ولا سيما مناظرة يؤخذ فيها بالأناة، والمجادلة بالتي هي أحسن، ويكون هدفها الوصول إلى الحقائق، والسعي إليها، خصوصاً وأن المناظرة بالكتابة تكون أكثر ذيوعاً وانتشاراً، فتطَّلع عليها كبرُ مجموعة من الناس، إذا كان المقصود من المناظرة الشفوية شهود جماعة من الناس لها، وتتاح حيمئذ فرصة كبيرة لكي يدرس الناس الإجابات المختلفة، ويتمكنوا من إصدار حكم صحيح عليها.
فإن كان البطريرك الماروني مخلصاً في دعوته، ورضي بأن تكون المناظرة على طريقة الكتابة، فليفتتح البحث في الموازنة بين الأديان، ونحن مستعدون لأن نأخذ معه بأطراف المناظرة في هذا الموضوع، حتى يتبين الحق من الباطل.
стр. 5497
طريق الشباب (١)
العصور في أنفسها متماثلة، وتفاضلُها على قدر ما تُنبت من الرجال المصلحين:
وما فاقت الأيام أخرى بنفسها ... ولكنَّ أيامَ المِلاحِ مِلاحُ
وإذا كان افتخار العصور وضياؤها على مقدار ما تخرجه من عظماء الرجال، فسيكون لعصر هؤلاء الشبان فخر يناطح الثريا، وضياء يرمي بشعاعه أينما التفتوا؛ فإني ألمح بين تلك الجوانح يقظة، وشجاعة أدبية، واليقِظُ يسير في سبيل الحكمة، والشجاع يخوض المصاعب في طمأنينة وتؤدة.
لا يختص اسم العبقري بالعالم المبدع، والخطيب المصقع، والشاعر المفلق، والفاتح الظافر، والسياسي الماهر، بل العبقريُّ كلُّ من يبلغ في خَصلة من خصال الكمال الذروة العليا، فيحق في أن أصف بالعبقرية ذلك الفتى الذي تتبرَّج له الغواية في مظاهر خلابة، فيقف دونها مطمئناً راشداً.
ومن الذي لا يعلم أن حول شبابنا فتناً شأنُها أن تصرف قلوبهم عن
стр. 5498
الهدى، وشأنها أن تجعل بينهم وبين السعادة حجاباً غليظاً؟ ولكن نهوضهم بهذه الجمعية، وإقبالهم عليها بمجامع أفئدتهم، يخبرنا اليقين بأن تلك الفتن لم تستطع أن تتجاوز أسماعهم أو أبصارهم إلى أن تصمن قلوبهم، ذلك طيب المنبت، وصفاء الألمعية، ولا ترون ممن زكا منبته، وصفت ألمعيته إلا رشداً فيما يعمل، وسدادًا فيما يقول، وناهيكم بفتيان وجدوا الشرق على شفا موتة خاسرة، فأجمعوا سعيهم على أن ينفخوا فيه حياة ناعمة، ويُلبسوه مدنية طاهرة زاهرة.
فكرة إنشاء هذه الجمعية -أيها السادة- منبعثة عن شعور تحمله قلوب الأمة على اختلاف مشاربها، وتباين مذاهبها، وما هو إلا الشعور بالحاجة إلى أن يكون أبناؤها على علم من مجد أسلافهم الأثيل، وأن يجمعوا إلى الثقافة العصرية هداية إسلامية، وقد صيغ قانون الجمعية على قياس هذا الشعور، فالجمعية لا تتدخل في أي ناحية من نواحي السياسة، ولا تحمل لرفقائنا من ذوي الملل الأخرى إلا مجاملة وسلاماً.
فجمعية الشباب المسلمين جمعية الأمة قاطبة، وإن جمعية محفوفة برعاية شعوب عافت الخمول، وانطلقت في طرق الإصلاح بتلهف، لا تسكن ريحها، ولا تذبل -إن شاء الله- زهرتها.
فامضوا -أيها الشبان النبغاء- في نهضتكم الغراء، ولتكن جمعيتكم مثالَ الإرادة القوية، والحرية المهذبة، والنظام الذي لا يدري التخاذل أين مكانه "وإنا لنبغي فوق ذلك مظهرا".
стр. 5499
الحكمة وأثرها في النفوس (١)
أريد بالحكمة: الكلام الذي يمنع من الجهل والسفه؛ كالمواعظ، والأمثال النافعة، وهي وليدة الذكاء والتجارب، فإِذا أقبل الذكي على ناحية من نواحي الحياة المدنية؛ كالاقتصاد، وغيره من شؤون الاجتماع، أو الخلقية؛ كالكرم، والشجاعة، ودرسها بذهن حاضر، كانت أقواله فيها أقرب إلى الصواب، وآراؤه فيها أرسخ في الحكمة، ولاسيما ذكياً يقرن النظر بالتجارب العملية، فقلما يقول الجبان كلمة تحمل على الإِقدام في مواقع الخطوب، وقلما يقول البخيل كلمة تحث على الإِنفاق في وجوه الخير.
ولا غرابة في أن تصدر الحكمة ممن لقيَ العلماء، وضربَ في العلوم بسهم، وموضعُ الغرابة أن تخرج الحكمة من أفواه أناس لم ينشؤوا في علم، ولم يُعرفوا بجودة رأي، والحكمة في نفسها فضيلة، والتمسك بها غنيمة، وصدورها من غير ذي علم أو رأي لا يبخس قيمتها، ولا ينقص شيئاً من فضلها، فلا ينبغي للرجل يسمع الكلمة من رجل غير معروف بعلم، أو سداد رأي، فيستخف بها، ويزهد في اقتنائها، قال ﷺ : "الحكمة ضالة المؤمن، فحيث وجدها، فهو أحقُّ بها"، فالحديث الشريف ينبه على أن الحكمة قد
стр. 5500
توجد في غير مظانها، وتستفاد من غير أهلها؛ كما يقولون: "رمية من غير رام".
قال ابن الأثير في كتاب "المثل السائر": "ومذ سمعت هذا الخبر النبوي، جعلت كَدِّي في تتبع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم؛ فإنه قد تصدر الأقوال البليغة، والحكم والأمثال ممن لا يعلم مقدار ما يقوله"، وأوردَ من كلام بعض العامة شواهدَ على أن الحكمة قد تستفاد من غير أهلها، ثم قال: "يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبع أقوال الناس في محاوراتهم؛ فإنه لا يعدم مما سمعه منهم حِكَمًا كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره، لأعجزه، ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي يقول فيها:
عل مثلِها من أربُعٍ وملاعبِ
انتهى منها إلى قوله:
يرى أقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلة خائب
ثم قال:
وأحسنُ من نوَرٍ يفتحه الصَّبا .....
ووقف عند صدر هذا البيت يردده، وإذا سائل يسأل عن الباب، وهو يقول:
"من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا"
فقال أبو تمام: بياضُ العطايا في سوادِ المطالب
فأتم صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل.
قد يقصد الرجل لإلقاء الحكمة في لفظ يستقل بها، وقد تجيء تبعاً
стр. 5501
للحديث عن أشخاص، أو أشياء معينة؛ كما فعل ذلك الشاعر الذي قصد في نظمه الاعتذارَ عن قوم التزموا اللثامَ في سائر أحوالهم، حتى قال:
لماحووا إحرازَ كل فضيلة ... غلبَ الحياءُ عليهمُ فتلثَّموا
والحكمة التي انساقت تبعاً لهذا الاعتذار، هي: أن كثرة الفضائل تستدعي غلبة الحياء.
ومن الشعراء من يقصد للهزل، ويرمي إلى غرض المزح، فتجود قريحته في أثناء ذلك بالحكمة، نظم علي بن عبد الواحد الملقب (صريع الدلاء) مقصورة في الهزل يعارض بها مقصورة ابن دريد، وما زال يخوض بها في هزل إلى أن جاء فيها بيت يقال: إنه قد حُسد عليه، وهو:
من فاته العلمُ وأخطأَه الغِنى ... فذاك والكلب على حد سَوا
وقد يتوهم متوهم أن الشعر يغلب فيه التخييل، فلا يكون موطناً للحكمة، فأزاح ﵊ مثل هذا الوهم بقوله: "إن من الشعر حكمة".
يختلف الناس في النطق بالحكمة اختلاَفهم في ألوان نشأتهم، وأساليب تربيتهم، ويختلفون في الإِصغاء إلى الحكمة، أو الإِعجاب بها اختلافهَم في الارتياح للغرض المسوقة إليه، فالكريم -مثلاً- يطرب لسماع الحكم الواردة في الكرم أكثرَ مما يطرب له البخيل، والشجاع يرتاح لسماع الحكم الواردة في الشجاعة أكثرَ مما يرتاح له الجبان.
اتلُ في حضرة جواد وبخيل قول الشاعر:
ولو لم يكن في كفه غير نفسِه ... لجاد بها فليتق اللهَ سائلُه
لا شك أنك ترى أثرَ الطرب في وجه الجواد أكثرَ مما تراه في وجه البخيل.
стр. 5502
واتلُ على مسامع شجاع وجبان قولَ الشاعر:
أقول لها وقد طارت شَعاعاً ... من الأبطال: ويحك لن تُراعي
فإنك لو سألتِ بقاء يوم ... على الأجل الذي لكِ لن تُطاعي
ثم انظر كيف وقع البيتان من أنفسهما، فإنك ترى وجه الشجاع في ابتهاج، ولا تكاد ترى في وجه الجبان طلاقة، إلا أن يتكلفها تكلفاً.
وانظر في كتب التراجم، تجدِ المؤلفين ينبهونك في كثير من الأحيان للحكمة التي أخذت من نفس صاحب الترجمة مأخذَ القبول والإِعجاب، ينبهونك لهذا حين يقولون لك: "وكان كثيراً مما ينشد كذا"؛ كما قالوا في سيرة الإمام مالك بن أنس - رضي الله تعالى عنه-؛ إنه كان كثيراً ما ينشد:
وخيرُ أمور الدين ما كان سُنَّةً ... وشرُّ الأمور المحدَثاتُ البدائعُ
وقالوا: كان عضد الدولة كثيراً ما ينشد قول أبي تمام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وقالوا: كان الحسن بن علي الملقب: "فخر الكتاب" كثيراً ما ينشد:
يندم المرء على ما فاته ... من لُباناتٍ إذا لم يقضِها
وتراه فرحاً مستبشراً ... بالتي أمضى كأن لم يُمضها
إنها عندي وأحلام الكرى ... لقريبٌ بعضُها من بعضها
وقالوا: كان الخليل بن أحمد كثيراً ما ينشد قولَ الشاعر:
وإذا افتقرتَ إلى الذخائر لم تجدْ ... ذخراً يكون كصالح الأعمال
ولا أريد من هذا أن الحكمة لا تلقى إلا لمن شأنه الارتياح لسماعها،
стр. 5503
بل عليك أن تقرع بها أسماع المنحرفين عن الحق أو الفضيلة أو العمل الصالح؛ لعلهم يألفونها، ويعود انقباضهم منها ارتياحاً.
وكثيراً ما ينهض الرجل للعمل الصالح يكون في غفلة عنه، وما ينبهه له إلا بيت يحتوي حكمة.
قال عبد الملك بن جريج: كنت مع معن بن زائدة باليمن، فحضر وقتُ الحج، ولم تحضرني نية، فخطر ببالي قولُ عمر بن أبي ربيعة:
بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث في اليَمَنِ
إن كنت حاولت دُنيا أونعمت بها ... فما أخذت بترك الحج من ثمنِ
قال: فدخلت على معن، فأخبرته أني قد عزمت على الحج، فجهزني، وانصرفت.
стр. 5504
العمل للكمال (١)
ما أشبهَ اليومَ بالأمس! وإنما تتفاضل الأيام بقدر ما يظهر فيها من الخير، أو بقدر ما يزل فيها من الشر.
وما فاقت الأيامُ أخرى بنفسها ... ولكنَّ أيام الملاح ملاحُ
ولشهر رمضان مزايا أحرزَ بها فضلاً، واكتسى بها ملاحة، فهو الشهر الذي نزل فيه الكتاب المشهود له بالأثر البالغ في تهذيب النفوس، وإصلاح الاجتماع، وهو الشهر الذي وقعت فيه واقعة بدر التي هي فاتحة ظهور التوحيد على الشرك، وهو الشهر الذي فتحت فيه مكة، وانكسرت بهذا الفتح شوكة عبّاد الأوثان؛ حتى تسنّى لدعوة الحق أن تأخذ جزيرة العرب من أطرافها في وقت قريب، وهو الشهر الذي قدم فيه على النبي ﷺ وفدُ ثقيف طائعين بالإِسلام، وانهالت عقبهم وفودُ العرب يَرِدون من كل وجه، ويدخلون في دين الإِسلام أفواجاً، وهو الشهر الذي استحب الشارع للناس أن يحسنوا فيه إلى البائسين فوقَ ما كانوا يحسنون، وثبت في الصحيح: أنه ﵊ كان أجودَ الناس بالخير، وكان أجودَ ما يكون في رمضان.
стр. 5505
وهو الشهر الذي جعل مظهراً لأحد أركان الإسلام الخمسة -أعني: الصيام -، وللصيام آثار مشهودة في ارتياض النفوس الجامحة، وتمرينها على الخلق العظيم؛ كالصبر، والعفاف، والسخاء، على ما هو مبسوط في الكتب التي عُنيت بالبحث عن أسرار التشريع.
وهو الشهر الذي تزداد فيه الأرصل صفاء من كثرة الإِقبال على الطاعات، وكذلك كان يفعل النبي ﷺ والمؤمنون الصادقون.
وهذه المعاني السامية -التي حاز بها رمضان فضلاً وملاحةً- جديرة بأن يكون لنا فيها مأخذ عبرة، وموضع قدوة، فنتجه بعزيمة نافذة إلى الدعوة إلى الخير، والذود عن الحق، ومكافحة الباطل والبغي، والطموح إلى العزة، والرسوخ في الأخلاق السنية، والأخذ بوسائل المنعة، والعيش في حرية وطمأنينة، والتنافس في حسن الطاعة للخالق -جلّ شأنه-.
وغفل بعض الناس عن هذه المعاني المنبئة أن رمضان شهر العمل لكمال الإنسانية، وحسبوه شهر عبادة لا تتجاوز الإِمساك عن الأكل والشرب بياضَ النهار، فلم يبالوا بعدَ هذا الإِمساك أن يشغلوا أوقاتهم النفيسة بما لا يقربهم من الفلاح شبراً، ولا يرفع لأمتهم ذكراً:
شهرُ صومٍ وجهادٍ والفتى ... إن رمى عن قوس رشد لا يُبارى
أنِّب النفسَ إذا هَمَّتْ بأن ... تقضيَ اليوم كما يقضي السُّكارى
إنما الحازمُ من صام ولو ... لمح العزةَ في النجم لطارا
هممٌ يختطّها الفكر دُجىً ... ويدُ الإصلاحِ تَبنيها نهارا (١)
стр. 5506
أسباب سقوط الأندلس (١)
الأندلس قطعة من غربي أوربا، فتحها طارق بن زياد، وموسى بن نصير. واشتهرت فيها مدن؛ كقرطبة، وإشبيلية، وطليطلة، وغرناطة. وآلَ أمرُها إلى ولاة يتبعون العباسيين، إلى أن أتى عبد الرحمن الأموي، الذي عرف بعبد الرحمن الداخل، وسمّاه أبو جعفر المنصور: (صقر قريش).
وأولى ما سقط في أيدي الإِسبان من بلاد الأندلس طليطلة، وهي وسط الأندلس كما قال بعض أدبائها:
الثوبُ ينسل من أطرافه وأرى ... ثوب الجزيرة منسولاً من الوسط
وهي السبب في استدعاء ملوك الطوائف ليوسفَ بن تاشفين سلطانِ مراكش، فكانت واقعة الزلاقة، التي انتصر فيها المسلمون على أعدائهم، وما زالت الحرب قائمة بين الفريقين، وبلادُ الأندلس تسقط واحدة إثر أخرى، إلى أن استولى الإِسبان على غرناطة، وملحقاتها، وصارت ولاية إسبانية. وهي آخر الأندلس خضوعاً للعدو.
ومن أسباب سقوط الأندلس: تفرق أمرائها، وعدمُ اتحادهم، فتسمَّى
стр. 5507
كل من ملك شيئاً ملكاً كما قال ابن رشيق:
مِمَّا يزهِّدُني في أرض أندلس ... ألقابُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ
ألقابُ سلطنةٍ في غير موضعها ... كالهرِّ يحكي انتفاخاً صولة الأسدِ
وجاء أبو الوليد الباجي من الشرق، فوجدهم متفرقين، وهو يعلم عاقبة التفرق، فأخذ يطوف عليهم، ويدعوهم إلى الوفاق والاتحاد، وهم يجملونه في الظاهر، ويستبردونه ويستثقلون نزعته.
ومن أسباب سقوطها أيضاً: جبنُ كثير منهم بعد أن كان جيشها يستخف بالموت في سبيل الدعوة إلى الله، ورفعِ راية الإِسلام.
قال الحافظ أبو بكر بن العربي في "الأحكام" عند قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]، وكان قد خرج في جيش واجه العدو حين هجم على بعض المدن، وانتصر العدو: "ولقد نزل العدو سنة سبع وعشرين وخمس مئة، فجاس ديارنا، وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا، فقلت للوالي والمولّى عليه: هذا عدو الله قد دخل في الشَّرَك والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتكن منكم في نصرة الدين المتعينةِ عليكم حركة، وليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار، فيحاط به، فإنه هالك لا محالة، فغلبت الذنوب، ورجفت بالمعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلباً يأوي إلى وِجاره، وإن رأى المكيدة بجاره، فإنا لله، وإنا إليه راجعون".
ومن أسباب سقوط الأندلس: أن العدو أغرى أهلها بالمال، فساعدوه على الاستيلاء عليها.
وأذكر بهذه المناسبة: أن من الأمثال التي عرّبها العرب من لسان الفرس: أن الأشجار رأت فأساً ملقاة في أرضها، ففزعت منها، فقالت لهن شجرة:
стр. 5508
لا تجزعوا منهاة فإنها لا تستطيع أن تكسرنا إلا إذا دخل فيها عود منا. وكذلك المستعمر لا يغلب المؤمنين إلا إذا عاونه طائفة من المسلمين.
ومن نظر في تاريخ الأندلس، وجد كثيراً منهم ينفقون الأموال الطائلة في البناء الضخم وزخرفته، وقد أدرك هذا منذر بن سعيد البلوطي، فكان يعظ عبدَ الرحمن الناصر بخطبه وقصائده حين اعتنى بزخرفة البناء، فدخل عليه منذر وقد بنى مدينة الزهراء، فقال له:
يا بانيَ الزهراء مستغرِقاً ... أوقاتَه فيها أما تمهلُ؟!
للهِ ما أحسنَها منظراً ... لو لم تكن زهرتُها تذبُل!
فقال له الناصر: إن سُقيت بماء الدموع، وهبَّ عليهما نسيم الخشوع، لا تذبل إن شاء الله. فقال المنذر: اللهم اشهد، فقد بلغت.
وروي في تاريخها: أن المأمون بنَ ذي النون، صاحبَ طليطلة بنى قصراً، وأنفق أموالاً طائلة، فسمع منشداً يقول:
أتبني بناء الخالدين وإنما ... بقاؤك فيها قد علمت قليل؟!
ومن نظر في تاربخ الأندلس، وجد كثيرا منهم يتغالون في شرب الخمور، ومجالس اللهو، ويدل على أن كثيراً منهم وقعوا في المدنية الزائفة: أن أهل بلنسية حين هاجمهم العدو، خرجوا إليه في حلل من الحرير والزينة، فقال شاعرهم:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستُمُ ... حللَ الحرير عليكمُ ألوانا
ما كان أقبحَهم وأحسنَكم بها ... لو لم يكن في بترنة ما كانا
يشير الشاعر إلى واقعة "بترنة" التي انهزم فيها أهل بلنسية.
стр. 5509
ولما استولى العدو على غرناطة، خيّر المسلمين بالأندلس بين الدخول في النصرانية، أو الخروج من أرض الأندلس، أو القتل، فمنهم من غلب عليه حب ممتلكاته من المزارع والمباني، فاختار الإقامة، ومنهم من عز عليه دينهُ، فهاجر إلى إفريقية؛ كفاس، وتلمسان، وتونس.
وقد أخرجت الأندلس علماء أجلّة في الشريعة؛ كابن عبد البر، وأبي الوليد الباجي، ومنذر بن سعيد، وأبي بكر بن العربي، والفقيه ابن رشد، وحفيده القاضي الفيلسوف صاحب "بداية المجتهد"، وكأبي محمد بن حزم، وأبي إسحق الشاطبي، ونحاة متضلعين؛ كابن عصفور، والشلوبين، وابن خروف، وابن مالك، وأبي حيَّان، ولغويين مبرزين؛ كابن سيده، صاحب "المحكم"، و"المخصص"، وأدباء بارعين؛ كابن هانئ، وابن خفاجة.
وقد ألف ابن حزم رسالة عما ألفه علماء الأندلس من الكتب، وما تمتاز به من إحاطة وتحقيق، وذيل ابن سعيد رسالةَ ابن حزم برسالة أورد فيها ما فاته، أو أُلِّف بعده.
وهذا المصير المحزن الذي صارت إليه الأندلس، قد حذرنا منه الكتاب الكريم في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، والرسول الأمين ﷺ ، ففي الصحيح: سئل رسول الله ﷺ : أنهلك وفينا صالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث".
وبيان ذلك: أن الصالحين في الأمة إذا سكتوا على المعاصي، ولم يأمروا بالمعروف، ولا نهوا عن المنكر، كانوا هم أنفسهم ظالمين، فاستحقوا أن تصيبهم الفتنة عقوبةً لهم، وإن امتثلوا ما أمر الله به، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، تصبهم الفتنة عقويةً لهم على بقائهم مع الظالمين، وقعودِهم
стр. 5510
عن الهجرة وهم قادرون عليها، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].
وعلماء الأندلس قاموا بواجبهم، فأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وحذّروا الناس عاقبة إنفاق الأموال في تنميق البناء وزخرفته، وما يفضي إليه التفرقُ من الضعف، واستيلاء العدو على الممالك، واستنجدوا الممالك الخارجة إلى مساعدتها، فلم يجدوا من الوجهاء ومحبي متاع الدنيا قبولاً، وإشفاقاً مجدياً؛ كقول شاعرهم يخاطب ملك تونس:
أدرِكْ بخيلِك خيلَ الله أندلسا ... إن الطريق إلى منجاتها درسا
стр. 5511
الجزائر واستبداد فرنسا (١)
الجزائر مملكة في أفريقيا الشمالية، وموضعها بين تونس والغرب الأقصى (مراكش)، تارة تكون تابعة للمغرب الأقصى، ومرة تستقل بنفسها، وهي ثلاث ولايات: ولاية العاصمة، وولاية وهران، وولاية قسنطينة، وأرضها واسعة المناكب، ويعد سكانها الآن بتسعة ملايين.
وفيها ضريح الفاتح الأعظم عقبةَ بن نافع؛ فإنه دفن في الموضع الذي اغتاله فيه البربر عند رجوعه من المغرب الأقصى بعد فتحه كله، وفيها من الحفّاظ: علي بن جبارة أبو القاسم الهذلي، ومن كبار العلماء: أبناء الإمام، وهم: أبو زيد، وأبو موسى التلمساني، وابن مرزوق، والشيخ عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ المقري جه، صاحب "نفح الطيب"، وغيرهم من علماء دولة بني حماد، وعلماء دولة بني زياد، ومن أدبائها الكبار: محمد بن خميس التلمساني، الذي بهر الشيخ ابن دقيق العيد بإحدى قصائده، وصار يقرؤها مرة بعد أخرى، وله ديوان ألّفه القاضي أبو عبد الله الحفدني، وسماه: "الدر النفيس في شعر ابن خميس".
стр. 5512
وأرسلت فرنسا أسطولاً إلى عاصمة الجزائر، واستولت عليها سنة ١٢٤٦ هـ، وآل حسين باشا حاكمها إلى الإسكندرية، وتوفي هناك.
وقد أعد سلطان المغرب الأقصى مولاي عبد الرحمن بن هشام جيشاً لجهاد فرنسا، والدفاع عن الجزائر، ولكن الجيوش التي أرسلها لم تستقم على أمره كما قال صاحب "تاريخ الاستقصاء"، فاضطر السلطان إلى مهادنة فرنسا.
وأقام الوطنيون بالجزائر في وجه فرنسا عدة محاربات، وأشهرها محاربة الأمير عبد القادر بن محيي الدين الحسني، فقد استمر على محاربتها نحو خمس عشرة سنة، وانتصر في مواقع كثيرة، ولكن فرنسا تغلبت بجندها وسلاحها على هذه المحاربات، واستولت على ولايات الجزائر الثلاث: العاصمة، ووهران، وقسنطينة.
واختار الأمير عبد القادر -حسب المعاهدة التي وقعت بينه وبين فرنسا- السكن بدمشق، واستقر بها إلى أن توفي، ودفن في ضريح الشيخ محصي الدين ابن عربي.
وأخبرني من أثق بروايته: أن قنصل فرنسا طلب من ملك تونسى أن يكتب إلى سلطان المغرب كتاباً يحذره فيه من الانضمام إلى الأمير عبد القادر، ولا أدري هل كتب ملك تونس بذلك إلى سلطان مراكش، أم لا؟ وإذا كتب ملك تونس إلى مولاي عبد الرحمن بن هشام، فإن السلطان عبد الرحمن ابن هشام لا يترك محاربة فرنسا إلا لضرر يحصل بالمغرب الأقصى؛ كما قال صاحب "الاستقصاء".
وسبب حرب الزعاطشة التي رأينا أثره: أن الحاكم الفرنساوي أهان
стр. 5513
رئيس القبيلة بعبارات سيئة أدت إلى أن هاجت الحرب مدة بين فرنسا وقبيلة الزعاطشة، ولما تغلبت فرنسا، دخل الحاكم الفرنسي إلى غرفة الشيخ، وضربه بسلاح على عنقه، فقتله.
وقد دخلتُ بلدة الزعاطشة، ووجدت ديارهم خاوية على عروشها، ومنعت فرنسا من بنائها. ولم تسمح للجزائر بحكومة وطنية، والحاكم العام في الجزائر هو الوالي العام الفرنساوي، ويقيم بالعاصمة، وكان الفرنسي يعتبر في الجزائر كملك، والوطني في منزلة دونها بمراحل.
وقلبت بعض المساجد كنائسَ وثكناتٍ لعساكرها، ورأيت بعيني مسجد أحمد باي في قسنطينة جعل كنيسة، ورأيت بعيني أيضاً مسجداً بعنابة جعل ثكنة لعسكرها، وألحقت الأوقافَ كلَّها بأموال الدولة. وقررت فرنسا سنة ١٨٤٨ م أن الجزائر أرض فرنسية.
وقال بعض الفرنسيين: كما صارت أرض الجزائر قطعة من أرض فرنسا يصير الجزائريون فرنسيين، فقال بعض من فيه شيء من الإِنصاف من الفرنسيين: احرصوا أنتم على ألا تكونوا كمسلمي الجزائر، وأما أن يكون الجزائريون كالفرنسيين ديانة، فمستحيل أن يكون.
وألزمت فرنسا مسلمي الجزائر بالخدمة العسكرية، كما ألزمتهم أن يعترفوا بأنهم يقومون بالخدمة العسكرية تطوعاً، وهذا من أسباب مهاجرة عائلات كثيرة من الجزائر إلى الشرق الشامي وغيره.
وكانت الزوايا -أي: الطرق الصوفية- تنشر التعليم الديني؛ من تفسير، وحديث، وفقه، وتوحيد، والعلوم العربية، وقد رأت فرنسا أنها لا تؤلف الجزائريين إلا إذا فتحت لهم محاكم شرعية، فأنشأت المدرسة الثعالبية
стр. 5514
بقصد تعليم القضاء في الأحوال الشخصية، ولكن استئناف الحكم يكون لمحكمة فرنسية.
ولما أخذت فرنسا الجزائر من يد الأتراك، ألزمت بعض الأشخاص بكتابة خطابات يمدحون فيها سياسة فرنسا، ويذمون سياسة الأتراك، وطبعته فرنسا، وسمته: "شواهد الإِخلاص".
واطلعتُ في بعض رحلاتي إلى الجزائر على خطاب نسبته فرنسا إلى الأمير عبد القادر يأمر فيه بمسالمة فرنسا، ويمدح سياستها، ولعل هذا الكتاب مزوّر على الأمير.
ويسيء فرنسا جداً أن يتصل الجزائريون بالتونسيين، ولما جئت من الشرق سنة ١٣٣٠ هـ، وجدت كتاباً أرسلته الحكومة الفرنسية إلى العمال في تونس تقول فيه: إن جماعة يسعون لاتصال الجزائريين بالتونسيين، فأخبرونا بأسمائهم.
وأهل الجزائر بقُوا محافظين على عقيدتهم السليمة، وأخلاقهم الرضية، كنت زرت العاصمة في رمضان سنة ١٣١٨ هـ، فوجدتهم يقرؤون في المساجد كتب التوحيد عقب صلاة التراويح، وقد حضرت بعض هذه الدروس؛ كدرس الشيخ سعيد الزواوي مفتي العاصمة، ودرس الشيخ عبد الحليم بن سماية، ودرس الشيخ عبد القادر المغربي الذي تخرج من درسه بقسنطينة كثير من القضاة الشرعيين.
وفي الجزائر نهضة جديدة، فقد عرفوا أن شيخ الطريقة الصوفية إنما يكون مستقيماً إذا اقتدى بسيرة السلف الصالح، فإذا خرج عنها، فقد خرج عن الطريقة التي هدى إليها الإسلام، ووجد في الجزائر مدارس أنشئت لتحفيظ
стр. 5515
القرآن الكريم، وما يتبعه من آداب ورياضيات. ووجد فيها معهدان على نسق جامع الزيتونة في تونس: أحدهما معهد أنشأه أبناء سيدي الحسين في قسنطينة، والفضل فيهما لمن أسسهما، لا إلى الحكومة. ومن نهضة الجزائر الجديدة مطالبتها لفرنسا بحقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى حد المحاربة على ذلك.
والجزائريون لهم مجد قديم شامخ، فقد عرفت أنه تخرج فيها كبار العلماء والمؤلفين والأدباء والملوك، وكل ما تفتخر به الأمم، فلا يرضون أن يتصرف أجنبي كفرنسا في شأنهم، وقد عرفوا أن غيرهم من الأمم وصلوا إلى حقوقهم، واستقلوا بشأنهم، والحروب هي التي يتبين بها رفيع الهمة من سافلها، وناهض العزيمة من خاملها.
стр. 5516
مكانة الأزهر وأثره في حفظ الدين ورقي الشرق (١)
ليس من غرض هذا المقال أن نحدثك عن حال الأزهر من حيث هو حجر وطين، وأرض فوقها سماء، وإنما نقصد إلى أن نضع نصبَ عينك صورة موجزة من حياته العلمية، ومكانته الدينية؛ لنريك أنه الحصن الذي لا يتصاع، ومطلع النور الذي لا يتقلص، ومبعث القوة التي لا تغلب، حتى تكون على ثقة من أنه الكفيل بإعلاء كلمة الإِسلام، ورفع لواء المدنية النقية من كل قذى.
في يوم السبت الثاني والعشرين من جمادى الأولى سنة ٣٥٩ هـ شرع القائد الفاطمي أبو الحسن جوهر بن عبد الله "الصقلي" في بناء مسجد بالمدينة التي أنشأها، حيث ضرب خيام جيشه، وسماها: "المنصورة"، ثم سماها المعزّ بعدُ: "القاهرة المعزية"، وتم بناء هذا المسجد في نحو ثلاثين شهراً، ذلك المسجد هو الأزهر الشريف.
وفي صفر عام ٣٦٥ هـ جلس قاضي مصر أبو الحسن علي بن النعمان بن محمد بن حيون بهذا الجامع، وأملى مختصر أبيه المؤلف في الفقه على مذهب الشيعة.
وفي سنة ٣٧٨ هـ تولى الوزارة يعقوب بن كاس للخليفة نزار بن المعز،
стр. 5517
وكان هذا الوزير من رجال العلم، فانتخبت الدولة خمسة وثلاثين عالماً، وعينتهم للتدريس بهذا الجامع، وأنشأت لهم منازل حول الأزهر، وكانوا يحضرون يوم الجمعة، ويدرسون بعد الصلاة: الفقه، والعقائد، وفنون الأدب.
ولما قضى صلاح الدين الأيوبي على الدولة الفاطمية، وكان قاضي القضاة بدولته صدر الدين عبد الملك بن درباس شافعيَّ المذهب، أمر بأن لا تقام الجمعة في مساجد متعددة، وقصر الخطبة على جامع الحاكم؛ إذ كان أوسع جامع بالقاهرة، وبقي الأزهر عاطلاً من صلاة الجمعة إلى أن جاءت دولة الملك الظاهر بيبرس، فعُني أحد أمرائها هو عز الدين أيدمر الحلي بعمارة الأزهر، فأصلح ما اختل من مبانيه، وأعاد إليه صلاة الجمعة في ١٨ ربيع الأول سنة ٦٦٥ هـ، وأقام لذلك حفلة حضرها رجال الدولة، وأعيان الأمة.
وما زال الأمراء والسلاطين، والكرام من ذوي اليسار يبسطون أيديهم بالإنفاق على الأزهر، ويقفون عليه الأوقاف بسخاء، وكثير منهم يعملون لترقية شأنه من حيث هو جامعة دينية علمية، حتى أصبح منذ عهد بعيد معهداً عامراً بدراسة العلوم الشرعية والعربية، ومجالس الوعظ.
وما فتئ هذا الجامع المورد الذي يؤمه طلاب العلم من كل ناحية، حتى أنشئت له شعب في القطر المصري هي: معهد الإسكندرية، ومعهد طنطا، ومعهد أسيوط، ومعهد الزقازيق، ومعهد دمياط، ومعهد دسوق.
وكان في إنشاء هذه المعاهد تيسير على طلاب العلم من سكان هذه البلادة حتى لا يحتملوا كلفة المقام في القاهرة إلا حيث يتأهلون لدراسة الكتب العالية في نفس الأزهر الشريف، وفي هذه المعاهد مظاهر تجعل الشعور الديني
стр. 5518
ساريا في الأمة، والأممُ صور قائمة، وأرواحهُا الشعور بأن لها ديناً حقاً، وشريعة عادلة.
* أقسام التعليم:
في الأزهر قسم ابتدائي، ومدته أربع سنوات، وثانوي، ومدته خمس سنوات، ومواد هذين القسمين تدرس في أماكن خاصة بها خارج الجامع الأزهر، وبعد هذين القسمين قسم عال، ومدته أربع سنوات، ودروسه الآن تلقى في نفس الجامع الأزهر، وبعد القسم العالي قسم التخصص، ومدته ثلاث سنوات.
أنشئ هذا القسم في ١٣ محرم سنة ١٣٤٢ هـ - ٢٦ أغسطس سنة ٩٢٣ م؛ ليخرج رجالاً لهم مزيد اختصاص في بعض العلوم الدينية، أو العربية، وما يتصل بها، وهو ضرب من ضروب الإِصلاح التي يعمل لها الرؤساء الناصحون، وفي هذا القسم نحو خمسين مدرساً، وبه نحو ٢٠٠ طالب علم ما عدا المتطوعين، وترجع العلوم التي يقصد الطلاب إلى التخصص بها إلى تسع مجموعات:
١ - التفسير والحديث.
٢ - الكلام والمنطق.
٣ - الأصول والفقه الحنفي.
٤ - الأصول والفقه المالكي.
٥ - الأصول والفقه الشافعي.
٦ - النحو والصرف.
٧ - البلاغة.
٨ - الوعظ والإرشاد.
٩ - التاريخ والأخلاق.
وإذا كان الأزهر قد أخرج قبل إنشاء هذا القسم رجالاً لهم رسوخ في بعض العلوم أكثر من رسوخهم في غيرها، فسيكون الرسوخ بعد هذا على طريق منظم؛ بحيث لا تبقى ناحية من نواحي العلوم التي تدرس في هذه الجامعة إلا وقد قام عليها طائفة خاضوا عبابها، وتوغلوا في أحشائها، وأصبحت
стр. 5519
كلمتهم القول الفصل في تقرير مسائلها، وليس ببعيد على الأذكياء المجدين من طلاب هذا القسم أن تكبر هممهم، ويخلص في سبيل العلم قصدهم، حتى نرى فيهم رجالاً يبهرون النفوس علماً، ولا تشهد منهم العيون إلا استقامة ورشداً.
* العلوم التي تدرس بالأزهر:
يدرس في الأزهر: التفسير، والقراءات، والحديث، والسيرة النبوية، وعلم الكلام، والفقه وأصوله، والنحو، والصرف، والبلاغة، والإِنشاء، وآداب اللغة، والعروض، والقوافي، والوضع، والمنطق، وعلم النفس، والتا ريخ، والأخلاق، والفلسفة، والحساب، والهندسة، والطبيعة، والكيمياء، والجغرافيا.
وربما أشار بعض الكاتبين في إصلاح الأزهر بقصر التعليم فيه على العلوم الدينية والعربية، وهو رأي لا يستقيم مع ما يقتضيه حال العصر من أن يكون العالم الديني على جانب من العلوم الكونية والاجتماعية، وبهذا يكون الأزهر كفيلاً بإخراج نشء يمثلون القاضي العادل، والمدرس النحرير، والمصلح الخطير، والمرشد الحكيم، والكاتب البارع، والمدير لبعض الشؤون العامة في حزم ونظام.
* الأروقة:
بالأزهر أروقة معدة لسكن طلاب العلم، والرواق يحتوي على غرف ومرافق، ومن هذه الأروقة ما هو خاص بالقطر المصري؛ كرواق الصعايدة، ورواق البحاروة، ورواق الشراقوة، ورواق الحنفية، ورواق الطيبرسية، ورواق السنارية، ومنها ما هو خاص ببعض الأقطار الإِسلامية من غير مصر؛ كرواق
стр. 5520
الحرمين، ورواق الشوام، ورواق المغاربة، ورواق الهنود، ورواق الأتراك، ورواق الأفغان، ورواق اليمن، ورواق الأكراد، ورواق جاوة، ورواق الدكارنة البرناوية.
وفي هذه الأروقة، وما وقف عليها من كتب وجرايات معونة للمنتسبين إليها على طلب العلم، وإذا وجد في نبهاء الطلاب بها حرص على الخير، أمكنهم أن يعقدوا فيما بينهم صلة التعارف والتعاطف التي أرشد إليها الدين بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فيعمل فوق ما يستفيدونه من علم وأدب عمل صالح هو تأكيد الرابطة بين الشعوب الإِسلامية المتفرقة.
وبهذه الأروقة صار الأزهر ملتقى أمم إسلامية متباعدة الأقطار. ومتى اشتدت عناية أولي الشأن بأمورهم، فنظروا إليهم بعطف ورعاية، وراقبوا سيرهم في التعليم، وأخذوهم بالنظم الحازمة، وجدت فيهم أوطانهم -إذا انقلبوا إليها- القدوة الصالحة، وكانوا ألسنة تلهج بفضل الأزهر، وتمجيدُ الأزهر يرجع فخره إلى سكان وادي النيل قاطبة.
فتوجيه طلاب العلم بهذه الأروقة -ولاسيما النبهاء منهم-, وحملهم في التعليم على النظم الصالحة، حق من حقوق العالم الإسلامي على الأزهر الشريف، ومفخرة يزداد بها ذكر الأزهر رفعة، وبمثله تبقى القاهرة عاصمة الشرق الأدبية، ومبعث الهداية الإسلامية.
* مشيخة الأزهر:
ما زال الأمراء ينظرون في شؤون الأزهر بأنفسهم حتى اتسعت دائرته، واقتضى حاله أن يسند النظر إلى أحد الكبار من شيوخه، وأول من عرف بولايته شيخاً للأزهر: الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي المالكي المتوفى
стр. 5521
سنة ١١٠١ هـ، وتولاها بعده الشيخ إبراهيم بن محمد البرماوي (١) الشافعي المتوفي سنة ١١٠٦ هـ، وتولاها بعده الشيخ محمد النشرتي (٢) المالكي المتوفى سنة ١١٢٠ هـ، وتولاها بعده الشيخ عبد الباقي القليني (٣) المالكي، وتولاها بعده الشيخ محمد شنن الجداوي المالكي المتوفى سنة ١١٣٣ هـ، وتولاها بعده الشيخ إبراهيم بن موسى الفيومي المالكي المتوفى سنة ١١٣٧ هـ، وتولاها بعده الشيخ عبد الله بن محمد عامر الشبراوي الشافعي المتوفى سنة ١١٧١ هـ، وتولاها بعده الشيخ محمد بن سالم الحفني (٤) الشافعي المتوفى سنة ١١٨١ هـ , وتولاها بعده الشيخ عبد الرؤوف السجيني (٥) المتوفى سنة ١١٨٢ هـ، وتولاها بعده الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري (٦) المتوفى سنة ١١٩٢ هـ، وتولاها بعده الشيخ أحمد العروسي (٧) الشافعي المتوفى سنة ١٢١٨ هـ، وتولاها بعده الشيخ عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشرقاوي الشافعي المتوفى سنة ١٢٢٧ هـ، وتولاها بعده الشيخ محمد الشنواني (٨) الشافعي المتوفى سنة ١٢٣٣ هـ، وتولاها
стр. 5522
الشيخ محمد بن أحمد العروسي الشافعي المتوفى سنة ١٢٤٥ هـ وتولاها بعده الشيخ أحمد بن علي بن عبد الله الدمهوجي (١) الشافعي المتوفى سنة ١٢٤٦ هـ , وتولاها بعده الشيخ حسن بن محمد العطار (٢) الشافعي المتوفى سنة ١٢٥٥ هـ , وتولاها بعده الشيخ حسن القوششي (٣) الشافعي المتوفى سنة ١٢٥٤ هـ , وتولاها بعده الشيخ أحمد بن عبد الجواد الشهير بالصائم السفطي (٤) الشافعي المتوفى سنة ١٢٦٣ هـ، وتولاها بعده الشيخ إبراهيم البيجوري (٥) الشافعي المتوفى سنة ١٢٧٧ هـ، وتولاها بعده الشيخ مصطفى بن أحمد العروسي الشافعي، وعزل عنها سنة ١٢٨٧ هـ، وتقلدها الشيخ محمد المهدي العباسي الحنفي، وعزل عنها في المحرم سنة ١٢٩٩ هـ , وخلفه فيها الشيخ محمد بن محمد بن حسن الأنبابي (٦) الشافعي إلى شهر ذي الحجة من تلك السنة، ثم أعيد إليها الشيخ المهدي حتى استقال سنة ١٣٠٤ هـ , وأعيد إليها الشيخ الأنبابي إلى أن استقال سنة ١٣١٢ هـ , وتقلدها بعده الشيخ حسونة (٧) بن عبد الله النواوي الحنفي
стр. 5523
حتى استقال سنة ١٣١٧ هـ , وتولاها بعده حضرة الأستاذ الشيخ عبد الرحمن القطب النواوي الحنفي، وتوفي بعد ولايتها بشهر فجأة، وخلفه فيها الشيخ سليم البشري المالكي حتى استقال سنة ١٣٢٠ هـ، وتولاها بعده السيد علي ابن محمد الببلاوي المالكي، واستقال سنة ١٣٢٣ هـ وتقلدها بعده الشيخ عبد الرحمن الشربيني الشافعي، واستقال سنة ١٣٢٧ هـ، فأعيد إليها الشيخ سليم البشري إلى أن توفي سنة ١٣٣٥ هـ , وتولاها بعده الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي الوراقي (١) المتوفي في ١٥ محرم سنة ١٣٤٦ هـ، وتولاها بعده حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد مصطفى المراغي في ٢ ذي الحجة من تلك السنة، واستقال في ٥ جمادى الأولى سنة ١٣٤٨ هـ , وتولاها بعده حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر محمد الأحمدي الظواهري، وهو شيخ الجامع الأزهر لهذا العهد.
* واجبات شيخ الجامع الأزهر:
ينظر شيخ الجامع الأزهر في شؤون المدرسين، وطلاب العلم، ونظم التعليم، وبما أن الجامع الأزهر أكبر معهد ديني في العالم الإسلامي، كان لرئيسه حق النظر في حالة الأمة من حيث موافقتها لروح الدين، أو بعدُها عنه، وعليه أن يوجه نصيحته إلى أي قطر إسلامي متى انحرف جماعة من المسلمين عن السبيل، أو فتنهم ذو يد طائشة عن دينهم الحنيف، وإذا كانت أحوال
стр. 5524
الشعوب الإِسلامية قبل هذا غير معروفة لشيوخ الأزهر بتفصيل، أو كانت كلمة الأزهر لا تصل إلى من في أقصى الشرق والغرب إلا بعد أمد طويل، فإن وسائل الاطلاع على أحوال الجماعات الإِسلامية في هذا العصر متيسرة، والطرق التي تصل منها نصيحة رئاسة الأزهر إلى جماعات المسلمين على بعد أوطانهم غير متعسرة، وقد أصبحت الرسائل بتمهيد وسائل المواصلات ترد هذه الرئاسة من البلاد القاصية في أيام معدودة، ولا شك في أن انتظام المواصلات يجعل ارتباط الأزهر بالأقطار الإِسلامية في هذا العصر أشد من ارتباطه بها في العصور السالفة.
وأذكر -على وجه المثل-: أن مسلمي الصين -وهم عشرات من الملايين- لا تعرف لهم صلة بالأزهر، وقد بلغهم صوته في هذا العهد، فقاموا يسعون إلى تأكيد الرابطة بينهم ويينه؛ لينالوا ما نالته الشعوب الأخرى من علم وهداية. وجاء في رسالة لهم إلى رئاسة الأزهر: أنهم عقدوا العزم على إرسال طائفة منهم إلى الأزهر؛ ليتفقهوا في الدين، ويقوموا بالدعوة والإِرشاد في بلادهم إذا رجعوا إليها، وتلقت الرئاسة هذه الرسالة بارتياح.
* المدرسون:
في سنة ١٢٩٣ هـ كان عدد المدرسين ٣٦١، وفي هذا العهد سنة ١٣٤٩ هـ يبلغون زهاء ٧١٣ مدرساً: مدرسو العلوم الدينية والعربية ٥٠٥، ومدرسو العلوم الحديثة والخط والإملاء ٢٠٨، وكثير من مدرسي العلوم الحديثة أزهريون تخرجوا من الأزهر بعد أن صارت تدرس فيه هذه العلوم.
والمدرسون في الأزهر أحرار في نقدهم وآرائهم، فللمدرس أن ينقد آراء أهل العلم من قبله ما شاء، فإن وجده أهلُ العلم على حجة، تقبلوا رأيه
стр. 5525
بقبول حسن، وإن وجدوه في خطأ، نبهوا على وجه خطئه بالتي هي أصوب، وإذا أبدى بعض المدرسين أو الكاتبين رأياً حاول به هدم أساس من أسس الشريعة، أو نقضَ أصل من أصول الدين، فلقي بعد تفنيد رأيه بالحجة شيئاً من الإِنكار، فذلك لأنه نادى على نفسه بقلة العلم، أو مرض القلب، وليس من مصلحة طلاب العلم أن يجلسوا إلى من يبادرهم بآراء في أصول الدين يخرج بها عما أجمع عليه أئمة الإِسلام جيلاً بعد جيل، فلا يرمي التدريسَ في الأزهر بعدم الحرية في النقد إلا من فاته أن يعرف حال المحققين من علمائه، أو من أراد من كلمة الحرية معنى غيرَ المعنى الذي يعقله العالمون.
* طلاب العلم به:
يقص علينا التاريخ أن طلاب العلم بالأزهر كانوا في سنة ٨١٨ هـ سبع مئة وخمسين شخصاً، وكانوا في سنة ١٢٩٣ هـ عشرة آلاف، وسبع مئة وثمانين طالبأ، أما عددهم اليوم، فيقدر بنحو ٩٤٦١: في الأقسام الابتدائية ٥١٠٦، وفي الثانوية ٢١٨٢، وفي القسم العالي ١٠٣٣، وفي القسم الموقت ٤٩٠، هذا عددُ الطلاب المصريين، ويضاف إليهم نحو ٦٥٠ من المنتسبين إلى أقطار إسلامية مختلفة.
وبهذا العدد الكبير من الطلاب المصريين الذين يردون الأزهر في أول السنة، ويعودون إلى بلادهم في آخرها، بقي احترام الدين وطاعة أوامره في نفوس الأمة المصرية راسخاً، ولولا هذه الروح التي يبعثها الأزهر في كل ناحية، لوجدت دعاية الفسوق عن الدين الحنيف المجال واسعاً.
ولا أحرص من طلاب العلم بالأزهر على فهم مقاصد المؤلفين، فلا تجدهم يقنعون بفهم مسائل العلم في نفسها حتى ينقدوا عبارة الكاتب,
стр. 5526
ويعرضوها على قواعد الوضع والنحو؛ ليعرفوا وجه دلالتها، ويميزوا حقيقتها عن مجازها، ويتبينوا ما فيها من حذف أو تقديم أو تأخير، والنجباء منهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يتجاوزونه إلى المناقشة فيما يدخل في موضوع العلم، ومن أجل هذه الطريقة ترى النابغة المكب على العلم في الأزهريين أقدرَ على حل المشكلات، وأسرعَ إلى تطبيق كلام المؤلف على ما يراد منه.
يكتب بعض من يتلقى عادات الغربيين بتقليد، ويزين فيما يكتب قبول الفتيات للتعلم بالأزهر الشريف، يكتبون ولا يخجلون أن يقولوا في الاستدلال على هذا الرأي: "إن إيجاد البنت مع الولد في التعليم يساعده على تلمس الكمال والأدب، ويثير فيه حب النجاح والتفوق".
والحقيقة أن في خصال الشرف ما يسمى: صيانة وعفافاً، واختلاط الفتيان بالفتيات مما لا يبقي للصيانة والعفاف عيناً ولا أثراً، ومن نازع في هذه الحقيقة، فإنما ينكر الشمس وهي طالعة في سماء صاحية، وخير لمن يرائي في الناس، فيزعم أن اختلاط الفتيان بالفتيات لا يأتي بشر، أن يرفع صوته بطرح العفاف من حساب الشرف والفضيلة، حتى إذا أقنع الناس بأن العفاف شيء لا يقيم له علم الأخلاق وزناً، بلغ مأربه، ولم تجد دعوته إلى الجمع بين الفتيان والفتيات في معاهد التعليم عقبة.
* الأزهر أساس النهضة الشرقية:
إذا كان الأزهر قد تجرد للبحث العلمي حيناً من الدهر، وغفل عن الأمراض التي تصيب المسلمين في دينهم ومدنيتهم، فقد تنبه اليوم من غفلته، وادكر ماضيه، وأحسن رفعة مكانته، ووثق بأن في مستطاعه مداواة هذه الأمراض، والنهوض بالشرق إلى ذروة السعادة، فهو سائر في سبيله واضعاً
стр. 5527
يده في يد كل مجاهد أمين.
في الأزهر علم وأدب، وفيه الإرشاد إلى أصول العزة والمنعة؛ كتأكيد رابطة الإِخاء، وتربية الغيرة على الحقوق والمصالح؛ لأنه يدرس فيه القرآن، ولم يغادر القرآن كبيرة ولا صغيرة من نواحي السعادة والعظمة إلا دل عليها بأبلغ بيان.
كيف يكون حال من يتفقه فى مثل قوله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، أفلا يشب على التخوف من أن يستولي على قومه من يجحد دينهم، ولا يحترمون شريعتهم؟ ومن مقتضى هذا التخوف البحث عن طريق النجاة من أولئك الذين شأنهم اضطهاد الأمم المستضعفة، والبحث عن طرق النجاة يذهب بالفكر مذاهبَ بعيدة المدى، والفكر الذي يسوقه الإِخلاص، وترافقه الحكمة، يبلغ بتأييد الله غايته، وإن بعد ما بينه وبينها، ووقفت العقبات دونها.
وكيف يكون حال من يتفقه في قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، أفلا يزدري كل عزة ينالها من أشياع الباطل، واثقاً بأن عزة الله فوق كل عزة؟ ومقتضى هذا أن لا يبيعهم عيناً يبصرون بها، أو أذناً يسمعون بها، أو يداً يبطشون بها، بل يأبى له أدبه المتين أن يلقي إليهم السلم، وهو يستطيع أن يكف بأسهم، أو يخفف في الأقل من طغيانهم.
وكيف يكون حال من يتفقه في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٠٤]، أفلا يشب على خصلة الإِقدام والتفاني في مواقف الدفاع عن الحق، حتى إذا لقي نصباً، أو مسه أذى، تذكر أن خصمه يلاقي مثل ما يلاقيه هو من العناء والألم،
стр. 5528
واستمر في جهاده عالماً أن أولى الفريقين بالصبر والثبات مَن حَسُن في الله ظنه، ورجح بالتوكل عليه وزنُه؟.
وكيف يكون حال من يتفقه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، أفلا يصب نظراته الصائبة في أحوال أمته باحثاً عن علل وهنها وخمولها؛ ليعمل على تغيير ما بها من الأحوال التي أخلدت بها إلى الاستكانة، وقعدت بها عن مغالبة خصومها راضية بحياة لا أمن فيها ولا كرامة؟.
والكتاب الكريم والحديث النبوي عامران بأمثال هذه الحكم التي لم تخالط نفوساً زاكية إلا فزعت لأن ترسمها في حياة الأفراد والجماعات خططاً، فحق على أولي الشأن أن ينظروا إلى النشء الأزهريين نظرهم إلى رجال خُلقوا لأن يجاهدوا في سبيل الإِصلاح بما استطاعوا من حكمة وقوة، فالأزهر جاهد، وسيجاهد في ظهور الحق على الباطل، وإعلاء الفضيلة على الرذيلة، وإنما ينهض نهضته الطاهرة المطمئنة إذا سار تحت إشراف الهداية الدينية، وكان ولاة أموره ممن يرجون لله وقاراً.
стр. 5529
من لم ير مصر، لم ير عزّ الإسلام (١)
أيها السادة!
قرأت في بعض كتب التاريخ: أن أحد أهل العلم بالمغرب رحل إلى بلاد الشرق، وبعد أن عاد من رحلته، سئل عن مصر، فقال: "من لم ير مصر، لم ير عزّ الإسلام".
وإنما كانت مصر مظهراً لعزّ الإسلام بهذا المعهد الذي أنشأه القائد جوهر، فأصبح مطلع علم وهداية.
ولنطو الحديث عن الغفوة التي أخذت هذا المعهد ليالي وأياماً، ولنطو الحديث عن أسباب هذه الغفوة، فلعلكم أدرى بها، وأملكُ للسان الذي لا يردّه شيء عن بيانها، وشأني في هذأ المقام أن أقول: إن في مصر اليوم نهضة علمية اجتماعية، ولا أحد يتردد في أن الثقافة الأزهرية كانت أول عامل في أساس هذه النهضة الناجحة. وأذكر بهذا أن أول نداء أيقظ الأمة التونسية من سباتها، إنما صدر من ناحية الجامعة الزيتونية، وأن الدعوة إلى الإصلاح من
стр. 5530
طبيعة القائمين على العلوم الإسلامية متى غاصوا على أسرارها، وأحسنوا النظر في تطبيقاتها.
وإذا كنا نخشى على شعب أن يتهافت في غير هدى، فلا بد أن يكون ذلك الشعب غير الشعب المصري؛ فإن لهذه المعاهد والمدارس العلمية الدينية نوراً يفرق بين الجد واللهو، ويقطع دابر كل باطل يصاغ في زخرف القول غروراً.
إن في مصر حياة علمية راقية، وروحاً إسلامية بالغة، هما اللتان يبعثان النبهاء من شبابنا إلى السعي في إنشاء جمعيات إصلاحية، تعمل لغاية واحدة، هي الأخذ بأيدي الأمة إلى حيث تعيد مجدها، وتملك عزتها، وما هذه الجمعيات إلا جند يجاهد في سبيل العلم والأدب صفاً، وما اختلاف أسمائها إلا كاختلاف أسماء فرق الجند: هذه الميمنة، وتلكم القلب، وأخرى الميسرة، فحقيق علينا أن نؤازر هؤلاء الفتيان من طلاب العلم على ما تطمح إليه هممهم من وسائل السيادة، وشعوري بهذا الحق هو الذي هداني لأن أجيب دعوى حضراتكم إلى هذه الحفلة الكريمة، فسيروا أيها السادة في مشروعكم هذا على الصراط السوي، واعملوا للأمة صالحاً، ويكفيكم من وسائل العمل الصالح بصائركم الثاقبة، وأقلامكم الحرة البليغة:
ولي قلمٌ في أنملي إن هززتُه ... فما ضرّني أن لا أهزَّ المهنَّدا
стр. 5531
تكريم جمعية الهداية الإسلامية لرجل من عظماء الإسلام (١)
أقامت الجمعية مساء يوم الثلاثاء ١١ جمادى الأولى ١٣٥٣ هـ ٢١ أغسطس ١٩٣٤ م حفلة تكريم لحضرة الهمام المفضال الأستاذ حافظ عامر قنصل مصر في الحجاز سابقاً، والقائم بأعمال المفوضية المصرية في العراق الآن، فأجاب حضرته الدعوة، واستقبله حضرات أعضاء الجمعية بترحيب وحفاوة، وكان الحديث في أثناء جلوسهم إلى مائدة الشاي وبعده يدور على شؤون العالم الإسلامي الحاضرة، وفيما ينبغي أن يكون عليه المسلمون من التمسك بأصول الدين وآدابه، وألقى بعض حضرات الأعضاء عبارات الثناء على حضرة الأستاذ المحتفل به، والشكر له على المساعي الجليلة التي كان يبذلها في الحجاز لمساعدة المسلمين، ولاسيما أهل العلم والفضل، على اختلاف شعوبهم.
وبهذه المناسبة أذكر أني عندما نزلت جدة سنة ١٣٥١ هـ قاصداً أداء فريضة الحج، قال لي بعض رفقائي: تعال بنا نزور قنصل الحكومة المصرية، فقلت: نزوره بعد العودة من مكة -إن شاء الله-, قلت ذلك، وفي ظني أن هذا القنصل ككثير من الولاة الذين يلاقون زائريهم بشيء من التعاظم وقلة الاحتفاء، ورحلت إلى مكة المكرمة، ويعد أن أقمت بها يومين، قال لي أحد الأصدقاء:
стр. 5532
إن قنصل مصر نازل بالتكية المصرية، وهو يسأل عنكم، وراغب في لقائكم، فقلت له: سأزور التكية بعد قضاء المناسك، فقال: إنه يسأل عن محل إقامتكم، ويريد زيارتكم، وها هي هذه التكية على مقربة من أحد أبواب الحرم الشريف، فوافقته على أن نذهب إلى التكية بعد صلاة العشاء، وذهبنا حسب الوعد، فوجدت طائفة من فضلاء المصريين، من بينهم حضرة القنصل الأستاذ حافظ عامر، فجلس إلى جانبي، وأخذ يجاذبني أطراف الحديث في استنارة فكر، وصفاء سريرة، ورقة اشاس، حتى خيل إليّ أني أتحدث مع صديق حميم قضيت في صداقته سنين، وأبدى رغبته في أن نكون رفقة في أيام عرفة والمزدلفة ومنى حتى العودة إلى جدة، وكذلك قضينا تلك الأيام الزاهرة في قضاء المناسك، يتخللها مذكرات لذيذة، ولندع بقية الحديث عن تلك الأيام إلى ما سنكتبه -إن شاء الله تعالى- في مشاهد تلك الرحلة المباركة.
وملخص القول: أن الأستاذ حافظ عامر مثلٌ كامل لرجل دولة إسلامية يحق لها أن تكون زعيمة للعالم الإسلامي، فإنا في حاجة إلى أن يكون لنا رجال دولة يجمعون إلى بعد النظر في السياسة سماحة الأخلاق، واحتراماً للدين، واعتزازاً به أشدَّ من اعتزازهم بالإمارة والوزارة وغيرها من المناصب السامية. وذلك ما كان يتمثل لنا في روح الأستاذ المحتفل بتكريمه، جزاه الله عن الإسلام خيراً، وأكثر من أمثاله.
стр. 5533
تأسيس جمعية الشبان المسلمين (١)
سادتي الكرام!
أحييكم، فأحيي أصالة الرأي، وأشكركم، فأشكر حرية الضمير، وإن اجتماعكم هذا لفاتحة حيياة نبيلة، وعنوان مستقبل مجيد.
فتية من أبناء وادي النيل عزَّ عليهم أن يكون الشرق متقطع الأوصال، بطيء السير إلى الأمام، وهو حريّ بأن يكون صبيح المنظر، سليم العاقبة، فقاموا يبسطون أيديهم لإحكام صلة التعارف والتآزر، ويسابقون إلى تأليف جمعية تنحو نحو الإنسانية الصادقة، وتسير على ما يرضي الضمائر العامرة بالإخلاص.
وإن أمة يكون نشؤها على بصيرة من حاضرها، واحتراس مما يدنّس مستقبلها، لأمة خليقة بأن تبلغ السماء، وخليقة بأن تبغي فوق السماء مظهراً.
أما وجه الحاجة إلى تأليف هذه الجمعية، فأعظمُ من أن أصفه في هذا المقام بتفصيل.
стр. 5534
ولعل شبابنا النجباء يشعرون بأن انتظامهم في جمعية يديرونها بأيديهم، ويسلكون بها محجةً ليلُها كنهارها، أطهرُ لقلوبهم، وأرفع لذكرهم، وأسرع بهم إلى امتطاء العزة القعساء.
إن موقع مصر الجغرافي، وتبريزها العلمي يجعلانها أهلاً لأن تكون عاصمة الشرق الأدبية، وهذا ما يستدعي أن تقوم بها جمعية تنتظم الشبان على اختلاف أوطانهم؛ حتى تسري روح الأدب الخالص في سائر الشعوب يميناً ويساراً، وإن هذا العمل لمما يزيد الأمة المصرية فخراً على فخرها، ويضيف إليها عظمة على عظمتها.
حدث تباعد بين طائفتين: طائفة تنفر من الجديد، وأخرى لا تحترم القديم، وقد بصر بهذا التباعد بعض من يضعون أقلامهم في غير نصيحة، فانهالوا يوسعونه طولاً وعرضاً.
وشأن هذه الجمعية أن تعمل لحثّ البطيء تارة، ولرد الجامح عن السبيل تارة أخرى، وبهذا يتيسر لها أن تضع مكان التباعد ائتلافاً، ومتى فتحت نادياً يؤمه الناشئون على اختلاف طرز تعليمهم، خلصت أفكارهم، وتقاربت آراؤهم، وتقاربُ الأفكار والآراء وسيلة ائتلاف القلوب، واتحاد العواطف، والأمة التي تأتلف قلوبها، وتتحد عواطفها، لا يبقى بينها وبين الحياة الآمنة المطمئنة إلا قاب قوسين أو أدنى.
كانت النهضة الاجتماعية في مصر بريئة من أن تحمل في أي ناحية من نواحيها لوناً جافياً، فأقبلت الشعوب الشرقية تحفها بالإجلال، وتلقي إليها بمقاليد الزعامة من صميم أفئدتها، ولا أكتمكم حديثاً هو: أننا أصبحنا نسمع في حسيس هذه النهضة المباركة نغمة غير طيبة، ولا أرى شبابنا المخلصين
стр. 5535
إلا أن يعيدوا على النهضة المصرية أدبها الجميل؛ فإن مصر قلب الشرق، وإذا صلح القلب، صلح الجسد كله.
في الناس من لم يقدر للغة العربية بيانها الراع، وأساليبها البديعة، وفي الناس من لا يعنيه أن تكون هذه اللغة رابطة شعوب هم في أشد الحاجة إلى أن يتعارفوا، وقد قام هذا وذاك يناديان الأدباء إلى أن يزيغوا عن اللغة الفصحى، ويلوثون ألسنتهم وأقلامهم باللغة العامية المرذولة. ومن اللائق بجمعية الشبان المسلمين أن تحتفظ بهذه اللغة المهذبة، وتقيم لآدابها سوقاً نافقة.
تلذ طائفة منا تقليد الأمم الغالبة من غير قيد ولا شرط، والحكمة تنادينا إلى أن نسايرها في العلوم والفنون جنباً لجنب، ونذهب معهم في إعداد وسائل القوة والغلبة أينما ذهبوا، أما ما سوى ذلك، فينبغي أن تكون لنا أذواق تميز الرديء من الجيد، وعقول لا يلتبس عليها النافع مما لا خير فيه. ولعل هذه الجمعية تنظر في هذا الشأن برويّة، فتقتبس من تلك الأمم ما زكا، وتحمي أوطاننا مما فيه بأس، ولاسيما تقاليد أصبح عقلاء تلك الأمم أنفسهم يمقتونها.
سيضرب ذكر هذه الجمعية في نواحي الشرق والغرب، وستلاقيها نوادي العلم والأدب بابتهاج واحتفاء. فكونوا عند أمل هذه النوادي، وأروها على ضفاف وادي النيل فتياناً تتلألأ قلوبهم هداية، ولا يرضون من العلم إلا باللباب.
وستجد هذه الجمعية من حولها ألسنة لامزة، وكذلك المشروعات الإصلاحية لا تمر إلا على جسر من اللمز، فاصرفوا عن اللمز أسماعكم، وقولوا كما قال أكرم الخليقة - صلوات الله عليه -: "اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون".
قد يقول من لا يحسن أن يقول: إن في اسم هذه الجمعية رائحة الرابطة