البديع، وتكلم على ابن رشيق، وعلى كتابه الثمين "العمدة"، وعلى قيمة هذا الكتاب الجلّى، ومكانته في علم النقد، وأنه من الكتب التي كان لها الأثر الكبير في شدِّ ساعد هذا العلم، وذيوعه في العالمين، وأرسل الشيخ لفكره العنان، فأتى بالرائق الأنيق بالآيات البينات في هذا الموضوع، وأوسعه بحثاً طرياً، ورأياً شهياً.
وقد حُرمنا كثيراً من المسامرة بسبب الهزم الصاخب، والأصوات الهائلة التي كانت تنبعث من محطة (البلجيك). وأضرّت بنا الضرر البليغ؛ حيث قطَّعت علينا المسامرة العزيزة تقطيعاً، وشوَّشتها تشويشاً، منعتنا من خيرٍ غمرَ، وحديث عال شريف.
وختم الشيخ مسامرته المطرفة الرفيعة مبتهجاً بنهضتنا الأدبية، وبشعرائنا الحذّاق الذين لهم من وحي مجدهم ونهضاتهم التي أسدت للإنسانية أيادي بيضاء ومنناً حسناً بهيجة لهم من ذلك ما يبعث العزائم بعثاً دفّاقاً إلى جعل هاته النهضة تسابق تلك النهضة، فنسبق سبق الجواد، ونفوز بالقدح المعلّى، ثم قال الشيخ -أبقاه الله-: ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا ما تيسر في أن أتصيَّدَه من مسامرة الشيخ، وإن ما التقَطْتُه من تلك الدرر الثمان الغوالي التي نثرها، فأقر العيون، وأطرب الأسماع، وإنه لمتعة كم نود أن يرسل أمثالها الأستاذ من آونة إلى أخرى، فيمتِّعنا بذلك تمتيعاً، نحن متشوقون شوق المهجور لنظرة، والصادي لرشفة.
هذا وإن حُرِمْنا من رؤية الشيخ، ومن دروسه الفذّة، فلنا مما يرسله من بيانه السامي، وقلمه المجلّي في ميادين العلوم والآداب، وما يلقيه إلينا
стр. 5987
من المحاضرات على طريق (المذياع) عوض.
ومما يستلفت النظر: أن الشيخ ألقى مسامرته بتلك اللهجة التونسية القريبة من اللهجة العربية قرباً كبيراً، على طول إقامته بين ظهراني إخواننا المصريين، وقد أخبرني أخوه العالم اللغوي السيد المكي بن الحسين: أنه متأثر بلهجة شيخه العلامة إسماعيل الصفايحي.
أدام الله الأستاذ علَمَ تونس في الشرق الخفّاق، ومثالاً كريماً للأخلاق النبوية الفضلى، وجعله شمساً تنير الحوالك، ومصباحاً يقي المهالك، والله على كل شيء قدير.
محمد الصادق بسيس
يوم السبت ٤ جمادى الثانية ١٣٥٥
стр. 5988
العلامة التونسي الشهير الشيخ الخضر بن الحسين يسمى شيخاً على الأزهر الشريف (١)
بناء على ملاحظات كبار العلماء تقرر إسناد مشيخة الأزهر الشريف إلى فضيلة العلّامة الشيخ محمد الخضر بن الحسين من هيئة كبار علماء الأزهر، وقد روعيت في هذه التسمية نزاهة فضيلته، وكفاءته، ومقدرته العلمية الفائقة، وأخلاقه الإسلامية العالية.
وفضيلة العلامة محمد الخضر بن الحسين تونسي المولد والنشأة، وقد نشأ من أسرة معروفة في الجريد التونسي، وبعد أن حذق القرآن الكريم بمسقط رأسه في الجريد التونسي، شدَّ الرحال إلى العاصمة التونسية، وانخرط في سلك طلبة الجامع الزيتوني المعمور، وواصل التدرّج والسموّ في المراتب العلمية حتى أصبح من العلماء الأعلام الذين يشار إليهم بالبنان، واشتهر فضيلته بغيرته على الدين، وعمل ٠ هـ المتواصل على إصلاح حال المسلمين. وهو يرى أن بلاد الإسلام هي وطن واحد لجميع المسلمين، وإن فرقت بينهم الحدود الوضعية، والفواصل الجغرافية الصناعية والسياسية.
وبعد أطوار عديدة في حياته الحافلة، لا يتسع المقام والنطاق المحدود
стр. 5989
لتفصيلها، اعتزم الرحلة إلى الشرق، وزار مختلف الأقطار الإسلامية، ودرَّس العلم في مختلف أمهات المعاهد الشهيرة. ومنذ بضعة سنوات حطّ الرحال -بعد أن تقدمت به السن- في أرض الكنانة، فقوبل بالتبجيل والإجلال والتقدير اللائق بمقامه العلمي الرفيع، وأنيطت بعهدته مهام علمية سامية في الجامع الأزهر الشريف، وأخيراً اعتنق الجنسية المصرية، وأصبح عضواً بارزاً في هيئة كبار العلماء الأزهريين، حتى اختارته الحكومة المصرية الرشيدة منذ يومين لمشيخة الأزهر الشريف بموافقة هيئة كبار العلماء.
وفضيلة الشيخ محمد الخضر بن الحسين يبلغ الآن السنة الثامنة والسبعين من عمره الحافل بالأعمال الإسلامية الجليلة.
ونحن نهنئ فضيلته بهذا المنصب الجليل الذي أُسند لكفاءته، ونرجو له الحياة الطيبة الحافلة بالأعمال الصالحات في النهوض بالأزهر الشريف، ونسأل الله تعالى العلي القدير أن يبارك في عمره، وأن يمدّ في أنفاسه.
وإنا لنعتبر تسميته على رأس أعظم معهد إسلامي في العالم شرفاً وفخراً وكسباً لتونس والتونسيين، ورابطة جديدة من روابط القربى والتعاون بين الشعبين المكافحين: تونس، ومصر.
стр. 5990
من وحي القلم
لمسة وفاء (١)
عندما ينظر الباحث إلى تاريخ الإنسان في هذه الربوع، تهزّه مشاعر جيّاشة، وتأخذه سِنَة من النّخوة والاعتزاز بالانتماء إلى أرض تونس المجيدة. . . وذلك بتأثير ما يقرؤه على صفحات التاريخ من مآثر رائدة صنعتها أيادي أعلام تونسيين أفذاذ، نذروا حياتهم لرفعة الوطن، ولإصلاح المجتمع، ولتنمية التراث كمّاً ونوعاً.
من هؤلاء الأعلام أريد أن أومض إلى جهود الشيخ محمد الخضر حسين، لاسيما وأن ذكرى وفاته الأربعين تمرّ بنا هذه الأيام، فقد مات ﵀ في يوم ١٢ فيفري ١٩٥٨ م بعد عمر ناهز ٨٥ عاماً، حفلت بجليل الأعمال التي تذكر فتشكر. وبالمناسبة يمكنني القول باختصار شديد: إن الرجل قد برز طوداً شامخاً، شهدت بنبوغه وبفضائله منابر العلم مشرقاً ومغرباً، وقد أبان في هذا المجال عن جملة من الصفات العالية أذكر منها باختزال ثلاثاً:
١ - صفة العالم الإصلاحي الذي حرّك السواكن، وأيقظ النفوس، وأحيا الهمم، وهدَّ أقبية الجمود، وأقضَّ مضجع الرجعية الغائرة في التحجر، فعمل
стр. 5991
بكل ما أوتي من جهد من أجل تجاوز السلبيات، وهجر القوالب العقيمة، وإزاحة العوائق، وإجلاء سحب القتامة والظلام الحاجبة للرؤيا، والقابعة على الآفاق، تخنق الأمل، وتسدّ فرج النور والحياة. ومما يؤثر عنه: أنه دعا بحماس إلى فتح باب الاجتهاد، واستئنافِ آلياته من جديد، ونادى إلى حرية الرأي والتعبير، وانعتاق الإنسان التونسي بهدف بناء العقل، وتطوير أساليب التفكير التي لم تعد تواكب العصر. فتألب عليه المتزمتون والمحافظون، وعارضوه، وسعوا إلى النيل منه واضطهاده، لكن ذلك لم يثنه عن التشبث بقناعاته المستنيرة ..
٢ - كان صاحبنا -إلى جانب صفاته الإصلاحية- شعلة من نار على أعداء الشعب، خصوصاً الاستعمار الذي احتل البلاد، واستعبد رقاب العباد. وفي هذا الإطار، رفع محمد الخضر حسين لواء الثورة الشاملة ضد قوات الاحتلال، واغتنم فرصة سفراته، وإقامته بالشام ومصر وألمانيا والجزائر؛ ليحرّض إخوانه المغاربة، وفي مقدمتهم التونسيين؛ لمقاومة الحماية الفرنسية، وكان يحفزهم ويؤلبهم حتى يكافحوا كفاحاً مستميتاً بهدف تقويض صرح العدو، وانتزاع حرية الوطن، والتخلص من ربقة الاحتلال. وقد أسس بمصر لهذا الغرض في سنة ١٩٢٣ م جمعية "تعاون جاليات شمال إفريقيا"، ثم أنشأ بعد الحرب العالمية الثانية "جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا"، التي كان لها دور فعال في شد أزر الزعماء والمقاومين، وإبلاع صوتهم إلى المنظمات العالمية. . . وتضايقت فرنسا وقتها من نشاط الخضر حسين، فأصدرت عليه غيابياً حكماً بالإعدام وهو مقيم بدمشق، فهاجر إلى مصر لاجئاً حيث واصل نضاله إلى أن مات.
٣ - ولعلّ الصفة الضاربة لرائدنا خلال حياته المليئة بالنشاط والحيوية،
стр. 5992
هي: أنه كان -رغم تكوينه الزيتوني التقليدي- صاحب ثقافة واسعة، وفكر متفتح، ونفس ذوّاقة للفن والأدب، فقد كان يحب الشعر، وينظم القصائد العصماء، وله ديوان ضخم بعنوان: "خواطر الحياة" أصدره في سنة ١٩٤٦ م. وألف كتاباً في "الخيال في الشعر العربي" ظهر في شكل مقالات، ثم طبع في عام ١٩٢٨ م. . . كما له عدة مصنفات متنوعة يفوق عددها عشرة عناوين، دون بعض المجلات التي أسسها، وأبرزُها "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة تونسية في سنة ١٩٠٤ م. . . وقد تأهل الشيخ محمد الخضر حسين- بفضل ثقافته القيمة، وسعة اطلاعه وعلمه الغزير- ليشع داخل الوطن وخارجه. . . فكان عضواً بالمجمع العلمي بدمشق، وعضواً بالمجمع اللغوي بالقاهرة. . . وانتمى إلى جامعة الأزهر، وشغل بها عدة وظائف، أهمها: توليه عن جدارة رئاسة مشيختها في سنة ١٩٥٢ م.
هذه -أخي القارئ- لمسة وفاء مقتضبة أسوقها إلى روح أحد الأعلام الروّاد الذين أحبوا تونس، وآمنوا بحظوظها، فنذروا العمر لخدمة الفكر، وتطوير المجتمع، وازدهار البلاد، وأقدموا على تضحيات جسام بما فيها الموت. فهم قد آمنوا بأن الموت خلود وحياة. . . خلود لهم، وحياة لوطنهم وأمتهم. . .
стр. 5993
شخصيات إسلامية
الإمام محمد الخضر حسين (١)
* الشخصية في سطور:
ولد محمد الخضر حسين في مدينة "نفطة " بتونس سنة (١٢٩٣ هـ = ١٨٧٦ م).
تلقَّى تعلميه في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى تونس العاصمة مع أسرته، والتحق بجامع الزيتونة.
بعد تخرُّجه في جامع الزيتونة عمل بالخطابة والتدريس والقضاء.
أسَّس في تونس مجلة لخدمة الفكر الإسلامي بعنوان "السعادة العظمى".
غادر تونس إلى الآستانة سنة (١٣٢٩ هـ = ١٩١١ م)، وتردّد بين دمشق والآستانة وبرلين، ودامت هجرته نحو عشر سنين.
استقر في القاهرة سنة (١٣٣٨ هـ = ١٩٢٠ م)، وعمل في دار الكتب المصرية.
التحق بالأزهر، وحصل على عالمية الأزهر، واشتغل بالتدريس فيه.
دخل معارك فكرية كبيرة مع "طه حسين"، والشيخ "علي عبد الرازق".
تولّى رئاسة تحرير مجلة "الأزهر"، ودخل مجمع اللغة العربية مع
стр. 5994
الجيل الأول من علماء المصريين والعرب الأجانب سنة (١٣٥١ هـ = ١٩٣٢ م).
اشترك مع "أحمد تيمور" باشا في تأسيس جمعية الشبان المسلمين، وأسس بمفرده جمعية "الهداية الإسلامية".
تولى مشيخة الأزهر سنة (١٣٧١ هـ = ١٩٥٢ م).
توفي "محمد الخضر حسين" سنة (١٣٧٧ هـ = ١٩٥٨ م) تاركاً عدداً من المؤلفات المهمة.
* المجاهد بالقلم:
أتى على القاهرة حين من الدهر كانت مستقر العلماء، وقادةِ التحرير، وزعماءِ الإصلاح في العالم العربي والإسلامي، وشهد النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري نزوح عدد كبير من هؤلاء إلى قاهرة المعزّ التي فتحت لهم ذراعيها، وأحسنت استقبالهم، وكرمت وفادتهم، فقدم من الدولة العثمانية شيخ الإسلام "مصطفى صبري"، ووكيله "محمد زاهد الكوثري"، ومن الشام "طاهر الجزائري"، و"محمد كرد علي"، و"شكيب أرسلان"، ومن بلاد المغرب العربي "علال الفاسي"، و"محمد الخضر حسين"، و"البشير الإبراهيمي"، وغيرهم.
واستقر بعضهم في القاهرة، واتخذها وطناً له، وعمل في مؤسساتها، وتبوأ المناصب العليا في الدولة؛ مثل: الشيخ "محمد الخضر حسين"، الذي قدِم من تونس إلى القاهرة، وأقام بها، وعمل في هيئاتها، ومؤسساتها العلمية حتى اختير شيخاً للجامع الأزهر.
* المولد والنشأة:
وُلد "محمد الخضر حسين" في مدينة "نفطة" بجنوب تونس في (٢٦ من
стр. 5995
رجب سنة ١٢٩٣ هـ = ١٦ من أغسطس ١٨٧٦ م)، وبها نشأ وتعلم، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وألمَّ بشيء من الأدب والعلوم العربية والشرعية.
ثم انتقل وهو في الثانية عشرة من عمره سنة (١٣٠٥ هـ = ١٨٨٨ م) إلى تونس العاصمة، والتحق بعد عامين بجامع الزيتونة، وهو سورة مصغَّرة من الأزهر في ذلك العهد، تُقرأ فيه علوم الدين؛ من تفسير، وحديث، وفقه، ونحو، وصرف.
وفي الزيتونة تقدم الطالب النابغة في تحصيل العلم، وظهرت أمارات نبوغه في العلوم العربية، والشرعية، وتجلّى ذوقه الأدبي في الإنشاء، حتى تخرَّج سنة (١٣٢١ هـ = ١٩٠٣ م) حاصلاً على الشهادة العالمية، وأصبح بذلك من علماء الزيتونة.
* في معترك الحياة:
وفي العام الذي تخرج فيه أنشأ مجلة "السعادة العظمى"؛ لتَنْشر محاسن الإسلام، وتفضح أساليب الاستعمار الذي يحاول أن يطمس نور الشريعة عن عيون المسلمين، ويبذل جهوداً مضنية لتشويه اللغة العربية، ورميها بالجمود والتخلّف؛ لينصرف الناس عن قرآنهم المجيد، وأحاديث نبيَّهم الكريم، وقامت المجلة بمهمتها -حسب الطاقة والجهد- في عزم وصبر شديدين، وإلى جانب التدريس والخطابة بالجامع الكبير بمدينة "بنزرت" تولَّى قضاءها في سنة (١٣٢٤ هـ = ١٩٠٥ م)، غير أنه ما لبث أن ترك وظيفة القضاء المرموقة سنة (١٣٢٦ هـ = ١٩٠٨ م).
وعاد إلى تونس العاصمة، وعمل مدرساً بالمدرسة "الصادقية"، وهي
стр. 5996
المدرسة الثانوية الوحيدة بتونس يومئذ، وفي العام التالي تطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيلت إليه مهمة تنظيم خزائن الكتب الخاصة بهذه الجامعة العريقة، وتمَّ تعيينه رسمياً مدرساً بها.
وفي أثناء ذلك يقوم بالخطابة في المنتديات الثقافية، داعياً إلى إحياء قيَم الحرية والتحرُّر، وبثِّ روح العروبة في النفوس، والعناية بالنشء وتعلميه.
* رحلاته إلى العالم الإسلامي:
ولما قامت الحرب الإيطالية الطرابلسية سنة (١٣٢٩ هـ = ١٩١١ م)، وزحفت الجيوش الغازية، واحتلت طرابلس، وبني غازي، وقف الخضر بقلمه من مغتصبيه، وأشعلت مقالات الشيخ الحماس في النفوس، ونبَّهت الغافلين من الأمة، وشعر المستعمر الفرنسي بخطورة ما يقوم به الشيخ المجاهد، فاتَّهمه ببثِّ روح العداء للغرب، وبدأ يضيّق عليه، واضطرَّ الشيخ إلى مغادرة تونس إلى الآستانة سنة (١٣٣٠ هـ = ١٩١٢ م)، وعُيِّن مدرساً للتربية في المدرسة "السلطانية" وتعمَّدت رحلاته بين دمشق والآستانة وبرلين؛ في سبيل خدمة قضايا العالم الإسلامي، والاتصال بزعماء الحركات الإسلامية، إلى أن عاد مرة أخرى إلى عمله في المدرسة السلطانية سنة (١٣٣٥ هـ = ١٩١٧ م)، وشرح لطلابه كتاب "مغني اللبيب" لابن هشام.
* الاستقرار في القاهرة:
ولما وقعت سورية في قبضة الاحتلال الفرنسي سنة (١٣٣٨ هـ = ١٩٢٠ م)، غادر الشيخ "الخضر حسين" دمشق، وقصد القاهرة، وما كاد ينزل حي الحسين غريباً لا يعرف أحداً، ومهاجراً في سبيل الله بقلمه المجاهد الشجاع، حتى وُفِّق للعمل بدار الكتب المصرية بأجرٍ زهيد لا يتفق ومنزلته الكبيرة، ثم توثَّقت
стр. 5997
صلته بزعماء الفكر الإسلامي من أمثال: "أحمد تيمور"، و"محب الدين الخطيب"، و"عبد الوهاب النجَّار"، و"محمد رشيد رضا" الذين عرفوا قدر الرجل ومنزلته العلمية.
وفي أثناء ذلك حصل على الجنسية المصرية، وتقدَّم إلى امتحان العالمية بالجامع الأزهر، وكان الشيخ عبد المجيد اللبَّان رئيس اللجنة مع نخبة من زملائه المختارين، فأبدى الشيخ من الرسوخ والتمكُّن ما أدهش، حتى إن الشيخ اللبّان صاح -إعجاباً- قائلاً: هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حجاج؟! ونال الشهادة العالمية الأزهرية، وبها صار أستاذاً في الجامعة الأزهرية.
* معاركه الفكرية مع "علي عبد الرازق، وطه حسين":
شاءت الأقدار أن يدخل "الخضر حسين" معارك فكرية لفتت الأنظار إليه؛ لسعة علمه، وقوة حُجَجِه، ونزاهته في عرض آراء الخصوم، وموضوعيته في الردِّ عليها، وبدأت معاركه الفكرية الكبرى سنة (١٣٤٤ هـ = ١٩٢٥ م) بنقضه لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ "علي عبد الرازق" الذي ادَّعى فيه أن الإسلام دين ليست به شريعة لسياسة الدولة والمجتمع، وحاول تجريد الإسلام من طابعه ودوره السياسي، وتجريد الدولة في وطن المسلمين من صبغته"لإسلامية، وتقديم الإسلام ديناً لا دولة، ورسالة روحية لا شرع فيها ولا سياسة.
وتصدَّى الشيخ المجاهد هذا الكتاب الذي أثار ضجَّة واسعة، واحتفى به الكارهون لشرع الله، فنقده نقداً علمياً نزيهاً، معتمداً على الحجة والبرهان، والاستناد إلى القواعد الأصولية والفقهية، وضمن ذلك كتابه "نقض كتاب
стр. 5998
الإسلام وأصول الحكم"، وفي العام التالي سنة (١٣٤٥ هـ = ١٩٢٦ م) ظهَر كتاب "في الشعر الجاهلي" لـ "طه حسين"، نادى باحتقار كل قديم دوِّن في صحف الأدب، والشكّ فيه، ويزعم أن معظم ما قيل منسوباً إلى شعراء الجاهلية اختلاقٌ زائف، وهاجم المقدّسات الإسلامية هجوماً لا هوادة فيه، وادَّعى أن حديث القرآن الكريم عن "إبراهيم" و"إسماعيل" ﵉ لا يكفي لإثبات وجودهما في التاريخ.
وقد ردَّ الشيخ "الخضر" على "طه حسين" بكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فصنع معه ما صنع مع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، عندما فنَّده فقرة فقرة، مع أدب رفيع في الحوار، وبراعة في الجدل كشفت عن عقل متمكن ومتمرس في ميدان البحث والمناظرة.
* جهوده الإصلاحية في القاهرة:
لم يكن الشيخ ممن يكتفون بوسيلة واحدة من وسائل الإصلاح، فهو معلّم متمكن، وخطيب بارع، ومؤلف موهوب، وصحفي مجاهد، وداع إلى إنشاء الجمعيات الإسلامية، وقد اشترك في سنة (١٣٤٦ هـ = ١٩٢٧ م) مع صديقه العلامة "أحمد تيمور" في تأسيس "جمعية الشبان المسلمين"، التي تكونت للتعريف بالإسلام، والذَّود عن حضارته، وكانت مصر تتعرض لحملة ثقافية تغريبية لطمس هوية البلاد.
ولما نجحت جمعية "الشبان المسلمين"، تفرَّغ الشيخ لإنشاء "جمعية الهداية الإسلامية"، وضمَّ إليها جمهرة مستنيرة من شيوخ الأزهر وشبابه، ومن طبقات المثقفين ثقافة مدينة، وأنشأ بها مكتبة كبيرة كانت نواتها مكتبته الخاصة، وأصدر مجلة تحمل اسم الجمعية، وأنشأ لها فروعاً بالأقاليم، وكانت
стр. 5999
محاضراته المستمرة فيها، ومقالاته في المجلة جُهداً منظماً ومستمراً قدَّم من خلاله معالم دعوته للإحياء الإسلامي، والنهضة العربية، وتحرير ديار العروبة والإسلام، وقد جُمعت مقالاته ومحاضراته هذه في كتاب من ثلاثة أجزاء بعنوان: "رسائل الإصلاح".
* في المؤسسات والهيئات العلمية:
عرف أهل العلم في مصر قدر الرجل، وسعة علمه منذ أن نزل بها، فعهدوا إليه بالقيام ببعض الأعمال التي تحتاج إلى الراسخين في العلم، فعندما أصدر الأزهر مجلته التي بدأت باسم "نور الإسلام" في سنة (١٣٤٩ هـ = ١٩٣٠ م) عهد إلى الشيخ "الخضر" برئاسة تحريرها، فنهض بهذه المهمة ثلاث سنوات، وأرسى قواعد التحرير في المجلة، ونظم شؤونها، وعندما تكوّن مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (١٣٥١ هـ = ١٩٣٢ م) كان الشيخ "الخضر" من الرعيل الأول الذي اختِير لعضوية المجمع ضمن عشرين عالماً وأديباً من كبار رجال العلم في مصر والعالم العربي وأوروبا، واشترك في كثير من لجان المجمع العلمية، ونشرت له المجلة عدداً من البحوث اللغوية العميقة، وتقديراً لعلمه اختاره المجمع العلمي العربي بدمشق عضواً به، وفي سنة (١٣٧٠ هـ = ١٩٥١ م) نال عضوية هيئة كبار العلماء- أكبر هيئة علمية إسلامية- برسالته: "القياس في اللغة العربية".
* في مشيخة الأزهر:
وعندما قامت حركة الجيش في (٢٣ يوليو ١٩٥٢ م) كان منصب شيخ الأزهر شاغراً، وقع اختياره على الشيخ "الخضر" إماماً أكبر، وشيخاً للإسلام، ووجهاً مشرقاً هذه الجامعة العريقة، ووُلي الأستاذ الشيخ المنصب الكبير،
стр. 6000
وفي ذهنه برنامج إصلاحي كبير للنهضة الإسلامية التي يتطلع إليها العالم الإسلامي، لكنَّ رجال الحكم لم يتركوا الشيخ يعمل في هدوء، ووضعوا العراقيل في طريقه، وشعر الشيخ بضغوط تحُول بينه ويين ما يريد، أو تَطلب منه تنفيذ ما لا يرضيه، فتقدم باستقالته في (٢ من جمادى الأولى سنة ١٣٧٣ هـ = ٧ من يناير ١٩٥٤ م) قائلاً كلمته الشهيرة: "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها العفاء".
ويذكر له: أنه حينما تولَّى مشيخة الأزهر، لم يغير شيئاً من عاداته، ولم يكن له في شهوات المنصب من حظ، وكان دائماً يحتفظ باستقالته في جيبه، ويقول: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أسلمها -حين أسلِّمها- موفورة كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من ألا يحصل له نقص".
* مؤلفات الخضر حسين:
لم يخلف الشيخ "الخضر" وراعه من حطام الدنيا شيئاً، لكنه ترك ذكرى طيبة، وسيرة حسنة في ميادين السياسة والجهاد والقدوة الحسنة، وترك كنوزاً من الفكر شاهدة على عقله المبدع، وجهده الدؤوب، ومن هذه المؤلفات:
= رسائل الإصلاح.
= نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
= نقض كتاب "في الشعر الجاهلي".
= القياس في اللغة العربية.
= الخيال في الشعر العربي.
= آداب الحرب في الإسلام.
стр. 6001
= تعليقات على كتاب "الموافقات" للشاطبي.
= خواطر الحياة "ديوان شعره".
= وفاة الإمام الأكبر:
بعد استقالة الشيخ "الخضر" من مشيخة الأزهر تفرَّغ للبحث والكتابة والمحاضرة حتى وافاه الأجل، فانتقل إلى جوار ربه مساء الأحد الموافق (١٣ من رجب ١٣٧٧ هـ = ٣ من فبراير ١٩٥٨ م)، فشيَّعه العلماء وعارفو فضله ونضاله في مشهد مهيب، ودُفن في مدفن الأسرة التيمورية مع صديقه "أحمد تيمور" باشا.
* مصادر الشخصية:
= علي عبد العظيم - "مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن" -الهيئة العامة لشؤون المطابع الأميرية- القاهرة (١٣٩٩ هـ = ١٩٧٩ م).
= محمد عبد المنعم خفاجى - "الأزهر في ألف عام" - عالم الكتب - ببيروت (١٤٠٨ هـ = ١٩٨٨ م).
= محمد رجب البيومي - "النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين" - دار القلم - دمشق (١٤١٥ هـ = ١٩٩٥ م).
= محمد مهدي علام - "المجمعيّون في خمسين عاماً" - مطبوعات مجمع اللغة العربية - القاهرة (١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م).
= محمد عمارة - "معركة الإسلام وأصول الحكم" - دار الشروق - القاهرة (١٤١٠ هـ = ١٩٨٩ م).
стр. 6002
رسالة العالم الجليل محمد الصادق بن عرجون (١) إلى العالم الفاضل اللغوي محمد المكي بن الحسين شقيق الإمام محمد الخضر حسين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله.
القاهرة المعزّية - في ٢٠ ربيع الأول سنة ١٣٥١ هـ - ٢٤ يولية سنة ١٩٣٢ م.
= من عبد الله، خادم "الهداية الاسلامية" في ظل لواء المصلح الأكبر، المجدّد لأمر الدين الأنور، ذي المناقب الغرر، سيدي أبي عبد الله تاج العلماء، نسيج وحده، وواحد عصره، السيد السند محمد الخضر -مدَّ الله في أجله- صادق إبراهيم عرجون المصري الأدفوي.
= إلى سماحة الفضل والتقى، ومعهد العلم والحسب، وذروة سنام المجد والنسب، السيد الأمجد فضيلة الأستاذ محمد المكي بن الحسين -أبقاه الله للغة الضاد ذخراً، وسلك به إلى العلا مذهباً-. آمين.
أما بعد:
حمداً لله لك ولآلك وصحابتك من أهل العلم وحملة الأقلام، فسلام
стр. 6003
عليك وعليهم ورحمة الله ويركاته.
شرفني كتابكم، فحرَّك من النفس ساكناً، ومن الشوق إليكم كامناً، ذلك أن أهل العلم من أمة محمد ﷺ على الخصوص، وإن تباعدت جسومهم، وافترقوا بالعناصر المادية، فما كان ذلك سارياً على أرواحهم؛ لسموّ عنصرها عن القيد إلى الإطلاق، فهم متعارفون متآلفون. من يوم طربوا من لذيذ خطاب: ألست، فقالوا: بلى. فمنَّ الله عليهم بأنس المحبة والاجتماع، ووقاهم الوحشة والافتراق، كما أخبرنا بذلك كامل الأخلاق، فيما رواه الأثبات الثقات: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف". وحاشا أن تتناكر أرواح خدّام العلم وجنود الإسلام.
أيها السيد! قد عرَّفتُك بالرغبة المُلِحَّة مني على أستاذي ومولاي (الخضر) في أن أحيط علماً بكل ما يتعلق به، أو يقاربه، وفي الحق لست أعلم كنه هذه الرغبة، وأجهل حقيقة الباعث إليها، ولا أدرك من نفسي إلا إحساساً باطنياً يدفعني إلى تعرّف كل شيء. وهنا إذا فزت ببعض ما كنت أجهل، شعرت بلذة إن شئت -أيها السيّد- فسمّها: لذة الوصل بعد الهجر كما يقولون مبالغة في الحلاوة ورضا النفس، فهل يكون هذا هو الحب مع الإجلال؟ ولِمَ لا، وهو لله والعلم والدين.
عَرفتكَ بتقضي الفائقة الرائقة في اللغة وأسرارها، عرفتك بالحديث عنك كما سنحت الفرصة إزكاء للشوق، فهل يا تُرى تلتقي الأبدان؛ ليكون أبلغ في القرب والائتناس؟ سيكون -إن شاء الله- إذا سمحتم بزيارة مصر، حقق الله الآمال.
أما حديث الأستاذ الجليل مجدد عهد ولي الدين ابن خلدون السيد
стр. 6004
حسن حسني عبد الوهاب المؤرخ الكبير -حفظه الله سنداً لتاريخ الإسلام- عن "الفقير"، فذاك انعكاس سورة من خلقه الكريم في مرآة نفسه، ففاضت بالحديث إليكم في مناسبة، فإذا شكرته، فإنما هو شكر الجميل، وحمد الأخلاق الفاضلة، جزاه الله عن حسن ظنّه بإخوانه وأبنائه خير الجزاء.
كوكب سنيّ أضاء من سماء المغرب في أفق (تونس الخضراء) شقيقة القاهرة وأختها، ومن القديم تزجي العناية الربانية بدور (تونس) إذا اكتملوا إلى مصر؛ ليبددوا سحباً من الشكوك، يحوك أديمها مراض الأفئدة ضعاف القلوب، وليضعوا في بناء الأخلاق أسساً، وليربّوا من الناشئة نفوساً، وحسبنا في القديم شيخ المؤرخين، وفيلسوف الاجتماع ولي الدين ابن خلدون، قاضي قضاتنا، وحضين تربتنا.
وفي الحديث، هو ذلك البدر المنير، فرع الدوحة الطاهرة المباركة، أستاذي - وشرف الإضافة - استفدناه من (يا عبادي)، العلامة مجدد القرن الرابع عشر، سيدي صاحب الفضيلة والفضل الأستاذ الشيخ (محمد الخضر) - أطال الله في حياته-.
كم أنا أيها الصديق الجليل شاعر بالغبطة والفخر، إذ كنت ملحوظاً بعناية هذا المربي العامل مشمولاً برعايته وفي كنفه، وإن نفسي لتدفعني بشدة إلى أن أصنع بقلمي -على عجزه- ترجمة وافية تحوي آثار قلم السيد المتفرقة شعراً ونثراً، والكلام على رحلاته في الشرق والغرب، ومناقبه، وسموّ محتده؛ تزلفاً إلى الله تعالى، وأداء بحق البنوّة والتلمذة، وقد استخرت الله تعالى في جمع المعلومات من مظانّها، ومراقبة ما يكتب عنه في الجرائد الإسلامية وغيرها، وساعدني -حفظه الله- وأرشدني إلى كثير منها.
стр. 6005
وقد وقع في نفسي أنه لا بدَّ أن تكون لدى سيادتكم متفرقات منها وعنها، ولاسيما بعض أعداد مجلة "السعادة العظمى" التي كان يصدرها السيد في تونس، وفي بعض القصائد التي لم تنشر، أو نشرت قديماً في جرائد تونسية. وطالما دار بخلدي أن كتب إلى سيادتكم في هذا الشأن، حتى كنتم السابقين إلى الفضل، فجزاكم الله عني أحسن الجزاء، فإذا سمحتم بإسعادي بشيء مما ترونه مساعداً في محاولتي من حوادث تاريخية، ونوادر أدبية، حتى يتم لنا جمع أطراف الحديث، ثم نستعين الله في الوضع والترتيب عند توفيق الله، وفسحة الأوقات -إن شاء الله تعالى-.
شرفتموني بطلب ثلاثة أعداد من جريدة "طريقه متى"، وها هي ذي مرسلة إليكم الآن. وإني على استعداد تام لإجابة لازمكم من مصر. والله ولي الهداية والتوفيق. وختاماً تقبلوا سلامي وتحياتي.
المخلص صادق إبراهيم عرجون (١)
الهداية الإسلامية
стр. 6006
الإمام محمد الخضر حسين في كتاب "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح "
أصدر المحقق والباحث الأستاذ محمد بن عبد الله آل الرشيد كتابه القيم: "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح" في مجلد يضم ٦٩٥ صفحة، وهو ثبت العلامة المحدث الفقيه الأصولي الأديب المسند فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، المولود بحلب سنة ١٣٣٦ هـ، والمتوفى بالرياض سنة ١٤١٧ هـ، دفين المدينة المنورة -رحمه الله تعالى-. . بذل فيه الأستاذ الرشيد الجهد الموفق في التحقيق والتخريج، ونشرته (مكتبة الإمام الشافعي) في الرياض، والعائدة للمحقق في الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ / ١٩٩٩ م).
وفي مقدمة الكتاب تقاريظ من كبار علماء العصر، وعددها سبعة عشر تقريظاً، ومنها: كلمة الأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي الأديب والمؤرخ المعروف الذي شغل عدة مناصب علمية، ومنها: أستاذ بقسم الأدب والنقد في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر في المنصورة.
يقول الدكتور البيومي في تقريظه تحت عنوان: (عبد الفتاح أبو غدة من بقايا السلف الصالح): "مازلت أذكر ما دار في ندوة لواء الإسلام المنعقدة لتأبين الإمام الأكبر محمد الخضر حسين، حيث قال أحد المتحدثين: إن الخضر بقية السلف الصالح، فاعترض الأستاذ محمد أبو زهرة قائلاً: إن معنى ذلك: أن السلف الصالح قد انتهى بموت الأستاذ الخضر، وما زال في المسلمين من يسير على منواله، فالأولى أن نقول: إنه من بقايا السلف
стр. 6007
الصالح، وهذا حق، فبقايا السلف الصالح لا يزالون يُرسلون الضوء الثاقب في ظلام الحياة، ومن هؤلاء: الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة؛ حيث امتلأ وجدانه بحبّ الأطهار من متقدمي السلف، فسار على آثارهم، وجدّد ما تقادم من عهودهم.
وهناك وجه للشبه بينه وبين الإمام الخضر حسين، هو: التمكّن من علوم اللسان والشريعة معاً على نحو متساوٍ، فهما يقولان في كل علم ما يقوله المتخصص في موادّه، حتى ليظُن من يقرأ لهما في موضوع ما: أن الواحد منهما قد جعله هدفه الأول في التحصيل، وقد كان هذا النمط شائعاً من قبل، ولكنه نادر جداً هذه الأيام! أيام الماجستير والدكتوراه. . .".
أما ما جاء في كتاب "إمداد الفتاح بأسانيد ومرويات الشيخ عبد الفتاح" عن الإمام محمد الخضر حسين في (الصفحة ٣٢٤) من الكتاب، فهو الآتي:
محمد الخضر حسين (١)
العلَّامة المحققُ الفقيه الأصوليُّ اللغوي الأديبُ الشيخ محمد الخَضر
стр. 6008
ابن حسين التونسي شيخ الأزهر، ولد سنة (١٢٩٢ هـ)، وتوفي سنة (١٣٧٧) - رحمه الله تعالى-.
ويروي عن:
١ - خاله محمد المكي بن مصطفى بن عزُّوز التونسي ثم الإسْلاَمْبُولي عن:
أ - محمد أبو خُضَيْر، عن أحمد بَشَارة، عن الأمير الكبير.
ب - محمد بن الصدِّيق، عن المَدَني بن عَزُّوز، عن مصطفى بن عبد الرحمن الجَزَائِري، عن عليِّ بن الأَمين، عن محمد بن سَالم الحِفْني، عن محمد الشّرنْبلالي، عن البَابِلي، وهو عن سالم السَّنْهُوري، عن الغَيْطِي، عن زَكريّا الأَنْصَاري.
ج - أحمد بن إبْرَاهيم بن عِيسَى النَّجْدِي، عن عبد الرحمن بن حَسَن آل الشيخ النَّجْدي الحنبلي، عن عبد الرحمن الجبرْتي (١) الحَنفي، عن مُرْتَضى الزَّبِيدي.
د- أحمد دَحْلاَن بما تقدَّم من أسانيده.
هـ - محمد الشَّريف إمام جامع الزيتونة، عن محمد بن الخُوجَة الحنفي، عن محمد بيرم، عن محمد المحْجُوب.
стр. 6009
٢ - أبي النجا سالم بن عمر بوحاجب البنبلي (١٢٤٣ - ١٣٤٢ هـ)، عن:
أ - أبي حفص بن سُودَة، عن محمد صالح الرَّضَوي.
ب - محمد بن أحمد بن الخوجة، عن ابن التَّهامي الرِّبَاطي، عن الدُّمْهُوجي، والأمير الصغير، والعروسي، وبَيْرَم الثاني، وعن أحمد بن المبارك اللمطي، عن محمد بن أبي السُّعُود الفَاسي، عن أبيه، عن ابن أبي النعيم الغَسَّاني، عن أحمد بَابَا التنبكتي، عن عمِّه محمود، وهو عن جدِّه، عن السيوطي.
ويروي أحمد بَابَا، عن أبيه، عن قُطْب الدين النَّهْرَوالي، عن زكريا الأَنصاري، والسِّنْبَاطي.
ويروي أحمد بَابَا، عن أبيه، عن ابن حَجَر الهَيْتَمي، ويوسُف الأرميوني بسندهما، وعن عمَّه، عن ابن غازي، عن السَّخاوي، وعثمان الدِّيَمي، وابن مَرْزُوق الكفيف.
ويروي الأخير عن ابن حَجر، وعن أبيه، وهو عن ابن صدِّيق الرسَّام، والمجد الفيروزأبادي، والهَيْتَمي، وابن الكُوَيْك، والسِّراج البُلْقِيني، وأبي زُرْعَة العراقي، وأبيه الزَّيْن عبد الرحيم العِرَاقي، والسِّراج بن المُلقِّن، وابن خَلْدُون المؤرِّخ، وابن عَرَفة، ومحمود العَيْني بما لهم.
وعن جدَّه محمد بن أحمد بن مَرْزُوق، عن ابن سَيِّد الناس، وأبى حِيَّان، والتقيِّ السُّبْكي، ومحمد بن جَابر الوَادِيَاشي.
ويروي ابن أبي النعيم، عن القَصَّار، عن البَدْر الغَزَّي، والنجم الغَيْطِي، وأحمد بن أحمد السِّنْبَاطي، عن جلِّه عبد الحق، ويروي ابن أبي النعيم، عن المنجور، عن سقين، عن ابن غَازي، وأحمد زَزُّوق، والأخير عن السَّخاوي
стр. 6010
والدِّيَمي، وابن طريف الشَّاوي، عن ابن أبي المَجْد.
وروى سقين، عن القَلْقَشَنْدي، وزكريا الأنصاري، وعبد العزيز بن فَهد.
وروى سقين، عن الونْشَرِيسي، عن ابن مَرْزُوق الكفيف بما له.
ج - محمد بيرم الرابع، عن بدر الدين الحَمَوي، وابن التِّهامي الرِّبَاطي، وأبيه بَيْرَم الثالث، وجدَّه بيرم الثاني بما لهم.
٣ - أبى حفص عمر بن أحمد بن الشيخ (المولود نحو ١٢٣٧ - ١٣٢٩ هـ): تأتي أسانيده عند محمد الطَّاهر بن عاشُور.
٤ - محمد النَّجار (ت ١٣٢٩ هـ).
стр. 6011
مقتطفات من الكتب من تتعلق بالإمام محمد الخضر حسين وتراثه
* محمد الخضر حسين، وعلي الورداني (١):
شاعت في هذا العهد فكرة تدوين الرحلات، وتنافس الكتاب في وصف الأقطار التي يزورونها، وفي تحليل أسباب الحضارات، وعوامل الترقي والنهوض إلى حيث العزّة والمجد والبحبوحة، والمغرب العربي من أكثر البلاد اتساعاً للرحّالة، وقد امتاز أبناؤه -من زمن بعيد- بالضرب في الأمصار، وتدوين الأخبار. . .
وقد اشتهر في هذا الميدان -فضلاً عمَّن أتينا على ذكرهم - محمد الخضر حسين، وعلي الورداني.
أما محمد الخضر حسين، فقد قام سنة ١٩٠٦ م برحلة إلى الجزائر (٢)، ووصف فيها المسالك والمعالم، وذكر الأدباء والعلماء الذين لقيهم، ودوّن ما كان بينه ويينهم من محاورات، وكان في ذلك كلّه كاتباً قديراً، تمتدّ عبارته امتداد متانة ورونق، وتترابط أجزاؤها ترابطاً وثيقاً، وكأني به من مدرسة عبد الحميد الكاتب، وابن المقفع، وهو في كتابته رجل العلم والفكر والدقّة،
стр. 6012
تروقك آراؤه وملاحظاته، وتستهويك مساجلاته وتحليلاته، إنه يلاحق الفكرة، ويشبعها درساً، ويلاحق الموضوع، ولا يهن له عزم ولا قلم، يلفُّ موضوعه لفّاً، ويبسط فيه آراءه بسطاً أنيقاً ممتعاً، فلا تلهيه زخرفة ولا صنعة، ولا يُثقل كلامه تعقيد ولا إغراب، إنها السهولة في حلّة الرونق والجلال.
* مشروع كتاب تاريخ تونس (١):
نعم. إن الكاتب العام "روا" قد طلبني للمشاركة في تأليف كتاب في التاريخ التونسي مع جماعة من رجال العصر، (منهم: الشيخ محمد الخضر حسين)، توزعوا هذه الخدمة بينهم، وقد استجبت لهذا الطلب؛ لأني أرى أنه لا يوجد تاريخ لتونس على النمط الذي تعاطيناه، وأشعر بحاجة الناس إلى مثل هذ التأليف. وقد شرعنا فيه وكتبنا، ثم ركدت ريح هذا المشروع الجليل؛ لأنه عمل غير خالص، بل وراءه غاية أخرى رمى إليها هذا الداهية الهرم (برنار روا)، وللحرب التي دارت رحاها في ٢ أوت (أغسطس) ١٩١٤ م بين فرنسا وألمانيا، وشاركت فيها غالب الأمم الأوربية، والدولة العثمانية، دخْلٌ في إيقاف هذا الأمر.
* كتاب "عَلَم الزيتونة الشيخ إبراهيم الرياحي" (٢):
جاء في تقديم الكتاب للدكتور محمد اليعلاوي: "إن الشيخ إبراهيم الرياحي (ت ١٣٦٦ هـ / ١٩٥٠ م) علم من أعلام جامع الزيتونة، يحق لتونس
стр. 6013
أن تفخر به كما افتخرت بالإمام ابن عرفة (ت ٨٠٣ هـ / ١٤٠١ م) قبله، وبالشيخ الخضر بن الحسين (ت ١٩٥٨) بعده.
أما ابن عرفة فقد أوفاه زميلنا الراحل سعد غراب ﵀ ما يستحق من العناية والدّرس، فخصص له -علاوة على أطروحته الضخمة (نشرت بتونس سنة ١٩٩٢) - ما لا يقل عن ثماني دراسات وتحقيقات، وكذلك الشيخ الخضر، فإنه حظي بدراسات تونسية؛ ككتّيب الأستاذ أبي القاسم محمد كرو (تونس ١٩٧٣ م)، ومشرقية كثيرة، وكأن ارتقاعه إلى مشيخة الأزهر بين سنتي (١٩٥٢ - ١٩٥٤) جعل منه شخصية مشرقية ومغربية على السواء، ثم إن سهر حفيده الأخ الأستاذ علي الرّضا الحسيني على نشر آثاره، يزيدنا تعرّفاً بهذا العالم المشترك، وبإنتاجه المتنوع".
* كتاب "تاريخ المحاماة في تونس" (١) الأستاذ علي الرّضا الحسيني (التونسي):
يقول المؤلف في كتابه (ص ٢٩٩): "لا أظن أنه يوجد محام تونسي بلغت تجربته في باب "التحقيق" ما بلغته تجربة الأستاذ علي الرضا الحسيني، أو الأستاذ علي الرضا التونسي، إن الأستاذ علي الرضا الحسيني التونسي، تونسي الأصل، ولئن هو يتعاطى الآن المحاماة بدمشق العاصمة السورية الشقيقة، فهو ابن أخ العالم التونسي المهاجر محمد الخضر حسين، وينتسب إلى عائلة الحسين بن علي بن عمر الشريف من عائلة العمري بنفطة بالجريد التونسي بعد النزوح من "طولقة" في الواحات الجزائرية.
ولئن اكتفى الأستاذ علي الرضا التونسي المحامي بتحقيق آثار الشيخ
стр. 6014
الخضر بن الحسين، فهو عمل كبير بحد ذاته، إذ قد بلغت آثار الشيخ ٢٣ أثراً، وذلك فضلاً عن الرسائل، وعددها ١٥ رسالة. وقد توزعت على عدة اختصاصات: علوم القرآن - السيرة النبوية - التشريع الإسلامي - علم الكلام - التاريخ الإسلامي - اللغة العربية - الخواطر الإسلامية - الإصلاح - التراجم - الرحلات.
وإن تحقيق آثار الشيخ الخضر حسين متعددة المشارب دلَّت على "موسوعية" ثقافة الأستاذ علي الرضا التونسي المحامي، وذلك ما يشرف سلك المحاماة.
стр. 6015
الجزائر (١) موقعها - سكانها - حالتها قبيل الاحتلال الفرنسي - وكيف وقع الاحتلال
يتناول شمال إفريقية أربعةَ أقطار: طرابلس، فتونس، فالجزائر، وتسمى: المغرب الأوسط، فالمغرب الأقصى، ويسمى الآن باسم مدينة كانت العاصمة الثانية لسلطان المغرب الأقصى، وهي: مراكش.
* موقع الجزائر:
الجزائر واقعة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، ويحدها شمالاً هذا البحر، وشرقاً المملكة التونسية، وغرباً المغرب الأقصى، وجنوباً الحد الذي يفصل بين صحراء الجزائر، وما يسمونه: إفريقية الفرنسية، وهو خط يمتد من أقصى جنوب طرابلس إلى جهة وادي "ريبودي أورو"، وقد وضع هذا الحد سنة ١٩٠٩ م.
* سكانها وعددهم:
يسكن بلاد الجزائر تسعة ملايين نسمة، وينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
١ - المسلمون، وعددهم ٨.١٠٠.٠٠٠ ثمانية ملايين ومئة ألف.
٢ - الأوربيون، وعددهم ٩٠٠.٠٠٠، وكلهم من المسيحيين الذين
стр. 6016
جاؤوا البلاد مستعمرين، أو موظفين، أو تجاراً، وأغلبهم من الفرنسيين، والإسبانيين، والإيطاليين.
٣ - اليهود، وعددهم نحو مئتي ألف ٢٠٠.٠٠٠.
وجميع الأوربيين واليهود مشمولون بالجنسية الفرنسية.
والسكان الأصليون بالجزائر هم من عنصر البربر، وبالفتح الإسلامي دخل بلاد الجزائر أقوام من صميم العرب، واختلطوا بالبربر، وأخذت الروح العربية تسري مع الروح الإسلامية في قبائل البربر، إلى أن خرج المعز الصنهاجي بتونس عن طاعة الخليفة الفاطمي بمصر، فأرسل الفاطمي القبائل العربية من بني هلال، وبني سليم، وغيرهم إلى إفريقية؛ لينتقموا من الدولة الصنهاجية، ففتكوا بالدولة الصنهاجية، واجتاحوا دولة الحماديين بالجزائر. ولا يعنينا أن نذكر في هذا المقام ما كان لهجوم هذه القبائل من آثار منكرة، وإنما يزيد أن نقول: قد كان لنزول هذه القبائل ببلاد البربر أثر كبير في تقوية العنصر العربي، وأخذ البلاد مظهراً عربياً راسخاً.
ثم نزح إلى الجزائر أيام الهجرة الأندلسية طوائفُ من عرب الأندلس، فازداد بهم العنصر العربي قوة.
واستوطن في العهد الذي صارت فيه الجزائر ولاية عثمانية طوائفُ من الأتراك، وردوها بصفة شخصية، أو لأعمال حكومية، ولم تلبث أُسَر هؤلاء الأتراك أن استعربوا في عاداتهم ولغتهم، واندمجوا في الأمة الجزائرية، فسكان الجزائر المسلمون: عرب، أو بربر، أو أتراك مستعربون.
* حالتها السياسية قبيل الاحتلال:
قامت في الجزائر بعد الفتح الإسلامي حكومات تختص بها؛ كحكومة
стр. 6017
بني حماد في "بجاية"، وحكومة بني عبد الوادي في تلمسان، ويشملها في بعض العهود سلطان الدولة العبيدية "الفاطمية" بتونس، وكانت في بعض العهود مشمولة برعاية دولة الموحدين في المغرب الأقصى، إلى أن مدّ إليها الإسبان أيديهم سنة ١٥٠٩ م، واستولوا على "وهران"، و"بجاية" وغيرها، ثم جاء عروج بن يعقوب بربروس، وأخوه خير الدين بربروس من الروملي، فطردوا الأسبان، وصارت منذ ذلك العهد تابعة للدولة العثمانية، وجرت في أحكامها مجرى الولاية العثمانية، وفي عهد السلطان أحمد خان الثالث أحست حكومة الجزائر بشيء من القوة، فنحَتْ نحو الاستقلال في الأحكام، وأصبحت صلتها بالدولة العثمانية اسمية.
وكان الوالي العام، وهو تركي يدعى: الباشا، أو الداي، وكانت الحكومة تتمتع باستقلال داخلي تحت السيادة الاسمية للخليفة العثماني، والأتراك بالجزائر هم الذين ينتخبون الوالي العام من أحد قدماء الجنود، ثم يرفعون تعيينهم له إلى السلطان بالآستانة، فيوافق على ذلك.
وتنقسم الجزائر إلى ثلاث مقاطعات: مقاطعة قُسَنطينة، ومقاطعة المديَّة، ومقاطعة وَهْران، وللوالي العام في كل مقاطعة نائب يدعى: الباي، وكل باي من هؤلاء يتصرف في مقاطعته تصرف المستقل، وتكاد علاقته بالوالي العام (الباشا) لا تتجاوز الجندية، ومال الجبايات المفروض على المقاطعة دفعُه للخزينة العامة.
* حالتها الثقافية:
لم يكن بالجزائر لذلك العهد معهد علمي؛ كجامع الزيتونة في تونس، أو جامع القرويين في فاس، ولا مدارس خاصة للتعليم، وإنما تدرس بها علوم
стр. 6018
الدين والعربية وملحقاتها؛ من نحو: المنطق، والحساب، والفلك في المساجد، وزوايا (رياضيات) مشايخ الطرق، وهي منتشرة في طول البلاد وعرضها، وهذه الطرق لا تخلو من بدع ينكرها علماء الشريعة، ولكن زواياها قامت بتحفيظ القرآن الكريم، ودراسة العلوم الدينية والعربية في وقت لم يوجد فيه ما يقوم مقامها في ذلك القطر من المدارس والمعاهد العلمية.
وقد يرحل بعض طلاب العلم الجزائريين إلى الجامع الأزهر، أو جامع الزيتونة، أو جامع القرويين، ثم يعودون إلى الجزائر، ويعلِّمون ما تلقوه في هذه الجامعات من علوم.
وقد اطلعنا على مؤلفات في العلوم الدينية أو العربية لجماعة من علماء ذلك العصر، فألفيناها تدل على اطلاع ورسوخ في العلم.
* كيف وقع احتلال فرنسا للجزائر؟
كان آخر الولاة الأتراك بالجزائر حسين باشا، تسلم ولايتها في ٢٢ فبراير سنة ١٨١٨ م، وكان ذا شهامة وعزم، فأقبل على تنظيم الجندية، وتقوية الأسطول، وأخذ يُعِدُّ القوة ما استطاع، وفي عهده هجمت فرنسا على الجزائر، وتمّ لها احتلالها من بعد، أما الأمر الذي اتكأت عليه فرنسا في هذا الهجوم، فهو أنه كانت في الجزائر شركة تدعى: شركة باكري وبوشناق (اليهوديَّين)، وكان لهما معاملات جارية مع فرنسا، حتى صار للشركة على فرنسا من الديون سبعة ملايين من الفرنكات، وكان على هذه الشركة ديون كثيرة، بعضها لخزينة الحكومة الجزائرية، وبعضها لأفراد من التجار، فدفعت فرنسا لباكري وبوشناق من دَينهما المشار إليه ٤.٥٠٠.٠٠٠، وأبقت ٢.٥٠٠.٠٠٠ فرنك في خزينة الودائع إلى أن تنتهي قضية الشركة مع غرمائها، وأدرك حسين باشا من صنيع
стр. 6019
فرنسا ضياعَ حق الخزينة الجزائرية، فبعث إلى ملك فرنسا رسالة في هذا الشأن، فلم يرد إليه الملك جواباً، وكانت فرنسا تترقب فرصة لوجود خلاف بينها وبين حكومة الجزائر؛ لتتذرع به إلى إعلان الحرب عليها.
قال (مسيو هنري فارو) في كتابه "التاريخ العام للجزائر" ما نصه:
كانت حكومة فرنسا قد عزمت على أن تضع حداً للقرصنة الجزائرية، وأرادت أن تغتنم فرصة مغيب أكبر السفن الحربية الجزائرية في الشرق؛ كي تجد دعوى تبرر إعلان الحرب على الجزائر، فأرسلت تعليمات خاصة إلى قنصلها تأمره بأن يغتنم أي فرصة لإيجاد الخلاف النهائي.
وكان حسين باشا يخاطب قنصل فرنسا (الجنرال دوفال) في شأن ما كتب به إلى ملك فرنسا من حق الخزينة الجزائرية في أموال (باكري وبوشناق)، فلا يجد عنده الجواب المرضي.
وفي أول يوم من شوال سنة ١٢٤٣ هـ دخل القنصل (دوفال) على الباشا مهنئاً بعيد الفطر، فسأله عن عدم رد الملك جواباً عن رسالته، فأجابه (دوفال) في حدَّة: ليس من عادة الملك أن يتنازل لإجابة من هو دونه، فاغتاظ الباشا من هذه الإهانة الخارجة عن حدود اللياقة، وكانت في يده مروحة من ريش النعام، فصاح بالقنصل مشيراً بالمروحة: "أخرج من هنا"، ولمست أطرافُ المروحة وجه (دوفال)، فخرج القنصل، وأسرع بإخبار ملك فرنسا بما وقع، فجاءه الأمر بمغادرة الجزائر، فغادرها هو ومن معه من الفرنسيين المقيمين في الجزائر.
أجمعت فرنسا على محاربة الجزائر، وسيّرت جيشاً بقيادة الأميرال (دوبري) في ٢١ ذي الحجة سنة (١٢٤٥ هـ، ١٩ يونيه سنة ١٨٣٠ م)، ونزل
стр. 6020
بمرسى قريبة من العاصمة تدعى: (سيدي فرج).
واتصل الخبر بحسين باشا، وتلقاهم بجيوش كانت عاقبتهم - بعد دفاع عنيف - الفشل، وتقدم الفرنسيون إلى العاصمة، فطلب الباشا الأمان لنفسه وأهله وجميع الأهالي، فأجابه قائد الجيوش الفرنسية على شروط تضمنتها معاهدة كتبها القائد الفرنسي، وأرسلها إلى الباشا للتوقيع عليها، ولم يسعه إلا التسليم، فوضع على المعاهدة توقيعه، ونص المعاهدة:
١ - على الساعة العاشرة من صباح يوم ٥ يوليه، يسلّم إلى الجند الفرنسي حصن القصبة، وسائر الحصون الأخرى التابعة للجزائر، ومرسى هذه المدينة.
٢ - يتعهد القائد العام للجند الإفرنسي نحو صاحب السمو داي الجزائر، بأن يترك له حريته، وكل ثروته الخاصة.
٣ - يستطيع الداي بكل حريته، أن يسافر صحبة عائلته وأمواله إلى المكان الذي يختاره، وما دام مستقراً في الجزائر، فإنه يكون تحت حماية القائد العام للجند الإفرنسي، وتقوم فرقة من الجند الإفرنسي على حراسته وحراسة عائلته.
٤ - كل الجنود الأتراك التابعين أوجاق الجزائر يتمتعون بنفس الحقوق المقررة في الفصول السابقة.
٥ - إقامة الشعائر الدينية المحمدية تكون حرّة، ولا يقع أي مساس بحرية السكان من مختلف الطبقات، ولا بدينهم، ولا بأملاكهم، ولا بتجارتهم وصناعتهم، وتحترم نساؤهم، والقائد العام يتعهد بذلك عهد الشرف.
٦ - يقع تبادل هذه الوثيقة ممضاة يوم ٥ يونية قبل الساعة العاشرة
стр. 6021
صباحاً، وفي الحال تتسلم الجنود الفرنسية القصبة، وقلاعاً أخرى.
وبعد أن استقرت العساكر بالعاصمة، انتقل حسين باشا وأتباعه إلى "نابلي"، ثم إلى "الإسكندرية"، ولما دخلها، احتفى به الخديوي محمد علي باشا، وتوفي هناك سنة ١٢٥٤ هـ.
* نهوض الوطنيين لمحاربة فرنسا:
بعد احتلال فرنسا لعاصمة الجزائر، جرت بينها وبين الجزائريين حروب في مواطن خارج العاصمة، فأحياناً ينتصر الجزائريون، وأحياناً ينتصر الفرنسيون، وفي أثناء هذه الحروب تداعى العلماء والأعيان للنظر في اختيار شخص توفرت فيه شروط الإمارة؛ ليبايعوه، فيجمع كلمتهم، وينهض بهم إلى دفاع العدو عن أوطانهم، فأجمع رأيهم على بيعة السيد محيي الدين عبد القادر المختاري، وكان معروفاً بالعلم والصلاح، وكانت له زاوية (رباط) لطلبة العلم وقراءة القرآن، فجاؤوه، وعرضوا عليه البيعة، فقبل بيعتهم على الجهاد، وجرت بينه وبين حاكم "وهران" الجنرال (يوبه) حروب ظهر فيها إقدام ابنه الأمير عبد القادر، وحسن سياسته. وتقدم عند هذا العلماءُ ورؤساء القبائل إلى السيد محيي الدين، وألزموه بقبول بيعة الإمارة له، أو لولده عبد القادر، فوافق على أن تكون الإمارة لابنه عبد القادر، فبايعوه بذلك، وتمت البيعة في (٣ رجب سنة ١٢٤٨ هـ - ٢٧ نوفمبر سنة ١٨٣٢ م)، وكانت بلدة "معسكر" حاضرة الإمارة، فنهض الأمير لمحاربة الفرنسيين، واستمر في جهاده نحو ١٥ سنة، كانت له فيها انتصارات باهرة، وأخيراً قوي جانب فرنسا، وأحس الأمير بالضعف عن التمادي في الحرب، فجمع أولي الأمر من خاصته، وتداولوا الأمر بينهم، وقرروا التسليم للفرنسيين، وبعث الأمير إلى الجنرال
стр. 6022
(لاموريس) حاكم ولاية "وهران" يخبره بقرار التسليم، وسار الأمير إلى العاصمة، وسلّم سيفه إلى (الدوك درمال) حاكم الجزائر في ٢٢ ديسمبر ١٨٤٧ م، وكانت عاقبته كما هو معروف في تاريخ حياته، أن صار إلى دمشق، وبقي بها إلى أن توفي ليلة (١٩ رجب سنة ١٣٠٠ هـ - سنة ١٨٨٣ م)، عن ٧٦ عاماً ﵀، وجازاه عن جهاده خيراً-.
وتتابع بعد هذا نهوض الوطنيين في وجه فرنسا؛ كوقائع القبائل وأولاد سيدي الشيخ، والمقراني، وأبي زيان، وابن الحداد، وغيرهم، وتستمر هذه الحروب في عنف، ويؤول أمرها إلى تغلب الفرنسيين، وفي سنة ١٨٤٨ م أعلن المجلس الوطني الفرنسي أن الجزائر أرض فرنسية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
محمّد الخضر حسين
стр. 6023
هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام (١)
شعر أبي تمام مملوء بالمعاني البديعة، وهو معرض استعارات مليحة، وكنايات لطيفة، وفنون من محاسن البيان، أبدع الشاعر صنعها، وأحكمَ وضعها، فما أشبه ديوان شعره بسماء تألقت كواكبها، أو روضة أينعت أزهارها.
يطالعه الغريب، فيسلو أوطانه، ويعلل به الكئيب، فينسى أشجانه، ولو كان الشعر حلية، لما كان شعر أبي تمام إلا قلائد في نحور الحسان.
ولعلك تعجز أن تجد شاعراً يسبق في كل حلبة، ويصيب في كل رَمْية، فلا عجب أن تصادف في شعر أبي تمام ما ينبو عنه ذوقك السليم، أو ما لا تصل إلى معناه إلا بعد تأمّل طويل.
ولارتفاع شعر أبي تمام إلى ذروة البراعة، وانحرافه في بعض الأحيان عن سنن الفصاحة، عُني به طائفة من الأدباء، فتناولوه بالشرح أو النقد، وما هم إلا كغيرهم كان الكتاب يصيبون ويخطئون، ويكفي الكاتبَ فضلاً أن تكون
стр. 6024
إصابته أكثر من خطئه، ويكفيه إخلاصاً أن لا يعيب القول، وهو يعلم أنه سليم، أو يصفه بالصحة، وهو يعلم أنه سقيم.
أقول هذا وبين يدي كتاب يشتمل على ما لأبي تمام من أخبار، ويحتوي على لُمَع من شعره المختار، وإيراد ما يتعلق بذلك من الآثار.
ألف هذا الكتاب الأديبُ الفاضل المرحوم يوسف البديعي قاضي الموصل المتوفى سنة ١٠١٣ هـ، وسمّاه: "هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام"، فتحدث فيه عن حياة أبي تمام، وما يتصل بها من نحو تراجم الرجال الذين تعرض هذا الشاعر لمديحهم، وسلك في حديثه هذه أحسن الطرق وأغزرها فائدة، يشرح ما يقصده الشاعر من المعاني، ويوضح ما يشير إليه من الحوادث.
وقد عُني بالنظر في هذا الكتاب حضرة الأديب الكامل الأستاذ محمود أفندي مصطفى أستاذ الآداب بكلية اللغة العربية من الجامعة الأزهرية، وعلّق عليه حواشيَ تعرَّض فيها للتعريف بالرجال الذين ورد ذكرهم في هذا الكتاب عرضاً، وأضاف إلى هذا: شرح كثير مما ورد في الكتاب من شعر أبي تمام. وطريقتُه في هذه الحواشي: أن يبين المعاني الأصلية للكلمات، وما خرجت إليه من مجاز أو كناية، ويصور المعنى الذي يفهم من النظم بأجود عبارة، ثم يتناوله بالنقد. فيطروه إن رآه أحسن الرماية، ويناقشه إن رآه ارتكب ما لا يلائم الذوق، أو ما لا تحتمله قوانين الفصاحة. ولم يَفُته أن ينقل من آراء المتقدمين الذين كتبوا في شعر أبي تمام؛ أمثال: الأسدي، ويتعقب هذه الآراء بالاستصواب تارة، والاستهجان أخرى.
وقد خرج كتاب "هبة الأيام" مع هذه الحواشي في طبع جميل على ورق جيد، فكان الكتاب وحواشيه فتحاً لطريق يصل منه عشاق شعر أبي تمام
стр. 6025
إلى ما تهوى أنفسهم، وبسطاً لأشعة تجعل كثيراً من معانيه الجامحة تحت أنظارهم.
فعلى البديعي السلامُ والرحمة، وللأستاذ محمود أفندي مصطفى الشكرُ على ما بذله من همة، وأسداه إلى اللغة العربية من نعمة.
محمّد الخضر حسين