← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

نعم. لو أمكن وضع أشكال باصطلاح جديد، تدل على معاني الأحرف التي سردناها، بحيث يتوصل من كتبت له إلى معرفتها وكيفية النطق بها على أصلها, لم يمتنع مراعاة للضرورة التي تضمنها السؤال، كما أنه لو فرض وجود آية وجميع أحرفها له أشكال فرنسوية بأن تكون خالية من الأحرف المسرودة أولاً، لجازت كتابتها بها، وتكون تلك الأشكال المصطلح عليها وأشكال الأحرف الفرنسوية تفسيراً، أي علامات على ما هو القرآن، وُيلوِّح إلى ذلك قول القرافي: "فلو كتب بالعجمي جاز مسّه للمحدث لأنه تفسير للقرآن لا قرآن".

стр. 5742

أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان (١) سؤال: أورد بعض الفقهاء أحاديث في صلاة ليلة النصف من شعبان وفضلها، ونسبها بعضهم إلى الضعف، فنطلب الجواب بما يصح عندكم في ذلك. جواب: أحاديث فضل ليلة النصف من شعبان منها ما أخرجه "البيهقي" في "شعب الإيمان"، ومنها ما أخرجه "أحمد" في "مسنده"، قال الحفّاظ: "وأمثل ما ورد فيها الحديث الذي يتضمن أن الله يغفر فيها لأكثر من عدد شعر غنم بني كلب"، فقد أخرجه "ابن ماجه" في "سننه"، و"ابن حبان" في "صحيحه"، ولكن ضعفه "الإِمام البخاري"، قال "ابن العربي" في "العارضة": "وطعن فيه البخاري من وجهين، أحدهما أنه مقطوع في موضعين من سنده، والثاني أن "الحجاج" الذي هو أحد رواته ليس بحجة، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يساوي سماع هذا الحديث" اهـ. وقال في "الأحكام" عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣﴾: ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من شعبان وهو

стр. 5743

باطل، إن الله قال في كتابه الصادق القاطع ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عيَّن من زمانه الليل ها هنا بقوله: ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ فمن زعم أنه في غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يُعوَّل عليه لا في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها فلا تتعدى إليها" اهـ. وأما أحاديث فضل الصلاة فيها، فمنها الحديث الوارد في فضل صلاة مائة ركعة، وقال في حقه "ابن الجوزي": "جمهور رواته مجاهيل وفيهم ضعفاء"، ومنها الحديث الوارد في فضل أربعة عشر ركعة وفيه قال "السيوطي": "أخرجه البيهقي في الشعب، ويشبه أن يكون موضوعاً"، ومنها الحديث الوارد في فضل اثنتي عشرة ركعة وقال "ابن الجوزي": "في رواته مجاهيل أيضاً"، وقال "الحافظ ابن الجزري": "وأما صلاة الرغائب أول خميس من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان، وصلاة ليلة القدر من رمضان، فلا تصح وسندها موضوع" اهـ. هذا وممن بالغ في إنكار هذه الصلوات "أبو بكر الطرطوشي" و"أبو بكر بن العربي" من المالكية، و"النووي" و"ابن عبد السلام" من الشافعية، وقال النووي: "لا يغتر بذكرها في الأحياء والقوت فالعلم حجّة".

стр. 5744

هل صوت المرأة عورة ؟ (١) سؤال: حضرة الأستاذ النحرير دام كماله، بعد أداء التحية اللائقة بجنابكم، فإني أسترشد حضرتكم فيما يختلج في ضميري من المسائل التي فيها شيء من الالتباس معتمداً على مكارم أخلاقكم واتساع دائرة نطاقكم، فأقول: "قد تقرر في كتب الفقه، أن صوت المرأة عورة، وعليه فلا يمكن لها أن تسمعه لغير المحرم لها، وقد ورد أن النبي ﷺ قال: "خُذوا نِصف دِينَكم عَن هاتِهِ الحُميراء" وعنى بذلك "السيدة عائشة ﵂"، كما ورد أيضاً من أنه ﵊، لما قَدِمَ "ليثرب" ومرَّ علي بنات النجار حيينه بألحان وأناشيد منها قولهنَّ "أقبل البدرُ علينا" إلخ. ولم ينكر عليهن ذلك، وأقرهنَّ عليه مع أن الأناشيد لا تكون إلا بصوت عال، وأيضاً فكيف للنسوة إسماع العدول فيما تدعُ إليه الحاجة من المعاملات؟ " نرجو الجواب أدام الله مقامكم العلمي محفوفاً بالإجلال، وأيد سعادتكم مقرونة بكل كمال. جواب: إسماع المرأة صوتها للأجنبي وسماعه منها إن ترتبت عنه مصلحة،

стр. 5745

كالتعليم والشهادة والإشهاد والبيع والشراء وسائر المعاملات الشرعية، جاز بلا خلاف، ومن أدلته خطاب النساء الأجنبيات واسترشادهن للنبي ﷺ بمحضر الصحابة، ورواية الصحابة عن أمهات المؤمنين وغيرهن، وإن كان مما ينشأ عنه مفسدة في الأغلب، كالغناء والتكلم بما فيه تعريض بالفواحش أو تمطيط وتكسير وتشويق، حُرم قطعاً إذ لا مرية أنه مما يُهيِّج النفوس، ويثير هواها ويحرك الساكن من شهواتها الزائغة، ومن القواعد التي بنيت عليها أحكام الشريعة المطهرة، قطع الوسائل التي تجر إلى المفاسد في الغالب بمنع سائر المكلفين من التلبس بها، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أي ليكن قولكنَّ جزلاً وكلامكنَّ فصلاً ولا يكن على وجه يحدث في القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين المطمع للسامع. ولا يرد على هذا حديث الجاريتين المغنيتين في بيت رسول الله ﷺ وأقرهما على ذلك؛ لأن غناءهما ليس من النوع الذي أشرنا إليه، المقول فيه الغناء رقية الزنى، ألا يرى إلى قول "عائشة ﵂" وليستا بمغنيتين، أي ليستا ممن يحسن الغناء الذي فيه التمطيط والتكسير، وإنما سمَّت ما صدر منهما غناء على عادة العرب في تسميتها لرفع الصوت غناء، ولو لم يكن بترنم، كما أنه لم يكن في التشبيب بأهل الجمال، وإنما كان في الحرب والشجاعة والتفاخر بالظهور الذي يبث في جأش سامعه قوة وإقداماً مع أمن الافتتان بهما وقتئذ، ومثله حديث بنات النجار الذي تضمنه السؤال، على أن الوارد فيه عن "عائشة ﵂"، لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن: "طلع البدر علينا" ... إلخ. نعم يكره للمرأة رفع صوتها في المواطن التي يستغنى فيها عن ذلك،

стр. 5746

ولا تدعوها إليه حاجة خشية الفتنة، ولندورها هنا وضعفها عما يهيجه الغناء المحرم والكلام المرخم المتكسر فيه لم يبلغ به إلى التحريم على ما اعتمده في الشامل، ورفع المرأة صوتها لا سيما مع تكرره مما ينخرق به حجاب الحياء الذي هو شعار الصيانة ودثارها، وقد فُسِّر القول المعروف في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] بالكَلامِ المُنْخَفِض، قال "ابن العربي" في "الأحكام": "قيل القول المعروف هو المفسِّر بأن المرأة مأمورة بحفظ الكلام"، فتلخص: أن معنى قول الفقهاء صوت المرأة عورة، أنها مطالبة بستره إلا لحاجة تدعو إليه خشية الافتتان.

стр. 5747

جواز الاقتباس من القرآن في المقالات (١) سؤال: رأيناكم كثيراً ما تقتبسون من القرآن في مقالاتكم فهل يجوز ذلك؟ جواب: نعم، ودليله قوله ﷺ : "الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين" وقد ألَّف في جوازه قديماً "أبو عبيد القاسم ابن سلام" كتاباً، جمع فيه للصحابة والتابعين من ذلك بالأسانيد المتصلة إليهم، وألَّف فيه من المتأخرين "الشيخ داود الشاذلي" كراسة قال فيها: "لا خلاف بين الشافعية والمالكية في جوازه"، ونقله عن "عياض" و"الباقلاني"، وقال: "كفى بهما حجة"، غير أنهم كرهوه في الشعر خاصة، وروى "الخطيب البغدادي" وغيره بالإسناد عن "مالك" أنه كان يستعمله فما ينقله بعضهم من أن مذهب مالك تحريمه غير صحيح، نعم هو محرَّم في المجون والخلاعة وهزل الفساق وشَرَبة الخمر ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. * * *

стр. 5748

قصة رتن الهندي (١) سؤال: ذكر بعضهم قصة "رتن الهندي" التي تتضمن صحبته وطول عمره، فهل ما ذكره هذا البعض صحيح أم لا؟ جواب: المحققون على أنها باطلة غير صحيحة، قال "الذهبي" في "الميزان": "رتن الهندي وما أدراك مارتَّن؟ شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الستمائة فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون، وقد ألفت في أمره جزءاً، وقد قيل: إنه مات سنة اثنين وثلاثين وستمائة، ومع كونه كذاباً فقد كذبوا عليه جملة كثيرة من أسمج الكذب والمحال". قال "ابن حجر" في "اللسان": "قد وقفت على الجزء الذي ألَّفه الذهبي، ومما نقله منه قوله: أن هم الناس ودواعيهم متوفرة على نوادر الأخبار، فأين كان الهندي في هذه الستمائة سنة، أما كان من قرب بلدة، إنه يتسامع به ويرحل إليه، أين كان لما فتح "محمود بن سبكتكين" "الهند" في المائة الرابعة" وقد صنفوا سيرته وفتوحه، ولم يتعرض أحد من أهل ذلك العصر لذكر

стр. 5749

هذا الهندي، ثم اتسعت الفتوح والهندي ولم يسمع له بذكر في الرابعة ولا فيما بعدها، بل تطاولت الأعمار إلى عام ستمائة، ولم تنطبق بذكره رسالة ولا عرَّج على أحواله تاريخ، ولا نقل وجوده جوّال ولا رحّال ولا تاجر سفّار، ولعمري ما يصدق بصحبة رتن إلا من يؤمن برجعة عليّ أو بوجود "محمد بن الحسن" في "السودان"، وهؤلاء لا يؤثر فيهم علاج، وقد اتفق أهل الحديث على أن آخر من رأى النبي ﷺ مرَّة "أبو الطفل عامر بن واثلة"، وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال قبل موته بشهر أو نحوه "أَرأَيتُكمْ لَيْلتكم هذهِ فإن على رأْس مائة سنَة مِنْها لا يَبْقى على وجهِ الأَرض ممَّنْ هوَ اليَوم علَيْها أَحدٌ"، فانقطع المقال، وماذا بعد الحق إلا الضلال. وممَّن ذكر قصته "الصلاح الصفدي" في "تذكرته"، ثم قواها وأنكر على من ينكرها، وعوَّل في ذلك على الإمكان العقلي، وردَّ عليه "القاضي برهان الدِّين ابن جماعة"، بأن المعول في ذلك إنما هو النقل، وليس كل ما يجوِّزه العقل يستلزم الوقوع، ثم قال "ابن حجر": "والذي يظهر أنه كان طال عمره فادعى ما ادعى، وتمادى على ذلك حتى اشتهر، ولو كان صادقاً لاشتهر في المائة الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة، ولكنه لم ينقل عنه شيء إلا في أواخر المائة السادسة ثم في أوائل المائة السابعة قبيل وفاته".

стр. 5750

تقديم الإنسان اسمه على اسم المكتوب إليه (١) سؤال: هل ورد شيء في تقديم الإنسان اسمه على اسم المكتوب إليه؟ جواب: كان النبي ﷺ يقدم على اسم المكتوب إليه، فمن فعل ذلك بقصد الاقتداء فنعما هو، وكنت اطلعت على كلام "لابن رشد" في "جامع البيان والتحصيل" ينطبق على ما هو الجاري الآن في المكاتبات، وهو: قال "القاضي أبو الوليد": "أنكر مالك الحديث الذي ذُكر له أنه جاء في أن يبدأ الرجل إذا كتب إلى أخيه باسمه قبل اسم أخيه، ورأى أن التزام ذلك على كل حال كان أخوه أصغر منه أو أكبر ليس على ما ينبغي، والاختيار عنده إذا كاتب إلى أخيه وهو أصغر منه أن يبدأ في الكتاب فيقول في الكتاب إليه، من فلان بن فلان، فإذا قدمه على نفسه لكونه أهلاً لذلك لدينه أو لفضله لا لغرض من أغراض الدنيا فلا بأس بذلك". وفيه وإن كتب الرجل إلى من هو دونه في السن والفضل، فبدأه على نفسه تواضعاً لله ومخافة أن يكون عند الله أفضل منه فقد أحسن، وفي موضع

стр. 5751

آخر قال: "حدَّثني مالك أن رجلاً أتى عائشة ﵂، فسألها الكتاب إلى زياد، فكتبت إليه وبدأت باسمها، فسألها الرجل أن تبتدئ باسم زياد فإنه أقضى للحاجة، ففعلت وبدأت باسمه".

стр. 5752

الطب النبوي (١) سؤال: جوابكم الشافي في مسألة الطب أهي من المشروعيات أم من العاديات؛ لأن النبي ﷺ إنما بعث ليعلمنا الشرائع، ولم يُبعث لتعريف الطب ولا غيره من العاديات على ما قاله بعض العلماء، ودليلهم قوله ﷺ في واقعة تلقيح النخيل: "أَنْتمْ أَعلَمُ بأُمور دُنْياكمْ" وهذا يدلُّ صراحة على أنه ﷺ إنما أُرسل ليعلم الناس الشرائع كما تقدم. وقد وردت أحاديث صحيحة تدل على أنه ﷺ أمر عدَّة أنفار من الصحابة ﵃ بالتَّداوي بأدوية مخصوصة، كأمره المبطون أكل العسل وغير ذلك، وهاته الأدوية ليست مركبة على قواعد طبيعية على ما قاله الأطباء. جواب: كان للعرب معرفة بشيء من علم الطب غير مبنية على علوم الطبيعة التي يقررها حكماء الفلاسفة، بل مأخوذة من تجاريب الأُميِّين، والأحاديث التي جاءت في التعريف ببعض الأدوية واردة على هذا المساق، وهي صادقة مطابقة لقواعد حفظ الصحة عند من يحقق النظر في فهمها بتقييدها وتخصيصها، وفي

стр. 5753

تطبيقها على الأمراض بحسب الاختلاف في السنن والزمان والعادة والهوى، فإن الأطباء مجمعون على أن العلة المعينة يختلف علاجها بحسب الاختلاف في ذلك، ويكفي في صدقها تحقق الشفاء بها في الجملة، فالنبي ﵊ بُعث لتعليم الشرائع، ولكنه إن صدر منه في غيرها قول كأحاديث الطب، كان بمنزلة الشرعيات عندنا لا نرتاب في صحته وإن ارتاب المبطلون. أما واقعة تلقيح النخل، فقد بيَّن ﵊ من أول الأمر أن قوله: "لو لمْ تَفعلُوا لصلحَ" إنما هو بمقتضى الظن بقوله: "ما أظن ذلك يغني شيئاً"، فهو بمثابة قوله "أظن أنكم لو لم تفعلوا لصلح"؛ لأن اعتقاد سببية أمر لحصول آخر يكون لإعلام من الشارع ولم يقع هنا أو بالتجربة، وهو ﷺ لم يمارس الفلاحة لاستغراقه فيما هو أشرف مكانة وأعم فائدة للأمة، فرجع إلى ما هو الأصل، وهو أن لا تأثير إلا لله، وعندما تبين له بالتجربة أن التلقيح سبب في صلاح الثمر، قال لهم: "أَنْتم أَعلمُ بأمرِ دنياكم" فالأمر في هذه الجملة يصرف إلى الأمور التي لم يتكلم فيها بصورة جزم كواقعة التلقيح، فتخرج أحاديث الطب فإنها أوامر وأخبار لم تعلق بظن، فلا يسعنا إلا التصديق بصحتها تصديقاً لا ينقض ميثاقه تشكيكات المتطببين، فإنهم يختلفون اختلافاً كثيراً.

стр. 5754

تلقين الميت لا إله إلا الله (١) سؤال: اطلعت في الجزء الثالث من "نفح الطيب" على ما نصه: "شهدت مجلساً آخر عند هذا السلطان "ابن تاشفين عبد الرحمن بن أبي حم" قُرئ فيه على "أبي زيد الإِمام" حديث "لَقِنوا مَوْتاكم لا إله إلا الله" في صحيح مسلم"، فقال له الأستاذ "أبو إسحاق ابن حكم السلاي": "هذا الملقن محتضر حقيقة ميت مجازاً، فما وجه ترك محتضريكم إلى موتاكم والأصل الحقيقة؟! " فأجابه "أبو زيد" بجواب لم يقنعه"، وكنت قرأت على الأستاذ بعض التنقيح: فقلت: "زعم القرافي أن المشتق إنما يكون حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال مختلفاً فيه في الماضي إذا كان محكوماً به، أما إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقاً إجماعاً، وعلى هذا التقرير لا مجاز فلا سؤال"، فالمراد منكم بيان أن هذا الجواب صحيح أم لا؟ جواب: كلام "القرافي" لا يصح تطبيقه على الحديث الشريف، وإيضاح ذلك أن قول القرافي "أما إذا كان متعلق الحكم فهو حقيقةٌ مطلقاً" معناه أنه لا يشترط

стр. 5755

في إطلاق اللفظ المشتق على الذات حصول معناه فيها عند النطق وهو زمن الحكم، ولكن لا بد من شرطية حصول معنى المشتق عند تعلق الحكم به، فنحو أكرمْ العالم، يصدق على من سيكون عالماً في المستقبل حقيقة، ولكن لا بد من حصول العلم فيه عند تعلق الحكم به وهو الإكرام، ولو أبقينا كلامه على إطلاقه للزم عليه أن قول القائل: أكرمْ القائم مثلاً يقتضي إكرام المجالس الذي سيقوم لأنه يقال فيه قائم حقيقة وهو باطل بالضرورة، وإذا أجرينا الحديث على هذا التحقيق، يتضح لنا أن التلقين الذي هو الحكم لا يقع إلا إذا حصل المعنى الذي يقوم بمتعلقه وهو الموت، ومن ثم جاء الإشكال فيتعين العمل على المجاز، وله نكتتان: إحداهما ما قررها المقري بعد، وهي الإشارة إلى أن التلقين يكون عند ظهور العلامات التي يعقبها الموت, لأن التلقين قبل ذلك يُدهش ويُوحش. ثانيها أن ذلك من الإيماء إلى علة الحكم، والإشارة إلى وقت نفع تلك الكلمة النفع التام وهو الموت عليها، أي لقنوهم إياها ليموتوا عليها.

стр. 5756

الاستخارة بالقرآن (١) سؤال: هل تجوز الاستخارة بالقرآن أو لا؟ جواب: الاستخارة من القرآن والاستفتاح به بدعة لم ينقل فعلها عن السلف، والأثر الذي ينسبونه إلى "سيدنا علي بن أبي طالب" غير صحيح، وقد صرح "أبو بكر الطرطوشي" بالمنع، ورأى أنه من الأزلام، وجزم بذلك المنع تلميذه "أبو بكر بن العربي" وأشار إلى وجه المنع في الأحكام بقوله: "إنّ المصحف لم يُبيَّن ليعلم به الغيب إنما بُيِّنت آياته ورُسمت كلماته ليُمنَع عن الغيب، فلا تشتغلوا به ولا يتعرض أحدكم له"، ولقد أغنانا الله تعالى بالاستخارة النبوية عن سائر الاستخارات التي لم يثبت فعلها عن الصدر الأول. * * *

стр. 5757

فتوى ابن العربي (١) سؤال: المرجو من أستاذنا الشيخ صاحب السعادة، أن يفصح لنا عن رأيه في فتوى الإِمام "أبي بكر بن العربي" بجواز أكل ما يخنقه الكتابي أو يحطم رأسه من الحيوان بنية الذكاة، ورجاؤنا أن يكون جوابكم مقصوراً على البحث في المسألة من جهة أدلتها الأصولية رداً أو تأييداً. جواب: ما يذكيه الكتابي بالخنق وحطم الرأس، أفتى "ابن العربي" بإباحة أكله، ونص هاته الفتوى من "الأحكام": "ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها، هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاماً؟ فقلت تؤكل لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا, ولكن الله أباح طعامهم مطلقاً، وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال إلا ما كذبهم الله فيه، ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكاً في الصلح فيحل لنا وطؤهم، فكيف لا نأكل ذبائحهم والأكل دون الوطئ في الحل والحرمة؟ " اهـ. وقال قبل هذا ما نصه: "فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق

стр. 5758

وحطم الرأس، فالجواب إن هذه ميتة وهي حرام بالنص، فإن أكلوها لا نأكلها نحن، كالخنزير والميتة فإنه حلال لهم ومن طعامهم وهو حرام علينا فهذا مثله" اهـ. فانعقد بين كلاميه تعارض بحسب الظاهر، وجمع بينهما "ابن عرفة" بأن الأول فيما إذا نوى بذلك الذكاة، والثاني فيما إذا لم ينو ذلك، وأيَّد هذه الفتوى "أبو عبد الله الحفار" بما خلاصته: "ولا يشترط أن تكون ذكاتهم كذكاتنا في ذلك الحيوان المذكى وذلك رخصة من الله، وإذا كانت الذكاة تختلف في شريعتنا فتكون ذبحاً في بعض الحيوانات ونحراً في بعض وقطع رأس وشبهه كما هي ذكاة الجراد أو وضع في ماء حار، فكذلك قد يكون شرع في غير ملتنا سلّ عنق الحيوان على وجه الذكاة، ولا يلزمنا أن نبحث عن شريعتهم في ذلك بل إذا رأينا ذوي دينهم يستحلون ذلك أكلنا" اهـ. ونقلها جماعة من فقهائنا, ولم يتصرفوا فيها بشيء، وقامت في وجهها طائفة بالإنكار وإن لم يطعنوا في نحرها بما يزحزحها عن موقف التمكن بحسب الدليل سوى "الشيخ ابن عرفة"، ونص ما في التفسير المنسوب إليه عند الآية المصدر بها، "أخذ من هذا "ابن العربي" جواز أكل المسلم من الدجاجة التي فكَّ النصراني عنقها إذا طبخها لنفسه وأطعمه معه لأنها من طعامه، وردّه "ابن عرفة" بأنه ليس من طعامكم الفعلي الوجودي، بل طعامهم الذي أباحه شرعهم لهم، وهو إذاً في شرعهم محرم عليهم" اهـ. وقريب منه كلام "ابن عبد السلام "، ورد "ابن ناجي" كلام الشيخين "بأنه مبني على أنه وقع التبديل في شرعهم وليس كذلك" اهـ. وكأني بك لأن كنت لا ترضى إلا بالنفوذ في أعماق الاستدلالات، تورد

стр. 5759

على قول الإِمام، وهو إذاً في شرعهم محرم عليهم إن هذا عبارة أو في مما بنيت عليه؛ لأن قصارى ما يقتضيه التبديل التوقف في أفعالهم لا الحكم عليها بأنها محرمة، وسيأتيك أن اقتضاء التبديل للتوقف غير كاف في الرد، ثم نلتفت إلى قول "ابن ناجي" "وليس كذلك" فنقول له: "كلا بل إن ذلك كان كذلك"، وقد كشف الغشاوة عن ذلك الوقوع صاحب "إظهار الحق" و"الشيخ الألوسي" في "تفسيره". هذا وممن رام إماطة مدرك هاته الفتوى عن طريق الاعتماد "أبو عبد الله الرهوني"، ففوَّق لها من كنانته سهمين، ولكنهما لم ينبعثا لها على خط مستقيم، ويكاد أولهما يتحد بما رماها به الشيخان، ونصه بعد نقل الفتوى وتأييدها قوله: "إنه يقبل قول أحبارهم ورهبانهم أنَّ ذلك حلال عندهم ويصدقون فيه"، إذ كيف يقبل قولهم بعد إخبار الله تعالى عنهم بأنهم حرّفوا وبدلوا حسبما أفصحت بذلك الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة النبوية، وقد ثبت في أصح الصحيح كذبهم بحضرة النبي ﷺ غير ما مرة، وتوقعهم تكذيب الله إياهم بإعلامه نبيه بذلك، فلم يخشوا الفضيحة مع وقوع تكذيبهم ثم يعترفون، فكيف بغير النبي ﷺ , وفي أصح الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُصَدِقوا أَهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِبوهمْ" الحديث، فتصديقهم فيما ذكر مخالف للأدلة والقواعد، الثاني على تسليم تصديقهم تسليماً جدلياً فلا وجه لتصديقهم في أن المنخنقة والمسلولة العنق حلال عندهم، وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم، وما فُرق به من أن الله كذبهم في حليتها فليس في الآيات ولا في الأحاديث شيء من ذلك، وإن عني أن الله كذَّبهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ﴾ [المائدة: ٣] الآية، فهذه مصادرة لأن الله كذَّبهم فيما زعم أنهم

стр. 5760

مصدقون فيه لأنها منخنقة أو موقودة، وقد ذكر الله حرمة كل منهما في الآية نفسها، وقد قال "ابن العربي، نفسه في "الأحكام": "والمنخنقة هي التي تخنق بحبل قصداً أو بغير قصد أو بغير حبل". فأما أن يحمل "ابن العربي" قوله تعال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] على ظاهره فيدخل فيه الميتة والخنزير وما ذكر معهما، وإما أن يقصر على غير ذلك كله، وقصره على بعض دون بعض عمل باليد ودعوى لا دليل عليها، ولعلك لم تزل متذكراً ما فاتحك به الاستدراك في قولنا: "ولكنهما لم ينبعث إلخ"، فنقول: "يمكن رد الوجه الأول بأن وقوع التبديل والتحريف لا يقضي بتكذيبهم في غير ما لم يكذبهم فيه الوحي، كما هو صريح قوله ﷺ : "لا تُصَدِقوا أَهْلَ الكِتَابِ ولا تُكَذِبُوهمْ" وعليه فنتوقف في تناول ما ذكي بغير ذكاتنا، إلا أن الشارع لما أباح طعامهم مطلقاً بشبهة ما معهم من الكتاب وهو أعلم بما يفعلون، اندرج فيه ذلك فيكون هذا العموم متضمناً لتصديقهم في حلية ما يأكلونه فيباح لنا، إلا ما نص على تحريمه علينا بالخصوص كالخنزير والميتة". ويرد قوله في الوجه الثاني "ولا وجه لتصديقهم في أن المنخنقة والموقوذة حلال عندهم وعدم تصديقهم في أن الميتة والخنزير حلال عندهم" بأن "ابن العربي" صرَّح بأنهم مصدّقون بأن الميتة والخنزير حلال عندهم أيضاً، حيث قال: "كالخنزير والميتة فإنه حلال لهم ومن طعامهم"، وقوله: "وما فُرِّق به من أن الله كذَّبهم في حليتها فليس في الأحاديث ولا في الآيات شيء من ذلك" مردود بأنه لم يعن بما كذَّبهم الله فيه الميتة والخنزير، إذ هو خلاف قوله: "كالميتة والخنزير فإنه حلال لهم"، بل أراد بذلك الربا ونحوه، كاليهودي

стр. 5761

يستحل الربا قال تعالى: نساء: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]. وقوله: "وقد قال ابن العربي نفسه في الأحكام، والمنخنقة هي التي تخنق بحبل قصدًا" إلخ. يجاب عنه بأن يحمل ذلك على ما خنقت بقصد إزهاق روحها، فلا يشمل تعريفه ما خنقت على وجه الذكاة، وقوله: "فأما أن يحمل ابن العربي وطعام الذين أوتوا الكتاب على ظاهره فيدخل فيه الميتة" إلخ. يدفع بأن الميتة والخنزير قد حرمهما الله بالخصوص، فلا ترتفع الحرمة عنها إلّا بنص خاص. وأما ما خنق أو حطم رأسه بنية الذكاة فليس بمحرَّم، إذ ليس هو من مشمولات آية والمنخنقة والموقوذة عند ابن العربي، ولكن يقال له: بأي دليل لم تره داخلاً في قوله والمنخنقة والموقوذة وأدرجته تحت عموم وطعام الذين ... الآية، ومن هنا نتخلص إلى منزع أصولي: وهو أن ما ذكاه أهل الكتاب بالخنق وحطم الرأس أحلَّه قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] وحرمه قوله: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] لما بين الآيتين من العموم والخصوص الوجهي، فذلك المذكى هو محل الاجتماع، وتنفرد الأولى بالذبائح والثانية بما لم تقصد ذكاته، والمرجع عند تعارض مثل هذين الأصلين إلى ما يرجح أحدهما عن الآخر بالنسبة لما وقع فيه التعارض، ولنا في ذلك لفتتان، أولاهما إلى طريق العموم من حيث الدلالة، فيترجح مذهب "ابن العربي" بناء على ما للإمام في المحصول من أن الإضافة أدل على العموم من اللام، وإما على ما نص عليه جماعة من التسوية بينهما فلا ترجيح. وأما الترجيح بدليل آخر وهو اللفتة الثانية فللنظر فيه شعب، منهما أن

стр. 5762

العموم في آية ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ﴾ [المائدة: ٥] مخصوص بالميتة والدم ولحم الخنزير قطعاً، بخلاف عموم آية ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإنا لا نعلم له مخصصاً، والعام الذي لم يدخله تخصيص أقوى في الدلالة مما دخله التخصيص، وعليه فيترجح القول بالتحريم هذا على ما لجمهور الأصوليين، وأما على رأي "ابن السبكي" من أن المخصوص أقوى فيترجح مذهب "ابن العربي"، ثانيها أن الآية الأولى للإباحة والثانية للحظر ودليل الحظر مقدم على دليل الإباحة، وهو مذهب "الأبهري" من أصحابنا، وعزاه "التفتزاني" في "حواشيه على ابن الحاجب" إلى الجمهور، ووجهه بأن مخالفة المحظور توجب الإثم بخلاف المباح فكان أولى للاحتياط، وأيد بقوله ﷺ : "دع مَا يُريبُكَ إلى مَا لا يُريبُكَ". ووجَّهه غيره بأن النهي يعتمد درء المفسدة، وقد قُدِّم على الأمر المتضمن لجلب المصلحة، فلأن يقدم على ما عرى عن ذلك أولى. نعم يترجح مذهب "ابن العربي" بناء على ما ذهب إليه "أبو الفرج" وغيره من تقديم دليل الإباحة، وأما على ما رجّحه في "المستصفى" وصحّحه "الباجي" في "المنهاج" من التسوية بينهما فلا ترجيح، ولكن مذهب "الأبهري" أقوى مدركاً وأعلى نظراً، ومما يدعم أصل الحرمة دليل الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] على أن الاستثناء منقطع، فإن مفهومه أن ما ذكّاه غيرنا كالكتابي لا يباح، لكن ما كانت ذكاته موافقة لذكاتنا قد قام الدليل على إباحته، فيبقى ما عداه ممنوعاً بدلالة هذا المفهوم، ويعضده أيضاً قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥] على أن الآية بيان لنا لا لهم

стр. 5763

على رأي "السدي" وغيره، والمعنى كما قال "الآلوسي" "طعامهم حلٌّ لكم" إذا كان هو الطعام الذي أحللته لكم، ولذلك لو أطعمونا خنزيراً أو نحوه وقالوا هو حل الذي شريعتنا وقد أباح الله تعالى لكم طعامنا كذَّبناهم، وقلنا: "إن الطعام الذي يحل لكم هو الذي يحلُّ لنا لا غيره". ولقائل أن يقول: "إن هذا المعنى إنما تفيده الآية لو اشتملت على طريق من طرق القصر"، فإن قيل: يؤيد أصل الحرمة أيضاً، أن الذكاة شُرعت لإخراج الفضلات، وبالخنق وحطم الرأس لا يتحقق ما شرعت لأجله، قلت: صحيح ذلك على القول به، إلا أن الراجح في المذهب أنها شرعت لإزهاق الروح بسرعة، وأما قياس "ابن العربي" أكل ذبائحهم على وطئ نسائهم، فلا يُعدُّ من فرائد بدائعه، وقد كفانا المحقق "الرهوني" مؤونته الخفيفة، فقد اتضح لك أيها الناقد البصير أن القول بالحرمة أقرب إلى الصواب وأرجح من جهة النظر.

стр. 5764

وصول ثواب الذكر للميت (١) سؤال: سيدي الفاضل صاحب السعادة. هل ينتفع الميت بثواب الذكر والتسبيح والصلاة على النبي ﷺ إذا أهدي ثواب ذلك إليه؟ أو هو حبس على صاحبه لا يصل للميت منه شيء، كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] الآية؟. جواب: انتفاع الميت بما ذكر في السؤال يجري فيه اختلاف الأئمة في وصول ثواب قراءة القرآن، وقد ذهبوا في ذلك مذاهب شتى وإليك خلاصتها: فذهب "مالك" و"الشافعي" إلى أنه لا يحصل شيء من ذلك للميت، وقال "أبو حنيفة" و"أحمد بن حنبل" يصل ثواب القراءة للميت. قال "القرافي" في "فروقه": "فمالك والشافعي ﵄ يحتجان بالقياس على الصلاة ونحوها مما هو فعل بدني، والأصل في الأفعال البدنية أن لا ينوب فيها أحد عن الآخر ولظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ولقوله ﵇: "إذا مَاتَ ابنُ آدم انْقَطَعَ عَمَلهُ إلَّا

стр. 5765

مِنْ ثَلاثْ: عِلْمٌ يُنتفعُ بِهِ وَصَدقَةٌ جَارَيةٍ وَوَلَدٌ صالح يَدْعو لَه"، ثم قال: "وهذه المسألة وإن كان مختلفاً فيها فينبغي للإنسان أن لا يهملها، فلعل الحق هو الوصول إلى الموتى، فإن هذه أمور مغيبة عنَّا, وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في واقع هل هو كذلك أم لا؟ وكذلك التهليل الذي عادة الناس يعملونه اليوم، ينبغي أن يعمل ويعتمد في ذلك على فضل الله ويُلتمس فضل الله بكل سبب ممكن". ونصَّ "ابن رشد" في "الأجوبة"، و"ابن العربي" في "الأحكام"، على أن الميت ينتفع بالقراءة التي يُوهب له ثوابها قرئت على القبر، أو في البيت، أو في بلاد إلى بلاد، وقال "ابن الحاج" في "المدخل": "من أراد وصول قراءته بلا خلاف، فليجعل ذلك دعاء بأن يقول: (اللهم أوصل ثواب ما أقرأ إلى فلان)، فإن الدعاء متَّفق عليه". وقال "الأبيّ": "رأيت لبعضهم أن القارئ للغير، إن صرَّح أو نوى قبل قراءته للغير كان ثوابها للغير، وإن كان إنما نوى الثواب بعد القراءة فإنه لا ينتقل, لأن الثواب حصل للقارئ والثواب إذا حصل لا ينتقل"، وهذا المذهب الذي كان يختار الشيخ "أبيُّ ابن عرفة". أما آية ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] فأجيب عنها، بأن الغير لمّا نوى ذلك الفعل له صار بمنزلة الوكيل عنه القائم مقامه، فكأنه بسعيه، وأجيبُ أيضاً بأن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنياً على سعي نفسه من الإيمان فكأنه سعيه. وقول الأبيُّ إن الثواب إذا حصل لا ينتقل غير ظاهر، والظاهر الذي نعتمده ونعول عليه هو الوصول والانتفاع مطلقاً، كما هو مذهب جماعة من المحققِّين.

стр. 5766

الخطبة الثانية في الجمعة (١) سؤال: هل التزام الخطبة الثانية بعينها في كل جمعة له وجه أم لا؟ جواب: إجراؤها مجرى الخطبة الأولى في إيرادها على حسب ما يقتضيه الحال، ويحتاج إليه في ذلك الوقت هو الأفيد للأمة والأقرب من السنة، قال الشيخ "كنون" في "حواشي المختصر" قال "ابن عاشر": "انظر من أين أخذ خطباء فاس التفريق بين الخطبة الأولى والثانية في كيفية الجهر بهما، حتى إنَّ بعضهم ربما أسرَّ في الثانية. وقال بعضهم باسرار الخطباء بأول الخطبة الثانية حتى لا يكاد الخطيب يسمع لا أصل له فهو بدعة، وكذا التزامهم للثانية لفظاً واحداً دائماً، وكذا إخلاؤها من الموعظة، فإن الجميع خارج عن عمل الماضين من السلف الصالح". * * *

стр. 5767

دخول ولد الزنى للجنة (١) سؤال: هل يدخل الجنة ولد الزنى أو كيف الحال؟ جواب: ولد الزنى كغيره، إن أحسن جُوزي، وإن أساء عُوقب كما "قال ابن عباس"، وحديث "لا يدخل الجنة ولد زانية" رواه "النسائي" و"ابن حبّان" و"أبو نعيم" في "الحلية"، وأعلَّه "الدارقطني" بأنه ورد من رواية "مجاهد" عن "أبي هريرة" ولم يسمع "مجاهد" منه، وأيضاً يعارضه ما رواه "الحاكم" وصححه مرفوعاً "ولدُ الزِّنى ليسَ عليه من وزر أبويه شيء"، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾ [الأنعام: ١٦٤] الآية. وقال "ابن حجر": "واتفق العلماء على أن حديث "لا يدخلُ الجنَّة" إلخ أنه لا يُحمل على ظاهره، وفسَّروه على تقدير صحته بأن معناه إذا عَمِل بعمل والديه، أو المراد من يواظب عليه، كما يقال للشهود بنو الصحف، وللشجعان بنو الحرب". نعم، أخرج "الإِمام أحمد" و "أبو داود" و"البيهقي" و"الحاكم" بإسناد حسن، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ولدُ الزّنى شرُّ الثلاثة" أي

стр. 5768

هو وأبواه، وهذا إنما قاله ﵊ في رجل بعينه كان يؤذيه، وبذلك فسَّرته عائشة ﵂ لما بلغها ما حدَّث به أبو هريرة. روى "الحاكم" في "المستدرك" من طريق عروة أن عائشة بلغها حديث أبي هريرة فقالت: رحم الله أبا هريرة، أساء سمعاً فأساء إجابة، لم يكن الحديث هكذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله ﷺ ، فقال: من يعذرني من فلان، فقيل: يا رسول الله إنه مع ما به ولد زنى، فقال "هو شرُّ الثلاثة" والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ". وروى "ابن ماجه" في كتاب "العتق من سننه" بلفظ: سئل رسول الله ﷺ عن ولد الزنى فقال: "نعلان أُجاهدُ بهما خير من أن أعتق ولد الزنى"، وهو مؤول أيضاً بالحمل على من كثر منه الزنى حتى نسب إليه، كقولهم لمن كثر منه السفر ابن السبيل، حتى لا يصادم آية ﴿وَلَا تَزِرُ﴾ فتبقى مطردة في سبيل عمومها.

стр. 5769

كيف التخلص من البدع ؟ (١) أسئلة متعددة: هل يخلص العبد في توحيده ومتابعته للحق وهو جاهل؟ وهل يخلص ظنّه بالله ويحسن، وهو مخلط مسيء ومتمن مغرور؟ وهل يمنح الفضل والهداية واليقين والتوفيق، وهو متلبس بالبدع المضلة؟ وهل يكون ميسر العمل البر، مشروح الصدر، كريم النفس، مع الكبر والحسد؟ وهل يحب الحق ويكره الباطل ويواسي في الله ويعادي فيه، وهو مخالط لأهل المنكر والضلال؟ وهل يصدّق ويصدْق في الحق ويعطي فرقاناً، وهو آكل حراماً أو ما فيه شبهة؟ وهل يعتقد الحق ويعمل به، وهو مع المؤولين المتعصبين المدعين الدجالين؟ وهل تيسر له التوبة النصوح، مع الإصرار والتمرد والنفاق والمداهنة؟ وهل يكون من أهل الصراط المستقيم المخبتين الخائفين الراجين المحبين أهل السبق والبشارة، وهو راكس في هواه وعوائده الطبيعية والبلدية والمذهبية والعشيرية؟ وهل يكون مختاراً مجتبى تنفعه الذكرى، ويخشى الله ويتقيه، ومتوكلاً عليه منور القلب فيُيسر للخير ويُرحم وينصح ويأمر وينهي، وُيعطي ويمنع وهو متلبس بأنواع من الفساد الظاهر والباطن، وتضييع أكثر الواجب، وارتكاب كل ما يقدر من المخالفات من كل

стр. 5770

ما يغضب الله ويسخطه ويكرهه؟ وهل يتصور إسلام، مع نبذ الشرع والعهود والاعتداء على حدود الله، وما لا يعد ولا يحصى من التكلم بالباطل، وبكلام المردة الذي ينقض عرى الإِسلام عروة عروة من حيث لا يدري، وذكر أهل المخالفة للشرع والميل إليهم، واستحسان ما هم عليه والدعوة إليه؟ وهل من سبيل إلى النجاة من هذه الأحوال؟ جواب: سبيل النجاة من تلك الأحوال بالنسبة للملتبس بها، هو الرجوع إلى التمسك بالكتاب والسّنة، والاقتداء بسيرة السلف الصالح، وكل ذلك لم يزل محفوظاً مذكوراً. أما المشاهد لها، فلا يضره من ضلَّ، إذا اهتدى للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما وجد لذلك سبيلاً، وإن البدع وإن انتشرت بيننا انتشار السنن في الصدر الأول، فباضت وفرَّخت في كل ناد، وهبّت عواصفها في كل واد، لا يعسر اقتلاعها من حيث نبتت، وطيها من حيث نشرت، لو يقوم السادة العلماء يداً واحدة يستقصون آثارها، ويقرطسون فيها سهام الرد والإنكار بألسنتهم وأقلامهم الشديدة العارضة، من غير التفات إلى تفنيد وتثريب ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] , وقد جمعنا في الأسبوع الفارط محفل مبارك مع بعض المدرسين المحققين، فوقعت عينه على بعض محدثات مكروهة شرعاً، فأمر بإزالتها في الحال، فبادر أهل ذلك "المجمع إلى امتثال ما أمر به الأستاذ مع هيبة واحترام، ومثل هذا مما ينبئك على ما قذفه الله في القلوب من الانقياد والتعظيم للعلماء العاملين، وأنهم القدوة والمثال الذي ولع الناس بتقليده.

стр. 5771

الرؤيا والحكم الشرعي (١) سؤال: من رأى النبي ﷺ في المنام، وأمره بفعل شيء، هل يلزمه فعل ذلك الشيء، لقوله: "من رآني فقد رآني حقاً فإن الشيطان لا يتمثل بي"، أم لا؟ جواب: الحكمة البالغة تقتضي أن تكون طرق معرفة الأحكام مضبوطة جلية، تسع مداركها كل من يحاول الوصول إليها من المكلفين لا يختص بها واحد دون آخر، ولهذا لم يعدّ الأصوليون من دلائل الفقه الإلهام ولا المرائي المنامية، وأما ما يذكره بعض العلماء من الاستدلال بالمرائي فإنما هو من باب الاستئناس والتأييد للأدلة الظاهرة. فرؤيته ﵊ مناماً، وإن كانت حقاً لا يقرّر بها حكم شرعي على جهة الاستقلال, لأننا نخشى أن نرى رجلاً يعمل عملاً على خلاف مما يقتضيه ظاهر الشريعة، فإذا كُلِّم في ذلك قال: "إن النبي ﷺ أمرني بذلك مناماً". هذا مع عدم تحقق ضبطه للرؤيا واحتمال تأويلها على خلاف ما فهمه منها, ولذلك قال "القرافي": "لو قال النبي ﷺ لرائيه في المنام امرأتك

стр. 5772

طالق ثلاثاً هل يلزمه الطلاق ثلاثاً لأنه ﷺ لا يقول إلا حقاً أو لا يلزمه شيء، هو الأظهر, لأن إخباره ﷺ في اليقظة مقدم على إخباره في النوم، ولأن احتمال الغلط في ضبط المثال في النوم أرجح من الغلط في ضبط عدم الطلاق لأن هذا لا يختل إلا على النادر من الناس، وأما لمثال في النوم فلا يضبطه إلا الأفراد من الحفاظ لصفته ﷺ ، والعمل بالراجح واجب".

стр. 5773

جوائز التفوق في المسائل العلمية (١) سؤال: هل يجوز للرجل أن يُعيِّن جانباً من المال ليأخذه من فاق غيره في تحقيق مسألة علمية؟ جواب: ورد في الشريعة جواز المسابقة على الخيل بعوض من غير المتسابقين تدريباً على الحروب وترغيباً في الأخذ بالاستعداد لها عند الحاجة، وهذه العلة يصح إجراؤها في مسألتنا، بل الترغيب في العلم والتنافس فيه أكيد، ولا سيما عند ضعف الهمم في طلبه وقلة الاعتناء به من حيث أنه فضيلة، وعليه فما يقع الآن من المناظرات لإحراز مرتب التدريس والامتحانات للفوز بجوائزها سائغة لا بأس بها. * * *

стр. 5774

إجزاء إخراج القيمة من الزكاة (١) سؤال: نطلب منكم أن تبينوا لنا ما هو المعتمد عليه في المذهب من إجزاء إخراج القيمة في الزكاة وعدمه. جواب: مشهور المذهب كما نص عليه "القاضي عبد الوهاب" في "التلقين" و"أبو الوليد" في "المنتقى" وغيرهما، وبه قال الشافعية، إنه لا يجزئ إخراج القيم بدلاً عن الأعيان المنصوص عليها في الزكاة؛ لأن الزكاة عبادة وإذا أتي بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة، وقال بعض فقهائنا بالإجزاء، وبه قال الحنفية بناء على أن الزكاة حق للمساكين، فلا فرق بين العين والقيمة، وقال أصحاب القول الأول: "لنا أن نقول، وإن سلَّمنا أنه حق للمساكين، أن الشارع إنما علق الحق بالعين قصدًا منه لتشريك الفقراء مع الأغنياء في أعيان الأموال"، وقال القائلون بالإجزاء: "إنما خصت بالذكر أعيان الأموال تسهيلاً على أربابها, لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي بين يديه".

стр. 5775

ومشهور المذهب مقيد بما إذا لم يجبره المصدق على دفع القيمة وإلا أجزاه لأنه حاكم، وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ونص المدونة ومن أجبره المصدق على أن أدى في صدقته ثمناً رجوت أن يجزئه إن كانت للحول وكانت وفاء لقيمة ما وجب عليه.

стр. 5776

حكم الرجل يقول لزوجته أنت طالق ليلة القدر (١) سؤال: ما حكم الرجل يقول لزوجته أنت طالق ليلة القدر؟ جواب: رأي بعض الأئمة أنها لا تطلق حتى تتم عاماً من يوم يمينه؛ لأنها تكون ليلة في العام ويحتمل أن تكون آخر ليلة من تلك السنة، ولا تطلق عليه لاحتمال أن تكون الليلة القابلة إذ لا يبطل يقين النكاح بشك الطلاق. وقال بعضهم "إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان طلقت"، لما ثبت من الآثار أنها في رمضان وبانقضاء ليلة تسع وعشرين تعين حصولها. ومذهب "مالك" أنها تطلق في الحال، وهكذا الحكم في كل طلاق عُلِّق على أجل آت لا محالة، وكان مما يبلغه عمر الزوجين عادة لأن الفرج لا يقبل تأقيت الوطء، ولذلك أبطل العلماء نكاح المتعة، وليس مبنياً على الطلاق بالشك كما توهمه بعض الفقهاء، فإن مالكاً لم يُطلِّق بشك قط، ولا يُرفع اليقين عنده بالشك أصلاً. * * *

стр. 5777

الصوم بخبر السلك البرقي (١) سؤال: هل يجوز الصوم بخبر "التلغراف" أو "التلفون" إذا لم يكن لأهل بلد رؤية الهلال، وثبت في بلد آخر واستفدنا منهم ذلك على طريق "التلغراف" أو "التلفون"، أو كيف الحال نرجوا منكم الجواب أثابكم الله؟ جواب: سمعت أهل العلم يقرر وجوب العمل بأخبار "السلك البرقي" رعاية لعدم إخبار المستخدمين فيه بخلاف الواقع منذ حدث، وخالفه بعضهم مستنداً لفقد شروط عدل الشهادة شرعاً، ولا تثبت الأحكام إلا عند توفرها، فلو فرض أنك عاشرت إنساناً السنين المتطاولة، ولم تعثر له على كذب قط، لا يجوز لك العمل على مقتضى روايته، إذا لم تتوفر فيه شروط العدالة. ثم إن المباشر لاستخدام "السلك البرقي"، وإن كان هو في نفسه متحرياً للصدق ليس من شأنه البحث عن الذي أتاه بالخبر، هل هو الممضي باسمه ذلك الخبر أو غيره؟ فمن المحتمل أن يأتيه إنسان غير صادق بخبر ثبوت الشهر بعد أن يمضيه باسم غيره من الثقات، فإن السفهاء الذين يتجرؤون بالعبث

стр. 5778

في أمور الدين كثيرون، وعدم وقوع مثل هذا في الماضي لا يقتضي عدم وقوعه في المستقبل. وبالجملة فإنَّا لا نرى العمل بأخبار هذا "السلك البرقي"، إلا في صورة وهي أن تتفق مع رجل عَدْلٍ على أن يخبرك بثبوت الشهر عندهم، ويقع التوافق بينكما على وضع أمارة خفية يتضمنها ذلك الخبر، كأن تقول له: "إن ثبت عندكم الشهر فاكتب لي مع ذلك الخبر لفظة كذا"، أعني كلمة تعنيها له، فمثل هذا مما يفيد ظناً قوياً يجب العمل بمقتضاه، وأما "التلفون"، فإنه يدرك في صوت المخابر فيه نوع تغير يوجب ريبة في الخبر، فلو كان ذلك الخبر مصحوباً بكلام خاص بينك وبين مخاطبك العدل مثلما اشترطناه للعمل بالتلغراف، لزالت تلك الريبة ووجب العمل بمقتضى المخابرة فيه.

стр. 5779

المستدرك من "السعادة العظمى " (١) * استدراك (٢): من مقاصد هاته المجلة -"السعادة العظمى"-: التعرُّضُ لما تتداوله الألسنة، وتتناقله الأقلام من الأحاديث الموضوعة. قال أبو بكر بنُ العربي: إن ناقلها عن غير ثقة من غير أن يبين وضعها، يشمله وعيدُ قوله ﵊: "من كذب عليَّ ... " الحديث، وما توفيقي إلا بالله. * التمدن (٣): هذه اللفظة مأخوذة من "المدينة"، و"المدينة" اضطرب فيها صاحب "القاموس"؛ فجعلها مرة مِنْ "دان"، وعليه فتكون ميمُها زائدةً، ومرَّةً من

стр. 5780

"مَدَن" بمعنى: أقام، فتكون ميمُها أصليةً، وهو الصحيح؛ إذ لو كانت الميم زائدة، لم يجز جمعُها على "مُدُن". وأما معناها، فقد شاع استعمالها في استجماع كلِّ ما يلزمُ لأهل المدينة من اللوازم البدنية؛ من الملابس والمراكب والمآكل، والعقلية، وهي المعارف، وقد يخطئ بعض المنتمين إلى هذا القبيل، فيخرجون بتلك اللوازم عن حدِّ الاعتدال، بل ربما فهموا من هذه اللفظة غير المراد منها، وحاولوا التلبس بشعارها، فيفضي بهم سوء الفهم إلى المتقدم، ولكن في الهمجية لا المدنية، وسنزيد هذا المطلب بسطة في بعض المقالات الافتتاحية. * وفاء ذمة (١): قد كُنَّا عزمنا أنْ نصدِرَ هاته المجلةَ في غُرَّة محرم، حتى لا تكون سَنتُها بتراءَ، ولكنَّ بُطْءَ المقدمات الأولية لإصدارها، قضى علينا أن لا نصدر العدد الأول إلا في نصف محرم، مع بذل كل حَزْم؛ فأصدرنا ذلك العدد، واعتبرناه عددين، ونحن ننوي قضاء ذلك العدد المعتبر، وكنا نرصُد الفُرصَةَ لذلك، حتى تكرَّرَ علينا من بعض المشتركين الكرام، الاشتراطُ بأنهم لا يعتبرون السَّنة إلا من نصف محرم إلى نصف محرم ١٣٢٣ هـ؛ اعتبار لوقت صدور المجلة، وهو الحق؛ إلا أن هذا يشوِّشُ نظامَنا، ويجعلُ سَنةَ مجلتنا كالسَّنة المنسأة؛ ولذلك بادرْنا إلى قضاء ما في ذمتنا من صحائفِ العدد الأول، بإصدار أربعِ ورقاتٍ منها في العدد الرابع، وأخرى في الذي يليه، وبهذا تكون السنة منتهية إلى حيث أنهاها الله.
следующие страницы →