دروس أساتذة آخرين أو مجالسهم على قلة؛ مثل: شيخ الإسلام أحمد بن الخوجة، وشيخ الإسلام أحمد كريم، والقاضي الشيخ الطاهر النيفر، والقاضي الشيخ محمود بيرم، والعلامة الشيخ الشاذلي بن القاضي، والشيخ محمد يحيى الشنقيطي، والشيخ النوري شيخ الشيوخ بوطن الجريد.
ومن الشيوخ الذين كان يشهد مجالسهم، ويلتقط من معارفهم: المفتي المالكي الشيخ الطيب النيفر، والأستاذ الشيخ محمد السنوسي، وشيخ الإسلام محمود بن الخوجة.
وخوطب صاحب الترجمة على ولاية القضاء خارج الحاضرة قبل أن يحرز شهادة العالمية، فامتنع؛ حيث رأى أن مبارحة المعهد الزيتوني تقف به دون الغاية المطلوبة.
وفي سنة ١٣١٦ هـ تقدم لمجلس الامتحان، وألقى درساً من الشرح المطوّل على مختصر السعد، وآخر من شرح الزرقاني على مختصر الشيخ خليل، وثالثاً من شرح الخبيصي على التهذيب، وأحرز شهادة التطويع المساوية لشهادة العالمية بالجامع الأزهر، وأقبل على التدريس بالجامع الأعظم، مع الاستمرار على الحضور في بعض الكتب العالية؛ كتفسير القاضي البيضاوي الذي كان يدرّسه الأستاذان الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وشرح القسطلاني على صحيح البخاري الذي كان يدرسه الأستاذ الشيخ سالم بو حاجب، وشرح السعد للمؤلف الذي كان يدرسه الشيخ النجار.
وفي سنة ١٣١٧ هـ عزم على الرحلة إلى مصر لاختبار الحالة العلمية، والمقام في ساحة الأزهر إن رأى في الأخذ عن أساتذته فائدة فوق ما يجتنيه من دروس الأساتذة بجامع الزيتونة.
стр. 5952
فوصل إلى طرابلس الغرب، وأقام بها بضعة أيام نزيل الأستاذ محمد السماتي، ثم اعترضه عائق صرفه عن هذه الوجهة، فقفل راجعاً إلى الحاضرة، ومضى في سبيل التلقي والعلم بجامع الزيتونة.
وفي سنة ١٣٢١ هـ أنشأ مجلة علمية أدبية تسمّى: "السعادة العظمى"، وأقبل عليها أهل العلم والأدب في تونس والجزائر، وانهالت عليه لأول بروزها رسائل التقريظ شعراً ونثراً. وقد حاول بعض من لم يفقهوا الغرض من تحريرها أن يلقوا في سبيلها عثرات، أو يمسوا صاحبها بأذى، فأومأ إليهم الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتّور بالكف عن ذلك، فأحجموا. وممن كان يشدّ عزمه على متابعة نشرها الأستاذ الشيخ سالم بوحاجب، حتى قال له يوماً بعد انتهاء درس "صحيح الإمام البخاري": لا يهمك ما تلاقي في سبيل القيام بهذه المجلة، فالأمر كما قال ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ : "لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي".
وفي سنة ١٣٢٣ هـ تقلّد منصب القضاء بمدينة "بنزرت"؛ كما عهد له بالخطابة والتدريس بجامعها الكبير، واستمر قائماً بهذه الوظائف سنة وبضعة أشهر، ولما رأى خطّة القضاء محفوفة بمكاره، زيادة على كون العمل فيها أقل مما تتعلق به الهمة، راسل الحكومة بالاستعفاء منها، فتمهلت في قبوله، إلى أن كرر عليها المراسلة والخطاب مشافهة، وتحققت تصميمه على ذلك، فراسلته بقبول الاستقالة، وفي أثناء ولايته القضاء، ألقى محاضرة موضوعها: "الحرية في الإسلام" بنادي جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية، وحضرها جم غفير من العلماء والشبيبة المتنورة والمستشرقين.
عاد صاحب الترجمة إلى الحاضرة، وتصدى للتدريس بجامع الزيتونة
стр. 5953
الأعظم متطوعاً، وعينته الحكومة في لجنة تنظيم المكتبة الصادقية.
وفي سنة ١٣٢٥ هـ قام طائفة من أهل العلم بتأسيس جمعية زيتونية، وأقاموا حفلة بنادي المدرسة الخلدونية، فارتجل صاحب الترجمة خطاباً في تحبيذ المشروع، واستنهاض الهمم لتعضيده، وانتخب يومئذ عضواً في مجلس إدارتها، وكان أحد المشاركين في وضع قانونها.
وفي سنة ١٣٢٥ هـ تولى وظيفة التدريس بالجامع الأعظم.
وفي سنة ١٣٢٥ هـ عين مدرساً بالمدرسة الصادقية، وفي هذه السنة انتخبته هيئة إدارة المدرسة الخلدونية لدرس الإنشاء في هذه المدرسة، وألقى بها محاضرة موضوعها: "حياة اللغة العربية"، وكان النادي غاصاً بالعلماء والناشئة المفكِّرة وبعض المستشرقين.
ولما قامت الحرب الطرابلسية الطليانية، كان من الداعين لمساعدة جمعية الهلال الأحمر، ونشر في جريدة "الزهرة" قصيدته التي يقول في طالعها:
ردّوا على مجدِنا الذّكْرَ الذي ذَهَبَا ... يكفي مضاجعنا نَوْمٌ دَها حُقُبا
ثم إن صاحب الترجمة رحل إلى بلاد الجزائر من عاصمتها إلى أكثر مدنها، وكان في أثناء رحلاته يلقي دروساً في الحديث والتفسير، والبلاغة والمنطق والعروض في بلاد مختلفة، وحضر دروس أو مجالس كثير من أفاضل علمائها؛ مثل: الشيخ عبد القادر المغربي، والشيخ عاشور، والشيخ حمدان الونيّسي، والشيخ محمد بن الخمّار، والشيخ المدني بن أحمد بن عمر، والشيخ عبد الحليم بن سماية، والشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي، والشيخ بن شريط.
стр. 5954
وكان يلذّ له السفر إلى الجزائر؛ لما يجده لدى أهلها من شدة الحرص على المذاكرات العلمية، ولاسيما في أحكام الشريعة وآدابها، حتى إن سكان "وادي سوف" وما حوله من القرى كانوا يستقبلونه بغاية البشر والاحتفاء، ولشغفهم بدراسة الحديث والتفسير، كان يقضي الصباح والمساء وصدراً من الليل في إلقاء دروس وعظ بالجامع، أو في مجالس تعقد بمحل إقامته.
أقرأَ صاحب الترجمة بجامع الزيتونة الأعظم فنوناً وكتباً متعددة؛ مثل: "شرح الدردير لمختصر خليل"، و"مختصر السعد"، و"شرح المحلى بجمع الجوامع"، و"شرح الأشموني لألفية ابن مالك"، و"التنقيح" للقرافي، و"المثل السائر" لابن الأثير، وأقرأ دروساً من "تفسير القاضي البيضاوي" بمسجد الشيخ سيدي قاسم الزلّيجي، حضرها طائفة من أذكياء أهل العلم، ولم ينقطع عنها إلا برحلته الشرقية.
ونشر في الجرائد مقالات وقصائد اجتماعية إصلاحية؛ كقوله من قصيدة نشرت في جريدة "الزهرة":
إن الحياةَ هي الأيامُ زاهرةٌ ... ولا أرى الموْتَ غَيْرَ العَيْشِ في نكًدِ
ولا يَطيب الفتى عيشاً إذا نَسَجَتْ ... في أرضِه مُزْنةٌ والناسُ في جَرَدِ
وإنما الشعبُ أفرادٌ مؤلفةٌ ... في هيئةِ الفرد ذو قلبٍ وذو جَسَدِ
أما الفؤادُ فأربابُ السياسةِ إنْ ... هَمّوا بخيْرٍ فباقي الجسمِ في رَشَدِ
وإن ذَكَتْ أمةٌ لانتْ قِلادتُها ... بكفِّ قائدِها في السهْلِ والسَّنَدِ
والعِزُّ في الدولةِ العُظمى إذا بُنِيَتْ ... على أساسٍ من الأحْكام مُطَّرِدِ
تحمي حقوقَ بني الإنسانِ قاطبةً ... لايعتدي أحدٌ منهم على أَحَدِ
стр. 5955
والعدلُ أن يرِدوا فصلَ القضيةِ مِنْ ... باب المساواةِ لا إيثارِ ذي حَفَدِ
وكيف يَرْجَحُ أقوامٌ ووزنُهُم ... فيما يُحَدُّ به الإنسانُ لمْ يزدِ
إن الرعيةَ أعضاءٌ مساعدةٌ ... للمُلْكِ بالرأي والأموال والحَشَدِ
تلكَ العظائمُ لا تشتدُّ أزْمتُها ... وطئاً إذا ضربوا فيها يداً بيدِ
كذا المشاكلُ لا تجلو غوامِضَها ... إلا بمجلس شورى راسخِ العُمُدِ
وإن تصادمتِ الأفكارُ لاح سنى ... حَقٍّ وأصبَح ذاك الحقُّ في زردِ
والقابضونَ على أمرِ السياسةِ لا ... يسرُّهُمْ أنْ تُرى الأقلامُ في صَفَدِ
يسمو بهم شرفُ الوجدانِ أن يضَعوا ... نظامَهُم بمكانِ العير والوَتدِ
الخضر بن الحسين
وفي سنة ١٣٣٠ هـ انتقل إخوته ووالدته إلى الشام، ونزلوا في دمشق، والتحق بهم صاحب الترجمة بعد شهر، فمرَّ بمصر، واقترح عليه الطلبة قراءة درس بالجامع الأعظم، فألقى درساً في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢﴾ الآية. وبعد أن مكث فيها ثلاثة أيام سافر إلى دمشق، فقضى فيها نحو شهر ونصف، وتعارف من خلال هذه المدة بكثير من علمائها وفضلائها، وألقى دروس وعظ بالجامع الأموي، ثم سافر إلى الآستانة، ودخلها أيام أعلنت الحرب بين الدولة العلية والبلقان، وأقام بها نحو أربعين يوماً نزيل خاله الأستاذ الشيخ محمد المكي بن عزّوز، فتعارف ببعض أهل الشرف والعلم، وتروّر على مكاتبها، وعاد إلى تونس في ذي الحجة آخر تلك السنة، وتوارد العلماء والفضلاء من أهالي الحاضرة على تهنئته بالقدوم، وواصل دروسه بجامع الزيتونة، ونشر خلاصة من
стр. 5956
رحلته في جريدة "الزهرة".
وفي سنة ١٣٣١ هـ ألقى محاضرة موضوعها: "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها" بنادي جمعية قدماء تلاميذ المدرسة الصادقية، وحضرها -كالمحاضرتين السابقتين- جمّ غفير من العلماء والناشئة المتنورة. وفي هذه السنة عقدت الحكومة لجنة لتأليف كتاب شامل لتاريخ المملكة التونسية، وعينته عضواً في هذه اللجنة، فعمل معها بضعة أشهر. وفي شهر شعبان من هذه السنة أزمع الرحلة إلى الشام، فسافر على طريق الجزائر، وفي بلدة "تبسّة" احتفل به مؤسسو مدرستها، والتمسوا منه الإقامة لديهم على الوجه الذي يختاره، فاعتذر، وغادرهم إلى مدينة "عنّابة" حيث ركب الباخرة إلى مرسيليا، ثم إلى الإسكندرية، ثم إلى مصر، فأقام بها ثلاثة أيام، التقى فيها بالأستاذ السيد رشيد رضا، ورفيق بك العظم صاحب "أشهر مشاهير الإسلام"، وغيرهم، ثم انتقل إلى الشام، ودخل دمشق في أوائل شهر رمضان، وألقى دروساً بالجامع الأموي، حضر بعضها الأستاذ محمد أفندي كرد علي، ونوَّه بشأنها في جريدة "المقتبس". ثم في أواخر هذا الشهر سافر إلى المدينة المنورة للتبرّك بالحضرة النبوية ومشاهدها المحترمة، فأقام بها نحو خمسة عشر يوماً، قضاها في مذاكرات علمية وأدبية، واقترح عليه طائفة من أهل العلم قراءة درس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الآية. فأجاب مقترحهم، وقرأه بالحرم النبوي ما بين المغرب والعشاء، وهناك أنشد قصيدته في الحضرة النبوية التي يقول في طالعها:
أُحَييك والآماقُ ترسلُ مَدْمَعا ... كأنيَ أحدو بالسلامِ مُوَدِّعا
وما أدمعُ البُشرى تموجُ بِوجْنَةٍ ... سوى ثَغْرِ صبًّ بالوصال تَمَتّعا
стр. 5957
ولقي من أفاضل العلماء الأستاذ المحدّث السيد محمد بن جعفر الكتاني، والشيخ أحمد شمس خليفة، والشيخ ماء العينين الشنقيطي.
وممّن لازم صاحب الترجمة في أغلب أوقات المذاكرات، وكان أحد الطالبين للدرس الذي ألقاه في الحرم النبوي: العالم الشيخ عبد العزيز البدّاح المدرّس لدى أمير الكويت الآن، وقد راسل هذا الشيخ بعد عوده إلى وطنه صاحب الترجمة برسائل متعددة، يطلب منه القدوم إلى الكويت بقصد الإقامة، فإن لم يتيسر، فعلى وجه الزيارة.
ثم عاد إلى دمشق، فأقام بها بضعة أيام، وسافر إلى الآستانة العلية، وحين وصوله إليها عينته وزارة المعارف مدرساً لآداب اللغة العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية الجديدة في دمشق، وفي هذه المرة زار دار الفنون صحبة خاله الأستاذ الشيخ محمد المكني بن عزّوز مدرس علم الحديث بها. وحضر مجلس امتحان الطلبة في آداب اللغة العربية.
وبعد أن أقام بالآستانة مقدار شهر ونصف، رجع إلى دمشق، فقام بوظيفة التدريس بالمدرسة المومأ إليها، وكان مع ذلك يحرر وينشر مقالات وقصائد في الإصلاح وتقويم الخلاف بين الأمتين التركية والعربية، زيادة على الدرس الذي كان يلقيه بالجامع الأموي في أيام رمضان.
وفي سنة ١٣٣٢ هـ قدم حاضرة دمشق الطيّاران فتحي وصادق، وتسابق الأدباء إلى نظم القصائد في هذا الغرض، فنظم من بينهم قصيدة نشرت في جريدة "المقتبس"، وكان لها وقع حسن في نفوس أهل الأدب من السوريين، وهي التي يقول في طالعها:
قضيتَ مدىً بمضمارِ الحياةِ ... تجولُ على مُتونِ الصّافناتِ
стр. 5958
كأنَّ الخيلَ غايةُ مُستطاعٍ ... وأسرعُ نافذٍ بكَ في فَلاةِ
وفي سنة ١٣٣٤ هـ زاره أحد المحامين من أدباء طرابلس الشام بكتاب ألّفه في أدبيات اللغة العربية، ورغب إليه أن يطالعه، وينبهه على ما يحتاج إليه من زيادة وإصلاح. وبعد أيام زاره صاحب الترجمة بمكتب المحاماة، وكان بجانبه أحد الشيوخ من أقاربه، فأخذ ذلك المحامي يخوض في سياسة الدولة، ويشير إلى تأليف حزب يعمل ضدها، فقام صاحب الترجمة في معارضته، وأقام له الشواهد على سوء عاقبة هذا الرأي، حتى انقطع عن الكلام، وطُويَ بساطُ المجلس. وبعد شهرين وقفت الحكومة على ما جرى في ذلك المجلس لإبلاع من بعض أقارب المحامي نفسه، فاستدعت دائرة الشرطة صاحب الترجمة يوم عشرين في رمضان من تلك السنة بالحقيقة، وتيقنت براءته من المشاركة في ذلك الغرض، واعتذر على عدم المبادرة إلى إعلام الحكومة بما صدر من ذلك المحامي: أنه لم يكن بيده دلائل وأمارات يستطيع أن يثبت بها ما يدعيه على ذلك المحامي متى أقام قضية، وطالبته الحكومة بالإثبات.
والقانون يقتضي عقوبة من يتهم إنساناً بجريمة سياسية، ثم لا يثبتها ببينة، وقصَّ لهم حادثة رجل امتلأ منه الوالي غيظاً، وطرده من ساحته بعلّة أنه أبلغه بعض حوادث، ولما بحث عنها، لم يجد لها ما يصدقه. ورجل آخر اتهم فريقاً بمساعي ضد الحكومة، فلم تأخذ قوله على علاته، بل أودعته السجن، وطالبته بإثبات ما يدعيه على أولئك الفريق، فقنعت دائرة الشرطة بهذا الاعتذار، ووقع الإذن باعتقال صاحب الترجمة إلى أن تنتهي قضية المتهمين، فاعتقل في جملتهم بخان (مردم بك) ستة أشهر وأربعة عشر
стр. 5959
يوماً، ولما عرضت أوراقه على المحكمة العرفية، أحضرته، وبحثت معه في القضية بتدقيق، ثم حكمت ببراءته، بل قدمت إلى جمال باشا طلباً بمكافأته، وقال له رئيس المحكمة العرفية فخري باشا يوم استدعاه من المعتقل ليخبره بحكم البراءة على ملأ من الناس: اطلب ماذا تريد، ونحن نسعى لك عند الدولة، فأجاب بأنه لا رغبة له في شيء، ولامه بعض الحاضرين من أعيان طرابلس الشام على عدم انتهاز هذه الفرصة، ولكن صار بعد ذلك يذكرها له في شواهد عدم الالتفات إلى المنافع المادية.
اعتقل صاحب الترجمة، ولم يتزحزح عن مبدئه، بل كان وهو في نفس المعتقل يجادل المتطرفين في الإنكار على الدولة، حتى قال بعض أعيان السوريين الذين صاحبوه في المعتقل: ما رأينا رجلاً يدافع عن الحكومة وهو بين جدران سجنها إلا فلاناً، يعنون: صاحب الترجمة.
ولما وصل خبر اعتقاله إلى الآستانة، كلّف وزير الحربية أحد رؤساء بعض أقسامها إرسال تلغراف على لسانه إلى جمال باشا يأمره بأن لا يفصل في قضية صاحب الترجمة شيئاً إلا بعد عرضها على وزارة الحربية بالآستانة.
وقدّم صاحب الترجمة إلى المحكمة العرفية -زيادة على الجواب الشفاهي- دفاعاً نثراً، وآخر شعراً يقول في أوله:
يسوسُ أخو الفِكْرِ القَضايا ويفصلُ ... وما كلُّ مَنْ ساسَ القضيةَ يَعْدِلُ
وما ضلَّ وجهُ الحقِّ عن رأي باحثٍ ... وإن راح في بحر الدّجى يَتَوَغَّلُ
ويلبس من صُنع القضاءِ مَحامِداً ... إذا كان من باب العَدالةِ يَدْخُلُ
فيا مجلسَ الحكّامِ دونَكَ بعضَ ما ... أرَتْنا الليالي والحقائق تُنْقَلُ
стр. 5960
وقال أيام حيل بينه وبين أدوات الكتابة وهو في المعتقل:
غلَّ ذا الحبسُ يدي عن قلمِ ... كان لايصحو عن الطّرسِ فنَاما
هل يذودُ الغَمْضُ عن مقلتِه ... أوْ يُلاقي بعلَه الموتَ الزّؤاما
أنا لولا هِمَّةٌ تحدو إلى ... خدمة الإسلامِ آثرتُ الحِماما
ليستِ الدُّنيا وما يقسُمُ مِنْ ... زَهْرِها إلا سراباً أو جَهاما
وقال في حال الاعتقال، وقد جرت بينه وبين بعض الأدباء محاورة في المفاضلة بين الحاضرة والبادية:
رأى صاحبي في الحبْسِ أن الحياةَ في الـ .... ـحضارةِ أرقى ما يتم به الأنْسُ
فقلتُ له فضلُ البداوة راجِحٌ ... ويكفيكَ أنَّ البَدْوَ ليس به حَبْسُ (١)
أُطلق سراح صاحب الترجمة في اليوم الرابع من ربيع الثاني سنة ١٣٣٥ هـ، فأقبل إليه علماء دمشق وفضلاؤها وأدباؤها جماعات وفُرادى لتهنئته بالسلامة، ومن بينهم: جماعة من الموظفين الأتراك؛ لاطلاعهم على حقيقة القضية، ومعرفتهم بالأعمال التي قام بها صاحب الترجمة تجاه الأمة العثمانية.
ولما انتهى خبر الإفراج عنه إلى الآستانة، بعث إليه الأستاذ إسماعيل
стр. 5961
الصفايحي برسالة التهنئة، ومما يقول له ضمنها: "أنا على يقين من براءتكم وإخلاصكم، ولم يدخل علينا شك في ذلك".
وفي هذه السنة ١٣٣٥ هـ كان يلقي دروساً دينية وأدبية بالمدرسة العثمانية، والتمس منه جماعة من أهل العلم قراءة كتب منها "صحيح الإمام مسلم"، و"بداية المجتهد"، و"المستصفى" للغزالي، و"المغني" لابن هشام، و"الكامل" للمبرد، فأجاب طلبهم، وشرع في دراستها بجامع باب سريجة، وواظب على قراءتها أشهراً إلى أن اقتضى الحال سفره إلى الآستانة سنة ١٣٣٦ هـ، فسافر على طريق حلب، ثم أَدَنَةَ، ثم قونية، ثم أسكيشهر، ونزل في الآستانة ضيفاً مكرماً ببيت الأستاذ المرحوم الشيخ إسماعيل الصفايحي، وعيّن يومئذ كاتباً بالقلم العربي في بعض أقسام وزارة الحربية. كما عينته المشيخة الإسلامية واعظاً بجامع (الفاتح) في شهر رمضان مكان الأستاذ الشيخ إسماعيل الصفايحي حيث تنازل له عن هذه الوظيفة. ومن حسن تواضع ذلك الأستاذ الشيخ العظيم: أن حضر بنفسه في أول درس ألقاه صاحب الترجمة، وكان جالساً بجانبه داخل حلقة الدرس.
ومما جرت إليه المناسبة في الدرس: أن صاحب الترجمة قرّر ما قاله ابن حزم في قصة داود ﵇ من الأخذ فيها بظاهر القرآن، وأن قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، وارد في رجلين حقيقيين، لا كما يقوله بعض المفسرين من أنهما ملكان أتياه في سورة رجلين. فأورد أحد الحاضرين من الأتراك: أن هذا الوجه لا يصحّ معه قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]؛ فإن هذه الآية تدل على صحة ما يقوله المفسرون من أنهما ملكان أرسلهما الله لتنبيهه وعتابه على
стр. 5962
ما صدر منه، فأجابه صاحب الترجمة بأن الخصمين لما تسوّرا المحراب، فزع منهما داود ﵇، وظن أنهما يريدان إذايته، وهذا الظن الذي سبق إليه، ووقع على بريئين من تلك الإرادة السيئة هو الذي ندم عنه، وعدّه مما يستحق أن يستغفر الله منه، واستحسن الأستاذ الشيخ إسماعيل هذا الجواب جداً، حتى كلف صاحب الترجمة بعد عوده إلى البيت لكتابته.
وحضر صاحب الترجمة يوماً من أيام الجمعة بجامع تكية الشيخ ظافر، فرغب منه الإمام، وهو من الشيوخ المصريين، أن يقوم مقامه في الخطبة، فصعد المنبر، وارتجل خطبة في الحث على اتّباع الشرع العزيز، والتمسك بآدابه، وكان لها موقع في نفوس السامعين.
وشهد حفلة صلاة الجنازة على السلطان محمد رشاد، ومبايعة السلطان وحيد الدين بقصر "طوب كبو"، وكلفته وزارة الحربية بتحرير منشور في الإعلام بوفاة السلطان الأول، ووصف حفلة مبايعة السلطان الثاني، والدعوة إلى مبايعته؛ ليوزع في أنحاء المملكة العثمانية.
والتقى بالسيد أحمد السنوسي، وكان في صحبته يوم تجول بمحل آثار الانكشارية العتيقة، وحين أجري أمامه تمثيل بعض وقائع حربية بوسيلة السينما تغراف، وكلف بتحرير منشور في وصف استقبال هذا السيد، وعناية السلطان به، واختياره لأن يقلده سيف الملك، على خلاف عادة سلاطين آل عثمان الأقدمين من أن الذي يقلّدهم السيف إنما هو شيخ الطريقة المولوية.
وحضر أياماً متعددة في درس الأستاذ الشيخ إسماعيل الصفايحي لصحيح البخاري بجامع الوالده، وتجري في الدرس أبحاث مفيدة، حيث إن الأستاذ الصفايحي يتصدى في الدرس لدحض الشبه التي يوردها زنادقة هذا العصر
стр. 5963
على الإسلام، كما يتعرض لإبطال الآراء التي تنشرها بعض الصحف، وتكون مصادمة لتعاليم الشريعة.
ثم اتخذ صاحب الترجمة منزلاً خاصاً بالقرب من الباب العالي، ورغب منه أحد أهل العلم من الأتراك الذين كانوا يشهدون دروسه الوعظية بجامع الفاتح قراءة "تفسير القاضي البيضاوي"، فأجاب مطلبه، وكان ذلك الشيخ يتردد عليه لسماع دروس من التفسير المومأ إليه إلى أن عزم صاحب الترجمة على مبارحة الآستانة.
وفي أول يوم من رمضان سنة ١٣٣٧ هـ انطلق من الآستانة إلى "بالي كسي"، ثم "أزمير"، وأقام بها نحو عشرين يوماً، ثم ركب الباخرة إلى إيداليا، فجزيرة قبرص، فإسكندرونة، فطرابلس الشام، وشهد بها اليوم الثاني من عيد الفطر في جملة بعض أعيانها الذين انعقدت بينه ويينهم صداقة في دمشق، ثم انتقل إلى حمص، ومنها إلى دمشق الشام. ومما قاله في أثناء هذا السفر:
أنا كأسُ الكريمِ والأرضُ نادٍ ... والمطايا تطوفُ بي كالسُّقاةِ
رُبَّ كأسٍ هوتْ إلى الأرض صَدْعاً ... بين كفٍّ تديرها واللَّهاةِ
فاسْمحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جَفْنُ ساقِيه طافحٌ بسُباتِ
وقال:
كأنيَ دينارٌ ودِمَشْقُ راحةٌ ... تعودتِ الإنفاق طولَ حياتها
فكم سمحتْ بي للنّوى عقبَ النَّوى ... ولم أقْضِ حقَّ الأنْس بين سَراتِها
وبعدما استقر به النوى في دمشق، عُيّن عضو شرف في المجمع العلمي، وبعث إليه رئيس المجمع محمد أفندي كرد علي بكتاب يقول فيه: "بناء على
стр. 5964
ما عهد بكم من العلم والفضل والغيرة على المصالح الوطنية، قد انتخبكم المجمع العلمي العربي عضو شرف فيه؛ للاستعانة بآرائكم السديدة، واختباراتكم الثمينة، فالمرجو أن تتكرموا بقبول ذلك".
وعاد صاحب الترجمة إلى إلقاء دروس دينية وعربية في المدرسة العثمانية، وهي أكبر مدرسة أهلية بدمشق، ثم عينته الحكومة لدرس صناعة الإنشاء والخطابة بالمدرسة العسكرية، وعينته وزارة المعارف مدرسَ العلوم الدينية بالمدرسة السلطانية "مكتب عنبر"، وبعد تعيينه هذه الوظيفة ترجح لديه السفر إلى مصر، فلم يتمكن من مباشرتها.
ولقي صاحب الترجمة من علماء دمشق وأدبائها وفضلائها سائر أيام إقامته بها حفاوة واحتراماً، ولما عزم على الرحيل منها، كتب إليه صديقه خليل مردم رئيس الرابطة الأدبية رسالة يذكر فيها أسفه على الفراق، وفي صحبتها قصيدة أومأ في الرسالة أن تكون كالرَّتيمة وتذكار الود والصداقة. فبعث إليه صاحب الترجمة بالأبيات الآتية:
ما النجمُ تجري بهِ الأفلاكُ في غَسَقٍ ... كالدُّرِّ تقذِفُه الأقلامُ في نَسَقِ
لقد سلوتُ محيّا البدْرِ إذ طلعتْ ... عقيلةُ الطِّرْسِ والأجفانُ في أَرَقِ
وكنتُ أرشُفُ من مجرى بَلاغَتِها ... راحًا فيهدَأ ما في الجأْشِ من قَلَقِ
تخشى إذا أفصحتْ عمّا توهَّج مِنْ ... حماسةٍ أن تَشُبَّ النارُ في الوَرَقِ
فألْبَسَتْها أساليبَ النَّسيبِ وكم ... ذاقَ الحشا لوعةً من ناعسِ الحَدَقِ
هي الرَّتيمةُ فيما قالَ مبدعُها ... وهل يغيبُ السَّنا عن طلعة الفَلَقِ
إني على ثقةٍ مِنْ أن ذكرَك لا ... ينفَكُّ مرتَسماً في النَّفْسِ كالخُلُقِ
стр. 5965
وكيف أنسى خليلاً قد تضوَّعَ في ... حُشاشتي ودُّهُ كالعَنْبر العَبِقِ
وفي الورى خَزَفٌ لكن تبرَّجَ في ... نضَارةِ الذهبِ الأصفى أو الوَرِقِ
لا عتب إن ضاق باعي في القريضِ فلمْ ... يُضِئْ كما ضاءتِ الجوزاءُ في الأُفُقِ
فإنَّ إحساسي الشِّعريَّ أَوشَكَ أنْ ... يلاقي النَّفَسَ الأقْصى من الرَّمَقِ
لم تُبْقِ لي حادثاتُ الدَّهْرِ منه سوى ... أَثارةٍ كبقايا الشَّمسِ في الشَّفَقِ
وكان جماعة من أهل العلم مثل: الأستاذ الشيخ محمود ياسين، والسيد الشريف النص، والسيد توفيق، والسيد عارف الدّوجي يعقدون مجالس في بيوتهم لمطالعة كتب شرعية أو أدبية، وكان بينهم وبين صاحب الترجمة مودة خالصة، وصداقة محكمة، ولما طابت له مذاكراتهم، وحمد رقة آدابهم وشرف همتهم في العلم، كان لا يغيب عن هذه المجالس -التي تنعقد في أغلب أيام الأسبوع- إلا لعذر، وختموا بهذه السيرة كتباً؛ مثل: "المواهب اللدنية"، وقد فارقهم وبين أيديهم "إعلام الموقعين" لابن القيم.
وبما أن صاحب الترجمة باشر التدريس في مدارس الحكومة وبعض المدارس الأهلية مدة ليست بالقصيرة، تخرّج على يديه عدد كبير من التلاميذ، أصبحوا يشغلون اليوم دواوين الحكومة وغيرها من المصالح، وكان يلاقي منهم عاطفة احترام وإجلال يبدونها في مظهر جعله يشهد لتلك الناشئة بصحة العهد، وصفاء الذوق.
стр. 5966
من وثائق محمد الصالح المهيدي
السيد محمد الخضر حسين
عضو مجمع فؤاد الأول للغة العربية والأستاذ بكلية أصول الدين ورئيس جمعية الهداية الإسلامية.
جاء في مجلة "الحديقة" الصادرة بالقاهرة في ٧ أغسطس سنة ١٩٣٩ م عدد ٧٦، السنة الثانية: ما يأتي -محاطاً بصورة الأستاذ أبقاه الله-:
شخصية فذّة قوية، ونفحة من نفحات الحق الزكية، جاد به الدهر وهو البخيل بالرجال، كما تجود الصخرة بالماء الزلال، سمت به الرجولة الحقّة التي بثّها الدين بين جوانحه، فجعل منه مظهراً من مظاهر البطولة الصادقة، والتضحية النبيلة. فقد وهبه الله إيماناً قوياً لا تزعزعه الشدائد، وصبراً جميلاً على المكاره، وعملاً دائباً في نصرة الحق والدين، وكفاحاً عن العقيدة، وجهاداً في سبيلها، وتطلّعاً إلى المثل العليا، وهياماً بمعالي الأمور، وترفعاً عن صغائرها وسفاسفها.
تحادثه، فتلمس من حديثه حضور البديهة، وحسن البصيرة، وصفاء الذهن، وسرعة الخاطر، وتناقشه، فتجد نقاء النفس، وسداد الرأي، وهو يبدي الرأي بكل صراحة، فيدافع عنه من غير تغيير للحقائق، أو قلب للأوضاع، غزير المادة، وَساع الاطلاع، متّقد العقل، بعيد النظر، يحس نتيجة الشيء قبل حدوثه، ويقرأ في الناظر ما يجول في الخاطر، وهو إذ يعرف الحق
стр. 5967
فيتمسك به، يفعل ما ينبغي عليه أن يفعله، ويقول ما يجب أن يقال. يشعر بالطريق المستقيم، فيسلكه، والسبيل السوي فيطرقه، ولا يحيد عنه بعدُ قيدَ أنملة. وهو -مع هذا- متواضع أشد التواضع، ولكنه تواضع في غير منقصة أو مذلّة، يترك عمله ليدلَّ عليه، ويتحدث عنه؛ بدلاً من أن يتحدث هو عن نفسه.
نشأ السيد سليلَ بيت مجد في تونس، فظهرت عليه علامات النبوغ والذكاء منذ أن شبَّ وترعرع، فأخذ في البحث والاطلاع والتنقيب، تحدوه رغبة جامحة في العلم، ويدفعه الأمل في خدمة الدين والوطن، حتى إذا ما أحرز شهادة العالمية بتفوق، تطوّع للتدريس في الجامع الأعظم "جامعة الزيتونة"، وأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول صحيفة صدرت في تونس باللغة العربية، وكانت حافلة بالمواضيع العلمية، والمسائل الأدبية، والأمور الاجتهادية، وقد لقيت لدى ظهورها تأييداً وترحيباً من كافة الطبقات.
ثم رأت الحكومة أن تنتفع بجليل علمه، وعظيم مواهبه، فعيّن قاضياً شرعياً في "بنزرت"، ولكن أنّى للنفس الكبيرة أن تستكنَّ أو تهدأ، لقد وجد أن الحاضرة أولى بعلمه وجهوده، فاستقال من منصبه راضياً مختاراً، ورحل إلى تونس، فعين أستاذاً في جامعة الزيتونة، ومدرساً بالمدرسة الصادقية، وهي أكبر مدرسة للحكومة بتلك البلاد، وكانت له صولات وجولات في المباحث الدينية والأدبية والاجتماعية، وألقى محاضرات قيمة في نادي جمعية قدماء الصادقية، والمدرسة الخلدونية، وطبعت جميعاً، أذكر منها: "الحرية في الإسلام"، و"حياة اللغة العربية"، و"مدارك الشريعة الإسلامية"، و"الدعوة إلى الإصلاح"، وغيرها.
стр. 5968
وما إن وجدت الحكومة فيه عالماً جليلاً، وناقداً مصلحاً، حتى أرادت أن تستفيد من خبرته وسعة اطلاعه، فأشركته معها في كثير من المشروعات الإصلاحية، فكان عضواً في لجنة وضع التاريخ التونسي العام، وعضواً بمجلس النظر في شؤون المدارس، وعضواً في لجنة تنظيم كتب المكتبة الصادقية، والمكتبة الزيتونية، وغيرها من المشروعات العلمية والاجتماعية.
ثم رحل إلى الشام، فاستقبل هنالك استقبالاً حافلاً، وعيّن مدرساً لآداب اللغة العربية في المدرسة السلطانية، وإن أجمل ما توصف بها إقامته هنالك: ما ذكره أحد أعضاء المجمع العلمي (١) في دمشق إذ قال: "أستاذنا الجليل السيد محمد الخضر حسين، علم من أعلام الإسلام، هاجر إلى دمشق في عهد علامتي الشام: الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي، فاغتبطا بلقائه، واغتبط بلقائهما، وكنا نلقاه ونزوره معهما، فأحكمت بيننا روابط الصحبة والألفة والود من ذلك العهد، ولما توفي شيخنا القاسمي سنة ١٣٣٢ هـ، لم نجد نحن -معشر تلاميذه- من نقرأ عليه أحبّ إلينا، ولا آثر عندنا من الأستاذ الخضر؛ لما هو متصف به من الرسوخ في العلم، والتواضع في الخلق، والبرّ بالإخوان، وأخذنا منذ ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الزاهرة، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالاً لمقامه، وإعجاباً بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعيين، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير".
وهكذا كانت مدة إقامته في الشام خالصة لخدمة العلم والدين، وتثقيف
стр. 5969
الشبيبة، وتنشئتهم على أسس قويمة من الخلق والعلم والدين، فلما أن [قامت] الحرب العالمية سنة ١٩١٤ م، خاض غمارها، وساهم فيها بنصيب وافر، فاتصل بالمرحوم أنور باشا التركي وزير الحربية حينذاك، ثم وصل إلى ألمانيا، فقضى فيها زهاء التسعة أشهر تعلم أثناءها اللغة الألمانية، ودرس حالة المجتمع هناك، ثم أقبل على دراسة علوم الكيمياء والطبيعة على البروفسور (هاردر) أحد كبار المستشرقين من العلماء الألمان، ثم رجع إلى دمشق، فمكث فيها قليلاً، ورحل إلى إستنبول، فعين محرراً بالقلم العربي في إدارة الأمور الشرقية، واستمر رافعاً لواء العلم حتى قارب عقد الهدنة، واشتدت الأحداث السياسية، فاضطر إلى الرحيل إلى ألمانيا ثانية، ومكث بها نحو سبعة أشهر، قضاها باحثاً ومنقباً، إلى أن خمدت نار الحرب، ووضعت أوزارها، فرجع.
стр. 5970
من وثائق محمد الصالح المهيدي
الشيخ الخضر حسين
من زعماء الإصلاح الاجتماعي في العصر الحاضر: الشيخ الخضر بن الحسين، الذي جاهد الباطل والمحسوبية، وكافح الجهل والأنانية، وتصدى لرد الظلم ودحضه أينما حلَّ وارتحل، فكان من الموفقين. تستحق حياته المملوءة بالعمل الصالح التسجيل، وذلك يستدعي ويستلزم كتاباً، ولا يكفي لاحتوائه فصل في جريدة، ولكن طلب صاحب "العزة" الفاضل لنشر حياة هذا الرجل الكامل في ميدان الكفاح الإسلامي في جريدته، جعلني أضطر إلى استعراض ما لدي من المعلومات عن حياته وأعماله، حتى يكون في ذلك موعظة ودرساً للشباب المتحفز للنسج على منواله.
* مولده ونشأته:
ولد الشيخ الخضر بمدينة "نفطة" الواقعة في أقصى نقطة من الجنوب الغربي من المملكة التونسية في ٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ من أبوين كريمين، فوالده من قادة رجال التصوف الإسلامي في القرن الماضي، وأمه هي ابنة العالم التونسي الشهير والصوفي المعروف الشيخ مصطفى بن عزّوز دفين بلدة "نفطة"، والذي لعب دوراً كبيراً في سياسة الدولة التونسية في أواسط القرن الماضي، عندما اشتدت وطأة ظلم الولاة وبغي العتاة، فكان الملجأ لمن حاق بهم مكرهم، ومجيرهم عند ذوي السلطة والنفوذ.
стр. 5971
وانتقل والد الشيخ من مسقط رأسه إلى الحاضرة التونسية في العام السادس من هذا القرن ١٣٠٦ هـ، وفيها بدأ يزاول حفظ القرآن الكريم إلى أن أتمّه، ثم أخذ يتعلّم مبادئ العلوم، حيث أدخل إلى جامع الزيتونة، وفيها تتلمذ إلى شيوخ أعلام أمثال المشايخ: عمر بن الشيخ، وسالم بوحاجب، ومحمد النجار، فزاول عنهم المنقول والمعقول إلى أن أحرز على شهادة التطويع سنة ١٣١٦ هـ.
* الإصلاح الاجتماعي:
كانت الروح السائدة في التعليم الزيتوني لا تبعث على الاطمئنان، فالتوكل والتسليم للقضاء والقدر هي كل ما يتحدث به شيوخ الزيتونة إلى تلاميذهم، وقد كان ذلك يفضي إلى طغيان سيادة الجبرية، فإذا جادل مجادل في العمل والكسب، وجاهر بالسعي والعمل المتواصل لخير هذا الوطن، عُدّت عنه أنفاسه، وابتعد منه الخاصة فضلاً عن العامة، وسبب ذلك يرجع في معظمه إلى الجو السياسي الذي غمر البلاد التونسية بعد انتصاب الحماية، واستمرار حالة الحصار سنوات عديدة، فالحكم العسكري، واستمرار حالة الطوارئ جعل أكثر الناس يهمسون برغائبهم المشروعة همساً، وفي آذان بعض الدوائر المسؤولة في الحكومة، أما أن يقوم خطيب على منبر يدعو الناس إلى الإصلاح الاجتماعي أو السياسي، أو تتولى صحيفة محلية القيام بهذا العمل، فذلك ضرب من المحال.
* شجاعة نادرة:
لكن الشيخ الخضر حسين خرق الاجتماع، وتقدم إلى ميدان العمل بخطى ثابتة، فأنشأ مجلة "السعادة العظمى" سنة ١٣٢١ هـ فكانت أول صوت ارتفع
стр. 5972
ينادي بوجوب الإصلاح الاجتماعي، وحاول أن تكون في خطواتها الأولى كمجلة "المنار" بمصر، فكانت تشتمل على بحوث في التفسير والحديث، وإصلاح المجتمع الإسلامي، يقوم على تحريرها نخبة من شيوخه وزملائه، وكان الأمل أن تستمر على الظهور والصدور، لكنها لم تقو على ذلك؛ لأنها كانت سابقة عن أوانها، فاضطر الشيخ إلى إيقاف إصدارها.
* إبعاده عن تونس:
لم يقف الشيخ بعد احتجاب مجلته مكتوف اليدين، بل أخذ يقوم بإلقاء دروس وعظية، ويعقد الاجتماعات الخاصة لإرشاد الشعب إلى طرق الصلاح والسداد، وبينما هو في تلك الحال، إذ سلطت عليه الحكومة بعض قرابته، فحبَّب إليه قبول خطبة قضاء مدينة "بنزرت"، وكان ذلك في سنة ١٣٢٣ هـ مع إسناد خطّة الإمامة والخطابة بجامعها الكبير، فقبل ما عرض عليه عساه يتخذ مما ذكر وسيلة لإبلاع رسالته إلى المجتمع، ومباشرة الحكم بالعدل بين الرعية، وإنقاذ السكان من ظلم القضاة المرتشين، حتى يكون قدوة لغيره من قضاة العدل.
فارق الشيخ مدينة تونس، وانتصب في مدينة "بنزرت"، ووضع برنامجاً إعلامياً ذا ثبتين: الأولى قضائية، يطبق فيها قواعد الشرع الإسلامي كما هي فيما يعرض أمامه من القضايا الاستدقاقية والشخصية، والثانية اجتماعية، وهي معالجة أمراض المجتمع الإسلامي على طريق الخطيب المنبرية كل يوم جمعة، يرشد الناس فيها إلى أمور دينهم ودنياهم. ولما شرع في تطبيق برنامجه الإصلاحي، بدأت الدسائس تحوم حوله، وأخذ المرجفون يتقولون عنه الأقاويل، فحمله ذلك على المبادرة بتقديم استقالته مما هو مسند إليه من
стр. 5973
الخطط، فأعفي من تكاليفها، وعاد إلى تونس.
* التدريس بتونس:
عاد الشيخ الخضر إلى تونس، وشرع يلقي دروساً حرّة بجامع الزيتونة إلى أن فتحت مناظرة لاختيار مدرس من الطبقة الثانية بجامع الزيتونة سنة ١٣٢٥ هـ، فساهم مع المتناظرين، وكان الفوز حليفه، كما كان سبباً لتسميته مدرساً بالمدرسة الصادقية سنة ١٣٢٦ هـ وعهدت إليه الخلدونية بإلقاء دروس على طلابها في فنون الإنشاء والخطابة، فتصدى لذلك على أكمل وجه.
стр. 5974
من وثائق محمد الصالح المهيدي
الشيخ الخضر حسين
* كيف يقضي يومه بالقاهرة:
يستيقظ الساعة ٤ صباحاً، بعد نصف ساعة يكون بدار "الهداية الإسلامية"، حيث يستحم بالماء البارد كامل أيام السنة، وهي سنة اتبعها منذ كان بألمانيا أثناء الحرب العالمية الأولى، وبعد الصلاة يبدأ كتابة التفسير إلى الساعة ٨؛ حيث يذهب إلى محل مجمع فؤاد الأول للغة العربية الذي هو عضو رسمي وموظف به. وهناك يشتغل بالعمل الموكل إليه من طرف كتابه المجمع إلى الساعة ١١؛ حيث يعود إلى محل "الهداية" لمباشرة أعمالها الإدارية، والنظر فيما يرد عليها من بريد ورسائل وتحارير لمجلتها المؤسسة منذ جمادى ٢ - ١٣٤٧ هـ. ويمكث به إلى منتصف النهار؛ حيث يعود إلى منزله لتناول طعام الإفطار.
وبعد الزوال يذهب على الساعة ٣ إلى مقر مجلة "لواء الإسلام" (١). وبعد صلاة الظهر والعصر يباشر أعمال هاته المجلة التي يرأس تحريرها، فيقدم إلى مطبعته ما حرره من تفسير، ثم تقدم إليه المقالات المعدّة للنشر ليراجعها، ويصادق على ما يراه صالحاً للنشر، ويعدّل ما يقتضي التعديل،
стр. 5975
ويعيد إلى أصحابه مالم ير فائدة في نشره، ويمكث هناك إلى ما بعد الساعة ٦، وبعد صلاة العصر ينتقل إلى محل جمعية الهداية لمقابلة الواردين، أو إلقاء محاضرة، أو السماع إليها، وإذا لم يكن هذا ولا ذاك، ينتصب مجلس للسمر يضم عدة علماء من الجمعية المذكورة، أو من الواردين عليها من الخارج، ويمكث هناك إلى الساعة ٩؛ حيث يعود إلى منزله لتناول طعام العشاء والصلاة، ثم الراحة والنوم.
* اللغات التي يحسنها:
عندما هاجر الشيخ من تونس إلى البلاد العثمانية أولاً، وأقام بعاصمة دار الخلافة مدينة إسطنبول عند فضيلة الشيخ المكي بن عزّوز، تعلّم اللغة التركية حتى أحسن النطق بها وفهمها، وتدرّب على قراءة صحفها إلى أن ألمَّ بها إلماماً لا بأس به.
وعندما اشترك مع جماعة من المسلمين -منهم: الشيخ صالح الشريف، والأمير شكيب أرسلان- في الحرب العالمية الأولى، وسافر إلى ألمانيا، اغتنم فرصة وجوده هناك، فتعلَّم الألمانية تعلّم استفادة أولاً حتى أتقنها بعض الاتقان، وتدرب على قراءتها وفهمها، وأصبحت له القدرة على الفهم والإفهام، حتى إنه ساهم في ترجمة بعض كتبها إلى اللغة العربية.
وعندما انتقل إلى مصر، واستقر بها، بدأ يشعر بحاجته إلى تعلّم الإفرنسية، وقد تجاوز عمره السبعين، واشتدت رغبته في ذلك عندما أصبح عضواً في (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا) حيث ترد على هذه المنظمة بالقاهرة صحف من الشمال الإفريقي ومن غيره باللغة الإفرنسية، وفيها من الأبحاث ما يقتضي الاطلاع، فبحث عن مدرس مصري لهاته اللغة، واتفق معه على إعطاء درس
стр. 5976
في كل يوم بمقابل مالي، وذلك بمقر جمعية الهداية، وكان ذلك في سنة ١٩٤٨ م إلى أن أصبح قادراً على القراءة والمطالعة بها، وكتابة بعض الجمل البسيطة.
أمدّني بهاته المعلومات الأستاذ القليبي، ونحن ننتظر قدوم السيد بوحافة في عيادة الحكيم ابن ميلاد مساء يوم الجمعة ٤ - ١ - ١٣٧١ هـ، ٥ - ١٠ - ١٩٥١ م على الساعة ٥ والنصف.
стр. 5977
من وثائق محمد الصالح المهيدي
الخضر حسين في سطور
ولد بنفطة في سنة. . . . ١٨٧٦
انتقل إلى تونس. . . . ١٨٨٨
أحرز على التطويع بالزيتونة. . . . ١٨٩٨
أنشأ مجلة السعادة العظمى. . . . ١٩٠٣
ولي قضاء بنزرت. . . . ١٩٠٥
أحرز على التدريس من الرتبة ٢ بالزيتونة. . . . ١٩٠٧
أحرز على التدريس بالصادقية. . . . ١٩٠٨
انتقل إلى الشام مع عائلته. . . . ١٩١١
أسند إليه التدريس بدمشق. . . . ١٩١٦
سجنه جمال باشا بدمشق مدة ٦ أشهر. . . . ١٩١٦
سمّي منشئاً بوزارة الحرب بإستنبول. . . . ١٩١٧
تردَّد على برلين من عام. . . . ١٩١٧
سمّي واعظاً بجامع الفاتح بإستنبول. . . . ١٩١٨
انتقل إلى مصر بالسكن. . . . ١٩٢٢
أصدر كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم". . . . ١٩٢٥
стр. 5978
سمّي مدرساً بقسم التخصص بالأزهر. . . . ١٩٢٧
أصدر كتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي". . . . ١٩٢٧
أسس بالقاهرة "جمعية الهداية الإسلامية". . . . ١٩٢٨
ترأس تحرير مجلة مشيخة الأزهر "نور الإسلام". . . . ١٩٣٠
ترأس (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية). . . . ١٩٤٥
ترأس تحرير مجلة "لواء الإسلام". . . . ١٩٤٧
أسندت إليه مشيخة الأزهر. . . . ١٠ - ٣ - ١٩٥٢
توفي بالقاهرة ودفن بها في. . . . ٣ - ٢ - ١٩٥٨
стр. 5979
تلامذة جامع الزيتونة (١)
تحركت همة نخبة من تلامذة الجامع الأعظم إلى إنشاء جمعية تؤكد بينهم روابط الإخاء والمحبة، وتحدث فيهم قوة التعاون على طلب الإصلاحات اللازمة لهم في ترقية حال التعليم، كما أنهم اعتمدوا في أصل تأسيس هاته الجمعية على مساعدة فقراء التلامذة، وإعانتهم على تحصيل العلوم والمعارف بتأسيس نادٍ يجمع شتاتهم على المباحثة والتوسع في تبادل الأفكار، وهو مقصد جليل نؤمل أن تحمد عواقبه، وتأمن مباديه من العوائق.
وقد حرر التلامذة قانوناً ذا فصول مختصرة تشتمل على مقاصد الجمعية، وأصول تأسيسها، وقرروا يوم الأحد الفارط موعداً لاجتماع عام بين التلامذة والأساتذة يتداولون فيه: تنقيح القانون، وانتخاب رئيس وأعضاء، وبعد توزيع الاستدعاءات على نجباء التلامذة وفضلاء المدرسين لحضور الجلسة التي أسندت رئاستها لفضيلة العالم النحرير الأستاذ الشيخ السيد الطاهر النيفر.
وانعقد الاجتماع في الساعة الثالثة مساء يوم الأحد بحضور العلماء
стр. 5980
الأجلّة الذين أبدوا كامل الحنوَّ والمحبة لتلامذة الجامع الأعظم، وبرهنوا على كامل العناية بالشؤون النافعة، وفهمهم أسرار الاجتماع وفوائده بإجابتهم الدعوة هذه الجمعية الجديدة ..
وافتتح الرئيس المشار إليه الجلسة لإلقاء خطاب بليغ (أوردت الجريدة نص الخطاب) .. ولدى جدوس الرئيس عند الفراغ من الخطاب، قام حضرة البليغ البارع الشيخ السيد الخضر بن الحسين، وارتجل خطاباً لطيفاً خاطب به الرئيس والحاضرين، يستحسن به المشروع، ويحرَّض على إتمامه، بدون أن يصدَّهم عن ذلك ما عساه يعترضهم من العقبات التي يزيلها الثبات، ويمحوها الاتحاد. ثم جلس هذا السيد الحازم بين هتاف الاستحسان. . .
وبعد ذلك أجريت أعمال الانتخاب لرئيس وأحد عشر عضواً، فارتفعت الأصوات بانتخاب العلامة النحرير الأستاذ السيد محمد رضوان رئيساً. ثم تسمى أحد عشر عضواً بغلبية الأصوات (١). وهاكَ أسماءهم على ترتيب غلبية الأصوات:
السادة الأفاضل: الخضر بن الحسين - محمد بن الشاذلي بن القاضي - الطيب رضوان - الصادق النيفر - الطاهر بن عاشور - بلحسن النجار - محمد النخلي - الطاهر النيفر - عمر بن عاشور - علي الشنوفي - عثمان بن الخوجة. . .
стр. 5981
ربع ساعة أمام المذياع
الأدب التونسي في القرن الخامس مسامرة الشيخ محمد الخضر حسين (١)
* كلمة في الشيخ -أبقاه الله-:
الشيخ محمد الخضر حسين من الرجال العظام الذين أنبتتهم تربة بلادنا، وترعرعوا في أحضانها، ولقد أنبته الله نباتاً حسناً، فنشأ نشأة طيبة تناسب شرف نسبه، وأصالة عائلته، وطوى الشيخ بساط شبابه في الكوع من منابع العلوم والآداب، حتى امتلأ بذلك امتلاء كانت آثاره أن كان الشيخ من علماء تونس الأفذاذ، ومن أدبائها المشار إليهم بالبنان.
وقد أخذ الشيخ في التدريس بالجامع الأعظم، فكان لدروسه الصدى
стр. 5982
القوي، والفائدة العظيمة، وزيادة على قيامه بذلك، فقد كان يلقي المحاضرات النفيسة في جمعية "قدماء الصادقية"، وكانت هاته المحاضرات من ذلك النوع الرفيع من البحث، والمقام الكبير من التحقيق والتمحيص.
وألَّف الشيخ تآليف عديدة قبل هجرته إلى مصر، وأسس مجلة أسماها: مجلة "السعادة العظمى"، ومن تآليفه: "الدعوة إلى الإصلاح"، و"الحرية في الإسلام"، و"حياة اللغة العربية".
ثم هاجت ريح زعزاع، وثارت عاصفة صخوب، أركبت الشيخ المركب إلى مصر، وأفئدةُ الناس تذوب حسرة، وقلوبهم تتقطّع لوعة.
ولقي الشيخ احتفاء وتكريماً من الشرق والشرقيين، وأصبح الشيخ من أعلام الجهاد الإسلامي، ومن المذاويد عن شرع الله الحكيم، فردَّ على طه حسين في كتابه "نقض الشعر الجاهلي"، وأتى على طعناته، فإذا هي كرماد اشتدت به الرياح، ثم ردَّ على علي عبد الرازق في كتابه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وبعث بأوهامه إلى مكان سحيق، وطعنها طعنة ما قدرت أن تعيش بعدها طرفة عين، وكذلك ردَّ الشيخ على "القاديانية" في كتاب نسيت اسمه، وهشَّم فيه مذهبهم.
وتولى الشيخ رئاسة "جمعية الهداية الإسلامية"، ورئاسة تحرير مجلتها، وهناك أجال قلمه، فترجم لكثير من علماء بلاده وأدبائها مما دلَّ على أن الشيخ مضرب الأمثال في الوفاء، وأنه أوفى من أم جميل، وأنه يحنُّ إلى وطنه حنيناً. ورحم الله ابن الرومي:
وحَبَّبَ أوطانَ الرجالِ إليهم ... مآربُ قضّاها الزمانُ هنالكَا
إذا ذكروا أوطانهَم ذَكَرَتْهُمُ ... عهودَ الصبا فيها فحنّوا لِذَلِكا
стр. 5983
وأبا تمام الطائي:
نقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهَوى ... ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ
كم منزلٍ في الأرضِ يَأْلَفُهُ الفَتَى ... وحنينُه أبداً لأوَّلِ منزلِ
وتولى أيضاً رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" لسان الأزهر، وكان له فيها مقالات غُرَر، ومما يدل على قيمتها الجليلة: أنها ترجمت إلى اللغة الإنكليزية تبشيراً بالإسلام، والشيخ كان من أكبر الذين كوّنوا مشروع (الشبان المسلمين) بمصر، وهو الآن مدرس بكلية أصول الدين، يدرّس أصول الشريعة؛ كالحديث والتفسير، وهو شاعر مفلق حاذق، ومن شعره الذي أحفظه قوله:
بسطتَ شُعاعَ عِلْمك في نفوسٍ ... تسوقُ إليك ما اسطاعت حُتوفا
كذا الأقمارُ تكْسو الأرضَ نوراً ... ولولا الأرضُ ما لقيتْ خُسوفا
وقوله وهو من جيد الشعر:
أرى مُثْمِرَ الأغصانِ يَدْنو من الثَّرى ... وعاطِلُها يبغي بهامتِه الشِّعْرى
فَأَذْكُرُ إذْ يهوي الغمامُ تواضعاً ... وَيرْفَعُ مسلوبُ العُلا أنفَه كِبْرا
وقوله:
عذْرْتُكَ إذ صوَّرْتَ في نفسكَ الهُدى ... ضلالاً وصوَّرْتَ الضلالَ رَشادا
فإنَّ زُجاجاتِ المصوِّرِ تقلِبُ الـ ... ـسَّوادَ بياضاً والبياضَ سَوادا
ومن شعره في السجن الذي سجنه فيه السفاك جمال باشا بدمشق، وقد مكث فيه ستة أشهر:
стр. 5984
أنا لولا هِمَّةٌ تحدو إلى ... خِدْمةِ الإسلامِ آثرتُ الحِماما
ليستِ الدُّنْيا وما يقسُمُ مِنْ ... زَهْرِها إلّا سَرابا وقَتاما
وما أبدع قوله وأجمله:
لا خَيْرَ فيمنْ خفَّ طبعاً واشترى ... بلطائفِ الأُدَباءِ كأسَ مُدامِ
والشِّعْرُ كالبَيْداء هذا مَهْمَهٌ ... قَفْرٌ وهذا كُنَّسُ الآرامِ
وبعد:
فقد رفع الشيخ تونس بعلمه الزاخر، وأدبه الكبير، وأخلاقه الإسلامية، نَعَمْ، رفعها مكاناً عليّاً، فله الشكر بكرة وعشيّاً.
وقد منَّ الله على الأستاذ أن سهَّل له الذهاب إلى الحج، فحجَّ الشيخ في عام ١٣٥٢ هـ، وعند رجوعه إلى مصر سالماً غانماً، احتفلت به جمعية "الهداية الإسلامية" احتفالاً لائقاً بمقامه الكريم، وعلمه الغزير، ومما قاله الأستاذ الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني في خطبته: "أي وربّي الله! إن الأستاذ الخضر لنفحة من نفحات الحق في هذا العصر، جاد بها الجواد على هذا الزمان العقيم، فأحيا به من موات الإسلام، وجدَّد بعزمه من شباب الدين، ونضَّر بأخلاقه من وجه الفضيلة، ورفع بنبوغه من منار العلم، وجبر بهِمته من كسر الشّرق وأهل الشرق، فإذا نحن رحّبنا به، فإنما نرحب بلسان الإسلام والدين والفضيلة والعلم، والشرق والشرقيين".
وأُلقيت في تلك الحفلة قصائد كلها تفيض إخلاصاً، وتتدفق محبة وحناناً لذلك الرجل الذَّكَر (١)، والعلّامة العَلَم.
стр. 5985
ولقد ابتهج التونسيون ابتهاجاً عظيماً حين أعلن عن مسامرة بلديِّنا العلامة الشيخ الأخضر ابن الحسين، وكان ابتهاجي أنا على الأخص عظيماً حيث لم أتمتع لا برؤية الشيخ، ولا بالتلذذ بمجالسه العِذاب وأدبه، واطّلاعه الباهر الجميل، وسهراته الظراف، ومحاضراته الطراف، وبالأمس على الساعة التاسعة استمعنا مسامرة الشيخ عن الأدب التونسي في القرن الخامس.
ألقى الشيخ مسامرته الطريفة بصوت فخم ضخم، حلو النبرات، جميل، وبلغة بديعة التعابير، فصيحة التراكيب، هي -وربَّك- البيان الكريم. وتكلم عن مهيئات تلك النهضة، وأنها بطبيعة الحال يجب أن تجاري النهضات الزاهرة في العراق، وبلاد الشرق، ولقد وجدت في القرن الخامس نهضة لم تأت بها الأيام، نهضة راقية ساحرة، بلغت من السمو والكمال والحظوة الكبرى والصيت الذائع البعيد، ثم تكلم الشيخ، فاستعرض كثيراً من شعراء ذلك العهد المزدهر السعيد؛ كابن شرف، وابن رشيق، والحصري صاحب "زهر الآداب"، وألقى نتفاً من شعرهم البديع، ومقاطيعهم التي هي كسجع الحمائم في الأسحار، وعبث الكواعب بالأوتار. وجعل الشيخ من أعظم العوامل المقوية لروح تلك النهضة: ملك القيروان إذ ذاك (المعزّ بن باديس)؛ فقد كان هذا الملك كَلِفاً بالأدب، عطوفاً على أهله، يصلهم بالصلات الحسنة، والعطايا الكبرى، فكان يجتمع في مجلسه نحو من مئة شاعر، ويقولون الشعر، فينبعث المعزّ- وهو مَنْ هو ضلاعة واطّلاعاً على الأدب - ناقداً، كاشفاً للغطاء عن الغلطات والعثرات التي عثروا فيها في ميدان القول الرحيب الفسيح.
ثم تحدّث عن قيمة ابن شرف القيرواني النقدية، ومؤلَّفه في ذلك، وبيّن قيمة ابن شرف في النقد، وأنه من الذين كانوا ينقدون الشعر النقد العميق
стр. 5986
البديع، وتكلم على ابن رشيق، وعلى كتابه الثمين "العمدة"، وعلى قيمة هذا الكتاب الجلّى، ومكانته في علم النقد، وأنه من الكتب التي كان لها الأثر الكبير في شدِّ ساعد هذا العلم، وذيوعه في العالمين، وأرسل الشيخ لفكره العنان، فأتى بالرائق الأنيق بالآيات البينات في هذا الموضوع، وأوسعه بحثاً طرياً، ورأياً شهياً.
وقد حُرمنا كثيراً من المسامرة بسبب الهزم الصاخب، والأصوات الهائلة التي كانت تنبعث من محطة (البلجيك). وأضرّت بنا الضرر البليغ؛ حيث قطَّعت علينا المسامرة العزيزة تقطيعاً، وشوَّشتها تشويشاً، منعتنا من خيرٍ غمرَ، وحديث عال شريف.
وختم الشيخ مسامرته المطرفة الرفيعة مبتهجاً بنهضتنا الأدبية، وبشعرائنا الحذّاق الذين لهم من وحي مجدهم ونهضاتهم التي أسدت للإنسانية أيادي بيضاء ومنناً حسناً بهيجة لهم من ذلك ما يبعث العزائم بعثاً دفّاقاً إلى جعل هاته النهضة تسابق تلك النهضة، فنسبق سبق الجواد، ونفوز بالقدح المعلّى، ثم قال الشيخ -أبقاه الله-: ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا ما تيسر في أن أتصيَّدَه من مسامرة الشيخ، وإن ما التقَطْتُه من تلك الدرر الثمان الغوالي التي نثرها، فأقر العيون، وأطرب الأسماع، وإنه لمتعة كم نود أن يرسل أمثالها الأستاذ من آونة إلى أخرى، فيمتِّعنا بذلك تمتيعاً، نحن متشوقون شوق المهجور لنظرة، والصادي لرشفة.
هذا وإن حُرِمْنا من رؤية الشيخ، ومن دروسه الفذّة، فلنا مما يرسله من بيانه السامي، وقلمه المجلّي في ميادين العلوم والآداب، وما يلقيه إلينا
стр. 5987
من المحاضرات على طريق (المذياع) عوض.
ومما يستلفت النظر: أن الشيخ ألقى مسامرته بتلك اللهجة التونسية القريبة من اللهجة العربية قرباً كبيراً، على طول إقامته بين ظهراني إخواننا المصريين، وقد أخبرني أخوه العالم اللغوي السيد المكي بن الحسين: أنه متأثر بلهجة شيخه العلامة إسماعيل الصفايحي.
أدام الله الأستاذ علَمَ تونس في الشرق الخفّاق، ومثالاً كريماً للأخلاق النبوية الفضلى، وجعله شمساً تنير الحوالك، ومصباحاً يقي المهالك، والله على كل شيء قدير.
محمد الصادق بسيس
يوم السبت ٤ جمادى الثانية ١٣٥٥
стр. 5988
العلامة التونسي الشهير الشيخ الخضر بن الحسين يسمى شيخاً على الأزهر الشريف (١)
بناء على ملاحظات كبار العلماء تقرر إسناد مشيخة الأزهر الشريف إلى فضيلة العلّامة الشيخ محمد الخضر بن الحسين من هيئة كبار علماء الأزهر، وقد روعيت في هذه التسمية نزاهة فضيلته، وكفاءته، ومقدرته العلمية الفائقة، وأخلاقه الإسلامية العالية.
وفضيلة العلامة محمد الخضر بن الحسين تونسي المولد والنشأة، وقد نشأ من أسرة معروفة في الجريد التونسي، وبعد أن حذق القرآن الكريم بمسقط رأسه في الجريد التونسي، شدَّ الرحال إلى العاصمة التونسية، وانخرط في سلك طلبة الجامع الزيتوني المعمور، وواصل التدرّج والسموّ في المراتب العلمية حتى أصبح من العلماء الأعلام الذين يشار إليهم بالبنان، واشتهر فضيلته بغيرته على الدين، وعمل ٠ هـ المتواصل على إصلاح حال المسلمين. وهو يرى أن بلاد الإسلام هي وطن واحد لجميع المسلمين، وإن فرقت بينهم الحدود الوضعية، والفواصل الجغرافية الصناعية والسياسية.
وبعد أطوار عديدة في حياته الحافلة، لا يتسع المقام والنطاق المحدود
стр. 5989
لتفصيلها، اعتزم الرحلة إلى الشرق، وزار مختلف الأقطار الإسلامية، ودرَّس العلم في مختلف أمهات المعاهد الشهيرة. ومنذ بضعة سنوات حطّ الرحال -بعد أن تقدمت به السن- في أرض الكنانة، فقوبل بالتبجيل والإجلال والتقدير اللائق بمقامه العلمي الرفيع، وأنيطت بعهدته مهام علمية سامية في الجامع الأزهر الشريف، وأخيراً اعتنق الجنسية المصرية، وأصبح عضواً بارزاً في هيئة كبار العلماء الأزهريين، حتى اختارته الحكومة المصرية الرشيدة منذ يومين لمشيخة الأزهر الشريف بموافقة هيئة كبار العلماء.
وفضيلة الشيخ محمد الخضر بن الحسين يبلغ الآن السنة الثامنة والسبعين من عمره الحافل بالأعمال الإسلامية الجليلة.
ونحن نهنئ فضيلته بهذا المنصب الجليل الذي أُسند لكفاءته، ونرجو له الحياة الطيبة الحافلة بالأعمال الصالحات في النهوض بالأزهر الشريف، ونسأل الله تعالى العلي القدير أن يبارك في عمره، وأن يمدّ في أنفاسه.
وإنا لنعتبر تسميته على رأس أعظم معهد إسلامي في العالم شرفاً وفخراً وكسباً لتونس والتونسيين، ورابطة جديدة من روابط القربى والتعاون بين الشعبين المكافحين: تونس، ومصر.
стр. 5990
من وحي القلم
لمسة وفاء (١)
عندما ينظر الباحث إلى تاريخ الإنسان في هذه الربوع، تهزّه مشاعر جيّاشة، وتأخذه سِنَة من النّخوة والاعتزاز بالانتماء إلى أرض تونس المجيدة. . . وذلك بتأثير ما يقرؤه على صفحات التاريخ من مآثر رائدة صنعتها أيادي أعلام تونسيين أفذاذ، نذروا حياتهم لرفعة الوطن، ولإصلاح المجتمع، ولتنمية التراث كمّاً ونوعاً.
من هؤلاء الأعلام أريد أن أومض إلى جهود الشيخ محمد الخضر حسين، لاسيما وأن ذكرى وفاته الأربعين تمرّ بنا هذه الأيام، فقد مات ﵀ في يوم ١٢ فيفري ١٩٥٨ م بعد عمر ناهز ٨٥ عاماً، حفلت بجليل الأعمال التي تذكر فتشكر. وبالمناسبة يمكنني القول باختصار شديد: إن الرجل قد برز طوداً شامخاً، شهدت بنبوغه وبفضائله منابر العلم مشرقاً ومغرباً، وقد أبان في هذا المجال عن جملة من الصفات العالية أذكر منها باختزال ثلاثاً:
١ - صفة العالم الإصلاحي الذي حرّك السواكن، وأيقظ النفوس، وأحيا الهمم، وهدَّ أقبية الجمود، وأقضَّ مضجع الرجعية الغائرة في التحجر، فعمل