← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.

стр. 5846

أحد القاضيين للطالب، وفي تونس محكمتان: إحداهما حنفية، والأخرى مالكية، وجروا على أن يكون الحق في اختيار إحدى المحكمتين للمطلوب. ويصح تولية قاضيين على أن يشتركا في القضاء، فإذا وقعت الواقعة، نظرا فيها حتى يتفقا على الحكم، فينفذا ما اتفقا عليه، فإن اختلفا، رفعا الأمر إلى من هو فوقهما، فينظر فيه (١). * صلة القضاء بالحكّام: القضاء خطّة داخلة في مهمات الإمامة، والإمام يولّي القضاة لينوبوا عنه في أداء هذه المهمة، فللقضاء صلة بالرئيس الأعلى للدولة، حيث إنه داخل في شؤون ولايته، ثم إن الرئيس الأعلى قد يجعل تنفيذ الأحكام بيد القاضي نفسه، وقد يقصره على فصل النوازل، ويجعل تنفيذ أحكامه بيد غيره؛ كرجال الشرطة (المحافظة)، أو وزارة العدل. فصلة القضاء بالحكام الذين هم رجال الشرطة، أو رجال وزارة العدل، هي أنهم يقومون بتنفيذ أحكامه عندما يتعاصى المحكوم عليه عن الإذعان إلى الحكم. * الدعاوى: جمع دَعْوى، والدعوى في الأصل: اسم مصدر لفعل ادّعى، يقال: ادّعى الشيءَ؛ أي: زعم أنه له، حقاً أو باطلاً، ومعناها شرعاً -كما عرّفها الشيخ ابن عرفة-: قولٌ بحيث لو سلم، أوجب لقائله حقاً. * الدعوى الصحيحة: ذكر الفقهاء للدعوى الصحيحة التي يسمعها القاضي، ويطالب المدّعى

стр. 5847

عليه بالجواب عنها: ستة شروط: ١ - أن تكون الدعوى محققة؛ أي: مقطوعاً بها؛ كأن يقول المدّعي: إن لي على فلان ألفاً، فلو قال: أشك، أو أظن أن لي عليه ألفاً، لم تسمع هذه الدعوى؛ لاستنادها إلى شك أو ظن. ونازع القرافي في الدعوى المستندة إلى ظن، ورأى قبولها، وأمر المدّعى عليه بالجواب عنها؛ بناء منه على أن الظن معتمد به في كثير من الأحكام الشرعية، وساق لهذا نظائر، منها: شهادة العدل الواحد، وهي لا تفيد إلا ظنّاً. ونوقش بأن الظن الذي تقوم عليه بعض الأحكام الشرعية إنما هو الظن القويّ الذي يكون قريبا من القطع، ويجوز للمدّعي أن يحلف معه على البتّ. والقطع شرط في صحة الدعوى عند من لا يرى توجه يمين التهمة، أما من يرى توجهها متى كان المدّعى عليه ممن تلحقه التهمة، فلا يعدّه في شروط صحتها. ٢ - أن يكون المدّعى فيه معلوماً ببيان عينه؛ كهذا الكتاب، أو الثوب، أو بصفته؛ كلي في ذمته دنانير مصرية، أو عراقية، فإن قال: لي على فلان شيء، لم تسمع دعواه. ورأى الإمام المازري من فقهاء المالكية صحة الدّعوى بالمجهول، فيؤمر المدّعى عليه بالجواب؛ لعلّه يقرّ، فيؤمر بالتفسير، ويُسجن له، وموضع الخلاف: فيما إذا كان المدّعي لا يدري جنس المدّعى فيه، ولا قدره، فإن كان يعلم ذلك، وامتنع من ذكره، لم تسمع دعواه اتفاقاً. ٣ - أن يكون المدّعى فيه ما لو أقرَّ به المدّعى عليه، لزمه، فلا تسمع

стр. 5848

الدعوى على المحجور عليه ببيع ونحوه من المعاملات؛ لأن المحجور عليه لا يلزمه شيء من العقود، ولو أقرّ به، أو قامت عليه به بينة. ٤ - أن تكون الدعوى فيما يتعلق به حكم شرعي أو غرض صحيح، فإن لم يتعلق بالمدعى فيه حكم، لم تسمع الدعوى؛ كأن يطلب المحكوم عليه من القاضي أن يحلف أنه لم يجر عليه في الحكم، أو يطلب المشهود له تحليف الشهود أنهم لم يكذبوا في شهادتهم. وإن لم يتعلق به غرض صحيح، كادعاء شخص على آخر بنحو قمحة، أو شعيرة، رفضت الدعوى كذلك. ٥ - أن تكون الدعوى مما لا تشهد العادة والعرف بكذبه؛ كدعوى الحاضر الأجنبي ملك دار بيد من حازها الحيازة المعتد بها مع تحقق الشروط المعروفة (١). ٦ - بيان سبب المعاملة، فلا يكفي أن يقول: لي على فلان مئة أو ألف دون أن يذكر سبب المعاملة؛ لاحتمال أن يكون سبب ما يدعيه فاسداً، ككونه من خمر، أو ربا؛ إذ لا يلزم المدعى عليه دفع ثمن الخمر شرعاً، ولا دفع ما هو ربا، ولا ثبت عليه ببينة، ومن ثم قال بعض فقهاء المالكية: إذا لم يسأل القاضي المدّعي عن سبب المعاملة، فهو كالخابط خبط عشواء، فإن سأله عن السبب، وامتنع من بيانه، لم يكلف المدعى عليه الجواب. ومن لا يعتدّ بهذا الشرط في صحة الدعوى، يذهب إلى حمل ما يدعيه المدّعي

стр. 5849

على وجه الصحة، حتى يتبين أنه وقع على وجه فاسد، والسؤال عن السبب من حق المدّعى عليه، وللقاضي أن ينبهه له إن لم يتنبه. * المدعي والمدعى عليه: يدور علم القضاء على معرفة المدعي والمدّعى عليه، ولم يختلفوا في أن المدّعي مطالب بالبينة إذا أنكر المدعى عليه، وأن المدعى عليه مطالب باليمين إذا لم تقم البينة، وقد يخفى على القاضي في بعض القضايا تمييز المدعي من المدعى عليه. وقد اختلفت عباراتهم في تحديدها، فقال ابن المسيب فيما ينسب إليه: كل من قال: "قد كان"، فهو مدع، وكل من قال: "لم يكن"، فهو المدعى عليه. ونوقش هذا بدعوى المرأة على زوجها المسيس في خلوة الاهتداء، فالزوج هنا هو المدّعي، وهو يقول: "لم يكن"، والمرأة مدعى عليها، وهي تقول "قد كان". وعرّفهما بعض الفقهاء بقوله: "المدّعي: من إذا سكت، ترك وسكوته، والمدّعى عليه: من إذا سكت، لم يترك وسكوت". ونوقش هذا باليتيم البالغ يطالب وليه بتسليم ماله له، فيقول الولي: قد دفعته لك، فالولي هنا هو المدّعي، واليتيم البالغ هو المدّعى عليه، ولو سكت الولي، لم يترك وسكوته. وعرّفهما القرافي فقال: "المدّعي: من كان قوله على خلاف أصل أو عرف، والمدّعى عليه: من كان قوله على وفق أصل أو عرف". ومثله قول ابن الحاجب: "المدّعي: من تجرد قوله عن مصدق، والمدعى عليه: من ترجح بمعهود أو أصل". ويريد بالمعهود: شهادة العرف، وبالأصل: استصحاب الحال. وأورد على هذا التعريف: أن المدّعي الذي بيده بينة لم يتجرد قوله

стр. 5850

عن مصدق. وأراد الشيخ ابن عرفة أن يتخلص من هذا الإيراد فقال: "المدّعي: من عريت دعواه من مرجع غير شهادة، والمدعى عليه: من اقترنت دعواه به". وقد تتعارض أنظار الفقهاء في القضية يكون بجانب كل واحد من الخصمين مرجع يحتمل أن يجعله مدعى عليه؛ كالمرأة تدّعي على زوجها الحاضر أنه لم ينفق عليها، فذهب المالكية إلى أن المرأة مدعية، والزوج مدعى عليه؛ لأن العرف والغالب يشهد بصدق الزوج؛ وذهب الشافعية إلى أن الزوج مدع، والمرأة مدعى عليها؛ لأن الأصل عدم الإنفاق. * أقسام الدعاوى: لا يسير القاضي بالدعاوى سيرة واحدة، بل تختلف أحوالها، فيختلف نظره إليها، وبذلك انقسمت إلى ثمانية أقسام. ١ - ما لا يسمعه الحاكم، ولا يلزم المدّعي من أجل ما ادعاه شيئاً، وهي الدعاوى التي يكذبها العرف والعادة. ٢ - ما لا يسمعه الحاكم، ويؤدِّب المدعي على ما ادعاه؛ كالدعاوى على أهل الدين والصلاح بما لا يليق بهم؛ منعاً لتسلط أهل الشر على أعراض الأبرياء من الناس. ومن الفقهاء من قال: لا يعاقب المدّعي في هذه الصورة؛ وحقق الإمام مالك النظر فقال: إن نسب إليهم ما لا يليق بهم على وجه المشاتمة، أُدِّب، وإن قاله على وجه المطالبة بحق، لم يؤدَّب. ٣ - ما يسمعه الحاكم، ويمكن المدّعي من إقامة البينة على دعواه، ولا يلزم المدعى عليه بالجواب؛ كالدعاوى على الصغير والسفيه. ٤ - ما يسمعه الحاكم، ويمنع المدّعي من إقامة البينة على صحة ما ادعاه،

стр. 5851

ولكن يرى فيه القاضي رأيه؛ كدعوى شخص على من اعتدى على مال غائب من غير وكالة من الغائب، يريد صيانة ماله من الضياع. ٥ - ما يسمعه الحاكم، ولا يلزم المدعى عليه الجواب عنه إلا بشرط؛ كدعوى الرجل العقار على من هو حائزه زاعماً أنه صار إليه ممن ورثه عنه، فلا يلزم المدعى عليه الجواب حتى يثبت المدعي موت من ادّعى أنه ورث ذلك العقار عنه. ٦ - ما يسمعه الحاكم، ويمكّن المدعي من إقامة البينة، ولا يحكم له بموجب ماشهد له به على الفور، وهي دعوى الرجل: أن المفقود أوصى له، أو أوصى إليه، فإن القاضي يمكّن المدّعي من إقامة البينة على دعواه، ولا يحكم له بشيء، إذ لا يجب له شيء إلا بعد موت المفقود. ٧ - ما يسمعه الحاكم، ويمكّن المدعي من إقامة البينة على دعواه، ويلزم المدعى عليه بالجواب، وهي الدعوى المستوفية لشروط الصحة السالف ذكرها. ٨ - ما لا يسمعه الحاكم، ولا يمكّن المدّعي من إقامة البينة على ما ادعاه؛ كالمودع يجحد الوديعة، ثم يدّعي أنه ردّها، فلا تسمع دعواه، ولا يمكّن من إقامة البينة على أنه ردها (١). * دعاوى الحقوق ودعاوى التهم: فى عوى الحقوق: ما يطلب المدّعي بها حقاً على سبيل التحقيق في الدعوى، ولو لم يقم عليه بينة؛ كدعوى البيع أو القرض أو الإعارة أو الوصية

стр. 5852

أو الغصب محققاً الدعوى لا يعتربه فيها ريب. ودعوى تهمة، وهي: ما لم يصدر عن تحقيق، وإنما يقول المدّعي: أتهم فلاناً بسرقة كذا، أو أتهم المدين مدّعي الإعسار بأن له مالاً حاضراً، وهذه هي الدعاوى التي اختلف الفقهاء في توجه اليمين قولاً واحداً، ومما تمتاز به دعوى التهمة: أنها لا تنقلب لو أراد المدعى عليه قلبها على المدعي. * طرق الحكم: البينات: القضاء العادل ما تحقق فيه أمران: علم القاضي بالحادثة التي يتصدّى للقضاء فيها، وعلمه بالحكم الذي ناطه الشارع بتلك الحادثة. أما علمه بحكم الشارع، فيستمده من نصوص الشريعة، أو من أصولها بطريق الاستنباط. وأما علمه بالحادثة، فيحصل من طرق تسمى: طرق الحكم، أو أدلة ثبوت الدعوى، أو الحجج الشرعية. وللفقهاء في هذه الطرق مذهبان: مذهب من يحصرها في أنواع معينة، ومذهب من يعوّل في ضبطها على حصول العلم بالحادثة، فكل ما يصل منه القاضي إلى ثبوت الواقعة، فهو طريق للحكم، ودليل بثبوت الدعوى. والأنول المعينة التي حصر فيها بعض الفقهاء طرق الحكم هي: البينة؛ أي: الشهادة، والإقرار، واليمين، والنكول، والقسامة، وعلم القاضي. وذهب آخرون إلى أنها ثلاثة فقط: الشهادة، واليمين، والنكول، وأسقطوا الإقرارة نظراً إلى أنه موجب للحق بنفسه، لا طريق للحكم؛ إذ الحكم: فصل الخصومة، ولا خصومة مع الإقرار، وليس على القاضي في حال

стр. 5853

الإقرار إلا أن يأمر المدعى عليه بدفع ما أقر به. وأسقط القسامة؛ لأنها داخلة في اليمين، وأسقط علم القاضي؛ ترجيحاً لعدم صحة الإسناد إليه في فصل التوازن. وأما مذهب من يجعل مدار طريق الحكم على ما يظهر به الحق، فقد قرره ابن القيم، فقال: "البيّنة: اسم كل ما يبين الحق، فقول النبي ﷺ للمدعى: "ألك بيّنة؟ "، وقول عمر بن الخطاب: "والبينة على المدّعي" المراد بذلك: ما يبين الحق من شهود أو دلالة؛ فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق مما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه، وشواهد له، ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصصه به؛ مع مساواة غيره في ظهور الحق، أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه؛ كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة من على رأسه عمامة، وبيده عمامة، وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثره، ولا عادة له بكشف رأسه، فبينة الحال ودلالته هنا تفيد ظهور حق المدعي أضعاف ما يفيده مجرد اليد عند كل أحد، فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة، ويضيع حقاً يعلم كل أحد ظهوره". الشهادات: وردت الشهادة في اللغة لمعانٍ: منها: الحضور، تقول: شهدت مجلس كذا؛ أي: حضرته. ومنها: الاطلاع والمعاينة، تقول: شهدت كذا؛ أي: اطلعت عليه، وعاينته. ومنها: الإخبار بالشيء على وجه القطع، تقول: شهد فلان بكذا؛ أي: أخبر به جازماً.

стр. 5854

وأما معناها في الاصطلاح، فقد أشار القرافي إلى صعوبة ضبطه، فقال: أقمت سنين أسأل، أطلب الفرق بين الشهادة والرواية، وأسأل الفضلاء عنها، فيقولون: الشهادة يشترط فيها: العدد والذكورة والحرية؛ بخلاف الرواية. فأقول لهم: اشتراط ذلك فرع تصورها، فلو عرفت بأحكامها، لزم الدور، ثم قال "ولم أزل في شدة قلق حتى طالعت "شرح البرهان" للمازري، فوجدته قد حقق ذلك، وميَّز بين الأمرين، فقال "هما خبران، غير أن المخبر عنه إن كان عاماً لا يختص بمعين، فهو الرواية؛ كقوله ﵊: "الأعمال بالنيات" فإن ذلك لا يختص بشخص معين، بل عام في كل الخلق؛ بخلاف قول العدل عند الحاكم: لهذا عند هذا دينار، فإنه إلزام معين لا يتعداه، والأول هو الرواية، والثاني هو الشهادة". وقد زاد بعض الفقهاء هذا الفرق تحقيقاً، فقال "إنَّ الخبر إنْ تعلق بجزئي، وقصد به ترتيب فصل القضاء عليه؛ كقولك: لفلان على فلان كذا، فهو الشهادة، وإن تعلق بأمر عام لا يختص بمعين، أو تعلّق بجزئي من غير قصد ترتيب فصل القضاء عليه؛ كحديث: "يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة"، ونحوه، فهو الرواية، وقد أوجز هذا المعنى من الأصوليين من قال: "الإخبار عن عام لا ترافع فيه الرواية، وخلافه الشهادة". وقد عزَف الشهادة بعض فقهاء الحنفية، فقال: "إخبار صدق لإثبات حق بلفظ الشهادة في مجلس القاضي، ولو بلا دعوى" (١). فقوله: (إخبار) جنس، وقوله: (صدق) فصل أخرج الإخبار الكاذب، وقوله: (لإثبات حق) أخرج الإخبار الذي يكون لغرض غير إثبات الحق،

стр. 5855

وقوله: (بلفظ الشهادة) خرج به الإخبار بلفظ آخر، نحو: أعلم، وأجزم، وقوله: (في مجلس القاضي) أخرج الإخبار في غير مجلس القضاء، وقوله: (بلا دعوى) أدخل شهادة الحسبة، وهي ما يكون في حق الله تعالى (١)؛ فإنه لا يشترط فيها تقدم الدعوى. وعرّفها الشيخ ابن عرفة من فقهاء المالكية فقال: "الشهادة قول هو بحيث يوجب على الحاكم سماعُه الحكم بمقتضاه إن عُدل (٢) قائله مع تعدد أو حلف طالبه". صيغة الشهادة: المعروف أن الحنفية يشترطون في أداء الشهادة لفظ: (أشهد). قال في "البدائع": "وأما الشرائط التي ترجع إلى نفس الشهادة، فأنواع، منها: لفظ الشهادة، فلا تقبل بغيرها من الألفاظ؛ كلفظ الإخبار والإعلام ونحوهما، وإن كان يؤدي معنى الشهادة تعبداً غير معقول المعنى". وقال في "الهداية": "إن النصوص نطقت باشتراط هذه اللفظة". ونصوص بعض المالكية تدل على أنهم لا يشترطون في أداء الشهادة لفظ: أشهد. وقال ابن قيم الجوزية: "وظاهر كلام أحمد بن حنبل: أنه لا يشترط في صحة الشهادة لفظ: أشهد، بل متى قال الشاهد: رأيت، أو سمعت، أو نحو ذلك، كانت شهادة منه". وقصر الأداء في الشهادة على لفظ: أشهد لا يقوم عليه دليل، ودعوى

стр. 5856

التعبد في مثل هذا المقام لا يظهر له وجه وجيه. شروط قبولها: ترجع الشروط العامة إلى ثلاثة أصول: ١ - كون الشاهد من أهل الولاية على غيره، فيشترط فيه: أن يكون عاقلاً بالغاً حراً، فلا شهادة للمعتوه، ولا للصبي، ولا الرقيق. وأجاز مالك شهادة الصبيان في مواطن، وعلى شروط سيأتي بيانها. واستبعد ابن الهمام في "فتح القدير" عدم قبول شهادة العبد، وذلك ما قرره ابن القيم في كتاب "إعلام الموقعين"، إذ قال: حكى الإمام أحمد عن أنس بن مالك إجماع الصحابة على شهادته، فقال: ما علمت أحداً ردّ شهادة العبد، وقال: إذا قبلت شهادته على حكم الله ورسوله في الفروج والدماء والأموال في الفتوى، فلأن تقبل شهادته على واحد من الناس أولى وأحرى، كيف وهو داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]؛ فإنه منّا, وهو عدل وقوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهو من رجالنا. ٢ - العدالة، ومدارها على اجتناب الكبائر، واتقاء الصغائر، وحفظ المروءة. والعدل: من يجتنب (١) الكبائر، ويتحامى الصغائر غالباً (٢)، ولا يأتي بما يخل بالمروءة من قول؛ كالتصريح بأقوال لم ينطق بها الشرع إلا بالكناية،

стр. 5857

أو فعل؛ كإدمان اللعب بالحمام، ويرجع معنى المروءة إلى المحافظة على فعل مباح يوجب تركه الذمّ عرفاً؛ كترك الانتعال للموسر في بلد يزري بمثله الحفاء، وعلى ترك مباح يوجب فعله الذم عرفاً؛ كالأكل في السوق لغير السوقي، وإنما يشترط في الشاهد العدالة في بلد يكون فيه، أو فيما يقرب منه عدول، وقال ابن العربي في "أحكامه": "إذا كانت قرية ليس فيها عدول، وبعدوا عن العدول، فالذي عليه الجمهور: أن لا تجوز شهادة بعضهم لبعض". والمنقول عن كتاب "النوادر": "أما إذا لم نجد في جهة إلا غير العدول، أقمنا أصلحهم وأقلهم فجوراً للشهادة، ويلزم ذلك في القضاء وغيره؛ لئلا تضيع المصالح، ولا أظن أحداً يخالف في هذا؛ لأن التكليف شرطه الإمكان. وبهذا عمل المتاخرون من فقهاء المالكية، وللخوف من ضياع المصالح ألغى الفقهاء التجريح بالكبيرة التي تعم بها البلوى؛ كالغيبة، ولا تجرح مسلماً بالغيبة؛ لأنها عمت بها المصيبة". جاءتني أيام ولايتي القضاء في مدينة "بنزرت" (١) رسالة من المحكمة العليا في عاصمة تونس بإصدار إذن في تجريح شهود إحدى البينات، فوقع تجريح أحدهم بأنه يؤخر الصلوات عن أوقاتها، ولم يكتف أعضاء المحكمة -وفيهم أساتذة لي- بهذا التجريح؛ كأنهم يرون تأخير الصلوات عن أوقاتها، وإن كان معدوداً في الكبائر، ملحقا بالغيبة في كثرة ابتلاء الناس به. ٣ - انتفاء التهمة عن العدل في شهادته: تجيء التهمة إلى الشاهد من جهة القرابة، أو الزوجية، أو الصداقة،

стр. 5858

أو العداوة، أو كون الشهادة تجرّ إليه مغنماً، أو تدفع عنه مغرماً، أو حرصه على أداء الشهادة. أما شهادة القريب لقريبه، فقد اختلفت فيها آراء الفقهاء، فمنهم من جوّزها بإطلاق، ولم يجعل القرابة مانعة من الشهادة بحال، وهذا ما يقوله الظاهرية؛ كابن حزم وغيره احتجاجاً بالنصوص العامة الواردة في الإشهاد، وهي لا تفرق بين أجنبي وقريب. ومنعت طائفة شهادة الأصول للفروع، والفروع للأصول خاصة؛ نظراً إلى شدة القرابة التي قد تزحزح العدل عن مقتضى العدالة، وجوّزت شهادة سائر الأقارب بعضهم لبعض، وهذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد بن حنبل. وأما شهادة الأخ لأخيه، فالجمهور يجيزونها، غير أن بعض الفقهاء قيدها بما إذا كان الشاهد عدلاً مبرزاً؛ وقيدتها طائفة أخرى بما إذا كان المشهود به يسيراً لا كثيراً؛ وقيدها آخرون بما إذا لم تنل الشاهد صلة المشهود له؛ كأن يكون في عياله. وأما شهادة الزوج لامرأته، والمرأة لزوجها، فمنعها بعض الفقهاء، وأجازها آخرون، وممن أجازها: القاضي شريح: حكي عنه أنه أجاز لامرأة شهادة أبيها وزوجها، فقيل له: إنه أبوها وزوجها! فقال: من يشهد للمرأة غير أبيها وزوجها؟ قال الزهري: لم يكن يتهم سلف المسلمين الصالح في شهادة الوالد لولده، ولا الولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لامرأته، ثم دخل الناس، فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم، فتركت شهادة من يتهم إذا كانت من قرابة، وصار ذلك من الولد والوالد والأخ والزوج والمرأة، لم

стр. 5859

يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان. وأما الصداقة، فتقدح في الشهادة متى اشتدت، ويلغت النهاية؛ إذ يكون صاحبها مظنة أن تنحرف به تلك العاطفة القوية عما توجبه العدالة، ومن أمارتها: أن يبسط كل منهما يده في مال الآخر. وأما العداوة، فتقدح في الشهادة متى كان منشؤها أموراً دنيوية، فإن كانت ناشئة من انتهاك الشخص حرمة من حرمات الشريعة، لم تعد في قوادح الشهادة؛ إذ لا تلحقه تهمة الشهادة عليه زوراً، وشهادة الزور من كبائر ما حرّمه الدين. وأما كون الشهادة تجرّ إلى الشاهد مغنماً، أو تدفع عنه مغرماً، فقد قالوا: لا تجوز شهادة رب الدين لمدينه المعسر، ولا الشريك لشريكه فيما يرجع إلى شركتهما، ولا المولى لعبده. وأما ظهور حرص الشاهد على أداء شهادته، فيعد قادحاً متى تعلقت الشهادة بحقوق العبادة إذ يثير ظهور حرصه شبهة أن تكون شهادته من قبيل ما يجرّ إليه نفعاً من المشهود له؛ كأن يتقدم بشهادته إلى مجلس القضاء قبل أن يطلبه المشهود له، وإنما الشأن أن يعلمه بها، وهو الذي يطلبه لأدائها في مجلس القضاء. وأما الحرص على أداء الشهادة في حقوق الله، فليس بقادح؛ إذ لا يثير تهمة جرّ منفعة دنيوية. وصفوة البحث: أن العدالة متى ثبتت، أوجبت لصاحبها قبول شهادته، ولا يقدح فيها مجرد قرابته من المشهود له، أو عداوته للمشهود عليه. ولكن التربية الدينية الصحيحة التي كانت سائدة في النفوس تضاءلت حتى لم تبق العدالة من القوة بحيث تسقط بجانبها تهمة محاباة أب أو ابن أو أخ، أو تهمة

стр. 5860

قصد الإضرار بعدو من طريق شهادة الزور. وإذا كان الوهن في العدالة هو الغالب في الناس، صحّ أن تناط به الأحكام، ويبنى عليه عدم قبول شهادة من اشتدت قرابته، أو اتضحت عداوته، إلا أن يكون بالغاً في العدالة الدرجة العليا. وقد رأينا فيما عرفناه وصاحبناه من أهل النبل والتقوى من لو شهد لابنه أو أخيه، أو شهد على من يناصبه العداوة، لم يخالجنا ريب في صدقه، ولم نتردد في قبول شهادته. شروطها الخاصة: وأما الشروط الخاصة، فهي: الإسلام، والذكورة، والعدد، وتقدم الدعوى (١)، وكانت شرطاً لها خاصة؛ لأنها ليست شروطاً في جميع الشهادات؛ كما يظهر أمرها من بعض الفصول الآتية. - تزكية الشهود: قال الإمام أبو حنيفة: كل من أظهر الإسلام حُكم له بالعدالة، وقبلت شهادته حتى يظهر فسقه، فيقتصر الحاكم على ظاهر العدالة في المسلم، ولا يسأل عن الشهودة إذ الظاهر: أن المسلم ينزجر عما هو محرّم في دينه، وفي الظاهر كفاية، فإن طعن الخصم في الشهود، أو كانت الشهادة على الحدود، أو القصاص، لم يكتف بظاهر العدالة، ولا بد من السؤال عن الشهود وتزكيتهم. وقال أبو يوسف ومحمد: لا بدّ من السؤال عن الشهود في السر والعلانية في جميع الحقوق، وهو مذهب الإمامين: الشافعي، وأحمد بن حنبل؛ نظراً

стр. 5861

إلى أن الغالب في الناس عدم العدالة، وفصَّل الإمام مالك، فقال: من جهل الحاكم أمره، ولم يعرفه بعدالة أو فسق، فلا بد من تزكيته، فإن كان الشاهد معروف العدالة عند القاضي؛ بحيث يزكيه عند غيره لو لم يكن قاضياً، يقبل شهادته بدون تزكية. شهادة الرجال: يشترط لصحة الشهادة على الزنا أربعة رجال؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وقد انعقد الإجماع على اشتراط الذكورة في هذه الشهادة، وكون الشهود أربعة. وإنما تضم شهادتهم إذا اتفقوا على موضع الزنا، ووقت رؤيته، وصفته؛ فإن اختلفوا في الموضع، أو الوقت، أو الصفة، بطلت شهادتهم؛ قال في "إعلام الموقعين": إنما أمر الله سبحانه بالعدد في شهود الزنا؛ لأنه مأمور فيه بالستر، ولذا غلظ فيه النصاب، فإنه ليس هناك حق يضيع، وإنما هو حدّ وعقوبة، والعقوبات تدرأ بالشبهات، ويقبل فيما عدا ذلك من المعاملات وسائر الحدود شهادة رجلين. طائفة من قضاة: وحكى ابن القيّم عن بعض السلف: أنهم أجازوا وقضوا بشهادة رجل واحد، وقال: فإذا علم الحكم صدق الشاهد الواحد، فإن له الحكم بشهادته، وإن رأى تقويته باليمين، فعل. وقال: يجوز للحاكم الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه في غير الحدود (١).

стр. 5862

شهادة النساء: تقبل فيما لا يطلع عليه الرجال من نحو: الولادة، والبكارة، وعيوب النساء. قال الزهري: "مضت السنة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن"، وقال ابن عمر: "لا تجوز شهادة النساء وحدهن إلا على ما لا يطلع عليه غيرهن من عورات النساء وحملِهن وحيضِهن". واكتفى الإمام أبو حنيفة في هذا الباب بشهادة امرأة واحدة، فألغى العدد كما ألغى الذكورة؛ ليخف النظر فيما لا يطلع عليه الرجال. وقال الإمام مالك: لا يقبل في ذلك إلا امرأتان، بناء منه على أن العدد معتبر في الشهادة، فيبقى بحاله، وإنما سقط اعتبار الذكورة للتعذر. وقال الشافعي: لا يكفي فيما ينفرد فيه النساء إلا أربع؛ لأن العدد معتبر في الشهادة، وقد جعل الله تعالى المرأتين قائمتين مقام الرجل الواحد، فيكون نصاب الشهادة أربعة من النساء. الرجل الواحد والمرأتان: يُقضى بشهادة رجل وامرأتين؛ فقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢﴾ (١).

стр. 5863

وقد اختلف الفقهاء فيما تقبل فيه شهادة الرجل والمرأتين، فقال أبو حنيفة: تقبل في جميع الأحكام إِلا القصاص والحدود، وقال الإمامان مالك، والشافعي: لا تقبل شهادة النساء مع الرجال إِلا في الأموال وتوابعه؛ كالآجال، والشفعة، والخيار، دون حقوق الأبدان، والنكاح، والطلاق، والدماء، والجراح، وما يتصل بذلك. شهادة الصبيان: يقول الفقهاء: إن البلوغ شرط في صحة الشهادة، وأجاز الإمام مالك شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح: قال في "الموطأ": "الأمر المجتمع عليه عندنا: أن شهادة الصبيان تجوز فيما بينهم من الجراح، ولا تجوز على غيرهم، وإنما تجوز شهادتهم فيما بينهم من الجراح وحدها، لا تجوز في غير ذلك إذا كان ذلك قبل أن يتفرقوا أو يخيبوا ويعملوا، فإن افترقوا، فلا شهادة لهم إِلا أن يكونوا قد أشهدوا العدول على شهادتهم قبل أن يتفوقوا"، وقوله: (الأمر المجتمع عليه عندنا) ظاهر في أن هذا مما جرى به عمل أهل المدينة، ونسبه ابن القيم إلى عمل الصحابة وفقهاء الأمصار، وقال: "فإن الرجال لا يحضرون معهم في لعبهم، ولو لم تقبل شهادتهم، لضاعت الحقوق، وتعطلت، وأهملت، مع غلبة الظن أو القطع بصدقهم، ولا سيما إذا جاؤوا مجتمعين قبل تفرقهم ورجوعهم إلى بيوتهم، وتواطؤوا على خبر واحد، وفرقوا وقت الأداء، واتفقت كلمتهم، فإن الظن الحاصل بشهادتهم أقوى بكثير من الظن الحاصل من شهادة رجلين". شهادة غير المسلم على المسلم: لا تقبل شهادة الكافر على المسلم في غير الوصية، واختلفوا في شهادته

стр. 5864

عليه في وصية في السَّفر، فقال أبو حنيفة: تجوز على الشروط التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ [المائدة: ١٠٦]. وقال الإمامان مالك والشافعي: لا تجوز، ولو على هذه الشروط، ورأوا أن الآية منسوخة، وروى حديث الشيخ ابن جرير عن ابن عباس ﵁. "والآية صريحة في قبول شهادة الكافر على وصية في السفر لمن عدم الشاهدين المسلمين، ولم يجئ بعدها ما ينسخها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولاً، وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارض البتّة (١). شهادة غير المسلم على غير المسلم: ردّها بعض الفقهاء. وقال آخرون: تمضي، واحتجوا بأنهم يتعاملون فيما بينهم بأنواع المعاملات من المداينات، وعقود المعاوضات، وغيرها، ويقع بينهم الجنايات، ويتحاكمون إلينا، فلو لم تقبل شهادتهم بعضهم على بعض، لضاعت حقوقهم. واختلف هؤلاء، فقال بعضهم: إنما تجوز شهادة غير المسلم على أهل ملته. وروي عن الزهري أنه قال: تجوز شهادة النصراني على النصراني، واليهودي على اليهودي، ولا تجوز شهادة أحدهما على الآخر، وكذلك قال الحسن: إذا اختلفت الملل، لم تجز شهادة بعضهم على بعض. وهذا الرأي مبني على مراعاة العداوة التي تكون بين أصحاب الملتين المختلفتين. ورأى آخرون جواز شهادة نصراني على مجوسي، أو مجوسي على نصراني،

стр. 5865

وصحَّ هذا عن عمر بن عبد العزيز، وجماعة من التابعين، وهو قول الإمام أبي حنيفة. شهادة غير العدل: سبق في بحث العدالة ما قاله صاحب "النوادر" (عبد الله بن أبي زيد القيرواني) في أهل بلد لا يوجد بينهم عدول، وما صرح به جماعة من الفقهاء في التجريح بالكبيرة تغلب على الناس؛ كالغيبة، وتأخير الصلاة عن وقتها، ونزيد هنا: ما نقله حسن صديق في كتاب: "ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي" عن شيخه الشوكاني، وملخصه: أن كثيراً من القرى التي يسكنها جماعة من الحرَّاثين المعروفين الآن بالقبائل قد لا يوجد في القرية الواحدة -وإن أكثر الساكنون بها- من يستحق أن يطلق عليه اسم العدل قط، ثم يقع بينهم التظالم في الدماء والأموال، وليس بينهم عدل معتبر في الشهادة، ولا يحضرهم عدل من غيرهم، فيترافعون إلى حكام الشريعة، فماذا يصنع الحاكم عند ترافعهم إليه؟ ولو يسمعون على كثرتهم بأنه ليس على من قتل نفساً، أو أخذ مالاً، أو هتك حرمة إِلا اليمين، لكان ذلك من أعظم البواعث لهم على الإفراط في ذلك، والتهافت عليه، وهذه الشريعة المطهّرة مبنية على جلب المصالح، ودرء المفاسد، فلو قال الحاكم المترافع إليه: هات البينة التي معك، ثم سمعها، واستكثر من عددها حتى تلوح له أمارات الصدق، كان ذلك أقرب إلى اعتبار جلب المصلحة الشرعية، ودفع المفاسد المخالفة للشرع. تحليف الشهود: المعروف أن الشاهد لا يحلَّف، وقال ابن وضّاح من فقهاء المالكية:

стр. 5866

أرى لفساد الزمان أن يحلَّف الحاكم الشهود. وفعل هذا محمد بن بشير قاضي قرطبة، وقال ابن عباس ﵁ بتحليف المرأة إذا شهدت بالرضاع، وورد في القرآن الكريم تحليف غير المسلم الشاهد على الوصية في السفر. ويتلخص من هذا: أنه يجوز للحاكم تحليف الشهود إذا اشتبه في أمرهم. التفريق بين الشهود: أوّل من فرق بين الشهود علي بن أبي طالب ﵁، وكان فرَّق بين امرأتين شهدتا على يتيمة أنها بغت، وبالتفريق بينهما تبين أن شهادتهما زور، فقال علي: الله أكبر! أنا أوّل من فرّق بين الشاهدين (١). وصرح الفقهاء كلهم: أن الحاكم إذا ارتاب بالشهود، سألهم: كيف تحملوا الشهادة، وأين تحملوها؟ وذلك واجب عليه، متى عدل عنه، أثم، وجار في الحكم (٢). الحكم بالتواتر: التواتر لغة: تتابع أشياء واحداً بعد واحد بينهما مهلة، وأما اصطلاحاً، فهو: تتابع الخبر عن جماعة إلى حيث يحصل العلم (أي: الاعتقاد القاطع) بالمخبر به. ومن شرطه: أن يكون الجماعة قد انتهوا في الكثرة إلى حد يمتنع معه تواطؤهم على الكذب، وأن يكون عليهم مستنداً إلى حس، لا إلى دليل عقلي، ولا يشترط فيهم العدالة، ولا الإسلام، فإذا تضافرت الأخبار على شيء؛ بحيث اشترك في العلم به القاضي وغيره، حكم بموجب ما تواتر عنده؛ كأن يتواتر عنده صلاح رجل أو فسقه، أو عداوته لغيره، أو فقره، أو موته،

стр. 5867

أو سفره، فإنه يحكم بموجب ذلك، ولم يحتج إلى شاهدين عدلين. وبيّنة التواتر أقوى من الشّاهدين، ولا تقام بيّنة على خلاف التواتر؛ لأن البينة ظنية، والتواتر يقيني. الاستفاضة: استفاضة الشيء: اشتهاره بحيث يتحدث به الناس، ويستفيض بينهم، وهو درجة بين التواتر والآحاد، وهذا النوع من الإخبار، ويجوز الاستناد إليه في الشهادة، والاعتماد عليه في القضاء، والحكم به حكم يستند إلى حجة، لا إلى مجرد العلم، فلا يتطرق إلى الحاكم به تهمة، له أن يقبل شهادة شاهد استفاض في الناس صدقه من غير توقف على شهادة بعدالته، وهذه الشهادة كشهادة التواتر لا يصرح فيها الشاهد بالسماع، بل يجزم فيها بالشهادة. شهادة السماع: صفتها أن يقول الشهود: سمعنا سماعاً فاشياً من أهل العدل وغيرهم، أو يقولوا: لم نزل نسمع من الثقات وغيرهم أن هذه الدار -مثلاً- صدقة على بني فلان. وعرّفها بعض الفقهاء بقوله: هي لقب لما يصرح فيه الشاهد بإسناد شهادته لسماع من غير معين. ولا تكون شهادة سماع إذا قالوا: سمعنا من أقوام بأعيانهم، يسمونهم ويعرفونهم، وإنما هي شهادة على شهادة، فتخرج عن حدّ شهادة السماع، وهذه الشهادة تفيد ظناً دون شهادة الاستفاضة، وإذا أطلقت شهادة السماع في كتب الفقه، تنصرف إلى هذا النوع من الشهادة. ويعمل بها في نحو: العزل والولاية، والتجريح والتعديل، والكفر والإسلام، والسفه والرشد، والإيصاء والأحباس والصدقات، والرضاع والنكاح والطلاق

стр. 5868

والخلع، والقسمة والنسب، والو لادة والموت والحمل، والإضرار بالأهل. وخصّها الإمام مالك بما تقادم زمنه تقادماً يبيد فيه الشهود، وتنسى فيه الشهادات (١). خبر الواحد: سبق في بحث شهادات الرجال: أن جماعة من الفقهاء قالوا: يجوز القضاء بشهادة الرَّجل الواحد من غير يمين متى وثق الحاكم بصدقه، وعزاه ابن القيم إلى أصحاب الإمام أحمد بن حنبل (٢)، واكتفى المالكية بخبر الواحد فيما يرجع إلى أهل الخبرة والصنعة؛ كالأطباء العارفين بعيوب الحيوان أو السلع، وقيم المتلفات منها. وقال مالك: يقضى بقول الطبيب، ولو لم يكن على الإسلام؛ لأن قوله لم يكن على وجه الشهادة، إنما هو علم يأخذه الحاكم عمن يبصره ويعرفه مسلماً أو غير مسلم، واحداً كان أو اثنين، ومن هذا القبيل: القاسم إذا أرسله الحاكم لقسم شيء بين مستحقيه، ووثق به، ونصبه لذلك، فجاز للحاكم أن يعتمد على قوله وحده. القرائن: سبق في صدر بحث البينات: أنّ من الفقهاء من لا يحصرونها في أنواع مخصوصة، ويعد القرائن في جملة البينات. ودلالة القرائن تتفاوت في القوة والضعف، فتقوى حتى تفيد القطع، وتضعف حتى لا يصح الاعتماد عليها في القضاء، والمعتمد في تعرفها: قوة الذهن، والألمعية. قال صاحب "التبصرة":

стр. 5869

ولا خلاف في الحكم بها، وقد جاء العمل بها في مسائل اتفقت عليها الطَّوائف الأربعة، وبعضها قال به المالكية خاصة. وقال ابن القيم: "الأحكام الظاهرة تابعة للأدلة الظاهرة من البينات والأقارير وشواهد الأحوال، وكونها في نفس الأمر قد تقع غير مطابقة، ولا تضبط، أمر لا يقدح في كونها طرقاً وأسباباً للأحكام، والبينة لم تكن موجبة بذاتها للحد، وإنما ارتباط الحد بها ارتباط المدلول بدليله، فإن كان هناك دليل يقاومها، أو أقوى منها، لم يلغه الشارع، وظهور الأمر بخلافه لا يقدح في كونه دليلاً؛ كالبيّنة والإقرار". ومن الفروع التي ذكرها المالكية والحنفية في الاعتماد على القرينة: أناّ إذا رأينا رجلاً مذبوحًا في دار، والدم يجري، وليس في الدار أحد، ورأينا رجلاً قد خرج من عنده سريع الحركة في حالة خوف وفزع، ومعه سكين في يده، علمنا أنه الذي قتله، وكان لوثاً يوجب القسامة، والقود. وفي كتب الفقه فروع كثيرة مبنية على الاعتماد على قرائن الأحوال (١). اعتبار الرسول وأصحابه لها: مما يشهد لاعتبار القرائن: أن النبي ﷺ أمر الملتقط بدفع اللقطة لمن وصفها؛ بأن يعرف عفاصها ووكاءها (٢)، فوصْفُه لها على هذا النحو المذكور أمارة على أنه صاحبها، فاستحقها بهذه الأمارة. وروى ابن ماجه وغيره عن جابر بن عبد الله، قال: أردت السفر إلى خيبر، فأتيت النبي ﷺ ، فقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: "إذا أتيت وكيلي، فخذ منه خمسة عشر

стр. 5870

وسقاً، فإذا طلب منك آية، فضع يدك على ترقوتهِ"، وهذا اعتماد في الدفع إلى الطالب على مجرد العلامة. وحكم عمر بن الخطاب، وابن مسعود ﵄ بوجوب الحد برائحة الخمر من فم الرجل، أو قيئه خمراً؛ اعتماداً على القرينة الظاهرة (١). اليمين: اليمين في اللغة: القوة، وأطلقت على الحلف؛ لأنه يتقوى لها الصدق الذي هو أحد طرفي الخبر. وهي أقسام ثلاثة؛ لأنها إما أن تكون لدفع الدعوى، أو تصحيحها، أو تتميم الحكم، وسمي: يمين الاستظهار. اليمين لدفع الدعوى: هي ما يوجه إلى المدّعى عليه بمال، فينكره، وهي المشار إليها بقوله ﵊: "لو يعطى الناس بدعواهم، لادّعى أناس دماء رجال، وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه" (٢). وروى البيهقي هذا الحديث بلفظ: "البينة على المدّعي، واليمين على من أنكر". وقال ابن عباس ﵄ "إن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه" (٣). وتخاصم إلى النبي ﷺ رجلان في أرض، فقال للحضري، وهو "المدّعي": "ألك بينة؟ "، قال: لا. قال: "فلك يمينه"، فقال: يا رسول الله! الرَّجل فاجر، لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، قال: "ليس

стр. 5871

لك منه إِلا ذلك" (١). وجعلت البينة على المدّعي؛ لضعف جانبه؛ إذ يدّعي خلاف الظاهر، وجعلت اليمين على المدعى عليه؛ لأن معه ظاهر الحال، فأريد تقوية هذا الظّاهر باليمين. وأخذ جمهور الفقهاء بظاهر الأحاديث المروية في حلف المدعى عليه، وأبقوها على عمومها. واشترط الإمام مالك في تحليف المدعى عليه: أن يكون بين المدّعي والمدّعى عليه مخالطة (٢)، أو ملامسة، روى "الموطأ" عن حميد ابن عبد الرحمن: أنه كان يحضر عمر بن عبد العزيز يقضي بين الناس، فإذا جاءه الرجل يدّعي على الرجل حقاً، نظر، فإن كانت بينهما مخالطة، أو ملامسة، أحلف الذي ادّعى عليه، وإن لم يكن شيء من ذلك، لم يحلفه. وقال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا، وهو قول الفقهاء السبعة بالمدينة.

стр. 5872

أسماء الصفات وأسماء الأعيان المشيرة إلى وصف (١) في كلام العرب أسماء أعيان لا تُشير إلى وصف؛ نحو: أسد، وسيف، وذهب، وعنب، ونمر، وليل، وصخر، وماء. وفي كلام العرب أسماء مشتقة دلّت طريقة استعمال العرب على أنها مطردة في كل ما تحقق فيه الوصف الذي دلّت عليه، نحو: كاتب، وبليغ، وحسن، ومفضال. وفي كلام العرب أسماء أعيان أخذت من صفات وجدت معانيها في تلك الأعيان، وصارت هذه الأسماء تستعمل لهذه الأعيان خاصّة؛ نحو: النظام للخيط ينظم به اللؤلؤ ونحوه، والسماء لمطلع الكواكب، أو سقف البيت، والحسام للسيف القاطع. وهذان النوعان، أعني: أسماء الصفات، وأسماء الأعيان المشيرة إلى صفة، هما اللذان قد يتشابهان على الناظر، فكان القصد من هذا المقال: بحثها، وبيان وجوه الفرق بينهما في استعمال العرب، وفي عبارات المعاجم. * الفرق بينهما في استعمال العرب: يستعمل العرب اسم الصفة للدلالة على تلك الصفة من حيث قيامها

стр. 5873

بموصوف، فيحتاج التركيب إلى اسم يدل على الموصوف، ثم يأتي اسم الصفة تابعاً له، نحو: شَرود، وجَموح، إذ يقال: جَمَلٌ شَرودٌ، وفَرَسٌ جَموحٌ. ويستعملون اسم العين المشير إلى صفة مستقلاً، فيقولون: سلَّ الحسام، وبعث إليه برسالة، وقبل منه الهدية. ومدار وصفية المشتق أو اسميته: على غلبة استعماله متصلاً بموصوف، أو مستقلاً عنه، فورود المشتق غير تابع لموصوف في بعض الشواهد لا يدل على اسميته؛ لاحتمال أن يكون الكلام من باب ما حذف منه الموصوف لدليل، كما أن وروده في بعض الشواهد تالياً لاسم العين لا يدل على وصفيته؛ لاحتمال أن يقصد من الجمع بين الاسمين معنى يقتضيه الحال؛ مثل: التوكيد، فقول الحريش بن هلال القريعي: ولكنّي يجولُ المُهْرُ تَحْتي ... إلى الغاراتِ بالعَضْبِ الحُسامِ لا يقوم وحده شاهداً على أن الحُسام صفة، ولا ينفي أن يكون من أسماء الأعيان المشيرة إلى وصف. وقول الشاعر العربي: دونَكَها مترعةً دِهاقا ... كأساً ذُعافاً مُزِجَتْ زُعاقا لا يقوم وحده شاهداً على أن الزُّعاق اسم للماء المرّ الغليظ، وينفي أن يكون اسم صفة للماء. وينبني على هذا الفرق: أن الكلام الذي يذكر فيه اسم الصفة يقدر فيه موصوف، فيكون من قبيل الإيجاز، والكلام الذي يذكر فيه اسم العين المشير إلى صفة؛ حيث لا يقدر معه موصوف، يكون من قبيل المساواة.

стр. 5874

ويفرّق العرب بين الاسمين في صيغ الجموع؛ فإن لأسماء الأعيان صيغاً من الجموع الخاصة بها؛ كما أن الصفات قد تختص بصيغ لا تشاركها فيها أسماء الأعيان، ونجد العرب تجري الأسماء المشيرة إلى وجه التسمية مجرى أسماء الأعيان المَحْضة، ومثال هذا: أن ما كان على وزن (فَعيل) يجمع على (فُعْل)، بشرط أن يكون اسماً لا وصفاً، ومما دخل في الأسماء، وساقه النحاة في أمثلتها: كلمة: "قضيب" للغصن المقطوع، وهو من القَضْب، فقالوا في جمعه: قُضْبٌ. ومن هذا الباب: أنّ (فَعيلاً وفَعالاً)، يجمع على (أَفْعِلَة)، بشرط أن يكون اسماً، ومما توفر فيه شرط الاسمية، وجمعوه على (أَفْعِلَة): رغيف، وطعام، والرغيف مأخوذ من الرَّغْف الذي هو جمع العجين أو الطين كتلة، والطعام مأخوذ من طَعِم طَعْماً؛ أي: أكلَ، أو ذاق. وقد يجد النحاة ألفاظاً تتبادر منها الوصفية، وهي جارية في بعض الجموع مجرى الأسماء، فيعتذرون لها بأنها من الصفات التي غلبت عليها الاسمية؛ نحو: عَبْد، جمعه العرب على (أَفْعُل)، و (أَفْعُل) من الصيغ المختصة بالأسماء، فقال: النحاة - جمع على (أَفْعُل)؛ لغلبة الاسمية فيه على الوصفية. ومن وجوه الفرق بين الصفة واسم العين المشير إلى وجه التسمية: أن أسماء الصفات إذا تواردت على نوع من الأعيان، لا يحدث من تواردها عليه أسماء مترادفة، فلا يعدّ الناطق والضاحك المتواردين على الإنسان من قبيل المترادف؛ بخلاف الأسماء المشيرة إلى وصف؛ فإنها إذا تواردت على نوع من الأعيان، كانت أسماء مترادفة، ولو كانت الاسمية عارضة بغلبتها على الوصفية؛ كالحُسام والعَضْب للسيف.

стр. 5875

ويفترق النوعان بأن اسم الصفة يصح إطلاقه على كل ما تحقَّق فيه الوصف إطلاقاً حقيقياً لغوياً، واسم العين اختلف أهل العلم في وجه استعماله، فأجاز بعضهم أخذ الأسماء التي تشير إلى معنى، وإطلاقها على ما يتحقق فيه ذلك المعنى، ولو لم يستعملها فيه العرب، ونسب هذا القول إلى نحاة البصرة، وحكى ابن جنّي في "الخصائص": أنه قول أكثر علماء العربية؛ كالمازني، وأبي علي الفارسي، وينسب إلى ابن درستويه. وذهب آخرون إلى أن الاسم مختص بالمعنى الذي استعمله فيه العرب، ولا يتعداه إلى كل ما تحقق فيه وجه التّسمية، ومن هؤلاء: العلامة ابن سيده؛ فإنه قال: "ليس لنا أن نطلق الاشتقاق على جميع الأشياء؛ لئلا يقع اللَّبْس في اللغة الموضوعة للبيان، ألا ترى انهم سمّوا الزجاجة: قارورة؛ لاستقرار الشيء فيها، فليس لنا أن نسمّي الجُبَّ أو البَحْرَ: قارورة؛ لاستقرار الماء فيهما". وتناول هذا البحث علماء أصول الفقه، واختلفوا فيه كما اختلف علماء العربية، وممن منع من تعدية الأسماء إلى ما تحقق فيه وجه التسمية: القاضي أبو بكر الباقلاني، والإمام الغزالي، وممن ذهب إلى عدم اختصاصها بما أطلقها عليه العرب: أبو إسحاق الإسفراييني. قال الإسفراييني في كتاب "الترتيب": تكلّمت يوماً مع أبي الحسن القطّان في هذه المسألة، ونصرت القول بجواز أخذ الأسماء قياساً، فقال أبو الحسن: من يقول بهذا يلزمه ما يلزم ابن درستويه، فقال: يجوز أخذ الأسامي قياساً إذا كان ما يقاس عليه مما أخذ واشتق اسمه من معنى فيه؛

стр. 5876

مثل: القارورة، تسمى قارورة؛ لاستقرار الماء فيها، فكل ما في معناها يسمّى قارورة. قيل لابن درستويه: وماذا تقول في الجبّ يستقر الماء فيه، هل يجوز أن يسمّى: قارورة؟ قال: نعم، قيل: فما تقول في البحر والحوض؟ فالتزم ذلك، فاستبشعوا ذلك منه، وشنّعوا عليه. قال أبو إسحاق الإسفراييني: "قلت لأبي الحسن -أيش إذا أخطأ واحد في القياس، بل كان من سبيله أن يحترز فيه بنوع من الاحتراز؛ بأن يقال: ما يستقر فيه الماء، ويخف عن اليد ونحوه). ومنشأ الخلاف: أن اشتقاق الاسم من الوصف مبنيٌّ على رعاية: أن العين التي استعمل فيها قد اشتملت على معنى ذلك الوصف، وإذا كان وضع الاسم مبنياً على رعاية اشتمال العين على معنى الوصف، فمن المحتمل أن يقول قائل بصحة استعمال الاسم في كل عين تحقق فيها هذا الوصف، ولكن قصر العرب الاسم على نوع خاص من الأعيان لا يتجاوزونه في الاستعمال، يشعر بأن العرب قصدوا بأن يكون هذا الاسم خاصاً بالنوع الذي جرت عادتهم بإطلاقه عليه. فيكون هذا النوع هو الحقيقة، واستعماله في غيره -ولو تحقق فيه وجه التسمية- استعمالاً للفظ في غير ما وضع له. فالعرب -مثلاً- سمّوا الناقة تكون في أوائل الإبل عند الورود: "السُّلوف"، والظاهر أن هذا الاسم مأخوذ من سَلَف سَلَفاً وسُلوفاً؛ أي: تقلَّم، فلو أراد أحدٌ أن يستعمل السلوف في العربة الأولى من عربات متتابعة، لم يمنع من هذا الاستعمال مانع، وإنما يختلفون في طريق الاستعمال: أهو الحقيقة؛ لأن وجه التسمية الذي هو السَّلَف بمعنى التقدم متحقق في العربة الأولى، أم هو المجاز القائم على عدم وجه التسمية وجه شبه؟ وهذا هو الراجح فيما نرى.

стр. 5877

ومما يرجع إلى الفرق بين اسم الصفة واسم العين في الاستعمال: أنك لا تستعمل اسم الصفة إِلا أن تفهم معنى الصفة، فلا تقول: افترسَهُ أسَدٌ وِرْدٌ إِلا أن تعرف معنى الوِرْد الذي جعلته صفة للأسد، أنها اسم العين، فإنك تستعمله في العين، وإن لم تدْرِ الوصف الذي يشير إليه الاسم، فتقول: فرَّ من القَسْوَرَة؛ أي: الأسد، مأخذ هذا الاسم، وما يشير إليه من القَسْر، وهو القَهْر. وربما أراد العرب من الأسماء المُراعى فيها وجه التسمية: الأعيان، غير ملاحظين ما تشير إليه تلك الأسماء من صفات، فالمَشْرَفيُّ -مثلاً- هو في الأصل: صفة للسيف، على معنى: أنه صنع في مشارف الشام، وكثر استعمال المشرفي وصفاً للسيف، حتى صار ذكره يغني عن ذكر السيف؛ كما قال امرؤ القيس: أيقتلُني والمَشْرَفِى مُضاجعي ... ومَسْنْونةٌ زرْقٌ كأنيابِ أغْوالِ وصاروا بعدُ يستعملونه في السيف غيرَ ملاحظين كونه مصنوعاً في المشارف، فيقول قائلهم: تقلدت المشرفيَّ، يريد: السيف، ولم يكن مصنوعاً في مشارف الشام، ولا أظنّ المتنبي عند ما قال يمدح سيف الدولة: ولا كُتْب إِلا المشرَفيَّة عنده ... ولا رسُلٌ إِلا الخميس العَرَمْرمُ قد أراد بالمشرفيّة: السيوف التي صنعت في مشارف الشام، بل مقام المدح يستدعي أن يكون سيف الدولة يهيئ للعدو سيوفاً ماضية، ولا يلاحظ في هذا المقام أن تكون من صنع المشارف، بل لا يلزم أن تكون صادرة من هذا المصنع، كما يقولون: المُهَنَّدُ، ولا يلاحظون أن يكون مصنوعاً في الهند، ويسمّون الرمح: رُدْيْنياً، وإن / يكن من صنع رُدَيْنة؛ أعني: المرأة التي كانت هي وزوجها يصنعان الرِّماح.

стр. 5878

وقد يشير علماء اللغة إلى أن العرب يتجاوزون بالاسم المواضع المشتملة على وجه التسمية إلى المواضع الخالية منه، كما قال صاحب "الصحاح": سُمِّي الفرس حصاناً؛ لأنه حصّن ماءه؛ أي: ضَنَّ به، فلم ينزُ إِلا على كريمة، ثم كَثُر حتى سمّوا كلَّ ذَكَرٍ من الخيل: حِصاناً. ومن هذا النحو كلمة: القافلة، أصل وضعها للرفقة القافلة؛ أي: الراجعة من السَّفر، ثم توسع فيها على طريق المجاز، فاستعملوها في الرفقة راجعة من السفر، أو مبتدئة له (١). ويشابه هذا -وإن لم يكن من بحث أسماء الأعيان- كلمة: (البناء) بمعنى: الدخول بالزوجة، فأصله أن الرجل كان إذا تزوج، بنى للعروس خباء جديداً، ثم قيل لكل داخل بأهله: بانٍ، وإن لم يحصل منه بناء بيت. ومن قبيل هذا المثال كلمة: (الصفق، أو الصفقة) للعقد. فأصله: أن المتبايعين كانا إذا وجب البيع، ضرب أحدهما على يد صاحبه، فقالوا: صفَقَ له، أو على يده بالبيع، ثم استعملت الصفقة في العقد غير ملاحظ فيها ضرب اليد، وعلى اليد. * الفرق بين اسم الصفة واسم العين في عبارات المعجمات: قد يشير أصحاب المعجمات في شرح معاني الألفاظ أو توضيحها بالأمثلة إلى أن اللفظ من قبيل الصفات، أو من قبيل أسماء الأعيان المشيرة إلى وصف، ومن أبين ما يدلُّون به على الصفة: انهم يذكرون اسم العين، ويتلونه بذكر الصفة؛ كما قالوا: رجلٌ داهية: جيد الرأي، وسحابةٌ مذكية:

стр. 5879

مطرت مرة بعد أخرى، وناقةٌ أُجُد: قوية موثقة الخَلْق، وموتٌ زؤام: كريه، وأرضٌ ناسكة: خضراء حديثة المطر. ومما يدلّون به على أن اللفظ من قبيل الصفات: أن يذكروه، ويشرحوه بوصف دون أن يذكروا معه اسم العين، كما قالوا: الجواد: السخيُّ، والشّامخ: الرافع أنفه كِبْراً، والشجاع: الشديد القلب عند البأس، والكيِّس: الظريف، والزمّيت: الوقور. فهذه العبارات من علماء اللغة ظاهرة في أن هذه المشتقات أسماء صفات، وشانها أن تذكر مع موصوفاتها، إِلا أن تقتضي الحال حذف الموصوف. ومما يدلُّون به على أن المشتق اسم عين لا صفة: أن يصرحوا بأنه اسم لا صفة؛ كما قال صاحب "القاموس": واليَعْمَلَة: الناقة النجيبة المُعْتَمِلَة المطبوعة، والجَمَلُ يَعْمَلٌ، ولا يوصف بهما، إنما هما اسمان، وكما قال صاحب "المصباح": ناقة حلوبٌ؛ أي: ذات لبن يحلب، فإن جعلتها اسماً، أتيت بالهاء، فقلت: هذه حلوبةُ فلان. وهذا صريحٌ في أن لفظ: حلوب يستعمل صفة، أنها حلوبة، فإنه يستعمل استعمال أسماء الأعيان. ويقرب من هذا: أن يذكروا للاسم وجهاً من التصرف ليس من شأنه أن يجري في أسماء الأعيان، ويقولون لك: إن العرب توهّموا أنه صفة، كما قال صاحب "المصباح": والفصيل لولد الناقة؛ لأنه يُفْصَلُ عن أمه، والجمع فِصْلان، وقد يجمع على فِصال، كأنهم توهموا فيه الصفة؛ مثل: كريم وكِرام. وقد ينبّهون على اسمية المشتق بقولهم: سمِّي كذا بكذا لكذا، قال صاحب "المصباح": ويسمّى الحاجب: حدّاداً؛ لأنه يمنع من الدخول، وقال:

стр. 5880

والجارية: السفينة، سمِّيت بذلك؛ لجريها في البحر، وكما قال صاحب "الصحاح": سميت النّاقة أو البقرة: بَدَنَةً؛ لأنهم كانوا يُسمِّنونها، وذكر صاحب "اللسان": أن سَبَأَ بمعنى: اشترى، لا يقال إِلا في الخمر خاصة، ثم قال: والاسم: السِّباءُ، ومنه سمِّيت الخمر: سَبيئة، قال حسان: كأَنَّ سَبيئةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يكونُ مِزاجُها عَسَلٌ وماءُ ومما هو ظاهر في الاسمية قولهم: كذا اسم كذا، كما قال صاحب "المصباح": واللَّقاح: اسم ما يُلقح به النَّخْلُ، وقال الأزهري: اللُّقَطَةُ: اسم الشيء الذي نَجده ملقى فنأخذه. وقال ابن الأثير في "النهاية": والدّلوك - اسم لما يُتدَلَّكُ به. ومما يدلُّّون به على الاسمية: اقتصارهم في شرح المشتق على ذكر اسم العين؛ كما قالوا: الوقود: الحطب، والأَسْحَم: زِقُّ الخمر، والصّارخ: الديك، والصراخ: الطاوس، والصهباء: الخمر، والأَدْهَم: القيد، والمدام: الخمر، والأنيسة: النار، واللَّبوس: الدرع، والأجْدل: الصقر. وقد يتبادر إلى الذّهن: أن ذكر المعجمات لاسم العين مع المعنى الذي يشير إليه الاسم يدلّ على اسميته؛ كما قالوا: الواضحة: الأسنان تبدو عند الضحك، والحسام: السيف القاطع، والقابوس: الرجل الجميل الوجه حسن اللون، والسَّيّقُّ: السحاب لا ماء فيه، والهابِذَةُ: الناقة السريعة، والنزح: الماء الكدر، والمشجونة: المرأة الكثيرة العمل، النشيطة، وإنما كانت الاسمية متبادرة من مثل هذه العبارة. لأن ذكر اسم العين من نحو: الأسنان والسيف والرجل والسحاب في شرح تلك الأسماء ظاهر في أن الموصوف داخل في مفهوم هذا الاسم، فلا حاجة إلى ذكره قبله.

стр. 5881

لاحظنا هذا الوجه في شرح الألفاظ، ولكنا وجدنا كلمات كثيرة تذكر بعض المعجمات في شرحها اسم العين، ويوردها بعضهم على أنها صفات صريحة، فصاحب "القاموس" -مثلاً- يقول: الإجْفيل: الظليم ينفر من كل شيء، ويقول صاحب "أساس البلاغة": وظليم إجفيل: يجفل عن كل شيء، ويقول صاحب "القاموس": اللَّديم: الثوب الخَلَق، ويقول صاحب "أساس البلاغة": وثوب وخُفٌّ لديم، ويقول صاحب "القاموس": والمُمانِح: ناقة يذهب لبنها بعد أن تذهب ألبان الإبل، ويقول صاحب "الأساس": وناقة ممناح ومنوح: تمنح لبنها بعد أن تذهب ألبان الإبل. ويقول صاحب "القاموس": والجماد: الأرض، والسَّنَة لم يصبها مطر، ويقول صاحب "الأساس": وسنة جَماد، وأرض جَماد: لا حيا (لا مطر) فيها، ويقول صاحب "القاموس": والمرقومة: الأرض بها نبات قليل، ويقول صاحب "الأساس": وأرض مرقومة: فيها نبذ من النبات، ويقول صاحب "القاموس": والملساء: الخمر السلسة في الحلق، ويقول صاحب "الأساس": قهوة ملساء: سلسة الجَرْع. وإذا كان شرح اللفظ باسم العين مع الوصف لا يعدُّ دليلاً قوياً على اسميته، فأبعد منه دلالة على الاسمية: أن يشرحوا اللفظ بوصف، ويذكروا اسم العين بعد "من" البيانية مقدماً على الوصف، كما قالوا: والمَلُوس من الإبل: المِعْناقُ، السابق في كل مسير، أو مؤخراً عن الوصف؛ كما قالوا: السَّلوف: السريع من الخيل. وقد رأينا بعض المعجمات تأتي في شرح الأسماء على هذا الطريق، ونرى غيرها يسوقون هذه الأسماء مَساق الوصفية الصريحة، كما قال صاحب "القاموس": والعوجاء: الضامرة من الإبل، ويقول صاحب "الأساس": والناقة

стр. 5882

العوجاء: العجفاء التي أضناها السفر، وقال صاحب "القاموس": والفالج: الفائز من السهام، ويقول صاحب "الأساس": وخرج له سهم فالج؛ أي: فائز، وقال صاحب "القاموس": والهامد: البالي المسود المتغير من النبات، ويقول صاحب "الأساس": ونبات وشجرٌ هامدٌ: يابس. * اختلاف الأسماء في الدلالة على وجه التسمية: من أسماء الأعيان ما يكون وجه اشتقاقه واضحاً؛ كما سمّوا الحيوان الذي يطير في الهواء: (طيراً)، والبرهان؛ لفرقه بين الحق والباطل: (فرقاناً) والخَلْق الذي لا نراه لاجتنانه؛ أي: استتاره: (جنّاً)، ومنه ما يكون وجه اشتقاقه خفياً لا يعرف إِلا بعد بحث، أو يذكره بعضهم، ولا يزيد على أن يكون وجهاً محتملاً؛ كما قال بعضهم: سمّي الثَّوْرُ ثَوْراً؛ لأنه يثير الأرض، وسمِّي الثَّوْب ثوباً؛ لأنه ثاب لباساً بعد أن كان غَزْلاً. قال أبو بكر الزبيدي: سئل أبو عمرو بن العلاء عن اشتقاق الخيل، فلم يعرف، فَمرَّ أعرابي، فسأله أبو عمرو عن ذلك، فقال الأعرابي: استفاد الاسم من فعل السَّيْر، فسأل بعض الحاضرين أبا عمرو عما أراد الأعرابي، فقال: ذهب إلى الخُيَلاءِ التي في الخَيْلِ، والعُجْبِ، ألا تراها تمشي العَرْضَنة (١) خُيَلاء وَتَكَبُّراً؟! وقد يكون مأخذ اسم العين غير واضح وضوحاً يقطع الشبهة، فيختلف فيه علماء اللغة كما اختلفوا في وجه تسمية الخمر عُقاراً، فقال بعضهم: لمعاقرتها؛ أي: ملازمتها الدَّنَّ، وقال آخرون: لعقرها شاربها عن المشي، وكما اختلفوا في وجه تسمية الخِوان: مائدة، فقال بعضهم: سمّي مائدة من

стр. 5883

مادَ يميد: إذا تحرَّكَ، وقال آخرون: المائدة مأخوذة من مادَ يميد؛ أي: مارَ، أو أعطى؛ لأن مالكها مادها للناس، فهي فاعلة بمعنى مفعولة. * اختلاف اللغويين في وصفية اللفظ واسميته: من الأسماء المشيرة إلى وصف: ما لا يختلف اللغويون في اسميته؛ نحو: (القَلَم)، وهو مأخوذ من القَلْم؛ أي: القَطْع؛ لأنه يُبرى مرة بعد أخرى، (والخَمْر)، وهي مأخوذة من مخامرة العقل؛ أي: مخالفته، (والسَّفينة)، وهي مأخوذة من السَّفْن، وهو القَشْر؛ لأنها تقشر الماء كما تمخره. ومنها: ما تختلف عباراتهم في اسميته؛ كلفظ: (الوَرْدُ) فسَّره صاحب "القاموس" باسم العَيْن، فقال: الوَرْدُ: الأسد، وهذا ظاهر في أنه اسم من أسماء الأسد، وأتى به صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: وفرَسٌ وأسَدٌ وَرْدٌ (١). ونحو كلمة: (الذُّعاف) شرحها صاحب "القاموس" باسم العين، فقال: الذّعاف: السُّمُّ أو سمُّ ساعة، وجاء به صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: يقال لسُمِّ الساعة سم ذُعافٌ ونحو كلمة: (العَضْب) شرحها صاحب "القاموس" بالسيف، وأتى به صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: وسيفٌ عَضْبٌ. ومن هذا الباب ألفاظ يسوقها بعض علماء اللغة في أمثلة الأسماء المترادفة، ويوردها آخرون موارد الصفات، كما عدَّ ابن خالويه في أسماء السيف: المأثور، والصَّقيل، والجراز، وأتى صاحب "القاموس" بالمأثور وصفاً، فقال: وسيفٌ مأثورٌ: في مَتْنِه أثَرٌ، وأتى صاحب "المصباح" بالصّقيل وصفاً، فقال: وسيفٌ صقيلٌ: فعيل بمعنى فاعل، وأتى صاحب "الأساس" بالجُراز وصفاً، فقال: وسيفٌ جُرازٌ.

стр. 5884

وكما أورد صاحب "القاموس" في كتابه: "الأسل في تصفيق العَسَل" كلمة: (الصموت) في أسماء العسل، وشرحها في قاموس باسم العين مع الوصف فقال: والصَّموت: الشَّهْدَة التي ليس فيها ثُقْبَةٌ فارِغةٌ، وأتى بها صاحب "الأساس" وصفاً، فقال: وشَهْمَة صَموتٌ: ليست فيها ثُقبة فارغة. وربما كان سبب هذا الاختلاف: أن المشتق قد يرد في بعض الشواهد تلو اسم عين، فيذهب به بعض أهل العلم مذهب الوصفية، ويرد في بعض الشواهد مستقلاً، فيفهم آخر أن الاسمية غلبت فيه على الوصفية، فيقتصر في شرحه على اسم العين، أو يعدّه من قبيل الأسماء المترادفة. وقد نبَّهنا في صدر البحث على أن مدارَ الاسمية على غلبة الاستعمال. وفي هذا المقام يرجع الناظر متى أراد الترجيح إلى كلام الفصحاء من العرب؛ ليستبين من موارد الكلمة اسميتها، أو وصفيتها، أو يرجع في الترجيح إلى ما عرف به هذا اللغوي، أو ذلك اللغوي من الرسوخ في علم اللغة، وجودة التعبير، ووضع الأقوال الشارحة للأسماء موضعها. ولا يفوتنا أن ننبِّه على أن كثيراً من الأسماء المشيرة إلى وصف، وإن جرت مجرى أسماء الأعيان، قد يعود بها الفصحاء إلى معنى الوصفية المحضة، ونرى أصحاب المعجمات قد يذكرون في شرح الكلمة المعنيين الوصفي والاسمي، كما قال صاحب "القاموس": الهِزَبْرُ: الأسَدُ، والغَليظُ الضَّخْم، والشَّديد الصُّلْب، فيصبح الهزير اسم عين بمعنى الأسد كما في قوله: أفاطِمُ لو شَهدْتِ بيطنِ خَبْتٍ ... وقد لاقى الهِزَبْرُ أَخاكِ بِشْرا وأن يستعمل بمكان الوصف؛ أي: الشديد الصُّلب كما قال المتنبي: أَسَدٌ دَمُ الأَسَدِ الهِزَبْرِ خِضابُه ... مَوْتٌ فَريصُ الموتِ منه تَرْعَدُ

стр. 5885

فمن المحتمل القريب أن نرجّح بخلاف عبارات بعض اللغويين في اسمية الكلمة ووصفيتها إلى أن لها وجهين من الاستعمال، يذكر أحدهم وجه الاسمية، ويذكر آخر وجه الوصفية، وكلاهما عربي فصيح.
следующие страницы →