← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

وعفّة، ولذلك لا يكون المستحيي فاسقاً، ولا الفاسق مستحيياً، وقلَّما يكون الشُّجاع مستحيياً والمستحي شجاعاً لتنافي اجتماع الجبن والشَّجاعة. أمَّا قوله لا يكون المستحي فاسقاً ولا الفاسق مستحيياً فمسلَّم؛ لأنَّ الحياء متفرع عن العفَّة، وأمَّا قوله وقلَّما يكون الشُّجاع مستحيياً إلخ. فباطل لأنه يؤدي إلى تنافي الكمالات، وما سمعنا بهذا من قبل ولا نسمعه من بعد، ويدعو إلى إماطة برقع الحياء حيث كان فيه نوع مباينة للشجاعة التي هي أعز ما يتعاظم بها الرجال، وكلمة الحق التي نقولها أن الحياء من متممات الشجاعة ولا تستقيم بدونه، ثم إن الحياء وسط بين رذيلتين إحداهما الوقاحة والأخرى الخجل. ويقال لها: الخَرَقُ، أما الوقاحة فمذمومة بكل لسان بالنسبة لكل إنسان، وحقيقتها لجاج النَّفس في تعاطي القبيح: صلابة الوجه لم تغلب على أحدِ ... إلّا تكامَل فيه الشرُّ واجتمعا وأما الخَرَقُ: وهو الدهشة من شدة الحياء، فيذم به الرجل اتفاقاً لا سيما في المواطن التي تقتضي حدة وإقداماً، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحكم بالحقِّ والقيام به وأداء الشهادات على وجهها، ثم إن الحياء ولو كان جليَّاً، قد يزيد بالكسب بواسطة مطالعة أخلاق الكُمَّل وهي إحدى فوائد علم التاريخ" أو كثرة الحضور بمجالستهم، وقد يتولد الحياء من الله تعالى من التقلب في نعمه، فإذا شعر العاقل بذلك استحيا أن يستعين بها على معصيته، ولا ينشأ ذلك الشعور إلا عن عظمٍ في النَّفس وسِعةٍ في العقل.

стр. 5707

أبو بكر بن العرَبيّ (١) (٢) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن العربي المعافري

стр. 5708

الأندلسي الإشبيلي، ولد ليلة يوم الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين وأربعمائة، وحفظ القرآن وهو ابن تسع سنين، وما بلغ ست عشرة إلا وقد قرأ من الأحرف نحواً من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه، وتمرَّن في الغريب والشعر واللغة، ثم رحل إلى المشرق مع أبيه يوم الأحد مستهل شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فدخل الشام والعراق وبغداد وسمع بها من كبار العلماء، "كأبي بكر بن الوليد الطرطوشي"، و"أبي بكر الشاشي"، ثم حجَّ في سنة تسع وثمانين، وعاد إلى بغداد ولقي "أبا حامد الطوسي الغزالي". قال في "قانون التأويل": "ورد علينا ذا نشمند "يعني الغزالي" فنزل برباط أبي سعد لإزاء المدرسة النظامية معرضاً عن الدنيا مقبلاً على الله تعالى، فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنّا ننشد وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل إلينا من أن الخبر على الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه "علي بن العباس" لما قال: إذا ما مدحت امرءاً غائباً ... فلا تغلُ في مدحه واقصدِ فإنَّك إن تغلُ تغل الظّنو ... نُ فيه إلى الأمدِ الأبعد فيصغر من حيث عظَّمته ... لفضلِ المغيبِ على المشهد

стр. 5709

وذكر في العواصم أنه لقيه بمدينة "السلام" سنة تسعين وأربعمائة، ثم صدر القاضي أبو بكر عن بغداد، ولقي بمصر والإسكندرية جماعة من المحدّثين، فكتب عنهم واستفاد منهم وأفادهم، ومات أبوه ﵀ "بالإسكندرية" أوّل سنة ثلاث وتسعين، فانصرف حينئذ إلى "إشبيلية" بعلم كثير لم يدخل أحد قبله بمثله ممّن كانت له رحلة إلى المشرق، ولذا نقل عنه أنه قال: "كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به أنا و"القاضي أبو الوليد الباجي"، أو ما هذا معناه، واستقضي بها فنفع الله تعالى به أهلها لصرامته وشدَّته على الظالمين والرفق والرأفة بالمعتدلين، شأن العالم الذي لا تدور أعماله إلا على محور الشريعة، والتزم هذا القاضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله، فقابل ذلك كله بالصبر الجميل، وكان كثير التحمل ثابت الفؤاد. قال في "العواصم": "ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يكن في الأرض منكر، واشتدَّ الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألبَّوا وثاروا إلى فاستسلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي أن لا يدفعوا عن دْاري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار". ومما وقع في زمن ولايته أن احتاج سور "إشبيلية" إلى بنيان جهة منه، ولم يكن بها مال متوفر، ففرض على الناس جلود ضحاياهم، وكان ذلك في عيد أضحى فأحضروها وهم كرهون، ثم صُرِف عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثِّه.

стр. 5710

وذكره "ابن الزبير في صلته"، وقال في حقه: "كان فصيحاً، حافظاً، أديباً، شاعراً، كثير الملح، مليح المجلس"، ثم قال: "قال القاضي عياض بعد أن وصفه بما ذكرته: لكثرة حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته؛ أكثر الناس الكلام وطعنوا في حديثه". ويؤيد لك ما نقله ابن الزبير عن عياض، ما روى "ابن مسدي" في "معجم شيوخه" أن أبا بكر بن العربي قال "لأبي جعفر المرخي" حين ذكر أنه لا يعرف حديث "ابن خطل" والأمر بقتله إلا من حديث "مالك عن الزهريّ": قد رويته من ثلاثة عشر طريقاً غير طريق مالك، فقالوا له: "أفدنا هذه الفوائد"، فوعدهم ولم يخرج لهم شيئاً، قال "الحافظ في نكته": "قد استبعد أهل إشبيلية قول ابن العربي حتى قال قائلهم: يا أهلَ حمصَ ومن بها أوصيكم ... بالبرِّ والتَقوى وصيةَ مشفقِ فخذوا عن العربي أسمارَ الدُّجى ... وخذوا الروايةَ عن إمامٍ متَّقِ إن الفتى ذربُ اللِّسانِ مهذبٌ ... إن لم يجد خبراً صحيحاً يَخْلُقِ وعنى بأهل حمص أهل اشبيلية، قال: "وقد تتبعت طرقه فوجدته كما قال ابن العربي بل أزيد". وقال المحدِّث "أبو القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال" في حقه: "هو الحافظ المتبحر ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفّاظها". ومما قاله في ترجمته "الفتح بن خاقان" في "مطمح الأنس" ما نصه: "علم الأعلام، الطاهر الأثواب، الباهر الألباب، الذي أنسى ذكاء أياس، وترك التقليد للقياس، وأنتج الفرع من غير أصل، وغدا في الإِسلام أمضى من النصل، سقى الله به

стр. 5711

الأندلس بعد ما أجدبت من المعارف، ومدَّ عليها منه ظله الوارف، وكساها رونق نبله، وسقاها ريق وبله"، إلى أن قال: "حتى أصبح في العلم وحيداً، ولم تجد عنه رئاسته محيداً، فكرَّ إلى الأندلس فحلَّها والنفوس إليه متطلعة، ولأنبائه متسمعة، فناهيك من حظوة لقى، ومن عزة سقى، ومن رفعة سما إليها ورقى، وحسبك من مفاخر قلَّدها، ومحاسن أنس أثبتها فيها وخلّدها" اهـ. ومن اطلع على ما انطوت عليه تآليفه من التحقيقات البديعة والفوائد النفيسة، عظمت في عينه مكانة هذا الرجل، وعلم أن مقامه الأسمى فوق ما وصفه به هؤلاء الواصفون. * تآليفه: منها كتاب "القبس في شرح موطأ مالك بن أنس"، وكتاب "ترتيب المسالك في شرح موطأ مالك"، وكتاب "عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي"، وكتاب "الخلافيات"، وكتاب "أحكام القرآن"، وكتاب "مراقي الزلف"، وكتاب "نوا هي الدواهي"، وكتاب "العواصم والقواصم"، وكتاب "سراج المريدين"، وكتاب "المشكلين مشكل الكتاب والسنة"، وكتاب "الناسخ والمنسوخ في القرآن"، وكتاب "النيرين في الصحيحين"، وكتاب "سراج المهتدين"، وكتاب "الأمد الأقصى بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى"، "وتبيين الصحيح في تعيين الذبيح"، و"تفصيل التفضيل بين التحميد والتهليل"، ورسالة "الكافي في أن لا دليل على النافي"، وكتاب "التوسط في معرفة صحة الاعتقاد والرد على من خالف السنة من ذوي البدع والإلحاد"، وكتاب "الإنصاف في مسائل الخلاف" عشرون مجلداً، وكتاب "المحصول في علم الأصول"، وكتاب "أعيان الأعيان"، وكتاب "ملجأة المتفقهين في معرفة

стр. 5712

غوامض النحويين"، وكتاب "ترتيب الرحلة"، وكتاب "حديث الإفك"، وكتاب "حديث جابر في الشفاعة"، وكتاب "شرح حديث أم زرع"، وكتاب "أنوار الفجر"، وكتاب "قانون التأويل"، قال "ابن جزّي" في تفسيره: "أما ابن العربي فصنَّف كتاب "أنوار الفجر" في غاية الاحتفال والجمع لعلوم القرآن، فلما تلف تلافاه بكتاب "قانون التأويل"، إلا أنه اخترمته المنية قبل تخليصه وتلخيصه، وألَّف في سائر علوم القرآن تآليف مفيدة". وقد يسَّر الله لصاحب هاته الجملة مطالعة جانب منها، ككتاب "العارضة" في مجلدين وجزأين من الأحكام، يبتدآن من المائدة إلى سورة الناس، وثلاثة أجزاء من "ترتيب المسالك"، وكتاب "العواصم والقواصم" وانتفعنا بها نفعاً عظيماً. * وفاته: قال ابن الزبير توفي، أي ابن العربي، من منصرفه من "مراكش" من الوجهة التي توجه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة بعد دخول مدينة إشبيلية، فحبسوا بمراكش نحو عام ثم سُرحوا، فأدركته منيته بطريقه على مقربة من مدينة "فاس" بمرحلة، وحمل ميتاً إلى مدينة فاس، فدفن بها "بباب الجيسة". وقال القاضي "أبو الحسن النباهي" في كتاب "المرقبة العليا في القضاء والفتيا": "الصحيح في القاضي أبي بكر أنه دفن خارج باب المحروق من فاس، وما وقع من دفنه بباب الجيسة وهْمٌ من ابن الزبير وغلط، وقد زرناه وشاهدنا قبره حيث ذكرناه، وكانت وفاته ﵀ سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة".

стр. 5713

* فوائده: منها قوله رحمه الله تعالى: "تذاكرت بالمسجد الأقصى مع شيخنا "أبي بكر الفهري الطرطوشي" حديث أبي ثعلبة المرفوع "أن من ورائكم أيّاماً للعامل فيها أجر خمسين منكم" فقالوا: بل منهم، فقال: بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون عليه أعواناً، وتفاوضنا كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة مع أنهم قد أسسوا الإِسلام وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الأمصار، وحموا البيضاء، ومهدوا الملة، وقد قال ﷺ "لو أنفق أحدكم كلَّ يوم مثل أُحُدٍ ذهباً ما بلغ مُدَّ أَحدِهم ولا نصيفه" فتراجعنا القول وتَحصَّل ما أوضحناه في شرح الصحيح. وخلاصته أن الصحابة كانت لهم أعمال كثيرة لا يلحقهم فيها أحد ولا يدانيهم فيها بشر، وأعمال سواها من مرفوع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلَّصها من شوائب البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء الدين والإِسلام، وهو أيضاً انتهاؤه، وقد كان قليلاً في ابتداء الإِسلام صعب المرام وفي آخر الزمان أيضاً يعود كذلك، لوعد الصادق ﷺ بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل الكتاب، كما قال ﷺ : "لتركبنَّ سنن من قبلكم شبراً بشير وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ لدخلتموه" وقال ﷺ : "بدأ الإِسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ"، فلابد والله تعالى أعلم بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإِسلام إلى واحد كما بدأ من واحد، ويصعب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف

стр. 5714

وباع نفسه من الله تعالى في الدُّعاء إليه كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكناً منه معانا عليه بكثرة الدعاء إلى الله تعالى، وذلك قوله: "لأنكم تجدون على الخير أعواناً وهم لا يجدون عليه أعواناً" حتى ينقطع ذلك انقطاعاً باتاً لضعف اليقين وقلة الدين كما قال ﷺ : "لا تقوم السَّاعة حتى لا يقالُ في الأرضِ الله الله"، فروي برفع الهاء ونصبها، فالرفع على معنى لا يبقى موحد يذكر الله ، والنصب على معنى لا يبقى آمر بمعروف ولا ناه عن منكر يقول: أخاف الله، وحينئذ يتمنى العاقل الموت، كما قال ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني كنت مكانه". "السعادة" يبتغي بعض المنتسبين إلى العلم أن تكون لهم اليد المطلقة في النهي عن كل منكر يشاهدونه، حتى إذا لم يتمكنوا من النهي عن بعض المنكرات أعرضوا ونأوا بجانبهم عن القيام بحقوق هذا الواجب رأساً، وخلعوا عهدته من رقابهم ولو فيما تنفذ فيه كلمتهم، ومنهم من يهملها استناداً لقضية اختلقتها ألسنة الذين يؤثرون الحياة الدنيا عن الآخرة، ليتخذوها وليجة لإرضاء من لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ألا وهي دعوى فساد الزمان وعدم إفادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند غلبية الفساد، والله يشهد أنهم لمخطئون، لا تكون الحيلولة بينهم وبين النهي عن بعض المنكرات حجة يستبيحون بها التخلف والتنازل عن هذا المنصب مطلقاً، ولا يكون ظنهم عدم إفادة أمرهم ونهيهم عذراً صحيحاً يقدمونه عندما يُسألون. ومنها قوله في "الأحكام" عند قوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت: ١٦] قيل: إنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء، والناس يكرهون السفر يوم الأربعاء لأجل هذه الرواية, حتى أن لقيت يوماً مع "خالي الحسن بن

стр. 5715

أبي حفص" رجلاً من الكتاب، فودعنا بنية السفر، فلما فارقنا قال لي خالي: إنك لا تراه أبداً لأنه سافر في يوم أربعاء لا يتكرر وكذا كان، مات في سفره، وهذا ما لا أراه لأن يوم الأربعاء يوم عجيب، بما جاء في الحديث من الخلق فيه والترتيب، فإن الحديث ثابت بأن الله تعالى خلق يوم السبت التربة، ويوم الأحد الجبال، ويوم الاثنين الشجر، ويوم الثلاثاء المكروه، ويوم الأربعاء النور، وروي النون، وفي غريب الحديث أنه خلق يوم الأربعاء التقن، وهو كل شيء تتقن به الأشياء، يعني المعادن من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص، فاليوم الذي خلق فيه المكروه لا تعافه النفس، واليوم الذي خلق فيه النور أو التقن يعافونه، إن هذا لهو الجهل المبين. وفي "المغازي" أن النبي ﷺ دعا على الأحزاب من يوم الاثنين إلى يوم الأربعاء بين الظهر والعصر فأستجيب له وهي ساعة فاضلة، فالآثار الصحاح تدل على فضل هذا اليوم، فكيف يُدعى فيه التحذير والنحس بأحاديث لا أصل لها، وقد صوَّر قوم أياماً من الأشهر الشمسية ادعوا فيها الكراهة، لا يحل لمسلم أن ينظر إليها ولا يشغل بها بالاً، قبَّحهم الله. "السعادة" بهذا يعلم أن ما جرت به العادة من عدم عيادة المريض في هذا اليوم وتطيره بذلك، وهو وسوسة وهوس لا تشتغل به إلا الخواطر المبرسمة التي تبني معتقداتها على شفا جرف الأوهام الباطلة.

стр. 5716

ترجمة القاضي أبا الوليد الباجيّ الأندلسيّ (١) سليمان بن خلف بن سعد بن أيوب بن وارث التجيبي، أصله من "بطليوس"، ثم انتقل جدّه إلى "باجة" (٢) وإليها نسب أبو الوليد، ثم سكنوا بعد "قرطبة"، ولد في ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة، وكان على عهد دولة "المعتضد عبّاد" ملك "إشبيلية" ووالد "المعتمد بن عباد"، وله فيه من شعره قوله: عبّاد استعبد البرايا ... بأنعُمٍ تبلغ النعائم مديحه ضمن كل قلبٍ ... حتى تغنت به الحمائم

стр. 5717

وتوفي "بالمرية" سنة أربع وسبعين وأربعمائة لسبع عشرة خلت من رجب. * نشأته العلمية: أخذ العلم بالأندلس عن "ابن الرحوي"، و"أبي محمد مكي"، والقاضي "يونس بن مغيث" الموثِّق الشهير، ثم بدا له أن يرحل إلى طلب العلم ليجمع بين الطريقة المشرقية فيمزجها بالطريقة الأندلسية، فرحل إلى المشرق سنة ست وعشرين وأربعمائة، فحجَّ وأخذ بالحجاز عن الحافظ "الإِمام أبي ذر الهروي" الذي ترجع إلى روايته أكثر نسخ "صحيح البخاري" بالمغرب بواسطة "أبي الوليد الباجي"، لازمه ثلاث سنين، ثم وفد على "بغداد" فدرس بها الفقه والحديث عن جلَّة من العلماء، منهم "أبو إسحاق الشيرازي"، والقاضي "أبو الطيب الطبري"، و"الصيرفي"، و"ابن عمورس"، ومكث بها ثلاث سنين، ثم وقد على "الموصل" فأقام بها سنة في صحبة "أبي جعفر السمناني" يأخذ عنه علم الكلام، ولقي الحافظ "أبا بكر الخطيب البغدادي" فروى كل واحد منهما عن الآخر، فمكث في رحلته كلها نحواً من ثلاثة عشر عاماً. وكان في سني رحلته ضيق الحال، حتى كان قد قصد بشعره، وحتى استأجر نفسه في بغداد لحراسة درب، فكان يستعين بمقدار أجرته على نفقته ومطالعته، ثم قفل راجعاً إلى الأندلس سنة ٤٣٩ هـ، فدخلها على ضنك حاله، فكان يخلط أوقات تدريسه ومطالعته بضرب ورق الذهب، حتى اشتهر من خبره أنه كان يخرج إلى درسه إذا جاء التلامذة للقراءة وفي يديه أثر المطرقة وصدأ العمل. دام على ذلك إلى أن اشتهرت تآليفه وفشا علمه، فعُرف حقه وعَظُم

стр. 5718

جاهه، وقرَّبه الملوك حتى مات عن مال كثير. أخذ عنه الإِمام "أبو بكر الطرطوشي"، والقاضي "ابن شيرين"، و"أبو الصدفي الحافظ"، والقاضي "أبو القاسم المعافري"، وروى عنه حافظاً المغرب والمشرق "أبو عمر ابن عبد البر"، و"الخطيب أبو بكر ابن ثابت البغدادي". كان أبو الوليد ﵀ فقيهاً، نظاراً، محققاً راوية محدِّثاً، يفهم صفة الحديث ورجاله، متكلماً أصولياً، فصيحاً، حسن التأليف، ألَّف كتباً مهمة أكبرها في الفقه ومعاني الحديث كتاب "المنتقى شرح الموطأ"، وهو موجود غالبه، طالعنا منه جزأين ضخمين يقربان من نصفه أو أكثر، قيل كان ابتداء تأليفه كتاب سمّاه "الاستيفاء على الموطأ" بلغ فيه الغاية من التطويل، لكنه لم يأت فيه بغير شرح الطهارة في مجلدات، واختصر من المنتقى كتاباً سمّاه "الإيماء"، وكتاب "السراج في مسائل الخلاف" لم يتم، وكتاب "المقتبس في علم مالك بن أنس" لم يتم، وكتاب "المهذب" اختصار المدونة، "وشرح المدونة" لم يتم، وكتاب "اختلافات الموطأ"، وكتاب "التعديل والتجريح لمن خرَّج عنه البخاري في الصحيح"، وله في الكلام كتاب "التسديد لمعرفة طريق التوحيد"، وفي الأصول كتاب "أحكام الأصول"، وكتاب "الإشارة في الأصول" موجود وهو مؤلف في جزء صغير يشتمل على علم كثير، و"تفسير القرآن" لم يتم، وكتاب "الانتصار لأعراض الأئمة الأخيار"، ورسائل، ورسالة في الجدل توجد ببعض مجاميع خزائن الجامع الأعظم. كان له مع ذلك شعر مطبوع حسن، لكنه لم يبلغ به صناعة الشعر، وهاك نموذجاً منه في مقام تنقدح فيه القرائح الشعرية، وتبرز المكنونات النفسية،

стр. 5719

قوله في رثاء ابنه وأخيه وماتا مغتربين عنه (١): رعى اللهُ قبرين استكانا ببلدةٍ ... هما أسكناها في السوادِ من القلب لئن غُيّبا عن ناظري وتبوّءا ... فؤادي لقد زاد التباعدُ في القرب يقرُّ بعيني أن أزورَ ثراهما ... وألزق مكنون الترائبِ بالتُّرب وأبكي وأبكي ساكِنَيها لعلَّني ... سأنجدُ من صحبٍ وأسعدُ من سُحب فما ساعدت ورقُ الحمام أخا أساً ... ولا روَّجت ريحُ الصبا عن أخي كرب ولا استعذبت عيناي بعدَهما كرى ... ولا ظمأت نفسي إلى البارد العذبِ أحنُّ ويثني اليأسُ نفسي عن الأسى ... كما اضطر محمولٌ على المركب الصعب فما زاد ﵀ في شعره على الطبع اللفظي والمحسنات، وما أودع فيه من معنى الخطب إلا معاني مطروقة معلومة لا تستحق أن توصف بوصف الشعر، وكذلك رثى ابنه في قصيدة أخرى بمعان وإن كانت أقل شهرة من هذا إلا أنها سبق بها جمع كثير من الشعراء، وهي بعد على طرف الثمام، فلا يفيدنا سردها حكماً جديداً على شعر أبي الوليد. * نهضته بالنظر في فقهاء الأندلس: قلنا: إن أبا الوليد الباجي قد بعثته نفسه على الرحلة للمشرق في طلب العلم، وتلك علامة على كبر نفسه وطلبها للمعالي، فاستفاد من الثلاثة عشر عاماً التي قضاها علماً زاخراً من أئمة العصر يومئذ، وجمع بين

стр. 5720

الطريقتين، ورجع مزجاً من إقليمين. وقد كان فقهاء الأندلس يومئذ يقتصرون من الفقه على تخريج مسائل المدونة شرحاً واستنباطاً، ويضمون إلى ذلك ما ينزل بهم من الأقضية المحدثة تحت اسم "العمل"، فجاءت عدة أعمال، "عمل قرطبة" "عمل طيطلة" ... إلخ، إلا أن ذلك كله كان في فصاحة عبارة وحسن تبويب كما تشهد بذلك كتبهم التي ترى لنا اليوم، ولم يكن فيها من النظارين يومئذ إلا "أبا محمد ابن حزم" الإِمام الشهير، لكنه كان منبوذاً بينهم بمتابعته مذهب "داوود الظاهري"، على أنه كان ينال من الفقهاء وطريقتهم بالشتم والتحقير ما أضاق نفوسهم منه، ولم يجدوا من سعة العلم والعرفان بالسنّة والعلوم الكلامية من يقدر على مناظرته أو إقناعه في الأقل، فكانوا متشوقين لمن يقوم بذلك، فلما قدم أبو الوليد، قام بمناظرة ابن حزم وبيَّن له مسائل كان يخلط فيها، حتى اضطره إلى مفارقة البلد الذي هو فيه، ولكنه مع ذلك لم يكن يجري بينهما شيء زائد على المناظرة من نحو سباب الجهال وتنابز الطغام، حتى لقد كان كل منهما يعترف لصاحبه بقوة العلم والنظر، قال عياض: "بلغني أن أبا محمد ابن حزم على بعد ما بينهما كان يقول: لم يكن للمالكية بعد عبد الوهاب مثل أبي الوليد". قال الباجي يوماً مفاخراً لابن حزم: "أنا أعظم منك همة في طلب العلم، لأنك طلبتَه وأنت تعان عليه، تسهر بمشكاة الذهب "يشير إلى سعة ثروة ابن حزم وآبائه"، وطلبتُه وأنا أسهر بقنديل بائن السوق "جمع ساق"، فقال له ابن حزم: "هذا الكلام عليك لا لك, لأنك إنما طلبت العلم وأنت في تلك الحال رجاء تبديلها بمثل حالي، وأنا طلبته في حين ما تعلمه وما ذكرته،

стр. 5721

فلم أرج به إلا علو القدر العلمي في الدنيا والآخرة"، فأفحمه. وأدخل للأندلس طريقة النظر في الفقه، فكان ينزع منازع الاجتهاد على طريق النظّار من البغداديين وحذّاق أئمة القرويين والقيام بالمعنى والتأويل، قال عياض: "وكانت كتبه مشهورة جليلة، ولكن أبلغ ما كان فيها في الفقه وإتقانه". قال القاضي أبو بكر بن العربي: "ولولا أن طائفة نفرت إلى ديار العلم، وجاءت منه بلباب كالباجي والأصيلي فرشت على هذه القلوب الميتة، وعطرت أنفاس الأمة الزفرة، لكان الدين قد ذهب". كانت الفلسفة اليونانية يومئذ قد مدَّت أطنابها على الأندلس، وروَّجت كثيراً من العقائد المقارنة لها في كتب أصحابها، في قلوب كثير من ضعفاء الذين مازجوها حتى أفضت ببعضهم إلى الإلحاد في الدين، ولم يجدوا مع ذلك كله من يقوم بتبيان الحق ويفسِّر حقائق الإِسلام وآدابه للذين استهوتهم فلسفة الأخلاق اليونانية والفارسية على ما فيهما من تبديل وقِدَمٍ، ومن خلط العقائد بالفلسفة، فلما جاء أبو الوليد ابتدأ يبين لخاصة المتفلسفين أن الفلسفة شيء والعقيدة شيء، وأن لهم في كتابهم من فضائل الأخلاق ما لو شرحوه ودوَّنوه لفاق غيره، ومن حديثه في ذلك أنه كان يوماً في مُناخ "أحمد بن هود" الملقب "بالمقتدر ملك سرقسطة" ينتظر إذنه، فجالسه ابنه "يوسف" الملقب "بالمؤتمن" الذي ورث بعده ملك سرقسطة سنة أربع وسبعين وأربعمائة، وكان قائماً على الفلسفة والعلوم الرياضية وله فيها تآليف مثل "الاستهلال والمناظر"، وجاذبه ذيل الحديث، فقال أبو الوليد للمؤتمن: "هل قرأت زجر النَّفس لمحمد بن عبد الله ﷺ ؟ "، يُعرِّض له "بكتاب أفلاطون" في الأخلاق الذي يُسمّى "زجر النَّفس"، وعنى ما تضمنت الشريعة في هداية النُّفوس.

стр. 5722

بهاته النهضة وما تبعتها، ممن خطَّ على تسطير أبي الوليد الباجي مثل "ابن العربي"، و"ابن رشد الحفيد"، و"ابن السيد"، كملت النهضة العلمية بالأندلس وجمعت طرق العلم والتعليم، ونخلت العلوم المختلطة، دام ذلك الأمر إلى أن خبت نارها بِبرْكة التفرق والتنازع. نال أبو الوليد وجاهة عند الملوك والرؤساء ما بين "سرقسطة وبلنسية ومرسية ودانية"، فاغتنم وجاهته هذه فرصة، فسعى بين ملوك الطوائف يؤلفهم على وحدة الإِسلام، ويروم جمع كلمتهم مع جنود المغرب المرابطين، ليحفظوا الأندلس من السقوط المتوقع، وهم يجلّونه في الظاهر ويستثقلون نزعته في الباطن، ولذلك لم يفلح له سهم فيما أراد حتى مات "بالمرية" في هذا الغرض. * ماذا لقي أبو الوليد من جزاء على حسن صنيعه؟ كان أن لم تتخلف سنَّة الزمان عن اطرادها، حتى لحقت الباجي على سعة علمه وشهادة الأمة له ونصحه لها وإيقاده بصائرها ومكانه من الوقار، فإنه ما لبث شجى في حلوق حاسديه لم يجدوا فيه مغمزاً أوهنة ينسبونها إليه، ليسقطوا من جنبه في نظر الأمة، ويمحوا من اسمه ما اشتهر، ولم يرقبوا فيه حقاً، فتربصوا به الملجأ الأخير مخالفة المعتاد والإتيان بشيء جديد، ذلك الأمر الذي يسخط صغار العقول من العلماء، فيسعون به لدى العامة يستعينون بغضبها الأعمى على اضطهاد الرجال الكبار، فإن أبا الوليد لما كان بالمنزلة التي عرفتم، وكان علم الحديث كدأبه يتضاءل في الأمة بعد القرون الأولى، لا يجد حاملاً لا ينوء به حمله، فكان درس "حديث صلح الحديبية" من "صحيح البخاري" حين أبي المشركون أن يكتب كاتب رسم الصلح كلمة

стр. 5723

رسول الله، وألحوا في استبدالها بابن عبد الله، فحين أبي أن يمحوا هذا الوصف محاه رسول الله وكتب ما طلبوا. فأنكره عليه "ابن الصايغ" وكفَّره بإجازته الكتابة على رسول الله، وهي تكذِّب الأمية الموصوف بها في القرآن، وأكبرها الناس إذ لم يسمعوها من قبل، وكان من حقهم لو كانوا يعلمون، أن يكبروا الحديث لا مقال أبي الوليد، وقبحوا عند العامة ما أتى به، وأكثر المقالة فيه من لم يفهم غرضه حتى أطلق عليه اللعنة علماؤهم، وضمنوا البراءة منه في أشعارهم، وحتى قام بذلك بعض خطبائهم في الجمع، وحتى قال "عبد الله بن هند" فيه قصيدة استهلها بقوله: برئتُ ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال إنَّ رسول الله قد كتبا قال عياض: "ولم ينكر عليه أولو التحقيق في العلم، وكتب بالمسألة إلى شيوخ صقلية فأثنوا عليه وسوغوا تأويله، وأنكروا على من أنكر عليه، وألَّف في ذلك رسالة بيّن فيها وجوه المسألة، وأنها لا تقدح في المعجزة كما لم تقدح القراءة في ذلك بعد إن لم يكن قارئاً من قبل، بل في هذا معجزة أخرى"، ولولا تعلقه بجانب من الدولة لخشي من هاته العصبية الضالة على حياته، رُوي عنه أنه كان يقول -وقد ذكرت له صحبة السلطان-: "لولا السلطان لنقلني الذر من الظل إلى الشمس". من أجل هذا لم يُولَّ إلا قضاء مواضع من الأندلس تقصر عن قدره، فكان يبعث لذلك خلفاءه. * ثناء الأفاضل عليه: مثل أبي الوليد لا تذعن له النفوس حتى يموت، فشهد له "ابن العربي"، و"عياض"، و"ابن بسام"، و"ابن خلكان"، و"ابن بشكوال"، وسُئل عنه "الصدفي الحافظ" فقال: "هو أحد أئمة المسلمين لا يُسأل عن مثله وما رأيت

стр. 5724

مثله"، وذكره تلامذته كلهم بأحسن ما يذكر به تلامذة نجباء بارّون شيخاً نوَّر عقولهم في الظلمات مثله، وأبى الله إلا أن يتم نوره ويخلِّد اسمه ولو كره الضالون.

стр. 5725

منذر بن سعيد (١) القاضي أبو الحسن منذر بن سعيد البلوطي"، كان واسع العلم، غزير الفضل، قوي الجأش، لا تأخذه في نصرة الحق لومة لائم، ولد سنة خمس وستين ومائتين، وسمع من "عبيد الله بن يحيى" ونظرائه، ثم رحل حاجاً سنة ثمان وثلاثمائة، فالتقى بعدة أعلام من فحول العلماء، واشتهر فضله بالمشرق، وممن سمع عليه منذر بالمشرق ثم "بمكة محمد بن المنذر النيسابوري" أخذ عنه كتابه المؤلف في اختلاف العلماء المسمَّى "الإشراف"، وروى بمصر كتاب "العين" "للخليل" عن "أبي العباس بن ولاد"، وروى عن "أبي جعفر ابن النحاس"، قال القاضي منذر: أتيت وأبو جعفر ابن النحاس في مجلسه بمصر يملي في أخبار الشعراء شعر "قيس المجنون" حيث يقول: خليليَّ هل بالشام عينٌ حزينةٌ ... تبكي على نجدٍ لعلّي أعينُها قد أسلمها الباكون إلا حمامةً ... مطوقة باتت وباتَ قرينُها تجاوبها أخرى على خيزرانةٍ ... يكاد يدنيها من الأرض لينها فقلت له: "يا جعفر ماذا أعزك الله تعالى باتا يصنعان؟ " فقال لي: "وكيف تقول أنت يا أندلسي؟ "، فقلت له: "بانت وبان قرينها"، فسكت وما زال

стр. 5726

يستثقلني بعد ذلك حتى منعني كتاب "العين" وكنت ذهبت إلى الانتساخ من نسخته، فلما قطع بي قيل لي: "أين أنت من أبي العباس بن ولاد"، فقصدته، فلقيت رجلاً كامل العلم حسن المروءة، فسألته الكتاب فأخرجه إليّ، ثم ندم أبو جعفر لما بلغه إباحة أَبي العباس الكتاب إلي، وعاد إلى ما كنت أعرفه منه. ثم عاد منذر وولي قضاء الجماعة "بقرطبة" زمن ولاية "عبد الرحمن الناصر لدين الله". قال "الفتح بن خاقان" في "مطمح الأنفس": "وناهيك من عدل أظهر، ومن فضل اشتهر، ومن جور قبض، ومن حق رفع ومن باطل خفض، وكان مهيباً طيباً صارماً، غير جبان ولا عاجز ولا مراقب لأحد من خلق الله في استخراج حق ورفع ظلم". واستمر في القضاء إلى أن مات "الناصر لدين الله"، ثم ولي ابنه "الحكم" فاقره وفي خلافته توفي بعد أن استعفى مراراً فما أعفي، فلم يحفظ عليه مدة ولايته قضية جور، ولا عدّت عليه في حكومته زلة، وكان غزير العلم، كثير الأدب، متكلماً بالحق، متبيناً بالصدق له، وقال: "وكان القاضي "منذر ابن سعيد" شديد الصلابة في أحكامه والمهابة في أقضيته، وقوة القلب في القيام بالحق في جميع ما يجري على يديه، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه". وأول سببه في التعلق في "الناصر لدين الله"، ما حكى "المقري" قال: "لما احتفل الناصر لدين الله لدخول رسول ملك الروم بقصر قرطبة الاحتفال الذي اشتهر ذكره، أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه لذكر جلالة مقعده، ووصف ما تهيأ له من توطيد الخلافة في دولته، وتقدم إلى الأمير

стр. 5727

الحكم ابنه ولي عهده بإعداد من يقوم بذلك من الخطباء، ويقدمه أمام نشيد الشعراء، فأمر الحكم صنيعه الفقيه "محمد بن عبد البر الكسيباني" بالتأهب لذلك، واعداد خطبة بليغة يقدم بها بين يدي الخليفة، وكان يدّعي من القدرة على تأليف الكلام ما ليس في وسع غيره، وحضر المجلس السلطاني فلما قام يحاول التكلم بما رأى، هاله وبهره هول المقام وأُبهة الخلافة، فلم يهتد إلى لفظه، بل غشي عليه وسقط إلى الأرض، فقيل "لأبي علي البغدادي إسماعيل بن القاسم القالي" صاحب "الأمالي والنوادر"، وهو حينئذ ضيف الخليفة الوافد عليه من العراق وأمير الكلام وبحر اللغة، قم فارقع هذا الوهي، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وصلى على نبيه ﷺ "، هكذا ذكر "ابن حبّان" وغيره، وكلام "ابن خلدون" يقتضي أن القالي هو المأمور بالكلام أولاً والخطب سهل، ثم انقطع القول بالقالي، قال في "المطمح": "إن" أبا علي القالي انقطع، وبهت وما وصل إلا قطع، ووقف ساكتاً متفكراً لا ناسياً ولا متذكراً، فلما رأى ذلك منذر بن سعيد وكان ممن حضر في زمرة الفقهاء، قام بذاته بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي علي لأول خطبته بكلام عجيب، ونادى في ذلك المقام كل مجيب، وقال: "أما بعد، فإن لكل حادثة مقاماً ولكل مقام مقال، وليس بعد الحق إلا الضلال، وإني قد قمت في مقام كريم بين يدي ملك عظيم، فأصغوا إليّ بأسماعكم، وأمنوا عليَّ بأفئدتكم، معاشر الملأ إن من الحق أن يقال للمحق صدقت وللمبطل كذبت"، ثم استرسل في خطبته، وقد ذكرها الفتح بتمامها، وختمها بإنشاد أبيات يقول في طالعها: مقالٌ كحد السيف وسْطَ المحافلِ ... فَرَقْتَ به ما بين حقٍ وباطلِ بقلب ذكي ترتمي جنباته ... كبارق رعدٍ عند رقشِ الأناصلِ

стр. 5728

فما دحضتْ رجلي ولا زلَّ مقولي ... ولا طار عقلي يوم تلك البلابل إلخ". ثم قال: "فخرج الناس يتحدثون عن حسن مقامه وثبات جنانه وبلاغة لسانه، وكان الناصر لدين الله أشدَّ تعجباً منه، وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يثبت معرفة عينه وقد سمع باسمه، فقال الحكم: هذا منذر بن سعيد البلوطي، فقال: والله لقد أحسن ما شاء، ولئن أبقاني الله تعالى لأرفعن من ذكره، فضعْ يدل يا حكم عليه واستخلصه وذكّرني بشأنه، فما للصنيعة مذهب عنه". وذكر "ابن سعيد" في "المغرِب" أن الناصر قال لابنه الحكم بعد أن سأله عنه: "لقد أحسن ما شاء، فلئن كان حَبَّر خطبته هذه وأعدها مخافة أن يدور ما دار فتيلاً في الوهي فإنه لبديع من قدرته واحتياطه، ولئن كان أتى بها على البديهة لوقته فإنه لأعجب وأغرب". ثم قال: "وكان الخليفة الناصر كلفاً بعمارة الأرض، وإقامة معالمها، وتكثير مياهها، واستجلابها من أبعد بقاعها، وتخليد الآثار الدالة على قوة ملكه وعزّة سلطانه وعلو همته، فأمضى به الإغراق في ذلك إلى ابتناء مدينة "الزهراء" الشائع ذكره الذائع خُبره المنتشر في الأرض خبره، واستفرغ وسعه في تنجيدها وإتقان قصورها وزخرفة مصانعها، فانهمك في ذلك حتى عطَّل شهود الجمعة بالمسجد الجامع الذي اتخذه، فأراد القاضي منذر بن سعيد ﵀ في أن يعظه ويُقرِّعه في التأنيب، ويقص منه بما يتناوله من الموعظة بفصل الخطابة والتذكير بالإنابة، فابتدأ أول خطبته بقوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] إلخ الآية. ووصل ذلك بكلام جزل وقول فصل، جاش به صدره وقذف به على

стр. 5729

لسانه بحره، وأفضى في ذلك إلى ذم المشيد والاستغراق في زخرفته والسرف في الإنفاق عليه، فجرى في ذلك طلقًا وتلا فيه قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٩ - ١١٠]. وأتى بما شاكل المعنى من التخويف للموت والتحذير منه، حتى بكى الناس وخشعوا وضجّوا وتضرعوا، وأعلنوا الدعاء إلى الله تعالى، فعلم الخليفة أنه هو المقصود به والمعتمد بسببه، فاستجدى وبكى وندم على ما سلف من فرطه، واستعاذ بالله من سخطه، واستعصمه برحمته، إلا أنه وجد على منذر بن سعيد للفظه الذي قرعه الذي به، فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد انصرافه، وقال: "والله لقد تعمدني منذر بخطبته وأسرف في ترويعي، وأفرط في تقريعي، ولم يحسن السياسة في وعظي وصيانتي عن توبيخي"، ثم استشاط وأقسم أن لا يصلي خلفه الجمعة أبداً، فقال له الحكم: "وما الذي يمنعك عن عزل منذر بن سعيد والاستبدال به؟ "، فزجره وانتهره، وقال: "أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعمله وحلمه لا أمّ لك، يعزل في إرضاء نفس ناكبة عن الرشد سالكة غير القصد، هذا ما لا يكون وإني لأستحي من الله تعالى ألا أجعل بيني وبينه شفيعاً في صلاة الجمعة مثل منذر بن سعيد، ولكنه وقذ نفسي وكاد يذهبها، والله لوددت أن أجد سبيلاً إلى كفارة يميني بملكي، بل يصلي بالناس حياته وحياتنا فما أظننا نعتاض منه أبداً". "السعادة" هكذا ينبغي أن تكون حَمَلة الشريعة في الترفع عن المحاباة في الحق والتحاشي عن مجاراة الوجهاء والأعيان ابتغاء مرضاتهم، وهكذا

стр. 5730

ينبغي أن يكون أولو الأمر في إطراح الأغراض وعدم الانتصار لها متى خاطبهم العلماء بألسنة تطهرت من المداهنة، وساقوا إليهم النصائح البليغة من سرائر لا تضمر إلا خيراً، أما تزلف العالم فمما يخلد له في وجه خطته وصمة لا ترتفع لها الأنظار إلا بسوء، ومثله تعاصي أولي الأمر عن الرجوع إلى النصائح الشرعية. ومن أخبار منذر المحفوظة له مع الخليفة الناصر، ما روى "الحجاري" في "المسهب" قال: "إنه دخل عليه مرة وهو في قبة، قد جعل قرمدها من ذهب وفضة، واحتفل فيها احتفالاً ظنَّ أن أحداً من الملوك لم يصل إليه فقام منذر خطيباً، والمجلس قد غصّ بأرباب الدولة، فتلا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] الآية، وأتبعها بما يليق بذلك، فوجم الملك وأظهر الكآبة، ولم يسعه إلا الاحتمال لعظم قدر منذر في علمه ودينه"، وحضر معه يوماً في "الزهراء" فقام الرئيس "أبو عثمان بن إدريس" فأنشد للناصر قصيدة منها: سيشهدُ ما أَبقيتَ أنك لم تكن ... مضيتَ وقد مكنتَ للدين والدنيا فبالجامع المعمور للعلم والتقى ... وبالزهرةِ الزهراء للملك والعليا فاهتز الناصر وابتهج، وأطرق منذر بن سعيد ساعة، ثم قام منشداً: يا بانيَ الزهراء مستغرقاً ... أوقاته فيها أما تمهلُ لله ما أحسنها رونقاً ... لو لم تكن زهرتها تذبلُ فقال الناصر: "إذا هب عليها نسيم التذكار والحنين، وسقتها مدامع

стр. 5731

الخشوع يا أبا الحكم فلا تذبل إن شاء الله تعالى"، فقال منذر: "اللهم اشهد أني قد بثثت ما عندي ولم آل نصحاً". وقال "المقري": "كان منذر خطيباً، بليغاً، عالماً، بالجدل، حاذقاً فيه، شديد العارضة، حاضر الجواب، عتيده، ثابت الحجة، ذا إشارة عجيبة، ومنظر جميل، وخلق حميد، وتواضع لأهل الطلب وانحطاط إليهم، وإقبال عليهم، وكان مع وقاره التام فيه دعابة مستملحة (من الناس من يتخذ الدعابة وسيلة لإذاية مجالسيه، فلا تكون مستملحة وخصوصاً عند ذوي النفوس الأبية والنباهة التي لا تنخدع بالظواهر) "، ثم قال: "وله نوادر مستحسنة، وكانت ولايته القضاء بقرطبة للناصر في شهر ربيع الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة، ولبث قاضياً من ذلك التاريخ للخليفة الناصر إلى وفاته، ثم للخليفة الحكم المستنصر إلى أن توفي -رحمه الله تعالى- عقب ذي القعدة من سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، فكانت ولايته لقضاء الجماعة المعبر عنه في المشرق بقضاء القضاة ستة عشر عاماً كاملة، لم يحفظ عليه فيها جور في قضية، ولا قسم لغير سوية، ولا ميل إلى هوى ولا إصغاء إلى غاية". ودفن بمقبرة قريش بالربض الغربي من قرطبة -أعادها الله تعالى-، وفي مسجد "السدة الكبرى" بقرب داره، وله رحمه الله تعالى تآليف مفيدة منها كتاب "أحكام القرآن"، و"الناسخ والمنسوخ"، وغير ذلك.

стр. 5732

تحقيق مسْألة تاريخيّةٍ (١) ابتُليت بطون بعض التواريخ بأمراض من الأراجيف، وإنها لبلية كبرى على من لم يكن له باع مديد في تمييز الخبيث من الطيِّب، فحذار أيها السائر تحت لواء الحق، إذا أغطشت ليلها أمامك أن تفتتن بها فتوناً، لا سيما ما يعزونه إلى "الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵁ " (٢) استناداً إلى روايات تتصل بأقوام يلمزونه بها لحاجة في أنفسهم قضوها: منها قولهم: أزعج "أبا ذر" من "الشام" حين غيّر على "معاوية" المنكر، وأجلاه إلى "الربذة". قلنا: "ما أتى معاوية منكراً يغير عليه، وإنما كان أبو ذر على طريقة من الزهد لا تمكن لجميع الخلق، وكان يقرع عمال عثمان ويتلو عليهم ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية, ويراهم يتسعون في المراكب والملابس فينكر ذلك عليهم، ويدعوهم إلى تفريقه في وجوه البر وهو غير لازم لهم؛ لأن ما أُديت زكاته ليس بكنز، فخشي معاوية من أن تثور من العامة فتنة، إذ كان أبو ذر يأمرهم من الزهد بما لا يحتمله الناس كلهم، وإنما يقوى عليه بعضهم، ورفع الأمر إلى عثمان فاسترده إلى

стр. 5733

مجاورته بالمدينة، فاجتمع إليه الناس، وجعل يسلك بهم ذلك الطريق، فقال له عثمان: "لو اعتزلت". معناه أن من كان على هذا المذهب فحاله ينبغي أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويُسلم لكل أحد حاله مما ليس بحرام من الشريعة، فخرج إلى "الربذة" زاهداً فاضلاً وترك أجلَّة فضلاء"، وكلٌّ أوتي حكماً وعلماً، وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين. ومنها قولهم: "ضرب "عماراً" و"ابن مسعود" ومنعه عطاءه، قلنا: "هذا باطل سنداً ومتناً، ولا يلتجأ إلى الاعتذار عنه وان تشاغل به بعضهم، لأن الروايات المختلقة ليس لها حد تنتهي إليه، فالاشتغال بتأويلاتها لا يسعه العمر الذي له أجل مسمى". ومنها قولهم: ردَّ "الحكم" بعد أن نفاه رسول الله ﷺ ، قلنا: "كان قال: "لأبي بكر" و"عمر" إني سألت رسول الله ﷺ في رده فسمح به ثم مات، فطلبا منه الشهادة معه فلم يجدها، فلما ولي قضى بعلمه، وقضاء الحاكم بعلمه له أصل في الشريعة، وإنما تردد فيه الناس من بعد لما حدث من التهمة، قالوا: وصله بمال الله، قلنا: وصله بماله، وكان من أغنياء الصحابة وذلك مستحب". ومنها قولهم: عزل "عمرو بن العاص" وولى "عبد الله بن أبي سرح"، قلنا: "الولاية موكول أمرها إلى الاجتهاد، وقد عزل "عمر بن الخطاب" "سعد ابن أبي وقاص" وقدَّم أقل منه درجة، وكان "عبد الله بن أبي سرح" ممن يناط بعهدته مقاليد الأمور، ولهذا فتح الفتوح في بحر المغرب وبرِّه، ورضي عنه من معه من أبناء الصحابة وأطاعوه". ومنها قولهم: ابتدع في جمع القرآن فأحرق المصاحف، قلنا: "هذه

стр. 5734

من الأيادي التي أثقل به كواهل المسلمين، اختلف الناس في القراءة، فأدركهم بالرد إلى مصحف جمعه "أبو بكر الصديق" ﵁، وأحرق غيره من المصاحف حسماً لمنشأ الاختلاف في الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفها. ومنها قولهم: زاد في الحمى، قلنا: "شرع الحمى للحاجة الداعية إليه، فزاد فيه لزيادتها"، ومنها قولهم: كتب مع غلامه إلى "عبد الله بن أبي سرح" يأمره بقتل من ذكر في الكتاب، قلنا: "قد يكتب على لسان الرجل، وينقش على خاتمه، ويرسم على خطه"، ولقد قال لهم عثمان: "إما أن تقيموا شاهدين على ذلك وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت". قالوا لم يسلِّم إليهم "مروان" حين طلبوا ذلك منه، قلنا: "لو سلَّمه لكان ظالماً، وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان". ومنها قولهم: ولّى مروان، ولم يكن من أهل الولاية، قلنا: "مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة والتابعين وغيرهم، أما الصحابة فإن "سهل بن سعد الساعدي" روى عنه، وأما التابعون فروى عنه "عروة بن الزبير" و"علي بن الحسن"، أثبت ذلك "ابن عبد البر" في "الاستيعاب"، وأما فقهاء الأمصار فإنهم يعظمونه ويعتبرون إمارته وينقادون إلى روايته، قال "أبو بكر ابن العربي" في "العواصم": "وأما السفهاء من المؤرخين والأدباء فيقولون على أقدارهم". ومنها قولهم: عزل "أبا موسى" عن "البصرة" وولي "عبد الله بن عامر"، ابن خالة عثمان، قلنا: "إنَّ عزله لأبي موسى لاختلاف الجند عليه جند البصرة

стр. 5735

والكوفة، وولى عبد الله لأنه ابن عمة رسول الله ﷺ واسمها "أم حكيم"، وأي حرج على الحاكم أن يولي أخاه أو قريبه ولاية هو لها أهل، وإنما ينكر من ذلك ما كان عن غير أهلية"، قال "ابن عبد البر": "لم يختلفوا أن "عبد الله بن عامر" افتتح أطراف "فارس" كلها و"عامة خراسان" و"أصبهان" و"حلوان" و"كرمان"، وهو الذي شق نهر البصرة". ومنها قولهم: كان عمر يضرب بالدرة وضرب هو بالعصا، وأعطى لمروان خمس "أفريقية"، قلنا: "هذه دعاوي باطلة ينسجها الَحسَدَةُ على منوال أغراضهم، فاضرب أيها المستبرئ لدينه عن سماعها صفحاً"، وأما ما يضعونه في قصة قتله من تلويث جانب الصحابة بدمه، فقد قال فيه "صاحب العواصم": "قد انتدب المردة الجهلة إلى أن يقولوا: "أن كل فاضل من الصحابة كان عليه شاغباً، وبما جرى عليه راضياً، واخترعوا كتاباً فيه فصاحة وأمثال كتب "عثمان " بها إلى "علي" مستصرخاً، وذلك كله مصنوع ليوغروا قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين، وإن الصحابة براء من دمه بأجمعهم"، وقال في "العارضة": "ولقد قُتل عثمان، وطالبوه أربعة آلاف، وفي المدينة أربعون ألفاً كلهم لا يريد قتله ويريد نصره، لكنه استسلم للأمر ولم يرض أن يراق بسببه دم، ورضي أن يكون عند الله المظلوم ولا يكون عند الله الظالم" اهـ. وجاء "زيد بن ثابت" فقال له: "إن هؤلاء الأنصار بالباب، يقولون: إن شئت كنَّا أنصار الله مرتين"، قال: "لا حاجة لي في ذلك"، فسلموا له رأيه في إسلام نفسه. فاربأ أيها العاقل بنفسك الزكية من أن يعلق بها ما يلصقه المؤرخون بالصحابة، مما يثلم شيئاً من عدالتهم، وجنِّبْ اعتقاداتك الصحيحة

стр. 5736

من أن تختلط بغثَّه، فإنَّا لم نجد من ذلك النوع ما رواه عدل ضابط عن مثله، ولولا خشية الاغترار بما سُودت به الصحائف التي لا تمحص الصحيح من المريض، لما عرَّجنا على الخوض في مثل هذا، وما توفيقي إلا بالله.

стр. 5737

الأسئلة والأجوبة - عقدة نكاح بين ذمييِّن بشهادة مسلمين. - كتابة القرآن بلفظه العربي بالأحرف الفرنسية. - أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان. - هل صوت المرأة عورة؟ - جواز الاقتباس من القرآن في المقالات. - قصة رتن الهندي. - تقديم الإنسان اسمه على اسم المكتوب إليه. - الطب النبوي. - تلقين الميت لا إله إلا الله. - الاستخارة بالقرآن. - فتوى ابن العربي. - وصول ثواب الذِّكر للميت. - الخطبة الثانية في الجمعة. - دخول ولد الزِّنى للجنَّة. - كيف التخلص من البدع؟ - الرؤيا والحكم الشرعي. - جوائز التفوق في المسائل العلمية. - إجزاء إخراج القيمة من الزكاة. - حكم الرجل يقول لزوجته أنت طالق ليلة القدر. - الصوم بخبر السلك البرقي.

стр. 5738

عقد نكاح بين ذميين بشهادة مسلمين (١) سؤال: ورد إلينا سؤال من بعض الفضلاء وهو: اطلعت في "تاريخ الدولتين" "للزركشي" على ما نصه: شوور "القاضي أبو علي" في عقدة نكاح بين ذمييِّن بشهادة المسلمين فأباحه، فسمع قاضي الجماعة فأنكره، فوجه قاضي الأنكحة هذا لعدول "تونس"، وأمرهم بالشهادة فيه، وأَلَّف كتاباً في إباحة الحكم بينهم والشهادة عليهم وفي أنكحتهم، وسمّاه "إدراك الصواب في أنكحة أهل الكتاب" وألَّف قاضي الجماعة كتاباً على صحة قوله، ذكر ذلك "ابن عبد السلام" عنهما، قال "ابن عرفة": "قلت لابن عبد السلام ما الصواب عندك؟ " قال: "المنع، لأنهم لا يتحفظون في أنكحتهم". قال ابن عرفة: "والصواب عندي الجواز، لأنا لا نطالبهم بما يجوز عندنا شرعاً ولا تضرنا مخالفتهم في ذلك، نقله السلاوي" اهـ. المطلوب بيان ما يتحرر لديكم في المسألة من كتب أهل المذهب. جواب: أنكحة أهل الذِّمة إذا استوفت شروط النكاح المقررة في شريعتنا، كانت

стр. 5739

صحيحة على ما ذهب إليه القرافي، واعتمده المحققون من أهل المذهب، وعليه فإذا تحقق المسلم استكمالها لشروطها الشرعية جازت شهادته عليها، ومدرك الجواز هو أن هذه الشهادة تدفع عنهم ضرراً وتحفظ لهم حقاً من حقوقهم، ومثل ذلك مما يزيدهم شعوراً بكمال الدين، ويغرس في صدرهم حرمته ومودته، وعسى أن يثمر ذلك استمالتهم إلى جميع أحكامه العالية، ويمنع الذهاب معهم إلى ديارهم وفاقاً لما قاله "البرزلي" احتياطاً للعزّة وسد لذرائع الإهانة إذ في التردد على الديار خفض لشيء من جناح الذل. وأما إذا صدرت أنكحتهم عن غير الأوضاع الشرعية، كانت غير صحيحة عندنا، فيتعين وقتئذ المنع من الشهادة عليها للقاعدة المقررة، وهو أنه لا يسوغ لأحد أن يشهد إلا بما يجوز في مذهبه، ولذلك يعاقب شاهدي نكاح السر. وسرُّ هذا الأصل أن الشهادة على العقدة إعانة على إيجاد آثارها المترتبة عليها، وفساد العقدة يستلزم بطلان آثارها, ولا يستباح للإنسان أن يعين على شيء يعتقد أنه باطل، لقاعدة أن "إيقاع السبب بمنزلة إيقاع المسبِّب".

стр. 5740

كتابة القرآن بلفظه العربي بالأحرف الفرنسية (١) سؤال: طلب مني بعض الأوروباويين ممن لا يحسنون القراءة والنطق باللغة العربية، ودخل في الديانة السمحاء، أن أكتب له بعض سور من كلام الله تعالى بلفظها العربي والأحرف الفرنساوية "لاتينية"، ليمكن له حفظها وقراءتها وقت أدائه فريضة الصلاة، حيث يعسر عليه الاجتماع بمن يلقنه ذلك مشافهة، وبما كنّا نجهل الحكم في ذلك، نرجو من كمالكم إرشادنا لما تقتضيه أحكام الشريعة الإِسلامية من الجواز والمنع، والله يحرسكم ويُكثِر من أمثالكم. جواب: إن القرآن يشتمل على أحرف لا يوجد في القلم الفرنسوي أشكال تدل عليها، مثل "ح خ ذ ث ط ض ص ع غ ق"، فالآيات التي تضمنت بعض هذه الأحرف تمتنع كتابتها بالقلم الفرنسوي قطعاً؛ لأن الكاتب إما أن يترك تلك الأحرف أصلاً، أو يرسمها بأشكال أحرف أخرى، كوضع الهاء موضع الحاء، أو السين موضع الصاد، والأول نقص والثاني تبديل، وما كان لنا أن نحذف منه ولا أن نبدّله من تلقاء أنفسنا.

стр. 5741

نعم. لو أمكن وضع أشكال باصطلاح جديد، تدل على معاني الأحرف التي سردناها، بحيث يتوصل من كتبت له إلى معرفتها وكيفية النطق بها على أصلها, لم يمتنع مراعاة للضرورة التي تضمنها السؤال، كما أنه لو فرض وجود آية وجميع أحرفها له أشكال فرنسوية بأن تكون خالية من الأحرف المسرودة أولاً، لجازت كتابتها بها، وتكون تلك الأشكال المصطلح عليها وأشكال الأحرف الفرنسوية تفسيراً، أي علامات على ما هو القرآن، وُيلوِّح إلى ذلك قول القرافي: "فلو كتب بالعجمي جاز مسّه للمحدث لأنه تفسير للقرآن لا قرآن".

стр. 5742

أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان (١) سؤال: أورد بعض الفقهاء أحاديث في صلاة ليلة النصف من شعبان وفضلها، ونسبها بعضهم إلى الضعف، فنطلب الجواب بما يصح عندكم في ذلك. جواب: أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان منها ما أخرجه "البيهقي" في "شعب الإيمان"، ومنها ما أخرجه "أحمد" في "مسنده"، قال الحفّاظ: "وأمثل ما ورد فيها الحديث الذي يتضمن أن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب"، فقد أخرجه "ابن ماجه" في "سننه"، و"ابن حبان" في "صحيحه"، ولكن ضعفه "الإِمام البخاري"، قال "ابن العربي" في "العارضة": "وطعن فيه البخاري من وجهين، أحدهما أنه مقطوع في موضعين من سنده، والثاني أن "الحجاج" الذي هو أحد رواته ليس بحجة، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوي سماع هذا الحديث" اهـ. وقال في "الأحكام" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣﴾: ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان وهو

стр. 5743

باطل، إن الله قال في كتابه الصادق القاطع ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عيَّن من زمانه الليل ها هنا بقوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعوَّل عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تتعدى إليها" اهـ. وأما أحاديث فضل الصلاة فيها، فمنها الحديث الوارد في فضل صلاة مائة ركعة، وقال في حقه "ابن الجوزي": "جمهور رواته مجاهيل وفيهم ضعفاء"، ومنها الحديث الوارد في فضل أربعة عشر ركعة وفيه قال "السيوطي": "أخرجه البيهقي في الشعب، ويشبه أن يكون موضوعاً"، ومنها الحديث الوارد في فضل اثنتي عشرة ركعة وقال "ابن الجوزي": "في رواته مجاهيل أيضاً"، وقال "الحافظ ابن الجزري": "وأما صلاة الرغائب أول خميس من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة ليلة القدر من رمضان، فلا تصح وسندها موضوع" اهـ. هذا وممن بالغ في إنكار هذه الصلوات "أبو بكر الطرطوشي" و"أبو بكر بن العربي" من المالكية، و"النووي" و"ابن عبد السلام" من الشافعية، وقال النووي: "لا يغتر بذكرها في الأحياء والقوت فالعلم حجّة".

стр. 5744

هل صوت المرأة عورة ؟ (١) سؤال: حضرة الأستاذ النحرير دام كماله، بعد أداء التحية اللائقة بجنابكم، فإني أسترشد حضرتكم فيما يختلج في ضميري من المسائل التي فيها شيء من الالتباس معتمداً على مكارم أخلاقكم واتساع دائرة نطاقكم، فأقول: "قد تقرر في كتب الفقه، أن صوت المرأة عورة، وعليه فلا يمكن لها أن تسمعه لغير المحرم لها، وقد ورد أن النبي ﷺ قال: "خُذوا نِصف دِينَكم عَن هاتِهِ الحُميراء" وعنى بذلك "السيدة عائشة ﵂"، كما ورد أيضاً من أنه ﵊، لما قَدِمَ "ليثرب" ومرَّ علي بنات النجار حيينه بألحان وأناشيد منها قولهنَّ "أقبل البدرُ علينا" إلخ. ولم ينكر عليهن ذلك، وأقرهنَّ عليه مع أن الأناشيد لا تكون إلا بصوت عال، وأيضاً فكيف للنسوة إسماع العدول فيما تدعُ إليه الحاجة من المعاملات؟ " نرجو الجواب أدام الله مقامكم العلمي محفوفاً بالإجلال، وأيد سعادتكم مقرونة بكل كمال. جواب: إسماع المرأة صوتها للأجنبي وسماعه منها إن ترتبت عنه مصلحة،

стр. 5745

كالتعليم والشهادة والإشهاد والبيع والشراء وسائر المعاملات الشرعية، جاز بلا خلاف، ومن أدلته خطاب النساء الأجنبيات واسترشادهن للنبي ﷺ بمحضر الصحابة، ورواية الصحابة عن أمهات المؤمنين وغيرهن، وإن كان مما ينشأ عنه مفسدة في الأغلب، كالغناء والتكلم بما فيه تعريض بالفواحش أو تمطيط وتكسير وتشويق، حُرم قطعاً إذ لا مرية أنه مما يُهيِّج النفوس، ويثير هواها ويحرك الساكن من شهواتها الزائغة، ومن القواعد التي بنيت عليها أحكام الشريعة المطهرة، قطع الوسائل التي تجر إلى المفاسد في الغالب بمنع سائر المكلفين من التلبس بها، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أي ليكن قولكنَّ جزلاً وكلامكنَّ فصلاً ولا يكن على وجه يحدث في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين المطمع للسامع. ولا يرد على هذا حديث الجاريتين المغنيتين في بيت رسول الله ﷺ وأقرهما على ذلك؛ لأن غناءهما ليس من النوع الذي أشرنا إليه، المقول فيه الغناء رقية الزنى، ألا يرى إلى قول "عائشة ﵂" وليستا بمغنيتين، أي ليستا ممن يحسن الغناء الذي فيه التمطيط والتكسير، وإنما سمَّت ما صدر منهما غناء على عادة العرب في تسميتها لرفع الصوت غناء، ولو لم يكن بترنم، كما أنه لم يكن في التشبيب بأهل الجمال، وإنما كان في الحرب والشجاعة والتفاخر بالظهور الذي يبث في جأش سامعه قوة وإقداماً مع أمن الافتتان بهما وقتئذ، ومثله حديث بنات النجار الذي تضمنه السؤال، على أن الوارد فيه عن "عائشة ﵂"، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: "طلع البدر علينا" ... إلخ. نعم يكره للمرأة رفع صوتها في المواطن التي يستغنى فيها عن ذلك،
следующие страницы →