← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

* ضبط إداري: يوجد مع كل شرطي سِفْر في ضمنه أسماء الشوارع والحارات والمحلات الشهيرة؛ مثل: دوائر الحكومة، والمعاهد العلمية، فيستعين به في أداء وظيفته، ويهدي به من عمي عليه السبيل من السائلين، ويحمل ميزان المائعات (أريوميتر)، فيزن ما يجده عند الباعة من حليب ونحوه، فإذا عرف فيه خلطاً، أراقه، ويراقب الشرطي الغرباء وغيرهم، ويتتبعهم بالملاحظة حيثما تقلبوا. كنت ذات يوم ماراً في جادة من العاصمة، فلقيني شرطي، وناولني مكتوباً أُرسل إلي من طرف إحدى الجمعيات، وانصرف من غير أن يسألني عن اسمي. ومن تراتيب إدارة الشرطة: أن أصحاب البيوت أو الخانات إذا نزل عندهم أحد، قدموا إليها ورقة تحتوي على اسمه وبلاده، وعمره وحرفته، ثم إن الدائرة تطلب الشخص نفسه لتنظر في حالة، وتطلع على رخصة سفره إن كان من بلاد أجنبية. ومن شواهد اعتناء إدارة السكة الحديدية بالشؤون المتعلقة بها، وأخذها فيها بطريق الحزم، أن ضاعت مني ورقة القطار الشهرية بين "برلين" وقرية "فنزدورف"، فبقيت ثلاثة أيام أسافر بورقات يومية، ولما جئت في اليوم الرابع إلى مقطع الأوراق، أقبل عليّ أحد العاملين في الإدارة، وقال لي: ضاعت منك ورقة شهرية، وقد عثرنا عليها، ثم صعد إلى محل الإدارة، وناولني إياها، وكان وجه العجب أني لم ألقِ إليهم خبرها من قبل، ولم أضع عليها اسمي؛ ذهولاً عما جرت به عادتهم. * العقوبة البدنية: لا يجيزون العقوية البدنية إلا لمن سجن في جناية تنزع شرفه، ويخاطب

стр. 5392

عند ذلك بضمير المفرد المخاطب. ومن أمثلة الجنايات التي ينسلخ بها الشرف عندهم: أن يفسد الرجل عرض من لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة من سنها. ويجري الإعدام قصاصاً عندهم بآلة مثل السطور تضرب في عنقه من خلف، ولا يقع علناً، بل يشهده أفراد خاصة مثل الحاكم به، والمدعي العام. * مسجد الأسرى: أنشأت الدولة الألمانية للأسرى المسلمين جامعاً للصلاة، وحماماً، ومحلات للوضوء، ومنارة شامخة للأذان، وأقامت غرة رمضان سنة ١٣٣٣ حفلة افتتاحية حضرها سفير دولتنا العلية (محمود مختار باشا)، وفريق من أعيان العسكرية، والنظارة الخارجية الألمانية، وجمع كبير من الشرقيين والمستشرقين، فألقى نائب النظارة الحربية خطاباً ترجمه إلى العربية بمنطق فصيح القبطان (منس). ثم ألقى سفيرنا خطاباً باللسان الألماني، ثم تلا إمام الأسارى، وهو من أعيانهم الجزائريين خطاباً شكر فيه رفق الدولة الألمانية، ومجاملتها لهم، ثم ألقى كاتب هذه المقالة خطاباً عربياً. * عنايتهم بأحوال الشرق: لم يكن للألمان على ما عهدوا به من إشباع البحث في أحوال الأمم عناية بمعرفة الشؤون الشرقية تشابه العناية التي أخذتهم لعهد هذه الحرب، فقد أصبحوا يوسعون البحث في أحوال الشرق، ويلتقطون دقائق أخباره السياسية أو العلمية أو الاجتماعية بملء آذانهم، ومجامع قلوبهم. ومن أثر هذه العناية: أن أنشؤوا منذ ابتداء الحرب دائرة ترتبط بنظارة الخارجية تسمى: (إدارة الأخبار الشرقية)، واستخدموا فيها فريقاً من العارفين

стр. 5393

بالألسنة الشرقية، فترى بين العاملين فيها الكاتب العراقي، والمصري، والجزائري، والفارسي، والحجازي، والقفقاسي، والهندي، وتجلب إليها الجرائد والمجلات العربية والتركية والفارسية والهندية وغيرها، ويترجمون منها إلى الألمانية ما يهم الاطلاع عليه، ولا سيما المقالات والآراء التي لها مساس بحالة الإسلام أو ألمانيا. ومن أعمال هذه الإدارة: نشر الرسائل والمحاضرات التي لها علاقة بالحرب الحاضرة بألسنة مختلفة. وألقى بعض الألمانيين أيام كنت هناك محاضرات كثيرة في الكشف عن أحوال الشرق الإسلامي، منها: محاضرة تبحث عن الاقتصاد في الدولة العثمانية، وأخرى في حال الفرس، ومحاضرة موضوعها: الإسلام في عالم الحرب. ومن عاداتهم في المحاضرة: أن ينصب المحاضر عن يساره أو يمينه خريطة البلاد التي يقصد البحث في حالتها، وربما عرضها في التمثيل (السيموتغرافي)، ويشير في أثناء تقريراته بأصبعه، أو بقضيب في يده على الأماكن التي جرته المناسبة إلى الحديث عنها. ومن بين صحفهم مجلة تسمى: "العالم الإسلامي" تنشر الأنباء الواردة عن عالم الإسلام، وتبحث عما يجري فيه من شؤون اجتماعية أو علمية، وكنت أهديت إلى مدير الأخبار الشرقية نسخاً من تآليفنا: "الحرية في الإسلام"، "حياة اللغة العربية"، "الدعوة إلى الإصلاح"، "مدارك الشريعة الإسلامية"، "مناهج الشرف"، فعرضها على الأستاذ (مرتين هرتمان) مدرس اللغة العربية بمدرسة الألسنة الشرقية، وأخبرني هذا الأستاذ أنه كتب في التعريف بها كتابة يريد نشرها في عالم الصحافة.

стр. 5394

* خطاب الإمام محمد الخضر حسين في تدشين مسجد ببرلين في أثناء الحرب (١): سادتي! لا شك أن لكل حكومة سياستها الخاصة بها، والمتسمة بسمة تتجلّى في مظاهر تلك السياسة. ولكن الحكومة التي تزدهر سياستها، والتي يبتهج الشعب بتصرفاتها، هي الحكومة التي تقيم سياستها على ثلاثة مبادئ: المبدأ الأول: استسهال الأعمال الجبارة، والإقدام عليها دون الالتفات إلى الأخطار التي قد تنجر عن ذلك. فما من شعب يستطيع أن يتطور نحو السعادة والحرية، إلا إذا كان يقوده رجال لهم من العزيمة والحمية الوطنية ما يجعل الجبل الأشم في ناظرهم مجرد ذرة من الرّمل تدوسها أقدامهم. المبدأ الثاني: جمع اللين إلى الحزم، والطيبة إلى الشدة، إذ لا تُغلب النفوس الشريرة، ولا يُقضى على الآفات التي تصيب محاسن الأمور وتفسدها إلا بالحزم والشدة، أو باللين والطيبة تكسب قلوب الرعية، وتستمال نفوس الأهالي. المبدأ الثالث: منح الناس الحرية المطلقة، حتى يتمتعوا بحقوقهم الشرعية، وحتى يسلك كل فرد الطريق الذى يدله عليه ضميره. ولا تزدهر سياسة أية حكومة إلا بقدر ما ترتكز على هذه المبادئ الثلاثة.

стр. 5395

ونحن نرى -في الواقع-: أن الحكومة التي أحسنت معاملة رعاياها، وحرصت على رخائهم أكثرَ من غيرها، هي التي تتبوأ المكانة الأسنى، والتي تحوز قوة أعظم من قوة سواها. وإذا اعتبرنا هذه المبادئ، ونظرنا إلى حال الحكومة الألمانية، وإلى سلوكها، لاحظنا بوضوح أنها تفوقت تفوقًا كبيراً على الحكومات الأخرى، وبلغت الأوج. وهذه الحرب الراهنة تُبرهن على ما لرجال هذه الحكومة من صبر غير محدد، وصمود لا يمكن -حتى للموت- أن يَنال منه. ولو لم تجمع الحكومة الألمانية اللين إلى الحزم، والطيبة إلى الشدة، لما شاهدنا هذا التضامن القائم بينها وبين رعاياها، والذي يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بروح واحدة تفرقت في جسوم عديدة. أما عطفها على الأجناس من مختلف الأديان -لا سيما المسلمين-، وصدق طويتها نحوها، ففي الظروف الحالية برهان عليهما. لا شك أن ألمانيا لم تكتف قط بصيانة حياة المسلمين، بل بذلت كل ما في وسعها لتطوير حياتهم الروحية، ومساعدتهم على حفظ دينهم! ومن مبرّات ألمانيا: تشييد هذا المسجد. فهذا البناء، رغم أنه لا يحتل إلا قطعة ضئيلة من التراب الألماني، فإنه سيُحِلُّهُ من قلوينا حيزاً بقدر ضعف مساحته، وسينمي بذلك قوته ومشاريعه. ورغم أن الحكومة الألمانية لم تصرف وقتاً طويلاً في بناء هذ المسجد، فإن ألسنة خطبائنا وأقلام كتابنا ستلهج بشكرها، والتغني بمجدها، طالما ظلت الأرض تدور.

стр. 5396

ومن جهة أخرى، فإذا كان إخواننا الجزائريون يذكرون أن فرنسا استولت على جامع الباي صالح بقسنطينة، وعلى الجامع الكبير في عنابّة، واتخذت منهما ثكنتين لعسكرها، فإنهم سيفهمون الفارق بين حكومة تشيد لهم، في عقرها، مسجداً جميلاً، وبين أخرى همها القضاء على الإسلام وبيوت العبادة فيه. ولا ريب أن للمسلمين شريعة دينية وسياسة، وإن هذه المبادئ السياسية التي ألْزَمَهُمْ بها الإسلام، وإن أهملها بعض الخامدين في سالف العصور، فقد أدرك اليوم كنهها رجال أحاطوا بمقاصدها الجليلة. وهؤلاء الرجال مصممون اليوم على أحد أمرين: فإما أن يعيشوا على هَدْيِ تلك السياسة الإلهية، وفي كنف الاستقلال التام، وإما أن يفوزوا بالجنّة في ظلال السيوف! لقد تحققت الحكومة الألمانية من هذه الأمور، وهي شاهدة على أن الشعب الذي يسعى إلى المحافظة على استقلاله، أو إلى ما أخذ منه ظلماً محقٌّ في ذلك. ولم تكتف ألمانيا بعدم وضع العقبات في طريق رقي المسلمين، فمدّت يداً مخلصة إلى حكومة الخليفة لإخراجها من حالة الاستبداد. ولا نملك إلا أن نشكر رجال هذه الحكومة على مشاعر التعلق بالحرية التي يكنونها، وعلى وفائهم بالالتزامات التي أخذوها على أنفسهم. ندعوا الله أن يمد صاحب الجلالة الامبراطور العظيم (ويلهلم الثاني) بطول العمر، وبالنّصر على أعدائه! آمين ....

стр. 5397

مَوسُوعَةُ الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين (٢٣) «هُدى وَنورٌ» للإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى - اعتنى به ابْنُ أخِيهِ المحامي علي الرّضا الحسيني دَارُ النَّوادِرِ

стр. 5398

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوَادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥) أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م نُوْرُ الدِّين طَالِبْ المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي

стр. 5399

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة كلّما ظننت أني وصلت إلى نهاية المطاف، وأحطت بالأعمال الكاملة للإمام محمّد الخضر حسين -رحمه الله تعالى- إلا وتقع تحت يدي مقالة من هنا، وبحث من هناك، في صحف ومجلات لم تكن متوفرة عندي آنذاك. وقد تجمع لديَّ عدد من المقالات الإسلامية والأدبية تضمنها هذا الكتاب "هدى ونور"، وكنت آمُل أن أضمَّ كل مقال إلى الكتاب الخاص بالبحوث المشابهة، ولكن وجدت أن لا أبدل وأغير في الطبعات السابقة للمؤلفات التي أصدرتها إلى الآن، حتى في حالة إعادة الطبع، وأن أحافظ على استقلال كل كتاب. هذه الأبحاث وجدتها في مجلات: "البدر" التونسية، و"نور الإسلام"، و"الهداية الإسلامية"، و"لواء الإسلام"، و"الفتح" المصرية ... وقد أشرت في الحاشية إلى مصادرها. وآمل أن أكون قد أديت الأمانة خالصة لله . والحمد لله رب العالمين على الدوام. علي الرّضا الحسيني

стр. 5400

خواطر (١) - إن أكبر عقلك، فأصبح يعلّمك ما لم تعلم، واتسع خيالك، فبات يلقي عليك من الصور البديعة ما يلذه ذوقك، فأنت ما بين أستاذ يمحض نصيحته، ونديم لا تمل صحبته. - يعلمك الأستاذ كيف تغوص في عميق البحار، ويريك نموذجاً من الدرّ يتميز بينه وبين الأحجار، وهمتك تخلد بك إلى الإِملاق، أو تجعلك المجلّي في حلبة السباق. - سمَّيت الاستخفاف بالشرع حرية، فقلت: برع في فن المجاز، وتهكم بمن أصبح عبداً للهوى، وسمّيت النفاق كياسة، فقلت: خان الفضيلة في اسمها، أو خانه النظر في فهمها. - تنظر النفس في سيرة الرجل العظيم كما تنظر العين في الزجاجة النقية، فتدرك مساويها، أفلا تصنع بمآثرك الحميدة مرآة يبصر بها الناشئ بعدك صورته الروحية فيصلحها؟ - سرتَ والنور أمامك، فانطلق ظلك على أثرك، ثم وليته قَفاك، فكان

стр. 5401

الظل يسعى وأنت على أثره، وهكذا العقل، يتقبل الحقيقة، فيتبعه الخيال، فإذا أدبر عنها، انقلب الخيال إلى الإمام، وقاده في شُعب الباطل بغير لجام. - تبسط لسانك بالنكير على من يقلد في الدين، ولولا أنك تتلقى قول الفيلسوف على غير هدى، لقلت: هذه باكورة الاجتهاد قد أينعت. - هذه الدنيا كالعدسة الزجاجية في الآلة المصورة، تضع الرأس بموطئ القدم، وترفع القدم إلى مكان الرأس، فزنوا الرجل بمآثره، لا بما يبدو لكم من مظاهره. - يبسط الشجر ظله للمقيل، ويقف بعد موته بقناديل الكهرباء على سواء السبيل، أفأنت تجير من البؤس، وهو أحر من الرمضاء، وتوقد سراج حكمة يهدي بعد موتك إلى المحجة البيضاء؟. - يصنع الصائغ الحلي، وتضع ما تتجمل به النفوس في محافل العلى، فإن ظلت تتهافت على صانع الخواتم والسلاسل، فاعلم أنها ما برحت لاهية عن هذه المحافل. - حسبتَ العلم ضلالاً، فناديت إلى الجهل، وآخر يزعم التقوى بلهاً، فكان داعية الفجور. ولولا ما تلقيانه في سبيلنا من هذه الأرجاس، لكنا خير أمة أخرجت للناس. - ربما كان صاح الأسنّة أرقَّ عاطفة من الطبيب، والسفيهُ أحفظَ للحكم البالغة من الأديب، ولكني أطلب نفس الرجل حثيثاً، وأناجيها، فلا تكتمني حديثاً. - كان هذا الغصن رطيباً، وعيش البلبل به خصيباً، ولكنه سحب عليه ذيل الخيلاء، فأصبح يتقلب في ذلك البلاء، ويرتجف كما ترتجف اليد الشلّاء.

стр. 5402

- كل جوهرة من عقد حياة محمد ﵇ معجزة؛ فإن أساليب دعوته، ومظاهر حكمته لا يربطها بحال الأمية إلا قدرة تتصرف في الكائنات بحكمة أبلغَ مما تستدعيه طبائعها. - العفاف نور تستمده النفس من مطلع العقل، فإن ضرب عليها الهوى بخيمته السوداء، خسفت كما يخسف القمر إذا حجزت الأرض بينه وبين الشمس. - ينزوي البحر، فتضع السفينة صدرها على التراب، وينبسط، فتمر على الماء مرَّ السحاب، والعقل يظل في موقعه من النفس طريحاً، فإن فاضت عليه الحكمة، سار في سبيل النظر عَنَقاً فَسيحاً. - إن تخبطك السَّفَه، أهانوك، وإن قعد بك البَلَه، أعانوك؛ لأنك تستطيع أن تكون تقياً، وليس في يدك أن تكون أَلمعِيّاً. - تتجلى فضيلتك، فتنسج في هذه النفس عاطفة أرقَّ من النسيم، وتوقد في أخرى حسداً أحر من الجحيم، وكذلك المزن ينسكب على أرض، فتبتسم بثغر الأُقحوان، وينزل على أخرى، فتقطب بجبهة من حَسَك السَّعدان. - جنيتُ وردة لأخلصها من الشوك الذي يساورها من كل جانب، فما لبثتْ أن طَفِئت بهجتُها، وسكنت أنفاسها، فعلمت أن النفوس الزاكية لا تتخلص من النوائب إلا يوم تموت. - الشر نار كامنة في قلوب تحملها صدور المستبدين، فإن قدحتَها بنقد سياستهم، كنتَ لها قوتاً، إلا أن تكون بإخلاصك وحكمتك البالغة ياقوتاً. - إذا قلت في السياسة ما لا تفعل، أو همت في واد لا تعرِّج فيه على

стр. 5403

حقيقة، فانفض ثوبك من غبارها، فإنه ليس من الغبار الذي يصيبك في سبيل الله. - إنما يقطف الفيلسوف من المنافع ما تتفتق عنه أكمام الحقيقة، ولا يعرِّج السياسي بنظره على الحقائق إلا إذا أطلَّت عليه المنفعةُ من ورائها. - لا تجادل المعاند قبل أن يأخذ الاستهزاءُ به في نفسك مكان الغضب عليه، فالغضب دخان يتجهم به وجه الحجة المستنيرة، وابتسام التهكم برقُه يخطف البصر قبل أن تقع صاعقة البرهان على البصيرة. - لا يمنعك من وضع المقال على محك النظر، أن تتلقاه ممن هو أصفى منك ذهناً، أو أرجح وزناً، فإن الورق لا يقبل ما يرتسم في الزجاجة من الصور إلا بعد إصلاح خطئها، وإعادته الألوان إلى مبدئها. - أرى موقع الليل من هذه البسيطة لا يفوت مقدار نهارها، فرجوت أن لا يكون الباطل أوسع مجالاً من الحقيقة، ولكن الشمس ترمز بكسوفها، إلى أن أخطأتُ في القياس، وبنيتُ رجائي على غير أساس. - العالم بستان، تجوَّل فيه الفيلسوف فقال: كيف نشأت هذه الأزهار والثمار؟ ولماذا اختلفت في النعوت والآثار؟ وطاف فيه السياسي فقال: متى يقطف هذا الثمر؟ وتؤتي تلك الشجرة أكلها؟ - سكبت ماء حاراً في زجاجة، فتأثر أحد شطريها بالحرارة، واستمر الآخر على طبيعة البرودة، فتصدع جدارها. وكذلك النفوس الناشئة على طبائع مختلفة لا يمكن التئامها. - كان لسان الدين بن الخطيب جنة أدب تجري تحتها أنهار المعارف، فآتت أُكلها ضعفين، ولكن تنفست عليه السياسة ببخار سام، فخنقته، وشبت

стр. 5404

نار الحسد في القلوب القاسية، فأحرقته. - تلهج بأن الشيخ لا يسوس المصلحة بحزم، فإن بلي بُرد شبابك، ولم تُلق زمامها من تلقاء نفسك، فقد فَنَّدت رأيك، أو أضمرت العبث في السياسة. - في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم، إلا أن تدخل عليه من باب البَلَه، أو تلطخ لسانك بحمأة التملق. فاحتفظ بألمعيتك وطهارة منطقك، فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يعقلون. - بين جناحك قوة تجذب إلى جوارك العمل، وهي الإرادة، فاستعذ بالله أن تكون كالجاذبة الأرضية تستهوي الصخرةَ الصماء إلى النفس المطمئنة فتمحقها. - شددت وصلك إلى سوق العرفان؛ ليقتني ما يلذ ذوقك من درر حسان، فإذا اغبرت لؤلؤة إيمانك بوسواس المفتون، فقد خسرت تجارتك ولو أصبحت تتهكم على آراء أفلاطون، وكشف لك من الكيمياء والزراعة عن كنوز قارون. - لا ترسل فكرك وراء البحث عن حقيقة قبل أن ينفخ فيه روح الاستقلال، فإن التقليد موت، وما كان لجثث الموتى أن تغوص في بطون الأبحر العميقة. - لا عجب أن يتفجر بين أيديهم ينبوع الآداب صافياً، وتهوى أنفسهم أن تغترف غرفة من مستنقعها الأقصى؛ فإن من الأبصار المعتلة ما لا يقع نظره إلا على شبح بعيد. - النفس راحلة تحمل أثقالك إلى بلد السعادة، فإن لم تسر بها إثر

стр. 5405

الشريعة القيمة، أولجتْ بك في مهامهَ مغبرة، وإن بلغت في الفلسفة ما بلغ شاعرُ المعرة. - سيروا في تهذيب الفتاة على صراط الله المستقيم؛ فإن منزلتها من الفتى منزلة عجز البيت من صدره، ولا يحسن في البيت أن يكون أحد شطريه محكماً، والآخر متخاذلاً. - لا يدرك أعشى البصيرة من الحدائق المتناسقة غير أشجار ذاتِ أفنان، وثمار ذاتِ ألوان، وإنما ينقب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقظة. - لا تداهنوا المولع بقتل حريتكم، فأبخس الناس قيمة من تصرعه الخمر، كالذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم لا يلبث أن يُلبسها من تسبيح مدحه حللاً ضافية. - إن من الجهّال من يرمي به الزمن على مقام وجيه، فعلمه بسير تلك القيمة أن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً، وإن وضع بازائها السلطة الغالبة، أو الثروة الطائلة. - بذرت أيام الشباب آمالاً لم تقطف ثمرها إلا حين أقبل المشيب، وهل يتمنى الحاصد للثمار أن يعود إلى أيام الحراثة والزراعة والانتظار؟! - يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة، وهو يرقب من ورائها منفعة لنفسه، أن يكون في حل من وخزات أقلامها، وإنما يُحمد الذي يجاهد لسعادتها، وهو لا يرجو نعماء ينفرد بها في هذه الحياة. - لا تنقل حديث الذي يفضي به إليك عن ثقة بأمانتك، ويمكنك -متى كان يرمي إلى غاية سيئة- أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله، فتحفظ للمروءة عهدها، وتقضي للمصلحة العامة حقها.

стр. 5406

- لو فكرت في لسانك حين يتعرض لإطراء نفسك، لم تميزه عن ألسنة تقع في ذمها إلا بأنه يلصق بك نقيصة، لا يحتاج في إثباتها إلى بينة. - ألا ترى الماء الذي تقع في مجاريه الأقذار، كيف يتجهم منظره، ويخبث طعمه، فاطرد عن قلبك خواطر السوء، فإنه المنبع الذي يصدر عنه عملك المشهود. - قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة، حتى إذا حل وطنك متغلباً، طرحك في وهدة الاستعباد، واتخذ من عنقك الحر موطئاً. - لا يحق للرجل أن يكاثر بمن يتقلد رأيه على غير بينة، إلا إذا وازنه وقارنه بالصحف المطوية على آثارهم في نسخ متعددة. - إن هذا الزجاج يصنع كأساً ... ليصير الحليم فينا سفيها ويصوغ الدواة تلقاء هذا ... ليرى خامل الشعور نبيها مثل الفيلسوف ينفث غياً ... ثم يأتي لما يروق الفقيها - جَرَسٌ يصيح كحاجب ... طلق اللسان معربدِ حيناً ينوح كموجَع ... من لطمة المتعمِّدِ والآن رنّ كمِزهر ... جسَّته أنملُ معبَد زار الصديق فهزّه ... من بعد ضغطة جلمَدِ فحدا كما يحدوا لهزا ... رُ على الغصون الُميَّدِ والودُّ يسكن في الحشا ... لكن يُحس من اليد

стр. 5407

الحكمة العربية (١) الحكمة: معرفة الحقائق على ما هي عليه، وقد يراد بها الكلام النافع الذي يمنع من الجهل والسفه، وهي بهذا المعنى فن من فنون الكلام المنظوم أو المنثور، وذلك ما نريد الحديث عنه في هذا المقال. وهذا النوع من الحكمة ثمرة التجارب والتفكير على الوجه الصحيح، فنصيب الأمة من الحكمة على قدر نصيبها من جودة التفكير، والشعور بما تشترك فيه الحوادث من الأسباب والآثار. ومن الذي ينكر ما للأمة العربية من صفاء الذهن، وتوقد الذكاء؟ فلا بد أن يكون حظها من الحكمة عظيماً. نطق العرب في جاهليتهم بحكم تدل على تجارب صادقة، وألمعية مهذبة، وأسوق لك مثلاً على هذا قول النابغة الذيباني: ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلُمُّه ... على شَعَث أيُّ الرجال المهذّبُ؟ فهذه الحكمة لا تصدر إلا من ألمعيّ خالط طبقات الناس زمناً طويلاً، ونقدهم طبقة بعد طبقة، فاستخلص من طول صحبتهم أنه لا يوجد من بينهم

стр. 5408

الصاحب الذي يصفو لصاحبه في كل حال. والإِنسان محتاج إلى الإِخوان احتياجَه إلى الماء والهواء، فليس له إلا أن يتمسك بصحبة من وثق بمودتهم، ويغضي عن هفواتهم التي لم يقع فيها لفساد ضمير، أو نكث عهد مودة. كان للعرب براعة في صوغ الحكمة، حتى طلع عليهم القرآن الكريم، وأحاديث النبي ﷺ ، فامتلأت أسماعهم بالحكمة البالغة. أما القرآن، فقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فصلت: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]. وأما الأحاديث النبوية، فكقوله ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى"، وقوله: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، وقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". أفاض القرآن والحديث النبوي أمثال هذه الحكم الرائعة، وفتحا للحكمة طرقاً كانت مقفلة، فالإِسلام ساعد الخطباء والشعراء والوعاظ على أن يسيروا في هذا الفن من الكلام بخطا واسعة، ويقطعوا فيه أشواطاً بعيدة، فأصبح الناس يسمعون من الحكم أبلغ مما كانوا يسمعون، ويجمعون منها أكثر ما كانوا يجمعون. وإذا هممتُ أن أسوق إليك أمثلة من حكم العرب في الإسلام، تكاثرت علي تكاثُرَ الظباء على زياد، فلم أدر ما آخذ منها وما أَذَر، فانظر إلى ما شئت من الدواوين التي تحوي خطب البلغاء، ورسائل الأدباء، وقصائد الشعراء، ومحاورات العلماء، ففيها ثمرات قرائحهم الخصيبة، ونظراتهم الصادقة.

стр. 5409

ولأبي الطيب المتنبي في هذا الميدان جولات سبق بها أقرانه من الشعراء، وللصاحب بن عباد صحائفُ جمع فيها ما يحسن التمثل به من شعر المتنبي؛ كقوله: ومن ينفقِ الساعاتِ في جمع مالِه ... مخافةَ فقر فالذي فعل الفقرُ وقدمها هدية لمخدومه فخر الدولة، الذي كان يتمثل كثيراً بأبيات من نظم هذا الشاعر الحكيم. وأورد ابن أبي حجة في "شرح بديعته" ما ملأ به صحائف كثيرة من حكم أبي الطيب المتنبي، وربما أورد بعد البيت أو قبله ما يدل على إعجابه به، كما تعرض لقصيدته التي يقول فيها: وما الخيل إلا كالصديق قليلةٌ ... وإن كثرت في عين من لا يجرِّب وقال منها وأجاد إلى الغاية: وأظلمُ أهل الظلم من بات حاسداً ... لمن بات في نعمائه يتقلب وكما أشار إلى قصيدته: "واحرّ قلباه ممن قلبه شَبِم"، وقال: ومنها، وليس لمثله مثيل: إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا ... أن لا تفارقهم فالراحلون هُم وفي لامية الطغرائي أبيات كثيرة تشتمل على حكم غزيرة، فجرت على ألسنة الأدباء والكتاب مجرى الأمثال السائرة؛ كقوله: وعادةُ السيف أن يزهى بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل الحِكَم لذيذة، وأحسنها وقعاً ما صدر على البداهة؛ فإنه أدل على عبقرية الرجل، وكثرة انتفاعه بتجاربه.

стр. 5410

لام عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز أباه على إرجائه تنفيذ بعض ما يراه حقاً، فقال عمر بن عبد العزيز: "أخشى أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعوه جملة". وامتدح شاعر الإمام محمد بن مسلم الزهري، فأعطاه جائزة، فقيل له: أتجيز كلام الشياطين؟ فقال: "من ابتغاء الخير اتقاء الشر". وأشد ما يغبط الشاعر شاعراً آخر، في البيت العامر بالحكمة. أنشد محمد بن كناسة إسحاق بن إبراهيم البيتين: فيّ انقباضٌ وحشمة فإذا ... صادفت أهل الوفاء والكرم أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما قلت غير محتشم فقال إسحاق: وددت -والله- لو أن هذين البيتين لي بنصف ما أملك، فقال ابن كناسة: قد وفر الله عليك مالك، والله! ما سمعهما أحد، ولا قلتهما إلا الساعة، فقال إسحاق: فكيف لي بعلم نفسي أنهما ليسا لي؟ وإسحاق إنما غبط ابن كناسة في البيتين؛ لما اشتملا عليه من الحكمة، وهي وضع كل من الحشمة والاسترسال على السجية في مقامه اللائق به. والخلاصة: أن في آداب اللغة العربية حكماً غزيرة في ألفاظ عذبة وجيزة، فنودُّ من القائمين على تعليم النشء وتربيتهم تلقينها لهم بطريقة واسعة، حتى لا يحتاجوا إلى الاستشهاد بأقوال الغربيين، وفي كلام حكمائنا وبلغائنا ما يغني عنه.

стр. 5411

التعاون في الإسلام (١) الإسلام في مقدمة الشرائع المتضافرة على حفظ حقائق، هي: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والنسل، والمال. فمِنْ قَصْدِهِ إلى المحافظة على الدين: فرْضُه القيام بالدعوة إليه، والدفاع عن حوزته. ومِن قصده إلى المحافظة على النفس؛ شرْعُه القصاص، وفرضه حضانة الأطفال ورعايتهم. ومِن قصده إلى المحافظة على العرض: تقريره لعقوبة القذف بالزنا، وأمره بتأديب من يتطاول على غيره بلمز أو هجاء. ومِن قصده إلى المحافظة على العقل: شرعه لعقوبة من يتناول المسكرات، أو يسعى في إزالة عقل شخص بالضرب ونحوه. ومن قصده إلى المحافظة على النسل: حثُّه على النكاح، وسنُّه لعقوبة من يعتدي على شخص، فيبطل منه قوة التناسل. ومن قصده إلى المحافظة على المال: شرعُه لعقوبة السارق وقاطع الطريق.

стр. 5412

وقد يقع بعض هذه الحقائق في ضياع، أو يكون مشرفاً على الضياع، ويتعذر على الشخص الواحد العمل لسلامتها، فكان من مقتضى ثقل أعبائها أو كرة شُعَبها أن يمد إليه أشخاص آخرون أيديهم ليتعاون الجميع على حفظ دين، أو نفس، أو عرض، أو عقل، أو نسل، أو مال. ومن المعلوم الماثل أمام كل من تفقَّه في الدين: أن الإسلام قد راعى عجز الأفراد عن القيام بكثير من المصالح الخاصة أو العامة، فأمر بالتعاون على وجه عام، ثم أقام كثيراً من أحكامه وآدابه على القاعدة التي ينتظم بها العمران، وتخف بها متاعب الحياة. أما الأمر بالتعاون على وجه عام، فمن شواهده قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. يتناول التعاون على البر والتقوى: المؤازرة في كل عمل ينتج عنه الخير، سواء كان القائم به فرداً، أم جماعة، وسواء كان الخير عائداً إلى فرد، أم إلى جماعة، أم إلى أمة، ولا فرق في أصل طلب التعاون بين أن يكون الخير من مصالح الحياة الدنيا التي أذنت الشريعة بإقامتها، وأن يكون من وسائل السعادة في الأخرى. فمن التعاون على البر والتقوى: أن يقوم الرجل للصلاة، فتناوله وضوءاً، أو تهيئ له مصلَّى. ومن التعاون على البر والتقوى: أن ينهض القوم لإعلاء كلمتهم بنحو بناء المدارس، أو المستشفيات، أو الملاجع، أو إقامة مصانع تسد جانباً من حاجاتهم المدنية، فتبذل في إسعادهم ما تستطيع من قوة. ويدخل في الإِثم والعدوان: كل عمل يعطل شريعة من شرائع الدين،

стр. 5413

أو يعود على النفس أو العرض أو العقل أو النسل أو المال بالفساد. فمن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تقضي للخصم بقطعة من مال خصمه، وأنت تعلم أنه يدعيها زوراً وبهتاناً. ومن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تشهد حفلات ترتكب فيها محرمات، كتعاطي المسكرات، أو رقص الفتيان مع الفتيات. ومن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تشتري ورقة من تلك الأوراق التي يصدرها جماعات، ويسمونها: "اليانصيب"؛ فإنها من الميسر الذي وصفه الله تعالى بأنه رجس من عمل الشيطان. ومن التعاون على الإِثم والعدوان: أن تكون كاتب البطاقة التي يأمر فيها الظالم بالاعتداء على نفس أو عرض أو مال. ومما ورد في التعاون: قوله ﷺ : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فإن قصد أحد إلى مَن بينَك وبينه إخاءة ليعتدي عليه في نفسه أو ماله أو عرضه، وجب عليك الانتصار للمعتدى عليه، ودفعُ المعتدي بما يكفي للخلاص من شره، وذلك معنى الانتصار له وهو مظلوم، أما الانتصار له وهو ظالم، فقد بيَّنه النبي ﷺ في نفس الحديث بمعنى: الأخذ على يده، ومنعه من الظلم، وفي كفِّه عن الظلم الذي يذيقه عذابَ الهون في الآخرة، ويُلبسه ثوب الخزي في الأولى، انتصارٌ له أيُّ انتصار. ومن الوجوه التي تدل على قصد الشريعة إلى التعاون: تحريم السؤال على مستطيع الكسب، وفي هذا التحريم باعث له على القيام بجانب من حاجات الأمة، وفي إخلاد القادر على الكسب إلى السؤال بليتان اجتماعيتان: أولاهما: فوات الانتفاع بشخص يمكنه أن يكون كقطرة صالحة في دم

стр. 5414

حياة الأمة، فتزداد به قوة على قوتها. ثانيهما: بقاؤه في جسم الأمة كعضو يشرب من دمها، ويأكل من لحمها، بل كعضو يسري منه مرض البطالة إلى أشخاص لا تعرف نفوسهم العزَّة، فيكثر سواد هؤلاء الثقلاء في البلاد، قال ﷺ : "والذي نفسي بيده! لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره، خيز له من أن يأتي رجلاً أعطاه الله من فضله، فيسأله أعطاه أو منعه" (١). فحرام على من يستطيع كسب الرزق أن ينكث يده من العمل، ويجلس متشوفاً لما سمحت أو تسمح به نفوس المحسنين لمن قعد به العجز عن طريق الاكتساب. فلو بدا لأولي الأمر أن يهيئوا للعاجزين عن الكسب ملاجئ، ويأخذوا على أيدي المتسولين؛ حتى يضطر صحيح البنية إلى مباشرة بعض الأعمال الحيوية، لوجدوا في الإِسلام ما يحثهم على أن يبنوا الملاجئ، ويمنعوا المتكففين من التجول في الطرق والأسواق. وقد بث الإسلام روح التعاون في النفوس لأول ظهوره، ترى هذا في حياة المسلمين بالمدينة عقب الهجرة، فقد ورد في الصحيح: أن المهاجرين قدموا من مكة وليس بأيديهم شيء، فعرض الأنصار على النبي ﷺ أن يقسم النخيل بينهم وبين المهاجرين، فقال: لا، فعرضوا عليه بعدُ أن يكفيهم المهاجرون مؤونة العمل، ويشركوهم في الثمرة، فأجاب لذلك، فقاسمهم الأنصار على ذلك، وكان الأنصار يؤثرون المهاجرين بما عندهم، وإن كانوا في حاجة إليه، وهو الإيثار الذي مدحهم الله تعالى به في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ

стр. 5415

عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. ومِن قصد الشارع إلى التعاون على وجه عام: أنه نظر إلى الأعمال المنطوية على مصالح، فكان منها ما تحصل مصلحته لكل شخص يقوم به، وتوجد هذه المصلحة كلما قام به قائم وهو مستوفي الشروط والأسباب والأركان، فجعل الخطاب فيه موجَّهاً إلى كل من بلغ سن التكليف؛ كالصلاة والصيام والحج والزكاة، وهذا ما يسميه الفقهاء: بالواجب على الأعيان، ومنها ما تحصل مصلحته بفعل شخص أو أشخاص، ولو قام غيرهم من بعدهم ليفعله، وجد المصلحة قد تحققت، فجعل الخطاب فيه موجَّهاً إلى الأمة على أن تقوم به طائفة منها؛ كتجهيز الموتى، وإنشاء ما يكفي حاجة البلاد من المدارس، وهذا ما يسمَّى في عرف الفقهاء: بفرض الكفاية. والحقيقة: أن الطلب في فرض الكفاية يتوجه إلى من فيهم الكفاية للقيام بالعمل المطلوب، وإذا قام به بعضهم، سقط عن سائرهم، فولاية القضاء -مثلاً- يُتوجه فيها إلى من درسوا أحكام الشريعة، وكان لهم مقدرة على تطبيق الأصول على الوقائع. وإِنقاذُ الغرقى يتوجه الطلب فيها إلى من يستطيعون الإِغاثة. ونصرة المظلوم يتوجه الطلب فيها إلى من كان قادراً على أن ينصره بإنفراده، أو بالانضمام إلى غيره. وإِنما جُعل الخطاب في فرض الكفاية موجهاً إلى الأمة؛ لأنه يجب على من لم يكن فيهم أهلية للعمل المطلوب أن يهيئوا وسائله لمن فيهم أهلية، أو يجبروهم على القيام به إذا أهملوا أو تباطؤوا. فدفعُ الشُّبه وتقويم الزيغ واجب على العارفين بأصول الدين، فإذا دخلت الضلالة في قرية لا يوجد فيها من فيهم الكفاية لتقويم الزائغين، وجب على من فيهم

стр. 5416

الكفاية ببلد آخر أن ينتقلوا لإِرشاد أولئك الضالين، وإِن احتاجوا إلى نفقة أو وسيلة غيرها، وجب على القادرين على مساعدتهم بالمال، أو بتهيئة ما احتاجوا إليه من وسائل أن يعينوهم على أداء واجب الإِرشاد، فيسقط الوجوب عن الجميع. وقيادة الجيوش تجب على من جمع إلى الشجاعة العلم بالفنون الحربية، فإذا امتنع من تحققت فيه شروط القيادة من الخروج إلى مواقع القتال، لا يتركون وشأنهم بعلَّة أن الأمر بقيادة الجيش موجه إليهم وحدهم، بل على أولي الشأن إجبارهم على تولي قيادة الجيش، فإن لم يجبروهم، كانوا في العقوبة سواء، بل لولي الأمر أن يعمد إلى من فيهم الكفاية لأمر من الأمور، ويعين من بينهم شخصاً أو أشخاصاً للقيام به، فيصير بهذا التعيين فرض عين لا يسوغ لهم التأخر عنه. ومن المطلوب على الكفاية ما هو ديني محض؛ كالصلاة على الميت، ومنه ما يرجع إلى مطالب مدنية؛ كتعاطي بعض الحرف أو الصنائع المحتاج إليها في انتظام حال الجماعة. والنوع الأول يبعث على القيام به القصد إلى امتثال أمر الله تعالى، وأما النوع الثاني، فقد يبعث عليه داعية فطرية، ذلك لأن همم الناس تختلف في توجهها إلى ما تستدعيه الحياة من الحرف والصنائع، فيوجد في أغلب البلاد الحداد والنجار والبناء والصائغ والخائط والحمال والكنَّاس، إلى غير هذا من الحرف والصنائع الضرورية، ومن المحتمل أن لا تطَّرد هذه السنَّة في بلد أو في عصر، فيزهد الناس في حرفة، أو في صناعة، فلم يدع الشارع هذه الضروريات أو الحاجيات إلى الدواعي الفطرية وحدها، بل جعل القيام بكل حرفة أو صناعة يُحتاج إليها في الحياة فرضَ كفاية، حتى يستقيم أمر الحياة، فإن لم تختلف همم الناس اختلافاً يفي بما تحتاج إليه

стр. 5417

البلاد من الحرف والصنائع، وجب على أولي الشأن العملُ لسد حاجات الأمة، وإقامة الحرفة أو الصنعة المفقودة، ولو ببعث طائفة إلى خارج البلاد ليتعلموها، ويحسنوا القيام عليها. وقد دلنا التاريخ الصحيح لعهد النبوة: أن الناس كانوا يتعاونون على مرافق الحياة، ووسائل السعادة، فقد روى الإِمام البخاري عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: "إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق (١) بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يَلْزم رسولَ الله ﷺ لشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون". فدل الحديث على أن طائفة من المهاجرين كانوا يشتغلون بالتجارة، وطائفة من الأنصار كانوا يشتغلون بالفلاحة والزراعة، وأن أبا هريرة كان منقطعاً لطلب العلم، وعرفنا من طريق غير هذه الرواية: أن في الأمة لذلك العهد طائفة كانت تتعاطى بعض الصنائع؛ كالتجارة، والحدادة. ولم يكن أهل الصُّفّة (٢) إلا بمنزلة الجند المهيأ للدفاع، زيادة على ما كانوا يتلقونه من علم، فلهم من هذه الناحية قسط عظيم من التعاون المطلوب في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]. يجري على شاكلة الحرف والصنائع: العلومُ والفنون، فقد قرر علماء الشريعة أن كل علم أو فن يحتاج إليه في الحياة يجب أن تقوم به طائفة الأمة، فمن التعاون على تنمية العلوم وتحقيقها: إقبالُ كل طائفة على علم يقتلونه بحثاً، ويحيطون به من كل جانب، وإنما اتسعت دوائر العلوم بمثل

стр. 5418

هذا العمل المسمَّى بالتخصص. وقد أدرك علماء الإِسلام في القديم فائدة انفراد كل طائفة بعلم تُفْرِغ فيه جهودها، وتَصرِف فيه جانباً كبيراً من أوقاتها، فاختلفت وجهاتهم على قدر ما كان بين أيديهم من العلوم، وظهر النبوغ في هذه العلوم على اختلاف موضوعاتها، وتباعد أغراضها. وقد يكون اختلاف الناس في إِتقان هذه العلوم من دواعي الفطرة، بأن يقبل كل إِنسان على العلم الذي يجد في نفسه الميل إلى تعاطيه، فإن وجد الرئيس همم الناس منصرفة عن بعض العلوم، اتخذ وسيلة إلى حمل طائفة منهم على مزاولته. وأما أن الشمريعة بَنَت كثيراً من أحكامها وآدابها على قاعدة التعاون، فشواهده كثيرة، تجد هذه الشواهد في التعاون على حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والنسل. من شواهد التعاون على حفظ الدين: أن الشريعة نظرت إلى ما ينبني على التفقه في الدين من إنارة الجاهلين، وإنذار المسرفين، وتنظيم الحياة على وجه أدعى إلى الارتياح والاطمئنان، فلم تتركه لهمم الأفراد التي قد يطرأ عليها ضعف أو انصراف عن التعلم، بل فرضت على كل فرقة من المسلمين أن يرحل منها طائفة إلى المواضع التي يمكنهم أن يتفقهوا بها في الدين، ثم يعودوا إلى قومهم، فتبقى عقائد الدين وواجباته وآدابه محفوظة بينهم. قررت رحلة طائفة للتفقه في الدين، وفيه معنى التعاون على حفظه، وورد في الشريعة الأمر بالتعاون على حفظ الدين من وجه آخر، وهو أن رجال القبيلة أو القرية قد يغفلون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتضيع

стр. 5419

أحكام الدين وآدابه، ففرضت على الأمة أن يقوم طائفة منها بالدعوة إلى الحق والإصلاح، والتحذير من الباطل والفساد، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وقد تختلف وجوه التعاون على حفظ الدين اختلافَ الأحوال والأزمان. ومما حدث في هذا العصر: أن بعض المخالفين يعملون لزلزلة أركانه، وطمس معالمه بوسيلة ما يفتحونه من مدارس ومستشفيات وملاجئ، يزعمون أنهم يخدمون بها العلم والإِنسانية، فهنالك يجدون الأطفال والمستضعفين من الرجال والنساء واقعين في حبائلهم، لا شاهد عليهم ولا رقيب، فيحدثونهم عن الإِسلام بألسنة تفتري عليه الكذب، ويلقنونهم آراء تجعلهم أشد الناس عداوة لدينهم، وازدراء لآبائهم. فمن التعاون على الدين في هذا العصر: أن ينهض المسلمون نهضة صادقة، فيبسطوا أيديهم بالبذل في سبيل إنشاء مدارس ومستشفيات وملاجئ تغني عن تلك المباني المفتوحة لإِغواء الغافلين. ومن التعاون على حفظ الدين: أن ينشط العلماء للإرشاد، فيطلقوا ألسنتهم وأقلامهم في نصح من في قلوبهم بقية من خير، بأن لا يرسلوا أبناءهم إلى تلك المدارس التي لو غفل عنها الناس اليوم غفلتهم عنها بالأمس، لطوي بساط الدين طيّ السجل للكتاب. ومن شواهد التعاون على حفظ النفوس: أن الشريعة قد نظرت إلى ما يحدث بين الطوائف من التنازع فالتقاتل، فأشفقت من أن تذهب نفوس بريئة، وتراق دماء كثيرة، فأمرت الباقين من المسلمين بالسعي للصلح بين الطائفتين المتقاتلتين.

стр. 5420

ومن هذا القبيل فرض إغاثة العطشان والجائع، حتى قال الفقهاء: من لقي عطشاناً ومعه ماء، أو لقي جائعاً ومعه طعام، فمنع العطشان الماء، أو الجائع الطعام، وهو يعلم أنه لا يجوز منعه، وأنه يموت إن لم يسعده بما عنده، حقت عليه عقوبة القصاص. دعت الشريعة إلى التعاون على حفظ النفوس، وجعلت له من الزكاة النصيب الأوفى، فكان من مصارفها الفقراء والمساكين؛ ليسدوا بها حاجاتهم، ويصونوا بها ماء وجوههم، ثم ندبت إلى وجوه أخرى من وجوه البر؛ كالصدقة، والهبة، فالقصد من الصدقة أو الهبة: مواساة من يُتصدق عليه، أو يوهب له، وإعانته على حفظ نفسه، أو نفس من يعوله -غالباً-. وفي الناس من لا تسمح نفسه برفع يده عن الشيء المنتفع به جملة، فجعل له الشارع طريقاً إلى أن يعين غيره بمنفعة الشيء مع بقاء ذاته تحت ملكه، كالعارية، والعُمْرى (١). ومن الوجوه الراجحة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧]: أن المراد: ما يتعاوره الناس من متاع البيت؛ كالقدر والجفنة والسكين، وإذا طلب منك إعارة أمثال هذه الأدوات في حال ضرورة، كان منعها حراماً، فإن طلب منك إعارتها في حال لا تبلغ الضرورة، كان منعها خادشاً في المروءة، دليلاً على أنك تطوي نفسك على شيء من البخل بما آتاك الله من خير. ومن شواهد التعاون على حفظ العرض: أن الشريعة قد وضعت على القذف بالزنا عقوبة محدودة، وعلى من يتناول غيره بسباب أو هجاء التعزيرَ

стр. 5421

بما يكفي لردعه، وعهدت بإجراء ذلك الجزاء إلى الرئيس الأعلى، أو من يقوم مقامه، وفي إجراء ذلك الجزاء تعاون على حفظ الأعراض. والقاضي الذي لا يحقق النظر في قضايا السباب والهجاء، ولا يقرر لها جزاء وفاقاً، يعدّ فيمن لا يقدر حق صيانته الأعراض، ويلحق بمن يجهل أن العرض أعزّ على الرجل من ماله ونفسه. ومن مقتضى التعاون على حفظ الأعراض: أن لا تترك مجلسك ميداناً يتسابق فيه الطغام إلى ثلب الأعراض، فإذا حرّك أحد لسانه بالقدح في عرض بريء أو بريئة، ألجمته بالحكمة. وكذلك يفعل الصالحون والمصلحون، قال ﷺ : "ما من مسلم يخذل امراً مسلماً في موضع ينتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته" (١). وقال ﷺ : "من ذبّ عن عرض أخيه، رد الله النار عن وجهه يوم القيامة" (٢). ومن شواهد التعاون على حفظ العقل: أن الشريعة وضعت عقوبة على من يتناول شيئاً من المسكرات، أو يؤذي شخصاً فيزيل عقله، وعقوبةُ الأول معروفة، وعقوبةُ الثاني الديةُ كاملة، وهذه العقوبات يجريها القائمون على المصالح العامة، وإجراؤها من قبيل التعاون على حفظ العقول. ومن مقتضى التعاون: أن تحول بين الإنسان وما يذهب بقوته العاقلة، أو يضعفها ما استطعت أن تحول، فإن كان لك سلطان، منعته بيدك الغالبة،

стр. 5422

وإن كنت مرشداً، منعته بموعظتك الحسنة. ونصحُ الطبيب في معالجة من تصاب عقولهم بشيء من الخلل داخل في قبيل هذا التعاون المطلوب. ومن شواهد التعاون على حفظ النسل: أن الشريعة رغَّبت في النكاح، وجعلت من شروط صحته الإشهاد، فمن حضر ليشهد به، فقد أخذ بأدب التعاون على حفظ النسل، ومن الآخذين بهذا الأدب المحمود: الخاطبُ، ومن يشفع لدى الزوجة أو وليها في تخفيف نفقات العرس، أو الرضا بالميسور من المهر. ومتى ظهر في الناس قلة الإِقبال على الزواج، وجب على حكماء الأمة والقائمين على مصالحها أن يتعاونوا في البحث عن علل قلة الزواج، ويتخذوا الوسائل إلى علاج هذه العلل حتى تعود الأمة إلى الفطرة السليمة، وتسير في طهر، وينمو عددها نماء يكفل حياتها، ويكسبها قوة على القيام بنفسها. ومن شواهد التعاون على حفظ المال؛ بحمايته من التلف، أو العمل على نمائه: أن الشارع قرر الإِيصاء، وهو أن يعهد الأب لمن يعرف فيه الأمانة وجودة الرأي بالنظر في شؤون ابنه من بعده، ومن مقتضيات الإِيصاء: حفظ مال الطفل، والتصرف فيه على ما تقتضيه المصلحة، فقيام الوصي على أمر الطفل بحزم ونصح معونةٌ على حفظ ماله وإصلاح حاله. ومن هذا الباب: تقرير الشارع لباب القِراض، وهو إعطاء مال لمن يَتَّجر به على أن له جزءاً من ربحه، فصاحب المال يعين العامل على كسب جزء من المال كانت يده فارغة منه، والعامل يعين صاحب المال على تنمية ماله، ولولا إعانة هذا العامل، لبقي المال عند حَدّ، وقد يُنقصه الإِنفاق حتى يذهب به جملة.

стр. 5423

ومن هذا القبيل: فتح الشارع لباب عقد الشركات في الأموال، وهي خلط شخص ماله بمال آخر على أن يتصرف كل منهما في المالين في حضرة شريكه وغيبته، أو في حال حضرته فقط. وفي هذا النوع من التعاون فائدة عظمى لا توجد عند عمل كل واحد في ماله منفرداً، فإنّ ضَمَّ القليل إلى القليل يُصيره كثيراً، وهذه الكثرة تجعل الشركاء قادرين على جلب بضائع مرتفعة القيم، أو مختلفة الأجناس والأصناف، ولولا الشركة، لضاق باعُ كل منهم أن يصل إلى تلك البضائع ذات القيم المرتفعة، أو ذات الأجناس والأصناف المختلفة، فتقل الأرباح، ولا يجد أهل البلد على تفاوت طبقاتهم كلَّ ما يقوم بحاجاتهم، ويوافق رغباتهم، ونجاحُ الشركات قائم على تحقق الأمانة، والسير على نُظم علم الاقتصاد الصحيح، فمن الملائم لروح التعاون في الإسلام: تأليف شركات تحتفظ بعهد الأمانة، وتسير على نظم يراعى فيها قواعد الاقتصاد المعقولة، وتسعها أصول الشريعة الغراء. والتعاون بالنظر إلى ما تقع به المعونة إما أن يكون تعاوناً بالنفس؛ كأن تدفع بيدك أو سلاحك صائلاً على نفس أو مال، وإما أن يكون تعاوناً بالمال؛ كالقرض والهبة والصدقة، وضرب الدية في قتل الخطأ على العاقلة، وإما أن يكون تعاوناً بالرأي؛ كأن تشير على الرجل بما يخرجه من حيرة، أو ينقذه من عطب، وإما أن يكون تعاوناً بالجاه؛ كأن تشفع لذي حاجة عند من يملك قضاءها، قال ﷺ : "اشفعوا تؤجَروا" (١)، وقال ﵇: "واللهُ

стр. 5424

في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه" (١). وتتفاوت همم الناس في مصارف الجاه، وأصغرهم همة من يستخدمه في منافعه الخاصة، ولا يوجهه إلى قضاء المصالح العامة. وقد دلنا التاريخ على كثير من زعماء الإسلام وعلمائه يدوسون منافعهم الخاصة بأقدامهم، وإذا وجدوا موضعاً لنفوذ الكلمة، لم يذكروا إلا مصلحة عامة، أو مصالح أشخاص يبتغون من السعي لها رضا الله في الدنيا والآخرة. وخلاصة المقال: أن الإسلام أقام التعاون على أساس محكم، ومدّ له في كل ناحية من نواحي الحياة بسبب، فإذا وضع المسلمون أيديهم على هذه الأسباب الوثيقة، بلغت بهم المكانة المحفوفة بالعزة، المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].

стр. 5425

الرحلة والتعارف في الإسلام (١) كان لعلماء الإسلام شغَف بالاطلاع على أحوال الأمم، وحرص على معرفة ما تجدد في العالم من شؤون عمرانية وآراء علمية، ومن أثر هذه الخصلة الفائقة: شدة عنايتهم بالرحلة، ورغبتهم في لقاء أهل الدراية، فكانت الممالك الإسلامية -على سعة مجالها، وبُعْدِ ما بين أطرافها- تتقاذف برجال العلم والأدب، بالرغم عمّا كان في الأسفار من تحمل المشاق، واقتحام الأخطار. ومن هؤلاء الذين تقلّبوا في البلاد مَن حملوا إلى أوطانهم علماً جماً؛ كأبي الوليد الباجي، وأبي بكر بن العربي، ومنهم من صرفوا عنايتهم إلى وصف ما شهدوه من نظام الدول، وشؤون الأمم، وآثار الحضارة؛ كابن بطوطة، وابن جبير، وخالد البلوي، وبعضهم استقرت به الرحلة في غير وطنه؛ كأبي العلاء صاعد البغدادي، وأبي علي القالي، وَفَدا على الأندلس، وضربا أطناب الإقامة، فانتظما في سلك أدبائها، وازدادت بهما سمعة نهضتها الأدبية نغماتٍ رائقة. ومما كان يفتح للعلماء طريق الرحلة، ويجعلها أمراً ميسوراً: متانة

стр. 5426

الصلة الدينية، فيغادر العالم مسقط رأسه، وهو على ثقة بأنه إنما ينزل بقوم يماثلهم في مزاجهم الروحي، ويشاركهم في إحساسهم السياسي والأدبي، فلا يلبث أن يدخل في قبيلهم، ويعدّ عضواً في مجتمعهم. أخذت السياسة التونسية تنظر إلى الفيلسوف ابن خلدون بعين جافية، فرمى بنفسه في أحضان مصر، ولقي فيها حفاوة ارتفع بها إلى مستوى العظماء من رجالها النابتين في معاهدها العلمية، وخشي أبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري أن تمسه السلطة المصرية بأذى، فتخلص منها إلى البلاد المغربية، وكان من عاقبة أمره أن تقلد القضاء بمدينة تونس، إلى أن توفي بها سنة ٥٨٦ هـ، ولم يطمئن المقام بالقاضي عبد الوهاب بن نصر في بغداد، فقدم إلى الديار المصرية، وأدرك فيها من الحظوة ما يستحقه الذي يقول فيه المعرّي: والمالكيّ ابن نصر زار في سفرٍ ... بلادنَا فحمدْنا النأيَ والسَّفَرا إذا تفقّه أحيا مالكاً جَدَلاً ... وينثر الملِكَ الضِّلِّيلَ إن شعرا ودخل أبو عبد الله المقري المغربي دمشق الشام، فأقبل عليه أهلها باحتفاء، ومنحوه رقة وأنساً، حتى أنشد مشيراً إلى انقسام فؤاده بين دمشق ووطنه: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ؟ تشهد هذه القصص التي ملئت صحف التاريخ بأمثالها: أن العلماء ما كانوا ليستصعبوا فراق أوطانهم، حتى تقعد بهم شدة إلفها عن الرحيل إلى حيث تكون سوق المعارف قائمة، وبضاعة الأدب نافقة، أو تشد وثاقهم ليقيموا على هون وغضاضة؛ لأن هممهم إنما كانت تتجه إلى الحياة الاجتماعية

стр. 5427

الأدبية، فيسهل على العالِم -ولاسيما أن بلاد الشام وطن واحد- أن يتحول إلى حيث يكون نظام الاجتماع راقياً، ومجال العمل فسيحاً. يرحل العلماء؛ لما أومأنا إليه من إحراز علم نافع، أو اغتنام حياة شريفة، ولم تكن رحلاتهم لتخلو بعد هذا من فائدة التعارف، وتوثيق عرا الجامعة التي لا تقوم السعادة إلا على أركانها؛ فإن الأمراء الراشدين، والعلماء المستقيمين، لا يحل بدارهم عالم نبيه، أو يؤوب إليهم من سفره، إلا التقطوا من محاورته أنباء البلاد التي نزح عنها، أو عرج بها؛ ليقتدوا بآثارها، أو يسعوا جهدهم إلى تلافي الخطر الذي نزل بساحتهم. وربما قام بعض العلماء بسفر، لا ينوي به سوى خدمة الجامعة ولمِّ شعثها، كما طاف أبو الوليد الباجي بين أمراء الأندلس، يدعوهم إلى نبذ الشقاق، والعود إلى الاتحاد والتناصر. وسافر أبو عبد الله بن الأبّار القضاعي من الأندلس إلى سلطان تونس أبي زكريا؛ ليهز عاطفته إلى نجدة الأمير زّيان بن أبي الحملات، ومعاضدته على إنقاذ "بلنسية"، وأنشد بين يديه قصيدته التي يقول في طالعها: أدركْ بخيلِك خيلَ الله أَندلُسا ... إن السبيل إلى منجاتها دُرِسا ثم خمدت داعية الشوق إلى البحث عن أحوال الشعوب، وعقد روابط التعارف بين الجماعات والأفراد، ولا أكون مغالياً إذا قلت: إن التخاذل إنما دخل على الحالة الاجتماعية من ناحية التهاون بهذه الغاية، وإقبال الطوائف على مآربهم القاصرة عليهم، وشؤونهم الخاصة بهم، ولا يسع المقال الخوض في العلل التي أماتت داعية التعارف، وأقامت التجافي مقامه، ويكفي أن أقول بإيجاز: إن بعض من ألصقوا نفوسهم بالصوفية غلوا في الإخلاد

стр. 5428

إلى العزلة، وأطلقوا القول في التشويق إليها، وسرت هذه الدعوة على علاتها، فاستولت على النفوس الضعيفة، وحسب كثير منهم أن الاعتزال عن الناس قاطبة من شعار الصلاح ومطالب التقوى، وربَّ حالةٍ تنشأ عن رأي خاص، وتتحكم إلى أن تصير طبيعة من الطبائع الغالبة في الجمهور، ويظهر أثرها حتى على منكري ذلك الرأي ومفنديه، فمن الممكن أن ينشأ الرجل في بيئة تهافت الناس فيها على إيثار العزلة، فتعتاد نفسه الانقباض عن لقاء الناس، وإن لم يستصوب مذهبَ الداعين إلى العزلة والانفراد. حثَّ الإسلام على التعارف، وشرَّع في وسائله آداباً كثيرة؛ كحج البيت الحرام، والصلاة في الجماعة، وسنّة إلقاء السلام، وفضيلة التزاور، والحكمة في مثل هذا: طبع النفوس على خلق الميل إلى أن تتعارف، وتدخل في مسالك الحياة الاجتماعية، حتى تكون الرابطة محكمة، والمصالح قائمة. لسياحة النبهاء في بلاد الإسلام فائدة لا تقل عن فائدة السياحة في البلاد الأجنبية، فإن كانوا يرحلون اليوم إلى البلاد الغربية للاطلاع على آثار قوتها، ومظاهر مدنيتها، فالتجول في البلاد الشرقية يجعلهم على بصيرة من كنه حالتها، ويقف بهم على العلل التي أوهت رابطتها، وكادت تلقي بها في شقاء وبلاء، لا تجد عنهما مخرجاً. والحكيم الذي يدرك منشأ الضعف والوهن الساري في نظام الأمة، يهتدي إلى وسائل علاجه بسهولة، ولا يمسه الضجر والملل، ولو طال عليه أمد المعالجة، أو لقي في سبيلها نصباً.

стр. 5429

الشعور السياسي في الإسلام (١) بثّ الإسلام في نفوس معتنقيه ديناً قيماً، وأدباً راقياً، وسنَّ لهم قواعد؛ ليقيموا عليها أحكام مدنيتهم، ويهتدوا بها في تدبير سياستهم، وبعد أن

стр. 5430

وقف ذوو البصائر منهم على كنه الروح الذي يتماسك به العمران، ولا ينهض شعب أو يملك حياة مستقلة إلا إذا ضرب فيه بأشعته، شعروا بحق القيام على تدبير شؤونهم بأنفسهم، وأخذوا ينشرون تلك المبادئ الشريفة والتعاليم المحكمة بين أمم كانت تعثو في الأرض فساداً، وتخوض في الباطل خوضاً، إلى أن كان ما أدهش العقول عن فتوحات نسخت ليل الجهالة، وجعلت آية العلم الصحيح مبصرة.
следующие страницы →