← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

الصلة الدينية، فيغادر العالم مسقط رأسه، وهو على ثقة بأنه إنما ينزل بقوم يماثلهم في مزاجهم الروحي، ويشاركهم في إحساسهم السياسي والأدبي، فلا يلبث أن يدخل في قبيلهم، ويعدّ عضواً في مجتمعهم. أخذت السياسة التونسية تنظر إلى الفيلسوف ابن خلدون بعين جافية، فرمى بنفسه في أحضان مصر، ولقي فيها حفاوة ارتفع بها إلى مستوى العظماء من رجالها النابتين في معاهدها العلمية، وخشي أبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري أن تمسه السلطة المصرية بأذى، فتخلص منها إلى البلاد المغربية، وكان من عاقبة أمره أن تقلد القضاء بمدينة تونس، إلى أن توفي بها سنة ٥٨٦ هـ، ولم يطمئن المقام بالقاضي عبد الوهاب بن نصر في بغداد، فقدم إلى الديار المصرية، وأدرك فيها من الحظوة ما يستحقه الذي يقول فيه المعرّي: والمالكيّ ابن نصر زار في سفرٍ ... بلادنَا فحمدْنا النأيَ والسَّفَرا إذا تفقّه أحيا مالكاً جَدَلاً ... وينثر الملِكَ الضِّلِّيلَ إن شعرا ودخل أبو عبد الله المقري المغربي دمشق الشام، فأقبل عليه أهلها باحتفاء، ومنحوه رقة وأنساً، حتى أنشد مشيراً إلى انقسام فؤاده بين دمشق ووطنه: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيانِ؟ تشهد هذه القصص التي ملئت صحف التاريخ بأمثالها: أن العلماء ما كانوا ليستصعبوا فراق أوطانهم، حتى تقعد بهم شدة إلفها عن الرحيل إلى حيث تكون سوق المعارف قائمة، وبضاعة الأدب نافقة، أو تشد وثاقهم ليقيموا على هون وغضاضة؛ لأن هممهم إنما كانت تتجه إلى الحياة الاجتماعية

стр. 5427

الأدبية، فيسهل على العالِم -ولاسيما أن بلاد الشام وطن واحد- أن يتحول إلى حيث يكون نظام الاجتماع راقياً، ومجال العمل فسيحاً. يرحل العلماء؛ لما أومأنا إليه من إحراز علم نافع، أو اغتنام حياة شريفة، ولم تكن رحلاتهم لتخلو بعد هذا من فائدة التعارف، وتوثيق عرا الجامعة التي لا تقوم السعادة إلا على أركانها؛ فإن الأمراء الراشدين، والعلماء المستقيمين، لا يحل بدارهم عالم نبيه، أو يؤوب إليهم من سفره، إلا التقطوا من محاورته أنباء البلاد التي نزح عنها، أو عرج بها؛ ليقتدوا بآثارها، أو يسعوا جهدهم إلى تلافي الخطر الذي نزل بساحتهم. وربما قام بعض العلماء بسفر، لا ينوي به سوى خدمة الجامعة ولمِّ شعثها، كما طاف أبو الوليد الباجي بين أمراء الأندلس، يدعوهم إلى نبذ الشقاق، والعود إلى الاتحاد والتناصر. وسافر أبو عبد الله بن الأبّار القضاعي من الأندلس إلى سلطان تونس أبي زكريا؛ ليهز عاطفته إلى نجدة الأمير زّيان بن أبي الحملات، ومعاضدته على إنقاذ "بلنسية"، وأنشد بين يديه قصيدته التي يقول في طالعها: أدركْ بخيلِك خيلَ الله أَندلُسا ... إن السبيل إلى منجاتها دُرِسا ثم خمدت داعية الشوق إلى البحث عن أحوال الشعوب، وعقد روابط التعارف بين الجماعات والأفراد، ولا أكون مغالياً إذا قلت: إن التخاذل إنما دخل على الحالة الاجتماعية من ناحية التهاون بهذه الغاية، وإقبال الطوائف على مآربهم القاصرة عليهم، وشؤونهم الخاصة بهم، ولا يسع المقال الخوض في العلل التي أماتت داعية التعارف، وأقامت التجافي مقامه، ويكفي أن أقول بإيجاز: إن بعض من ألصقوا نفوسهم بالصوفية غلوا في الإخلاد

стр. 5428

إلى العزلة، وأطلقوا القول في التشويق إليها، وسرت هذه الدعوة على علاتها، فاستولت على النفوس الضعيفة، وحسب كثير منهم أن الاعتزال عن الناس قاطبة من شعار الصلاح ومطالب التقوى، وربَّ حالةٍ تنشأ عن رأي خاص، وتتحكم إلى أن تصير طبيعة من الطبائع الغالبة في الجمهور، ويظهر أثرها حتى على منكري ذلك الرأي ومفنديه، فمن الممكن أن ينشأ الرجل في بيئة تهافت الناس فيها على إيثار العزلة، فتعتاد نفسه الانقباض عن لقاء الناس، وإن لم يستصوب مذهبَ الداعين إلى العزلة والانفراد. حثَّ الإسلام على التعارف، وشرَّع في وسائله آداباً كثيرة؛ كحج البيت الحرام، والصلاة في الجماعة، وسنّة إلقاء السلام، وفضيلة التزاور، والحكمة في مثل هذا: طبع النفوس على خلق الميل إلى أن تتعارف، وتدخل في مسالك الحياة الاجتماعية، حتى تكون الرابطة محكمة، والمصالح قائمة. لسياحة النبهاء في بلاد الإسلام فائدة لا تقل عن فائدة السياحة في البلاد الأجنبية، فإن كانوا يرحلون اليوم إلى البلاد الغربية للاطلاع على آثار قوتها، ومظاهر مدنيتها، فالتجول في البلاد الشرقية يجعلهم على بصيرة من كنه حالتها، ويقف بهم على العلل التي أوهت رابطتها، وكادت تلقي بها في شقاء وبلاء، لا تجد عنهما مخرجاً. والحكيم الذي يدرك منشأ الضعف والوهن الساري في نظام الأمة، يهتدي إلى وسائل علاجه بسهولة، ولا يمسه الضجر والملل، ولو طال عليه أمد المعالجة، أو لقي في سبيلها نصباً.

стр. 5429

الشعور السياسي في الإسلام (١) بثّ الإسلام في نفوس معتنقيه ديناً قيماً، وأدباً راقياً، وسنَّ لهم قواعد؛ ليقيموا عليها أحكام مدنيتهم، ويهتدوا بها في تدبير سياستهم، وبعد أن

стр. 5430

وقف ذوو البصائر منهم على كنه الروح الذي يتماسك به العمران، ولا ينهض شعب أو يملك حياة مستقلة إلا إذا ضرب فيه بأشعته، شعروا بحق القيام على تدبير شؤونهم بأنفسهم، وأخذوا ينشرون تلك المبادئ الشريفة والتعاليم المحكمة بين أمم كانت تعثو في الأرض فساداً، وتخوض في الباطل خوضاً، إلى أن كان ما أدهش العقول عن فتوحات نسخت ليل الجهالة، وجعلت آية العلم الصحيح مبصرة.

стр. 5431

كان الشعور السياسي منبثاً في نفوس الأمة قاطبة، حتى إذا نهض الرئيس الأعلى لقتال يحمي ذمارهم، أو عمل يرفع شأنهم، خفُّوا إلى دعوته، فأسلموا أنفسهم وأموالهم إلى رأيه وتدبيره. ما هي العوامل التي أحيت ذلك الشعور، وجعلته يتألق بين جوانحهم تألقَ القمر في سماء صاحية، فأكبر هممهم، وشدّ عزائمهم، حتى تراءى لهم الجبل ذرة، واستهانوا بالموت الذي -كما قال بعض الحكماء- لا مرارة إلا في الخوف منه؟؟. أحيا ذلك الشعور: تلقيهم للكتاب الحكيم عن تدبر وإنعام في مراميه الاجتماعية والسياسية، ومما يبعثهم على تجريد النظر لاجتلاء حقائقه، والكشف عن مقاصده: أنه القانون الأساسي الذي لا تخضع الأمة إلا لسلطانه، فكان العلماء -وهم بمنزلة نواب الأمة- يرقبون سير الهيئة الحاكمة، وما عليهم سوى أن يزنوا أعمالها بذلك الميزان السماوي، فيصفوها للناس بأنها جادة أو هازلة. فالشعور السياسي نور يسطع في الشعوب على قدر ما ينتشر بينها من معرفة حقوقها، والطرقِ الكافلة لحفظ مصالحها، ولقد كنّا نتلقى عن تجربة أن السلطة القابضة على زمام شعب، يسوء أن يتنبه لحياته الشريفة، وينهض للمطالبة بحقوقه العالية، تصرف دهاءها إلى منابع التعليم، فتسد مسالكه، فإن لم تستطع، ضيقت مجاريه، أو خلطته بعناصر تفتك بالإحساسات السامية، وتقلب النفوس التي فطرها الله على الحرية إلى طاعة عمياء. أحيا ذلك الشعور: أن الله قيض لهم رؤساء ما كانوا ليعدُّوا أنفسهم سوى أنهم أفراد من الشعب يقومون بتدبير جانب من مصالحه، فطرحوا

стр. 5432

التعاظم جانباً، وجلسوا لذوي الحاجات على بساط المساواة، وكذلك قلوب الرعية إنما تنجذب إلى رجال الدولة، وتلتف حولهم بعاطفة خالصة، على قدر ما يبعدون عن مظاهر الأبهة، ويخففون من شعار العظمة. أرسل سعد بن أبي وقاص المغيرة بن شعبة إلى رستم القائد الفارسي، فأقبل إليه حتى جلس معه على سريره، فوثب عليه أتباع رستم، وأنزلوه، فقال المغيرة بصوت جهير: "إنا -معشر العرب- لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تتواسون كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض. اليوم علمتُ أنكم مغلوبون، وإن مُلْكاً لا يقوم على هذه السيرة، ولا على هذه العقول". أراد المغيرة أن يبثّ في الجنود الفارسية النفرة من قائدها، حتى ترتخي عزائمهم عن نجدته، فما كان إلا أن أيقظهم لِما خص به ذلك القائد نفسه من الميزة والاعتلاء بغير حق، وأومأ إلى أن الإسلام قرر قاعدة المساواة على وجهها الصحيح، فلا فضل لرئيس على أدنى السوقة إلا بتقوى الله. وقد نجح دهاؤه ونفذت فيهم مقالته، حتى صاحت طائفة منهم قائلة: "صدق -والله- العربي فيما قال". ومن مثل هذه القصة، نفقه أن سقوط تلك الممالك تحت رايتهم لم يكن نتيجة البسالة والسيف وحدهما، بل كان الأثر الأعظم للدهاء في السياسة. أحيا ذلك الشعور: أن رأوا باب الحرية مفتوحاً على مصراعيه، ولم يجدوا دون مناقشة أولي الأمر حاجباً، فكان اطمئنانهم في سيرهم، ووثوقهم بسلامة مستقبلهم، مما يذكرهم بالسكينة، ويعظهم بأن يكونوا كالكنانة بين يدي أميرهم العادل، يرمي بعيدانها الصلبة في وجه من يشاء.

стр. 5433

ومن ألقى نظرة في التاريخ الإسلامي، عرف أن الرجال الذين أسسوا ملكاً لا سلف لهم به؛ كعبد الرحمن الداخل، أو جددوا نظامه بعد أن تقطعت أوصاله، كعبد الرحمن الناصر، إنما استقام الأمر بما كانوا ينحرونه في سياستهم من العدل في القضية، وتلقي الدعوى إلى الإصلاح بأذن صاغية وصدر رحب. ماذا يخيل إليك من حال الأمة لعهد المنصور بن أبي عامر حين تقرأ في تاريخ دولته: أن أحد العامة رفع إليه الشكوى بأحد رجال حاشيته، فالتفت إليه، وكان ممن انتظم بهم عقد مجلسه، وقال له: انزل صاغراً، وساو خصمك في مقامه، حتى يرفعك الحق أو يضعك، ثم قال لصاحب شرطته الخاص به: خذ بيد هذا الظالم، وقدمه مع خصمه إلى صاحب المظالم لينفذ عليه حكمه بأغلظ ما يوجبه الحق من سجن أو غيره. وإن الذي يتحلى بمزية إنصاف الضعيف من القوي، وتتمتع رعيته بمثل هذا العدل، لجدير بأن يبلغ من العز الشامخ والتأييد الراسخ؛ حيث جذب عنان الملك من يد هشام بن الحكم، واستقل بالأمر، وغزا ستاً وخمسين غزوة، دون أن تنتكس له راية، أو يتخاذل له جيش. ذاق المسلمون طعم سياسةٍ أعدلَ من القسطاس المستقيم، وعرفوا أن الدولة التي لا تقوم على قواعد المساواة والشورى، وحرية التصريح بالرأي، ليست هي الدولة التي أذنت لهم شريعتهم بأن يُلقوا إليها أمرهم عن طاعة وإخلاص. والحركات التي قلبت الدول رأساً على عقب؛ كنهضة أبي المسلم الخراساني في الشرق، والمهدي بن تومرت في الغرب، إنما نجحت، وكان

стр. 5434

لها ذلك الأثر الخطير؛ لأنها تقوم بجانب دولة نامت عينها عن الحقوق الموكولة إلى رعايتها، وهامت بها الأهواء في أودية السرف والتفنن في الملاذ، حتى سئم الناس تكاليفها، ومالؤوا الثائرين على إبادتها، ولكن الفتن التي ترفع رأسها في مثل إمارة عمر بن عبد العزيز. أو صلاح الدين الأيوبي، أو عبد المؤمن بن علي لا تلبث أن تتضاءل وتنطفئ كما تنطفئ الذبالة إذا نفذ الزيت من السراج، وما ذاك إلا أن العدل متماسك العرا، وجمال الشرع يلوح في محيا الدولة، فلا تجد نار الفتنة من القلوب النافرة ما يذهب بلهبها يميناً ويساراً. فالإحساس السياسي الذي يربيه الإسلام في نفوس من يتقلدونه، إنما يرمي بأشعته إلى مبادئ مقدسة، وغايات شريفة، فإذا ربطوا قلوبهم باحترام أمير أو وزير أو زعيم، وبسطوا أيديهم إلى مؤازرته، فلأنه يرعى مبادئهم، ويولي وجهه شطر غاياتهم.

стр. 5435

العاطفة والتسامح في الإسلام (١) يظهر الناس في نسق الائتلاف، وينهض بعضهم لإِسعاد بعض على حسب ما يكون بينهم من الاتحاد والتماثل في مسالكهم الحيوية، وأحوالهم النفسية من آراء وآداب، بل تنعقد الألفة بين الرجلين؛ لتشابههما في بعض أحوال عارضة؛ كغربة، وقد أشار إليها الشاعر العربي بقوله: وكلُّ غريبٍ للغريب نسَيبُ. وكون كل منهما مضطهداً لسلطة واحدة، أو غرضاً لمتحفز ينوي القبضر على ناصيته. تتقوى العاطفة بمقدار التماثل، وكثرة وجوهه، وتخف على قدر ضعفه،

стр. 5436

وقلة مقوماته، فالألفة التي ينتظم به أولو العلم والأدب -مثلاً- أمتن من الألفة التي تدور بين طائفة لا جامع بينها سوى الاشتراك في نسب أو صناعة: وقرابةُ الأدباء يقصر دونها ... عند الأديب قرابةُ الأرحام وعلى هذا المبدأ تقوم الرابطة الدينية، أو القومية، أو الوطنية، فيعطف الإنسان على من يدينون بشريعته، أو ينتمون إلى قبيلته، أو يشبون في وطنه، والمثير لهذه العاطفة: شعوره بوفاقهم له في كثير من مبادئه وتقاليده وطرزِ حياته. وإذا كانت العاطفة الدينية تتولد من الاتحاد في كثير من الأحوال النفسية والتقاليد العملية، دخلت في جملة العواطف الفطرية؛ أعني: ما يقوم بالنفس من أسباب واقعية، دون أن يتوقف عن أمر الشارع، أو موعظة الخطيب. وينبئك بكونها من الطبائع التي ترتسم في النفس لمجرد التوافق في العقيدة أو المسلك: أنك لا ترى أمة تنتحل ديناً، أو مذهباً اعتقدت حكمته، إلا وقد اشتبكت بينها أوصال التراحم، ولو لم تتلقن من دينها أو مذهبها تعليم هذه العاطفة، والحث على تأكيدها، فمن تقلد ديناً، وادعى أن عواطفه على شيعة هذا الدين وغيرهم في درجات متساوية، فقد ادعى ما تأباه الفلسفة، ويرده الاختبار والتجربة. فلسلطان المغرب -الذي راسله صلاح الدين الأيوبي طالباً منه المدد بالأساطيل لحماية ثغور الشام- عاطفة دينية، ولكنها كانت من الضعف بحيث أخمدها، وأطفأ بارقتها: أن ذلك المجاهد العظيم خاطبه بأمير المسلمين بدل أمير المؤمنين الذي هو لقب الخلفاء، فرد البعثة الصلاحية إلى مرسلها خائبة، ولم يبال بالسهام التي ترشقه بها أقلام المؤرخين، والحيرة في الجواب

стр. 5437

عندما تُنصب لأمثال الموازين. حذر الإسلام أن تتضاءل العاطفة الدينية، فيضيع كثير من حقائق الشريعة وعزة أهلها، فجاء بما يربيها ويحييها في النفوس حياة زاكية؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقوله ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، ثم كره أن تطغى كما طغت في نفوس أمم أخرى، فتحملها على التحيز إلى من يوافقها في الدين، فتؤثره بحقوق غيره، وتشد أزره وإن كان مبطلًا، فجاء بما يهذب حواشيها، ويسكبها في قالب عمراني يتمكن معه الشعب المسلم من معاشرة غير المسلمين، فيعيشون على صعيد واحد، ولواء السلام والعدالة الصادقة يخفق على رؤوسهم كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٨]. وكقوله تعالى في حق الوالدين: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، فقد أرشدت الآيتان وما يشاكلهما إلى صحة معاشرة غير المسلمين، وإقامة معاملتهم على قواعد البر والعدالة، ولكنها أذنت للمسلم إذا ابتغوا الخروج به عن سيرة الشرع المحكمة، وآدابه اللامعة، أن يقبض يده عن وفاقهم، ويلوي بعنقه عن طاعتهم، وإن كانوا بمنزلة والديه اللذين هما أشد الناس به صلة، وأحقهم بامتلاك زمامه. فالعاطفة الإسلامية لا تصادم غيرها من سائر العواطف الصحيحة، فيستقيم للنفس الواحدة أن تحمل عاطفة تحنو بها على من يسايرونها في طريق سعادتها الباقية، وأخرى تشفق بها على من نشؤوا معها في منبت، أو قاسموها القيام

стр. 5438

بمرافق الحياة الدنيا. فالمسلمون أصفى البشر ضمائراً، وأفسحهم صدوراً في مرافقة من تجمعهم به رابطة الإنسانية، فقد كانوا يوم لا يرهبون سلطة أجنبية، ولا يرون في العالم دولة تسير على منهج عدل، أو تقيم سياستها على دعامة حرية ومساواة، يعترفون بمزية غير المسلم، ويشركونه في إدارة شؤونهم، ويبذلون وسعهم في الدفاع عنه، ولو أفضى إلى إراقة دمائهم، وينطقون في رثائه بأبلغ القصائد، كما فعل الشريف الرضي، وهو من آل بيت النبوة عند موت أبي إسحاق الصابي، وقال: رثيته لفضله. لئن كان في القوم الذين يقال فيهم: إنهم حماة الإنسانية، ورافعو لواء الحرية مَن يفرق في سياسته بين الشعوب التي تناضل عن حقوقها، وتشن غارة الاحتجاج على من يريد أن يستبد في أمرها، وبين الشعوب الجاهلة الصامتة، فيخفف وطأته على الأولى، ويشد خناق الاستعباد على الثانية، فقد كان المسلمون من قبل أن تبزغ شمس الصحافة في الكرة الأرضية، وحيث لا مسيطر يقوم على رؤوسهم، ولا رقيب يحصي عليهم أعمالهم، يحترمون ذمام إخوانهم في الوطن، ويبسطون إليهم بوسائل المودة؛ إجابة لداعي الإنسانية، وامتثالاً لأوامر شريعتهم السمحة. فلو قال قائل: إن الإسلام أول من أرى البشر كيف تتحد الأمم المتباينة في مللها، المختلفة في شرائعها، وتستقيم لهم الإقامة في وطن واحد، يتمتع كل منها بحقوقه المدنية، وشعائره الدينية، لوجد في التاريخ ما يناصره، ويذهب بالريبة من قلب مخالفه.

стр. 5439

الشورى في الإسلام (١) أتى على العالم حين من الدهر وهو يتخبط في جهل وشقاء، ويتنفس من نار البغي الطاغية على أنحائه الصعداء، حتى نهض صاحب الرسالة الأعظم - صلوات الله عليه - بعزم لا يحوم عليه كَلال، وهمة لا تقع إلا على أشرف غرض، فأخذ يضع مكان الباطل حقاً، ويبذر في منابت الآراء السخيفة حكمة بالغة، وما لبثت الأمم أن تقلدت آداباً أصفى من كواكب الجوزاء، وتمتعت بسياسة يتجلى بها العدل في أصرح مظهر، وأحسن تقويم. وضع الإسلام للسياسة نظاماً يقطع دابر الاستبداد، ولا يبقي للحيف في فصل القضايا، أو الخلل في إدارة الشؤون منفذاً، أوصى الرعاةَ بأن لا ينفردوا عن الرعية بالرأي في آية: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وآية: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، ثم التفت إلى الأمة، وعهد إليها بالرقابة عليهم، ومناقشتهم الحساب فيما لا تراه مطابقاً لشرط الاستقامة، فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. ولم يكن الأمراء الراشدون؛ احتراماً لهذا القانون الإِلهي، يكرهون

стр. 5440

من الناس، أو يحجرون عليهم البحثَ في الشؤون العامة، ومجادلتهم فيها بلهجة ناصح أمين. وهذه صحف التاريخ حافلة بقصص الذين كانوا يقفون للخليفة عمر ابن الخطاب -وهو يخطب على منبر المسجد الجامع-، فينكرون عليه عزل عامل اعتقدوا أمانته، أو يجادلونه في رأي عزم على أن يجعله قانوناً نافذاً، فلا يكون منه سوى أن يقول لمن نطق عن بينة: "أصبت"، ويرد على من أخطأ في المناقشة رداً جميلاً. وإن شئت مثلاً من سيرة الأمراء الذين تقلبوا في فنون من أبهة الملك، ولبسوا من عظمته بروداً ضافية، فقد حضر القاضي منذر بن سعيد مجلس الخليفة الناصر بمدينة الزهراء، فتلا الرئيس عثمان بن إدريس أبياتاً تمضمض فيها بشيء من إطراء الخليفة، حتى اهتز طرباً، وكان منذر بن سعيد ينكر على الناصر إفراطه في تشييد المباني وزخرفتها، فأطرق لحظة ثم قال: يا باني الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهل لله ما أحسنَها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبل فما زاد الناصر على أن قال: "إذا هبَّ عليها نسيم التذكار، وسُقيت بماء الخشوع، لا تذبل إن شاء الله"، فقال منذر: "اللهم اشهد؛ فإني قد بثثت ما عندي". في مقدرة ذلك الخليفة أن يفصل منذرَ بن سعيد عن وظائفه، أو يبعث به إلى المنفى غيرَ آسف عليه، ويجعل عذره في ذلك العقاب خُطبه التي كان يلقيها على منبر الجامع، ويتصدى فيها لنقد أعمال الدولة بلهجة قارصة، ولكنه أمير نفذت بصيرته إلى روح الشريعة الغراء، ودرس تاريخ

стр. 5441

الخلفاء قبله عن عبرة، فعرف أن لا غنى للدولة عن رجال يجمعون إلى العلم شجاعة، وإلى الشجاعة حكمة؛ حتى يمتطوا منصسب الدعوة إلى الإصلاح بحق، ويكونوا الصلة التي يظهر بها أولو الأمر وبقية الشعب في مظهر أمة تولي وجهها شطر غاية واحدة، ثم لا يغيب عن مئل ذلك الخليفة العادل: أن الدولة لا تحرز مجداً خالداً، وسمعة فاخرة، إلا أن يعيش في ظلالها أقوام حرة، وفي مقدمتهم علماء يجدون المجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيحاً. يصفون بعض الأمم بمحررة الشعوب، ويلقبون عاصمة بلادهم بمطلع الحرية، إلا أن ناشر لواء الحرية بحق، ومعلمَ البشر كيف يتمتعون بالحقوق على سواء: من وضع لطاعة الأمراء حداً فاصلاً، فقال: "إنما الطاعة في المعروف"، وجعل الناس في موقف القضاء أكفاء، فقال - صلوات الله عليه -: "أيها الناس! إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها". كم ظهر في بلاد العرب من سيد بلغ في الرئاسة أن أحرز لقب ملك؛ كآل جفنة، وغسان، وربما وجد من بينهم من لا يقل في قوته النفسية الفطرية عن الفاروق ﵁، فما بالهم لم يأخذوا في السياسة بنزعته، ويرموا إلى أغراضها عن قوس حكمته؟!. لا عجب أن يمتطي ابن الخطاب تلك السياسة الفائقة، ويجول بها بين الأمم جولته التي رفعت الستار عن أبصارهم، حتى شهدوا الفرق بين سيطرة الدول المستبدة، وسيرة الخليفة الذي ينام في زاوية من المسجد

стр. 5442

متوسداً إحدى ذراعيه. إن هو إلا الإسلام أقام له أساسها، وأنار سراجها، فبنى أعماله على أساس راسخ، واستمد آراءه من سراج باهر، فكانت صحف آثاره أبدعَ -عند عشاق السياسة القيمة- من مناظر الروضة الغناء. تدرب الخلفاء العادلون على مذاهب السياسة وفنون الحرب بما كانوا يتلقونه من حضرة الرسول ﵊ من الحكم السامية؛ كحديث: "الحرب خدعة"، أو ما يشهدونه من التدابير المحكمة؛ كوسيلة التكتم في الأمر الجاريةِ عند الدول لهذا العهد، وهي أن يبعث الرئيس الأعلى إلى الرئيس الأدنى، أو يناوله رسالة مختومة، ويأمره أن لا يفك ختامها إلا في محل أو وقت يسميه له، وقد جاء في "صحيح البخاري"، وغيره: أن حضرة صاحب الرسالة ﵊ ناول عبدَ الله بن جحش -وهو أمير نجد- كتاباً، وقال له: "لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا"، فلما بلغ عبد الله ذلك المكان، قرأ الكتاب، وأخبر الجند بما في ضمنه من الأمر. إن اختلاف الأمم في عاداتها وحاجاتها، يستدعي أن تكون سياستها ونظاماتها مختلفة، كما يقتضي أن يكون المدبرون لأحكام الأمة وتراتيبها المدنية ممن وقفوا على روحها، وأحاطوا خبرة بمزاجها؛ حتى لا يضعوا عليها من الأوامر والنواهي ما يجعل سيرها بطيئاً، أو يردها على عقبها خاسرة. وكذلك الإسلام يقيم السياسة على رعاية العادات، وشير بها على ما يطابق المصالح، ولهذا فصل بعض أحكام لا يختلف أمرها باختلاف المواطن؛ كآية: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وحديث: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه"، ووكل البقية إلى أنظار الراسخ في العلم بمقاصد

стр. 5443

الشريعة، البصير بما يترتب على الوقائع من آثار المفاسد والمصالح. وإن تعجب، فعجب لبعض من لا يدري أن الإسلام نور إذا نفذ في قلب، لا ينطفئ منه، حتى يكون الواحد ثلاثة، والثلاثة واحداً، فكتب في إحدى المجلات مقالة عقد فيها موازنة بين الإسلام والدين الذي يعتنقه، إلى أن قال: "قد يقول البعض: إن الإِسلام تطور عما كان عليه، وقطع إلى الإمام شوطاً بعيداً؛ لأن الأتراك قد أعلنوا الدستور، ولأن الفرس أدخلوا الإصلاحات البرلمانية، ولأن معاهد العلم والجامعات منتشرة في كل نواحي العالم الإسلامي، ولكنا نحيل القارئ الكريم إلى ما جاء في تقرير المذابح الأرمنية، والفظائع الوحشية التي أتاها الأتراك أنفسهم". وليس في وسع هذا المقام ولا من غرضه التعرضُ للروايات المصنفة في حوادث الأرمن، كما أنني لن أنبش مقابر التاريخ الأندلسي، أو ألفت نظر ذلك الكاتب لفتة حقيقية إلى ما تقاسيه بعض الشعوب الإِسلامية اليوم من أهل دين يقدسه ويتقلد عقائده، ولكني أذكره بأن الطرق المنطقية لا تبيح له الاحتجاج على عدم مطابقة التعاليم الإِسلامية للإصلاحات المدنية بمذابح الأرمن، ولو انعقد الإجماع على صحة رواياتها، وإنما يرجع في الترجيح بين الأديان -إن شاء- إلى شرائعها، ونصوص الذين أوتوا العلم من أئمتها، وإن شريعة تقوم على قواعد: "الضرر يزال. المشقة تجلب التيسير. العادة محكمة"، ويقول أحد العظماء من فقهائها: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من المعاملات والسياسيات"، لا يحق لأحد أن يرميها بمجافاة الإصلاح، والبعد عما تقتضيه طبائع العمران، إلا أن يفوته العلم بحقائقها، أو يحمله التعصب الجامد على جحودها.

стр. 5444

الدعوة الشاملة الخالدة (١) بينما العالم يتخبط في جهل وغواية، فإذا بنور يلوح تحت سماء مكة، وتنبعث أشعته في اليمين واليسار، حتى أخذت بلاد العرب من أطرافها، وضربت في أقاصي الشرق والغرب، فانقلب الجهل إلى علم، والغواية إلى هدى، ذلك هو نور الدعوة التي قام بها أكمل الخليقة محمد بن عبد الله - صلوات الله عليه -. ترمي هذه الدعوة الصادقة إلى أهداف سامية: إصلاح العقائد، والأخلاق، والأعمال، وتنقية النفوس من المزاعم الباطلة، وتحرير العقول من أسر التقليد، حتى تحت ضياء الحجة، وعلى ما يرسمه لها المنطق السليم. جاء الرسول الأعظم بهذه الدعوة الشاملة، فكانت مصدر خير، ومطلع حكمة، وقد أيدها الله تعالى بما يضعها في النفوس موضع القبول، ويجعلها قريبة من متناول العقول، ومن أقوى مؤيداتها: الآياتُ القائمة على أن المبلِّغ لها رسول من رب العالمين، وسيرته ﵊ مملوءة بأرقى الفضائل، وأسنى الآداب، وأجلِّ الأعمال، حتى إن الباحث في السيرة على بصيرة ليجدُ في كل حلقة من سلسلة حياته معجزة، ولو استطعت -ولا إخالك

стр. 5445

تستطيع- أن تضعها في كفة، ثم تعمد إلى سيرة أعظم رجل تحدَّث عنه التاريخ، فتضعها في الكفة الأخرى، لعرفت الفرق بين من وقف في كماله عند حد هو أقصى ما يبلغه الناس بذكائهم وحزمهم، وبين من تجاوز ذلك الحد بمواهبه الفطرية، وبما خصه الله به من معارف غيبية، وحكم قدسية. هي دعوة الحق، اتجه إليها أقوام لا يؤمنون بأنها وحي سماوي، فاطلعوا على جملة من حقائقها، ووقفوا على جانب من أسرارها، فشهدوا لها بأنها محكمة الوضع، سامية الغاية، وألمُّوا بأطراف من سيرة المبعوث بها، فاعترفوا بأنه أكبر مصلح أنقذ الإِنسانية من غمرات الاستبداد، وعلّمها بأقواله وسيرته العملية كيف تتمتع بحقوقها كاملة، وتحتفظ بحريتها وهي آمنة. دعوة تأبى الخمول والإِحجام، حيث ينبغي لها أن تظهر في شهامة وإقدام، تُوجّه نصائحها إلى الأمم على اختلاف طبقاتها، وتفاضلِ درجاتها، فتسدي النصيحة إلى الملوك فمَن دونهم من ذوي المناصب السياسية والقضائية والتنفيذية، وتأخذ بأيدي العاملين من نحو: التجار والصناع والزراع إلى أن يسيروا في الطريق الكافل للسلامة والنجاح، وأقبلت على الأسرة، فرسمت لها نظماً تيسر لها أن تعيش في ألفة وهناءة، فقررت للزوجة والقرابة من نحو الأبوة والبنوة حقوقاً عادلة، وأوجبت على من يستطيع إسعاد ذوي الحاجات بمال أو جاه أن يسعدهم ما استطاع، وأوصت مع هذا برعاية حقوق الجوار. وراعت في معاملة المخالفين ما تستدعيه من الحزم، ثم ما تستدعيه العاطفة الإِنسانية من الرفق، ففرقت بين من يدخل تحت سلطانها، وبين من يناصبها العداء، فمنحت المسالمين من الحقوق ما تطمئن به نفوسهم، وتنعم به حياتهم، وأذنت في تقويم المناوئين بالقدر الكافي للنجاة من عدوانهم.

стр. 5446

طلعت الدعوة المحمدية على الناس فصيحةَ البيان، قوية الحجة، حكيمة الأساليب، ولم تسلم -مع هذا- من طوائف يرمون أمامها أو وراءها عن قوس إلحاد وقح، أو جهل قاتم، ولولا أن الله تعالى تكفل بحفظها، وقيض لها في كل عصر أنصاراً رسخوا في فهم مقاصدها، وتصدوا للذود عن ساحتها بيقظة وحزم، لتمكن أولئك المفسدون من إخفات صوتها، وطمس معالمها. وليست دعوة الإسلام بالدعوة التي ترشد إلى مواطن الإصلاح، ثم تترك الناس وشأنهم كما يفعل وعاظ المساجد والجمعيات، بل هي دعوة تحمل في مبادئها فرضاً على الأمة أن تقوم بتنفيذ ما تقرره من حقوق، أو تفرضه من واجبات، إذ لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.

стр. 5447

طرق الصوفية والإصلاح (١) انقلب كثير من الطرق المنتمية إلى الصوفية يتنفس بريح سامة، ويلتوي

стр. 5448

إلى حيث يستدرج طوائف من الناس، ويلقي بهم في عماية وخسران مبين. والمسألة خطرة، وتبعة السكوت عنها غير هينة، ومن مقتضى السداد في النظر أن نناقش أنفسنا الحساب في كل شيء، ولا نغادر صغيرة ولا كبيرة من أحوالنا الاجتماعية إلا وقفنا لسبر غورها، وتمييز طيبها من خبيثها وقوفَ البصير المخلص؛ لعلنا نشتفي من العلل التي قعدت بنا في مضجع الخمول، ونسلك الصراط السوي الذي رسمته الحكمة الإلهية لتسير فيه الأمم الرشيدة، فنكون من الفائزين. كان السلف من الصحابة والتابعين ومن تحرى سيرتهم، يأخذون أنفسهم

стр. 5449

بآداب الشريعة أخذَ العارف بحكمتها، المطبوعِ على النهوض بتعاليمها، ثم يقبلون على الناس يرشدونهم إلى أن يزنوا أعمالهم بميزان الشرع، ويسوسوا أنفسهم بزمام هدايته؛ حتى تستنير بصائرهم، وتكون الأخلاق العالية منه؛ مثل: الإخلاص، والغيرة على الحق، وخشية الله تعالى ملكاتٍ راسخةً في فطرهم، ومحوراً تدور عليه سائر تصرفاتهم ومعاملاتهم، ولا يعرِّجون في خلال إرشادهم إلا على آية، أو حديث، أو حكمة صريحة، أو قصة نستخلص منها عبرة. أحرز أولئك الرجال المنتصبون لهداية الناس بحق مقاماً محموداً، وحياة طيبة، وجاهاً واسعاً؛ من حيث لم يجعلوا هذه الكرامة مناط سهامهم، أو الركن الأشدَّ من مقاصدهم، وإنما هي قسط من العاقبة التي وعد الله عباده المخلصين. وما لبثوا أن غبطهم أناس يحرصون على أن تكون لهم الكلمة النافذة، والعيش الخصيب، ولو من غير طريقهما المشروع، فظهروا في مظهر أولئك الهداة، ولكن أكبر عليهم أن يعنوا بشرطه، وينهضوا بأعبائه، وهو الاستقامة على الطريقة المثلى، ففتحوا في سور الشريعة ثلمة، وابتدعوا مقالات ليختموا بها على أفواه الناس، فلا تضطرب قلوبهم بإنكار متى شاهدوهم يستخفون بواجب، أو يقتحمون حراماً؛ كقولهم: إن الولي إذا انتهى إلى منزلة عليا في رضوان الله، سقطت عنه التكاليف جملة. وتوكأ على هذه المقالة الوقحة كثير ممن يدعي الولاية، ويرتكب الفواحش على مرأى ومسمع من جماعات يلثمون أقدامه، وينشرون بين يديه أموالهم؛ ليقربهم إلى الله زلفى. وقادت الأهواء وحبُّ الرئاسة طائفة أخرى، لم ينفذوا إلى روح الشريعة، ويذوقوا طعمها، فترامى بهم الجهل الأكمه إلى أن استعاروا من اللهو وتقاليد

стр. 5450

أهل البطالة ما حسبوه عملاً يتناوله اسم القربة، وحشروه في جملة ما استحبه الإسلام، فكان القذى في مقلته النجلاء. ومن هذا القبيل: الرقص، والتصدية، واللهو بآلات الطرب في المساجد. وبصر بما لهذا المظهر من السلطان على القلوب فريق من الملاحدة، فما لبثوا أن اتخذوه ذريعة إلى تغيير معالم الشريعة، واستدراج الناس إلى هاوية الضلالة، ومن صنيع هؤلاء نشأت مقالة الحلول والاتحاد، ودعوى أن الصوفي يتلقى أحكاماً عن مُنَزِّل الشريعة من غير واسطة، وانسلوا بهذه الدعوى عن كثير من حقائق الإسلام، وألصقوا به من صور الباطل ما لا يليق السكوت عنه، بل يجب محو أثره، وإن كانت اليد التي خطته خرجت وتدلَّت من كُمِّ ناسك متعبد؛ فإن ثوب النسك والعبادة مما يمكن استعارته والمواظبة على الاستتار به أعواماً وأحقاباً. وقف علماء الدين تجاه هذه الفرق ومن بنى على أساسهم الخرِب في طائفتين: (طائفة) ثبتت أمامهم، ووضعت أقوالهم وأعمالهم في محك النظر، ووزنتها بميزان الحكمة، ثم ضربت بهذه الضلالات والسخافات في وجه مفتريها ومبتدعيها، لا تخاف لومة لائم، ولا بطشة صائد؛ كما صنع ابن الجوزي، وأبو بكر بن العربي، وابن تيمية، وأبو إسحاق الشاطبي، وغيرهم ممن طعنوا في أصحاب هذه المقالات الزائفة، والدعاوى الباطلة. (وطائفة) أخذها الجبن عند لقائهم، واسترهبوها بمثل قولهم: "إن الإنكار على أهل الطريق يفضي إلى الموت على سوء الخاتمة"، فكانت تصغي إلى مقالاتهم بأذن هادئة، وتنظر إلى أعمالهم بعين راضية، حتى إذا عرضتَ

стр. 5451

عليهم شيئاً من آثارهم، وأريتَها كيف يكدر مورد الشريعة أو ينقض بعض أركانها من أساسه، طفقت تخرج الأقوال عن موضعها اللغوي والعرفي، وتحملها على معان ليست من منطوقها ولا مفهومها، ولا مما تفتح له الاستعارة أو الكناية صدرها، وأخذت تحاول بما يشبه تخبط العشواء في ليل، أو اعتساف المدلج في غير سبيل، أن تدخل بعض الأعمال المنكرة في قالب قاعدة أو قياس شرعي، كما فعل النفر الذين تصدوا للاعتذار عن المقالات الصريحة في نفي حكمة الباري، أو حلوله في مخلوقاته، أو دعوى رؤيته بالعين الباصرة في حال اليقظة، أو نهي المريد عن زيارة غير أستاذه، أو ترك صلاة الجماعة والجمعات أيام الخلوة لرياضة النفس ومجاهدتها. ولا ننسى أن كثيراً من هذه المقالات المخالفة للمعروفِ من الشريعة وسيرةِ السلف الصالح، قد يعزوها إلى أولي الصلاح بعضُ أشياعهم جهالة، أو بعضُ أعدائهم؛ ليضعوا من شأنهم، ويصدوا عن سبيل هديهم، وربما صدرت عن سليم النية على وجه الخطأ في النظر. وعلى أي حال، فشأننا معها أن نأخذ منها حذرنا، ولا نلاقيها إلا بإنكار، ثم نكل أمر من اصطنعها إلى الجزاء العادل، فإلى الله إيابه، وعليه حسابه. ومما انجر في أذيال هذه الطرق من الخطر على اتحاد الأمة: أن المتشبثين بطريقة قد يتغالون في التعصب لها إلى أن يقصروا عاطفة محبتهم ومساعدتهم على من تقلدوا عهدها، ويتجافون عمن تمسك بعهد طريقة أخرى، ويقبضون أيديهم عن مرافقته، ومن العامة -كما رأيناه رأي الباصرة- من يباغض الرجل، ويسلكه في حساب أعدائه، ولا يجد لهذه العداوة من باعث سوى أنه لم يكن من شيعته في الطريق، ولا ممن يحرك لسانه بالأذكار الممتازة بها؛ كأن

стр. 5452

رؤساءهم لا يذكرونهم بمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقوله ﵊: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً"، ومن أولئك الرؤساء من يحبذ ذلك التعصب الضال؛ إذ يرى أنه ليس له سلطان إلا على من نفضوا قلوبهم من كل احترام وتعاطف إلا عليه، أو على من انخرطوا في الطريق التي قام على رأسها. وأكبر من هذا جريمة: أن في رؤساء الطرق من يعرف الباطل باطلاً، ولا يبالي أن يطاطئ له رأسه، ويؤازره على محاربة الحق، حتى يزيده أهل الباطل بسطة في الجاه، ولا يعترضوه في سبيل يتصيد منه بعض مآرب شخصية. وأهونُ ما تشهده من خضوع هؤلاء: أن يبرز أتباعهم في الاحتفالات العامة كل بالأوضاع التي تلذها أذواقهم، ويمتازون بها عن أصحاب الطرق الأخرى، ثم لا يجرح أفئدتهم ما يسومهم به الناظرون من الازدراء والتهكم. ومن أكبر البلايا أن يسبق إلى بعض الظنون أنها أوضاع شرعية، فلا يكفي ما تجره إلى واضعيها، أو الذين أصبحوا مظهراً لها من المعائب والاحتقار، حتى تمس جانب الشريعة الغراء، وتلصق بالإسلام وصمة تجعل بينه وبين الجاهلين به حجاباً كثيفاً. ولو درينا أن تعرضهم للحط من كرامتهم كان تحت الإكراه الذي يقارنه الوعيد، ويأتي من ورائه العقاب الصارم، لقلنا لهم في وصف الدواء الناجع: اخلعوا أطواق هذه الطرق من أعناقكم، حتى لا تكون سبب إهانتكم، بدل أن تكون من وسائل سعادتكم، ولكنه الهوى، أو ضعف الجأش وارتعاده أمام كل رغبة يلوح إليها القوي الغالب، ولو بأداة عرض أو تحضيض. كان لمشايخ الطرق قبل هذا العصر فوائد لا يصح إنكارها؛ كاتخاذ

стр. 5453

زوايا لتعليم القرآن، وتلقين جانب من مبادئ الدين والأحكام الفقهية، والإرشاد إلى بعض الأخلاق الفاضلة، والمحافظة على العبادات، وترك المنكرات، ثم قبضهم لأموال بعض الأغنياء وإنفاقها على فقرائهم. والقيام على هذه المشروعات والتعليم -ولاسيما في العصور المظلمة- مزية لا يستهان بها. وربما اكتفينا منهم بتأدية هذه الواجبات، وصرفنا عنان السؤال عن عدم غرسهم في قلوب أتباعهم خلق الإقدام على مجاهرة الرؤساء بالنصيحة، ومطالبتهم بالاستقامة على السبيل الذي يكفل لهم الأمن من كارثة الاستعباد. نكف أقلامنا عن أن تحمل طرفاً من هذه المسؤولية على كواهلهم، ونقنع منهم بذلك المقدار من الخير، حيث لم يكونوا سلاح الباطل، ولا أعواناً للسلطان الجائر، ولكنا لا نقنع من بعض رؤساء الطرق في هذا العصر بذلك المقدار من تعليم وإرشاد على فرض أن ينهضوا له كما نهض سلفهم الصالح، ما دامت قلوبهم وأقلامهم بين إصبعين من أصابع حليف الباطل، يملي عليها ما يشاء، ويقلبها كيف يريد. لا نرمي في هذا المقال إلى ما يقوله بعضهم من أن هذه الزوايا أصبحت عقبات قائمة في سبيل الإصلاح لا بد من العمل على إماطتها، فإني أعلم أن لمشايخ الطرق كلمة نافذة لدى العامة، ومكانة يمكنهم أن يتوصلوا بها إلى إصلاح عظيم، ومساعدة الأمة على اتحادها المتين، فلا نريد لهم حينئذ إلا أن ينقوا ساحتهم من مظاهر لا تنطبق على الشريعة، ثم يصرفوا سلطانهم على القلوب إلى إسعاد الوطن، والذبِّ عن حقوق الأفراد والجماعات. أما تنقية زواياهم ومظاهرهم لما هو خارج عن رسوم الشريعة، فبوقوفهم في العمل على ما ينطق به الكتاب والسنّة الصحيحة، أو ما يفهمه الراسخون

стр. 5454

في العلم منهما، ثم لا يحيدون عن القسطاس المستقيم، وهو سيرة السلف من الصحابة والتابعين، فإذا لم ينقل عن جماعة من السلف -مثلاً- أنهم احتفلوا في المساجد بالنفخ في المزامير، أو ساروا في الشوارع يحملون الرايات لغير جهاد، أو تحدثوا عن حضرة الخالق بالعبارات الموضوعة لعشق الحسان ومعاقرة الخمور، علمنا أن هذا الصنيع من اللهو الباطل الذي يلفت وجه صاحبه عن سبل الله. وإذا لم يرد في حق أحد من الصحابة أو التابعين أنه كان يسمي نفسه أو يسميه غيره باسم يدل على تصرفه في الكون تصرفًا غيبياً، كان الأحرى بالرئيس في الطريق أن لا يصف نفسه، ولا يفسح المجال لبعض مريديه حتى يصفوه بما لم يوصف به صحابي قضى حياته في عبادة خالصة، وسياسة عادلة في سبيل الله. وأما احتفاظهم على ما رزقوا من الكلمة النافذة، وتصميمهم على أن لا يبذلوها حيث يأمرهم ذو سلطة باغية، فمهما يربطه على قلوبهم، ويجعله كالخلق الراسخ في نفوسهم أن يتفقهوا في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ثم يصرفوا قلوبهم عن المنافع التي يمكن لصاحب تلك السلطة أن يحول بينهم وبينها، ويدوسوها بتعاليمهم، ويضربوا بها وراء ظهورهم، وعلى فرض أن يتجاوز المستبد في حكومته إلى أن يسوم القابض يده عن العبث بالحق سوء العذاب، فيخلق بمن وقف موقف الزعامة والإرشاد، أن يكون مثال أكمل المزايا، وهي احتمال الأذى، وتجرع غصص البلاء المر في سبيلي العفاف والمروءة، تلك الخصلة التي يقوم عليها التصوف الحر، وبها يعلم الله الذين صدقوا، ويعلم الكاذبين.

стр. 5455

الخلافة الإسلامية (١) يرمي الإِسلام في هدايته على تعليم النفوس كيف تعمل على نظام، وتسير في استقامة، وليس بالخفي أن كثيراً من الناس لا تلين قناته للموعظة، ويرخي لأهوائه الشكيمة، وهو يشعر بأنها تخوض في باطل، وتجمح به إلى عاقبة وخيمة. فكان من مقاصد الإِسلام: إقامة دولة تحمي بما لها من الشوكة وعزّة الجانب ذمارَ الذين يأوون إلى ظله، وتقيم سننه على قاعدة صحيحة. وأول لبنة وضعها صاحب الرسالة - صلوات الله عليه - في أساس هذا الغرض الأسمى: ما أخذه على الأوس والخزرج من عهد البيعة على أن يكونوا أنصاره إلى الله، ثم واصل العمل بما قام به من جهاد يدافع به مهاجماً، أو يبادر به متحفزاً لقتاله، إلى أن انتهت وظيفة الوصي، وصعدت تلك الروح الكريمة إلى مقام ربها الأعلى. صدرت عنه ﷺ أحاديث في معنى الوصاية بنصب أمير يقوم مقامه في تدبير المصالح العامة؛ كحديث البخاري: "إن هذا الأمر في قريش ما أقاموا الدين "، وحديث مسلم: "إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما"، وكذلك عرف أصحابه أنهم لا يملكون عزتهم من بعده، ولا يتمكنون من التمادي

стр. 5456

على مناصرة الحق والدعوة إليه إلا بإزاء قوة اجتماعية يكون زمامها بيد رئيس عادل، فبادروا إلى سقيفة بني ساعدة، وائتمروا في قضية الرئاسة، فقال الأنصار للمهاجرين: منا أمير، ومنكم أمير، حتى سمعوا الحديث الذي يرشد إلى أن الإمامة في قريش، فانحلت عقدة العصيبة من قلوبهم، وعدلت بهم الحجة عن رأيهم، وما لبثوا أن مدوا أيديهم بعد يد عمر بن الخطاب إلى مبايعة الصدِّيق، فانعقدت رئاسته باتفاق أهل الحل والعقد، وسمّوه: خليفة رسول الله. ومن هنا نشأت تسمية تلك الرئاسة خلافة. فالخلافة نيابة عن صاحب الشريعة في رفع لواء الحق، والسير بالأمة على مناهج السياسة القيمة. تنعقد الخلافة بمبايعة أهل الحل والعقد؛ كخلافة الصديق، وعلي بن أبي طالب، أو بايصاء من الخليفة السالف كما انعقدت خلافة الفاروق بعهد من أبي بكر، وخلافة عمر بن عبد العزيز بعهد من سليمان بن عبد الملك. ولم يعهد بها عمر بن الخطاب إلى رجل يثق بكفايته ومقدرته كما فعل الصديق، ولا وكلها إلى آراء الأمة جملة كما فعل أكمل الخليقة - صلوات الله عليه -، بل وقع اجتهاده ذلك العين على أن يلقي أمرها إلى أولئك النفر الذين عرفوا بين الأمة بسداد الرأي والأمانة، فائتمروا فيما بينهم، ووضعوا مقاليدها يزيد عثمان بن عفان ﵁. وقد ينهض لها بعض من يعد في بادئ أمره متغلباً، ويملك من القوة ما يحمل صاحبها الشرعي على أن يتخلى عنها بنفسه؛ كما صنع الحسن بن علي إذ جنح إلى سلم معاوية بن أبي سفيان، أو تنقلب إليه بموت من تولاها بحق؛ كما صارت إلى عبد الملك بن مروان بموت عبد الله بن الزبير، وانتقلت

стр. 5457

إلى عبد الله السفاح بهلاك مروان بن محمد، وانقراض دولة بني أمية. وردت أحاديث صرحت بأن الأئمة من قريش، فوقف كثير من العلماء الأقدمين عند ظاهرها، وأخذوا في وصف الخليفة كونه قرشياً، ولكن المحققين الذين يتفقهون في النصوص، ولا يغفلون عن النظر إلى المصالح والمفاسد التي بنيت الشريعة على رعايتهما، انتبهوا إلى أن الإِسلام أول من قرر قاعدة المساواة بين البشر على وجه ثابت، وألغى في نظره التفاضل بالأنساب، فلم يجعل له في تقرير الأحكام العامة نصيباً، فبدا لهم أن التصريح بنسب القرشية في الحديث إنما يرمي إلى ما يحقق شرط الكفاية والقدرة على القيام بأعباء الخلافة، وهو قوة الحامية. وقد اختصت قريش لذلك العهد من بين سائر القبائل بقوة العصبية وشدة المراس، فإذا تلاشت عصبيتهم، وتمزقت جامعتهم، ووقع عنان الخلافة في يد أمير قوي سلطانه، وكانت يده أبسط وأقوى على حماية الحقوق والبلاد، وجب الوثوق بطاعته، والمسارعة إلى نجدته، وإن لم يكن قرشياً. وقد بسط هذا التحقيق العلامة ابن خلدون في مقدمة "تاريخه"، وذكر أن القائلين بنفي اشتراط القرشية في الخلافة القاضي أبا بكر الباقلاني، حيث أدرك ما آلت إليه عصبية قريش من التلاشي والاضمحلال. وممن صرح بصحة الخلافة من غير القرشي القاضي محمد بن علي الشوكاني، فقال في كتاب "وبل الغمام": إن عمومات القرآن تدل على وجوب الطاعة لغير القرشي، ومن الأدلة الخاصة بذلك حديث: "أطيعوا السلطان، وإن كان عبداً حبشياً رأسه كالزبيبة"، ومن زعم أن ثم فرقاً بين الإمام والسلطان، فعليه الدليل. وبمثل هذا أفتى القاضي أبو عبد الله المقري؛ إذ قال للسلطان أبي عنان -وهو من

стр. 5458

قبيل البربر-: أنت أهل للخلافة؛ إذ بعض الشروط قد توفرت فيك. ويعني ببعض الشروط: الركن الذي عليه مدارها، وهو جودة الرأي، وشدة البأس. ولا شبهة أن الوجه الذي تقررت به الخلافة في بني عثمان، لا تقل عن الوجه الذي ثبتت به خلافة بني العباس، إلا أن عبد الله السفاح أول العباسيين أرسل وراء آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمد جيشاً، فقتله، أما السلطان سليم، وهو أول خليفة عثماني، فإنه دخل مصر، وقد ضرب ملوكها على يد الخليفة العباسي، فسلبوه النفوذ جملة، ولم يُبقوا له من أثر الخلافة غير السكة والخطبة، فلم يلبث الخليفة محمد المتوكل أن تنازل للسلطان عن الخلافة، ثم جاء إليه ابن أبي البركات شريف مكة المكرمة، وقدم له بيده مفاتيح الحرمين الشريفين من تلقاء نفسه، وصارت الخطب تتلى باسم السلطان سليم بزيادة: خادم الحرمين الشريفين. ثم إنه أخذ في صحبته محمد المتوكل إلى الآستانة، وأطلق له بعد ذلك سبيل العود إلى مصر، وأقام بها إلى أن توفي، واستقرت الخلافة في بيت آل عثمان على وجهها المشروع. فقيام سلطان يحمل راية الخلافة حقيقةٌ شرعية، وأمر لا غنى للمسلمين عنه، ما داموا يطمحون إلى عزهم المكين، ويهمهم أن يقفوا في صفوف الأمم الأخرى موقف القرين. ويتعين عليهم أن يبذلوا في تأييد الخلافة جهد استطاعتهم؛ إذ متى تزلزل عرشها، وجمدت القلوب والأيدي عن مؤازرتها، تعدى ما يمسها من سخف وشقاء إلى سائر الشعوب، واستولى اليأس على النفوس، وحل التخاذل محل التعاطف، فيصبح العالم الإِسلامي كعقد تناثر على سطح محدب، فتفرقت جواهره بحيث لا تلتقي حبة بأخرى. كانت الشعوب الأندلسية تتماسك بعرا الاتحاد تحت راية الخلافة بقرطبة،

стр. 5459

فعميت على عدوهم السبيل لأن يملك ولو قيد شبر من بلادهم، ولما تقطعت الدولة الأموية إربًا إربًا، واقتسم ملوك الطوائف تراثها، فاستقل كلٌّ بناحية لا يلوي على غيره بعاطفة، ولا يمد يده إلى تحالف، إذا ريح الشقاق تخفق بعروشهم، وتقذف بها في مخالب أعدائهم، سنَّة الله في الذين أضاعوا صلة التعاضد والاتحاد، ولن تجد لسنَّة الله تبديلاً.

стр. 5460

الإسلام والفلسفة (١) سار الإِنسان في حياته على ما أودع الله في فطرته من القوة الناطقة، وذهب يفكر في حقائق الموجودات، ويكشف عن وجه تباينها في الطبائع، واختلافها في الآثار. ولم يزل يرفع الحجاب عن مخبآتها، ويقف على أسرارها، إلى أن أخذ يرسم لها حدوداً، ويقرر لها قوانين وسنناً، وهذا هو العهد الذي يعده المؤرخ مبدأ لنشأة الفلسفة، وأول حلقة في سلسلة أدوراها. فالفلسفة: العلم بحقائق الموجودات وأحوالها على ما هي عليها بقدر ما تسع الطاقة البشرية، ومدارها على النظر فيما وراء الطبيعة، ثم الرياضيات والطبيعيات والكيمياء، وعلم التكوين وعلم النفس، وعلم النظام والاجتماع. خفقت ريح الفلسفة في بعض البلاد الشرقية؛ كمصر، والهند، وجالت في أندية اليونان أمدًا بعيداً، وما برحت تنتثر من أفواه الأساتيذ، وتلتقط من صحائف المؤلفين، إلى أن طلع كوكب الهدي الإسلامي، وتدفقت أشعته على البصائر النقية، وما لبثت الفلسفة أن التقت بذلك التعليم السماوي، والتحقت بالعلوم الخادمة له في تأييد قواعد السياسة ونظام الاجتماع. لا يذهب إلى أن الإسلام يتجافى عن الفلسفة سوى رجل التقم ثديَ

стр. 5461

الفلسفة، وشب في أطواقها، ولم ينظر في حقائق هذا الدين على بصيرة وروية، أو مسلم لم يخض في غمار المباحث الفلسفية، وحسب أن جملتها قضايا باطلة أو لاغية، ولاسيما حيث لا يترامى إليه من أبوابها سوى نبذة من الآراء المنكرة على البديهة، أو يصغي إلى استدلالات بعض المتفلسفة الذين ينزعون إلى المقدمات الوهمية، ويتشبثون بخيوط واهية من ضروب التمثيل. ومما أثار الشبهة في عدم مطابقة الدين للفلسفة: ما ألصقه بعض المبتدعة أو الزنادقة من مزاعم باطلة، وأحاديث مختلقة، وتأويلات سخيفة. وهذه السيئات، وإن كشف الراسخون في العلم ستارها، وطهَّروا أكناف الشريعة من أوضارها، لا تزال آثارها كشامات سوداء في سيرة بعض من وصفوا أنفسهم، أو تصفهم الرعاع بالزعامة في الدين، ودأب من يتحرّون في أنظارهم ومحاكماتهم القوانين النطقية، والسنن المتبعة فيما يعقد بين ذوي الإِنصاف من المناظرات، أن يرتكبوا خطيئة وزن الشرائع بحال من انتمى إليها، ويرموها بنقيصة من يدخل في حساب أهلها. في الفلسفة قضايا تثق بها العقول الراجحة، وتنهض بجانبها الأدلة القاطعة، وهذه لا تصادم نصوص الدين من كتاب أو سنَّة، والذي لا يلتقي مع هذه النصوص إنما هو بعض آراء لم تقم على مشاهدة بينة، أو نظر راسخ. وقد ضاعت في شعاب هذا النوع قلوب من استخفهم الحرص على أن يلقبوا بالفلاسفة، وتخيلوا أن هذا اللقب لا يحرزه إلا من آمن بكل ما بين دفتي فلسفة "أرسطو"، أو "ديكارت"، فتطوح بهم التقليد الجامد إلى القدح في نصوص الشريعة، أو التعسف في تأويلها، إلى أن اقتحموا لذلك وجوهاً تخرج

стр. 5462

بها عن قانون الفصاحة وحسن البيان. خرجت الفلسفة على علماء الإسلام، وقد اعتادت أنظارهم التقلب في مسالك الاجتهاد، وتمحيص ما يقع إليها من الآراء، فبسطوا إليها أيديهم، وفتحوا لها صدورهم، ولكنهم لم يرفعوها إلى المقام الذي يمنعهم من مناقشتها، وتقويمِ المعوج من مقالاتها؛ كما صنع "الغزالي"، و"الرازي"، وكثير من علماء الكلام. ماذا يكون مبلغ أولئك الأعلام من الحكمة، لو لم يزنوا قضايا الفلسفة بميزان العقل، ويميزوا بين ما ينبني على علم أصيل، وما يأخذ زخرف الحق من الشبه الكاذبة، فتعلقوا فيمن تعلق بمذهب "دارون" في أصل الأنواع، أو "سبينوزا" في وحدة الوجود، وقدموا إلى بعض النصوص التي يرونها مخالفة لهاتين النظريتين، فتأولوها على غير ما يفهم من مساقها، حتى إذا انكشف السراب الذي خادع "دارون"، و"سبينوزا" وانقلبت دعاويهما إلى أساطير ملفقة، عادوا إلى ما أبرموه في تأويل تلك النصوص، فنقضوه بأيديهم، وكذلك يفعل من يستهويه كل ناعق في واد، ويفتنه قول يخرج في صبغة جديدة. كم يوماً قال أدعياء الفلسفة -وهم يتلقفون بعض آرائها على غير بينة-: "قد ثبت كذا فناً". حتى إذا كنت الألمعي الذي لا يضع بجانب معلوماته قضية غير مقرونة بحجة، وناقشتهم الحساب في طريق ثبوتها، لم يكن منهم سوى أن يقولوا: هذا رأي الفيلسوف فلان، وقد أصبح من النظريات المعقود عليها بالخناصر. ثم لا تلبث بعيداً حتى يحدثوك بأن فيلسوفاً آخر قد كشف الغطاء عن وجه فسادها، ورشقها بنظرة المتهكم بها، فوقعت إلى حضيض الآراء

стр. 5463

المنادى عليها بالسفه والضلال. لست ممن يستخف بشأن الفلسفة، أو أرى التردد على أبوابها، والتوغل في مناكبها إنفاقاً للوقت في غير جدوى، ولكني أنصح للعالم المسلم أن يجعل الكتاب العزيز والسنَّة الثابتة بالمكانة العليا، ولا يعدل في تفسيرهما عما ينساق إليه الذهن ويقتضيه الظاهر من اللفظ، إلا أن يمانعه المحسوس، أو تجاذبه نظرية ثبتت بأدلة لا تخالجها ريبة. ومن العجب أن يقوم بعض الكاتبين في الفلسفة إلى الإسلام الذي ألقى تعاليمه على صعيد الحرية، وأوعز إلى العقول أن لا تقبل رأياً بغير برهان، فيصفه بمناوأة العلم، ويقذفه بأنه قتل العلوم، وقتل نفسه بقتلها. وإن وصمة كهذه لا تجد مساغاً لأن تلتصق بدين يأتي في نسق آياته: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، إلى ما يشاكل هذا من الآيات والأحاديث الطافحة بالحث على النظر، البالغةِ في التنويه بفضيلة العلم، والتشويه برذيلة الجهل، ما لا يجحده إلا من كان بينه وبين الإِنصاف مهاق مغبرة، أو أسرَّ في نفسه القضاء على الإِسلام. وإن الإِسلام دين لا ينتقص نورَه إلا النفوس المصابة بعلل لا ينجع فيها علاج. فأصول الدين قائمة على الأساس الذي بنيت عليه الفلسفة؛ أعني: الفكر والتدبر، ومن فروع الشريعة ما هو عائد على العبادات، ويعدونه فيما يتلقى من صاحبها على وجه المتابعة، ومعنى هذا: أن العقل الصحيح لو خلى ونفسه، لا يهتدي إلى حكمة تشريعه، كما أنه لا يستطيع إنكاره ورده بالمعروف،

стр. 5464

وهذا النوع -على قلته في شريعة الإِسلام- لا يقضي بالتقاطع بينه وبين الفلسفة، وإنما يرينا أن من القضايا الدينية ما لا تستقل الفلسفة بتفصيل أحكامه، كما أن للفلسفة مجالاً لا يعرج عليه الدين، ولكنهما إذا تواردا على أمر، ونظرا إلى غاية، سارت الفلسفة في أثر الشريعة، فإن حادت عن سبيلها، عرفنا أنها فلسفة زائفة، وآراء سخيفة، ونقد الأفكار الثاقبة من ورائها محيط.

стр. 5465

التراويح (١) ندب الشارع الناس إلى التطوع بالصلاة كما استطاعوا لذلك سبيلاً، وسنّ صلواتٍ في أوقات معينة؛ كالصلوات المسنونة عقب الصلوات المفروضة، وصلاة العيد، والكسوف والخسوف والاستسقاء. ومن هذا القبيل صلاةُ التراويح، وهي صلاة التطوع في ليالي رمضان. وسميت: "التراويح"؛ لأنهم كانوا يستريحون فيها بعد كل تسليمتين، ومما يشهد بفضلها: قوله ﷺ فيما رواه مسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه". والمعروف أن عمر بن الخطاب ﵁ أولُ من جمع لها الناس في المساجد. ورد في الصحيح عن عبد الرحمن بن عبد، قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ "متفرقون" يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثلَ، ثم عزم، فجمعهم على أُبيّ بن كعب). وقد يخطر على البال: أن عمر بن الخطاب ابتدع هذه الصلاة في المساجد جماعة، إذ لم يكن الناس يصلونها كذلك في عهد النبي ﷺ ،
следующие страницы →