صباحاً، وفي الحال تتسلم الجنود الفرنسية القصبة، وقلاعاً أخرى.
وبعد أن استقرت العساكر بالعاصمة، انتقل حسين باشا وأتباعه إلى "نابلي"، ثم إلى "الإسكندرية"، ولما دخلها، احتفى به الخديوي محمد علي باشا، وتوفي هناك سنة ١٢٥٤ هـ.
* نهوض الوطنيين لمحاربة فرنسا:
بعد احتلال فرنسا لعاصمة الجزائر، جرت بينها وبين الجزائريين حروب في مواطن خارج العاصمة، فأحياناً ينتصر الجزائريون، وأحياناً ينتصر الفرنسيون، وفي أثناء هذه الحروب تداعى العلماء والأعيان للنظر في اختيار شخص توفرت فيه شروط الإمارة؛ ليبايعوه، فيجمع كلمتهم، وينهض بهم إلى دفاع العدو عن أوطانهم، فأجمع رأيهم على بيعة السيد محيي الدين عبد القادر المختاري، وكان معروفاً بالعلم والصلاح، وكانت له زاوية (رباط) لطلبة العلم وقراءة القرآن، فجاؤوه، وعرضوا عليه البيعة، فقبل بيعتهم على الجهاد، وجرت بينه وبين حاكم "وهران" الجنرال (يوبه) حروب ظهر فيها إقدام ابنه الأمير عبد القادر، وحسن سياسته. وتقدم عند هذا العلماءُ ورؤساء القبائل إلى السيد محيي الدين، وألزموه بقبول بيعة الإمارة له، أو لولده عبد القادر، فوافق على أن تكون الإمارة لابنه عبد القادر، فبايعوه بذلك، وتمت البيعة في (٣ رجب سنة ١٢٤٨ هـ - ٢٧ نوفمبر سنة ١٨٣٢ م)، وكانت بلدة "معسكر" حاضرة الإمارة، فنهض الأمير لمحاربة الفرنسيين، واستمر في جهاده نحو ١٥ سنة، كانت له فيها انتصارات باهرة، وأخيراً قوي جانب فرنسا، وأحس الأمير بالضعف عن التمادي في الحرب، فجمع أولي الأمر من خاصته، وتداولوا الأمر بينهم، وقرروا التسليم للفرنسيين، وبعث الأمير إلى الجنرال
стр. 6022
(لاموريس) حاكم ولاية "وهران" يخبره بقرار التسليم، وسار الأمير إلى العاصمة، وسلّم سيفه إلى (الدوك درمال) حاكم الجزائر في ٢٢ ديسمبر ١٨٤٧ م، وكانت عاقبته كما هو معروف في تاريخ حياته، أن صار إلى دمشق، وبقي بها إلى أن توفي ليلة (١٩ رجب سنة ١٣٠٠ هـ - سنة ١٨٨٣ م)، عن ٧٦ عاماً ﵀، وجازاه عن جهاده خيراً-.
وتتابع بعد هذا نهوض الوطنيين في وجه فرنسا؛ كوقائع القبائل وأولاد سيدي الشيخ، والمقراني، وأبي زيان، وابن الحداد، وغيرهم، وتستمر هذه الحروب في عنف، ويؤول أمرها إلى تغلب الفرنسيين، وفي سنة ١٨٤٨ م أعلن المجلس الوطني الفرنسي أن الجزائر أرض فرنسية، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
محمّد الخضر حسين
стр. 6023
هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام (١)
شعر أبي تمام مملوء بالمعاني البديعة، وهو معرض استعارات مليحة، وكنايات لطيفة، وفنون من محاسن البيان، أبدع الشاعر صنعها، وأحكمَ وضعها، فما أشبه ديوان شعره بسماء تألقت كواكبها، أو روضة أينعت أزهارها.
يطالعه الغريب، فيسلو أوطانه، ويعلل به الكئيب، فينسى أشجانه، ولو كان الشعر حلية، لما كان شعر أبي تمام إلا قلائد في نحور الحسان.
ولعلك تعجز أن تجد شاعراً يسبق في كل حلبة، ويصيب في كل رَمْية، فلا عجب أن تصادف في شعر أبي تمام ما ينبو عنه ذوقك السليم، أو ما لا تصل إلى معناه إلا بعد تأمّل طويل.
ولارتفاع شعر أبي تمام إلى ذروة البراعة، وانحرافه في بعض الأحيان عن سنن الفصاحة، عُني به طائفة من الأدباء، فتناولوه بالشرح أو النقد، وما هم إلا كغيرهم كان الكتاب يصيبون ويخطئون، ويكفي الكاتبَ فضلاً أن تكون
стр. 6024
إصابته أكثر من خطئه، ويكفيه إخلاصاً أن لا يعيب القول، وهو يعلم أنه سليم، أو يصفه بالصحة، وهو يعلم أنه سقيم.
أقول هذا وبين يدي كتاب يشتمل على ما لأبي تمام من أخبار، ويحتوي على لُمَع من شعره المختار، وإيراد ما يتعلق بذلك من الآثار.
ألف هذا الكتاب الأديبُ الفاضل المرحوم يوسف البديعي قاضي الموصل المتوفى سنة ١٠١٣ هـ، وسمّاه: "هبة الأيام فيما يتعلق بأبي تمام"، فتحدث فيه عن حياة أبي تمام، وما يتصل بها من نحو تراجم الرجال الذين تعرض هذا الشاعر لمديحهم، وسلك في حديثه هذه أحسن الطرق وأغزرها فائدة، يشرح ما يقصده الشاعر من المعاني، ويوضح ما يشير إليه من الحوادث.
وقد عُني بالنظر في هذا الكتاب حضرة الأديب الكامل الأستاذ محمود أفندي مصطفى أستاذ الآداب بكلية اللغة العربية من الجامعة الأزهرية، وعلّق عليه حواشيَ تعرَّض فيها للتعريف بالرجال الذين ورد ذكرهم في هذا الكتاب عرضاً، وأضاف إلى هذا: شرح كثير مما ورد في الكتاب من شعر أبي تمام. وطريقتُه في هذه الحواشي: أن يبين المعاني الأصلية للكلمات، وما خرجت إليه من مجاز أو كناية، ويصور المعنى الذي يفهم من النظم بأجود عبارة، ثم يتناوله بالنقد. فيطروه إن رآه أحسن الرماية، ويناقشه إن رآه ارتكب ما لا يلائم الذوق، أو ما لا تحتمله قوانين الفصاحة. ولم يَفُته أن ينقل من آراء المتقدمين الذين كتبوا في شعر أبي تمام؛ أمثال: الأسدي، ويتعقب هذه الآراء بالاستصواب تارة، والاستهجان أخرى.
وقد خرج كتاب "هبة الأيام" مع هذه الحواشي في طبع جميل على ورق جيد، فكان الكتاب وحواشيه فتحاً لطريق يصل منه عشاق شعر أبي تمام
стр. 6025
إلى ما تهوى أنفسهم، وبسطاً لأشعة تجعل كثيراً من معانيه الجامحة تحت أنظارهم.
فعلى البديعي السلامُ والرحمة، وللأستاذ محمود أفندي مصطفى الشكرُ على ما بذله من همة، وأسداه إلى اللغة العربية من نعمة.
محمّد الخضر حسين
стр. 6026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صوت الحق (١)
من الديوان الجديد لفضيلة الأستاذ رئيس التحرير
أقْبَلَ الصُّبْح بوجهٍ طَلِقِ ... وتوارى الليلُ خلْفَ الأُفُقِ
فنفضتُ النَّومَ عَنْ جفني عسى ... أقتني العِبْرةَ مما ألتقي
بادَهَتْني غَيْضَةٌ (٢) قائمةٌ ... خِلْتُها باقيةً مِنْ غَسَقِ
خُضْتُ في ظلمائها إلا كُوى ... بين لُدْنٍ تنحني أو ترتقي
هزَّزَتْ أغصانَها الريحُ كما ... هزَّ كفٌّ وتراً في نَسَقِ
رُبَّ صوتٍ هبَّ في الغابِ ولمْ ... يَدْرِ مغزاه أسيرُ الوَرَقِ
مِنْ حفيفِ الشجر السامي الذُّرى ... وخريرِ السلسل المُنْدَفِقِ
وهديلٍ لحمام مُطْرِبٍ ... ونُعاقٍ لغرابٍ مُقْلقِ
سرتُ في الدَّوْح بسمعٍ مُرهَفٍ ... لهتافٍ وفؤادٍ ذَلِقِ
فإذا صوتٌ بديعُ الوَقْعِ لمْ ... يَكُ بالهمْسِ ولا بالصَّعِقِ
стр. 6027
ليسَ باللَّحْنِ الذي يوقِعُه ... ناقرُ العودِ وحادي الأَيْنُقِ
أبهجَ الروحَ كما يكسو النَّدَى ... ذابلَ الأزهارِ أبهى رونَقِ
راعَني الصوتُ بصمتٍ والأسى ... حالَ ما بين الكَرى والحَدقِ
ضربَتْ بين ضلوعي غمرةٌ ... بجناحيها كغيمٍ مُطْبِقِ
قمتُ أسعى دائباً أنشدُه ... في حمى المثري وكوخ المُمْلِقِ
أُوجسُ الخيفةَ أنْ يَفجَعني ... صَوتُ بوُمٍ بعدَه أو عَقْعَقِ (١)
حام بي اليأسُ فعرَّجْتُ على ... هَضْبَةٍ شَمَّاءَ قَبْلَ الفَلَقِ
لُذْتُ بالسَّفْحِ وحيداً أبتغي ... سِنَةً أُشْفَى بها من أَرَقي
فإذا الصوتُ تهاوى من عُلاً ... كشعاعِ القمَرِ المتَّسِقِ
لبسَ النفسَ بعهدٍ خطَّه ... قلمُ الغيبِ بأجلى مَنْطِقِ
هو صوتُ الحقِّ من لم يُرْعِهِ ... سمْعَ مِطواعٍ يَعِشْ في رَهقِ (٢)
стр. 6028
تزويد أحد الشبان التونسيين بموعظة (١)
سرْ في هذه الحياة، واليقظةُ نورُ عينيك، والحزمُ عن يمينك، والتأني في الأمور عن يسارك، فإن من غلبت غفلته على يقظته، كان العطب أقربَ إليه من السلامة، ومن فاته الحزم، ذهب شطر حياته سُدى، ومن يقوم على الأمور قبل أن يتدبرها، لا يأمن أن يقع في غير رشد، ويعود بغير حمد، وإن رُزقت الاعتمادَ على الله من صميم قلبك، وَفَّقك لأن تكون يقظاً حازماً بصيراً بالعواقب.
محمّد الخضر حسين
стр. 6029
مِرْقاة العُلا (١)
من الديوان الجديد لفضيلة الأستاذ رئيس التحرير
نبتَتْ نفْسُكَ في وادي هُدى ... وشَفَتْ مِنْ مَنْهَل العلْمِ صَداها
واكتَستْ بالحمدِ أسنى حلَلٍ ... أورثَتْها في الورى عِزّاً وجَاها
تِلكَ مِرْقاةُ العلا والنفسُ إنْ ... أحرزَتْها بلغَتْ أقصى مُناها
أتراها أمِنَتْ عاصفةً ... من هوى تطفئ بالعَصْف سناها؟
يصرِفُ اللهُ الهوى عَنْ أنفُسٍ ... جعلَتْ طاعتَه قُطْبَ رَحاها
محمّد الخضر حسين
стр. 6030
إجازة الإمام محمد الخضر حسين للعلامة الشيخ حامد التقي الدمشقي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
نحمدك يا من استنارت البصائر بطوالع هدايته، وتنافس الحكماء البالغون في مجال عبادته، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد أكمل الخليقة، وعلى آله وصحبه الذين أخذوا في سياسة الأمم ودعوتها إلى الخير بأقوم طريقة.
أما بعد:
فإن العالم الكامل صاحبنا الشيخ حامد بن الشيخ أديب، قد تنازل به حسنُ ظنه إلى أن التمس مني أن أكون في قَبيل من كتبوا له بالإجازة.
وكان -حفظه الله تعالى- من شاركنا بالتفاهم في عرض دروس "صحيح الإمام مسلم"، وكتاب "المستصفى" للغزالي، و"مغني اللبيب"، و"بداية المجتهد"، و"الكامل" للمبرّد، زيادة على المذاكرات والمسامرات العلمية المملوءة بالمباحث الدالَّة على سموِّ مداركه، وصفاء ذوقه، وشرف همته، حتى اتسع أملنا -بعد أن تضاءل- بأن الله سيقيم لهذه الشريعة المباركة رجالاً يذودون عن حقائقها ما يغشى من البدع، ويمزِّقون بحجبها الدامغة ظلماتِ الإلحاد.
стр. 6031
فلم يسعني -بعد الإحجام مدة- إلا أن أساعد على ما اقترحه علىَّ مرة بعد أخرى، فأقول:
قد أجزت للعالم المستقيم الشيخ حامد المذكور ما ثبت إجازته لي في شعبَتي المعقول والمنقول، والفروع والأصول، كما أجاز لي بذلك الأستاذان الكبيران: الشيخ محمد بن الشيخ المفتي المالكي بحاضرة تونس، وخالنا الشيخ محمد المكي بن عزّوز، وغيرهما.
وأوصيه كما أوصاني أولئك الأساتيذ، بأن يجعل تقوى الله تعالى لباسه في السر والعلن؛ فإن التقوى ملاك السعادة كلها، وأذكّره بأن من تعلم العلم لفضيلته، لم يوحشه كساده، وأن التعليم الذي تسري في مسالكه روح الإخلاص، لابدَّ أن يجتنى منه ثمرة طيبة.
وفي أملي أن لا ينساني من صالح دعواته.
والحمد لله رب العالمين
كتبه راجي عفو ربه محمد الخضر حسين التونسي
في ١٦ جمادى الثانية ١٣٣٦ هـ
стр. 6032
الشيخ محمد الخضر حسين (١)
شاعت دعوة الإصلاح، وذاعت بين المفكرين بتونس، منذ ارتبطت النخبة الثقافية الناهضة في سيرتها نحو المثل العليا لحركاتها، بالحركة الإسلامية العالمية للإصلاح الديني والفكري: حركة العروة الوثقى.
وكان انتشار هذه الدعوة الإصلاحية من طريق التنويه، والانتماء المتغالي، والدعاية المتعصبة؛ فكان من الضروري أن يُحدث انتشارُ الدعوة من تلك الطرق ردّاً إنكارياً، ومقاومة خانقة، وإعراضاً نافراً، لا سيما وقد جاءت الدعوة الإصلاحية تتناول أوضاعاً مما حسنه الإلف، وخلع عليه قدمُ العهد حُللَ الوقار والاعتبار.
وإن الدعوة الإصلاحية قد دخلت إلى البلاد التونسية من أول أمرها تجرّ وراءها عاصفة من الإنكار والمقاومة، كانت قد قامت حولها في المشرق، فيما جندت القوات العديدة المتباينة بإستانبول والقاهرة وغيرهما من مدمرات لمعاقل الدعوة، وسدودٍ في مسالكها، فأحدث بلوغُ الدعوة الإصلاحية إلى تونس اضطراباً في الأفكار، ولّد انقساماً، وتناحراً، وتنابزاً بالجهل وبالكفر، واعترت الألبابَ دهشةٌ من جرّاء ذلك الاضطراب، أخذ بها الطلبة والمتتبعون
стр. 6033
لنشريات الدعوة وكتبِها من ذوي المشاركة الثقافية المنزلين دون منازل العلماء، في حال أن العلماء وأصحابَ الأقلام كادت أن تتقسمهم الفتنة بين موقفي الإفراط في مناصرة الدعوة، والتفريط فيها.
فكانت هذه الحالة من الاضطراب والحيرة مقتضية ظهورَ شهاب ثاقب من شهب العلم والأدب يهدي الحائرين، ويؤمن المضطرين، إذ يتناول قضية الإصلاح، فيعرضها على معيار البحث العلمي الرصين، والنقد المنطقي النزيه، اللذين يسموان بها عن معركة المتبارزين من المفرّطين والمفرطين.
فكان ذلك الشهاب الثاقب الذي متَّن أركان النهضة الإصلاحية هو رجل الهداية، وصاحب السعادة، الشيخ الخضر حسين؛ الذي لو كان للنهضة العلمية والأدبية بتونس في القرن الرابع عشر أن تتمثل إنساناً ناطقاً، لما كانت إلا إيّاه، وهو الذي طافت في شخصه أرجاء البلاد الشرقية، حتى احتلت في عِطْفيه أسمى مقام علمي في الشرق الإسلامي، وهو مقام شيخ الأزهر الشريف.
وردَ الشيخ الخضر على العاصمة التونسية من بلاد الجريد، لا يحدو به وبأبيه وبأسرته كافةً إلا تعلقُ الفكر بجامع الزيتونة الأعظم، وهوى الفوز بما تزخر به العاصمة التونسية من أمجاد العلم، ومباهج الأدب.
فدخل مدينة تونس ١٣٠٤ هـ وهو يافع ابن اثني عشر عاماً، وانقطع إلى طلب العلم بجامع الزيتونة؛ فانغمس في غمار الحياة الفكرية والأدبية، لا يشعر بذاته، ولا يأنس بحياته، إلا في ذلك الأُفُق المشرق المنعش.
وظهرت قيمته الفكرية، وبرزت موهبته الأدبية، فأصبح مشاراً إليه بالامتياز بين أقرانه، وزاده خلقُه الزكي جلالاً، وطبعُه الهادئ حباً واعتباراً،
стр. 6034
ومنذ انتصب لإلقاء الدروس، قبل ولايته التدريس بصفة رسمية، عظُمت مكانته في نفوس الطلبة، وذاع صيته في العلم الصحيح، والفكر الحر، فأصبح قائداً من قادة الفكر ذوي النفوذ البليغ في نفوس الشباب، واشتد تعصب الطلبة الزيتونيين له، وعظم اعتدادهم به.
وكانت الحركة الفكرية يومئذ متطلعة إلى بروز نشرة دورية تتناول ما كان يدور في الأفكار والمجادلات من بحوث ونقود، ولم يكن قد صدر قبل ذلك في البلاد التونسية من الدوريات غير الصحف، فتطلعوا إلى إيجاد مجلة، فكان مترجَمُنا العظيم هو الذي انتدب ليسدد ذلك العوز، فأصدر أول مجلة عربية في البلاد التونسية، وهي مجلة "السعادة العظمى" التي صدرت في شهر المحرم سنة (١٣٢٢ هـ - ١٩٠٤ م).
وبقدر ما أحاط بمجلة "السعادة العظمى" من القبول الحسن والتأييد، وما قابلتها به الصحف من ترحيب، وما انثال عليها من التقريظ بالرسائل والقصائد من طرف رجال العلم وطلاب الشباب، فإن كثيرين آخرين قد ساءهم مطلعها، وآلمهم ما بدت به من نزعة إلى حرية النقد، ودعوة إلى احترام التفكير، وتأييد لفتح باب الاجتهاد، بمناداة صاحبها في المقال الأول الذي قدم به مجلته بقوله: "إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أُغلق، هي دعوى لا تُسمع إلا إذا أيدها دليل يوازن في قوته الدليلَ الذي فتح به باب الاجتهاد أولاً"، فثارت الثائرة في وجهه ووجه مجلته من جلّ هذه المقالة وأمثالها، وقامت هيئة النظارة العلمية بحامع الزيتونة الأعظم تعارض في صدور المجلة، وتطالب الحكومة بتعطيلها؛ وكانت بذلك مجلبة لكثير مما نال صاحبها من الاضطهاد طيلة مقامه بتونس.
стр. 6035
وبرزت في هذه المجلة بصفة واضحة: قوةُ صاحبها في فني النثر الفني والعلمي، كما تجلّى فيها اتجاهه إلى تجديد أغراض الشعر بصوغ القصائد في المعاني الاجتماعية والحكمية، والإشادة بالمجد، والتوجيه إلى مسالك النهضة والتحرير والتجدد.
واتجهت المساعي نحو مترجَمنا من الجمعيات الرسمية وغير الرسمية، تنتخبه للاشتراك في الأعمال الهامة، فانضم إلى اللجنة العلمية التي قامت (بالتعريف بكتب خزائن جامع الزيتونة الأعظم)، واشترك في (لجنة تدوين التاريخ التونسي)، وسمي مدرساً بالجامع الأعظم بالمناظرة، وانتخب للتدريس بالمدرسة الصادقية، ودعا إلى إحياء الآداب العربية بالدراسة في قصيدة بديعة رفعها إلى النظارة العلمية، وكان له درس عظيم الصدى لكتاب "المثل السائر" لابن الأثير شُدَّت الرحال لشهوده بجامع الزيتونة.
وجاء دور المحاضرات العلمية على منابر الجمعيات الثقافية؛ مثل: الخلدونية، وقدماء الصادقية، فكان من السابقين الأولين من مبرزي ذلك الميدان، وقام بالمحاضرات البديعة الرنّانة؛ مثال: محاضرتيه الذائعتين: "الحرية في الإسلام"، و"حياة اللغة العربية"، وبلغت فكرة إحياء الثقافة العربية وتمكنها من وسائل الانتشار والسيادة مبلغها الأعلى، واندفع طلبة الزيتونة تهزّهم الحماسة في سبيل إصلاح تعليمهم، فتأسست -تحت إشراف المترجَم وباعتنائه، وتوجيهه- أولُ منظمة طالبية بتونس باسم (جمعية تلامذة جامع الزيتونة) سنة (١٣٢٤ هـ - ١٩٠٧ م).
وبذلك بدأ الشيخ الخضر يُستهدف لما استُهدف له المصلحون العاملون من قبله، من آثار المكائد والسعايات والدسائس، فأصبحت كل حركة تبدو
стр. 6036
من الطلبة محمولة على حسابه، ونظرَتْه أعين المسؤولين شزراً عندما أعلن طلبة الزيتونة الإضراب عن الدروس سنة (١٣٢٨ هـ - ١٩١٥ م) باعتبار كونه المسؤول عن ذلك التحرر.
وبدأت مظاهر النقمة تنتابه، فناله في المناظرات التي شارك فيها للإحراز على منصب التدريس من الطبقة الأولى، اضطهاداتٌ أبعدته اصطناعاً عن الفوز في المناظرة، على ما أبدى من الكفاءة والتفوق، فزادت بتلك الاضطهادات منزلته ارتفاعاً، حتى أصبحت تلك الأحداث مادة للون من التفكير، وغذاء لصنف من الأدب لم تزل آثارهما حية إلى اليوم.
وأحسَّ المترجَم بتضايق عظيم يرتفع على نسبة ما يرتفع إقبال أنصاره عليه، ومفاداتهم في تعظيمه وإكباره، فترتفع بذلك نقمة أضداده، وتكالبُهم على أذاه والوقيعة فيه.
فدفع به ذلك التضايقُ إلى أن يطلب مجالاً لحياته الفكرية والعلمية خارج البلاد التونسية، لا سيما وهو من أنصار الجامعة الإسلامية الكبرى الذين يؤمنون بخدم الملة الإسلامية خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان.
فسافر أولاً إلى مصر، وسورية، وتركيا سنة (١٣٣٠ هـ - ١٩١٢ م)، وكتب عن ذلك رحلة بديعة نشرت تباعاً في جريدة "الزهرة" طافحة باعتباراته وأفكاره، ومقابساته ومساجلاته، ومقاطيع من شعره.
ثم عاد إلى الرحلة في العام الموالي، فكانت رحلته التي لم يقدر للبلاد التونسية أن تفوز به بعدها.
وقصد في رحلته سورية، وانتصب للتدريس بدمشق، وتخرجت عليه هنالك نخبة رجال العلم والفكر والأدب، الذين لم تزل ذكراه بينهم جليلة
стр. 6037
مرعية إلى اليوم، وسافر من سورية إلى تركيا وألمانيا وبلاد البلقان، ثم عاد إلى سورية، فلم يستقر بها حتى فارقها، واستقر نهائياً بمصر.
ونشر من كتبه ومقالاته، وألقى من دروسه ومحاضراته في الأقطار التي تنقل بينها، ما رسخت به سمعته العلمية؛ فاعتبر قطباً من أقطاب العلم في البلاد الإسلامية مشاع الانتساب إلى دار الإسلام كلها.
وأسّس بمصر (جمعية الهداية الإسلامية)، وأشرف على إصدار مجلتها الراقية، وتولى التدريس بالجامعة الأزهرية، ثم دخل في هيئة كبار العلماء، وانتخب في عهد حكومة الثورة شيخاً للأزهر الشريف سنة (٧٣ - ٥٢)، فبلغ بذلك قمة المجد العلمي في عناوينه الرسمية.
وقد كان قبل ذلك من الأعضاء الأولين في المجمع العلمي العربي بدمشق، ومن الأعضاء الذين تأسس بهم مجمع اللغة العربية في مصر، وكان في كلٍّ من المجمعين ركناً من أركان العلم والعمل؛ بحيث إن معهده الأصلي، وهو جامع الزيتونة، والبلاد التي نشأ بها، وهي البلاد التونسية، يعتدان بذكر طيب، وفخر موثَّلٍ فازا به في أقطار الإسلام والعروبة، ما كان لذلك القطر ولا لذلك المعهد أن ينالاه، لو لم ينجبا هذا العبقري اللامع الذي رفع لهما الفخار في الخالدين.
* سنوات مع الشيخ الخضر (١):
من الإنصاف أن أقرر -بادئ ذي بدء-: المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين علم من أعلام الفكر الديني الأفذاذ الذين أضافوا إلى صفحاته المشرقة
стр. 6038
أمجاداً مزدانة بالعلم والفضل والكفاح.
وقبل أن يسبقني يراعي إلى هذه الأمجاد، أود أن أنبه إلى أني لست فضولياً فأكتب عن المشاهير حباً في الاستبصار، ولكنها مشيئة الله التي قضت بأن كون قريباً من الشيخ محمد الخضر حسين، فقد كنت سكرتيراً عاماً لجمعية (الهداية الإسلامية) بالقاهرة منذ عام ١٩٤٩ م، وكان فضيلة الإمام رئيساً لهذه الجمعية، كما كنت سكرتيراً لتحرير مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم مديراً لتحريرها، وكان ﵀ رئيساً للتحرير.
من أجل ذلك عرفته، وارتبطت به ارتباطاً وثيقاً، لا يختلف في مضمونه ومبناه عن ارتباط الابن بأبيه. كذلك فإنه يحق لي أن أقدمه للقراء في كلمة موجزة.
ولد الشيخ محمد خضر حسين سنة ١٨٧٣ م في قرية "نفطة" من أعمال تونس؛ وتربّى فيها، حتى إذا اشتد عوده، انتقل إلى مدينة تونس؛ حيث التحق سنة ١٨٩٩ م بجامع الزيتونة، وتلقى العلم فيه على كبار شيوخه.
وتقول "الموسوعة العربية الميسرة" التي تصدرها دار القلم: إن المرحوم الإمام أنشأ أول مجلة ظهرت في المغرب سميت بـ: "السعادة العظمى".
لكن الإمام لم يمكث طويلاً في المغرب، فقد رحل إلى دمشق، وأقام بها، واشتغل مدرساً بالمدرسة السلطانية، ثم انتقل إلى الآستانة؛ حيث أسند إليه تحرير القسم العربي بوزارة الحربية. وعندما احتل الحلفاء الآستانة؛ هرب منها إلى ألمانيا، ثم جاء إلى مصر سنة ١٩١٨ م، فأقام بها، واشترك في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين)، ورأس تحرير مجلة "الهداية الإسلامية"، ثم رأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، كما اشتغل بالتدريس في الجامع الأزهر،
стр. 6039
وأصبح شيخاً له سنة ١٩٥٢ م، وعيّن بالمجمع اللغوي منذ إنشائه.
وكان ﵀ مثلاً حياً للخلق الحسن ... فما سمعته قطّ ينطق بشتم أو سباب، أو بلفظ بذيء، حتى في أشد حالات غضبه، كان عفّ اللسان، وقليلاً ما كان يغضب. وكان غضبه لما يغضب الله ورسوله. كان لا يخوض في سيرة أحد الناس، وإذا سمع أحداً يغتاب غيره، يبتعد عنه، ويترك له المكان. كان إذا تكلم، خفض من صوته، وإذا مشى، كان من الذين يمشون على الأرض هَوْناً، حتى لا نكاد نسمع له وَقع أقدام. وإذا خاطبه إنسان، مهما قل شأنه، أنصت لكلامه حتى يفرغ المتكلم من كلامه.
وكان ﵀ يعتزّ بكرامته، فقد عاش ولم يطلب مخلوقاً في رجاء قط.
وأذكر في ذلك واقعتين طريفتين:
الأولى: تتلخص في أن الجمعية -وقتذاك- اعتادت أن تستضيف كل أسبوع محاضراً ليلقي محاضرة دينية في الجمعية، وكان "الأهرام" يعلن عن هذه المحاضرات، لكنه بعد فترة كفَّ "الأهرام" عن الإعلان، لذلك طلبت من المرحوم الإمام أن يتصل تليفونياً بصديق للجمعية في الأهرام؛ ليتوسط عند المختصين بالإعلان في الأهرام؛ من أجل الإعلان عن محاضرات الجمعية، لكن الإمام رفض. فلما قلت له: أعطني بطاقة منك لأقدمها لهذا الصديق، وسأشرح له الموضوع. لكنه رفض -أيضاً-. فقلت له: سأذهب إلى هذا الصديق، وأخبره بأن فضيلة الإمام كلّفني بالاتصال بك من أجل الإعلان عن محاضرات الجمعية. لكن الإمام ردّ على الفور قائلاً: "لا تقل إني كلفتك بشيء عنده؛ لأن هذا يعتبر رجاء، ولقد عشت سنين طويلة لم
стр. 6040
أرجُ مخلوقاً، ولن أسمح للساني أن يلفظ بطلب أو رجاء ما دمت حياً".
أما الواقعة الثانية: فتنحصر في أنه بعد أن تم اختيار الإمام الشيخ محمد الخضر شيخاً للأزهر عام ١٩٥٢ م، زاره الرئيس السابق محمد نجيب في الأزهر للتهنئة.
وبعد انقضاء فترة على هذه الزيارة، ذهب السيد حسين الشافعي إلى فضيلة الإمام، وأخبره بأن الرئيس محمد نجيب يطلبه لأمر ما، فغضب الإمام، وأخرج ورقة من درج مكتبه، وكتب عليها استقالته، ثم قال للسيد حسين الشافعي: "قل لسيادة الرئيس: إن شيخ الأزهر لا ينتقل إلى الحاكم"، وعبثاً حاول السيد حسين الشافعي أن يثني الإمام عن الاستقالة.
مؤلفات الإمام قسمان:
١ - قسم مخطوط لم يطبع بعد.
٢ - وقسم مطبوع.
أولاً - المخطوط عبارة عن كتابين:
الأول: سجل لآرائه المختلفة في بعض المسائل. وكان الإمام الراحل قد أوصى بأن يؤول هذا المخطوط إلى دار الكتب المصرية بعد وفاته، وكلف السيد أحمد عبد الرحمن سكرتير (جمعية الهداية الإسلامية) بتنفيذ وصيته بعد
وفاته.
أما المخطوط الثاني، فهو عبارة عن سجل لتاريخ حياة الإمام، ويقع في أربعة مجلدات كبيرة، وكان الإمام قد أعطاه لمدير مكتبه المرحوم الشيخ عبد الحليم بسيوني ليتولى طبعه. لكن الشيخ عبد الحليم توفي، ولم يكن الكتاب قد طبع بعد. وللآن لا نعلم شيئاً عن مصير هذا المخطوط.
стр. 6041
ثانياً - كتب مطبوعة تربو على أربعة وثلاثين كتاباً، تشمل الأدب والفلسفة والاجتماع والتاريخ والدين. أذكر منها هذه الكتب:
١ - في الأدب: كتاب: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، كتاب: "الخيال في الشعر العربي".
٢ - في الاجتماع والدين: كتاب باسم: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، كتاب باسم: "الدعوة إلى الإصلاح".
٣ - في الفلسفة: كتاب: "مناهج الشرف"، كتاب: "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها".
٤ - في التاريخ: كتاب: "تونس تحت الاحتلال الفرنساوي".
هذه لمحة سريعة عن الإمام الراحل محمد الخضر حسين، وكتبه التي فُقدت من المكتبات.
لذلك فإني أرجو أن تهتم الهيئات الحكومية المشتغلة بالنشر بطبع ونشر كتب هذا العالم الجليل؛ لتكون نبراساً لنا على الطريق (١).
السيد كمال الشوري
وكيل وزارة العدل سابقاً
стр. 6042
علم من أعلام الزيتونة
الشيخ محمد الخضر حُسين من خلال آثاره العلمية (١)
الأستاذ محمود الشمام
عالم فقيه متعمق، جامع محقق، وطني مكافح، مدرس محاضر، خطيب حاذق، أديب شاعر متمكن، زيتوني صادقي، خلدوني أزهري.
انتسب إلى كل هذه المعاهد، ودرس بها، وأخلص في حبها، وذكرها، واعتزّ بالانتماء إليها.
يخوض معامع السياسة، ويرتمي في ساحات الكفاح بروح مغامر مكافح، مؤمن بأن التضحية في سبيل الوطن لا جزاء لها إلا الجنة.
هو وديع لطيف، خجول متواضع، يلتهب ناراً في بحوثه وأدبه وشعره، وسعيه السياسي.
هو رحّالة جاب البلاد الإسلامية، وبعض البلدان الغربية، وسخّر مواهبه وقدراته وإمكانياته وعلمه في سبيل مبادئه السياسية والعلمية، حتى ألقى عصا الترحال بالبلاد المصرية، وسكن القاهرة المعزِّية، فكان الجوهر الثاني مبعوثَ الجامعة الزيتونة؛ لتحصين ما أسسه الجوهر الأول
стр. 6043
مبعوثُ الدولة الفاطمية.
ذلكم هو الشيخ الإمام القاضي، المدزس بالجامع الأعظم جامعِ الزيتونة وشيخ الأزهر بالقاهرة، محمدُ الخضر بن حسين بن علي بن عمر الشريف النفطي الجريدي التونسي.
* ولادته:
اختلفت الروايات حول ضبط تاريخ ميلاده، فذكر حفيده للأخ الأستاذ علي الرّضا الحسيني: أنه ولد سنة ١٨٧٤ م، لكن أثبت غيره -وهو الراجح-: أنه ولد سنة (١٢٩٠ هـ الموافق ١٨٧٣ م).
وكانت ولادته بمدينة "نفطة" من الجنوب التونسي، مهدِ العلماء الفقهاء، والأدباء النبغاء، المعروفة بالكوفة الصغرى، كما عُرفت جارتها "توزر" بالبصرة. لا أحسب أني في حاجة للتعريف بهذه المدينة الفيحاء "نفطة"، فهي غنية عن التعريف.
وعائلة ابن الحسين ماجدة في حسبها ونسبها المتصلِ بالشرف النبوي الكريم، وإخوة الشيخ الخضر هم: محمد الجنيدي، ومحمد العروسي، ومحمد المكي، وزين العابدين.
وأفرادها الذين عرفناهم نجوماً لامعة في سماء العلم والمعرفة هم: مترجَمنا الشيخ الخضر، وأخوه الشيخ محمد المكي، وأخوهما الشيخ زين العابدين.
وقد عرفتُ ثلاثتهم عن قرب معرفة شخصية. ففي غضون زيارتي للقاهرة رفقة المولى الخال الشيخ سيدي الحاج علي ابن الخوجة، تشرفت بزيارة الشيخ محمد الخضر بمحله، فأكرمنا وأطعمنا، ورحّب بنا، ومدَّنا
стр. 6044
ببعض إنتاجه، وزوّدنا بنصائحه وتوجيهاته، وفي غضون زيارتي لدمشق، زرت شقيقه الشيخ زين العابدين، فاستضافني، وفرح بمقدمي، وأهداني بعض كتبه. وهناك تعرفت على ابنه الأستاذ علي الرضا الذي زارني بتونس.
أما الشيخ المكي، فهو صديق العائلة، تعرفت عليه بواسطة شقيقي سيدي محمد شمام صديقه الحميم، وكان يزورنا بمحلنا من نهج الناعورة نهج الباشا، ونزوره برحبة الغنم، ونجالسه في مكتبة الاستقامة عند الشيخ الثميني، توفي الشيخ المكي ﵀ في (٢٠ شعبان سنة ١٣٨٢ هـ الملاقي ٢٦ جانفي سنة ١٩٦٣ م).
وثلاثتهم ﵏ من كابر العلماء، أثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم وتحريراتهم، فخلّد التاريخ ذكرهم، وها نحن أولاء نعدد محاسنهم مترحِّمين عليهم.
وعائلة الشيخ محمد الخضر تنتسب إلى الطريق الصوفية، فأبوه، وجدُّه للأب ينتسبان للطريقة الرحمانية، أما جدّه لأمه، فهو الشيخ مصطفى ابن عزوز شيخ الطريقة الرحمانية، وخاله الذي رباه وعلمه هو الشيخ محمد المكي بن عزوز كان علماً من أعلام العلم والأدب والمعرفة الواسعة، وفذاً من الأفذاذ في معرفة الكتب، مع الحرص على اقتنائها وجمعها، كان أديباً شاعراً، تولّى خطة الإفتاء بنفطة، وانتقل إلى الآستانة ودرّس بها الحديث الشريف، ونقل معه من تونس مكتبته التي يصفها الشيخ الفاضل ابن عاشور بأنها مكتبة من أندر وأعز وأنفس المكتبات وأفضلها من الخزائن الخاصة في العالم الإسلامي. -توفي ﵀ سنة (١٣٣٤ هـ الملاقي ١٩١٦ م).
стр. 6045
في هذه البيئة، وفي كنف خاله هذا، تربّى شيخنا الخضر، الذي تحدث عن نشأته، فقال: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظم الشعر" حتى انتهى بإصدار ديوان "خواطر الحياة".
وهو يتحدّث عن عناية خاله به، فيقول:
"أستاذي الذي شبّت في طوق تعليمه فكرتي، وتغذيت بلبان معارفه في أول نشأتي، العلامة الهمام القدوة خالنا الشيخ محمد المكي بن عزّوز".
وخاله هذا يراسله مقرظاً مجلة "السعادة العظمى" التي أصدرها حفيده معرِّضاً بأنه ربّاه وسانده، فيقول له:
"وأنبئكم أنه لما أشرقت غرّتُها، وانبلجت ديباجتها، تصفَّحت دررَ عقودها، وتعمدت سبرَ عودها، لنعلم كيف نتيجة تربيتنا، وإلى أي طور بلغ فرعُ دوحتنا، وبأي ثمرة تفتر أكمامُه، وعلى الوطن بأي صفة تهب أنسامُه".
* التحاقه بجامع الزيتونة:
انخرط الشيخ الخضر في سلك طلبة الزيتونة سنة (١٣٠٧ هـ الملاقي ١٨٨٧ م)، وأغرم من أول عهده في الدراسة بالأدب والشعر.
يقول متحدثاً عن نفسه في مقدمة ديوانه "خواطر الحياة": "انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة، وكان من أساتذة الجامع -وهم في الطبقة العالية من طلاب العلم- من أولعوا بالأدب،
стр. 6046
والتنافس في صناعة الشعر والقريض إلى شأو غير قريب، فاقتفيت أثرهم، وكنت أنظم قصائد تهنئة لبعض أساتذتي عند ختم وإتمام دراسة بعض الكتب".
وأشار إلى بعض شيوخه، وتحدث عنهم؛ كالشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ عمر بن الشيخ. وقد ترجم للأخيرين في كتابه: "تونس وجامع الزيتونة".
وترجم لأستاذه سيدي عمر بن الشيخ في مجلة "الهداية الإسلامية"، وذكر أن الشيخ محمد عبده كان حضر أحد دروسه عند زيارته لتونس سنة ١٨٨٤ م.
أما الشيخ محمد النجار، فقد صادقه، وشاركه في تحرير مجلة "السعادة العظمى".
وكتب عن شيخه سالم بو حاجب: "حضرت دروسه عندما أخذت في قراءة الكتب العالية، فشعرت بأني دخلت في مجال أفسح للنظر، وادعى لنشاط الفكر".
ولما مات الشيخ سالم بو حاجب كان شيخنا الخضر بالقاهرة، فقال يرثيه:
فقدَتْ سماءُ المجدِ بدراً عزَّ أن ... تحظى برؤية مثله الألحاظُ
وواصل دراسته الزيتونية حتى تحصَّل على شهادة التخرج، شهادة "التطويع" سنة (١٣١٦ هـ الملاقي ١٨٩٨ م). وتطوع للتدريس بالجامع الأعظم. وابتدأ جهاده الثقافي إثر تخرجه، فسعى لإصدار مجلة علمية أدبية جامعة هي الأولى من نوعها، مجلة: "السعادة العظمى". صدرت نصف شهرية
стр. 6047
في محرم سنة (١٣٢٢ هـ الملاقي سنة ١٩٠٤ م). وأيّدها علماء الإصلاح؛ مثل: الشيخ سالم بو حاجب الذي خاطب تلميذه الشيخ الخضر بقوله:
"أقول لك ما قاله ورقة بن نوفل لرسول الله ﷺ : لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي،، يشير إلى النقد الذي لقيته المجلة من بعض الناقدين.
وكانت أبحاث المجلة تشتمل على المواضيع العلمية والأدبية والأخلاقية، وتلقي الأسئلة والإجابة عنها.
وشيخنا الخضر يوجز مقاصده ومراميه الإصلاحية في بيت بليغ، وهو الشاعر الفحل، والمصلح المفكر، فيقول:
إنَ المعارِفَ والصنائعَ عدَّةٌ ... بابُ الترقّي من سِواها موصَدُ
ويقول:
ولا تعودُ إلى شعبٍ مجادتُه ... إلا إذا غامرتْ هِمّاتُه الشُّهُبا
وكأني به يتبنى قول شاعر تونس ومفتيها أبي الثناء محمود قبادو:
دليلُ اصطفاءِ اللهِ للعبْدِ علمُهُ ... وتشريفُه أن يكشفَ الحقَّ فهمُهُ
ومن لم يَجُسْ خُبراً أروبا وأهلَها ... ولم يتغلغل في المصانع فهمُهُ
فذلك في كِنِّ البلاهةِ داجنٌ ... وفي مضجعِ العاداتِ يُلهيه حلمُهُ
وقد شارك في تحرير هذه المجلة عدة علماء من جامع الزيتونة؛ كالشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ محمد النجار، والشيخ بلحسن النجار، والشيخ محمد النخلي.
وصدر من هذه المجلة واحد وعشرون عدداً. ثم توقفت عن الصدور؛ لأن صاحبها تولى خطّة القضاء ببنزرت، وذلك عام (١٣٢٣ هـ الملاقي ١٩٠٥ م)،
стр. 6048
ولم يمكث بهذه الخطة إلا بضعة أشهر، عاد بعدها إلى تونس، وإلى التدريس بالجامع الأعظم.
وارتقى إلى خطة مدرس من الطبقة الثانية إثر نجاحه في مناظرة سنة (١٣٢٥ هـ الملاقي ١٩٠٧ م)، كما عُين أستاذاً بالمدرسة الصادقية، ودُعي للتدريس بالجمعية الخلدونية، ثم انتخب عضواً بهيئة هذه الجمعية مع جماعة من كابر العلماء المشايخ: محمد رضوان، الطاهر النيفر، الطاهر ابن عاشور، بلحسن النجار، الصادق النيفر.
* رحلة الشيخ الخضر إلى الشرق:
لأمور سياسية، وضيق عام إثرَ الضغط المسلط على الناس من حكومة الاستعمار، وكبت الحريات، ثم لأجل أمور عائلية، منها: هجرة خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز إلى الآستانة، وهجرة إخوته إلى دمشق، ثم إخفاقه في نيل التدريس من الطبقة الأولى؛ لأجل كل هذه العوامل مجتمعةً فكر شيخنا في الرحيل، وزيارة الأهل والأقارب.
وفعلاً سافر يوم الخميس (٤ شعبان سنة ١٣٣٠ هـ الملاقي ١٨ جويلية ١٩١٢ م)، وزار جزيرة مالطة، والإسكندرية، والقاهرة؛ حيث ألقى درساً بالأزهر، ثم زار فلسطين ودمشق، والتقى هناك بإخوته، وقضى معهم شهر الصيام، ثم انتقل إلى بيروت، ومنها إلى إسطنبول لزيارة خاله الشيخ محمد المكي، ورجع إلى تونس في ذي الحجة سنة (١٣٣٠ هـ الملاقي نوفمبر ١٩١٢ م)، ونشر بجريدة الزهرة سنة (١٣٣١ هـ / ١٩١٣ م) خلاصة رحلته قائلاً:
"اقترح عليّ جماعة من الفضلاء أن أحرر خلاصة في آثار رحلتنا الشرقية، فعطفت عنان القلم لمساعفة اقتراحهم، بعد أن رسمت له الوجهة العلمية
стр. 6049
سبيلاً لا يحيد عن السير في مناكبها. ولئن لم يلتقط الناظر منها درة علمية فائقة، فإنها لا تخلو من أن تنبسط له بملحمة أدبية رائعة، وإليك التحرير: سنح لي باعث الرحلة إلى بلاد الشام، وهو زيارة الأهل وفاءً بحق صلة الرحم" ..
وقال يخاطب ربان السفينة وقائدها:
حادي سفينتنا اطْرَحْ من حُمولَتها ... زاد الوقود فما في طرحِه خطرُ
وخُذْ إذا خمدت أنفاسُ مِرْجَلِها ... من لوعة البينِ مقباساً فتستعرُ
ثم يقول: وإني لأدرك في مثل هذا الموطن دقة نظر إمام الحرمين (عبد الملك النيسابوري المتوفى سنة ١٠٨٥ هـ) حين قيل له: لم كان السفر قطعة من العذاب؟ فأجاب على الفور: لأن فيه فراق الأحبة.
وقد لاحظنا هنا أن بعض من أرَّخ لهذا الرجل ذكر أن سبب رحيله هو إخفاقه في المناظرة بسبب حيفٍ ناله من ممتحنيه، وهذا غير صحيح؛ لأمور، منها:
أ - أن الشيخ خرج من تونس لزيارة أهله وإخوته بسورية وفاء بحق صلة الرحم؛ كما ذكر هو نفسه.
ب - أن الشيخ لما ألف كتاباً في الردّ على الشيخ علي عبد الرازق، وضع مقدمة قال فيها:
"رأيت -وأنا بتونس- أن القيام بحق الإسلام يستدعي مجالاً واسعاً، وسماء صافية، فهاجرت منها والعيشُ رغيد، والأمة في إقبال، والإخوان في مصافاة، وأنزلت رحلي بدمشق الشام، فمدت لنا الأيام في الأمل ظرفاً، فإذا رحى الحرب العالمية تدور، وحامل رايتها يُنجد ويغور. وبعد أن وضعت
стр. 6050
الحرب أوزارها، وأخذت البلاد العربية والتركية هيئة غير هيئتها، هبطتُ مصر".
فهو يذكر سبب خروجه من تونس متطلعاً إلى حرية الرأي والفكر والعمل.
وهو يذكر تونس بكل خير، ويعترف بأنه خرج منها والعيشُ رغيد، والإخوان في مصافاة، ولا شيء في كلامه مما يروِّجه الحاقدون من إساءات. ويؤيد هذا: ما أشار إليه الشيخ الفاضل ابن عاشور عندما ترجم للشيخ الخضر، فقال:
"وبدأ الشيخ يُستهدف لما استُهدف له المصلحون العاملون من قبله من المكائد والسعايات والدسائس، فأصبحت كل حركة تبدو من الطلبة محمولة على حسابه، ونظرته أعين المسؤولين شزراً عندما أعلن طلبة الزيتونة الإضراب عن الدروس سنة (١٣٢٨/ ١٩١٥) باعتباره المسؤول عن ذلك التحرر. وبدأت النقمة تنتابه ... إلخ".
ج - لما زرته بالقاهرة، تجاسرتُ وألقيت عليه سؤالاً عن أبيات تُنسب إليه، وهل كانت الحوادث التي تشير إليها دافعاً دفعه إلى الهجرة؟ فضحك ﵀ ملء شدقيه، وقال: تونس عزيزة، وأهلها كرام، وأنا لا أنساها، ولا أنسى حلو أيامها، وهذا الشيخ الكريم ابن الكرماء -يشير إلى الشيخ الخوجي- يشهد بصدق ما أقول، وبزيف تلك الأراجيف.
ولما خرجنا من عنده، سألت الشيخ الخوجي الكريم ابن الكرماء، فحقق لي أن المناظرة كانت بين رجلي علم، فاز أحدهما باستحقاق، ولم يقع فيها أي حيف.
ولما رجعت إلى تونس، سألت الشيخ الحطاب بوشناق، فحقق لي
стр. 6051
أنه حضر المناظرة، وأن الشيخ محمد العنابي برز في إلقاء لدرس وشرحه، ونال إعجاب الحاضرين وإذا كانت المبارزة والمناظرة تقع علانية، فقد أيقن كل الحاضرين بفوز الشيخ العنابي قبل دخول المشايخ النظار للمفاوضة، وقبل التصريح بالنتيجة.
والأبيات -التي أشرنا إليها، والمنسوبة إلى الشيخ الخضر- نشرتها جريدة "إظهار الحق"، وهي جريدة معارضة لصاحبها محمد القبايلي، صدرت سنة (١٩٠٤/ ١٣٢٢)، ونصها:
تبّاً لهاتيك النَّظَارةِ أصبحَتْ ... كالثَّوْبِ يُطْرَحُ في يَدِ القَصَّارِ
وأناملُ القصّارِ تعملُ مثلَ آ ... لاتٍ تُحرِّكُها يدُ النَّجّارِ
والقصار هو قاضي تونس، والنجار هو الشيخ بلحسن النجار كاتبُ سر القاضي وقتَها، والمفتي فيما بعد سنة (١٣٧٣/ ١٩٥٣). وقد تحدث عنه الشيخ الخضر بالمدح والثناء عدة مرات.
وكان حدثني شيخي الجليل المرحومُ الحطاب بوشناق برواية أخرى رواها عن الشيخ صالح المالقي، ترجِّح استحقاقَ الشيخ الخضر للخطة، والفوز في المناظرة. وقال: إنه يحفظ أبياتاً تنسب للشيخ الخضر. ومضت الأيام، وعثرت على كنش المنعم الشيخ صالح المالقي، فوجدت به قصة المناظرة، وأنه حضرها، وكان وقتَها مدرساً من الطبقة الأولى، وأنه كان ينتظر فوز الشيخ الخضر؛ لأنه جاد. ثم أورد أبياتاً منسوبة إلى الشيخ الخضر، لكنه لم يجزم بصدورها عنه. والأبيات هي محاورة بين شاوش الوزير-أي: حاجبه-، وبين الشاكي، ثم بين الوزير وأعضاء اللجنة في الاسفسار عن النجاح والخيبة، وأسباب ذلك، وعن تظلم الشاكي. وهي أبيات ضعيفة في نسجها،
стр. 6052
ضعيفة في تركيبها، ولا أعتقد أنها من شعر شيخنا -نعَّمه الله-. والوزير المشتكى إليه حينها هو الشيح يوسف جعيط ﵀.
* علاقة الشيخ الخضر بالصادقية:
لقد كانت للشيخ الخضر علاقة متينة بالصادقية وطلبتها ونادي قدمائها، لا تقلّ متانة عن ارتباطه بالجامع الأعظم جامع الزيتونة الذي تخرج منه، وبالمدرسة الخلدونية التابعة للجامع، والتي يدرّس بها. لقد انتدب الشيخ الخضر للتدريس بالصادقية، وزامل هناك كثيراً من مشايخ الزيتونة وتخرجت على يديه أفواج عديدة من طلبة الصادقية.
التحق كأستاذ بالمعهد الصادقي سنة (١٣٢٥ هـ / ١٩٠٧ م)، وواصل عمله هناك مدة ستة أعوام، ولما سافر في رحلته الأولى -التي أشرنا إليها- تخلف عن الحضور للتدريس مدة طويلة، ولم يعلن استقالته، ولما رجع في ٢٤ نوفمبر سنة ١٩١٢ م، أشعرته إدارة المعهد بفصله عن التدريس؛ لتغيبه، ولأنه عوض بغيره؛ خلافاً لما ذكره محفوظ من أنه رجع بعد يومين من افتتاح الدروس، وأن فصله كان لأسباب سياسية.
أما علاقته بنادي القدماء، فهي علاقة حميمية متينة.
وقد ألقى بنادي القدماء عدة محاضرات:
١ - "الحرية في الإسلام"، ألقاها مساء يوم (١٧ ربيع الآخر سنة ١٣٢٤ هـ / ١٩٠٦ م)، تحت إشراف عضو هيئة النادي العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، الذي ألقى كلمة قيمة عقب انتهاء المحاضرة، وقد طبعت هذه المحاضرة عدة مرات، وهي معروفة متداولة.
٢ - ثم ألقى شيخنا الخضر حسين (١٣٢٧ هـ / ١٩٥٩ م) محاضرة أخرى
стр. 6053
بنادي القدماء تحت عنوان: "حياة اللغة العربية"، وقد طبعت مرات، ونشر الجانب الشعري منها في ديوانه "خواطر الحياة"، وهو يقول:
لغةٌ قد عقدَ الدّينُ لها ... ذمة يكلؤُها كلُّ بَشَرْ
أولمْ تُنسج على مِنوالها ... كَلِمُ التَّنْزيلِ في أرْقى سُوَرْ
فأقيموا الوجْهَ في إحيائها ... وتلافوا عقدَ ما كان انتثرْ
٣ - وألقى محاضرته الأخيرة على منبر نادي القدماء قُبيل هجرته إلى الشرق سنة (١٣٣١ هـ / ١٩١٢ م) تحت عنوان: "مدارك الشريعة الإسلامية".
وبهذه المحاضرة ودّع وداع الهجرة إلى الشرق.
ولم تكن رحلته هذه كالأولى بنية الرجوع والعودة إلى وطنه ومعهده وطلبته.
* رحلته إلى الشرق:
ففي سنة (١٣٣١ هـ / ديسمبر ١٩١٢ م) اعتزم الرحيل والهجرة إلى دمشق محل سكنى إخوته، وأبت زوجته أن تصاحبه، فودعها قائلاً:
قالَ يومَ الوداعِ وهو يُعاني ... سكرةَ البينِ: ليتني ما عَرَفْتُكْ
وبدمشق سكن مع إخوته، وباشر التدريس بأبرز معاهدها العلمية، خاصة الجامع الأموي، وهناك ناله الأسى، واتهم سياسياً، وسجن وحوكم، ثم ظهرت براءته، وخرج من السجن يشكو ضياع فترة من العمر لم يمسك فيها القلم:
غلَّ ذا الحبسُ يدي عنْ قلمِ ... كان لا يَصْحو عن الطِّرْسِ فناما
وعاد إلى نشاطه العلمي المعرفي حتى دير للعمل بتركيا، فارتحل إليها،
стр. 6054
وأوفدته إلى ألمانيا في مهمة. وهناك اتصل ببعض الأحرار من التونسيين، وعانى معهم مشقة الغربة، والسعي لتحرير الوطن بكشف عيوب أعدائه. وإثر انتهاء الحرب العالمية الكبرى عاد إلى دمشق، وعاد للتدريس، وانتخب عضواً بالمجمع بها مع الأستاذ حسني عبد الوهاب سنة (١٣٣٨ هـ / ١٩١٩ م).
ولما دخلت فرنسا إلى سورية، وكانت من نصيبها عند قسمة تركة الرجل المريض المنهار المغلوب، هاجر صاحبنا إلى القاهرة سنة (١٣٣٩ هـ / ١٩٢٠ م)؛ لأن مصر لا علاقة لها بالدولة التي تستعمر بلاده تونس. وهو يقول في كلمة الإهداء لكتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم": "وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، وأخذت البلاد العربية والتركية هيئة غير هيئتها، هبطت مصر".
في مصر، وفي القاهرة المعزية، اشتد ساعدُه المعرفي، وتعددت نشاطاته العلمية الثقافية، وتمتنت صلاته برجال العلم والأدب، وتفرغ لكل ذلك، وابتعد عن المغامرات السياسية وأهوالها ومصائبها.
ولما راوده الحنين إلى دمشق وساكنيها من إخوته، قال:
يقولُ: تقيم في مِصْرٍ وحيداً ... وفَقْدُ الأُنْسِ إحدى الموتتَيْنِ
ألا تحدو المطيَّة نَحو أرضٍ ... تعيدُ إليكَ أنسَ الأسْرتَيْنِ
وعيشاً ناعماً يدعُ البقايا ... من الأعمارِ بِيضاً كاللُّجَيْنِ
فقلتُ له: أيحْلو لي إيابٌ ... وتلك الأرضُ طافحةٌ بغَيْنِ
وهكذا حكم على نفسه بالابتعاد عن كل أرض تحكمها فرنسا، ولو كانت مسقط رأسه، ولو كانت عائلته بها.
وهكذا استقر نهائياً بمصر التي أثمر بها زرعه، وكثر عطاؤه، وعرف
стр. 6055
بها الناس مقامه حتى تربَّع على عرش العلم بتوليه مشيخة الأزهر، وهذه فترة طويلة يصعب الحديث عنها في صفحات قليلة.
واخترنا -كما اختار هو من قبلنا- الجانبَ العلمي الثقافي في الفقه والنقد والدراسات، تاركين الحديث عن نشاطه الأدبي والشعري والاجتماعي والصحفي، وبالأخص السياسي، إلى فرصة أخرى قد تسنح أو لا.
وهذه الناحية التي اخترناها لإبراز شخصيته هي أبرز نواحي حياته، تصور لنا أكبر ما بلغه هذا العالم الجليل من علو كعب في ميادين العلم والمعرفة، ومن إخلاص في الذود عن الدين واللغة العربية.
* الشيخ محمد الخضر الفقيه الناقد:
نحن نعلم أن الأديب أو الشاعر تتواجد داخلَه مَلَكَة النقد، فهو يسعى لنقد ذاته وأعماله وآثاره، وما يخطه قلمه معبراً عن وجدانه، يعمل جاهداً حتى لا يبعث بنتاجه يسعى بين الناس دون أن يغربله ويصفيه وينقيه، وإن لم يفعل، هزلت ثمرته، وتدنت، وأعرض عنها الناس.
وكذلك العالم الفقيه يعيش بين صحفه وأوراقه وكتبه، يفحص وبحقق ويدقق، ثم يكتب، لكن ملكة النقد عنده تبعث فيه الإحساس والشعور بمتطلبات الكمال والإبدل، والهروب من مطبات الأخطاء وهزيل الرأي. وهو لذلك يربو بنفسه عن الانزلاق والانحراف، ولا يرضى ذلك لغيره، بل يسعى لإنقاذ الآخرين من السقطات والهفوات والانحرافات.
والفقيه العالم الأديب المحقق صاحبُ الشعور الصادق، له مبادئ دينية ومقاييس علمية تسري مع دمه، وتسيطر على أفكاره وآرائه واتجاهاته، تنير طريقه، وتوضح سبل سيره. وإذا شعر يوماً بمن يهاجم تلكم المبادئ،
стр. 6056
أو يسعى لإفساد تلكم المقاييس، ثارت ثائرته، وفزع إلى قلمه وقرطاسه؛ كما يفزع المقاتل إلى سيفه ودرعه يردُّ صولة كل صائل، ويدفع دفاعاً شرعياً هجمةَ كل مهاجم.
وهكذا كان شيخنا ﵀ في مختلف مراحل حياته، يثور كلما مُسَّت مبادئُه، حتى جمع له الناس ملفات قضايا كان فيها فارساً مغواراً، يكرُّ ويهاجم بقلمه ولسانه.
ونشير إلى بعض هذه الملفات؛ لأن آثارها هي آثاره الخالدة الدالة على الرجل وقيمته العلمية المميزة.
* قضية علي عبد الرازق:
في خلال سنة (١٣٤٤ هـ / ١٩٢٥ م) أُثيرت قضية فكرية سياسية بمصر، ترافَع فيها علماء أجلاء، وتراشق كتّاب مميّزون، وكئر اللّغط حولها في الصّحف المحترمة يومَها؛ مثل: مجلة "المنار"، ومجلّة "الهداية الإسلامية"، وصحيفة "السّياسة" الأسبوعيّة واليوميّة.
وكنّا -معشر الطّلبة- حينها نتلقف أخبارها، ونتنسّم شذى جديدها بلهفة وحرص، مدفوعين بعوامل متعدّدة ووطنيّة وسياسية.
ووجد بعضهم فرصته السانحة لترويج الجرائد المصريّة، خاصة جريدة "السياسة" الأسبوعية، وإيصالها إلى المتشوقين المتلهفين لأخبارها، وبيعها فورَ وصولها لتونس.
تلك هي قضية علي عبد الرازق أحدِ علماء الأزهر، والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية؛ فقد ألف كتاباً سماه: "الإسلام وأصول الحكم".
стр. 6057
شارك في هذه المعركة شيخنا الجليل محمد الخضر حسين مشاركة واعدة فاعلة ومؤثرة.
والواجب يدعونا إلى أن نشير إشارة عابرة إلى هذه القضية، وإلى دور شيخنا فيها، وما ألفه وكتبه عنها، وهو مؤلَّف نصنفه في الرتبة الأولى من تآليفه وكتاباته. وفي ذلك تسجيل وتأريخ للحركة الفكرية المصرية، في غضون عهد الملوكية والاحتلال الإنجليزي، والاتجاهات السياسية في ذلكم العهد.
في ٣ مارس سنة ١٩٢٤ م ألغى نظامُ البلاد التركية الثائر بقيادة أتاتورك الخلافةَ الإسلامية، بعد أن أعلنت الجمعيّة الوطنيّة التركيّة المنعقدة بأنقرة يوم (١٩ أكتوبر سنة ١٩٢٤ م) النظام الجمهوري، فبادر رئيس الجمهورية مصطفى كمال باشا بإلغاء الخلافة.
وتأثّر العالم الإسلامي لهذا الأمر الجلل، وسعى رجاله ومفكروه إلى إيجاد حل لهذه المشكلة، وشارك في ذلك من تونس: الزعيم الثعالبي، والأستاذ أحمد توفيق المدني، والشيخ علي كاهية، والشيخ سليمان الجادوي، والأستاذ الطيب بن عيسى. وتهيأ أفرادٌ للجلوس على عرش الخلافة الشاغر، منهم: ملك مصر عهدئذٍ أحمد فؤاد. ووقع التحرك سريعاً لإنجاح مسعاه، وأقيم مؤتمر إسلامي، وأصدر مجلة تحمل اسم: "الخلافة الإسلامية"، ودعا بعض الكتاب إلى وجوب مبايعة خليفة مكان الخليفة المخلوع الذي أزاحه كمال أتاتورك عن عرش الخلافة.
وكان الظرف السياسي ساعتها بمصر ضد حزب الأغلبية حزب الوفد الذي فاز في الانتخابات، فأمر الملك فؤاد بحل البرلمان، وأقصى زغلول
стр. 6058
باشا عن الحكم برغم متانة علاقته بالشعب.
واتّحد حزب الأحرار الدستوريين مع حزب الاتحاد، وتشكّلت وزارة برئاسة زغلول باشا؛ للوقوف مع الملك في وجه المد الوفدي الذي يتمتع بحب الشعب.
في هذا الجو المكهرب أصدر أحد شيوخ الأزهر من مناصري حزب الأحرار الدستوريين، من عائلة أصيلة ميسورة تناصر ذلك الحزب، وتشد أزره، وهو الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق ... أصدر كتابه: "الإسلام وأصول الحكم".
والكتاب موجه في تحريره ونقده أولاً وبالذات لمحاربة فكرة تنصيب فؤاد على العرش عرشِ الخلافة لعدة أمور، منها: أنه غير مؤهل دينياً وعلمياً وثقافياً ووطنياً لهذا المنصب، ثم لأن الإنجليز يناصرونه ويؤيدونه، ولهم غاية في هذه اللعبة السياسية ضد الإسلام والمسلمين، وكان موضوع الكتاب: الخلافة وموقعها الديني والسياسي، وسندها من التشريع الإسلامي. وثارت عاصفة هوجاء، وأتت على الائتلاف الحاكم، وخرج الأحرار الدستوريون من الوزارة.
يقول الشيخ علي عبد الرازق في كتابه هذا "الكتاب الأول، الباب الثالث، الفقرة الثامنة وما بعدها":
"من الطبيعي عند المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، ويسلكون مذاهبها عملاً، ولا يألفون إلا الله ربّ العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل في خمسة أوقاتهم للصلاة.
من الطبيعي أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من
стр. 6059
غيرهم، ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم؛ خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر.
والغيرة على الملك تحمل الملك على أن يصون عرشه من كل شيء قد يزلزل أركانه، أو ينقص من حرمته، أو يقلل من قدسيته. وقد يصبح الملك وحشاً سفاحاً، وشيطاناً مارداً إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته، وتقويض عرشه، وقد يصبح عدواً لدوداً لكل بحث، ولو كان علمياً، إذا تخيل أنه قد يمس قواعد ملكه" انتهى النقل.
وبالرغم من أن الكتاب له وجهة وغاية سياسية، إلا أن صاحبه ضمَّنه أفكاراً رأى ناقدوه أنها خارجة عن اللياقة والكياسة، ووُجِّهت له تهم متعددة، نلخصها فيما يلي:
أ - جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية خالصة، لا ارتباط لها بأمور الدنيا وشؤونها.
ب - إنَّ جهاد الرسول ﵊ كان في سبيل اتساع نفوذه، لا في سبيل الدعوة إلى الدين وإبلاغه.
ج - إنَّ نظام الحكم في عهد الرسول ﵊ كان غامضاً مبهماً موجباً للحيرة.
د- إنّ حكومة أبي بكر ﵁ والخلفاء من بعده كانت لا دينية.
وكان التعبير الأخير موجباً لإثارة الغضب عند كافة الناس.
وظاهر أنّ المؤلّف لم يقصد أنّها كانت لائكيّة لا تدين بدين. لكن التعبير كان فيه تهوّر، ولو أنه لم يكن مقصوداً.
والإمام محمد عبده زعيم حركة الإصلاح عالج من قبل هذه النقط
стр. 6060
المثارة من علي عبد الرازق، وأبدى رأياً فيها، وظهر أن الشيخ علياً تقفى خطاه، لكن بأسلوب فيه بعض العنف.
فالإمام عبده يقول (عن كتاب "الإسلام والنصرانية" طبعة ثانية ص ٧٠ - ٧١):
"الأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصب الخليفة، والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت مصلحة في ذلك. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه تيوكراتيك (theocratique)؛ أي: سلطة إلهية، فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة، وله في رقاب الناس حق الطاعة لا بالبيعة، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى حق الإيمان".
وهو يقول: ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير من الشر، وهي قوة أو سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم.
وهو يشرح طرح الاجتهاد، وحرية الرأي والفكر؛ إذ يقول: ولا يجب على المسلم أن يأخذ عقيدته، ويتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
ولكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف أو خلف، وإنما يجب عليه -قبل ذلك- أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم؛ كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها، وأحوال العرب، خاصة في زمان البعثة، وما كان الناس عليه زمن الرسول ﷺ ، وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، مع معرفة النّاسخ والمنسوخ من الآثار،