← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

في الاصطلاح، وهو شهود اتحاد تعلق الموجودات كلها به -جلّ وعلا-؛ إذ هي به موجودة لا بنفسها، وهذا هو المسمّى عندهم: بالفناء في التوحيد، كما صرح به الشيخ أبو حامد الغزالي في كتاب: الصبر في "إحيائه". ولا يبعد أن تكون طائفة قد انتمت إلى الإسلام ظاهراً، واستعارت لباس الصوفية، لما علمت من مكانتهم في معتقد الأمة، وأخذت تبث هذه المقالات الناقضة لأساس الدين، وهذا الشيخ محيي الدين بن عربي، الذي هو أبعد الصوفية مرمى في هذا المقام يقول في (صحيفة ٣٩) من أول "فتوحاته": "تعالى الله أن تحله الحوادث، أو يحل في الحوادث". وحدثني خالنا الأستاذ: أن راغب باشا لما أنشأ هذه المكتبة، فكر ليضع لها تأريخاً، ففطنت به امرأة عارفة، فقالت: "فيها كتب قيمة (١) "، فكانت هذه الجملة تأريخ تأسيس المكتبة، وقد رسموها في لوح معلق الآن في ناحية بابها. * الخطباء من الترك: شهدت الجمعة بالجامع الذي أنشأه السلطان عبد الحميد إزاء قصر "يلدز" ثم جامع "آية صوفيا"، ثم جامع الشيخ ظافر. لا يبسط الخطباء من الترك في الموعظة، وإنما يأتي الخطيب بالديباجة من حمد وصلاة ورضا عن الصحابة، ثم يلقي جملة فيها أمر بالتقوى، ويضيف إليها حديثاً أو آية. وذاكرت في هذا أحد الأساتذة، وقلت: لعلهم يراعون أن غالب الحاضرين لا يفهمون العربية، فيقتصرون على القدر الذي يتم به نصاب الخطبة؟ فقال: كان هذا من أثر العصر السالف حيث يخشى من استطالة الخطبة أن تبث فيها آراء سياسية.

стр. 5322

* الشيخ إسماعيل الصفايحي: زرت فضيلة العلامة الهمام الأستاذ الشيخ سيد إسماعيل الصفايحي (١) بمنزله القريب من السراي، فبذل لنا من المبرة والابتهاج باللقاء ما لا يسع اللسان شكره. زرت هذا الأستاذ مرة، وجاوزت الحديقة إلى البيت الذي يلاقي فيه الزائرين، فألفيته مستقبل القبلة، وهو يقرأ "صحيح البخاري" بلهجته الطيبة، فجلست بكرسي على جانب منه، ولم أشعره بحضوري في البيت؛ ليستمر على القراءة ما شاء، ولكنه لحظني، فقرأ بعد ذلك حديثاً أو حديثين، ثم أطبق السفر، وختم بالدعاء، وأقبل على بالترحاب. زرت في صحبة فضيلته الزكي الفاضل السيد أليفي شيخ مشايخ الطرق، وتناول حضرة الأستاذ، إلى أن ألقى في تقديمي إلى الشيخ وتعريفه بحالي، عبارات صاغها خلوص ضميره، ورقة عواطفه عليّ، فقد كنت كلفاً بأساليب تعليمه، ومعظم ما أدركت في التعلم من دروسه. وبينما نحن جالسون إلى حضرة هذا الشيخ، ورد على المجلس شيخان، أحدهما عربي، والآخر تركي، فأخذ الأول يتكلم في اصطلاحات صوفية؛ كالفرق بين المظهر والتجلي، ثم قدم إلى شيخ الشيوخ إجازة ليطالعها. * تسمية كتاب "الشفا ": مما أعلمني به فضيلة خالنا الأستاذ: أن الشيخ محمود الشنقيطي انتقد على القاضي عياض ﵀ تسمية كتابه بالشفا، وقال: إن الشفا ممدود، ولا يسوغ قصره إلا لضرورة الشعر، وهي مفقودة في وضع هذا الاسم، وقال

стр. 5323

الشيخ الأستاذ: كنت أجبت عن هذا؛ بأن اسم الشفا قد وقع موقع الوقف؛ حيث أتى خاتمة فاصلة، والممدود يوقف عليه بالقصر، كما هو مقرر في علم القراءة. فذكرت في هذا المجلس: أن الإمام ابن عرفة نقل عن الشهاب القرافي اعتراضه على الإمام المازري في تسمية كتابه "المحصول"، وقال: إن المحصول اسم مفعول، وفعله قاصر، فالصواب أن يسمّى: المحصول فيه، وقال الشيخ ابن عرفة: وهذا غير لازم؛ فإنه علم، والأعلام لا تجري تحت ضابط، وقد قال تعالى: ﴿سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٤]. ولو كانت مراعاة القاعدة لازمة هنا، لقال: المنتهى إليها. فيصح أن يقتبس من هذا التقرير جواب ثان عن التسمية بالشفا، فقال الأستاذ: وهذا أيضاً جواب يحل الاعتراض. * عيادة مريض: خرجت ليلة صحبة فضيلته لزيارة أحد الأصدقاء، والسبلُ وعرة، والمطر يرشح، فكنت أقتفي أثره وأتمهل في الانحدار، فقال لي: سر على أثري، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] بسكون الثاء وفتحها، فقلت: يؤخذ من الآية: أن الإنسان يخبر بما يظنه واقعاً، ولا حرج عليه أن يبرز الخبر في صورة القطع؛ فإن سيدنا موسى ﵇ كان يظن أن قومه في أثره، وألقى الخبر، وذلك من غير أن يسنده إلى ظن، فقال الشيخ الأستاذ: هذا حسن، ورتب عليه قول الفقهاء: واعتمد البات على ظن قوي. زار فضيلة الأستاذ منزل الزكي السيد محمد بلكباش التونسي عائداً له، فلم يوافق حضوره في البيت، فلما حدثني الأستاذ بذلك، أنشدت البيت:

стр. 5324

وأعجبُ شيء سمعنا به ... مريضٌ يُعاد فلا يوجدُ فقال -حفظه الله-: قد ذكرت هذا البيت، وأضفت إليه بيتاً آخر، وأنا نازل في درج السيد المعاد، وهو: ولكن يدل على برئه ... ثم كرر هذا الصدر ليتذكر العجز، فقلت: وذلك غاية ما يقصد فقال: بل قلت: فمن أجل ذا ربنا نحمد وهكذا كانت مجالسه فائضة بالفوائد والآداب. كنت ماراً رفيق ذلك الأستاذ على الجسر الذي يصل إستانبول "غلطة"، فلقينا السيد وجيه من أبناء الشيخ الجيلي ﵁، وأحد الكتاب بباب المشيخة، ومما ذكر الأستاذ في التعريف بشأنه: أنه ينظم الشعر باللغات العربية والتركية والفارسية. * حديث المهدي: ركبت في بعض الأيام الباخرة التي تتردد ما بين باشكطاش وإستنبول، وكان جلوسي بجنب رجل من الأهالي، فبعد أن خطب معرفتي، بسط في الثناء على فضيلة الأستاذ الشيخ سيدي إسماعيل، وحدثني بأنه كان يتضلع في دروسه في الحديث، وهذا الرجل هو السيد حسن فوزي أحد الكتاب بالباب العالي، وقد سألني في هذا المجلس عن خبر المهدي، فذكرت في جوابه خلاصة ما في رسالة السيوطي المسماة "العرف الوردي"، وما قاله ابن خلدون من الخدش في تلك الأحاديث، وذكر حديث: "لا مهدي إلا عيسى" فذكرت له ما أعهده لابن السبكي في "الطبقات"؛ فإنه قال في ترجمة يونس بن عبد الأعلى

стр. 5325

ابن حيان: وتكلم جماعة في هذا الحديث، والصحيح فيه: أن محمد بن خالد الجندي تفرد به، وذكر أبو عبد الله الحاكم أن الجندي رجل مجهول. * الشيخ عبد العزيز جاويش: لقيت العالم الشيخ عبد العزيز جاويش بعد إيابه من مصر، وثبوت براءته مما ألصقوه به من التهمة بحادثة الأوراق، فأنشدته عندما ظهر عليه الأسف من حال السجن على وجه التسلية وترويح الخاطر: قول ابن الجهم: قالوا: حُبست، فقلت: ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمدُ والحبسُ ما لم تغشَهُ لدنِيَّةِ ... شنعاء نِعْمَ المنزل المتورّدُ وقد نظم له الشاعر الرصافي قصيدة في هذا الغرض يقول في طالعها: إني عهدتك لا تكون بؤوساً ... مهما لقيت مصائباً ونحوسا كم قد صدمتَ النائبات بهمة ... جعلت لها الصبر الجميل لبوسا إلى أن يقول: جارت سياستهم عليك فأغضبت ... أهل العدالة سائساً ومسوسا ولو أنّ أخلاق الرجال صحيحةٌ ... ما كان حقك عندهم مبخوسا إن يظلموك فإن حبك لم يزل ... في قلب كل موحِّد مغروسا والشمس تشهد أن فضلك مثلها ... تحيي النفوس وتقتل الحنديسا ولئن لقيت أذى فكم من مصلح ... لقي الأذاة مفجعاً متعوسا ضحكت وجوه الترهات ولم يزل ... وجه الحقيقة في الأنام عبوسا وجدته حين لقيته يفسر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ [الإسراء: ١٦] الآية ... على معنى: جعلنا مترفيها أمراء، ففسقوا باتباع الهوى، واحتياز

стр. 5326

المنافع لأشخاصهم، بدون احترام للحقوق، ولا مبالاة بسوء العاقبة، فقلت له: ومن وجوه تفسير الآية: أنها واردة على معنى: أمرناهم بالعدل، وما فيه تقوى، ففسقوا بالجور واتباع الشهوات، فقال: نعم، قيل هذا، ولكني أفضل الوجه الأول في التفسير، والوجه الذي ذكرناه صدر به الرازي، ونسبه إلى الأكثر. * فضيلة الاتحاد: جذبني إلى الكلام في فضيلة الاتحاد، فقلت: إن الاختلاف طبيعة بشرية لا تخلو عنه هيئة مجتمعة؛ فإن أسبابه من الأعراض اللازمة للهيئات الاجتماعية، وترجع هذه الأسباب إلى أمرين: أحدهما: تفاوت في إدراك الحقائق؛ فقد تبصر هذه الطائفة الصلاح في عمل، فتقبل عليه بسعي حثيث، ويقصر عنه نظر طائفة أخرى، فتغمض عنه أجفانها، وتأخذ بيد غيرها إلى الإدبار عنه. ثانيهما: تفريق الأهواء؛ فقد تستوي أنظار الطائفتين في العلم بالمصلحة، ولكن تبتلى إحداهما بهوى غالب، يطيش بها إلى لذة خاصة، ويقطعها عن الأخذ بالمصالح المشتركة. وإذا كانت أسباب الخلاف في الآراء والمساعي طبيعة بشرية، فالساعي إلى الاتحاد لا يقصد بدعوته أن ترضى الأمة عن كل رأي ينشر، أو تلتئم مع كل جمعية تؤلف؛ بحيث ترخي ذيل التغاضي عما يعرض في الآراء من الخطأ، أو توسع قبولها لكل ما يصدر عن الجمعيات من الأعمال، وإنما يريد فيما ينصح: أن تتحرى الأمة العمل على شاكلة الوفاق، وإذا فتّتهم طبيعة اختلاف العقول، أو تغلب الأهواء في شعبة، وقفوا عند حد لا يشرف بهم على خاتمة سيئة.

стр. 5327

* زيارة مكتبات استنبول: زرت مكتبة عاشر، ومما ألفيته في كتبها النادرة: تفسير لمجد الدين صاحب "القاموس"، وطالعت منه نبذة، فإذا هو من أحسن التفاسير، ولكنه لا يكتب في كل آية. وزرت مكتبة قرب بني جامع، فألفيت بها تآليف نادرة، منها: "شرح ابن جني على ديوان الحماسة"، و"إرشاف الضرب" لأبي حيان، وشروح: ناصر الدين الترمذي، وسلطان شاه، وحسام الدين الموذني، وعماد الدين الكاشي على كتاب "المفتاح". وزرت مكتبة بايزيد، ومما طالعته في كتبها النادرة: كتاب "الصناعة" لابن جني، وكتاب "القول السديد في التقليد"، وذكر في خاتمته: أن للإمام ابن عرفة المتأخر كتاباً أسماه: "إيثار الحق عن الخلق". وهذا كتاب لا نعرفه للشيخ ابن عرفة قبل هذا. ومنها: شرح للشيخ علي قاري على كتاب "عين العلم" الذي انتخب فيه مؤلفه "الإحياء" للإمام الغزالي، وهذا المنتخب قيل: لبعض الفضلاء من الهند، على ما قاله العلامة ابن حجر في شرح مقدمته، وقيل: إنه منسوب إلى بعض العلماء ببلخ. ولقيت في هذه المكتبة الشيخ شرف الدين أحد المدرسين الأذكياء، وأول خطاب توجه به إليّ: أنه رأى في يدي بعض شروح الشفا؟! للشيخ ابن سينا، أخذته لمطالعة بعض المباحث، فقال لي: تنظر كتاب الشفا؟! هذا الكتاب وأمثاله من الفلسفة القديمة التي لا فائدة في الاشتغال بها، ومطالعة الكتب الحديثة في هذا العلم أعظم فائدة وأغنى، فقلت: نطالع التآليف الحديثة، ولا ننكث أيدينا من القديم، وهنا تمادت بنا المحادثة إلى

стр. 5328

التعارف، وأخذ الموعد على اللقاء. * بين القديم والحديث: بسط هذا الشيخ في اللائمة على أصحاب الأفكار الواقفة ممن ينتسب إلى علماء الإسلام، فقلت: لا أنكر أن يكون فيمن ينتمي إلى العلم طائفة لم تسرح أنظارها في مجال متسع، فقد تكلم بعضهم بحرمة أشياء لم يرد عن الشارع في مثلها كراهية، والقواعد التي أقرها الأئمة المجتهدون تقتضي الأخذ بمصالحها، والعمل على شاكلتها، ولكني لا أتطرق فأدخل في حزبهم المعتدلين مثلما يفعل المتطرفون، وكثيراً ما تصدر المقالات المتغالية عن عدم استكشاف الفقيه لحال ما أفتى به، ومن أمثلة هذا: أني سمعت بعض العلماء الوافدين على الحاضرة يقول: المخابرة في التلغراف غير جائزة؛ ظناً منه أنه من قبيل السحر أو التكهن، حتى أخبره أحد الحاضرين: بأنه مقام على قواعد وعلم يدرس، وأن أعماله ظاهرة يباشرها كل أحد أدرك صناعته، فرجع وقال: فهو حينئذ حسن، فهذا الفقيه لم يكن واقف الفكر، ولكن فاته الاطلاع على حقيقة تلك الآلة قبل أن يتكلم في حكمها. وذكرت بهذا المقام ثلاثة أبيات للشيخ عبد الرحمن بن سلام العالم البيروتي، أنشدنيها حين زار منزلنا بدمشق، وقد ضلّ من ذاكرتي الآن بعض ألفاظها، ومعناها: أن الأفكار القابلة للتصرف والنماء إنما تقذف بنتائجها، وتلمع ببروق أفعالها، إذا نقر عليها الجامدون، وقدحوها بزناد ما يصنعون، كما أن نغمات الوتر لا تنتشر إلا إذا جسها العود الجامد بضرباته، والبيت الثالث منها: فالجمع بينهما لابد منه إذاً ... فالعود لولاه لم تطرب بصوت وتر

стр. 5329

زرت مكتبة كوبرلي، ولم أتمكن من مطالعة شيء من كتبها؛ لما يباشر فيها من الإصلاح لذلك الحين، ويوجد في هذه المكتبة كتاب "المحلّى" لابن حزم، الذي قال في حقه عز الدين بن عبد السلام: لم يؤلف مثله في الإسلام. وزرت مكتبة آية صوفيا أياماً، ولم أوافق أوقات انفتاحها، ويوجد في هذه المكتبة تسعة أجزاء من كتاباً التمهيد" لابن عبد البر، ولم أظفر به فيما عرفت من المكاتب العامة أو الخاصة. * الشيخ إبراهيم ظافر: زرت صحبةَ خالنا الأستاذ منزلَ الفاضل الشيخ السيد إبراهيم ظافر، فتلقانا هذا الشيخ وأخوه الفاضل السيد حسن ظافر بمجاملة فطرية، وآداب مهذبة. وعند أول اجتماعنا بالسيد حسن ظافر، قال له حضرة الأستاذ (١) على وجه التواضع والتنازل: هذا ابن أختي، قرأ عليّ، ولكنه صار الآن أرقى رتبة، فقال له السيد حسن: نحن لا يمكننا أن نعتقد بأن يبلغ شأوك أحد، فضلاً أن يفوقك، وهذه العبارة تشعر بأن العائلة الظافرية تقدر مقام ذلك الأستاذ حق قدره. * دار الفنون ومدرسة الواعظين: زرت مدرسة الواعظين، وشهدت أحد الشيوخ يدرّس باللسان التركي، فأصغيت إليه، فإذا هو يقرر في مبحث: تكوين السحب والرعد والمطر، وإنما عرفت المبحث؛ لكثرة ما يتخلل اللغة التركية من ألفاظ العربية، حتى قدرها بعضر من تصدى لإحصائها بنسبة سبعين في المئة، أي: المئة كلمة في اللسان

стр. 5330

التركي يكون نحو السبعين منها عربياً. بعد انتهاء الدرس، نهض أحد التلامذة للسلام عليّ، وكان مرافقاً لنا من "مرسين" إلى الآستانة، وأعلمني بأن هذا المدرس هو الشيخ عبد اللطيف الخربوتي معلم علم الكلام في دار الفنون ومدرسة الواعظين، والكتاب الذي كان بصدد دراسته من مؤلفاته، ويسمى: "علم الكلام في عقائد أهل الإسلام"، اطلعت من يد هذا التلميذ على نسخة منه طبعت بالآستانة، فرأيته مؤلفاً باللسانين، أعلى الصحيفة عربي، وأسفلها تركي، بينهما خط فاصل. وكانت في يد هذا التلميذ أوراق من تأليف في الأدب للسيد معروف الرصافي، وجميعه باللسان التركي، ما عدا القصائد والأبيات، فإنها عربية، وحدثني التلميذ بأن صاحب هذا التأليف له درس في الأدب العربي بهذه المدرسة. * القفاز: زار أحد التلامذة من "بني غازي" منزل خالنا الأستاذ، فحدثني الشيخ: أن هذا التلميذ كان رافقه من بني غازي إلى الآستانة، فرأى عنده ما يلبس في اليد لوقاية البرد، قال: فسألته عن اسمه باللسان التركي، ثم عن اسمه باللسان الفرنساوي، فأجابني بهما، وسألته: عين اسمه عند العرب، فأجاب: بعدم المعرفة، فقلت له: إن جهلك باسم الشيء في لغة قومك مع علمك باسمه في لغة أخرى، مما يلصق بك نقيصة، ويجر إليك ملامة، ثم أعلمته بأن اسمه في العربية: "قُفَّاز". * عطلة يوم الثلاثاء: اتخذ أهل الآستانة يوم الثلاثاء يوم استراحة من التعليم زيادة على يوم

стр. 5331

الجمعة، ويذكرون في سبب هذا: أن الشيخ الفنري كان يترك الدراسة به؛ ليشتغل التلامذة بالنسخ، فبقيت البطالة فيه إلى اليوم عادة مستمرة. * فاتحة الرسائل: ومن عوائدهم في المراسلات، بل عادة الشرق فيما رأيت: أن يصدروها بكلمة: "الحمد لله" فقط، ومنهم من لا يكتب في طالع المكتوب شيئاً. كنت اطلعت في رحلتي إلى الجزائر سنة ١٣٢٢ هـ على قصيدة تسمى: "نفيسة الجمان في فتح ثغر وهران"، وهذه القصيدة وشرحها للشيخ محمد بن أحمد بن عبد القادر أبو راس، ومما ذكر في هذا الشرح: أن النبي ﷺ كان يكتب في أول الرسائل البسملة فقط، واستمر الأمر على ذلك إلى أن ولّي السفاح أول ملوك بني العباس، فزاد الصلاة على النبي ﷺ ، واستمر الأمر على هذا إلى أن بويع يوسف بن عبد المؤمن، فجعل مكان البسملة: الحمد لله، وعليه العمل اليوم. * سياسة الدول: وممن يزورنا ونزوره: الفاضل الأديب السيد أحمد باي بن الأمير فضل، وقد أهداني رسالة حافلة ألفها في فضل الاتحاد، وأطلعني على بعض منظومات له جيدة، ولهذا الذكي ولع بالبحث في الشؤون العامة، والاستطلاع على دقائق الأدب. طاف بي في المقعد الذي أعده للزائرين على معلقات يشتمل بعضها على قصائد من إنشائه، حتى انتهينا إلى معلقة فيها مثال راية سوداء، فأنشدته: أعلامه السود إعلام بسؤدده ... كأنهن بخد الملك خيلانُ جذبني إلى الكلام في حال الدول بوجه عام، فقلت: من شأن الدولة

стр. 5332

الراسخة الدعائم: أن تكون لها أصول مقررة، وصبغة معروفة؛ بحيث يكاد الممارس لسياستها يحكم في أعمالها المستقبلة، ويتخرص للقضايا التي ستجريها في الحوادث، وإن لم يكن في أمثالها قوانين مفصلة، سواء بقي الأمر بيد هيئة واحدة، أو استحال إلى غيرها، فإن الهيئة الحاكمة في الدول القائمة، إذا تجددت، إنما تخالف ما قبلها في سن بعض القوانين، أو إدخال بعض إصلاحات تدريجية، ولا تقلب سياسة الهيئة السالفة من أسلفها إلى أعلاها، إلا إذا لم يكن للدولة في أصلها نظام كلي، وسياسة متأصلة، أو كانت أفراد تلك الهيئة الحادثة غير قائمة بتعاليم السياسة المقررة للدولة؛ بحيث تكون أساليبها مصبوبة في مداركهم؛ كالملكات تصدر عنها الأعمال المطابقة بسهولة. * وعكة صحية: دعانا الفاضلان السيد الحبيب بن الشيخ، والسيد المختار بن الشيخ التونسيان لزيارة منزلهما، وانتظم المجلس بفضيلة خالنا الأستاذ، والسيد حسن ظافر، وعندنا أخذنا نقتطف أزهار الحديث، أدركني خفقان في القلب، وضعف بالغ لا أعرفه فيما سلف، وكان الوجع يطالبني بالتأوه، فأحافظ على السكينة حتى سقطتُ على الوسادة، ومن مساعدة القدر: أن حضر الطبيب العارف السيد رجب بقصد السمر، فجس النبض، واستجلب الدواء، فاستفقت من الغاشية، ولا أنسى أني لقيت من هذه العائلة إشفاقاً خالصاً، ومبرة عاطفة حتى مطلع الشمس. * القمر ليلة أربعة عشر: جئت يوماً رفيقاً لخالنا الأستاذ إلى الباخرة التي تسير من إستانبول إلى "باشكطاش"، فالتقيت بالفاضل السيد محمد بن الشيخ يوسف الأسير، وكان

стр. 5333

أبوه من علماء بيروت، وهو ناظم "مجمع الأمثال" للميداني، فقرأنا من محادثته شهامة وكرم أخلاق. سأله حضرة الأستاذ عند موقف الوداع عن العدد المرسوم على باب منزله، عسى أن تدعو إليه الزيارة، فقال: عدد ١٤ أربعة عشر، فلاحظ له الشيخ أن هذا العدد يشير إلى كمال صاحب المنزل؛ لأنه عدد الليلة التي استوفى فيها البدر ضياعه كاملاً، وذكر له قول المفسرين في قوله تعالى: ﴿طه﴾ [طه: ١]: أن الطاء تسعة، والهاء خمسة، والمجموع أربعة عشر، فكان المعنى: بأن وجهه كالقمر ليلة أربعة عشر. وممن يزورنا ونزوره: الفاضلان الشريفان: الشيخ السيد إبراهيم، والشيخ السيد أبو السعود ابنا السيد أسعد المدني، فشهدنا في بساط محاضرتها أدباً عالياً، وأنساً خالصاً. وزرت صحبة فضيلة الأستاذ الشيخ سيدي إسماعيل الصفائحي منزل الفاضل الشيخ يونس، وكان هذا الشيخ قاضياً بالعسكر، فأهداني رسالة ألفها في أسرار بعض العبادات، وسماها: "درر الحكم"، وفي أثناء المجلس دخل ابنه، وهو ضابط في الجيش، وودعه قاصداً الخروج إلى موقع الحرب. التقيت في مكتبة بايزيد بالرحالة خليل الخالدي، فحدثني: أنه زار تونس سنة ١٣١١ هـ، ودعاه أحد الطلبة إلى منزله القريب من باب سيدي عبد الله، واطلع عنده على كتاب "المدارك"، قال: وقد ذكرت اسمه في رحلتي. فذكَّرته أني ذلك التلميذ الذي كان قد دعاه، وأراه كتاب "المدارك"، فاستأنف التحية والترحاب. * الخضر ﵇ -: عزمت على مبارحة الآستانة إلى الحاضرة، فتوجهت لوداع الأستاذ

стр. 5334

الشيخ سيدي إسماعيل، صحبةَ خالنا الشيخ، ومما جرى في المجلس ذكر الخضر ﵇، فنقل حضرة الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز عن الإمام النووي: أن أكثر العلماء والمحدثين يقولون: إنه حي، فقلت: لعل مستندهم في هذا الطريق غيبي؛ لأني أعهد للحافظ السيوطي فيما نقل: أنه سئل البخاري عن الخضر: هل هو حي؟، فقال: كيف يكون ذلك، وقد قال النبي ﷺ : "أرأيتم ليلتكم هذه" إلخ الحديث، فقال: بل من طريق النقل، وروى أثراً عن سيدنا عمر بن عبد العزيز في ذلك. وجرّت المناسبة خالنا الأستاذ إلى أن قال: يعجبني من إنصاف الشيخ ابن حجر: أنه يقول في شرح كثير من الأحاديث الصريحة في الحكم بخلاف مذهبه، وهذا ومن هنا انفتحت المحاضرة في الاجتهاد والتقليد، ولفضيلة الأستاذ الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز تآليف في مواضيع متعددة أطلعني على بعضها، ومن أنفسها: "رسالة في العمل بالحديث"، وأنه حجة في تقرير الأحكام. * مغادرة الآستانة: بارحت الآستانة يوم السبت ٦ ذي الحجة، وامتطيت باخرة فرنسوية إلى بلد "مرسيليا"، وصاحبنا في السفر الشيخ السيد عز الدين أحد علماء طرابلس، وكان قد استولى القضاء في بعض نواحيها، وله كلف بالشعر الرقيق، واقتبس في محفوظاته قسطاً وافراً منه، وأنشدني جملة من أشعار تونسية أخذها عن الشيخ محمد الحشائشي التونسي ﵀. ولما لقيت الرجل على جانب من الأدب، كنت أغتنم الفرصة لمطارحته بإنشاد الشعر أو إنشائه، وكان يحافظ على ما نطارحه، بل ويقيده في ورقة.

стр. 5335

ولما أشرفنا على بلد "أزمير" وواجهتنا بمنظرها الهلالي، أنشأت له: لأزمير شكل كالهلال مقوَّسٌ ... ولكن له في منتهى البحر ألوان وأحسبه الشكل الذي اختطف النُّهى ... لقوم فقالوا: في الكواكب سُكَّان * منار أزمير: أقامت الباخرة بأزمير ليلة وصبيحتها، وكنت برزت قريباً من العشاء على سطح الباخرة، وذلك الشيخ يؤانسني، فانكشف لنا منار على الرصيف يتضح ضياؤه مرة، ويتوارى مرة أخرى، فأنشأت: كأن مناراً يهتدى بضيائه ... ومنظره المحمّر يبدو ويختفي حَشاً تقذف الأشواق فيه بجذوةٍ ... وآونة يرجو الوصال فتنطفي قام هذا الشيخ مرة يصلي، فوقف بعض النوتية يعبث بتقليده، فأكمل صلاته بمنتهى اعتدال وطمأنينة، وبعد أن خرج من حرم العبادة، التفت إليّ وقال وهو مستريح الخاطر: لا يعبأ بهذا الصنيع، يشير إلى أنه من لعب الصبيان. إذا لم يكن مر السنين مترجماً ... على الفضل في الإنسان سميته طفلا * منار نابولي: بلغنا إلى "نابولي" مساء يوم الجمعة، وحين أرسل الليل سجافه، رأيت بها مناراً يتجلى مشرقاً في دائرة متسعة، ثم يتضاءل إلى أن يصير في صغر الكواكب، فأنشأت فيه: تخال سراجاً كالغزالة ينجلي ... ويلمع في لون السها حين يقلص أقيم مثالاً في العيان لقولهم ... على وصف إيماني يزيد وينقص

стр. 5336

* جولة في مرسيليا: أقلعت الباخرة إلى "مرسيليا"، فوصلتها صباح يوم الأحد، فتبوأنا بها منزلاً، ثم تجولنا بمناهجها الفسيحة ما بين مبانيها الشاهقة، وامتطينا عربة كهربائية سارت بنا في بعض أطراف المدينة ودواخلها مقدار ساعة، وشهدنا في هذه المدينة حركة منتشرة، وعملاً متواصلاً. * العودة إلى تونس: ركبنا الباخرة قرطاج، وعندما أتينا على سمت بلد المرسى، وانكشف من مبانيها وبساتينها ما عظم بتشوقي إلى طلعة صاحيي الشيخ سيدي محمد الطاهر بن عاشور، وتضاعف عندي تذكار عهده الوثيق، أنشأت مناجياً لفضيلته: قلبي يحييك إذ هبت سفينتنا ... تجاه مطلعك المحروس يا علمُ تحية أبرق الشوق الشديد بها ... في سلك ودّ بأقصى الروح ينتظمُ انسحبت الباخرة إلى حلق الوادي، وبعد مجاوزتها إلى الرصيف، وأخذِها في التأهب لإلقاء مراسيها، أنشأت بيتين خاتماً بهما المطاف، وهما: أرى سفري شعراً ولكن بيوته ... مفصلة في غير بحر وفي بحر ومقطع عودي من بدائعه ألا ... ترى عجزاً قد رد فيه على صدري

стр. 5337

حديث عن رحلتي إلى دمشق (١) سافرت من القاهرة في الساعة الخامسة والنصف من مساء يوم الأحد ٢٥ ربيع الآخر سنة ١٣٥٦ هـ، الموافق ٤ يوليو سنة ١٩٣٧ م. ووصلت إلى حيفا في الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الاثنين، وامتطيت سيارة إلى دمشق، فدخلتها في أوائل الساعة الثالثة بعد الظهر، واستقبلنا شقيقنا الأستاذ السيد زين العابدين، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار في جماعة من أهل العلم والفضل قرب الصالحية، وسرنا إلى منزل شقيقنا بحي الميدان، وما نفضنا غبار السفر، حتى أخذ أهل العلم والأدب وكرام القوم يتفضلون بالتحية والمؤانسة، وأخص بالذكر منهم: الأستاذ الشيخ محمد كامل القصاب، والأمير سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، والأساتذة الشيخ محمد العطار، والشيخ محمود ياسين، والشيخ حسن الميداني، والشيخ عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ عبد القادر الطنطاوي، والشيخ محمد الكافي، والشيخ محمد هاشم الخطيب، والشيخ عبد الرحمن الخطيب، والشيخ الشريف الخطيب، والشيخ جميل الشطي مفتي الحنابلة، والشيخ الحلواني شيخ القراء، والشيخ أبو الخير الميداني، والشيخ ياسين الفرا، والشيخ حسن الشطي، والشيخ محمد أحمد دهمان، والشيخ علي ظبيان، والشيخ عبد الجليل الدرة،

стр. 5338

والشيخ محمد سعيد النعساني مفتي حماة، والسيد الشريف النص، والسيد عارف الدوجي، والسيد توفيق البزرة، والسيد عبد الحكيم الطرابلسي، والسيد أحمد قشلان، والشيخ حامد التقي، والشيخ قاسم القاسمي، والشيخ صلاح الزعيم، والأساتذة: خليل مردم بك، ورشيد بك بقدونس، وعمر بك فرحات، والدكتور سعيد الأسيوطي، والدكتور عزت شموط، والأستاذ عبد القادر بن المبارك، والأستاذ عبد القادر المغربي، والأستاذ بدر الدين الصفدي، والأستاذ سليم الجندي. ومن أفاضل علماء العراق الأستاذ الشيخ طه الراوي وكيل المعارف ببغداد، والأستاذ الشيخ بهجة الأثري مفتش الأوقاف بها. وقد تلقينا إيناس هؤلاء السادة، وما تفضلوا به من الزيارات، كما تلقينا إقبالَ فضلاء حي الميدان واحتفاءهم البالغ بالشكر الصادر من صميم الفؤاد. وأقام طائفة من أهل العلم والأدب ورجال النهضة السورية مآدب وحفلات شاي لقدومنا، وحضر هذه المجامع كثير من كرام القوم وعلمائهم وأدبائهم. وأخص بالذكر من هؤلاء الذين قابلونا بهذا الاحتفاء: معالي وزير المعارف والعدلية الدكتور عبد الرحمن بك الكيالي، وسعادة الأمير سعيد حفيد الأمير عبد القادر الجزائري، وحضرة المهندس الكبير الدكتور عبد الوهاب المالكي، وحضرة الأستاذ الكبير جودت الهاشمي أستاذ الرياضيات في تجهيز دمشق، وحضرات أصحاب الفضيلة الأساتذة: الشيخ كامل القصاب، والشيخ محمود ياسين، والشيخ بهجت البيطار، والشيخ حسن الميداني، والأستاذ عز الدين التنوخي، وحضرة الوجيه السيد محمد بك العابد، ونجليه الأدبيين:

стр. 5339

السيد راتب، والسيد رياض، والأستاذ السيد المكي ابن العلامة السيد محمد ابن جعفر الكتاني، وحضرات أعضاء جمعية التمدن الإسلامي، والأساتذة: جميل أفندي مراد، وعبد الحميد أفندي مراد، وعبد الحميد أفندي حبش، وصبحي أفندي البوشي، وحسن أفندي التريكي، والسيد عبد الرزاق الملقي. ودعانا إلى "الهامة" إحدى مصايف دمشق، فضيلة الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والسيد محمد كامل القصاب، ودعانا إلى "دمر" سعادة الأمير سعيد الجزائري، ودعانا إلى منتزهاتها السيد صادق المحمودي مدير مدرسة المأمون، ودعانا إلى "المزة" السيد عدنان رابح. وممن اجتمعنا به في المأدبة التي أقامها الأستاذ القصاب حضرة مدير أوقاف دمشق أبي النصر اليافي بك. وفي المأدبة التي أقامها الأستاذ البيطار، حضر مدير الأوقاف العامة حسن بك الحكيم، وتوفيق بك حيدر. وممن اجتمعنا به في حفلة الشاي التي أقامها الدكتور المالكي: حضرة الزعيم نصوح بك البخاري، والنائب المحترم أبي الهدى بك الحسيبي، والنائب المحترم منيربك العجلاني. وممن اجتمعنا به في حفلة الشاي التي أقامها الأستاذ الهاشمي: الدكتور جميل صليبا مفتش المدارس الثانوية، والأستاذ السيد توفيق الجابري مدير التعليم الابتدائي في دمشق، والدكتور صبحي أبو غنيمة، والأستاذ السيد كامل الهبراوي مفتش المعارف. وممن اجتمعنا به في المأدبة التي أقامها الأمير سعيد بدمر: حضرة صاحب السماحة السيد محيي الدين ابن أخي المجاهد الكبير عبد القادر، وهو من سماحة الأخلاق وطيب المذاكرة بمكانة سامية.

стр. 5340

* بعض ما كتبته الصحف عن هذه المجامع: كتبت صحف دمشق عن بعض هذه المجامع، وننقل هنا ما كتبته جريدة "الإنشاء" في وصف حفلة الدكتور المالكي إذ قالت: "كانت الحفلة التي أقامها المهندس الكبير الصديق السيد عبد الوهاب المالكي على شرف العلامة الشيخ محمد الخضر التونسي حفلةً أنيقة، جمعت نخبة ممتازة من النواب، ورجال العلم والأدب، وتلاميذ الأستاذ الخضر، وقد دعي الحاضرون إلى مائدة شائقة، ثم ألقى الدكتور المالكي كلمة جميلة، سننشرها غداً، عدّد فيها مآثر الأستاذ المحتفى به، وفضله على كثير من رجالات دمشق وشبابها، فقد أمضى في دمشق أعواماً طويلة، ودرّس علوم الدين والعربية في المدرسة السلطانية، ثم سافر إلى مصر، فعرف القوم فضله، وقام بتدريس العلوم الدينية في الأزهر، وانتخب عضواً في المجمع اللغوي الملكي، ثم ألقى الأستاذ عز الدين التنوخي قصيدة نظمها الأستاذ الخضر في مدح دمشق والحنين إليها، فاستحسنت جداً، وتكلم الأستاذ بهجت البيطار عضو المجمع العلمي العربي فقال: إنه أراد أن يفاضل بين علم المحتفى به وأخلاقه، فما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ لأن علمه وخلقه كلاهما عظيم، وبدرجة واحدة. وتمنى أن تؤسس الجامعة السورية كرسياً لعلوم الدين، وتعهد به إلى الأستاذ الخضر، ثم تكلم الأستاذ سعدي ياسين، فعرض لعناية العرب قديماً بالعلم، ورفعهم أقدار العلماء، والمبالغة في تكريمهم، وكانت الكلمة الأخيرة للأستاذ الخضر، فشكر لصاحب الدعوة لطفه، ثم تكلم عن حياته التي قضى شطراً منها في تونس، وشطراً منها في دمشق، وشطراً في مصر، وها هو يعود إلى دمشق التي أحبها كثيراً؛ لأنه وجد

стр. 5341

فيها هناءة العيش، وبعد أن أمضى المحتفلون ساعة في أحاديث أدبية تاريخية جميلة، ودعوا صاحب الدعوة شاكرين له كرمه وأريحيته". * الكلمة التي ألقيتها في منزل الدكتور المالكي: سادتي الأجلاء! أشكر لحضراتكم وحضرة صاحب الدعوة الدكتور الكبير عبد الوهاب المالكي بك على هذا الاحتفاء البالغ صادراً من صميم الفوائد، وقد أثنى حضرة الدكتور وحضرات إخوانه الخطباء على ثناء لا أستحقه، وعلى أي حال كنت، لا يسعني إلا أن أقابله بشكر جزيل؛ لأنه صادر عن عاطفة أدبية نبيلة، وإذا دلّ هذا الثناء على شيء، فإنما يدل على أن المودة الخالصة تجعل السها في نظر صاحبها قمراً، بل تريه الذرة درّة، وتخيل إليه فيما لا طعم له ولا رائحة: أنه لذيذ الطعم، ذكي الرائحة، وإذا ارتحت لهذا الاحتفال، فلأنه مظهر عاطفة مودة كانت قد ربطت بيني وبين حضرة صاحب الدعوة، وبعض حضرات المحتفلين منذ عهد بعيد، وإن هذا الاحتفاء قد دلّ على تلك المودة بعبارات جديدة، لا أنها بليت فجددها؛ لأن المودة القائمة على الفضيلة لا يمسها بِلًى حتى تحتاج إلى تجديد. قلت هذا، وما زلت أذكر أيام كان الدكتور المالكي تلميذاً بالمدرسة السلطانية، وكنت أرى منه الجد في طلب العلم، والشجاعة الأدبية المكسوة بالحياء والأدب الرفيع، وكنت أشعر منه بإجلال ممزوج بصدق الود، حتى إذا مرّ على خاطري ذكريات أيام الدراسة بالمدرسة السلطانية وأنا بمصر، وجدت صورة ذلك التلميذ (عبد الوهاب المالكي) في أول ما يخطر في نفسي. سادتي! كنت نشأت نشأتي العلمية في تونس، ووجدت أمامي طائفة

стр. 5342

غير قليلة من أهل العلم الصحيح والبصائر النيرة، وكان هناك غافلون عن بعض ما يقتضيه الحال من إصلاح، فقمت بجانب من الدعوة إلى ما أراه خيراً للأمة الإسلامية، ولا أكتمكم أني كنت أشعر بمناوأة من جانب أولئك الغافلين. وانتقلت إلى دمشق، وعهد إليّ بالتدريس في بعض مدارسها، وأقبلت على التدريس في بعض مساجدها، وكتبت مقالات كثيرة في صحفها، وأقمت على هذه السيرة نحواً من سبع سنين، وكانت الصلة بيني وبين علمائها وأدبائها وفضلائها صافية محكمة. ثم رحلت إلى القاهرة، فلقيت من كبار علمائها، وصفوة أدبائها، ورجال نهضتها، ورؤساء دولتها احتفاء وتكرمة، غير أن مدينة كمدينة القاهرة لا تخلو من نفر ينتمون إلى العلم أو الأدب لا يبالون أن يجحدوا، ويدعون إلى هذا الجحود، فكنت فيمن ينبه لهذه الحقائق، ويشير إلى أن تلك الدعوة غير رابحة، ولا أكتمكم أيضاً أني لاقيت قسطاً من مناوأة أولئك الجاحدين. هذه الأوطان الثلاثة التي قضيت بها عمراً غير قصير، وإذا كان فضل العلماء المحققين، والأدباء المستقيمين، والرؤساء الراشدين، قد غطى في تونس ومصر على ما أشرت إليه من مناوأة بعض الغافلين أو الجاحدين حتى أنسانيها، ولم تبلغ أن يكون لها في حياتي الأدبية أثر، فإن الأعوام التي قضيتها بين أهل دمشق لم أشعر فيها على ما أذكر إلا برقة العطف، وحسن اللقاء أينما كنت، فإذا حننت إلى دمشق، فإنما أحن إلى الخلق الكريم، والأدب الأخّاذ بالألباب، وقد شهد لها بهذه المزايا كثير من نزلائها العلماء والأدباء من قبلي، والسلام عليكم ورحمة الله.

стр. 5343

* المحاضرة بالمجمع: اقترح عليّ بعض أهل العلم من أعضاء المجمع العلمي إلقاء محاضرة في بهو المحاضرات بالمجمع، فأجبت الطلب، واخترت أن يكون موضوع المحاضرة: "أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية" (١)، وقد نشرت في مجلة "المجمع العلمي"، ثم في الجزء الثاني من المجلد العاشر من "الهداية"، وحضرها جمع كبير من العلماء والأدباء والفضلاء، نخص بالذكر منهم: معالي وزير المعارف الدكتور عبد الرحمن بك الكيالي، وحضرة مدير العدلية العام الأستاذ النكدي بك، والأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي. * إلقاء درس بالجامع الأموي: اقترح عليّ بعض طلاب العلوم الدينية إلقاء درس بالجامع الأموي، فأجبت طلبهم، وكان موضوع الدرس: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: ٩ - ١٠]. وسننشر ملخص هذا الدرس فيما بعد -إن شاء الله-. * إلقاء درس حديث بجامع باب مصلى: اقترح عليّ بعض أهل الفضل إلقاء درس وعظ للجمهور، واختاروا أن يكون في جامع باب المصلّى، فأجبت طلبهم، وكان موضوع الدرس: حديث مالك في "الموطأ": "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وكنت أرى بعض أهل العلم في المجلس يكتب ما أقوله في شرح هذا الحديث.

стр. 5344

بعد انتهاء الدرس، ألقى الأستاذ الشيخ بهجة البيطار خطبة، دعا فيها أهل العلم إلى الاتحاد والتعاون على نشر العلم والإرشاد. * الحالة الدينية بدمشق: في دمشق علماء أجلاء في الدين والعربية، يدرّسون في مساجد متفرقة، وفي بعض مدارس الحكومة، والمدارس الأهلية، ولو كان للحكومات السابقة عناية بالعلوم الدينية والعربية، لأنشأت في دمشق معهدًا كبيراً يشبه الأزهر، أو جامع الزيتونة، ينفع الناس، ويأتي بثمار أكثر مما يأتي به التدريس المفرق في المساجد، والجاري على غير نظام. ولو عزمت حكومة دمشق على إنشاء معهد ديني عربي كبير، لوجدت في علماء دمشق الكفاية، ووجدت في أوقافها متى نظمت القدرة على الإنفاق عليها بسخاء. وقد سرني أني وجدت من مدير الأوقاف العام حسن بك الحكيم، ومدير أوقاف دمشق أبي نصر اليافي بك، عزماً على تنظيم شؤون التعليم الديني، والنهوض إلى مكانة تليق بسمعة دمشق في القديم والحديث، وكلا المديرين فيما فهمته من محاورات دارت بيننا وبينهما في هذا الشأن، يعلما يقيناً أن الشعوب الإسلامية لا ترقى الرقي الذي تملك به حريتها وسيادتها إلا أن يكون للعلوم الإسلامية فيها المكانة الأولى. ويعزز ما ينويه مدير الأوقاف من النهوض بالعلوم الإسلامية: أن العلماء أيام كنت هناك، قد يعقدون اجتماعات للنظر في وجوه ترقية التعليم الديني، وفي تأليف جمعية تعمل لإعلاء شأن الدين، والذود عن كرامة أهل العلم. أما التعليم الديني في مدارس الحكومة، فإن الجمعيات الإسلامية مثل

стр. 5345

"جمعية الهداية الإسلامية"، و"جمعية التمدن الإسلامي"، ما زالت تجاهد في هذا السبيل، والذي وقع أيام كنت هناك: أن وزير المعارف الدكتور عبد الرحمن بك الكيالي ألف لجنة من بعض مدرسي المعارف، وأعضاء الجمعيات الإسلامية، مثل: الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار، والأستاذ الشيخ عبد القادر بن المبارك، لوضع منهج للتعليم الديني في مدارس الحكومة، ونرجو أن تكون اللجنة قد توفقت في وضع هذا المنهج، وأن وزارة المعارف قد تلقته بما يدل على إخلاصها في تأليف اللجنة، فتقوم على تنفيذه، وتجعل علوم الدين من العلوم التي ينبني عليها نجاح الطالب ورسوبه في الامتحان. وأذكر أن فضيلة الأستاذ الشيخ طاهر الكيالي، من أفاضل علماء حلب، وهو من أجل من لقيت في الشام استقامة على الدين، قد كتب مذكرة لمعالي وزير المعارف الذي هو من آل الكيالي، يذكّر فيها بما للدين من فضل في رقي النشء وسعادة الأمة، ويطلب منه العناية بالتعليم الديني في المدارس، وجعله علماً أساسياً في الامتحان، يرتبط به نجاح الطالب وسقوطه. * الجمعيات الإسلامية في دمشق: أنشئت منذ سنين "جمعية الهداية الإسلامية"، وحضرات قراء المجلة يعرفون كثيراً من أعمال هذه الجمعية مما ننشره لها في هذه المجلة من بيانات تذيعها إرشاداً للأمة، أو استنكاراً أو احتجاجاً على بعض ما يصدر من حكومة دمشق من تصرفات تخالف الدين، والحق أن هذه الجمعية تعدّ في مقدمة الجمعيات التي تصدع بالحق في شجاعة، ومن حضرات أعضائها: الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والأستاذ السيد الشريف النص، والأستاذ السيد عارف الدوجي.

стр. 5346

وأنشئت منذ سنين أيضاً "جمعية التمدن الإسلامي"، وحضرات أعضاء جمعيتنا يطلعون على مجلتها "التمدن الإسلامي"، ويقرؤون ما ينشر في هذه المجلة من المباحث الدينية والاجتماعية والتاريخية المفيدة، ومن حضرات أعضائها القائمين بشؤونها: الأستاذ حسن الشطي، والأستاذ الشيخ محمد أحمد دهمان نزيل مصر اليوم، والأستاذ الشيخ بهجة البيطار، والأستاذ الشيخ علي ظبيان، والأستاذ أحمد العظمة، ولهذه الجمعية أيضاً فضل كبير في تقويم سياسة الحكومة متى انحرفت عن سبيل الحق. وأنشئت منذ سنين "الجمعية الغراء"، وفضل هذه الجمعية في مدارس أنشأتها لتعليم الدين والعربية، وقد وقع بينها وبين إدارة الأوقاف في العهد الأخير اتفاق على منهج للتعليم، يأتي -إن شاء الله- بفوائد كبيرة، وقد رأينا من مدير الأوقاف العام حسن بك الحكيم، ومدير أوقاف دمشق أبي نصر اليافي بك عناية بإصلاح شؤون الأوقاف، وعزماً على النهوض بالتعليم الديني على وجه صحيح، فنرجو لهم من الله التوفيق. ومما أعجبت به في دمشق: جماعة من طلاب العلم يتلقون العلم عن فضيلة الأستاذ الشيخ حسن الميداني بمدرسة جامع منجك، ويهتدون بهديه، والأستاذ عالم مستنير الفكر، مستقيم على الآداب السامية، فصيح اللسان، وكثيراً ما دارت بينتا وبينه مذكرات في مسائل دينية وعربية، فنلقى منه ما ينبغي أن يتحلّى به أهل العلم من جودة النظر، وحسن الأناة، والتواضع والإنصاف. وتم تأليف "جمعية العلماء" التي تركتها عندما غادرت دمشق بصدد التأليف، ورئيس هذه الجمعية حضرة صاحب الفضيلة الزعيم المخلص الأستاذ الشيخ محمد كامل القصاب، وأخذت هذه الجمعية تعمل للغرض الذي أنشئت

стр. 5347

من أجله، وهو الذود عن حمى الشريعة، والعمل للمحافظة على كرامة العلم، ورفعة مكانة أهله، وسننشر لها في الجزء التالي رداً على مديرية الأوقاف بدمشق. والخلاصة: أن في دمشق جمعيات إسلامية يقوم بها رجال يجمعون إلى الغيرة شجاعة أدبية، ونرجو أن تقدر حكومة دمشق قدرهم، وتفتح صدرها لما يقدمونه لها من نصائح، وتتلقى هذه النصائح بالقبول والتشجيع؛ فإن هذه الجمعيات هي التي تعبر عن آراء الأمة تعبيراً صادقاً، وإنما تنجح الحكومات وتقوم على قاعدة العدل، متى أقامت لآراء الأمة وزناً، ولم تقصر نظرها على ما تملك من قوة. وأضيف إلى هذا: أن في دمشق قاضياً عادلاً غيوراً على دينه، هو الشيخ عبد المحسن الأسطواني، ووجود مثل هذا القاضي الفاضل في مقدمة رجال الدين، مما يزيدهم قوة على تأدية الأمانة التي وضعها الله في أعناقهم؛ من حراسة الشريعة، والذبّ عن حماها بألسنة لا تعرف الملق، وقلوب لا تستهويها زهرة الحياة الدنيا. وممن لقيتهم على جانب عظيم من الاهتمام بالحالة الدينية في الشرق، وتتبع ما يظهر في مصر وغيرها من الآراء الدينية: حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ جميل الشطي مفتي الحنابلة، ولهذا المفتي الفاضل مواقف محمودة تشهد بأنه قائم على تاريخ علماء الإسلام الذين لا يرون الوظيفة إلا وسيلة لخدمة الشريعة، ولا ينبغي أن تكون كمامة على فم العالم تمنعه من أن يصدع بالحق، أو تفعل به ما تفعل أم الخبائث، فتهبط به إلى أن يقول غير الحق.

стр. 5348

رحلتي إلى سورية ولبنان (١) سافرت من القاهرة يوم السبت ١١ جمادى الآخرة، ووصلت إلى دمشق في الساعة السادسة بعد ظهر يوم الأحد، وكانت إقامتي بمنزل شقيقنا السيد زين العابدين حسين، المقيم بحي الميدان، وقد عُرف أهل هذا الحي الكبير بالمحافظة على الأخلاق الإسلامية، كما عرف بالحزم والأمانة في التجارة، وهم بعد قيامهم بأهم جانب من التجارة في دمشق نجد لهم فروعاً في أكثر البلاد السورية، وفي فلسطين، وشرق الأردن، ولو وجد في كل قطر من الأقطار الإسلامية جد ونشاط في التجارة والصناعة كهذا الجد والنشاط، لما انحازت الثروة في الشرق إلى طائفة اليهود وغيرهم من الأجانب، ولكانت حال المسلمين الاقتصادية لا تقل عن حال غيرهم من الطوائف. وتقدم الحالة الاقتصادية من أهم وسائل رقي الأمة وسعادتها. أقبل من الغد فضلاء المدينة وعلماؤها وأدباؤها، يتفضلون بالزيارة والمؤانسة، وعقدت بعد هذا اجتماعات في منازل خاصة، أدعى إليها، ويشهدها كثير من كبار العلماء والفضلاء، والذين يعتنون بالبحث عن شؤون العالم الإسلامي، وطرق إصلاح حالتها الاجتماعية.

стр. 5349

وقابلت فخامة رئيس الجمهورية شكري بك القوتلي، وكانت بيني وبينه صداقة من قبل أن أستوطن مصر، ولقيت منه احتفاء دلّ على أحسن رعايته للعهد، وحمدت له ما اتجهت إليه همته من العمل لأن يكون في دمشق معهد ديني يشتمل على مراحل التعليم من الابتدائي والتجهيزي والعالي والتخصص. أوفد فخامته أحد الموظفين بالقصر لإبلاغي تحيته. وفي دمشق كلية شرعية، وقد أتم القسم التجهيزي مرحلته في هذه السنة، وعُقد لطلبته امتحان لأخذ الشهادة النهائية، وجاءتني دعوة من شيخ الكلية الأستاذ الجليل الشيخ حسن الشطي للاشتراك في امتحانهم، فحضرت يوم امتحانهم في علوم القرآن، وكان من أعضاء هذه اللجنة: الأساتذة الأجلّة: المفتي الشيخ محمد الأسطواني، والقاضي الشيخ عزيز الخاني، ونقيب الأشراف السيد سعيد حمزة، وأستاذ التفسير الشيخ بهجت البيطار، ودخل في أثناء الامتحان مدير الأوقاف العمومية جميل بك الدهان، وساطع بك الحصري المعهود إليه بالنظر في نظم التعليم بالمعارف، ومدير أوقاف العاصمة الأستاذ أحمد القاسمي، وجرى امتحان الطلاب، وكانت نتيجة الامتحان مبشّرة بنجاح التعليم في هذه الكلية، ومشجعة للذين يقدرون التعليم الديني قدره من رجال الحكومة على رعايتها، والعمل لتوسيع دائرتها. وقابلت وزير المعارف نصوح بك البخاري، فأحسن معاليه اللقاء، ودار الحديث في وظيفة العلماء من الدعوة إلى الحق بحكمة وحسن أسلوب، ودار الحديث عن حال مصر ونهضتها العلمية والأدبية، فقلت: إن في مصر خيراً كثيراً، وفيها بجانب هذا الخبر الكثير ما يجب الحذر منه؛ أعني: نزعة الإلحاد التي تظهر في مقالات أو خطب تصدر من نفر لا يقيمون للعفاف وزناً، وضاقت

стр. 5350

عقولهم عن أن تفهم أن الإصلاح الديني أساس كل سعادة، وقلت له عندما عزمت على الانصراف: "إنما يزيد نهضة علمية مربوطة بآداب الإسلام". سافرت في ٦ يوليو إلى بيروت لتمثيل مجمع فؤاد الأول في المؤتمر الطبي، وحضرت حفلة الافتتاح، ومما لاحظته في الحفلة: أن الصف الثالث من الكراسي الأمامية مكتوب على أول كرسي منه أنه معد لرجال الدين، وجلس بهذا الصف نحو ستة من رجال الدين المسيحي، ولم نر فيه أحداً من رجال الدين الإسلامي، مثل: المفتي، أو القاضي، أو رئيس محكمة الاستئناف الشرعية، ولم أحضر بقية حفلات المؤتمر لأعذار قاهرة. زرت الكلية الشرعية أو الفاروقية التي كان لحضرة صاحب الجلالة ملك مصر فاروق الأول الفضل في إسعادها والنهوض بها، ولقيت هناك المتولي إدارة شؤونها من قبل وزارة المعارف المصرية الأستاذ عبد العزيز أحمد، فأطلعنا على منهج تعليمها، ونتيجة امتحانها، واجتمعنا في دمشق وبيروت ببعض المتخرجين فيها، فوثقنا بأنها مؤسسة محمودة الأثر، ولا سيما في تلك البلاد التي هي في حاجة إلى حركة إسلامية حكمية. دخلت مسجداً لأداء صلاة الجمعة، وكان خطيبه الأستاذ البارع الشيخ سعدي ياسين، فارتجل خطبة راعى فيها ما تقتضيه الحالة الحاضرة من إرشاد، ونبه في الخطبة على حضوري بالمسجد، فأخذ الناس بعد الخطبة يتبينون بأنظارهم الشخص الذي نبه له الخطيب، وأقبل كثير منهم للتحية. وأقام هذا الأستاذ الخطيب بمنزله مأدبة شهدها بعض أهل العلم والفضل، كما أقام الأستاذ السيد صادق الجبالي مادبة شهدها طائفة من العلماء والفضلاء، مثل: الشيخ محمد الأنسي رئيس محكمة الاستئناف الشرعية.

стр. 5351

وعزمت "جمعية مكارم الأخلاق الإسلامية" هنالك على إقامة حفلة احتفاء، ووزعوا أوراق الدعوة، وكان في ضمن برنامج الحفلة: "كلمة يقولها المحتفى به"، فأجبت الدعوة، واخترت أن تكون كلمتي في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وأرسلوا في الموعد أحد مندوبي الجمعية، فحضرنا هنالك، ووجدنا في الانتظار فضيلة رئيس الجمعية الأستاذ الشيخ أحمد العجوز، مع طائفة كبيرة من أعضاء الجمعية وغيرهم من المدعوين، فألقى أمين سر الجمعية كلمة تعرض فيها لجانب كبير من أعمال الجمعية، وخطب الأستاذ رئيس الجمعية، وخطب الأستاذ الشيخ سعدي ياسين، ثم جلست على منبر الخطابة، وشكرت الجمعية على احتفائها، وحضرات الخطباء على حسن ظنهم الذي أراهم الذرّة مني ذُرى، ثم ألقيت الدرس منبهاً فيه على فضل الإسلام في إصلاح الشؤون الاجتماعية، ومنبهاً للشبان على شُبه يوردها ملاحدتنا بقصد التضليل؛ ليحذروها. وجلسنا بعد انتهاء الحفلة حيناً مع رئيس الجمعية، فرأيناه داعياً إلى الحق على بصيرة، وهو من المتخرجين في الأزهر الشريف. وزرنا ضريح الإمام عبد الرحمن الأوزاعي المتوفى سنة ١٥٧ هـ، وهو في بناء قائم على شاطئ البحر. ثم عدت إلى دمشق، وأقامت لنا "جمعية الشبان المسلمين" حفلة احتفاء شهدها جمع كبير من أهل العلم والفضل، ومن بينهم: سماحة الأستاذ الأكبر مفتي دمشق الشيخ محمد الأسطواني، وخطب فيها حضرات الأجلاء: رئيس الجمعية الأستاذ محمد بن المبارك، والأستاذ الشيخ مصطفى الزرقا المدرس

стр. 5352

بكلية الحقوق، والقاضي الأستاذ علي الطنطاوي، وألقيت بعد هؤلاء كلمة شكر لحضراتهم على ما غمروني به من ثناء لست أهلاً له، وأتبعت كلمة الشكر بكلمات في "الجمعيات الإصلاحية" (١) التي نشرت في الجزء الثالث والرابع من المجلد السابع عشر من هذه المجلة. وسرني من هذه الحفلة أنها كانت وليدة عاطفة أدبية إسلامية خالصة، وأن خطباءها كانوا من شباب الأساتذة الذين أضافوا إلى ثقافتهم العصرية ثقافة إسلامية صحيحة، وطالما سمعتهم ينقدون مؤلفات بعض المنحرفين عن السبيل في مصر وغيرها، ويذكرون ما فيها من أمراض عقلية أو خلقية، فأحمد الله على أن الصفرة من شبابنا لا ينخدعون بما في تلك المؤلفات من زخرف القول، كما انخدع بها كثير ممن يقرؤون، وقد وضعوا أفكارهم بين يدي المؤلف يقلبها كيف يشاء. وطلب مني أعضاء هذه الجمعية إلقاء محاضرة خلقية، فألقيتها بعد أسبوع، وهي المحاضرة التي نشر قسم منها في الجزء السادس من المجلد السابع عشر من هذه المجلة تحت عنوان: "السمو الخلقي في الإسلام" (٢)، وخطب قبل إلقائها الأستاذ الفاضل خيري الجلاد، حامل شهادة كلية الشريعة، وخطب بعد إلقائها الأستاذ مصطفى السباعي المعروف في مصر بغيرته الدينية، وشجاعته الأدبية، وهو الآن يرأس في حمص جمعية تدافع عن الإسلام ونظمه الاجتماعية. ولجمعية التمدن الإسلامي نهضة حازمة، وكانت هذه الجمعية قد نظمت

стр. 5353

محاضرات إسلامية تلقى بعد العصر في كل أيام رمضان بجامع علي باشا، وطلب مني زعماء هذه الجمعية إلقاء درس هنالك، فألقيت درساً في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠ - ١١]. وصليت الجمعة في جامع الدقاق بالميدان، فاقترح عليّ فضيلة الأستاذ الجليل خطيب الجامع الشيخ بهجت البيطار إلقاء درس بالجامع، وأعلن عنه عقب خطبة الجمعة، وكان موضوع الدرس: حديث مسلم: "من نفّس عن مؤمن كربة في الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" إلخ الحديث. ويعد انتهاء الدرس، وانصرافنا من المسجد، قال لي بعض الأساتذة: ألا تسمح بزيارة الأستاذ الشيخ الأشمر زعيم الحركة المقاومة لتبرج النساء وخروجهن عن فضيلة الحشمة؟ فمررنا بدار الأستاذ، وجلسنا معه نحو نصف ساعة. وحضرت بدروس الوعظ التي تلقى بالجامع الأموي في رمضان، دروس الأساتذة الأجلّة: الشيخ هاشم الخطيب، والشيخ حسن حبنكة، والشيخ محمود ياسين، والشيخ بهجت البيطار، وأعجبت بحسن إلقاء هذه الدروس، واختيار موضوعها، ونقد شؤون كان في استطاعة الحكومة إصلاحها.

стр. 5354

مشاهد برلين (١) * مقدمة: وجود الإمام محمد الخضر حسين في "برلين" مجاهداً كريماً في سبيل الله، وإعلاء كلمة الحق، مرحلة من المراحل الهامة في حياته - رضوان الله عليه -. وما أروع وأعظم مراحل حياته على اختلاف زمانها ومكانها، سواء في تونس مولده، أو في دمشق، أو في إستنبول، أو القاهرة نهاية مطافه! كلها مدن إسلامية في عالم إسلامي واحد، شاهدة ذاكرة لنشاطه الديني والسياسي، الذي طبع صفحات تاريخه بطابع الإخلاص في العمل، والصدق في النية، إلى جانب علم غزير نافع يزين جهاده، ومكارم أخلاق ترافق خطاه، وطيب ثناء يترك آثاره من خلفه في كل سبيل سلكه على مدى عمره الطويل العامر. والرجل القوي في دينه، العظيم في نفسه، تسلس أمامة شدائد الصعاب، وتلين بين يديه قساوة الأيام، ويلقي الله في صدور أعدائه الضعف والهلع، ويجد المؤمن الصادق في بذل الجهد الشاق متعة وراحة، لا يجدها المترفون

стр. 5355

الكسالى في أحضان الدعة والمال والسكون، أو الرجال الذين يسيرون إلى جوانب الجدران بعيداً عن الخوض في غمار الحياة خوف التعب. يقول الإمام محمد الخضر حسين من ديوانه "خواطر الحياة": ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى ... لفتشت عن وادٍ أعيشُ به وحدي وكثيراً ما كان يتمثل بهذا البيت - رضوان الله عليه -. والمسلم الذي يرتاح للنضال لا يخشى سهامه، ولا يبالي بما يصيبه من الأذى، ويجد في الحل والترحال من أجل الدعوة حلاوة لا يجدها إلا المسلم الصادق الذي يستعذب مرارة الصبر والجلَد للوصول إلى رضاء الله تعالى. ولست أرى في الإمام محمد الخضر حسين إلا ذاك الرجل العالم العامل، والمجاهد الصامد الصابر، صغرت الدنيا في عينيه، فمرّ بها مرور الكريم سريعاً، وكأنها في نظره غزوة من غزوات الإسلام، دخلها شاهراً في يمناه كتاب الله العظيم، وخرج منها ظافراً بسلام آمن. وهنيئاً له بالدرجة العالية الرفيعة مع الصديقين والشهداء والأبرار، وحسن أولئك رفيقاً. رحل إلى ألمانيا مرتين (١) للاتصال مع الأسرى من أبناء المغرب، وأقام

стр. 5356

فيها تسعة أشهر في عام ١٩١٧ م، ثم أقام فيها مدة سبعة أشهر عام ١٩١٨ م. ومن رفاقه هناك: الشيخ صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، وعبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى، وغيرهم. كانت رحلته لأداء مهمة وطنية جليلة، فقد جندت فرنسا مئات الآلاف من المغاربة: تونسيين، وجزائريين، ومراكشيين، وألقت بهم في الخنادق الأولى من المعارك التي خاضتها ضد ألمانيا. وكان الإمام يقوم بالاتصال اليومي مع الأسرى، ويحرضهم على الثورة ضد الفرنسيين، ويدعوهم إلى الإنضمام إلى الدولة التركية التي سوف تساعدهم على تحرير بلادهم من الاستعمار. مهمة صعبة قاسية أداها الإمام في جو الحرب المرعب، تحت القذف الدائم، والدوي المتواصل لأصوات القذائف، والتنقل عبر خطوط القتال ليصل إلى أقرب نقاط التماس مع القوات الفرنسية، وتطلق محاضراته وكلماته بواسطة المدافع إلى خنادق الفرنسيين؛ ليقرأ المغاربة الدعوة إلى عدم مؤازرة مستعمر بلادهم في هذه الحرب، بل عليهم القتال في أوطانهم ضده. وأقام مع إخوانه المجاهدين في برلين (اللجنة التونسية الجزائرية) التي تهدف إلى تحرير بلاد المغرب، والدفاع عن قضاياها. وله مقالات ومحاضرات في الصحف والمنتديات، ولا سيما تلك التي تلقى يومياً على جموع الأسرى المغاربة في المعتقلات. وأصدرت سلطات الاحتلال في تونس حكماً عليه بالإعدام غيابياً؛ لتحريضه المغاربة المعبئين في الجيش الفرنسي على التمرد والعصيان، ودعوتهم إلى الثورة على فرنسا، كما أصدرت السلطات الفرنسية أمراً مؤرخاً في

стр. 5357

١٥ جوان ١٩١٧ م بحجز أمواله في تونس، وبيعها (١). تعلم اللغة الألمانية وأجادها في مدة قصيرة، واطلع على الآداب والفنون، ودرس الحالة الاجتماعية وعادات الشعوب وتقاليدها وأخلاقها هناك، وشارك في الدراسات الإسلامية، وتباحث فيها مع علمائهم. ودرس علوم الطبيعة والكيمياء على البروفسور الألماني (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين. يقول الإمام في مشاهداته عند حديثه عن ترجمة القرآن للمستشرق الألماني (ركرت): "وقد تتبعته في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة، مع الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية". ويقول في مشاهداته أيضاً: "أما في صناعة الخطابة، فإني كنت شهدت محاضرات وخطباً ... ". وسعى مع الدولة الألمانية لإنشاء مسجد تقام فيه فرائض الصلاة والعبادة للأسرى المسلمين، وافتتح في غرة شهر رمضان ١٣٣٣ هـ، وألقى الإمام خطاباً في حفل الافتتاح نورده في نهاية هذا الكتاب. * من ذكرياته وأقواله في ألمانيا: إن مهمته الوطنية في ألمانيا لم تكن مانعة له من البحث العلمي والكتابة، ونجده ينظم الشعر البديع، ويسجل خواطره، ويدون مشاهداته. وكثيراً ما نراه يستشهد من خلال مقالاته التي سطرها فيما بعد بوقائع وأحداث له في ألمانيا. ومن المفيد أن نورد الفقرات التي تتعلق لإقامته في ألمانيا، وشعره الذي قاله

стр. 5358

هناك من خلال مقالاته التي بين أيدينا، وديوانه "خواطر الحياة". يقول الإمام: - "ولما كنت بألمانيا، سمعت أناساً من أوربا وأمريكا يدَّعون أنهم يستحضرون أرواح الموتى، ويخبرونهم عن حالهم، وبعض ما يقع لهم في الحياة، فأقول: إن هذه الواقعة باطلة بنفسها" (١). - "واجتمعت بقسيس في بلد "لنداو" من ألمانيا، وسألته: هل حضر جلسة من جلسات هؤلاء الذين يدعون استحضار الأرواح؟ قال القسيس: هذه دعوى باطلة، والعلماء ينكرون ذلك" (١). - "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا أيام الحرب الأولى حضرت حديثاً يدور بين مدير الاستخبارات الألمانية وسكرتيره أثناء سفرنا إلى قرية "ويزندرف"، سألني المدير في نهايته فقال: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟ قلت: وماذا يقرر؟ قال: إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكماً للأمم. قلت: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام ... " (٢). - "وأذكر بهذه المناسبة: أني لقيت مستشرقاً ألمانياً أثناء مقامي في ألمانيا دخل الإسلام؛ لمعاشرته عالماً مسلماً، وصَلَه بالثقافة الإسلامية، ووقفه على شيء من أسرار كتاب الله وسنة رسوله، فانشرح صدره للإسلام

стр. 5359

لما آنس من رشده وحكمته، وقد وصف صديقه العالم فقال: ما رأيت عالماً مثله قط" (١). - "وتقترب الأمة من الحرية بقدر ما تقل فيها المظالم، وقد قضيت في ألمانيا سنة وأربعة أشهر لم أر أحداً يرفع صوته على آخر بالشتم، أو يرفع يده لأذيته، فأقول: هذا من خلق القرآن الكريم ... " (٢). - "وأخبرت وأنا في ألمانيا: أن هناك جمعية خيرية ترسل في البريد إلى المحتاجين من غير أن يعلموا من أين جاءتهم. وهذا المعنى وجد في جزيرة العرب قبل ما يزيد على ألف سنة، فقد جاء في تاريخ أحد أهل الخير: أنه كان يرصد المعونة إلى المحتاجين من غير أن يعرفوه، ولما مات، وانقطعت عنهم المعونة، عرفوا أنه هو الذي كان يرسل إليهم المعونة" (٣). - "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق، وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرم من الحيوان: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] , وهو منطبق على ما يفعلون" (٤).

стр. 5360

- "وكنت في برلين آخذ دروساً في الطبيعة والكيمياء عن المستشرق الدكتور (هردل)، فأخبرني الدكتور بأن أحد الألمان قرأ القرآن، وأسلم، وقال الدكتور: إن الإسلام حقيقة تكلم في التوحيد بما لم يتكلم به دين آخر" (١). * شعره في ألمانيا: ومن روائع شعره تحت عنوان: "العرب والسياسة": يقول الإمام محمد الخضر حسين: "كنت في قطار بضواحي برلين يرافقني مدير الأمور الشرقية بوزارة الخارجية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية، ثم أقبل عليّ وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعد الناس عن السياسة؟ فقلت: يريد العرب قبل دخولهم الإسلام، وبهذه المناسبة نظمت هذه الأبيات": عذيري من فتى أزرى بقومي ... وفي الأهواء ما يلد الهذاءَ (٢) يقول: العربُ ظلوا في جفاء ... وما عرفوا السياسةَ والدهاءَ سلوا التاريخ عن حكم تملَّت ... رعاياه العدالةَ والرخاءَ (٣) عزوفِ النفس عن ترفٍ ذكورٍ ... لعقبى من أجاد ومن أساءَ (٤)
следующие страницы →