل علمي:
حضرنا حفلة وداع التلامذة: محيي الدين القضماني، وسعدي عرابي، وسعيد الرشاش، حين عزموا على الرحلة للتعلم، فافتتح السيد محمد علي بخطاب بيّن فيه الغرض من الاحتفال، وتلاه الأمير عارف الشهابي بخطبة
стр. 5293
أتى فيها على فوائد البعثات العلمية، ثم خطب تلميذ يقال له: "مردم" في التعليم بمدارس "سويسرة"، ثم خطب السيد مصطفى أخو الأمير عارف في الزراعة ومنافعها، ثم ألقى أخونا المكي بن الحسين (١) قصيدة في فضل العلم،
ومما قاله فيها:
ومن برح الأوطان في طلب العلا ... لدى الناظر السامي هو الرجل الحرُّ
بني الشعب هبّوا للمعارف إنها ... فخاركم الأعلى فلا عدم الفخرُ
وتلك كنوز لا من التبر صنعها ... وهل ساد عن علم يزين الورى تبرُ
كذا الجهل وزر في الأنام وإن زهت ... معارفهم يوماً فقد وضع الوزر
وتلاه السيد صبحي الحسيبي، وخطب في العلم والأغنياء، ثم قام الشيخ عبد الرحمن القصار، وتلا قصيدة جيدة يقول فيها:
رد منهل العلم الصحيح لترتوي ... واصدره كي يروي بك الظمآنُ
فالعلم غصنٌ والمدارس جنة ... تزهو وأنت بروضها رضوان
يا أيها التلميذ جدّ وغداً تكو ... ن معلماً ترقى بك الفتيان
ثم ارتقى أحد الحاضرين إلى مرتقى الخطابة، وأوهم أنه سيقوم بخطبة كما قام الخطباء قبله، حتى التفت إلى التلامذة، وقص عليهم: أنه كان رأى في جريدة كذا: أن ملك الجابون (٢) أرسل طائفة من التلامذة ليتعلموا بأوربا، فلما عادوا إلى وطنهم، اقترح عليهم الملك أن ينشئوا له باخرة، فنظر بعضهم إلى
стр. 5294
بعض، فكرر عليهم عبارة الاقتراح، فقالوا: لا يمكننا صنع البواخر إلا بحضور أحد أساتذتنا، فأمر بصلبهم؛ ليكونوا عبرة لغيرهم من التلامذة، فلا يرجعون من تعليمهم حتى يبلغوا ما بلغت الأساتذة، ثم أقبل على التلامذة الثلاثة، وقال لهم: وأنتم أيضاً إن عدتم إلينا غير قادرين على العمل، فإنا نشنقكم، ونزل فاهتز النادي ضحكاً.
* احتفال علمي بتوزيع الشهادات:
ودعينا إلى الحضور باحتفال في مدرسة قرب الجامع الأموي أقاموه لتفريق الشهادات على تلامذتها. حضر هذا الاحتفال خلق كثير، وطائفة من العلماء وأرباب المناصب، مثل: الشيخ القاضي، والشيخ المفتي أبو الخير، والسيد نقيب الأشراف، وكان على جانب اليمين مني الشيخ صادق الميداني أحد العلماء الأذكياء، يجاذبني المحادثة والملاحظة في مظاهر الاحتفال، ويعرب لي بعض ما يلقونه من الخطب والمحاورات باللغة التركية.
ألقى التلامذة خطباً بالعربية، ثم التركية، ثم الفرنسوية، وأنشدوا قصائد حماسية؛ كقصيدة ابن سناء الملك التي يقول في طالعها:
سواي يهاب الموت أو يرهب الردى ... وغيري يهوى أن يعيش مخلداً
ثم عقدوا محاورات طريفة، منها: محاورة جرت بين تلميذين في التفاضل بين العلم والمال، ونصبوا تلميذاً ينظر في حججهما، ويتولى فصل الخلاف بينهما، وبعد أن نفض كل منهما ما في كنانته، قضي بتفضيل العلم على المال؛ فإن المال من نتائج المعارف.
ومن اللطائف في هذه المحاورة: أن التلميذ الذي كان يفاضل عن المال قال لمفضل العلم بعد فصل القضية: أستمنح منك العفو؛ فقد كنت أنازعك
стр. 5295
وأنا على خطأ، فقال له التلميذ الحاكم: لا تسأله العفو؛ فإن المجادلة لم تكن بين شخصيكما، وإنما كانت جارية بين الحق والباطل.
ومنها: محاورة انعقدت بين تلميذين في المفاضلة بين السيف والقلم، أحدهما ينطق بلسان القلم، والآخر يفاخر بلسان السيف، وبعد أن توسعوا في أطراف المحاورة بجلب الأدلة والشواهد؛ كقول الناطق بلسان القلم:
ولي قلمٌ في أنملي إن هززته ... فما ضرّني ألّا أهز المهنّدا
وقول المفاخر بلسان السيف:
السيف أصدق أنباء من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب
فصل الحاكم المفاخرة بتفضيل القلم على السيف، وقال تنفيذاً للحكومة: قم أيها السيف وقبل رأس القلم.
ووقعت بعد هذا محاورة باللسان التركي بين تلميذين مَثَّلا فيها أساليب التعليم العتيقة والحديثة.
* الأستاذ أحمد كرد علي:
وممن لقيناه من الأدباء، فتهلل منبسطاً لهذا اللقاء: الفاضل المهذب السيد أحمد كرد علي صاحب "جريدة المقتبس" الزاهرة، وقد نشرت هذه الجريدة تقريظاً مطنباً في الرسائل: "الحرية في الإسلام"، و "الدعوة إلى الإصلاح" و"حياة اللغة العربية" (١)، وقالت في صدر هذا التقريظ: "تنم معظم تآليف التونسيين الأخيرة على فضل علم وأدب، وإن خاصتهم لا يؤلفون في الغالب إلا إذا اعتقدوا، واعتقد الناس فيهم الكفاءة العلمية إلخ".
стр. 5296
* أثر حياة الأمير عبد القادر:
وممن زارنا وزرناه: العالم الشيخ السيد عبد الباقي المفتي المالكي، وقد جذبتنا طبيعة الاجتماع به إلى الخوض في أثر حياة الأمير عبد القادر ﵀؛ حيث كان هذا الفاضل من أصهاره، ومررنا في حديثنا على أن هذا الأمير قد ساعده القدر على أن توفر لديه من الشهرة بخصال كاملة ما عزّ أن يتفق لغيره من فضلاء عصره، فترى له كتائب ومجالس تنظمه في سلك العلماء، وسخاء يقف به في صف ذوي السماح، ومصانعة تنظر منها إلى مقدار غوصه في غامض السياسة، ومواقع يدخل منها إلى فضيلة الإقدام، وقريض يرفع في نوادي الأدب ذكراً، ونثرنا في هذا البساط جوهرة قوله في مقام الحماسة:
ومن عادة السادات بالجيش تحتمي ... وبي يحتمي جيشٌ وتحرس أبطالُ
ولوحظ في هذا: أنه وارد على خلاف النظامات الجارية في الحروب؛ فإن الرئيس لا يضع نفسه في موقع أمام الجيش؛ حذراً من أن تصيبه القاضية، فيختل النظام بعده، وينتشر في عظام قومه الفشل، ولكن ميدان الحماسة والفخر أوسع مجالاً من ميدان الحروب وتدابيرها.
* درس الأستاذ زين العابدين بن الحسين:
حضرت في اليوم الثامن والعشرين من رمضان لدرس ألقاه أخونا زين العابدين بن الحسين، ختم به دراسة كتاب "الأربعين النووية" بجامع "التوبة"، وحضر من الأساتذة: الشيخ عطاء الكسم، والشيخ يحيى القلعي، والشيخ محمود، وكان هؤلاء الأساتذة قائمين في العشرة الأخيرة من شهر الصوم بسنّة الاعتكاف في هذا الجامع، وقال لهم أحد الفضلاء في محاورة بعد الدرس: قد شغلناكم وأنتم عاكفون، فقلت له: يقول أبو بكر بن العربي: إن المذاكرة في
стр. 5297
المسائل العلمية من قبيل الطاعات الملائمة لمقصد الاعتكاف، وكان هذا الجامع -كما قال ابن خلكان- خاناً يعرف بابن الزنجاري، وقد جمع أسباب الملاذّ، ويجري فيه الفسوق والفجور، فقالوا للملك الأشرف: إن مثل هذا لا يليق أن يكون في بلاد المسلمين، فهدمه، وعمره مسجداً جامعاً، وسمّاه الناس: جامع التوبة؛ كأنه تاب مما كان فيه.
ومن المسائل التي تعرض لها صاحب الختم: حكم القيام للوارد على المجلس؛ لأنه عادة يبالغ أهل المشرق في الاحتفاظ بها إلى أن يعيدوا القيام للرجل الواحد في المجلس الواحد ما تكرر دخوله، وقرر ما بسطه القرافي في "فروقه"، وانفصل على أن القيام قد يتعين إذا أدى تركه إلى انكسار خاطر، وانصداع شمل ألفة. وأنا أعهد لأبي بكر بن العربي في كتاب "الأحكام" تفصيلاً آخر؛ فإنه بعد أن ساق الأحاديث الواقعة في هذا الغرض، قال: وهذا راجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر ذلك، واعتقده لنفسه، منع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة، فإنه جائز، وخاصة عند الأسباب؛ كالقدوم من السفر ونحوه.
* ليلة العيد:
كنت جالساً ليلة العيد بالمنزل يسامرني وإخوتي بعض الفضلاء، فذكر أحدهم قول الخطباء في العيد: "ليس العيد لمن لبس الجديد، وإنما العيد لمن خاف يومَ الوعيد"، فنظمت لهم في هذا الغرض بيتين، وحشروهما في زمرة محفوظاتهم، وهما:
ما العيد للشعب في تنميق أثواب ... ولا ملاقاة إخوان وأصحابِ
وإنما العيد أن تحيا بصائرهم ... بنور هدي وعرفان وآداب
стр. 5298
اتفق لنا السمر ليلة بمنزل الأمير علي باشا، ولاقينا من ابنه الأمير عبد القادر تجلَّة فائقة، ولم يقنع بجلوسنا في المنزل الذي يتلقى فيه عامة الضيوف، حتى تجاوز بنا إلى دار بعده، وأطلعنا على آثار للأمير جده ﵀، ولما نهضنا للرواح، وسايرنا مودعاً، اعترضنا أحد القرّاء وارداً منزل الأمير ليتلو لهم كعادتهم ما تيسر من القرآن، فرغب منا هذا الأمير الرجوع لسماع تلاوته، فرتل ذلك الحافظ نصيباً من الآيات بلهجة مؤثرة جداً.
* من دلائل النبوة:
زرنا يوم العيد الأمير عبد الله بن الأمير عبد القادر، واحتفل المجلس بطائفة من أهل العلم، فجرت محادثات علمية دينية يأخذ أطرافها نظر ذلك الأمير الفاضل، وقرر الشيخ السعيد الزواوي في هذا المجلس: أن فيما يظهر له من دلائل النبوة: قوله ﵊: "لا نبي بعدي"، وذلك لأنه ثبت أنه ﵇ في أنهى درجة من الحكمة، وهذا يعترف به كل من ألقى نظره في أقواله وسيرته، ولو لم يعتقد برسالته، والرجل الحكيم يتحاشى أن يقضي على المستقبل بعبارة قاطعة؛ إذ لا يدري ما تلده الأيام، وتبرزه للناس من تصرفات الأقدار التي تنكث أقواله، وتحل عقد ما تنظمه من الشيعة والأتباع. فإقدامه ﵊ على هذه العبارة الفاضلة، مع ما مر من تلك القرون المتطاولة، ولم يظهر في الوجود ما ينقضها، بحيث لم يدّع أحد منصب النبوة وله شبهة في ادعائه، دليل على أنه إنما ينطق عن وحي سماوي ينزل به الروح الأمين على قلبه المنير.
فقلت له: وأنا أيضاً مما أعضد به إيماني ما جاء في القرآن من التشابه؛ فإني كثيراً ما أقول في نفسي: لو كان هذا القرآن من بشر يزعم الرسالة، لتحرى فيه العبارات الصريحة في العقائد التي يدعو إليها، واحتفظ غاية جهده أن يسوق
стр. 5299
فيه ما يشتبه على الأنظار، ولا يصح الاععقاد بظاهره، فورود الآيات المتشابهات في أثناء المحكمات، إنما يكون لحكم غامضة لا تخطر في عقول البشر.
والعلماء الذين بسطوا شيئاً من تفاصيلها؛ كالفخر الرازي، إنما اهتدوا إلى البحث فيها بعد أن اطلعوا على المتشابه، واعتقدوا بأنه لا يأتي في كلام الله إلا لأسرار بديعة، ولو لم ترد هذه النصوص المتشابهة، لما خطر على عقولهم تلك الحكم المقتضية لاندماجها في سلك المحكمات.
وقد قرروا في جملة هذه الحكم: أن من مقاصد الإسلام: الإذن للعقول أن تسرح في النظر، وتنبسط في الاعتبار، فكان من وسائل هذا: أن وردت في الشريعة أقوال لا يفهم المراد منها لأول سماعها، حتى يضطر السامع لعمل البحث، وإجالة الفكر في الوصول إلى ما يراد منها، وفي هذا تمرين للعقول على النظر والاتساع في الفكر، وإذا تعودت العقول بطبيعة التفكر والنظر، عافت الجمود، واستقذرت التقليد في معتقداتها.
وجرى في هذا المجلس حديث: "كما تكونون يولّى عليكم" فسقنا على هذا: أن أبا بكر الطرطوشي قال: بلغني هذا الحديث، فأخذت أفحص عنه من جهة السند، فمر علي وأنا أتلو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ [الأنعام: ١٢٩] الآية. فاكتفيت بها عن الحديث. وهذا الحديث ذكره السيوطي في "الفتاوى الحديثية"، وقال: رواه ابن جميع في "معجمه"، وذكر ابن الأنباري في بعض كتبه: أن الرواية: "تكونوا" بحذف النون، وتكلم هنالك على وجه إعرابه.
* زيارة القبور:
ومن عوائد الشام: أنك ترى زائرات القبور يوم العيد يحملن غصوناً
стр. 5300
ذات أوراق طرية ليضعنها على القبور، باعتقاد أنها تنفع الموتى كما تنفعهم الصدقات، ويستندون في هذا إلى حديث: غرز النبي ﵊ عودين من جريد على قبر من لا يستتر من بوله، ومن كان يمشي بنميمة، وقوله: "لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".
وقد فاوضني في هذه العادة أحد الفضلاء من الأرناؤوط يوم العيد، وذكر الحديث، فقلت له: إن غرز النبي ﷺ للعود الرطب لداعٍ غيبي، ومعنى يختص به، مثل أن تكون مدة بقاء الطراوة فيه غاية لما وقع فيه الطلب من تخفيف العذاب عنهما.
وما يفعله ﵊ لعلة غائبة عن أبصارنا لا ينبغي لنا أن نقدم إلى فعل مثله؛ فإن العلة غير متحققة بالنسبة لنا، ونظير هذا: حديث نزوله ﵊ والصحابة معه بالوادي، واستمرار النوم به إلى أن طلعت الشمس؛ فإنه ﵊ أمر بالرحيل، وقال: "إن هذا واد به شيطان"، فلا يصح لنا أن نقيس عليه حالتنا، حتى إذا طلعت الشمس علينا، ونحن بواد، تحاشينا أن نصلي فيه؛ لأن العلة التي استند عليها ﵊ لا طريق لنا إلى معرفتها كما قال أبو الوليد الباجي.
وبعد هذه المفاوضة اطلعت على إنكار أبي بكر الطوطوشي لهذه العادة، ومتابعة صاحب "المدخل" على هذا الإنكار.
* محاورة مع الشاعر خير الدين الزركلي:
ومن أدباء دمشق: الشاعر المجيد السيد خير الدين الزركلي، رأيته ينحو في شعره نحو فلسفة المعري، فخاطبته بقولي:
يا محضراً في برد شعر للنهى ... روح المعرّي كي تغازل بالحِكَمْ
стр. 5301
من علّم الشعراء أن يستحضروا ... روحاً تردّى جسمها ثوب العَدَمْ
فأجابني بقصيدة من شعره البليغ تحتوي على نحو ثلاثين بيتاً يقول في طالعها:
من للقريض إذا دعوت وللقلم ... والشرق صار به السبات إلى العدم
ألف السهادَ النائمون به كما ... ألف العلاءَ الناهضون من الأمم
ثم يقول:
ولربّ ذي خطلٍ يلقب عصرنا ... عصر الرقي صحا فأنكر ما زعم
ثم قال:
لو أن فيه أبا العلاء تحطمت ... أقلامه ولما شدا، ولما نظم
* الشيخ عطاء الكسم:
أهدى إليّ الشيخ عطاء الكسم من تأليفه رسالة في التوسل، وكتابة جمع فيها أصول المذهب الحنفي بأسلوب وجيز، وهذا الفاضل من أشهر علماء دمشق، وكان قد ابتدأ قراءة "صحيح الإمام البخاري" دراية، وانخرط في سلك درسه أخونا العروسي بن الحسين، وقدم له أبياتاً يقول في طالعها:
بشرى فشمس الهدى تجلت ... للفكر في حلّة الجمال
* قصيدة في تسمية حروف الهجاء:
وأطلعني أحد الأدباء في مجلة شرقية على رسالة للخليل بن أحمد في تفسير حروف الهجاء عند العرب نقلت من مجموعة في العراق، فأنشدته أبياتاً من قصيدة لأبي عبد الله الهواري الأندلسي في تسمية هذه الحروف كنت ظفرت بها من مجموعة في رحلتي للجزائر سنة ١٣٢١ هـ، وحيث كانت هذه الرسالة من
стр. 5302
التآليف النادرة، وتشتمل على بعض معان لم نعثر عليها في كتاب "القاموس"، ولا في "لسان العرب"، ننقل ملخصها هنا، وإليك التلخيص:
(الألف): الرجل الفرد. (الباء): الرجل الكثير الجماع. (التاء): البقرة تجلب. (الثاء): العين من كل شيء. (الجيم): الجميل المغتلم. (الحاء): المرأة السليط. (الخاء): شعر الاست. (الدال): المرأة السمينة. (الذال): عرف الديك. (الراء): القراد الصغير. (الزاي): الرجل الأكول. (السين): الرجل كثير التنحنح. (الشين): الرجل الكثير النكاح. (الصاد): الديك المتمرغ في التراب. (الضاد): الهدهد يرفع رأسه ويصيح. (الطاء): الرجل الشيخ الكثير الجماع. (الظاء): ثدي المرأة إذا انثنى. (العين): سنام البعير. (الغين): الإبل الواردة. (الفاء): زبد البحر. (القاف): المستغني عن الناس. (الكاف): الرجل المصلح للأمور. (اللام): الشجرة الناضرة. (الميم): النبيذ. (النون): السمك والدواة. (الهاء): أثر اللطمة في خد الظبي. (الواو): البعير ذو السنام. (الياء): النار.
وفي الجزء الثاني من "أدب اللغة العربية" لجرجي زيدان: من الكتب التي تنسب للخليل: كتاب في معاني الحروف في مكتبة ليدن، ومكتبة برلين.
أما قصيدة أبي عبد الله الهواري، فنقتطف منها أبياتاً؛ ليظهر أن هذه الرسالة كالشرح لها، وإليك المقتطف:
(الباء)
واحرص على المجد حرص الباء حين يرى ... حسناء تفتنه بالمنظر الحسن
стр. 5303
(الثاء)
وابحث على الثاء في كل الأمور فمن ... رأى الحقائق أمسى وهو ذو فطنِ
(الجيم)
وكن إذا الخطب مثل الجيم جدّ به ... طول المسير ولم يتعب ولم يَهِنِ
(الحاء)
لا تخدعنك حاء لا حياء لها ... فإنما هي كالخضراء في الدمن
(الدال)
وإنما الحسن في دال منعمة ... حبيبة زانها صمت على لسن
(الذال)
لا تخل نفسك من مجد تماز به ... فالديك لولا وجود الذال لم يبنِ
(الزاي)
واقنع ولا تك مثل الزاي من رجل ... إذا رأى الأكل يسعى سعي مفتتن
стр. 5304
(الشين)
وانهل إلى الخير مثل الشين لاح له ... وجه وَقَدٌّ كمثل البدر والغصن
(الصاد)
وكن مع الدهر مثل الصّاد يقنعه ... عفر التراب ولقط الحب في الدمن
(القاف)
والزم غنى النفس إن القاف شرّفه ... غناه عما بأيدي الناس من منن
(الكاف)
ما أسعدَ الكافَ بين الناس من رجلٍ ... يراقب الله في سرٍّ وفي علن
(الميم)
فإن دنياك مثل الميم تُسكر من ... صَبا إليها وإن أمسى أخا فطن
(الهاء)
وأدّب النفس لولا اللطم في أدب ... لم يزه بالهاء خد الشادن الحسن
стр. 5305
(الياء)
لا تركنن لياءٍ لا أمان لها ... واطلب جناب كريم النفس مؤتمن
* لقاء مع رجالات دمشق:
ولاقينا من فضلاء المدينة الناهضين: السيد شكري العسلي أحد مبعوثيها، والأمير الطاهر حفيد الأمير عبد القادر، والسيد محمد عابدين المعاون بهيئة المحاسبة، فكشف لنا لقاؤهم عن كرم خلق، وألمعية مهذبة، وقد زارنا الأخير في إحدى ليالي رمضان، ومما دار في السمر هذه الليلة: أن المناظرة في فروع الدين مع من لا يعتقد بصحة أصوله ليس لها كبير فائدة، وإنما تبدأ المناظرة مع من أرادها في الأصول والعقائد؛ فإنه يجد فيها الناظر الأداة المبكتة، والبراهين المسكتة، فإن لم تقع موقع التسليم، كانت المباحثة في الفروع غير مجدية، وإذا أخذت من نفسه مكاناً راسخاً، ذعن بعد ذلك لكل ما جاءت به الشريعة من التكاليف، ووضعها على كاهل الطاعة، ولهذا لا نجد نصوص الشريعة تتبسط في حكم التكاليف العملية وأسرارها، كما تنبه على دلائل العقائد الواجبة، بل تلقيها إلى المكلفين مجردة عن حكمتها في الغالب؛ فإن من يعتقد بأنها تنزيل من حكيم حميد، يلزمه الامتثال لأمرها، ولا يتوقف عن العمل بها إلى أن يدرك ثمرتها، كما قال تعالى في الرد على من قالوا: إنما البيع مثل الربا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
فلم يزد على أن نسب تحريم الربا إليه، دون أن يذكر له حكمة تفرق بينه وبين البيع، وفيه إيماء إلى أن معرفة الحكمة من الأحكام التي تضعها الشريعة السماوية غير لازمة، وليس القصد من هذا التقرير سد باب النظر
стр. 5306
في الحكمة من قوانين الشريعة؛ فإن الاطلاع على ذلك مما يزداد به القلب اطمئناناً، ويقوى به اليقين ارتباطاً، ولكن الغرض الذي نرمي إليه: أنها على فرض أن نبحث عن حكمة عمل شرعه الدين، ولم يظهر لنا سره واضحاً، فإنا نفوض العلم بحكمته إلى شارعه الذي قام الدليل على أنه عزيز حكيم، ولا يكون عدم اطلاعنا على الحكمة خادشاً في الاعتقاد بصحته، وانطباقه على رسم الصواب.
فإذا ناظرنا أجنبي عن الدين في عمل مشروع، فلا يأخذنا الخجل، أو تحوم حول قلوبنا الشبهة، إذا قصرنا أن نكشف له عن حكمة جلية تقع لديه موقع القبول.
* فراق دمشق:
عزمت على السفر من دمشق يوم الاثنين في شوال (١)، وزارنا قبل أن أبارح المنزل بساعة الفاضل الأمير عبد الله، يرافقه السيد الصادق المحمودي التونسي، وكان هذا الاجتماع آخر عهد بلقاء أولئك الفضلاء.
امتطيت الرتل، فأخذ يرغو ويضع، ويحمل ويضع، وكان فراق العائلة قد أخذ يلسع الحشاشة بذبالة ناره حتى قلت:
لئن صعدت حرّاء أنفاس راحلٍ ... رمى شمله قوس من البين راشقُ
فما لي أراك اليوم يا رتلُ ناحباً ... وشملك إذ تطوي الفلا متناسقُ
* المبيت في المريجات:
وحيث غادرنا دمشق، وما برح بعض الأمراض يتعهدها، قضينا أربعة
стр. 5307
أيام في "المريجات" بلد من جبل لبنان اتخذت محجراً صحياً لمن يرد من نواحي دمشق، ولو أني لبثت هذه المدة عن داعية خاطر مني، لحسبتها في أيام الارتياض بمشاهدة المناظر الزاهرة.
وممن قاسمني في هذه الإقامة، وقد سبقني إليها بيوم: الذكي السيد إبراهيم المستنطق بعدلية بيروت، وكان يسايرني في شعاب هذه القرية التي هي على قمة جبل، ويطوف بي على ما حولها من الرياض الرائقة، والأنهار الدافقة، وربما جلسنا على ربوة مطلة على مظاهر لا تسأم العيون من التمتع بمرآها الجميل، وكان في خلال ذلك المطاف يطارحني الأدب، وينشدني من شعره باللسانين العربي والتركي، وقلت في هذه الإقامة:
بين "المريجات" ما تحلو مناظره ... للطرف لكنّ نفسي سامها ضجرُ
والنفس تضجر من دار المقام على ... رغم وإن كان من سمّارها القمر
انطلقنا من "المرايجات" يوم الجمعة، وصعد من بعض مواقف الرتل رجل من أهالي لبنان يقارب في نطقه العربية الصحيحة، وكان هذا الرجل يلاحظ عباراتي، ويتفقدها من حيث الإعراب، حتى قال لي في آخر المحادثة، عندما أزمع على الانصراف: "هل جميع التونسيين يلفظون بالعربية؟ "، فقلت له: "لا يتفاوتون في قرب ألسنتهم منها، وإنما الذين ينسجون على منوالها، ويتحرون أساليبها هم طوائف أهل العلم والأدب.
* محاضرة شفيق المؤيد:
وصل الرتل إلى محطة ييروت، فألفيت السيد إبراهيم الذي كان يصاحبنا بالمريجات في انتظارنا، فقصدنا إلى خان يسمى: "قصر البحر"، وهذا القصر من أجمل المنازل من حيث التنسيق والموقع، ومن أهم ما روعي في مرافقه:
стр. 5308
بيت فسيح، فيه زرابي مبثوثة أعد لأداء الصلوات، وطالعت في أحد جدران مقعده العام معلّقة، رسمت بها قصيدة للشاعر الشهير السيد معروف الرصافي في وصف هذا القصر، يقول في طالعها:
لعمرك إن قصر البحر قصرٌ ... به يسلو مواطنَه الغريبُ
وتمتلئ العيون به ابتهاجاً ... إذا نظرت وتنشرح القلوبُ
ثم قال:
كأن الموج في الدلتا رجالٌ ... وهذا القصر بينهم خطيب
تخاطبهم مبانيه فيعلو ... من الأمواج تصفيق مهيب
وما انفردت به بيروت حسناً ... ولكن القصور بها ضروب
أعلمني السيد إبراهيم بأن السيد شفيق المؤيد سيلقي محاضرة في هذه الليلة بنادي جمعية "الحرية والائتلاف"، فذهبنا عند وقتها المحدود، يرافقنا السيد محمد صبحي بن الشيخ عبد الرزاق العطار، فتبوأنا مكاناً في الطبقة العليا من النادي، وأخذ الناس ينسلون فرادى وزمراً إلى أن أفعموا الطبقتين، وغصّ بهم المجلس على سعته، فأقبل السيد المحاضر تحف به طائفة يترنمون بأنشودة حماسية من نظم السيد سليم الجزائري إلى أن ارتقى على منصة الخطابة، فتقدم السيد عبد الغني العروسي صاحب جريدة "الائتلاف العثماني"، وألقى خطاباً أعلن فيه بموضوع المحاضرة، وأدبج فيه نبذة في التعريف بشأن المحاضر، ومن جملة ما قصه في حقه: أنه كان أحد مبعوثي الشام، وأنه خرج يوماً من مجلس "المبعوثان" بالآستانة، فبسط إليه أحد الرجال يده ليصافحه، فقبض يده، وقال له: "لا أصافح يداً خانت أمتها".
стр. 5309
كان موضوع المحاضرة: الدعوة إلى حزب الائتلافيين، ونكث اليد من حزب الاتحاديين، وقد تذكرت في هذا المقام قول معروف الرصافي:
فهم كالبحر يعطب راكبوه ... ويسلم منه من لزم الضفافا
ولكنه أتى فيها على تفاصيل، وضرب لها أمثالاً من التاريخ، فأنبأتْ بسعة اطلاعه في الأحوال الداخلة والخارجة.
* مفتي بيروت الشيخ مصطفى نجا:
زارني إلى قصر البحر فضيلة العالم الشيخ السيد مصطفى نجا المفتي ببيروت، يصاحبه بعض أهل العلم، ودارت في هذا المجتمع مسائل جرنا إليها سؤال بعض الحاضرين من ذوي التجارة، منها: حكم التعاقد مع شركة تأمين البضائع، فصرح الشيخ المفتي بأن الشريعة الإسلامية لا تبيح الدخول في هذه العقدة؛ إذ لا شبهة أنها من قِبل أكل أموال الناس بالباطل، فقد لا يطرأ على البضاعة تلف، فيكون المال الذي يدفعه صاحبها قد ضاع عنه بغير عوض، وإذا وقعت في متلفة، يكون قد أخذ قدراً من المال عن غير مقابل، وهذا هو الغَرر البين، والربا الفاحش الذي حرمته الشريعة تحريماً مغلظاً.
وقصّ علينا الشيخ المفتي نبذة من وقائع قصد بعض الرجال أن يخرقوا بها سياج المروءة والدين، فقام الشيخ إلى من بيده الأمر، وخاطبه خطاب الرجل الغيور، فكان لحمايته عن حرم المروءة والإنسانية فائدة وتأثير.
وذكرت لهم بمناسبة ما قص الشيخ المفتي: أن علي باشا أحد الأمراء بتونس، كان يستدعي إلى مجلسه أعيان العلماء، وفي زمرتهم الشيخ حمودة الريكلي أحد علماء ذلك العصر، فقال لهم الباشا يوماً: إني أكرم مثوى العلماء، وأرفع مقامهم أن يسوم حقوقهم خسف، كما كان يلحقهم فيما
стр. 5310
سلف، فشكر له بعض الحاضرين هذه الميزة، ولم يستطع الشيخ حمودة الريكلي أن يطوي حقيقة خطرت على ضميره الحر، فقال له: الوجه في هذا: أن من تقدم من العلماء كانوا يعترضون الأمراء فيما يسوقهم إليه عامل الاستبداد، فيطفئونهم حتى لا تكون حياتهم نوراً يكشف عن مساوئ أعمالهم، ونحن -أيها العلماء- قد ألقينا السلم، وتغاضينا عن كل سيئة، فبأي عذر تهضم حقوقنا، أو تنتهب أعمارنا؟! وقد وقع لهذه الموعظة أثر بالغ في نفس الباشا، فجازى الشيخ بالمكرمة، وأعاده إلى منزله على مركبه الخاص به، وعدّت هذه الواقعة منقبة فائقة للعالم والأمير.
وممن احتبك به هذا المجلس، وأخذ بطرف المحاورة فيه عن فكرة متنبهة: السيد نصوحي بك العظم من بيوت الفضل بدمشق، وله إقامات بمصر وعلاقات مالية، وكان قد شهد بعض دروسنا التي نلقيها بالجامع الأموي، وحدث الشيخ المفتي بأنه يراها دروساً مفيدة، حيث كانت تتحرى في بيان مقاصد الشريعة الطريقة المعتدلة.
* الشيخ راغب التميمي:
ولاقيت الشيخ راغب بن مصطفى التميمي أحد الأعيان بنابلس، وكان هذا الشيخ قاضياً بمصراته، ومر على الحاضرة منذ سنتين، كما لقيت ابنه زكي الدين في طائفة من وجهاء نابلس، وأقاموا لنا من مجاملتهم وثنائهم على صديقنا السيد محمد الصادق الجبالي التونسي دليلاً صادقاً على ما يتردد على أسماعنا من أن أهل هاتيك البلاد يلاقون الغريب بوجوه منبسطة، وصدور راضية.
دخلت إلى مطعم يرافقني السيد صبحي العطار، فجلسنا حول السفرة، وكان بمقربة منا شيخ متعمم يحادث صاحب المطعم، ويلاحظنا أحياناً، ولما
стр. 5311
وقفنا للانصراف، قام ذلك الشيخ، وناجى رفيقي مستكشفاً عن أثري، فأعطاه خبره، فأقبل عليّ مسلماً، وقال لي: كنت أصغي إلى حديثكما، فراقني بساط المحادثة، فهممت أن أدنو منكما، ولكني خشيت أن لا يقع دخولي في بساط حديثكما موقع الارتياح لديكما، حيث لم يسبق رابط التعارف، ثم عقد موعداً على زيارتنا مساء بعد أن عرفني رفيقي بأنه الشيخ عرفات المصري أحد المعلمين بمدرسة في رأس بيروت.
* بين الاستبداد والعدل:
دعيت للحضور بحفلة في إحدى المدارس لتفريق الشهادات على التلامذة، وكان رفيقاي في الذهاب والحضور: الشيخ عرفات، والسيد إبراهيم المستنطق بالعدلية، ولم يقع في هذا الاحتفال سوى أن شخَّص التلامذة رواية تضرب المثل لرذيلة الاستبداد المطلق، وفضيلة العدل، وقد ضحك الحاضرون لكل من الدورين، ففكرت في سر انبساطهم لتمثيل الاضطهاد والتعسف، وشأن النفوس الحرة أن تقطب لمنظرها الفظيع، فلاح لي في وجه ذلك: أنهم قد تصوروا من خاتمة الرواية انقلاب ذلك المشهد التعيس إلى نظام وعدالة، وكذلك الرجل يشاهد الباطل يعبث في مجمع من مجامع الحقيقة، وقد بصر يناصر الحق حين التفت إليه، وتأهب لدرئه عن مكان الجد، فإنه ينبسط ضاحكاً مما سيدحض هذا الباطل، حتى يستفيض من سكرة المتصابي، أو غشية المختبل.
كنت أمرّ في مناهج البلد، ومما أراه مرسوماً على بعض جدرانها لفظ: "إلى العلم"، ودخلت إلى جامع قرب محل الحكومة، فرأيت معلقة بإزاء محرابه كتب فيها بخط متسع: "اطلبوا العلم".
стр. 5312
* بحث في الحرية:
جاذبني السيد إبراهيم إلى البحث في الحرية، فقلت: الحرية يتطوع بها الرؤساء العادلون إذا عافت نفوسهم استعباد من ولدتهم أمهاتهم أحراراً، وقد تتبرج الأمة في بردها الشريف، حين يستولي عليها الشعور، وتتغلب عليها المعرفة بواجباتها، سنّة الله في سير الأمم؛ فإن العلم والأدب يثبت في نفوسهم أكبر الهمة، وإباية الاضطهاد، ويرفعها إلى مكانة واحترام في نظر الماسكين على أمرهم، فيعتدلون في سياستهم، ويغلّون يد من يعمد إلى جرح عواطفهم؛ محافظة على أن تكون قلوب رعيتهم الواقية ماسكة بطاعتها، راضية عن الإقامة تحت سلطتها.
* نفحة شعرية:
تجولت مع الأديب السيد إبراهيم السيد في بعض بساتين ذات أشجار وأنهار، وما برحنا نتطارح الآداب التي لها مساس بمقام الأشجار، حتى ذكرت له: أني كنت سمعت في دروس بعض أساتذتنا أيام التعلم بيتين، وهما:
عذ بالخمول ولذ بالذل معتصماً ... بالله تنج كما أهل النهى سلموا
فالريح تحطم إن هبت عواصفها ... دوح الثمار وينجو الشيح والرتمُ
فحولتها بعد انتهاء الدرس إلى قولي:
ذر الخمول ولذ بالعز معتصماً ... بالله كي تتوقى جيدك القدم
فالشيخ يحطمه دوس الثعالب إذ ... لم يعل هاماً وينجو الضال والسَّلَمُ
فاهتز لهما قائلاً: تحطيم الرياح، ولا وطئات الثعالب.
* رسالة للشيخ البوسي:
أطلعني من يد الشيخ عبد الرحمن أحد علماء بيروت على رسالة للشيخ
стр. 5313
البوسي في الفرق بين العرضي والذاتي بقلم مغربي، فإذا هي جامعة في الموضوع، وأول ما قابلني منها: أن تعريف الإنسان بقولهم: الحيوان الناطق للفلاسفة، وهم لا يقولون بوجود الملك، فلا يرد عن التعريف أن فصله غير مانع من دخول الملائكة.
* الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز:
كان خالنا العلامة القدوة الأستاذ الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز قد كتب لي كتاباً من الآستانة بثّ في مطويه الشوق إلى اللقاء، وقد مضى لنا في مدة فراق فضيلته خمس عشرة سنة، فانتفض الفؤاد اشتياقاً إلى زيارته المؤكدة بواجب القربى، وحقِّ الدروس التي كان قد ملأ أسماعنا بجواهرها الثمينة.
عزمت على أن أعرج في إيابي على الآستانة، فعمدت إلى باخرة روسية، وفي حين ما صعدت على متنها، لقيت رجلاً عليه زي علماء الأزهر، وفي يده سِفر، فقلت له: ما هذا الكتاب الذي تنظر فيه؟ فقال لي: ديوان شاعر يقال له: مسلم بن الوليد، فقلت له: أول من أفسد الشعر العربي أبو تمام، ومسلم ابن الوليد. فقال لي: لعلك صاحب أدب، فقلت له: وفي بعض الأحيان يجيش به صدري، فانعقد التعارف بيننا، واستمرت المرافقة إلى الآستانة، وهو الشيخ أحمد بن كمال الغزي اللبابيدي، قرأ بالأزهر نحو سبع سنين، وتولى التدريس بمدرسة الكمال والنجاح في مصر، وحرر مقالات أخلاقية وعمرانية في جرائد كثيرة.
جمعت هذه الباخرة طائفة عظيمة من أهل العلم، ما يين أساتذة وتلامذة، فحصل لنا من محاضرتهم ولطفهم ما يكشف ضجر الاغتراب، ويسلي النفس عن معاهد أنسها، فمن هؤلاء الفضلاء: الشيخ راغب التميمي، وابنه السيد
стр. 5314
زكي الدين، والسيد عبد الهادي من بلد الخليل، والسيد علي بن صالح من بلد إحدى القرى السورية.
وهذان الأديبان استقيا معارفهما من الأزهر، ثم من مدارس الآستانة، ولهما ذوق جيد في الشعر العربي، وفيما يصحبهما من الكتب: ديوان المتنبي، فكانا كثيراً ما ينشدان من قصائده، ويجري بيننا التفاهم في بعض أبياتها، وربما أمليت بعض انتقادات علقت عليها من قبل؛ كقوله في بعض أبياتها:
ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى ... عدواً له ما من صداقته بدُّ
فإن لفظ الصداقة هنا ركِّب في غير نظمه؛ إذ الإنسان إنما يضطر في معاملة عدوه إلى مداراته، لا إلى صداقته التي يؤخذ في معناها الإخلاص بالضمير، فكان التعبير بالمداجاة أشد التئاماً بالمراد.
كنت جالساً على طرف من الضابور، فجاءني رجل عليه سمة أهل العلم، وخاطبني خطاب من سبقت له معرفتي، وقال لي: إني متشوق إلى لقائكم؛ حيث حدثني بخبركم الشيخ عرفات ببيروت، وهذا الرجل هو الشيخ كمال الدين بن كامل المغربي، أعلمني بأن جده تونسي، وأنه من عائلة درغوث الشهيرة بالحاضرة، وقد أخذ هذا الشيخ معارفه من الأزهر، واستولى خطة القضاء بالسويداء من ولاية الشام، ثم في القطيف من ولاية البصرة، ويقيم الآن بعيداً، ويرافقه في السفر أخوه السيد محمود بقصد استكمال معلوماته في الآستانة.
* كلام على اللؤلؤ:
ونثر في بعض المحاضرات الكلام على اللؤلؤ، وأطلعنا أحد الرفقاء على كتابة لبعض المتأخرين في التعريف بنشأته، فاقتبست منها ما يأتي: قال
стр. 5315
القدماء: إن اللؤلؤ متكون من مطر ينزل في شهر نيسان، فتتلقى بعض قطراته الحيات، ويقع بعضها في الأصداف، فما وقع في أفواه الحيات، صار سماً ناقعاً، وما وقع في الأصداف، تبلور وصار لؤلؤاً، وقد عقد الشاعر العربي هذا المعنى بقوله:
أرى الإحسان عند الحر ديناً ... وعند النذل منقصة وذمّا
كقطر الماء في الأصداف دُرٌّ ... وفي جوف الأفاعي صار سمّا
وقال المحدثون في تكوين اللؤلؤ على ما ورد للعلامة الحوراني في كتابه: "الآيات البينات": إنه يستخرج من أصداف حيوانات عجيبة الصنع والتركيب، تعوم في أول نشأتها على وجه الماء، وتغتذي، ثم تهبط الأعماق تسكن هنالك، وتحمل إليها اللجة الهواء والغذاء، ويتكون عليها الصدف من المواد الكلسية للوقاية من الأخطار، والدرُّ متولد في لحمها من مادة أصدافها عينها، وأعمقه مغاصاً كبره حجماً. والجمهور اليوم على أنه ينشأ من تجمع رمل أو حيوانات ضارة تدخل الصدفة قسراً، فيفرز حيوانها مادة لزجة يغطيها بها، ثم تجمد وتتحجر.
ويذهب بعض العارفين: أن السبب الصحيح لإحداث اللؤلؤ إنما هو مرض يأخذ الحلز؛ بدليل أنه متى كان المغاص حسناً، تنمو فيه المحار كثيراً، وتبلغ حجماً عظيماً، وهي نقية ليس لسطحها الخارجي درن ولا ثؤلول، ولا نقوب تحدثها الديان، بل تراه ملساً جميلاً، يدل مجمع حالة على تمتع الحلز بالعافية، متى كان ذلك، ترى اللؤلؤ نادراً قليلاً، وأما إذا كانت الأصداف مشوهة الظاهر، متضخمة عند أسفلها، ملأى بالعقد والأدران، فهذه هي الأصداف الملأى باللآلئ الفاخرة، والدرر النادرة.
стр. 5316
وقد وجد المحار اللؤلؤي في كثير من الأنهار المنحدرة من جيال بريطانيا وكندا، ولكنه دون اللآلئ البحرية جنساً وقدراً.
وأشهر مغاص واقع عند ثغور الخليج الفارسي، والبحر الأحمر، وشواطئ جزيرة العرب، والبحر الهندي، وأستراليا، وبناما، وكاليفورنيا، وفينزويلا، وجزيرة مرغريتا، ويختلف ذوق الناس في لونه، فالأورييون يؤثرون الأحمر، والهنود وسائر من جاورهم يستحسنون الأصفر، وغيرهم وغيرهم.
* مكانة العلم:
عرض الكلام في شأن العلم، وكيف أدركت الأمم الشاعرة قيمته، فذكر بعضهم أن امرأة أميركانية ألّفت رواية، فاشتراها منها أحد أصحاب المطابع الأمريكانيين بثلاثة آلاف وسبع مئة وخمسين جنيهاً، وكذلك كانت الأمة الإسلامية قبل هذا تشعر بحقيقة العلم، وتمهد العقبات المعترضة في سبيل الطالبين؛ فقد حكى ابن السبكي في "الطبقات": أن أبا نعيم الأصبهاني المتوفى في محرم سنة ٤٣٠ هـ، لما صنف كتاب "الحلية"، وحمل إلى نيسابور حال حياته، اشتروه بأربع مئة دينار.
ذكرنا لهم: أن الشيخ ابن عرفة حكى في درس تفسيره: أن أحمد بن يوسف السلمي الكتاني قال: قلت لشيخنا ابن عصفور: لم أكثرت من الشواهد في شرحك للإيضاح على "كأين"؟ قال: لأني دخلت على الأمير أبي عبد الله المنتصر، فألفيت ابن هشام خارجاً من عنده، فأخبرني أنه سأله عما يحفظ من الشواهد على قراءة "كأين"، فلم يستحضر غير بيت "الإيضاح":
وكأين بالأباطح من صديق ... يراني لو أصبت هو المصابا
قال ابن عصفور: فلما سألني أنا، قلت: أحفظ فيها خمسين بيتاً، فلما
стр. 5317
أنشدته نحو العشرة، قال: حسبك، ثم أعطاني خمسين ديناراً. فمحاضرة هذا الأمير لأهل العربية في دقائقها واحداً بعد واحد، ومكافأته في مثل إنشاد البيت الواحد بخمسة دنانير، مما يتوجه بعزائم قومه إلى التسابق في طرق التعليم، ويشد رغبتهم في الاستقاء من موارده العالية.
* معنى كلمة المسجد:
ومما عرض في المذاكرة: أن بيت المقدس كان عند نزول قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] خرب، وقال ابن عساكر في "تاريخه": إن بيت المقدس حين فتحت كانت منقوضة، وإن عمر هو الذي أمر ببناء المسجد. وكان الجواب عن الآية: أن المسجد اسم للمكان الذي أعد للسجود، وليس من شرط إطلاق المسجد على المكان أن يكون محاطاً ببناء، وعلى إرخاء العنان، وتسليم اعتبار شرط البناء في هذا الإطلاق، فباب المجاز مفتوح، فقد كان قبل نزول الآية ذا بناء كما صار أمره بعد نزولها إلى إقامة جدرانه.
* ساعات في الإسكندرونة:
وقفت الباخرة بمرأى من طرابلس الشام، وفاتنا أن ننزل إلى داخل البلد؛ لما سبق في ظننا أن الباخرة لا تلبث المدة الكافية للتجول بها، ولكنها أقامت عشية وضحاها.
سارت الباخرة إلى أن وصلت مرساها إزاء إسكندرونة، فنزلنا للاستطلاع عليها، لبثنا فيها نحو ثلاث ساعات، ثم عدنا إلى الباخرة، وهذه البلد يحيط بها الجبل من جهة البر، ولغة أهلها العربية والتركية.
جلسنا على سطح الباخرة قبل أن تقلع، فطلع القمر من رأس الجبل، وبسط شعاعه على البحر، فأنفذ لنا منظراً يهز القرائح لنسج القريض، فأنشأ
стр. 5318
الشيخ أحمد الغزي شطراً في الغزل، وطلب مني إجازته، فأجزته، واستمرت المساجلة إلى أن تألف منها نحو ستة أو سبعة أبيات، رسمها ذلك الأديب بورقة بقيت عنده، ومما قاله في هيئة القمر حين أخذ في الطلوع، وظهر نصفه فوق الجبل:
لاح شطر البدر من فوق الربى ... وله في البحر تمثالٌ أغر
فاطمأن اليوم قلبي إذ رأى ... رأي عين كيف ينشق القمر
ورأيت الباخرة الخديوية قادمة إلى المرسى والجبل أمامها، فقلت:
هذي السفينة تغري الموج جارية ... لمستقرٍّ لها كي تدرأ الكللا
فأذكرتني بمسراها إلى جبل ... قول الخليفة: يا سارية الجبلا
بلغنا إلى "مرسين" فنزلتها رفيقاً للشيخ مصطفى راغب، والشيخ سالم ابن عثمان أحد علماء يافا، والسيد محمود درغوث، فطفنا بأكثر مناهجها وبعض مساجدها، ثم آوينا إلى جامعها الكبير لأداء صلاة الجمعة، فأخذ قارئ مصري يرتل القرآن بأسلوب يستنبط الدمع من الآماق، ثم صعد الخطيب المنبر، فأحسن الخطابة، ومن جملة ما نطق به في الخطبة قوله: أيها المسلمون! ما بال الإسلام في نزول، وغيره في صعود؟! وما بال المسلمين في نحوس، وغيرهم في سعود؟! وما بال الشرع في عدم، وغيره في وجود؟! ... إلخ.
ركب الباخرة من "مرسين" طائفة من العلماء، منهم: الشيخ أحمد بن محمد شكري، والشيخ ولي الدين بن والي، والشيخ علي رضا، فتعززت بهم اجتماعاتنا العلمية، وازدادت بهم رنة الأدب نغمات لذيذة.
* التعصب للمذهب:
دار الكلام على التعصب للمذهب، والذين يطلقون ألسنتهم في الازدراء
стр. 5319
بالمذاهب التي لا يتقلدونها، هذا إنما يقع في الغالب ممن اكتفى بقراءة الفروع في مذهبه، فهو؛ لجهله بغيره من المذاهب، يحملها على ضعف المدرك، والرمي بها على غير بينة، أما من طالع جملة في شرح الحديث والتفسير، ونظر في كتب الخلاف، فإنه يقف على مدارك الأئمة، ويراهم كيف يتحرون مقصد الشريعة، ويستندون فيما يقررونه من الأحكام إلى الدلائل المنصوبة من قبل الشارع، وإذا سبق له أن هذا قد أحكم الاستدلال في قضية، فقد يظهر له أن الآخر قد أصاب المفصل في قضية أخرى.
* النزول في أزمير:
رست الباخرة على "أزمير"، فسألت طائفة من رفقائنا: هل سبقت لهم معرفة بدخولها؟ فذكر بعضهم أنه أتى عليها مرتين أو ثلاثاً، ولم يتفق له النزول إلى داخلها، فقلت: ننزل قضاء لحق الجغرافيا، فانحدرنا في زورق، وتجولنا بها مقدار ساعتين، ثم انقلبنا إلى الباخرة، وصاحبنا في الزورق عند معادنا أحد المدرسين بقرية قريبة من أزمير، فخاطبه رفيق تركي بلغته، وقال له مشيراً لي: هذا يتكلم بالعربية، فنطق ذلك المدرس بلسان عربي قائلاً: "أنا لا أفهمه إلا إذا خاطبني بالعربية الفصحى"، فتجاذبنا طرف الحديث، إلى أن وصلنا إلى الباخرة.
* الوصول إلى إستنبول:
عرجت الباخرة على جزيرة "رودس"، وأقامت تجاهها نحو ثلاث ساعات، ثم أقامت وسارت إلى أن ولجت "بوغاز الدردنيل" فسبحت فيه ليلة ونصف يوم إلى الآستانة، وألقت مراسيها قريباً من الرصيف، فانحدرنا في زورق إلى إستانبول، فلقينا فضيلة المحقق الهمام الشيخ سيدي محمد
стр. 5320
المكي بن عزوز في انتظارنا، وأقمنا بمحل حضرته "باشكطاش".
زرت جامع آية صوفيا، وشهدت به درسين يقرران باللسان التركي، أحدهما في التفسير، والآخر في الفقه.
ثم زرت جامع بايزيد، وشهدت به دروساً أيضاً باللسان التركي، ويقال: إن الشيخ الفناري الذي كان قاضياً بالآستانة، عاتب السلطان بايزيد على عدم حضوره الصلاة في الجامع، فأنشأ هذا الجامع؛ ليحرز فيه صلاة الجماعة.
* الكلام على الحلول والاتحاد:
وزرت مكتبة راغب باشا، فلقيت بها الشيخ أحمد باي أحمد علماء بغداد، أخبرني أنه طالع "الفتوحات المكية" مرات عديدة، وزاول الكتب العالية في الأصول والحكمة والبلاغة، واتفق أن لم يبسط في هذا المجلس سوى الكلام على الحلول والاتحاد الذي ينسب للصوفية، وقال: إن المعترضين لم يفهموا مرادهم، وأخذ يقرر محاضرين باللسان التركي، فالتفت نحوي أحدهم، وقال لي: مالك لا تتكلم في هذه المسألة؟ فقررت حينئذ ما أعهده للشيخ أبي عبد الله محمد بن قاسم البكي في شرح عقيدة أبي الحاجب، وذلك أقرب ما يفهم، وأوجز ما علق بذهني في هذا المطلب، وهو أن من الناس من ينسب القول بالاتحاد والحلول إلى الصوفية، بل إلى الكل منهم، كما وقع ذلك للشيخ أبي حامد في كتبه، أخذاً من ظاهر كلام الأشياخ؛ كأبي يزيد البسطامي، وهذا إنما يتوهمه فيهم من ليس له اطلاع على أحوالهم، على أنه لم يرد في اصطلاح القوم شيء من إطلاق الحلول والاتحاد، إلا ما وقع في اصطلاح المتأخرين؛ كالشيخ ابن الفارض ومن معه من إطلاق لفظ الاتحاد، وأما الحلول، فلم يطلقه أحد، ومراد الشيخ ابن الفارض في الاتحاد: ما ذكره بعض المتأخرين
стр. 5321
في الاصطلاح، وهو شهود اتحاد تعلق الموجودات كلها به -جلّ وعلا-؛ إذ هي به موجودة لا بنفسها، وهذا هو المسمّى عندهم: بالفناء في التوحيد، كما صرح به الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب: الصبر في "إحيائه".
ولا يبعد أن تكون طائفة قد انتمت إلى الإسلام ظاهراً، واستعارت لباس الصوفية، لما علمت من مكانتهم في معتقد الأمة، وأخذت تبث هذه المقالات الناقضة لأساس الدين، وهذا الشيخ محيي الدين بن عربي، الذي هو أبعد الصوفية مرمى في هذا المقام يقول في (صحيفة ٣٩) من أول "فتوحاته": "تعالى الله أن تحله الحوادث، أو يحل في الحوادث".
وحدثني خالنا الأستاذ: أن راغب باشا لما أنشأ هذه المكتبة، فكر ليضع لها تأريخاً، ففطنت به امرأة عارفة، فقالت: "فيها كتب قيمة (١) "، فكانت هذه الجملة تأريخ تأسيس المكتبة، وقد رسموها في لوح معلق الآن في ناحية بابها.
* الخطباء من الترك:
شهدت الجمعة بالجامع الذي أنشأه السلطان عبد الحميد إزاء قصر "يلدز" ثم جامع "آية صوفيا"، ثم جامع الشيخ ظافر.
لا يبسط الخطباء من الترك في الموعظة، وإنما يأتي الخطيب بالديباجة من حمد وصلاة ورضا عن الصحابة، ثم يلقي جملة فيها أمر بالتقوى، ويضيف إليها حديثاً أو آية. وذاكرت في هذا أحد الأساتذة، وقلت: لعلهم يراعون أن غالب الحاضرين لا يفهمون العربية، فيقتصرون على القدر الذي يتم به نصاب الخطبة؟ فقال: كان هذا من أثر العصر السالف حيث يخشى من استطالة الخطبة أن تبث فيها آراء سياسية.
стр. 5322
* الشيخ إسماعيل الصفايحي:
زرت فضيلة العلامة الهمام الأستاذ الشيخ سيد إسماعيل الصفايحي (١) بمنزله القريب من السراي، فبذل لنا من المبرة والابتهاج باللقاء ما لا يسع اللسان شكره.
زرت هذا الأستاذ مرة، وجاوزت الحديقة إلى البيت الذي يلاقي فيه الزائرين، فألفيته مستقبل القبلة، وهو يقرأ "صحيح البخاري" بلهجته الطيبة، فجلست بكرسي على جانب منه، ولم أشعره بحضوري في البيت؛ ليستمر على القراءة ما شاء، ولكنه لحظني، فقرأ بعد ذلك حديثاً أو حديثين، ثم أطبق السفر، وختم بالدعاء، وأقبل على بالترحاب.
زرت في صحبة فضيلته الزكي الفاضل السيد أليفي شيخ مشايخ الطرق، وتناول حضرة الأستاذ، إلى أن ألقى في تقديمي إلى الشيخ وتعريفه بحالي، عبارات صاغها خلوص ضميره، ورقة عواطفه عليّ، فقد كنت كلفاً بأساليب تعليمه، ومعظم ما أدركت في التعلم من دروسه. وبينما نحن جالسون إلى حضرة هذا الشيخ، ورد على المجلس شيخان، أحدهما عربي، والآخر تركي، فأخذ الأول يتكلم في اصطلاحات صوفية؛ كالفرق بين المظهر والتجلي، ثم قدم إلى شيخ الشيوخ إجازة ليطالعها.
* تسمية كتاب "الشفا ":
مما أعلمني به فضيلة خالنا الأستاذ: أن الشيخ محمود الشنقيطي انتقد على القاضي عياض ﵀ تسمية كتابه بالشفا، وقال: إن الشفا ممدود، ولا يسوغ قصره إلا لضرورة الشعر، وهي مفقودة في وضع هذا الاسم، وقال
стр. 5323
الشيخ الأستاذ: كنت أجبت عن هذا؛ بأن اسم الشفا قد وقع موقع الوقف؛ حيث أتى خاتمة فاصلة، والممدود يوقف عليه بالقصر، كما هو مقرر في علم القراءة.
فذكرت في هذا المجلس: أن الإمام ابن عرفة نقل عن الشهاب القرافي اعتراضه على الإمام المازري في تسمية كتابه "المحصول"، وقال: إن المحصول اسم مفعول، وفعله قاصر، فالصواب أن يسمّى: المحصول فيه، وقال الشيخ ابن عرفة: وهذا غير لازم؛ فإنه علم، والأعلام لا تجري تحت ضابط، وقد قال تعالى: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤].
ولو كانت مراعاة القاعدة لازمة هنا، لقال: المنتهى إليها. فيصح أن يقتبس من هذا التقرير جواب ثان عن التسمية بالشفا، فقال الأستاذ: وهذا أيضاً جواب يحل الاعتراض.
* عيادة مريض:
خرجت ليلة صحبة فضيلته لزيارة أحد الأصدقاء، والسبلُ وعرة، والمطر يرشح، فكنت أقتفي أثره وأتمهل في الانحدار، فقال لي: سر على أثري، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] بسكون الثاء وفتحها، فقلت: يؤخذ من الآية: أن الإنسان يخبر بما يظنه واقعاً، ولا حرج عليه أن يبرز الخبر في صورة القطع؛ فإن سيدنا موسى ﵇ كان يظن أن قومه في أثره، وألقى الخبر، وذلك من غير أن يسنده إلى ظن، فقال الشيخ الأستاذ: هذا حسن، ورتب عليه قول الفقهاء: واعتمد البات على ظن قوي.
زار فضيلة الأستاذ منزل الزكي السيد محمد بلكباش التونسي عائداً له، فلم يوافق حضوره في البيت، فلما حدثني الأستاذ بذلك، أنشدت البيت:
стр. 5324
وأعجبُ شيء سمعنا به ... مريضٌ يُعاد فلا يوجدُ
فقال -حفظه الله-: قد ذكرت هذا البيت، وأضفت إليه بيتاً آخر، وأنا نازل في درج السيد المعاد، وهو:
ولكن يدل على برئه ...
ثم كرر هذا الصدر ليتذكر العجز، فقلت: وذلك غاية ما يقصد فقال: بل قلت:
فمن أجل ذا ربنا نحمد
وهكذا كانت مجالسه فائضة بالفوائد والآداب.
كنت ماراً رفيق ذلك الأستاذ على الجسر الذي يصل إستانبول "غلطة"، فلقينا السيد وجيه من أبناء الشيخ الجيلي ﵁، وأحد الكتاب بباب المشيخة، ومما ذكر الأستاذ في التعريف بشأنه: أنه ينظم الشعر باللغات العربية والتركية والفارسية.
* حديث المهدي:
ركبت في بعض الأيام الباخرة التي تتردد ما بين باشكطاش وإستنبول، وكان جلوسي بجنب رجل من الأهالي، فبعد أن خطب معرفتي، بسط في الثناء على فضيلة الأستاذ الشيخ سيدي إسماعيل، وحدثني بأنه كان يتضلع في دروسه في الحديث، وهذا الرجل هو السيد حسن فوزي أحد الكتاب بالباب العالي، وقد سألني في هذا المجلس عن خبر المهدي، فذكرت في جوابه خلاصة ما في رسالة السيوطي المسماة "العرف الوردي"، وما قاله ابن خلدون من الخدش في تلك الأحاديث، وذكر حديث: "لا مهدي إلا عيسى" فذكرت له ما أعهده لابن السبكي في "الطبقات"؛ فإنه قال في ترجمة يونس بن عبد الأعلى
стр. 5325
ابن حيان: وتكلم جماعة في هذا الحديث، والصحيح فيه: أن محمد بن خالد الجندي تفرد به، وذكر أبو عبد الله الحاكم أن الجندي رجل مجهول.
* الشيخ عبد العزيز جاويش:
لقيت العالم الشيخ عبد العزيز جاويش بعد إيابه من مصر، وثبوت براءته مما ألصقوه به من التهمة بحادثة الأوراق، فأنشدته عندما ظهر عليه الأسف من حال السجن على وجه التسلية وترويح الخاطر: قول ابن الجهم:
قالوا: حُبست، فقلت: ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمدُ
والحبسُ ما لم تغشَهُ لدنِيَّةِ ... شنعاء نِعْمَ المنزل المتورّدُ
وقد نظم له الشاعر الرصافي قصيدة في هذا الغرض يقول في طالعها:
إني عهدتك لا تكون بؤوساً ... مهما لقيت مصائباً ونحوسا
كم قد صدمتَ النائبات بهمة ... جعلت لها الصبر الجميل لبوسا
إلى أن يقول:
جارت سياستهم عليك فأغضبت ... أهل العدالة سائساً ومسوسا
ولو أنّ أخلاق الرجال صحيحةٌ ... ما كان حقك عندهم مبخوسا
إن يظلموك فإن حبك لم يزل ... في قلب كل موحِّد مغروسا
والشمس تشهد أن فضلك مثلها ... تحيي النفوس وتقتل الحنديسا
ولئن لقيت أذى فكم من مصلح ... لقي الأذاة مفجعاً متعوسا
ضحكت وجوه الترهات ولم يزل ... وجه الحقيقة في الأنام عبوسا
وجدته حين لقيته يفسر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء: ١٦] الآية ... على معنى: جعلنا مترفيها أمراء، ففسقوا باتباع الهوى، واحتياز