الفلسفة، وشب في أطواقها، ولم ينظر في حقائق هذا الدين على بصيرة وروية، أو مسلم لم يخض في غمار المباحث الفلسفية، وحسب أن جملتها قضايا باطلة أو لاغية، ولاسيما حيث لا يترامى إليه من أبوابها سوى نبذة من الآراء المنكرة على البديهة، أو يصغي إلى استدلالات بعض المتفلسفة الذين ينزعون إلى المقدمات الوهمية، ويتشبثون بخيوط واهية من ضروب التمثيل.
ومما أثار الشبهة في عدم مطابقة الدين للفلسفة: ما ألصقه بعض المبتدعة أو الزنادقة من مزاعم باطلة، وأحاديث مختلقة، وتأويلات سخيفة. وهذه السيئات، وإن كشف الراسخون في العلم ستارها، وطهَّروا أكناف الشريعة من أوضارها، لا تزال آثارها كشامات سوداء في سيرة بعض من وصفوا أنفسهم، أو تصفهم الرعاع بالزعامة في الدين، ودأب من يتحرّون في أنظارهم ومحاكماتهم القوانين النطقية، والسنن المتبعة فيما يعقد بين ذوي الإِنصاف من المناظرات، أن يرتكبوا خطيئة وزن الشرائع بحال من انتمى إليها، ويرموها بنقيصة من يدخل في حساب أهلها.
في الفلسفة قضايا تثق بها العقول الراجحة، وتنهض بجانبها الأدلة القاطعة، وهذه لا تصادم نصوص الدين من كتاب أو سنَّة، والذي لا يلتقي مع هذه النصوص إنما هو بعض آراء لم تقم على مشاهدة بينة، أو نظر راسخ. وقد ضاعت في شعاب هذا النوع قلوب من استخفهم الحرص على أن يلقبوا بالفلاسفة، وتخيلوا أن هذا اللقب لا يحرزه إلا من آمن بكل ما بين دفتي فلسفة "أرسطو"، أو "ديكارت"، فتطوح بهم التقليد الجامد إلى القدح في نصوص الشريعة، أو التعسف في تأويلها، إلى أن اقتحموا لذلك وجوهاً تخرج
стр. 5462
بها عن قانون الفصاحة وحسن البيان.
خرجت الفلسفة على علماء الإسلام، وقد اعتادت أنظارهم التقلب في مسالك الاجتهاد، وتمحيص ما يقع إليها من الآراء، فبسطوا إليها أيديهم، وفتحوا لها صدورهم، ولكنهم لم يرفعوها إلى المقام الذي يمنعهم من مناقشتها، وتقويمِ المعوج من مقالاتها؛ كما صنع "الغزالي"، و"الرازي"، وكثير من علماء الكلام.
ماذا يكون مبلغ أولئك الأعلام من الحكمة، لو لم يزنوا قضايا الفلسفة بميزان العقل، ويميزوا بين ما ينبني على علم أصيل، وما يأخذ زخرف الحق من الشبه الكاذبة، فتعلقوا فيمن تعلق بمذهب "دارون" في أصل الأنواع، أو "سبينوزا" في وحدة الوجود، وقدموا إلى بعض النصوص التي يرونها مخالفة لهاتين النظريتين، فتأولوها على غير ما يفهم من مساقها، حتى إذا انكشف السراب الذي خادع "دارون"، و"سبينوزا" وانقلبت دعاويهما إلى أساطير ملفقة، عادوا إلى ما أبرموه في تأويل تلك النصوص، فنقضوه بأيديهم، وكذلك يفعل من يستهويه كل ناعق في واد، ويفتنه قول يخرج في صبغة جديدة.
كم يوماً قال أدعياء الفلسفة -وهم يتلقفون بعض آرائها على غير بينة-: "قد ثبت كذا فناً". حتى إذا كنت الألمعي الذي لا يضع بجانب معلوماته قضية غير مقرونة بحجة، وناقشتهم الحساب في طريق ثبوتها، لم يكن منهم سوى أن يقولوا: هذا رأي الفيلسوف فلان، وقد أصبح من النظريات المعقود عليها بالخناصر. ثم لا تلبث بعيداً حتى يحدثوك بأن فيلسوفاً آخر قد كشف الغطاء عن وجه فسادها، ورشقها بنظرة المتهكم بها، فوقعت إلى حضيض الآراء
стр. 5463
المنادى عليها بالسفه والضلال.
لست ممن يستخف بشأن الفلسفة، أو أرى التردد على أبوابها، والتوغل في مناكبها إنفاقاً للوقت في غير جدوى، ولكني أنصح للعالم المسلم أن يجعل الكتاب العزيز والسنَّة الثابتة بالمكانة العليا، ولا يعدل في تفسيرهما عما ينساق إليه الذهن ويقتضيه الظاهر من اللفظ، إلا أن يمانعه المحسوس، أو تجاذبه نظرية ثبتت بأدلة لا تخالجها ريبة.
ومن العجب أن يقوم بعض الكاتبين في الفلسفة إلى الإسلام الذي ألقى تعاليمه على صعيد الحرية، وأوعز إلى العقول أن لا تقبل رأياً بغير برهان، فيصفه بمناوأة العلم، ويقذفه بأنه قتل العلوم، وقتل نفسه بقتلها. وإن وصمة كهذه لا تجد مساغاً لأن تلتصق بدين يأتي في نسق آياته: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]، ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، إلى ما يشاكل هذا من الآيات والأحاديث الطافحة بالحث على النظر، البالغةِ في التنويه بفضيلة العلم، والتشويه برذيلة الجهل، ما لا يجحده إلا من كان بينه وبين الإِنصاف مهاق مغبرة، أو أسرَّ في نفسه القضاء على الإِسلام. وإن الإِسلام دين لا ينتقص نورَه إلا النفوس المصابة بعلل لا ينجع فيها علاج.
فأصول الدين قائمة على الأساس الذي بنيت عليه الفلسفة؛ أعني: الفكر والتدبر، ومن فروع الشريعة ما هو عائد على العبادات، ويعدونه فيما يتلقى من صاحبها على وجه المتابعة، ومعنى هذا: أن العقل الصحيح لو خلى ونفسه، لا يهتدي إلى حكمة تشريعه، كما أنه لا يستطيع إنكاره ورده بالمعروف،
стр. 5464
وهذا النوع -على قلته في شريعة الإِسلام- لا يقضي بالتقاطع بينه وبين الفلسفة، وإنما يرينا أن من القضايا الدينية ما لا تستقل الفلسفة بتفصيل أحكامه، كما أن للفلسفة مجالاً لا يعرج عليه الدين، ولكنهما إذا تواردا على أمر، ونظرا إلى غاية، سارت الفلسفة في أثر الشريعة، فإن حادت عن سبيلها، عرفنا أنها فلسفة زائفة، وآراء سخيفة، ونقد الأفكار الثاقبة من ورائها محيط.
стр. 5465
التراويح (١)
ندب الشارع الناس إلى التطوع بالصلاة كما استطاعوا لذلك سبيلاً، وسنّ صلواتٍ في أوقات معينة؛ كالصلوات المسنونة عقب الصلوات المفروضة، وصلاة العيد، والكسوف والخسوف والاستسقاء. ومن هذا القبيل صلاةُ التراويح، وهي صلاة التطوع في ليالي رمضان. وسميت: "التراويح"؛ لأنهم كانوا يستريحون فيها بعد كل تسليمتين، ومما يشهد بفضلها: قوله ﷺ فيما رواه مسلم: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غُفر له ما تقدم من ذنبه".
والمعروف أن عمر بن الخطاب ﵁ أولُ من جمع لها الناس في المساجد. ورد في الصحيح عن عبد الرحمن بن عبد، قال: (خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاعٌ "متفرقون" يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل، فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد، لكان أمثلَ، ثم عزم، فجمعهم على أُبيّ بن كعب).
وقد يخطر على البال: أن عمر بن الخطاب ابتدع هذه الصلاة في المساجد جماعة، إذ لم يكن الناس يصلونها كذلك في عهد النبي ﷺ ،
стр. 5466
ولا في عهد أبي بكر، ولا في صدر من خلافة عمر نفسه.
والحقيقة: أن ما فعله عمر من إقامة هذه الصلاة بالمساجد جماعة لا يدخل تحت اسم البدعة المذمومة شرعاً؛ فإن البدعة المذمومة هي العمل المخترع في الدين دون أن يشهد له أصل من الشريعة. وصلاة التراويح بالمساجد في جماعة يشهد للازن فيها السنّةُ الصحيحة، وهي: أن النبي ﷺ -كما ورد في "الصحيحين"، وكتاب "الموطأ" -: صلى في المسجد ذات ليلة من رمضان، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى ليلة القابلة، فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: "قد رأيتُ الذي صنعتم، ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفرض عليكم"، وذلك في رمضان، وفي رواية مسلم: "خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل، فتعجزوا عنها". وفي "شرح معاني الآثار" للطحاوي: "خشيت أن يكتب عليكم قيام الليل، ولو كتب عليكم، ما قمتم به".
يتضمن هذا الحديث: أن النبي ﷺ صلى صلاة القيام في رمضان في جماعة، ثم تركها، وبين وجه تركه لها، وهو الخوف من أن تفرض عليهم، فيعجزوا عنها، وهذه العلة التي استدعت تركه لها، وهي خوفُ افتراضها، قد زالت بوفاته ﵊؛ إذ لا وحي بعده حتى يخشى أن تفرض على الناس إذا التزموها، وواظبوا عليها، وإذا زالت علة ترك النبي ﷺ لفعل هذه النافلة في جماعة، رجعت إلى ما كانت عليه في عهد النبوة من السنية.
وهذا ما فهمه عمر بن الخطاب من الحديث عندما جمع الناسَ فيها على قارئ واحد، وهذا ما فهمه الصحابة ﷺ ؛ إذ كانوا معه على وفاق فيما
стр. 5467
صنع، ولما قال عمر عندما رأى الناس في صلاة التراويح: "نعم البدعة هذه" لم يرد البدعة المقابلة للسنّة، وهي إحداث أمر في الدين ليس من الدين في شيء، وإنما سماها بدعة؛ نظراً إلى أنه استؤنف العمل بها بعد أن تركها النّبي ﷺ ، وانقطع الناس عنها مدة، فكان لها شبه بما استحدث بعد النبي ﷺ من الأعمال التي لم توجد في عهد النبوة.
ولم يصنع أبو بكر ما صنع عمر من إحياء هذه السنة؛ لكثرة ما كان يشغله من مهام الأمور؛ كقتال أهل الردة، مع قصر مدة خلافته، إذ كانت سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام.
وتضمن الحديث: "إلا أني خشيت أن تفرض عليكم": أن علة عدم خروجه ﵊ لصلاة التطوع في الليلة الثالثة أو الرابعة هي خوفه من أن تفرض عليهم، وإنما جاء الخوف من جهة توقعه ﵊ أن يكون إظهارهم المقدرة على إقامة هذه الصلاة في المسجد جماعة سبباً لفرضها عليهم، ثم يجدون بعد فرضها عليهم مشقة فادحة، فيعجزون عنها، فلم يشأ أن يقع منهم ما يحتمل أن يكون سبباً لفرض صلاة أخرى عليهم في رمضان، فنبههم لترك إقامتها جماعة في المسجد؛ حذراً من أن يكون سبباً لفرضها.
وشرعُ الأحكام يكون من الله ابتداء؛ حفظاً للمصالح التي تترتب على الفعل نفسه، وقد يبنى أمر التكليف على رعاية عمل يأخذ به المكلفون أنفسهم، ويظهرون أنهم قادرون على القيام به من غير تكلف، فيفرض الله عليهم ذلك العمل على وجه الابتلاء، حتى إذا عظمت عليهم مشقته، وأدركوا أن الله لم يوجبه عليهم ابتداء رحمةً بهم، خفف عنهم، وعاد بهم إلى أصل
стр. 5468
طبيعة الدين من اليسر والسماحة، حتى يسيروا في الاقتداء به على قدر ما يأمرهم به، وينهاهم عنه.
فمن الممكن أن يجيء تكليف شاق تقتضيه حكمة الابتلاء، وإنما يكون هذا حيث يكون باب الوحي مفتوحاً، وتبديله بما هو أيسر قريباً، ولا نجد فيما تقرر من أحكام الشريعة تكليفاً تشتد مشقته إلى حد أن يعجز الناس عن القيام به.
واختلفت الروايات في عدد ركعات التراويح التي كانت تُصلى بالمسجد في عهد عمر، فروى مالك في "الموطأ": أن عمر أمر أُبَيَّ بن كعب، وتميماً الداريّ (١) أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، ويصح أن يكون هذا العدد مأخوذاً من صلاة النبي ﷺ ، ففي حديث الصحيح عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن صلاته في رمضان، فقالت: "ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة"، وهناك رواية أخرى في "الموطأ": أن الناس كانوا يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة. وأمر هذا الاختلاف هين، والجمع بين الروايتين سهل: هو أن عدد الركعات كان يختلف باختلاف الأحوال، ومن المحتمل القريب أنه يرجع إلى تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث طولوا القراءة، خففوا الركعات، وحيث قللوا القراءة، أكثروا من الركعات.
стр. 5469
رسائل إخوان الصَّفا (١)
سأل سائل فقال: لعلكم اطلعتم على رسائل إخوان الصفاء، وعرفتم وجهتها، فما رأيكم فيها؟
فأجبت: بأني اطلعت على هذه الرسائل، وقرأت شيئاً مما كتب حولها، فتجمع عندي ما يأتي:
في المئة الرابعة من الهجرة ظهر كتاب يسمّى: "رسائل إخوان الصفاء"، ولم يكتب مؤلفه اسمه عليه، فاختلف الناس في مؤلفه، فالإسماعيلية من الشيعة ينسبونه إلى أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل، من عقب الإمام جعفر. وأبو حيان التوحيدي، ينسبها في كتابه "الإمتاع والمؤانسة" إلى زيد بن رفاعة وصحبه؛ حيث مسألة وزير (٢) صمصامِ الدولة بن عضد الدولة البويهي في حدود سنة ٣٧٣ هـ عن زيد بن رفاعة، فقال: قلت: إن زيداً أقام بالبصرة زمناً طويلاً، وصادف جماعة، منهم: أبو سليمان محمد بن نصر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد المهرجاني، وغيرهم، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله،
стр. 5470
وزعموا أنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية، فقد حصل الكمال. ووضعوا اثنتين وخمسين رسالة، وسموها: "رسائل إخوان الصفاء"، وبثوها في الوراقين.
ولا عجب أن يقوم جماعة في البصرة بمزج الشريعة بالفلسف؛ فقد كانت البصرة لذلك العهد مظهر الآراء البعيدة، أو الخارجة عن الشريعة؛ كالاعتزال، والباطنية، كما أنها مظهر الآراء السليمة، فكان هناك المعترك بين الحقائق والمكايد.
وصف أبو حيان التوحيدي في حديثه هذا زيدَ بن رفاعة بالذكاء. والذكاء منه ما يتجه إلى الخير، فيأتي بثمر طيب، ومنه ما يتجه إلى الكيد والمكر، فيكون عدمه خيراً من الاتصاف به.
وقال أبو حيان التوحيدي: "إن هؤلاء الجماعة اجتمعوا على القدس والطهارة". ولما قرأنا الرسائل، وجدناهم اجتمعوا على أن يسلكوا بالمسلمين طريقة لا يستقيمون بها، ولا يسعدون. والفلسفة مطروحة بين أيدي المسلمين قبل أن يوجد هؤلاء الجماعة، فيستحسنون ما كان منها صواباً؛ كالهندسة، والحساب، والمنطق، والطب، وأحكام النجوم المعروفة بالتجارب، ويرفضون ما كان خطأً، كبعض النظريات الإِلهية، والاجتماعية، وفيما وراء الطبيعة.
وحكى أبو حيان في حديثه: أن مؤلفي "رسائل إخوان الصفاء" قالوا: "إن الشريعة قد في نست بالجهالة، واختلطت بالضلالات، ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة".
والواقع أن الشريعة كما أنزلت، ليلها كنهارها، وإذا اختلف الأئمة المجتهدون في بعض الأحكام، فلأدلة من الكتاب، أو السنّة، أو الأصول
стр. 5471
المستمدة منهما، فما يكون أرجح من جهة الدليل، فذلك حكم الشارع. وإذا أراد: الأقوال التي تصدر من غير المجتهد، فتلك الأقوال لا تعد في الشريعة، حتى يقال: دنست بالجهالة، واختلطت بالضلالات.
ولو كانت الأقوال الخارجة عن الشريعة إذا ذكرت في كتبها تعد جهالة مدنسة للشريعة، وضلالات مختلطة بها، لوجب علينا أن نطهر جانب الشريعة من كتاب "إخوان الصفاء"؛ لأنه جهالة وضلالات، من حيث يريد مزجها بالفلسفة وإخراجهما مذهباً واحداً.
وينسب آخرون هذه الرسائل إلى مسلمة بن أحمد بن قاسم المجريطي.
قال صاحب "تاج العروس شرح القاموس" في مادة مرجطة: والصواب المشهور عنها: "مجريطة" -بتقديم الجيم على الراء وكسر الميم-، ومن هذا البلد الفيلسوف الماهر المجريطي مؤلف "إخوان الصفاء" وغيرها، واسمه أبو القاسم مسلمة بن أحمد بن القاسم بن عبد الله، وتوفي سنة ٣٣٥ هـ.
وفي "كشف الظنون": "رسائل إخوان الصفاء أملاها أبو سليمان محمد ابن نصر البستي المعروف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني، وأبو أحمد الشهرجوري، والعوفي، وزيد بن رفاعة، كلهم حكماء، اجتمعوا وصنفوا إحدى وخمسين رسالة ... ثم قال: رسائل الصفاء للحكيم المجريطي القرطبي المتوفى سنة ٣٩٥ هـ، وهذه نسخة مغايرة على نمط رسائل إخوان الصفاء".
ومن لا يريد تخطئة صاحب "كشف الظنون" يقول: الحكيم المجريطي لما بلغته "رسائل إخوان الصفاء"، ومؤرخو الأندلس عرّفوا بمسلمة المجريطي، ولم يذكروا أن من مؤلفاته ما يسمى: "رسائل إخوان الصفاء"، وما ذكروا
стр. 5472
أنه رحل إلى المشرق، ورحلة العالم إلى المشرق لا تخفى على المؤرخين. وعرف القفطي من تاريخ الحكماء بأبي الحكم عمر الكرماني من أهل قرطبة، وقال: إنه رحل إلى المشرق، وهو أول من جلب "رسائل إخوان الصفاء" إلى الأندلس، ولم يعلم أن أحداً أدخل الرسائل قبله. وعمر الكرماني توفي سنة ٤٥٨ هـ.
وقال مؤلفون: اثنتين وخمسين رسالة. ويعد أن عدوها، وذكروا موضوع كل رسالة، قالوا: "والرسالة الجامعة لما في هذه الرسائل المتقدمة كلها، المشتملة على حقائقها ... "، وطبعت هذه الرسائل، ولم تطبع الرسالة الجامعة معها. والدليل على أن مؤلفها هو من ألف هذه الرسائل: قولهم عندما تكلموا على إدريس ﵇: "وقد ذكرناه في رسالتنا الجامعة، وأشرنا إليه في رسائلنا". وطبعت الرسالة الجامعة في المجمع العلمي العربي بدمشق منسوبة إلى الحكيم المجريطي. ولم تثبت نسبتها إلى المجريطي تاريخيًا، وإنما كتب على بعض النسخ المخطوطة اسم الحكيم المجريطي. ثم إن الرسالة الجامعة مؤلفة على نمط "رسائل إخوان الصفاء"، ومكتوبة بلسانهم، فأسلوبها يدل على أن من ألف رسائل إخوان الصفاء هو نفسُه الذي ألف الرسالة الجامعة.
ولا يهمنا كثيراً في هذا المقال تحقيق نسبة هذه الرسائل إلى مؤلفيها، وإنما يهمنا الغرض الذي صنعت من أجله، وما اشتملت عليه، أحق هو أم باطل؟.
قال أبو سليمان المنطقي -فيما حكاه أبو حيان التوحيدي في حديثه مع الوزير ابن سعدان- عن رسائل الصفاء: " قد تعبوا وما أغنوا، ونصبوا وما أجدوا،
стр. 5473
وحاموا وما وردوا، وغَنَّوا وما أطربوا، ونسجوا فهلهلوا ... وظنوا أنه يمكنهم أن يدسوا الفلسفة في الشريعة، وقد تورك على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحدَّ أنيابًا، وأحضر أسباباً، وأعلى أقدارًا، وأرفع أخطاراً، وأوسع قوى، وأوثق عرا، فلم يتم لهم ما أرادوا، ولا بلغوا منه ما أملوا، وحصلوا على لوثات قبيحة، ولطخات واضحة موحشة، وعواقب مخزية".
وقال أبو حيان التوحيدي في وصف هذه الرسائل: "وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ولا كفاية، وفيها خرافات وكنايات، وتلفيقات وتلزيقات".
وقال الإِمام الغزالي في كتاب "المنقذ من الضلال": "ولو تطرقنا إلى أن نهجر كل حق سبقنا له خاطر مبطل، للزمنا أن نهجر كثيراً من الحق، ولزمنا أن نهجر آيات من آيات القرآن، وحكايات السلف، وكلام الحكماء الصوفية، لأن صاحب كتاب "إخوان الصفا" يوردها في كتابه، ويستشهد بها، ويستدرج بها قلوب الحمقى إلى باطله".
وقال: "من نظر في كتبهم -يعني: أهل الباطل-؛ كإخوان الصفاء وغيرهم، فرأى ما مزجوه في كلامهم من الحكم النبوية، والكلمات الصوفية، ربما استحسنها، وقبلها، وحسن اعتقاده فيها، فسارع إلى قبول باطلها؛ لحسن ظن حصل فيما رآه واستحسنه، وذلك نوع استدراج".
ومما يدل على أن هذه الرسائل كانت معروفة لذلك العهد بإفساد العقيدة: ما حكاه ابن تيمية في "شرح العقيدة الأصفهانية" من أن الإمام المازري أنكر على الإِمام الغزالي لما بلغه أنه عاكف على قراءة "رسائل إخوان الصفاء".
وتبين أن الإِمام الغزالي كان عاكفاً على قراءة الرسائل؛ ليعلم ما فيها
стр. 5474
من باطل؛ حتى يحذر المسلمين من الانخداع بها.
وعدّهم الشيخ ابن تيمية من الفرق الضالة، فقال في "العقيدة الأصفهانية": ولهؤلاء القرامطة صنعت "رسائل إخوان الصفاء"، وهم الذي يقال لهم: الإِسماعيلية.
وقال في "بغية المرتاد": وكذلك سلك الإِسماعيلية الباطنية في رسائلهم الملقبة برسائل إخوان الصفاء.
ويدلك على أن مؤلفيها من الشيعة الباطنية: كثرة تملقهم لقارئ رسائلهم بمدحه، والدعاء له، وتظاهرهم بشدة الخضوع لله، والتقوى، ويدمجون في أثناء ذلك الاستشهاد بالآيات على ما يشاؤون، ويحرفونها تارة عن مواضعها؛ كتأويلهم في الجزء الأول من "الرسالة الجامعة" لقوله تعالى: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١]، يعني: عذاب الشك في الدين. فأظهروا بهذا التأويل أنهم على اعتقاد في الدين متين، ولم ينظروا إلى ما يقتضيه لفظ القرآن من أن المراد من عذاب النار: عذاب الحريق. ولهذه التأويلات لهم لم تَرُج بضاعتهم عند من يؤمن بأن القرآن من عند الله العزيز الحكيم.
стр. 5475
الجمعيات الإصلاحية (١)
لم يكن المسلمون فيما سلف يشعرون بالحاجة إلى تأليف جمعيات إصلاحية؛ إذ لم تكن طرق الفساد والغواية مفتحة على الوجه الذي نشاهده في هذا العصر، ولم يكن الناس يتركون الخير جماعات بزعم أنه ليس بخير، وإنما هي الشهوات الغالبة، أو الجهالات القائمة تأخذ بنفوس أفراد، حتى إذا قام دل إلى الإِصلاح، ولو لم يكن له أعوان، أمكنه أن يكبح جماحها، ويدفع شرورها.
أما اليوم، فقد انفجرت ينابيع الفتن بحال لم يكن له نظير في العهود الخالية، فإذا تقدمت العلوم مراحل بعيدة المدى، فإن الفضيلة والهداية لقيتا فيه كساداً، بل نكراً وعداء.
تلك طائفة تدعو في بلاد الإِسلام إلى دين أو أديان غير الإِسلام، دون أن تجد قوة تصرفها، أو تقف بها عند حد، وإذا لم تنجح دعاية هؤلاء في تحويل أبنائنا إلى دينهم، فقد استحوذوا على عقول كثير منهم، وانحدروا بهم في ريب، بل ألقوهم في حفرة من الإلحاد، حتى أصبحت هذه الشرذمة تحارب هدى الله بمثل السلاح الذي يحاريه به أولئك المخالفون.
стр. 5476
قامت طائفة الملاحدة بجانب أولئك الذين يسمونهم: المبشِّرين، وانقسمت هذه الطائفة إلى فرقتين: فرقة كشفت اللثام، وأخذت تحارب الإِصلاح الإِسلامي علانية، وفرقة اختارت أن تحاربه تحت اسم الإِسلام، وقد بلغت هذه الفرقة المتوارية من إفساد قلوب شبابنا الغافلين ما لم تبلغه الفرقة المرتدة عن الدين جهرة.
وقد أدرك هذا بعضُ من كان يعلن إلحاده، فرجع إلى ستره بكلمات يقولها بفمه، أو يكتبها بقلمه؛ ليصيد ضعفاء الإِيمان، ومن يستهويهم زخرفُ القول غروراً.
وهؤلاء هم الذين اخترعوا لمخادعة أبناء المسلمين الكلمة المشؤومة، وهي: أن العلوم نتلقاها بعقولنا، وأمور الدين نتلقاها بقلوبنا ووجداناتنا، وزعموا: أن مناقضة العقل للدين لا تضر بالعقيدة، وقالوا وهم يزعمون أنهم مسلمون: إن القرآن قد يجيء بما يخالف العلم اليقين، ولكنهم لم يستطيعوا أن يقيموا شاهداً على ما زعموا، وجرت في مع بعض هؤلاء محاورات في هذا الزعم يضيق المقام عن حكايتها بتفصيل.
وهؤلاء هم الذين دعوا المرأة إلى خلع لباس الحشمة، ونزعِ ما كانت تتحلى به من حياء وصيانة، وحثوا الفتيات على الاختلاط بالفتيان، ولو في حال خلوة، وزعموا أن الدين لا يمنع من هذا الاختلاط، وكيف لا يمنعه الشارع الحكيم وقد دلت المشاهدات والتجارب على أنه لا يأتي إلا بأشنع المنكرات، وأسوأ العواقب؟!
وهؤلاء هم الذين اخترعوا للدين أسماء منفرة، فسموا الدعوة إليه: "رجعية"، والغيرة على حقائقه وآدابه والدفاع عنه: "تعصباً".
стр. 5477
وهؤلاء هم الذين اخترعوا ضلالة فصل الدين عن السياسة، وحاولوا أن يوهموا ببعض مؤلفاتهم ومقالاتهم: أن دين الإسلام عقائد وعبادات، ولا صلة له بأحكام المعاملات والسياسات والقضاء، وقد قهرتهم الحجة، وسقطوا من أعين الذين يزنون أقوال الرجال بقسطاس المنطق السليم.
وهؤلاء هم الذين يعادون اللغة العربية الفصحى، ويسعون لقلب أوضاعها، وإحلال اللغة العامية في التعليم والكتابة والخطابة محلها، ولا ذنب لها -فيما يضمرون- إلا أنها لسان هدى الله، تعرض حكمته، وتقرر حجته، وبوسائل لست أدرى بها منكم، فإن هؤلاء المبطلون بمظاهر مكنتهم من ترويج دعايتهم، والوصول إلى بعض مآربهم، حتى وقع كثير من صغار العقول في حبائل تضليلهم.
وكان من أثر هذه المظاهر: إحجام كثير من الناس عن دعوة الحق، يخشون سطوتهم، أو فوات بعض المنافع التي شأنها أن تجيء على أيديهم، وكان من أثر انتشار دعوتهم: يأس الناس من أن توجد قوة تكسر قناتهم، وتنصر الحقائق على أباطيلهم، ونعوذ بالله من الجبن.
وكنت أوشكت أن أقف على شفا حفرة من اليأس، وخيل إلي أن الروح الإِسلامية النقية السامية ستذهب حيث يذهب الجيل الذي نشأ قبل أن يكون للإلحاد دولة، ولمعتنقيه صولة، وسرعان ما أرانا الله تعالى شباباً في مصر وغير مصر تقلبوا في بيئات تلك الدعايات الغاوية، وترددوا على مجالس زعمائها، ولكنهم يحملون في صدورهم إيماناً راسياً، ويعتزون بآدابهم الإِسلامية أينما كانوا، ويفقهون أن سبيل العزة والحياة الطيبة، هي السبيل التي هدى إليها الدين الحنيف.
стр. 5478
بلقاء أمثال هؤلاء الشبان الموفقين أخذ الأمل في إصلاح شؤوننا الاجتماعية ينمو في القلوب، ويبعث على العمل للنهوض، وأذكر شاهداً على هذا: أني كنت لقيت أحد المتصلين بجمعية الشبان المسيحية في القاهرة، ففاجأني بنبأ هو: أن بعض الشبان المسلمين دخلوا في جمعية الشبان المسيحية، وصاروا من أعضائها، فأخذني أسف يقطع الأكباد، وقلت في نفسي: هل من الميسور تأليف جمعية للشبان المسلمين تصرفهم عن غشيان جمعية بطانتها الدعوة إلى المسيحية؟ وذهبت تواً إلى المطبعة السلفية، فلقيت طالباً من طلاب دار العلوم، فعرضت عليه هذه الأمنية، وقلت له: اذكر هذا بين الطلاب، وانظر ماذا ترى منهم، وأيدني في هذا الاقتراح الأخ الأستاذ محب الدين الخطيب، فجاء الطالب من الغد، وقال: وجدت من بعضهم إقبالاً، وحضر بالمطبعة السلفية بعض طلاب الجامعة المصرية، وخاطبناهم على أن يقوموا بالدعاية للجمعية في الجامعة، ففعلوا، وكان هذا بداية تأسيس جمعية الشبان المسلمين في القاهرة، وعرفنا من ذلك النجاح أن الشاب المسلم إنما تأخذه الشبهة، ويحيد عن سبيل الرشد، حيث لا ترعاه قيادة رشيدة، أو يطرق سمعه دعوة حكيمة.
وإني لأرتاح -أيها السادة- لكل مقالة أو محاضرة تقرر فيها حقيقة، أو تدفع فيها شبهة، ويبلغ ارتياحي أشده عندما تكون المقالة أو المحاضرة صادرة من شباب استضاء بنور الإيمان الصادق، وعزّزه بثقافة عصرية راقية.
ولقد حمدت الله تعالى من صميم فؤادي إذ عرفت في سورية شباباً لم يكتفوا أن يكونوا في أنفسهم على بصيرة من هدى الله، بل ترقَّى بهم نبلهم أن أصبحوا يبحثون عن نواحي الإِصلاح، ويدعون إليه بأساليبهم البارعة،
стр. 5479
مثل الأساتذة: مصطفى الزرقا، ومحمد المبارك، وعلي الطنطاوي، وأحمد مظهر العظمة، ومحمد بن كمال الخطيب.
وما دامت أصوات هؤلاء الشبان المجاهدين تعلو مع أصوات شيوخ سورية الموقرين نكون على ثقة من أن مستقبل الإِسلام في هذه البلاد ضياء وسناء.
والواقع أيها السادة: أن الأمة لا تظفر بحريتها، أو تستعيد مجدها إلا بشباب يقفون بجانب الحكماء من شيوخها، فإن للشيوخ تجارب تساعد على أن يكون تدبير الأمور محكمًا، وفي الشباب إقداماً وقوة على النهوض بجلائل الأعمال، قال الشاعر في القديم:
إن الأمورَ إذا الشبّانُ دبرها ... دونَ الشيوخ يُرى في بعضها خَلَلُ
ويصح أن يقال:
إن الأمور إذا الأشياخُ باشرها ... دون الشباب يُرى في بعضها خَلَلُ
وأعود فأقول: إن تأليف الجمعيات الثقافية الإِسلامية من مقتضيات هذا العصر، وليس على هذه الجمعيات إلا أن تقوم على نشر حقائق الإِسلام وآدابه بالحجة، وتتحامى في سيرتها ما لم يأذن به الدين الحق، حتى تفوز برضا الله ﷺ وإقبال الأمة.
وأختم كلمتي بعرض خاطر تبادر إلى بعض أذهان في مصر، وسعوا له، ولم يأت سعيهم بثمرة، وهو: توحيد الجمعيات الإِسلامية بجعلها جمعية واحدة، وفي رأي هؤلاء أن صوتها يكون حينئذ أقوى من صوتها وهي متفرقة.
ولا نرى بأساً في تعدد الجمعيات؛ فإن القائمين بها قد تختلف أنظارهم
стр. 5480
في الوسائل التي توصل إلى الغرض الذي هو الإصلاح، ثم إن تعاونها -عندما تعرض أمور مهمة تحتاج إلى تآزر- يغني عن توحيدها الذي هو متعسر أو متعذر، وربما أفضى إلى أن تحرم الجمعية مجهودات رجال يريدون أن يتخيروا العمل في الجمعية التي تلائم عواطفهم، وترتاح إليها ضمائرهم.
стр. 5481
العرب والسياسة (١)
كثر القول بين المستشرقين، ومن نقل عنهم: بأن ابن خلدون يذم العرب، ويتنقصهم، وينفي عنهم القدرة على سياسة الملك، والنهوض بأمر الرعية، وأطلقوا هذا القول إطلاقاً لم يفرقوا فيه بين حياتهم الجاهلية، وحياتهم الإِسلامية. وأذكر أني حين كنت في ألمانيا، أيام الحرب الأولى، حضرت حديثاً يدور بين مدير الاستخبارات الألمانية وسكرتيره أثناء سفرنا إلى قرية ويزندرف، سألني المدير في نهايته فقال: أليس كذلك يقرر ابن خلدون؟ قلت: وماذا يقرر؟ قال: "إن العرب لا يصلحون لملك، ولا يحسنون حكماً للأمم"، قلت: إنما خص ذلك بعهد الجاهلية، وقرر أنهم في الإِسلام أحسنوا السياسة، وقاموا بأعباء الملك خير قيام، وقد بين ذلك غاية البيان في فصل عقده في "مقدمته" ذكر فيه أن العرب أبعدُ الأمم عن سياسة الملك، فقال: "بعدت طباع العرب لذلك (٢) كله عن سياسة الملك، وإنما يصيرون إليها بعد انقلاب طباعهم، وتبدلها بصبغة دينية تمحو ذلك منهم، وتجعل
стр. 5482
الوازع لهم من أنفسهم، وتحملهم على دفاع الناس بعضهم عن بعض، واعتبر ذلك بدولتهم في الملة، لمّا شيّد لهم الدين أمر السياسة بالشريعة وأحكامها المراعية لمصالح العمران ظاهراً، وباطناً، وتتابع فيها الخلفاء، عظم حينئذ ملكهم، وقوي سلطانهم".
فابن خلدون حكم على العرب بالبعد عن سياسة الملك عندما كانت طباعهم الجاهلية لا تلائم الملك، ولكن لما بدل الإِسلام طباعهم الخشنة بطبائع لينة، مارسوا الملك بسياسة رشيدة، ونهجوا في الحكم أقومَ نهج، وسلكوا أعدلَ سبيل، فعظم ملكهم، وقوي سلطانهم.
ويحسن أن نشير هنا إلى أن سياسة الملك هي: التصرف في الوقائع العامة على حسب مقتضى أحوال العصر الذي يعيش الناس فيه، والبراعةُ في السياسة، وملاءمتُها لهذه المقتضيات تتوقف على ذكاء وافر، وحلم واسع منضبط، وعزم صارم في إنفاذ العقوبة فيمن يستحقها.
أما الذكاء، فقد كان موفوراً لهم، ومن دلائله: لغتهم التي نزل بها القرآن على ما يستعملونه من حقيقة ومجاز، واستعارة وكناية وتعريض.
وأما الحلم والعزم، فقد لازمهم النقص فيهما زمن الجاهلية، فكانوا يقتلون القوي بالضعيف، والجماعة بالواحد، والحر بالعبد، والذكر بالأنثى، ويعتدي أحدهم أشدَّ مما اعتُدي عليه، حتى قال بعضهم:
ألا لا يجهلَنْ أحدٌ علينا ... فنجهلَ فوقَ جهلِ الجاهلينا
وكان رئيسهم يشعر بالحاجة إلى العصبية لكل من يقول بنصرته ظالماً أو مظلوماً، فيكفّ يده عن معاقبة المعتدين إذا كان من قبيلته خشية أن يخذله هو وأقاربه، وشأن العرب، بل الناس ألا يحكموا على أبيهم وأقاربهم بالاعتداء
стр. 5483
على الحقوق، وشأنهم أن ينسبوا إلى عدوهم الاعتداء.
فلما جاء الإِسلام، سلك سبيلَ الرشد في ذلك كله، فنهى الله من اعتُدي عليه عن أن يعتدي بأكثر مما اعتُدي به عليه، فقال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وأذن للمعتدَى عليه بأن ينتقم ممن اعتدى بمثل اعتدائه، قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وحث على العدل دائماً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥].
وندب الإِسلام إلى الحكم ممن صدر منه الزلل مراعاة لمكارم الأخلاق، فمن أغضى عن زلل معتد، فقد قضى حق مكارم الأخلاق، ومن اعتدى بمثل ما اعتدي به عليه، فقد قضى حق نفسه، وقد قال الخليفة المأمون: لو علم الناس ما أجده من لذة العفو , لتقربوا إلينا بفعل الجنايات. لكن إذا علم الإِنسان أن قصد من اعتدى عليه إذلاله ومهانته، فذلك موضع العمل بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].
ومعرفة موضع الانتقام من موضع الحلم يرجع إلى الذكاء المهذب، كما قال الشاعر:
يقولون رفقاً قلت للحلم موضعٌ ... وحلمُ الفتى في غير موضعه جهلُ
ومن صفات من يتولى سياسة الناس أن يكون شجاعاً؛ حتى يكون قادراً على إنفاذ العقوبة فيمن وجبت عقوبته، فقد يكون مرتكب الكبيرة شديداً بنفسه أو بأنصاره، فلا ينفذ فيه العقوبة إلا شجاع قوي، وكانت الشجاعة من أظهر صفات العرب في الجاهلية والإِسلام، ومن الدلائل على ذلك:
стр. 5484
الحروبُ المتواصلة بين القبائل، وعجزُ الدول الكبيرة عن الاستيلاء على بلادهم، إلا أطرافًا اقتطعت أيام المناذرة في العراق، وأيام الغساسنة في الشام.
ومن اجتمعت فيه صفات السياسي البارع؛ من ذكاء، وحلم، وشجاعة، وعزم على إنفاذ العقوبة في الجناة، لزمه أن يتخذ رجالاً أقوياء، كما قال الشاعر في معز بن باديس:
وإنَّ ابنَ باديسٍ لأكبرُ حازمٍ ... ولكن لعمري ما لديه رجالُ
فلم يُخذل ابن باديس إلا من جهة أنه ليس له رجال يقومون بمساعدته، ومدّ يد المعونة له، وشدّ أزره.
واستطرد ابن خلدون في تحليل أخلاق الساسة، فذكر: أنه قلما تكون مَلَكة الرفق فيمن يكون يقظاً شديد الذكاء، وكثيراً ما يوجد الرفق في الغفل والمتغفل، وأكثر ما يكون في اليقظ أن يكلف الرعية فوق طاقتهم؛ لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم، واطلاعه على عواقب الأمور في مبادئها بألمعيته، فيهلكوا، ولذا اشترط الشارع في الحاكم قلة الإِفراط في الذكاء.
وفي قصة زياد بن أبيه دليل على هذا، وهي: أنه لما عزله عمر عن العراق، قال: لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ ألعجز أم خيانة؟ فقال عمر: لم أعزلك لواحدة منهما، ولكن كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس.
فيؤخذ من هذا: أن الحاكم لا يكون مفرط الذكاء والكيس؛ كزياد، وعمرو.
وفات ابنَ خلدون أن التاريخ الصحيح ذكر أن عمرو بن العاص فتح مصر، وبقي والياً عليها حتى توفي ﵁، فعلمنا -مما سبق-: أن الشريعة
стр. 5485
إنما كرهت ولاية المفرط في الذكاء؛ لأنه يحمل الناس على ما يدرى في العواقب من الحقائق، فيعنف بهم، على حين أن الحال توجب حملهم على ما يقتضيه عصرهم الحاضر؛ كما قال ﷺ لعائشة ﵂: "لولا أن قومك حديث عهد بكفر، لبنيتُ الكعبة على قواعد إبراهيم".
فالإِسلام أخرج العرب من بداوتهم، وأنشأ منهم أمة صالحة السياسة، مصلحة الحكم، عادلة السيرة، عرف منهم التاريخ مُثلاً عالية في الحكمة والرفق بالرعية، والعدل في الحكومة، وهم الخلفاء الراشدون، كما عرفت السياسة من المسلمين دهاة اشتهروا بأصالة الرأي، وجودة التدبير؛ كمعاوية ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وزياد بن أبييه، والمغيرة بن شعبة، فذلك أثر الإِسلام في العرب، وفضل الله بالنبوة عليهم، وكان فضل الله عظيماً.
стр. 5486
لهجة بلاد الجزائر (١)
الجزائر: اسم مدينة على شاطئ البحر الأبيض، كانت تسمى: جزائر بني مزغنان. ويطلق اسم الجزائر على المملكة نفسها، ويحدّ هذه المملكةَ من الشمال: البحر الأبيض، ومن الجنوب: الصحراء الكبرى، ومن الشرق: تونس، ومن الغرب: المغرب الأقصى.
وسكان هذه البلاد في الأصل من قبائل البربر، وهي القبائل التي كانت مواطنها بلاد المغرب، من بُرقة إلى البحر الأطلنتي "المحيط الأخضر"، ثم استوطنها بعد الفتح الإِسلامي جماعات كبيرة من العرب، منهم الفاتحون، وبعضهم مهاجرون، وجموع من بني هلال بن عامر وسليم بن منصور، الذين هبطوا مصر، ثم نزحوا إلى بلاد المغرب سنة ٤٤٤ هـ بإغراء من الخليفة الفاطمي المستنصر؛ لينتقم بهم من أمراء صنهاجة الذين كانوا متعلقين بخلافة بني العباس، ثم نزل بلاد الجزائر كثير من مسلمي الأندلس عندما استولى الإسبان على بلادهم سنة ٨٩٧ هـ، وفي سنة ١٥٠٩ م هجم عليها الإسبان، واحتلوا بعض البلاد الساحلية حتى جاء الأتراك فأجلَوهم عنها، وأصبحت الجزائر تابعة للدولة العثمانية في حدود سنة ٩٤٥ هـ - ١٥١٦ م.
стр. 5487
وفي سنة ١٢٤٦ هـ - ١٨٣٠ م احتلتها فرنسا، واستوطنها من الفرنسيين وغيرهم من الأوربيين أمة كبيرة، ويبلغ عدد الأوربيين من الفرنسيين وغيرهم نحو ثمان مئة ألف نسمة، ويبلغ عدد الوطنيين نحو خمسة ملايين، وست مئة ألف. ومن بين الوطنيين طائفة اليهود الذي وردوا من فلسطين، أو من إسبانيا، أو كانوا من قبائل البربر، ودخلوا في الديانة الموسوية على أيدي أولئك الواردين.
* لغة الجزائر عربية معرفة:
كان سكان الجزائر يتكلمون باللغة البربرية، ثم دخلتهم اللغة العربية مع الفتح الإِسلامي، ولأن العربية لسان الفاتحين، ولسانُ الدين الذي أقبل عليه أهل البلاد، ودخلوا فيه برغبة واغتباط، أخذت تطارد اللغة البربرية، وتنتشر في المدن والقرى حتى أصبحت الجزائر معدودة في الأقطار التي تتكلم باللغة العربية؛ كمصر، والشام، والعراق. والذين يتكلمون بالعربية في ذلك القطر "وهم عرب أو مستعربون " يقدّرون بنحو أربعة أخماس الأمة، أما الخمس الباقي، فمن قبائل البربر، وهؤلاء يتكلمون باللغة البربرية، ومعظمهم يجيدون العربية زيادة على لغتهم الأصلية.
فلغة الجزائر عربية، ولكنها عربية معرفة، ومن غرضنا: البحث عن أسباب تحريفها، ووجوهه، ثم النظر في طرق ردها إلى العربية الفصحى.
* أسباب تحريفها:
حدثناك -فيما سلف-: أن أصل لغة الجزائر البربرية، وأن اللغة العربية طارئة عليها، والشأن أن يكون للغة الأصلية أثر ظاهر في اللغة الطارئة، وعرفت أن أمماً غير عربية استولوا على البلاد من بعد، وهم الإِسبان، والأتراك،
стр. 5488
والفرنسيون، ولا بد أن يكون لهذه الأمم أثر تزداد به خروقُ التحريف سعةً على سعتها.
وإذا وجدنا في لهجة الجزائر العربية ألفاظاً من غير لغات الأمم السالفة الذكر، فلا ننسى أن من الواردين على الجزائر طوائف من الأندلس، فمن القريب أن يكونوا قد حملوا إليها ألفاظاً مما دخل في لهجتهم الخاصة. ثم إن البربرية نفسها قد دخل فيها ألفاظ كثيرة من لغات الأمم، التي كانت مجاورة لبلاد البربر؛ كالمصريين الذين كانوا مجاورين لسكان لوبيا الجنوبية، واليونان الذين استولوا على جانب من لوبيا الشمالية، والكنعانيين الذين نزلوا بتونس، وأنشؤوا بها مدينة قرطاجنة.
ويضم إلى هذا: أن تعليم العربية لم يجر في الجزائر على وجه يقاوم هذه الأسباب، ويقف أثرها عند حد، وإذا وجد في العصور الماضية دراسة للغة العربية، ففي مواطن خاصة؛ مثل: الجزائر، أو قسنطينة، أو تلمسان، أو بجاية، أو بسكرة، ثم إن هذه الدراسة خاصة بأفراد لا يبلغ عددهم من الكثرة أن يحدثوا في اللغة الدارجة إصلاحاً، وربما كان من أولئك المجيدين للعربية من يجاري العامة في لهجتهم، وهو يشعر بوجوه تحريفها، ويدري كيف يعيدها إلى أصولها الصحيحة.
وإذا حدثناك عن التحريف الذي يوجد في لهجة الجزائر اليوم، فإنما نحدثك عما يجري في حديث الجمهور، أو الطبقات التي تلقي الكلام على فطرتها، ولا ننكر أن لهجة الطبقة المتعلمة في الجزائر أخذت ترتفع عن اللهجة العامية، وأن عدد هذه الطبقة آخذ في النمو. والسبب في هذا: أن النهضة الاجتماعية العلمية التي ظهرت في الشرق، وكان من أغراضها إصلاح
стр. 5489
اللغة، قد امتدت أشعتها إلى بلاد الجزائر، فقام هنالك نشئ يعنون بقراءة الصحف العربية، ويلقون المحاضرات، ويحررون المقالات على الطريقة الملائمة لروح العصر.
وقد عُني أهل الجزائر في العهد الأخير بالرحلة في طلب العلم، فكثر عدد الطلاب الذين يلتحقون بالمعاهد الدينية والمدارس العلمية في تونس، ومصر، وغيرها من البلاد، فيحرزون الشهادات العالية، ثم يعودون إلى أوطانهم، والمؤمل أن تجد اللغة العربية من هؤلاء النابهين أيدياً عاملة لبسط سلطانها، وإعلاء شأنها.
وفي الجزائر طائفة من العامة يتصلون بالفرنسيين كثيراً؛ كبعض العَمَلَة، ومن يقضون في الجندية مدة طويلة، فلهؤلاء لهجة تحتوي من الألفاظ الفرنسية أكثر مما تحتويه لهجة الجمهور، حتى بعدت عن العربية إلى حد بعيد، وهؤلاء هم الذين يعسر على الشرقي فهم كلامهم، ومن لم يعرف أن هذه لهجة خاصة بتلك الطائفة، حسبَها لهجةَ الجزائريين عامة، واعتقد أن لسان سكان الجزائر خرج، أو كاد يخرج عن لهجات العربية الدارجة (١).
стр. 5490
إلى كل مسلم يحب العمل في سبيل الله (١)
لقد انكشف الغطاء عما كان مستوراً من خفايا المدارس التي تديرها جمعيات التبشير، وما لهذه الجمعيات من ملاجئ ومستشفيات، وثبت للجمهور أن ما ارتكبه هؤلاء المضللون في بناتنا وأبنائنا مخالف للقوانين والمروعات وأصول الديانات، فضلاً عن إهانتهم الأمة؛ بتحاملهم على دينها، واستخفافهم بقرارات الحكومة، ومحاولتهم مخالفة النظام.
وقد رأى المسلمون بعيونهم، ولمسوا بأيديهم الخطرَ المحقق؛ من إدخال أبناء المسلمين وبناتهم مدارس هؤلاء المعتدين على الإسلام، ومن تردد الرجال والنساء على مستشفياتهم وملاجئهم.
إن المبشرين لم يأخذوا أبناء المسلمين وبناتهم بالقوة من بيوت آبائهم، وإنما الذي قذف بهؤلاء البنات والأبناء إلى هذه المدارس هم آباؤهم، وولاة أمورهم، فجنَوا بذلك على الوطن، وعلى الدين، وعلى رجال المستقبل،
стр. 5491
وأمهات المستقبل أعظمَ جناية.
إن "جمعية الهداية الإسلامية" توجه هذا النداء إلى كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر، بأن يعمل ما استطاع لإنقاذ هذه الضحايا من هذه الأماكن الخطرة، فمن وصل إليه هذا النداء من المسلمين والمسلمات، وله ابن أو بنت، أو قريب أو قريبة، في أية مدرسة غير إسلامية، يجب عليه أن يبادر في الحال إلى إنقاذه منها، لاسيما والسنة الدراسية انتهت، فيجب أن لا يتجدد دخول تلميذ مسلم أو تلميذة مسلمة مدرسة غير إسلامية بعد الآن، مهما كانت الحال.
وكل من يصل إليه هذا النداء من المسلمين والمسلمات، وهو يعلم أن لصديقه أو جاره، أو زميله أو مواطنه ولداً أو بنتاً في مدرسة غير إسلامية، عليه أن يبذل ما استطاع من قوة لحمل هؤلاء على إخراج أولادهم وبناتهم من ذلك الوسط الذي رأى الناس جميعاً شدة ضرره وخطره.
لا ريب أن المسلمين في ألم عظيم من الإهانات الواقعة على الإسلام في جهات كثيرة، وكل مسلم يسأل عن العمل الذي يستطيع أن يقوم به، فجمعية الهداية الإسلامية توجه نظر كل من يقع نظره على هذا النداء من المسلمين إلى هذا النوع من أنواع الجهاد، وتؤكد لهم أن العمل فيه له عند الله ثواب العبادة.
أيها المسلمون! يجب أن لا تبدأ السنة الدراسية الجديدة وفي مدارس المبشرين مسلم أو مسلمة، وإذا مضى سنتان أو ثلاث على مدارسهم، وليس فيها مسلم، فإنها ستقفل من نفسها، وتستريح الأمة منها. هذا ميدان من ميادين العمل، والله يحب العاملين.
стр. 5492
تعقيب على حديث (١)
نشر في الجزء الثامن من هذه المجلة مقال بقلم حضرة صاحب السعادة الأستاذ علي زكي العرابي باشا موضوعه: "الشريعة الإسلامية والقانون المصري " أثنى فيه سعادته على فقهاء الإسلام، وقال: "إنهم سبقوا الأوروبيين في الإحاطة بجميع المسائل الفقهية أصولاً وفروعاً بما لا نجد زيادة عليه اليوم من الفقه الأوروبي"، ووصف شروحهم بالدقة في الفكر، والسعة في البحث.
وهذه شهادة من سعادته بأن في الفقه الإسلامي ثروة طائلة من القوانين تفي بمقتضيات الحياة الاجتماعية، وتنتظم بها شؤون المدنية على أقوم سبيل.
وتعرض سعادته في عبارة مجملة للمقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون المصري، وقال: "فإذا نظرنا إلى القسم المدني، وقارناه بالمعاملات في الشريعة الإسلامية، واستثنينا من القانون المدني مادة واحدة، هي الخاصة بالربا، خرجنا من هذه المقارنة بأن كلا القسمين يطابق الآخر مطابقة تكاد تكون تامة".
كيفما يكون حال الفرق بين الشريعة والقانون المصري من القلة أو الكثرة، فإنه لا يمس الشريعة بشيء، ما دامت الشريعة هي السابقة على القانون
стр. 5493
الفرنسي المأخوذ منه القانون المصري، وقد نبه سعادته لهذا، فقال: "إن فقهاء المسلمين قد سبقوا الباحثين في القوانين الأوروبية إلى بحث المسائل القانونية، وأدلوا برأيهم فيها".
وتعرض سعادته للحدود والتعازير، وقال: "إن القرآن الكريم قد نص على جرائم خاصة، ووضع لها حدوداً توقع على مرتكبيها، وترك ما عدا ذلك من الجرائم للحاكم يقرر عقوبتها حسبما يشاء، مع مراعاة الزمان والمكان والبيئة، وهذا هو الذي يسمى: التعزير".
ثم قال: "ومن أجل ذلك نستطيع القول بأن قانون العقوبات الحالي هو كله من قبيل التعزير المباح شرعاً".
حقٌّ أن الشريعة الإسلامية وكلت أمر التعازير إلى اجتهاد الحاكم. ونزيد على هذا: أن التعزير على الجرائم لا يعد تنفيذًا لحكم شرعي إلا أن يتولاه الحاكم على اعتبار أن الشارع أذن فيه، وأنه ينفذه احتفاظاً بالمصلحة التي راعاها الشارع في تشريعه، أما إذا تولاه بصفته منفذاً لقانون وضعي، فقد انقطعت الصلة بينه وبين الشريعة، وفاته ما يترتب على تنفيذ أحكامها من تلقي أوامر الخالق تعالى بحسن الطاعة، ثم إن الأمة لا تطمئن إلى أن تساس بالقوانين الوضعية، وإن قيل لها: إن هذه القوانين تطابق الشريعة مطابقة تامة. وكأن سعادته على ذكر من هذا المعنى الذي هو روح التشريع الإسلامي، فأشار في آخر مقاله على المتخصصين في الشريعة الإسلامية أن يجروا في مؤلفاتهم على الأساليب التي يأخذ بها العلماء المؤلفون اليوم في علم الحقوق من الأوروبيين، ورأى أن أجدر الناس بالقيام بهذه المهمة العظيمة "الذين درسوا القوانين الأوروبية، وكانوا مع ذلك متعمقين في دراسة الشريعة الإسلامية".
стр. 5494
ربما كان الجمع بين دراسة القوانين الأوروبية والتعمق في الشريعة الإسلامية نادراً لا يكاد يتحقق في أفراد يصح أن تناط بهم هذه المهمة، وأيسر من هذا أن يجتمع أساتذة ممن رسخوا في فهم الشريعة الإسلامية، وأساتذة درسوا القوانين الأوروبية دراسة وافية، ويجلسون وهم مؤمنون بمصدر الشريعة، وموقنون بحكمتها، فليس من شك في أنهم سيؤدون كما قال الباشا في آخر مقاله: "للشريعة السمحة، وللملايين الذين يعملون بأحكامها أجلَّ خدمة تبقى على تعاقب الأجيال".
وذكر سعادته: "أن الجرائم ذات الحدود في القرآن الكريم لم يتركها القانون المصري، بل لا يزال يعتبر كثرها جرائم، ووضع لها عقوبات جديدة رادعة".
أشار سعادته إلى أن القانون المصري لم يعتبر بعض الجرائم ذات الحدود في القرآن الكريم جرائم، فقد قال: "لا يزال يعتبر أكثرها جرائم". وهذا فرق بين الشريعة والقانون المصري لا يُستهان به. ثم إن ما يعتبره القانون المصري جرائم قد وضع له عقوبات غير ما نص عليه القرآن، وأمر بتنفيذه في غير هوادة. وإذا اختلف القرآن والقانون المصري في بعض ما يرتكب من الأفعال: القرآنُ يعده جريمة، والقانونُ يعده شيئاً لا حرج فيه، واختلفا في عقوبات ما يتفقان على أنه جريمة، فالأمة المسلمة معذورة كلَّ العذر إذا طالبت بأن تكون سياستها القضائية والتنفيذية والاجتماعية قائمة على أساس التشريع الإسلامي دون ما سواه.
стр. 5495
مناظرة البطريرك الماروني (١)
أرى أن المناظرة الشفوية لا تجدي نفعاً، ولسنا في حاجة ملحة إليها، ولدينا غير ذلك وسائل كثيرة؛ لأنها -غالباً- لا يتوفر فيها الجو الصالح، ويغلب عليها التحيز، وعدم التمييز الصحيح، وكثيراً ما يندس فيها من لا يفقهون قيمة هذه المناظرات، وتكون أشبه بحلبة رياضية، لكل فريق من يؤيده، ويحاول بشتى الطرق المشروعة كسبَ النصر لشيعته، وإظهارَ أمرها، سواء كانت على الحق، أم على الباطل.
ولم يعهد في المناظرات العادية ذات المواضيع البسيطة أن تنتهي على وجه قاطع، أو صورة نهائية، فما بالك بمناظرة تقوم على أساس البحث حول: أيّ الأديان أحق؟!
لذلك فإني أرى أن المناظرة على طريقة الكتابة أفيد؛ إذ يمكن بها تسجيل الآراء، ولا يخشى معها حدوث ما لا تحمد عاقبته، أو تخشى مَغَبته،
стр. 5496
ولا سيما مناظرة يؤخذ فيها بالأناة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويكون هدفها الوصول إلى الحقائق، والسعي إليها، خصوصاً وأن المناظرة بالكتابة تكون أكثر ذيوعاً وانتشاراً، فتطَّلع عليها كبرُ مجموعة من الناس، إذا كان المقصود من المناظرة الشفوية شهود جماعة من الناس لها، وتتاح حيمئذ فرصة كبيرة لكي يدرس الناس الإجابات المختلفة، ويتمكنوا من إصدار حكم صحيح عليها.
فإن كان البطريرك الماروني مخلصاً في دعوته، ورضي بأن تكون المناظرة على طريقة الكتابة، فليفتتح البحث في الموازنة بين الأديان، ونحن مستعدون لأن نأخذ معه بأطراف المناظرة في هذا الموضوع، حتى يتبين الحق من الباطل.
стр. 5497
طريق الشباب (١)
العصور في أنفسها متماثلة، وتفاضلُها على قدر ما تُنبت من الرجال المصلحين:
وما فاقت الأيام أخرى بنفسها ... ولكنَّ أيامَ المِلاحِ مِلاحُ
وإذا كان افتخار العصور وضياؤها على مقدار ما تخرجه من عظماء الرجال، فسيكون لعصر هؤلاء الشبان فخر يناطح الثريا، وضياء يرمي بشعاعه أينما التفتوا؛ فإني ألمح بين تلك الجوانح يقظة، وشجاعة أدبية، واليقِظُ يسير في سبيل الحكمة، والشجاع يخوض المصاعب في طمأنينة وتؤدة.
لا يختص اسم العبقري بالعالم المبدع، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والفاتح الظافر، والسياسي الماهر، بل العبقريُّ كلُّ من يبلغ في خَصلة من خصال الكمال الذروة العليا، فيحق في أن أصف بالعبقرية ذلك الفتى الذي تتبرَّج له الغواية في مظاهر خلابة، فيقف دونها مطمئناً راشداً.
ومن الذي لا يعلم أن حول شبابنا فتناً شأنُها أن تصرف قلوبهم عن
стр. 5498
الهدى، وشأنها أن تجعل بينهم وبين السعادة حجاباً غليظاً؟ ولكن نهوضهم بهذه الجمعية، وإقبالهم عليها بمجامع أفئدتهم، يخبرنا اليقين بأن تلك الفتن لم تستطع أن تتجاوز أسماعهم أو أبصارهم إلى أن تصمن قلوبهم، ذلك طيب المنبت، وصفاء الألمعية، ولا ترون ممن زكا منبته، وصفت ألمعيته إلا رشداً فيما يعمل، وسدادًا فيما يقول، وناهيكم بفتيان وجدوا الشرق على شفا موتة خاسرة، فأجمعوا سعيهم على أن ينفخوا فيه حياة ناعمة، ويُلبسوه مدنية طاهرة زاهرة.
فكرة إنشاء هذه الجمعية -أيها السادة- منبعثة عن شعور تحمله قلوب الأمة على اختلاف مشاربها، وتباين مذاهبها، وما هو إلا الشعور بالحاجة إلى أن يكون أبناؤها على علم من مجد أسلافهم الأثيل، وأن يجمعوا إلى الثقافة العصرية هداية إسلامية، وقد صيغ قانون الجمعية على قياس هذا الشعور، فالجمعية لا تتدخل في أي ناحية من نواحي السياسة، ولا تحمل لرفقائنا من ذوي الملل الأخرى إلا مجاملة وسلاماً.
فجمعية الشباب المسلمين جمعية الأمة قاطبة، وإن جمعية محفوفة برعاية شعوب عافت الخمول، وانطلقت في طرق الإصلاح بتلهف، لا تسكن ريحها، ولا تذبل -إن شاء الله- زهرتها.
فامضوا -أيها الشبان النبغاء- في نهضتكم الغراء، ولتكن جمعيتكم مثالَ الإرادة القوية، والحرية المهذبة، والنظام الذي لا يدري التخاذل أين مكانه "وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا".
стр. 5499
الحكمة وأثرها في النفوس (١)
أريد بالحكمة: الكلام الذي يمنع من الجهل والسفه؛ كالمواعظ، والأمثال النافعة، وهي وليدة الذكاء والتجارب، فإِذا أقبل الذكي على ناحية من نواحي الحياة المدنية؛ كالاقتصاد، وغيره من شؤون الاجتماع، أو الخلقية؛ كالكرم، والشجاعة، ودرسها بذهن حاضر، كانت أقواله فيها أقرب إلى الصواب، وآراؤه فيها أرسخ في الحكمة، ولاسيما ذكياً يقرن النظر بالتجارب العملية، فقلما يقول الجبان كلمة تحمل على الإِقدام في مواقع الخطوب، وقلما يقول البخيل كلمة تحث على الإِنفاق في وجوه الخير.
ولا غرابة في أن تصدر الحكمة ممن لقيَ العلماء، وضربَ في العلوم بسهم، وموضعُ الغرابة أن تخرج الحكمة من أفواه أناس لم ينشؤوا في علم، ولم يُعرفوا بجودة رأي، والحكمة في نفسها فضيلة، والتمسك بها غنيمة، وصدورها من غير ذي علم أو رأي لا يبخس قيمتها، ولا ينقص شيئاً من فضلها، فلا ينبغي للرجل يسمع الكلمة من رجل غير معروف بعلم، أو سداد رأي، فيستخف بها، ويزهد في اقتنائها، قال ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها، فهو أحقُّ بها"، فالحديث الشريف ينبه على أن الحكمة قد
стр. 5500
توجد في غير مظانها، وتستفاد من غير أهلها؛ كما يقولون: "رمية من غير رام".
قال ابن الأثير في كتاب "المثل السائر": "ومذ سمعت هذا الخبر النبوي، جعلت كَدِّي في تتبع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم؛ فإنه قد تصدر الأقوال البليغة، والحكم والأمثال ممن لا يعلم مقدار ما يقوله"، وأوردَ من كلام بعض العامة شواهدَ على أن الحكمة قد تستفاد من غير أهلها، ثم قال: "يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس في محاوراتهم؛ فإنه لا يعدم مما سمعه منهم حِكَمًا كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره، لأعجزه، ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي يقول فيها:
عل مثلِها من أربُعٍ وملاعبِ
انتهى منها إلى قوله:
يرى أقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلة خائب
ثم قال:
وأحسنُ من نوَرٍ يفتحه الصَّبا .....
ووقف عند صدر هذا البيت يردده، وإذا سائل يسأل عن الباب، وهو يقول:
"من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا"
فقال أبو تمام: بياضُ العطايا في سوادِ المطالب
فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل.
قد يقصد الرجل لإلقاء الحكمة في لفظ يستقل بها، وقد تجيء تبعاً