← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

فيها تسعة أشهر في عام ١٩١٧ م، ثم أقام فيها مدة سبعة أشهر عام ١٩١٨ م. ومن رفاقه هناك: الشيخ صالح الشريف، وإسماعيل الصفايحي، وعبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، واللواء يوسف مصطفى، وغيرهم. كانت رحلته لأداء مهمة وطنية جليلة، فقد جندت فرنسا مئات الآلاف من المغاربة: تونسيين، وجزائريين، ومراكشيين، وألقت بهم في الخنادق الأولى من المعارك التي خاضتها ضد ألمانيا. وكان الإمام يقوم بالاتصال اليومي مع الأسرى، ويحرضهم على الثورة ضد الفرنسيين، ويدعوهم إلى الإنضمام إلى الدولة التركية التي سوف تساعدهم على تحرير بلادهم من الاستعمار. مهمة صعبة قاسية أداها الإمام في جو الحرب المرعب، تحت القذف الدائم، والدوي المتواصل لأصوات القذائف، والتنقل عبر خطوط القتال ليصل إلى أقرب نقاط التماس مع القوات الفرنسية، وتطلق محاضراته وكلماته بواسطة المدافع إلى خنادق الفرنسيين؛ ليقرأ المغاربة الدعوة إلى عدم مؤازرة مستعمر بلادهم في هذه الحرب، بل عليهم القتال في أوطانهم ضده. وأقام مع إخوانه المجاهدين في برلين (اللجنة التونسية الجزائرية) التي تهدف إلى تحرير بلاد المغرب، والدفاع عن قضاياها. وله مقالات ومحاضرات في الصحف والمنتديات، ولا سيما تلك التي تلقى يومياً على جموع الأسرى المغاربة في المعتقلات. وأصدرت سلطات الاحتلال في تونس حكماً عليه بالإعدام غيابياً؛ لتحريضه المغاربة المعبئين في الجيش الفرنسي على التمرد والعصيان، ودعوتهم إلى الثورة على فرنسا، كما أصدرت السلطات الفرنسية أمراً مؤرخاً في

стр. 5357

١٥ جوان ١٩١٧ م بحجز أمواله في تونس، وبيعها (١). تعلم اللغة الألمانية وأجادها في مدة قصيرة، واطلع على الآداب والفنون، ودرس الحالة الاجتماعية وعادات الشعوب وتقاليدها وأخلاقها هناك، وشارك في الدراسات الإسلامية، وتباحث فيها مع علمائهم. ودرس علوم الطبيعة والكيمياء على البروفسور الألماني (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين. يقول الإمام في مشاهداته عند حديثه عن ترجمة القرآن للمستشرق الألماني (ركرت): "وقد تتبعته في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة، مع الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية". ويقول في مشاهداته أيضاً: "أما في صناعة الخطابة، فإني كنت شهدت محاضرات وخطباً ... ". وسعى مع الدولة الألمانية لإنشاء مسجد تقام فيه فرائض الصلاة والعبادة للأسرى المسلمين، وافتتح في غرة شهر رمضان ١٣٣٣ هـ، وألقى الإمام خطاباً في حفل الافتتاح نورده في نهاية هذا الكتاب. * من ذكرياته وأقواله في ألمانيا: إن مهمته الوطنية في ألمانيا لم تكن مانعة له من البحث العلمي والكتابة، ونجده ينظم الشعر البديع، ويسجل خواطره، ويدون مشاهداته. وكثيراً ما نراه يستشهد من خلال مقالاته التي سطرها فيما بعد بوقائع وأحداث له في ألمانيا. ومن المفيد أن نورد الفقرات التي تتعلق لإقامته في ألمانيا، وشعره الذي قاله

стр. 5358

هناك من خلال مقالاته التي بين أيدينا، وديوانه "خواطر الحياة". يقول الإمام: - "ولما كنت بألمانيا، سمعت أناساً من أوربا وأمريكا يدَّعون أنهم يستحضرون أرواح الموتى، ويخبرونهم عن حالهم، وبعض ما يقع لهم في الحياة، فأقول: إن هذه الواقعة باطلة بنفسها" (١). - "واجتمعت بقسيس في بلد "لنداو" من ألمانيا، وسألته: هل حضر جلسة من جلسات هؤلاء الذين يدعون استحضار الأرواح؟ قال القسيس: هذه دعوى باطلة، والعلماء ينكرون ذلك" (١). - "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا أيام الحرب الأولى حضرت حديثاً يدور بين مدير الاستخبارات الألمانية وسكرتيره أثناء سفرنا إلى قرية "ويزندرف"، سألني المدير في نهايته فقال: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟ قلت: وماذا يقرر؟ قال: إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكماً للأمم. قلت: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام ... " (٢). - "وأذكر بهذه المناسبة: أني لقيت مستشرقاً ألمانياً أثناء مقامي في ألمانيا دخل الإسلام؛ لمعاشرته عالماً مسلماً، وصَلَه بالثقافة الإسلامية، ووقفه على شيء من أسرار كتاب الله وسنة رسوله، فانشرح صدره للإسلام

стр. 5359

لما آنس من رشده وحكمته، وقد وصف صديقه العالم فقال: ما رأيت عالماً مثله قط" (١). - "وتقترب الأمة من الحرية بقدر ما تقل فيها المظالم، وقد قضيت في ألمانيا سنة وأربعة أشهر لم أر أحداً يرفع صوته على آخر بالشتم، أو يرفع يده لأذيته، فأقول: هذا من خلق القرآن الكريم ... " (٢). - "وأخبرت وأنا في ألمانيا: أن هناك جمعية خيرية ترسل في البريد إلى المحتاجين من غير أن يعلموا من أين جاءتهم. وهذا المعنى وجد في جزيرة العرب قبل ما يزيد على ألف سنة، فقد جاء في تاريخ أحد أهل الخير: أنه كان يرصد المعونة إلى المحتاجين من غير أن يعرفوه، ولما مات، وانقطعت عنهم المعونة، عرفوا أنه هو الذي كان يرسل إليهم المعونة" (٣). - "وأذكر أني حين كنت في ألمانيا لم آكل من لحوم حيوانهم؛ لأني عرفت أنهم لا يذبحون الحيوان بالطريق الشرعي، إنما يقتلونه بالضرب على رأسه، أو بالخنق، وأخذت في ذلك بقوله تعالى عند تعداد المحرم من الحيوان: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] , وهو منطبق على ما يفعلون" (٤).

стр. 5360

- "وكنت في برلين آخذ دروساً في الطبيعة والكيمياء عن المستشرق الدكتور (هردل)، فأخبرني الدكتور بأن أحد الألمان قرأ القرآن، وأسلم، وقال الدكتور: إن الإسلام حقيقة تكلم في التوحيد بما لم يتكلم به دين آخر" (١). * شعره في ألمانيا: ومن روائع شعره تحت عنوان: "العرب والسياسة": يقول الإمام محمد الخضر حسين: "كنت في قطار بضواحي برلين يرافقني مدير الأمور الشرقية بوزارة الخارجية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية، ثم أقبل عليّ وقال لي: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعد الناس عن السياسة؟ فقلت: يريد العرب قبل دخولهم الإسلام، وبهذه المناسبة نظمت هذه الأبيات": عذيري من فتى أزرى بقومي ... وفي الأهواء ما يلد الهذاءَ (٢) يقول: العربُ ظلوا في جفاء ... وما عرفوا السياسةَ والدهاءَ سلوا التاريخ عن حكم تملَّت ... رعاياه العدالةَ والرخاءَ (٣) عزوفِ النفس عن ترفٍ ذكورٍ ... لعقبى من أجاد ومن أساءَ (٤)

стр. 5361

همامٍ كان سامرُه وأقصى ... بلاد في مهابته سواءَ (١) هو الفاروق لم يدرك مداه ... أمير هزَّ في الدنيا لواءَ (٢) - وتحت عنوان (قوس الغمام): أيخفى ضمير المرء يوماً ولو سما ... إلى الذروة القصوى ضحى ودهاءَ إذا كتمتنا الشمس ألوانها ضحى ... يبوح بها قوس الغمام مساءَ (٣) - ويصف (حمرة الشفق): هذا الدجى اغتال النهار ودسّه ... تحت التراب مضرجاً بدمائه (٤) ما حمرةُ الشفق التي تبدو سوى ... لطخ من الدم طار نحو ردائه (٥) ونجد في هذين البيتين أثر الحرب المشتعلة في نفس الإمام الشاعر. وفي قرية "لنداو"، والثلج على الأشجار، وقد طلعت عليه الشمس فأخذ يذوب، وقرية "لنداو" على بحيرة "بودن" بألمانيا: - (عبرات الأشجار): نسج الغمام لهذه الأشجار من ... غَزْلِ الثلوج براقعاً وجلاببا

стр. 5362

والشمس تبعث في الضحى بأشعة ... تسطو على تلك الثياب نواهبا فبكت لكشف حجابها أَوَ ما ترى ... عَبراتها بين الغصون سواكبا - (ريح تنسف في روضة): جاد هذا الروض غيثٌ فازدهى ... وغدا بُلبلُه يطري السحابا وتمادى مسهباً في مدحه ... فحثت في وجهه الريح ترابا - (زجاجات المصور): عذرتك إذ صورت في نفسك الهدى ... ضلالاً وصورت الضلال رشادا فإن زجاجات المصور تقلب الـ ... ـسواد بياضاً والبياض سوادا - أبيات قالها في برلين سنة ١٣٣٥ هـ عقب زيارة المرحوم محمد فريد وإسماعيل لبيب: جرس يصيح كحاجب ... طلق اللسان معربدِ (١) حيناً ينوح كموجع ... من لطمة المتعمّد والآن رنّ كمزهرٍ ... جسته أنمل معبد (٢) زار الصديق فهزّه ... من بعد ضغطة جلمد (٣) والود يسكن في الحشا ... لكن يحس من اليد

стр. 5363

- (البرد في الحديقة): هزّ النسيم غصون الروض في سحر ... كما يهز بنانُ الغادة الوترا (١) لذّ الحفيف على سمع الغمام أما ... تراه يحثو على أدواحه دُررا (٢) - (العيد في برلين): قيلت في برلين عندما أدركه عيد الفطر هناك: أسِوارٌ من عسجد وجُمانِ ... تقتنيه الحسان في الأقراط (٣) أم هلال حفته في ليلة العيـ ... ـد نجوم ببهجة واغتباط هذه طلعة الهلال وما لي ... لم أجد في الفؤاد بعضَ انبساطي يوم عيد وما تفتق كِمٌّ ... عن أنيس ولو كسَمٍّ الخياط (٤) ما تملى سمعي تهانئ صيغت ... في قلوب موصولةٍ بنياطي (٥) أين جيراننا وأين المصلى ... وخطيبٌ يهدي لخير صراطِ (٦) أين مني شفيقةُ القلب تُهدي ... دعواتِ مثلَ الظباء عواطي (٧)

стр. 5364

لو تقاضيت في اغترابي أمراً ... نهضت همتي له ونشاطي لأدرت العِنان نحو دمشقٍ ... وحمدت السُّرى على الأشواط (١) - (ثلج في السحر): تطاول هذا الليل والجو مزبِدٌ ... تضيق بأمواج الثلوج مسالكُهْ كأني أُذيبُ الصبح بالحدق التي ... يقلبها وجدي وتلك سبائكُهْ - (الملك الطبيعي أو راعي الغنم): قيلت في قرية "ويزندورف" بضواحي برلين: تقلَّد الملكَ بين الضَّال والسَّلم ... وهبَّ يفتحُ من غَورٍ إلى عَلَم (٢) فعرشُه ربوةٌ حاكت خميلتها ... يد الغمامة إذ جادت بمنسجم (٣) وتاجه الشمس تبدو فوق مفرقه ... تاج مصونٌ بلا جند وسفك دم (٤) سراجه الكوكب الدُّرِّيُّ يرسل من ... عليائه بسناً ينساب في الظُّلم والظَّبي يرقُمُ في طِرْس الفلاة خُطاً ... أحلى لناظره من جولةِ القلم (٥) صفت مناظر غدرانٍ فكان له ... فيها مزايا جلاها صاقل النَّسَمِ

стр. 5365

وآلةُ الطَّرب الحُملان ترتع في ... خِصبِ فيسمع منها أطيب النَّغم (١) عَيناهُ: ذي سارَقَتْ جَفْنَ المها نظراً ... وتلك ناظرةٌ شزراً إلى الأجم (٢) لم يتَّخذ سامراً يوحي إليه بما ... يهوى ويخضب بعض الحق بالكَتَم (٣) وما امتطى مركباً كيلا يضايق ... في مسيره نَفَسَ العجفاء والهرم ومن تولَّى زمام الأمر في ملأٍ ... لم يغلُ إن ساسهم سعياً على قدم - (أحمد الظعن): قيلت على لسان قلم أهداه لأحد الكتاب بعد عودته من برلين سنة ١٣٣٤ هـ: أطوي المراحل من "برلين" في أمل ... لم يجن زهرته كفُّ الذي قَطَنا (٤) وأحمد الظعنَ إن الظعن أظفرني ... بأنمل تخدمُ الإسلامَ والوطنا (٥) - ومن أجمل شعره وأبدعة قصيدته التي قالها عند رجوعه من برلين سنة ١٣٣٧ هـ، وعنوانها: "من برلين إلى دمشق"، وقد ركب الباخرة من ميناء "هامبورغ" في ألمانيا، ورافقه في العودة عدد من المجاهدين، وقضى عشرين

стр. 5366

يوماً في البحر حتى وصل إلى ميناء بيروت. يصف الإمام في هذه القصيدة الرائعة ما لاقاه من مخاطر السفر على الماء، ويتحدث عن الإنكليز، وجفاء طباعهم، ويذكر عند مروره في جبل طارق أرضَ الأندلس، ويحزن عند مروره بإستنبول وقد هوت بعد الهزيمة، ويرى في طرابلس العلم الفرنسي، (وذاك علامة الوطن المهان). يقول الإمام الشاعر في القصيدة: سئمت، وما سئمت سوى مُقامي ... بدارٍ لا يروج بها بَياني فأزمعتُ الرحيل، وفرط شوقي ... إلى بردى تحكَّمَ في عِناني بكرت إلى القطار فسار توّاً ... إلى مَرسى السَّفين كأُفعوانِ (١) نهضتُ إلى السَّفينة في رفاق ... سَلوتُ بأنسهم نُوَبَ الزَّمانِ وقضَّينا بها عشرين يوماً ... فلم نلج البلاد ولا المواني تقلِّبها العواصفُ كيف شاءت ... وتقذفها بأمواجٍ سمانِ ألا بُعداً لما تذكيه ريحٌ ... على الدَّأماءِ من حربٍ عَوانِ (٢) رست بمياه لندنَ وهي قُصوى ... فلا بَشراً نُحِسُّ ولا المغاني (٣) ووافاها العريف ومُسْعِدوه ... سراعاً في زوارقَ كالهِجانِ (٤) وأبصرنا جفاء في وجوه ... مقطِّبة وأَحْداقٍ رواني

стр. 5367

فقل للإنكليز صرعت خصماً ... وحزت السَّبق في يوم الرهانِ فخلِّ الشَّرق ينهض مستقلاً ... فما هو باليؤوس ولا الجبان أربَّان السفينة قف مليّاً ... نؤبِّن فاتحاً ثبت الجنان (١) كأن رياح هذا الصبح مرَّت ... بأرواح تنعَّم في الجنانِ (٢) أرى جبلاً تسنَّمه قديماً ... دعاةُ الحقِّ والسُّنن الحسان (٣) وساسوا أرض أندلس بعدل ... كما صنعوا بأرض القيروان وما انقلبت إلى الإسبان إلَّا ... على أيدي المزاهر والقيان عبرنا الدردنيل ضحىً وجئنا ... فَروقَ وقد تهاوت في هَوانِ (٤) لمحتُ على الوجوه بها كسوفاً ... وكدت أرى التَّجَهُّمَ في المباني يميس بأرضها الحلفاء سكرى ... وإن لم يحتَسُوا بنتَ الدِّنانِ (٥) ولم أعهد بها إلَّا حصوناً ... كستها روعة السيف اليماني برحت فَروقَ مأسوفاً وهذي ... ربي إزميرَ حالِكةُ الدِّجان (٦)

стр. 5368

يجوسُ خلالها اليونانُ مَرحى ... مِراحَ الفُرسِ يومَ المهرجانِ (١) فيا نكدي يسوس الخصمُ أمري ... وكنتُ أذقته حرَّ الطعانِ قصدت إلى الشَّآمِ ولست أدري ... أيقسو أم يلين بها زماني وللإفرنجِ في بيروتَ عينٌ ... يُسمَّى من يُساجِلُهم بجاني (٢) وصلت إلى طرابلسٍ وحيداً ... أعاني بالتنكّرِ ما أعاني (٣) يَشينُ قِبابها علمٌ غريبٌ ... وذاك علامةُ الوطن المُهانِ هلمَّ حقيبتي لأحُطَّ رحلي ... فنفخُ زهورِ جِلَّق في تداني فخض بي أيها الحادي رُباها ... وألق عصا التَّرحُّل غير واني (٤) حللتُ بها ولم أفقد ندامى ... على أدب وعيشاً في ليان (٥) وللأقدارِ في الدُّنيا صروفٌ ... طويتُ على الحديث بها لساني (٦) - وإليكم هذه الصورة الشعرية، وكأنها لوحة رسام شاعر: (سرق الغمام): سرق الغمام اليوم ظلي بعد أن ... رسمته في "لنداو" شمس ضحاها (٧)

стр. 5369

ويد الرحيل تخطفت في "جلق" ... جسمي وأبقت مهجتي برباها (١) فأنا خيال والبحيرة مقلة ... لكن تطاول بالخيال كراها هذه لمحة سريعة نقدمها من سيرة الإمام محمد الخضر حسين، نورد بعدها "مشاهد برلين" التي هي بعض ذكرياته في ألمانيا الموجزة، وقد نشرت بمجلة "المقتبس" الدمشقية في الجزأين السابع والثامن من المجلد التاسع سنة ١٣٣٢ هـ - ١٩١٣ م. والحمد لله على ما هدى، والحمد لله على نعمة الإسلام. علي الرّضا الحسيني * مرافق الحياة: يتوسط الشوارع الكبيرة في "برلين" رياض تسايرها طولاً، وتفتح فيها سبلاً للراجلين خاصة، فيكون الشارع مفصلاً إلى رصيفين وجادتين، بينهما ممر يكتنفه عمارتان من نبات تطرزه الرياحين بألوان مختلفة، ولا يشاهد الإنسان في ديارها -ولو في الأرباض- بناء بالياً، أو جداراً متداعياً، والذي ساعد على تنسيق مبانيها ومتانتها: أن عناصر الطين بمقربة من تلك المدينة، وأن الحجارة والخشب يجلبان إليها على نهر "شبري" بسهولة وقيم زهيدة. وكثير من المباني قائمة من الحجارة الرملية، ويستعملون "البرفير" زينة في داخل البيوت، وهو ضرب من حجارة الكرانيت المرادف له في العربية كلمة: صوّان، وتفرش بعض المحلات؛ مثل: دهاليز المدارس ببلاط (استك)، وهو قطع دقيقة من الرخام، تخلط بعجين الكلس.

стр. 5370

في كل منزل حمام يتخذ من الزنك، يسخن ماؤه في قصبة تنصب بازائه مثل الأسطوانة، ويتصل بحافته مجرى للماء الحار، وآخر للماء البارد، ومن فوقه الناضحة المثقبة، ولكل واحد من المجاري الثلاثة مفتاح يتميز بكتابة على جانبه. ومن تلك الحمامات ما يتدفق إليه الماء الحار من معمل تشترك فيه منازل كثيرة، فيتيسر للإنسان أن يتطهر منها في أي دقيقة حضرت، ويقل لهذا ترددهم على الحمامات العامة، ولا يقصدونها -في الغالب- إلا لداعية زائدة على النظافة؛ إذ يوجد فيها من يقوم بعمل الدلك على قاعدة صحية. ومن المنازل ما يتوسل لدفئه أيام البرد بإيقاد الفحم في القصبات القائمة بزاوية من زوايا المنزل على الطريقة المعروفة، ومنها ما يدفأ بوسيلة ماءٍ حار يمر في بعض نواحيه على أسلوب منتظم. وملخص ترتيبه: أن ينصب في الطبقة السفلى مرجل توقد تحته النار بتناسب، ويتصل بالمرجل قصبة يصعد فيها الماء إلى إناء فتح عند سقف الطبقة العليا، ثم ينسكب نازلاً إلى مواضع التسخين في سائر الطبقات وحجراتها، حتى يعود إلى المرجل مرة أخرى، ويتركب موقع التسخين -في الغالب- من خمس عشرة إلى عشرين أسطوانة خشبية متلاصقة، وجث يجري الماء في مجال مستدير وسطح غير ضيق يحصل الدفء الكافي. وذكرت عند هذا الصنيع: أن جبرئيل بن بختيشوع المتوفى سنة ٣٥٦ هـ، كان يضع من وراء الحجرة التي يجلس فيها مواقد تبعث من وهجها ما يكسر سورة البرد. دخل عليه أحد الفضلاء- على ما قصّه موفق الدين في "طبقات الأطباء"-، فأحس بدفءٍ، وقد أصبح البرد شديداً، فكشف له بختيشوع عن

стр. 5371

جوانب المقعد، فإذا موضع له شبابيك خشب بعد شبابيك من حديد وكوانين فيها فحم الغضى، وغلمان ينفخون ذلك الفحم بالزقاق، مثلما يصنع الحدّادون. ويفتحون في النوادي الكبيرة مراوح ذات آلات، تجلب إليها الهواء النقي أو النسيم البارد بإدارة كهربائية. فمن محال القهوة ما يسع أكثر من ألف نسمة، فتجد الجالسين صفوفاً مرصوصة، ولا يحس الداخل بكدر في الهواء مع ما يقع من التدخين. وهذا أيضاً ذكّرني: أن بختيشوع الذي دبّر طريقة تسخين الحجرات إذا دبّت عقارب البرد، قد فكّر في وجه استخلاص النسيم البارد إذا رمت الظهيرة بجمراتها، فكان يعد من خلف القبة التي يتبوؤها مواضع مرصف فيها قطع من الثلج، ويأخذ الغلمان مراوح يستثيرون بها من ذلك الثلج نسيماً بارداً، فيهب إلى القبة في طريقة متجددة. وكانوا يستوقدون الشمع، ويعض أصحاب البيوت يصنعونه من شحم البقر بأيديهم إلى قريب من سنة ١٨٤٠ م، فظهر بينهم زيت الغاز المعدني، اكتشفوه في أربع ولايات من ألمانيا، ولكن منابعها ليست بغزيرة، وقد تهللت اليوم بالضرورة مسارج الكهرباء والغاز البخاري في كل محلة. أما القصور القيصرية، فكانت تنار بالشمع المستخلص من عسل النحل، ثم انبجست فيها أنوار الكهرباء سنة ١٨٨٨ هـ. لا تخلو أبواب البيوت ودواخل الحجرات من أجراس يستند تنظيمها بين الضغط على أزرارها، ورنةٌ مطرقتها إلى مجرى كهربائي، تستمده من معمل تشترك فيه محلات متعددة. ويصنعون في كل حجرة من الفنادق الشهيرة ثلاثة أجراس، يدعو النزيل بأحدها من تكفف بتنظيم الحجرة، وبثانيها من يعين لمناولة ما يحتاج إليه من مثل طعام أو شراب، ويثالثها من يختص بحمل الأمتعة.

стр. 5372

ترتبط المنازل بأسلاك حاكي الصدى (التلفون) وقد ريحوا بوسيلته قسطاً عظيماً من أوقاتهم، فيكون الإنسان في غنى عن أن يبدد قطعة من الوقت، الذي هو سلك عمره في مسافة الذهاب إلى مكان، والإياب عنه بإبلاع كلمة، والإنصات إلى مثلها، وقد أصبح من المعتاد عندهم أن الإنسان لا يضرب بخطوة إلى زيارة أحد، حتى يعلم بهذه الوسيلة أنه حاضر في منزله، ويفهم من خطابه أنه لم يكن في حال يقتضي تأخير اللقاء إلى دفعة أخرى. وتسلم إدارته لكل من عقد في محله فرعاً منه مجلداً، يحتوي على أسماء المشتركين فيه مرتبة على أحرف الهجاء، مع بيان الأعداد التي جعلت علماً على فروعهم. فمن أراد ليخابر آخر، خاطب الموظف في مركز دائرته أولاً، وأعلمه بالعدد الذي جعل على الفرع الواقع في منزل صاحبه، فيهيئ طريقة المخابرة معه. واختاروا أن يكون الموظفون في هذه الدوائر نساء، وقالوا في علة ذلك: إن التجربة كشفت على أن كلام المرأة في هذه الآلة أوضح من كلام الرجل، وأمكن في السمع. ولا داعي إلى رفع الصوت عند المخابرة فيه، فإن المتكلم يلقي بكلامه في مكر تلفون: "آلة تقوية الصوت الضعيف"، بل ربما أدى الجهر بالقول فوق العادة إلى فوات بعض الأحرف، أو عدم تمكنها من سمع المخاطب. يضعون في المطابخ موازين تسمى: ميزان المطبخ، يزنون بها ما يشترون من لوازم المطبخ ونحوه؛ لكي يتيقنوا نصح البائع أو خيانته، وعِلْم الباعة بمثل هذا مما يجعلهم على استقامة وحذر من التطفيف بالوزن. ويتخذون الريش حشواً لألحفة الفراش التي تكون من كتان غالباً، فيجمعون في صنعهم هذا بين دفئها، وخفة وقعها، ويستعملون للطبخ بإرشاد

стр. 5373

من نظارة الصحة العمومية القيصرية قدوراً من الألمنيوم (معدن أبيض كالفضة)؛ لأن من خواص هذا المعدن: أنه لا يفسده حامض ماء البارود، ولا يتضرر من حامض الكبريت، إلا إذا مسه مراراً متعددة، ثم إن ما يجتمع من مائه لا يسري إلى جسم الإنسان بضرر ذي بال، والقدور والأواني التي تصاحب العساكر، إنما تؤخذ من هذا المعدن؛ لخفة حمله، وقلة أذيته. وفي الفنادق الشهيرة -ما عدا الساعات المنبهة المتداولة- آلة تلصق في الجدران المحاذية للسرر بحيث تنالها يد المضطجع، فيستعملها للإفاقة من النوم في وقت معين، فتصدح في الوقت نفسه بصوت رخيم يستمر أمداً طويلاً، أو لا ينقطع إلا إذا أسكتتها يد بتحويل وضعها. * الديانة: ينتحل معظم الشعوب الألمانية مذهب البرتستانت. وأول من أطلق لذلك الشعوب في العقائد، ولم يأخذ عليها في تقاليدها (فريدريك الكبير)، فخففت ولايته فتناً كانت التعصبات الاعتقادية تنفخ في جمراتها. وصرّح بعض أساتيذهم بمزية القرآن في الدعوة إلى التوحيد الخالص، وفهمت عنه أن لدلائله وأساليبها، إذ أصبحت ترجمته تسعى بين أيديهم، أثراً في تأييد الاعتقاد بوحدة الإله. ومما أخذوه في شعار الديانة: أنْ رسموا في منطقة كل عسكري جملة تعريبها: (الله معنا). ويغلب على فلاسفتهم التمسك بما يدينون، ولا يمرقون إلى الإلحاد مثل كثير من فلاسفة أوريا الغربية. فأشهر فلاسفة الألمان (كنت) المتوفى في أوائل القرن التاسع عشر، قد تعرض في تأليفه المسمى: "انتقاد العقل الخالص" للاستدلال على وجود الخالق، وهذا التأليف أعظم كتاب يعتمد عليه فلاسفتهم.

стр. 5374

* الجد والعمل: يعمل الأمان في حياتهم على شاكلة سياسيهم الكبير (بسمارك) القائل: "إن استراح، صدئ". فإذا رأيتهم -لا سيما في غرة النهار- وهم ينتشرون في الأرض بخطاً سريعة. ونشاط، يتمثل لك الجد في أوسع مظهره، وينكشف لك الفرق ما بين العامل والقاعد في أجلى صوره. وفي بعض إحصائيات ليست ببعيدة أن (٥٢) في المئة من السكان يرتزقون من الصنائع، وأن المعامل المنشأة في شمال المدينة وشرقها تحتوي على أكثر من ثلاث مئة ألف عامل. لا يلاقي المتجول في أنحاء المدينة -على سعة منطقتها - طائفة تتسول، أو يسمع لها نغمًا، وتخطر لي ذكرى أني لم ألق من السائلين في أشهر الإقامة هناك أكثر من عدد أنامل الكف الواحدة، وهم إما رجل قطع جناحه، أو عجوز بلغت من الكبر عتياً، ولا عجب إذ لم نشاهد كثيراً من العجزة يتكففون؛ فإن في الباب التاسع عشر من قوانينهم المدنية: أن تقوم الحكومة بعيش من قعد به العجز على الاكتساب بنفسه. * المعاهد العلمية: تأسست في برلين كلية يعمرها (٢٥٠) أستاذاً، و (٦٠٠٠) تلميذ، ومن شعبها: مدرسة الألسن الشرقية، المنشأة في سنة نيف. ١٨٨٠، ويتعلم في هذه الشعبة نحو (٥٠٠) تلميذ. والمدارس من غير هذه الكية لم أجد بها حساباً، وإنما عرفت منها مدرسة للصناع بها نحو (٣٠٠٠) تلميذ، ومدرسة للزراعة بها (١٠٠٠) تلميذ، ومدرسة لطب الحيوان بها (٥٠٠) تلميذ، ومدرسة للمهندسين بها (٤٠٠٠) تلميذ.

стр. 5375

وأنشؤوا منذ خمس سنوات داراً في "دالم" على جانب من برلين، وجلبوا إليها كل ما يفتقر إليه علماء الطبيعة من أدوات التجربة والوسائل المساعدة على البراعة الفائقة في هذا العلم، والمقدرة الواسعة في استنباط نتائجه، وقد أصبحت هذه المحلة دار إقامة لكثير من علماء الطبيعة. وشرع (فريدريك الأول) الذي نُصّب ملكاً على "بروسيا" في أوائل المئة الثامنة عشرة، بإنشاء دار كتب يقدر ما في خزائنها من المجلدات بمليون ونصف. ومن بينها قسم للكتب التركية، وآخر للكتب العربية. طفت بعض خزائن هذا القسم، فكنت أتناول كتاباً بعد آخر، فأجدهما مختلفين في فنيهما اختلافاً بعيداً، ثم طالعت الفهرس، فألفيته مرتباً على حروف المعجم، بحيث تسرد فيه الكتب التي تشترك بأوائل أسمائها في حروف من حروف الهجاء على نسق واحد، وإن تفرقت في موضوعات فنونها. فقرأت في حرف الهمزة مثلاً: "أحكام القرآن" لابن العربي، "إسعاف المبطي"، "الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ"، "إنفاذ الأوامر الإلهية بنصرة العساكر العثمانية وإنقاذ الجزيرة العربية". وخصوا قسماً منها بالخرائط الجغرافية العتيقة والحديثة، وبها معرض نضدوا فيه آثار الخطوط العتيقة، وما سبق لحروفها من الأشكال الغريبة، وفتحوا في طبقتها الأولى للمطالعة محلاً سمكوا بناءه في شكل مثمن فسيح، وصففوا فيه مكاتب وكراسي في دائرة كبيرة، ومن فوق كل مكتبة مسرجة من الكهرباء، وأعدوا قبالة هذا المحل بهواً في شكل مربع مستطيل لمطالعة الجرائد والمجلات خاصة، ويماثله في طبقة عالية محل لمطالعة الكتب العربية والتركية، أو النسخ منها. ولا يمكَّن أحدٌ من كتاب إلا إذا كانت بيده ورقة الإذن في المطالعة،

стр. 5376

فإذا أحرز ورقة الإذن ممن له النظر في إعطائها، وأراد المطالعة أو النسخ، لم يسلم إليه الحافظ الكتاب إلا بعد أن يثبت في ورقة رسمية اسم الكتاب وعدده، ويبين هل خط بالقلم أو بالمطبعة، ثم ينهيها باسمه وصناعته ومحل سكناه. يسمح قانونها بإعارة الكتب المطبوعة دون ما خط بالقلم؛ لأنها قد تصاب بضياع، فيصعب الجاد مثلها وجعله بمكانه، ولا سيما ما يكون له أثر تاريخي؛ كالكتب المخطوطة بأقلام مؤلفيها، أو غيرهم من مشاهير أهل العلم. * نظامات علمية: تنقسم المدارس إلى: ابتدائية، وإعدادية، وجامعة (كلية). فيستمر التلميذ من السنة السادسة إلى الرابعة عشرة في القسم الابتدائي، ثم يتمادى في الإعدادي ست سنين، فينفصل عنها إلى الجامعة ويبقى بها ثلاث سنين، فإن كان من طلبة علم الطيب، فسحوا له في الأمد إلى منتهى خمس سنين. والتعليم الابتدائي منتشر في جميع الطبقات على طريقة جبرية، فيتحتم على الولد الاستمرار في دورته إلى أقصى غاية. وعلى وليه أن لا يمنعه بعد هذه الدورة من الاختلاف إلى المدارس الإعدادية مقدار ثلاثة أعوام، ولم تشرع الحكومة قسماً ليلياً للتلاميذ الذين هم من نفس المدينة، واختاروا أن يبقى للتلميذ اختلاف إلى أوليائه، وأنسه بهم؛ ليراقبوا حالته، ويرشحوه بشيء من آدابهم. يتعلم البنات في مدارسهن كل فن، إلا علم الإلهيات؛ إذ لا يليق بالمرأة عندهم أن تكون واعظة. ومن أمثالهم المضروبة: "المرأة في الكنيسة تسكت". تولّى المرأة وظيفة التعليم على شرط أن تكون أيّماً، فإن أصبحت ذات زوج، انفصلت عن خطتها.

стр. 5377

جرى القانون أولاً على منع المعلم من مجازاة التلميذ بعقوبة الضرب، ثم ألغاه ناظر المعارف، وقال: عندي ثقة بأن لمعلمي مدارسنا حناناً على التلاميذ وعواطف، تأبى لهم أن يبلغوا بالضرب إلى ما فيه إساءة. لا يسوع للتلميذ أن يتعاطى المسكرات، ولو دخل في دور التعليم بالجامعة، وقد قال لي أحد أساتذتهم، عند الحديث في هذا القانون: إن تلاميذنا مثل المسلمين. كان التلاميذ يترنمون بقصائد في اللسان اللاتيني، فأبطلها القيصر، وقال: لا فائدة لهم في ذلك، فأصبحت أناشيدهم الوطنية ألمانية محضة. يدرب التلميذ في المدارس الإعدادية على صناعة الخطابة، ويطالبونه بأن يحرر في كل شهر رسالة يبحث فيها عن بعض الموضوعات العلمية. أجر التعليم السنوي في المدارس الإعدادية (١٥٠) ماركاً، وفي الجامعة (٥٠٠) مارك، ويوازن المارك من نقودنا على وجه التقريب القطعة الفضية ذات الخمسة قروش. يتعين مدير الجامعة في كل سنة بانتخاب من أساتيذها، ثم تقرر ولايته بتسمية من صاحب الدولة. ترسل الدولة في كل سنة وفداً من طلاب العلوم إلى أميركا؛ ليستطلعوا مدارسها، ويستكشفوا عما عساه أن يتجدد من أساليب العلم ونتائجه. يتلقى أبناء العائلة القيصرية تعاليمهم في مدرسة خاصة لا يغشاها إلا من نشأ في مهد الملك من أسرة راقية، ويقال: إن والد القيصر الحالي كان يود لهم أن يتعلموا بالمدارس العامة؛ حتى يلاقوا سائر الطبقات، ويكونوا على خبرة محققة من أحوالها.

стр. 5378

* مشروعات خيرية: من مساعيهم النافعة: أن ألّفوا جمعية تبحث عن البائسين من طرق خفية، وتوجّه إليهم في البريد صدقات من غير أن يشعروا بمصدرها. وقصّ عليَّ بعض أساتيذهم: أن إحدى البائسات كانت ترتزق بصنعة خياطة، فوافاها ذات يوم صاحب البريد بـ (٥٠٠) مارك، وناولها إياها، فدهشت فرحاً، واندفعت تسأل عن باعثها بإلحاح، فأبى أن يكشف لها عن الحقيقة. وترى هذه الجمعية أن التبرع بقسط عظيم على مستحق واحد، أنفع من توزيعه على طائفة ينال كل واحد منها حصة يسيرة. ومن الجمعيات عندهم جمعية "تخفيف المصائب"، ومن أعمالها الحسنة: أن تساعد من تنوبه مصيبة في جسده مساعدة ابتدائية، ففتحت في أقسام العاصمة محالَّ عينت لها أطباء ليسارعوا إلى علاج كل من يطرأ عليه حادث، أو يفاجئه مرض في أثناء الطريق مجاناً. * ترجمتهم للقرآن: ترجم القرآن المستشرق (ركرت) المتوفى أواسط المئة الماضية، ولكن انصرم حبل أجله من قبل أن يتم ترجمته، ثم ترجمه المستشرق (هنينك)، وهو يعيش في مدينة "فرانكفورت" ترجمة تامة، إلا أن الأول يراعي في الترجمة بلاغة اللسان الألماني، فلا يبالي بالتقديم والتأخير، والتعبير عن الحقيقة بالمجاز -مثلاً-. والثاني يحافظ على ترتيب الآية، وحقيقتها في الغالب. وقد تتبعت في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة من الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية، فوجدته ينظر إلى المعنى الأصلي، ويتحرى في أدائه جهد استطاعته.

стр. 5379

ووضع غير هذين الرجلين ترجمة ثالثة لم أتتبعها، ولكن قال بعض العارفين باللغتين: إنها بعيدة عن المطابقة، وليست في القرب من الصحة مثل ترجمة (هنينك). ونبأني الأستاذ (هردر): أن إحدى الجمعيات راسلته بأن تراجم القرآن التامة قد يضيق الوقت عن مطالعتها، واقترحوا عليه أن يترجم لهم آيات من سور متفرقة، فاقتبس لهم مما ترجمه المستشرق (ركرت) آيات كثيرة في التوحيد والأخلاق والأحكام، فطبعوها مجموعة، وظهرت بينهم في مثال التراجم الأخرى. * عنايتهم بالعربية: توسلوا إلى العربية بتعليم لسانها، ثم خدموا مؤلفاتها بالطبع، واقتبسوا من حكمتها بالترجمة. ألف الأستاذ (هردر) كتاباً في قواعد العربية، فكان الكتاب المتداول عندهم في التدريس، وقد توالى عليه الطلب هذه المدة بإعادة طبعه. وألف كتاباً يفسر فيه المفردات الأمانية بما يرادفها من العربية، وأنجز طبعه في مجلد ضخم، ثم وضع كتاباً آخر اقتصر فيه على الكلمات المألوفة في الاستعمال. ترجم المستشرق الأستاذ (متفوخ) كتاب "علاج العيون" لعمار الموصلي، وفصلَ: (علاج العيون) من كتاب علي بن عيسى في صناعة الطيب، وفصل: (علاج العيون) لابن سينا، وكتاب "وقائع العرب" لأبي عبيدة بن المثنى الكبير والصغير، ونقل إلى الألمانية أيضاً ترجمة حمزة الأصفهاني، وترجمة ابن سعد مؤلف كتاب "الطبقات". وترجم الشاعر (ركرت) أحد المترجمين للقرآن "ديوان الحماسة" في شعر ألماني. وترجم المستشرق (ريشر) قصائد أبي الأسود الدؤلي،

стр. 5380

و"مقامات الهمذاني"، و"أطباق الذهب" لعبد المؤمن الأصفهاني، و"مقامات الزمخشري"، و"الأدب الصغير" لابن المقفع، وكتاب "أحسن ما سمعت" للثعالبي، ونجز طبعها. ثم ترجم كتباً لم تبرز في عالم الطباعة مثل: "الأدب الكبير" لابن المقفع، ومقدار الربع من "معجم البلدان" للبلاذري. وربما طبع الكتاب والرسالة بلسانها العربي، وعلّق عليها بعض بيانات بلسانه الألماني، مثل: "شرح ابن الأنباري لمعلقة زهير"، و"شرحه لمعلقة عنترة"، ورسالة "المذكر والمؤنث" لابن جني، ورسالة "في بقايا الأشياء" لأبي هلال العسكري. وكان هذا الأديب يحاورني في كثير من معاني الأبيات، أو الحكم المنثورة، وربما تعاطى الترجمة في أثناء قيامه بالوظيفة العسكرية، وبمثل هذه التراجم القديمة والحديثة كان للسان العربي -كما قال أحد أساتيذهم- أثر في رقي آداب اللغة الألمانية. ويشهد بصحة ما قاله ذلك الأستاذ أن أشهر شعرائهم (كيتي) المتوفى سنة ١٨٣٢ نظم قصيدة إبراهيم ﵇ في أسلوب فلسفي، وصرح أنه اقتبسها من القرآن الكريم. والمعروف عندهم من هذا الشاعر المستشرق: أنه كان يحترم الإسلام، ويعترف بحكمته. * عنايتهم باللسان العثماني: ليست عنايتهم بالعربية لهذا العهد بأوسع من وجهتهم المصروفة في اللسان العثماني، فقد نبأني أحد المعلمين في مدرسة الألسنة الشرقية: أن المتلقين للسان العثماني هذه الآونة، يناهز عددهم (٢٠٠)، بعد أن كانوا في السنين الماضية لا يتجاوزون نصف العشر من هذا المقدار، ولبعض العثمانيين دروس خاصة، يتلقاها عنهم في إدارة الأخبار الشرقية ملأ من الألمان.

стр. 5381

وصرف رئيس المستشرقين الأستاذ (هرتمان) همته إلى هذه اللغة، ولفت نظره إلى تتبع آدابها بطلب حثيث من عصابة المستشرقين، فنهض يحرر المقالة تارة، ويلقي المحاضرة تارة أخرى، وانعقدت منذ أشهر لجنة توالي جلساتها في دار الكتب العامة، وتنظر في القسم المؤلف بلهجة عثمانية. * أخلاق وآداب: يُعرف الألماني بمتانة العزم، وقلة الانقياد لخواطر اليأس، وكنت طالعت مقالات لبعض أعدائهم الذين لا يثبتون لهم الذكاء الفائق، وسرعةَ الوصول إلى الدقائق، فرأيتهم يسلمون لهم طبيعة احتمال الشدائد، والثبات على الأعمال إلى أن يحرزوا فيها نتيجة، حتى جعلوا مقدرتهم العلمية، أو ما يظهر على أيديهم من المخترعات، إنما هو ناشئٌ عن التجلد والمثابرة على السعي والتجربة. ورسوخهم في خلق الصبر هو الأساس الذي قام عليه تبريزهم في القوة العسكرية. ولطالما طفت غابات وعرصات حول الثكنات، فرأيت الجندي نائمًا بملابسه الجديدة ووسامه الشرف على فراش من تراب، ولا وسادة له غير ذراعه، أو قطعة من جلمود. وما برح ملوكهم يحافظون على ما يقوي هذه الخصلة في نفوسهم، حتى بالغ (فريدريك ويلهلم) في الحط من قدر المعارف، زاعماً أنها مدعاة الفشل، وإضعاف مزية الشجاعة، وكان من أثر زعمه هذا: أنه لم يعين لتنمية دار الكتب التي أنشأها أبوه سوى ستة ماركات في السنة. ولما استقلها أهل العلم حينئذ، قال لهم: أليس في خزائنها كثير من الكتب المكررة، فيمكن أن تباع، ويستبدل بها كتب مستحدثة؟!

стр. 5382

استحكمت بينهم روابط الوفاق والمسالمة، حتى إني أقمت ستة أشهر في برلين، وثلاثة أشهر في قرية في ضواحيها، ولم ألحظ مشاجرة، ولو بين صبيين، أو امرأتين. فعدم ملاحظة الغريب لمثل هذا في مدة واسعة، يشعر بقلة المنازعات العدوانية فيما بينهم. ومن نتائج هذه التربية التي يعاضدها اتساع طرق الاكتساب: أن الأمة أصبحت في قرار مكين من الأمن، فلا يوجس السائر في سواد الليل بضواحي المدينة خيفة سوء، فما الحال بين جدرانها؟. ولقد كنت أخرج من محل الأسرى عند منتصف الليل منفرداً، وأعود إلى القرية ماراً على غابة ليس فيها أنيس غير أشجارها المتعانقة، وظلامها المتراكم، ولا ألاقي في الطريق وحشة أو قلقاً. وأزداد إعجاباً بهذه الراحة الشاملة، إذا تذكرت صعاليك إيطاليا وأمثالهم، كيف ينتشرون داخل مدينة تونس أو الجزائر، ويقطعون السبيل على سكانها بنهب الأموال، وسفك الدماء، حتى لا يمر الرجل في الطرقات المنحرفة عن الجادة بعد العتمة إلا وهو يتوقع خطراً. يمنحون الغريب في بلادهم صدراً رحباً، فيقف الرجل إذا استوضحته أمراً، أو استخبرته عن مكان، ولا يتسلل عنك إلا أن تستوفي منه بياناً كافياً، وربما تفرس منك الحيرة في الطريق، فيفاتحك بالسؤال عن الوجهة التي تريدها، ويهديك إليها بالقول المفصل، أو بالمرافقة إذا لم تكن المسافة بعيدة. اشتبه عليَّ الطريق إلى محطة القطار في بعض الأيام، فاستكشفت عنها أحد المارين في السبيل، فأخذ يصفها بالإشارة والأمارة، ولما لم يقنع بأن عبارته وقعت مني موقع الفهم البيّن، قفل راجعاً يسايرني بمقدار عشرين دقيقة،

стр. 5383

حتى بلغت المحطة نفسها. يلاقي التجار والعَمَلة عندهم الوارد بجباه منطلقة، وألسنة رطبة، ويعرضون عليه ما عندهم من صنوف الأشياء التي يطلبها من غير تقاعس ولا سآمة. ولهذا الأسلوب الأدبي الاقتصادي أثر عظيم في رواج البضائع، والسباق في مضمار التجارة؛ فإن من الناس من يقصر معاملته على محل، أو يبتاع منه البضاعة، ولو شطت قيمتها؛ رعاية لما يتجمل به صاحبها من سعة الصدر، ورقة الخطاب. يغلب عليهم خلق الرصانة والتؤدة، ولا سيما في المشاهد العامة والنوادي الجامعة. امتطيت ذات يوم قطار المدينة، فاتفق أن كان أمامي رجل أظهر في مغازلته لامرأة طيشاً وسفهاً، فوقع في خاطري أنه أجنبي عن هذه الحاضرة، ثم إنه جاذبني عند انصرافي محادثة عرفني بها أنه من أحد الشعوب البلقانية. ومن آثار التعليم العام: أن أصبحت الأمة بمحل الثقة في نظر الحكومة، فالقطار الكهربائي ذو درجتين متفاضلتين، وتقطع أوراق الركوب بها من طاقات في أوائل محطاتها، ولا أذكر يوماً أن مفتشاً دخل عربات الدرجة العليا ونظر في أوراقها، بل فوضوا ذلك إلى وجدان الشعب وأمانته. أما القطار البخاري الذي يسافر من العاصمة إلى قرى تبعد بمسيرة ساعتين أو أكثر، فيتردد عليه مفتش الأوراق في الشهر مرة. وعلى ذكر البحث في الأخلاق والآداب، أذكر أني كنت أتجول في بعض الغابات حول قرية عن برلين نحو ساعة في القطار تسمى: "فيزدورف"، فخطرت على قلبي الموازنة بين المعارف والأخلاق، وبدا لي وقتئذ أن كفة الأخلاق

стр. 5384

الإنسانية نظراً إلى وزنها بترقياته العلمية لم تزل خفيفة، فقلت تحت عنوان: (أيها الإنسان): أما كفاك ظباءً أو مها بربى ... حتى تقنّصت آسادَ الشّرى بزُبى وما اقتنعت بما يطفو على لجج ... فغصت تلقط دراً تحتها رَسَبا ولم تقف عند تنسيق المقال إلى ... أن ماج حسناً وصار الثغر والشنبا وبعد إرساله دهراً أقمت له ... وزناً، أكان حصاً ثم انثنى ذهبا قلّبت وجهك بعد الأرض في فلكٍ ... فظلت ترصد منهُ السبعة الشهبا أما تفقهت عنها في حقائق ما ... وراءها فنضحت الشك والريبا سار اليراع رويداً فانتهضت لما ... يحدو الصحائف في شوط أو الكتبا صغت الحديد مطايا إذ تلبثت الـ ... ـجياد أو لقيتْ في سيرها نَصَبا ما ضاقت الأرض يوماً عن خطاك لما ... صعدت في الجو تحكي الطير والسحبا واشتقت لهجة إلف واهتديت لأن ... تمتع السمع منها حيثما ذهبا حكى الصدى صيحة رجت فجئت بما ... يحكي القصائد أنّى شئت والخطبا حبُّ الحياة استثار العزم منك إلى ... طبٍّ وحربٍ فكنت البرء والوَصَبا فما الطبيب بمستشفاه أرغب في الـ ... بقاء ممن يلاقي البِيضَ والشهبا أرسلت في كل وادٍ رائداً فدرى ... من حكمة البحث كنهَ الأمر والسببا لكنني ما دريت اليوم أنك قد ... أفرغت في نفسك الأخلاق والأدبا كنت أسيح في تلك الغابات ترويحاً للخاطر، وإيثاراً لها في بعض الأحيان على مشاهد الحضارة وزخارفها، ولا سيما في أيام رمضان، حتى قلت

стр. 5385

خلال السياحة في سياق الإعجاب بالبداوة والارتياح إلى بساطتها أبياتاً، صوّرت فيها حالة راعي الغنم تحت عنوان: (الملك الطبيعي). وأذكر أني كنت ذات يوم في مقعد من أحد المنازه العامة، وفي يدي صحيفة أكتب بها بعض ما يسنح من الخواطر، فوقف علي أحد الأساتيذ، فسألني عما أكتب، فقرأت عليه من حديث تلك الصحيفة الجمل الآتية: - يقولون: تفرقُ الأمة يفضي إلى موتها. وأقول: التفرق أثر الموت؛ فإن الجسم يموت، فتفرق أجزاؤه. - اربط نفسك باعتقاد أنك تعمل لمن يشب، أو ينشأ بعد موتك، حتى لا يكون في صدرك حرج؛ إذ تكون بضاعتك بين أهل عصرك كاسدة. - يتلذذ المستقيم بعفته، كما يتلذذ الفاسق ببلوغ شهوته، ولكن أمام لذة الاستقامة عقبة لا يقتحهما إلا قوي الإرادة. - لا تثق في نفسك فيما تدعي من الإخلاص لأمتك، حتى يلذ لك أن تصلح الخلل في نظامهم وهم لا يشعرون. - إذا وثقت بعرى التوكل على الله، لم تحتج أن تمر إلى الحق على جسر من الباطل. - إن الرجل ليعجب مما يصنع الساحرون، أفلا يعجب من لذة تمر على قلبه من السحاب، ثم تنقلب مخازي تلبث في صحيفة حياته أحقاباً؟!. - يكفيك فيما تجتني من ثمرة العلم الصحيح أن يرفع همتك عما فُتن به الجاهلون من زهرة هذه الحياة. - إذا أغلق المحيط أعين رقبائك، وختم على أفواه عذالك، ثم راودك على أن تنزع حلية أدبك، فقل: ليس للفضيلة وطن، كيف تسترسل مع الأصحاب

стр. 5386

إلى أن تحيد عن جانب الفضيلة، وهم لا يرقبون ذمتك، فيقفوا لك عندما تقف في دائرتها؟!. - أسير مع الرجل على قدر ما أدرك من قيمته، فإن نظرت إليه على حسب وجاهته، أو كساد سمعته عند الناس، فقد ألقيت بنفسي في حمأة من التقليد. - إذا أحببت الذي يجاملك وهو يحارب الله، لم يكن بغضك لمن حارب الله، وأمسك عن مصانعتك من قبيل الغيرة على حرم الشريعة. - لا يدرك قصير النظر من الحدائق المتناسقة غير أشجار ذات أفنان، وثمار ذات ألوان، وإنما ينقب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقظة. - لا تحمل نفسك ما لا تطيق من منّةِ وضيع، أو نخوة فخور، فإذا أحسست في صدرك بالحاجة إليه، فاصنع ماذا تصنع لو بقي في موتته الأولى، أو أدركته موتته الثانية. - لا تعجب لذوق ينكر ما ألفته، أو يألف ما أنكرته، حتى يتقلَّب في التجارب والمشاهدات التي تقلَّب فيها ذوقك أطواراً. - قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة، حتى إذا حلّ في وطنك غالباً، دفعك إلى درك أسفل، واتخذ من عنقك موطئاً. - في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم إلا إذا دخلت عليه من باب الغباوة، أو خرجت له عن قصد السبيل، فاحتفظ بألمعيتك واستقامتك، فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يفقهون. - إن من الجهال من يرمي على مقام وجيه، فعلّمه بسيرتك القيمة أن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً، وإن وُضع بازائها السلطة الغالبة، أو الثروة الطائلة.

стр. 5387

- يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة، وهو يلاحظ من ورائها منفعة لنفسه، أن يكون في حل من وخزات أقلامها، أما أطواق الشكر الصادق، فإنما يتقلدها المخلصون. - ألا ترى الماء الذي تلقى في مجاريه الأقذار كيف يتجهم منظرُه، ويخبث طعمه؟ فاطرد عن قلبك خواطر السوء؛ فإنه المنبع الذي تصدر عنه أعمالك الظاهرة. - لا تنقل حديث الذي يفضى به إليك عن ثقة أمنك، وحسن عقيدة في أمانتك، ويمكنك متى كان يرمي إلى غاية سيئة أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله، فتحفظ للمروءة عهدها، وتقضي للمصلحة العامة حقها. - لو فكرت في لسانك حين يعرض لإطراء نفسك، لم تميزه عن ألسنة تقع في ذمها إلا بأنه يلصق بك نقيصة لا يحتاج إثباتها إلى بينة. - إذا ركبت في السياسة مركب الشعر، فقلت ما لا تفعل، أوهِمْت في واد لا تعرج فيه على حق، فانفض ثوبك من غبارها، فإنه ليس بالغبار الذي يصيبك في سبيل الله. أصغى ذلك الأستاذ إلى هذه الخاطرات، فابتسم لها ابتسام المستحسن، ولكنه ناقشني في الخاطرة الأخيرة منها قائلاً: "إن مجال السياسة أوسع من دائرة الحقيقة"، فلم يسعني في الجواب عن هذا النقد سوى أن قلت: إن الوقائع النادرة لا تمنع من سبك المقالات الموجزة وصياغتها في أساليبها المطلقة. * نقودهم: تحتوي الليرة على (٢٠) ماركاً، وتتركب من (٩٠٠) قسم من الذهب، و (١٠٠) قسم من النحاس، ويحتوي المارك على (١٠٠) فينيش، ويتركب

стр. 5388

كالقطعة ذات ثلاثة أو خمسة ماركات من (٩٠٠) قسم من الفضة، و (١٠٠) قسم من النحاس، ويتركب الفينش من (٩٥) قسماً من النحاس، و (٤) أقسام من القصدير، وقسم من الزنك، وهناك قطع من النيكل ذات خمسة فينيشات، و (١٠) فينيشات، وتتركب من (٢٥) قسماً من النيكل، و (٧٥) قسماً من النحاس. ولا فرق في المعاملة عندهم ما بين الأوراق النقدية والمسكوكات الذهبية والفضية، وكثيراً ما تعطى ورقة ذات الخمس ليرات لمن يستحق مقدار عشر متليكات؛ كصاحب القهوة، فيمسكها من غير أن يشمئز منها قلبه، ولا يعز عليه أن يصرفها بأوراق صغيرة، وكثير من المسكوكات الفضية. * كلمة في الموسيقى: اقتبسوا أنغامهم الموسيقية وتلاحينهم من الأوضاع الإنكليزية، وقد هموا هذه الآونة أن يهجروها، ويستبدلوا غيرها بها؛ قطعاً الآثار الإنكليز من بينهم، وأكبر موسيقي ظهر لديهم الشاعر (فكنر) - المتوفى سنة ١٨٨٣، وله روايات شعرية تستعمل في الملاهي التي تجري فيها الروايات مقارنة لأنغام موسيقية. وتستعمل عندهم روايات (شاكسبير) الإنكليزي من شعراء المئة السادسة عشرة، وقد أحب بعضهم طرحها، والاستغناء عنها بالروايات التي هي من أوضاعهم، ورأى آخرون إبقاءها؛ لأن (شاكسبير) لم يقل في الأمة الألمانية سوءاً. * اللغة ونبذة من آدابها: تنقسم اللغة الجرمانية إلى قسمين:

стр. 5389

شمالية، وتندرج فيها الدنيماركية، والنرويجية، والسويدية. وجنوبية، وتدخل فيها الإنكليزية، والهولاندية، والألمانية. واندمج في اللسان الألماني مفردات كثيرة من اللسان الفرنسي والإنكليزي، وكان فيما ولد عن هذه الحرب أن أخذوا في إلغائها، والاستغناء عنها بما يقوم مقامها من الأوضاع الألمانية، ولا يعز عليهم ذلك ما دامت لهم جمعية لغوية قائمة بإصلاح اللغة، وتكميل نواقصها. بني اللسان الألماني على وضع الإعراب؛ مثل اللغة العربية، وينقسم الاسم فيه إلى: مذكر، ومؤنث، وواسطة يسمى: بالمجرد، وعلامات الإعراب في الأنواع الثلاثة مختلفة، ومن خواص هذا اللسان: أن يضع المتكلم أداة التعريف، ويذكر عقبها أوصاف المعرف مفرداً وجملاً، ثم يأتي بالاسم المعرّف من بعدها، وربما اشتملت تلك الجمل المتوسطة على أدوات تعريف ومعرفاتها، ويماثل هذا: أن لهم أفعالاً كثيرة تتركب مع كلمتين، وتدل على معنى واحد، فيأتي شطر الفعل في صدر الجملة، وتلقى القطعة الثانية في آخرها، وقد يفصل بين القطعتين بما ينوف على عشر كلمات. وهذه الوجوه هي التلى يلاحظها من يرى في تعلم هذا اللسان صعوبة تستدعي مدة أوسع من أوقات تعلم كثير من الألسنة، ولكنها من جهة الكتابة سهلة المأخذ جداً؛ لأن الأحرف المرسومة هي المنطوق بها من غير تفاوت. ويلتزمون التعبير عن المفرد المخاطب بضمير الجمع، إلا أن يكون من صغار أقاربه، أو يكون الخطاب في شعر، وإيراد ضمير الجمع للمفرد المخاطب تعظيماً له لم يكن معتاداً للعرب قبل هذه العصور، وإنما يعرف منهم هذا الأسلوب في حال المتكلم، فيستعمل المتكلم ضمير الجمع مكان ضمير المفرد؛

стр. 5390

تعظيماً لنفسه، وورد عنهم ضمير الجمع المخاطب في الواحد بقلة، ومن شواهده قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] الآية. حيث وقع خطاب الله تعالى بواو الجماعة؛ إجلالاً وأدباً. وقفت لهم فيما يستعملون من محاسن البديع على مثل: الجناس، والتورية، وكانوا يعتبرون في طريقة شعرهم اتفاق الكلمات في أحرفها الأولى، وأصبحت اليوم مراعاتهم لهذا الشرط نادرة. أما صناعة الخطابة، فإني كنت شهدت محاضرات وخطباً كان أصحابها ينظرون عند إلقائها إلى أوراق نصب أعينهم، فوقع في خاطري أن هذه الصناعة لم تبلغ عندهم أشدها، ولكني حضرت مسامرة موضوعها: "الإسلام في عالم الحرب"، فقام بعد المسامر ثلاثة خطباء من غير أوراق، وألقوا خطباً مسهبة بترسل في القول وتؤدة، ولا يشير الخطباء بأيديهم كثيراً حال الخطبة، بل سمعت منهم من ينكر ذلك الصنيع، ولا سيما حركة لا يكون وضعها مناسباً للمعنى الذي يقترن بها، وهذا ما كان العرب ينقدونه على خطبائهم أيضاً، قال الحجاج لأعرابي: أخطيب أنا؟ قال: نعم، لولا أنك تشير باليد، وتقول: أما بعد. ويعدون (بسمارك) من أبلغ خطبائهم الذين يخطبون بلهجة شديدة، ولبلاغته في لسانهم يستشهد مؤلفو الكتب اللغوية ببعض عباراته. يوجد في أدبائهم من يقول الشعر ارتجالاً، كنت حضرت لشاعر يقف في مشهد عظيم، فيلقي عليه طوائف من الحاضرين جملاً منثورة في معان متباينة، وهو يكتبها في أوراق بيده جملة بعد أخرى، وبأثر الفراغ من الكتابة ينطق بكل جملة مثها شعراً، يؤديه في صوت جهوري، ولهجة قوية.

стр. 5391

* ضبط إداري: يوجد مع كل شرطي سِفْر في ضمنه أسماء الشوارع والحارات والمحلات الشهيرة؛ مثل: دوائر الحكومة، والمعاهد العلمية، فيستعين به في أداء وظيفته، ويهدي به من عمي عليه السبيل من السائلين، ويحمل ميزان المائعات (أريوميتر)، فيزن ما يجده عند الباعة من حليب ونحوه، فإذا عرف فيه خلطاً، أراقه، ويراقب الشرطي الغرباء وغيرهم، ويتتبعهم بالملاحظة حيثما تقلبوا. كنت ذات يوم ماراً في جادة من العاصمة، فلقيني شرطي، وناولني مكتوباً أُرسل إلي من طرف إحدى الجمعيات، وانصرف من غير أن يسألني عن اسمي. ومن تراتيب إدارة الشرطة: أن أصحاب البيوت أو الخانات إذا نزل عندهم أحد، قدموا إليها ورقة تحتوي على اسمه وبلاده، وعمره وحرفته، ثم إن الدائرة تطلب الشخص نفسه لتنظر في حالة، وتطلع على رخصة سفره إن كان من بلاد أجنبية. ومن شواهد اعتناء إدارة السكة الحديدية بالشؤون المتعلقة بها، وأخذها فيها بطريق الحزم، أن ضاعت مني ورقة القطار الشهرية بين "برلين" وقرية "فنزدورف"، فبقيت ثلاثة أيام أسافر بورقات يومية، ولما جئت في اليوم الرابع إلى مقطع الأوراق، أقبل عليّ أحد العاملين في الإدارة، وقال لي: ضاعت منك ورقة شهرية، وقد عثرنا عليها، ثم صعد إلى محل الإدارة، وناولني إياها، وكان وجه العجب أني لم ألقِ إليهم خبرها من قبل، ولم أضع عليها اسمي؛ ذهولاً عما جرت به عادتهم. * العقوبة البدنية: لا يجيزون العقوية البدنية إلا لمن سجن في جناية تنزع شرفه، ويخاطب

стр. 5392

عند ذلك بضمير المفرد المخاطب. ومن أمثلة الجنايات التي ينسلخ بها الشرف عندهم: أن يفسد الرجل عرض من لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة من سنها. ويجري الإعدام قصاصاً عندهم بآلة مثل السطور تضرب في عنقه من خلف، ولا يقع علناً، بل يشهده أفراد خاصة مثل الحاكم به، والمدعي العام. * مسجد الأسرى: أنشأت الدولة الألمانية للأسرى المسلمين جامعاً للصلاة، وحماماً، ومحلات للوضوء، ومنارة شامخة للأذان، وأقامت غرة رمضان سنة ١٣٣٣ حفلة افتتاحية حضرها سفير دولتنا العلية (محمود مختار باشا)، وفريق من أعيان العسكرية، والنظارة الخارجية الألمانية، وجمع كبير من الشرقيين والمستشرقين، فألقى نائب النظارة الحربية خطاباً ترجمه إلى العربية بمنطق فصيح القبطان (منس). ثم ألقى سفيرنا خطاباً باللسان الألماني، ثم تلا إمام الأسارى، وهو من أعيانهم الجزائريين خطاباً شكر فيه رفق الدولة الألمانية، ومجاملتها لهم، ثم ألقى كاتب هذه المقالة خطاباً عربياً. * عنايتهم بأحوال الشرق: لم يكن للألمان على ما عهدوا به من إشباع البحث في أحوال الأمم عناية بمعرفة الشؤون الشرقية تشابه العناية التي أخذتهم لعهد هذه الحرب، فقد أصبحوا يوسعون البحث في أحوال الشرق، ويلتقطون دقائق أخباره السياسية أو العلمية أو الاجتماعية بملء آذانهم، ومجامع قلوبهم. ومن أثر هذه العناية: أن أنشؤوا منذ ابتداء الحرب دائرة ترتبط بنظارة الخارجية تسمى: (إدارة الأخبار الشرقية)، واستخدموا فيها فريقاً من العارفين

стр. 5393

بالألسنة الشرقية، فترى بين العاملين فيها الكاتب العراقي، والمصري، والجزائري، والفارسي، والحجازي، والقفقاسي، والهندي، وتجلب إليها الجرائد والمجلات العربية والتركية والفارسية والهندية وغيرها، ويترجمون منها إلى الألمانية ما يهم الاطلاع عليه، ولا سيما المقالات والآراء التي لها مساس بحالة الإسلام أو ألمانيا. ومن أعمال هذه الإدارة: نشر الرسائل والمحاضرات التي لها علاقة بالحرب الحاضرة بألسنة مختلفة. وألقى بعض الألمانيين أيام كنت هناك محاضرات كثيرة في الكشف عن أحوال الشرق الإسلامي، منها: محاضرة تبحث عن الاقتصاد في الدولة العثمانية، وأخرى في حال الفرس، ومحاضرة موضوعها: الإسلام في عالم الحرب. ومن عاداتهم في المحاضرة: أن ينصب المحاضر عن يساره أو يمينه خريطة البلاد التي يقصد البحث في حالتها، وربما عرضها في التمثيل (السيموتغرافي)، ويشير في أثناء تقريراته بأصبعه، أو بقضيب في يده على الأماكن التي جرته المناسبة إلى الحديث عنها. ومن بين صحفهم مجلة تسمى: "العالم الإسلامي" تنشر الأنباء الواردة عن عالم الإسلام، وتبحث عما يجري فيه من شؤون اجتماعية أو علمية، وكنت أهديت إلى مدير الأخبار الشرقية نسخاً من تآليفنا: "الحرية في الإسلام"، "حياة اللغة العربية"، "الدعوة إلى الإصلاح"، "مدارك الشريعة الإسلامية"، "مناهج الشرف"، فعرضها على الأستاذ (مرتين هرتمان) مدرس اللغة العربية بمدرسة الألسنة الشرقية، وأخبرني هذا الأستاذ أنه كتب في التعريف بها كتابة يريد نشرها في عالم الصحافة.

стр. 5394

* خطاب الإمام محمد الخضر حسين في تدشين مسجد ببرلين في أثناء الحرب (١): سادتي! لا شك أن لكل حكومة سياستها الخاصة بها، والمتسمة بسمة تتجلّى في مظاهر تلك السياسة. ولكن الحكومة التي تزدهر سياستها، والتي يبتهج الشعب بتصرفاتها، هي الحكومة التي تقيم سياستها على ثلاثة مبادئ: المبدأ الأول: استسهال الأعمال الجبارة، والإقدام عليها دون الالتفات إلى الأخطار التي قد تنجر عن ذلك. فما من شعب يستطيع أن يتطور نحو السعادة والحرية، إلا إذا كان يقوده رجال لهم من العزيمة والحمية الوطنية ما يجعل الجبل الأشم في ناظرهم مجرد ذرة من الرّمل تدوسها أقدامهم. المبدأ الثاني: جمع اللين إلى الحزم، والطيبة إلى الشدة، إذ لا تُغلب النفوس الشريرة، ولا يُقضى على الآفات التي تصيب محاسن الأمور وتفسدها إلا بالحزم والشدة، أو باللين والطيبة تكسب قلوب الرعية، وتستمال نفوس الأهالي. المبدأ الثالث: منح الناس الحرية المطلقة، حتى يتمتعوا بحقوقهم الشرعية، وحتى يسلك كل فرد الطريق الذى يدله عليه ضميره. ولا تزدهر سياسة أية حكومة إلا بقدر ما ترتكز على هذه المبادئ الثلاثة.

стр. 5395

ونحن نرى -في الواقع-: أن الحكومة التي أحسنت معاملة رعاياها، وحرصت على رخائهم أكثرَ من غيرها، هي التي تتبوأ المكانة الأسنى، والتي تحوز قوة أعظم من قوة سواها. وإذا اعتبرنا هذه المبادئ، ونظرنا إلى حال الحكومة الألمانية، وإلى سلوكها، لاحظنا بوضوح أنها تفوقت تفوقًا كبيراً على الحكومات الأخرى، وبلغت الأوج. وهذه الحرب الراهنة تُبرهن على ما لرجال هذه الحكومة من صبر غير محدد، وصمود لا يمكن -حتى للموت- أن يَنال منه. ولو لم تجمع الحكومة الألمانية اللين إلى الحزم، والطيبة إلى الشدة، لما شاهدنا هذا التضامن القائم بينها وبين رعاياها، والذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بروح واحدة تفرقت في جسوم عديدة. أما عطفها على الأجناس من مختلف الأديان -لا سيما المسلمين-، وصدق طويتها نحوها، ففي الظروف الحالية برهان عليهما. لا شك أن ألمانيا لم تكتف قط بصيانة حياة المسلمين، بل بذلت كل ما في وسعها لتطوير حياتهم الروحية، ومساعدتهم على حفظ دينهم! ومن مبرّات ألمانيا: تشييد هذا المسجد. فهذا البناء، رغم أنه لا يحتل إلا قطعة ضئيلة من التراب الألماني، فإنه سيُحِلُّهُ من قلوينا حيزاً بقدر ضعف مساحته، وسينمي بذلك قوته ومشاريعه. ورغم أن الحكومة الألمانية لم تصرف وقتاً طويلاً في بناء هذ المسجد، فإن ألسنة خطبائنا وأقلام كتابنا ستلهج بشكرها، والتغني بمجدها، طالما ظلت الأرض تدور.
следующие страницы →