← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وسنعود إلى هذا البحث في مقال آخر - إن شاء الله - (١). ودعا الكاتب إلى السفور مفتوناً بحال المرأة الأوربية، وزيَّن لقراء كتابه أن يجمعوا بين نسائهم وفتيانهم وأصدقائهم للمحادثة، ولم يكتف بقول بعض أهل العلم: إن الزينة الظاهرة المأذون في إبدائها بقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] هي الوجه والكفان، فقال: "إن ما ظهر من الزينة وقع في القرآن مبهماً؛ اعتباراً منه لأعراف الناس في ذلك بتطور الزمان". والناظرون في الشريعة بإخلاص يرون أن القرآن إذا نهى عن إبداء الزينة، فإنما يريد: قطعَ وسائل الفجور، فليس لأحد أن يجعل هذا من قبيل ما يراعى فيه العرف، حتى إذا جرى عرف قوم بكشف المرأة لصدرها أو ساقيها، قضى فيه بالإباحة - على زعم أن القرآن أبهم ما أباح إبداءه من الزينة؛ ليؤخذ فيه بأعراف الناس -، والرجوع في مثل هذا إلى العرف يفتح طرقاً من الشر إنما جاء القرآن ليسدها. ونحن ممن يدعو إلى تعليم البنات وتهذيبهن، وإكرام الزوجات ورعاية حقوقهن، والرفق بالنساء لضعفهن، ولكننا ننكر هذا الذي يدعو إليه الكاتب من الإغضاء عنهن إلى حد الاختلاط برجال ليسوا بمحارم لهن، فإن ذلك مما نهت عنه الشريعة، وأرتنا المشاهدُ رأيَ العين أنه أقربُ الوسائل إلى تلويث الأعراض، ونكدِ العيش، وهو إلى ابتذال المرأة أقربُ منه إلى كرامتها، وإلى عنائها أقربُ منه إلى راحة بالها، فالكاتب يعبث بحقوق المرأة المسلمة من وراء العبث بأحكام الشريعة، ويعمل لأن يفسد عليها دنياها قبل أن

стр. 632

يفسد عليها آخرتها. وقرأنا للكاتب بعد هذا جملاً كثيرة يطعن بها في علماء الإسلام، ويقذفهم فيها بأنهم لم يفهموا مقاصد الشريعة، ذلك لأنهم لم يمنعوا تعدد الزوجات، ولم ينزعوا حق الطلاق من يد الرجل، ولم يجعلوا ميراث الأنثى مساوياً لميراث الذكر، ولم يأذنوا للناس في أن يضعوا حبل الفتاة على غاربها تجتمع مع من تشاء، إلى نحو هذا من الشهوات التي لو طاشت إليها آراؤهم، لانطفأت حكمة الله، واندرست معالم الهداية، فلا قرآن يُتلى، ولا سنَّة تُروى، وعلى الدين الحقِّ يومئذ السلامُ. وكان من رأينا صرف القلم عن ذكر هذا الكتاب؛ اكتفاء بما تناولته به أقلام أهل العلم في تونس من الرد المحكم، ولكن الدعاية التي قام بها شركاء صاحب الكتاب في مصر دعتنا إلى أن نذكره، ونُري القراء مثلاً من باطله؛ ليحذروا فتنة، ويعلموا أن في الشرق نفوساً تقضي باسم الشريعة مآرب قوم يبتغون فساد ما بقي فينا من عقيدة سليمة، وأدب نُغبط عليه، ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]

стр. 633

قصة أيوب ﵇ ونقض آراء حديثة في تفسيرها الردُّ الأوَّل (١) " اطلعت في إحدى المجلات التي تصدر في القاهرة على مقال تعرَّض فيه كاتبه لمفسري القرآن الكريم، وبالغ في نسبتهم إلى التقصير في التفسير، وساق ما فسَّروا به قصة أيوب ﵇ مثالاً لذلك التقصير، وأورد وجوهاً زعم أنها تُبطل ما أجمعوا عليه من التفسير، ثم ذكر تأويلاً للقصة، مدعياً أنه هو الصواب، ووعد بأنه سينسج على هذا المنوال في بيان تقصير المفسرين. وقد وقفت في هذا المقال على آراء لا تدخل تحت قوانين المنطق، وأخرى لا تتقبلها بلاغة القرآن، فأردت تنبيه طلاب العلم لما في تلك الآراء من نشوز؛ حتى يكونوا على بينة من أمرها". * القصة: قال الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣، ٨٤].

стр. 634

وقال الله تعالى في سورة ص: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤١ - ٤٤]. وهذه الآيات هي التي تصدَّى كاتب المقال لتأويلها. * صفوة آراء العلماء في تفسيرها: حمل المفسرون الضرَّ في آية الأنبياء على المرض، والضرُّ يستعمل في المرض على وجه الحقيقة، ولم يرد في وصف هذا الضر الذي مسَّ أيوب ﵇ آية، أو حديث صحيح، فيحمل على مرض لا يكسب الجسمَ قبحاً، ولا يُحدث في نفس من يشاهده نفُوراً، كما أنه لم يرد في مقدار مدته آية، أو حديث صحيح، فتحتمل أن يكون أياماً، أو أشهراً، أو سنين، غير أن المرض الذي يمدح الله رسولاً من رسله على الصبر عليه شأنه أن يكون في ألمه شدة. أما قوله تعالى في سورة ص: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]: فقد حمل كثير من المفسرين النصب والعذاب على معنى الضر الوارد في آية الأنبياء، وسنشرح وجهة نظر هؤلاء فيما بعد، وحملها آخرون على تعب القلب وألمه مما يوسوس به الشيطان من تعظيم أمر المرض؛ ليوقعه في الجزع، أو يوسوس به إلى بعض قومه من أن الله لا يبتلي الأنبياء بمثل ما ابتلاه به من الضر، ثم سأل أيوبُ الله تعالى أن يكفيه شر هذه الوسوسة، كما سأله كشفَ الضر عنه من أصله. وقد توسع بعض المفسرين في هذه القصة، فساق فيها روايات لا يوجد

стр. 635

من بينها رواية صحيحة ثابتة. قال القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره المسمَّى: "قانون التأويل": ولم يصح عن أيوب في أمره إلا ما أخبر الله عنه في كتابه في الآيتين: (آية الأنبياء، وآية ص)، وأما النبي ﷺ ، فلم يصح عنه أنه ذكره بحرف واحد إلا قوله: "بينما أيوب يغتسل، إذ خرَّ عليه رِجْلٌ من جراد من ذهب". ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]: الركض بالرجل: تحريكها، والمغتسل: الماء يغتسل به، والشراب معروف، ومعنى الآية على ما يقتضيه وضع مفرداتها اللغوية: أن الله تعالى أمر أيوب ﵇ بتحريك رجله، وقولُه بعد الأمر بتحريك الرجل: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ يشعر بأن هذا المغتسل البارد والشراب، وجد بتحريك الرجل، وورود هذه الآية عقب إخبار الله بدعاء أيوب أن يعافيه من المرض، أو يكفَّ أذى الشيطان عنه، يدلُّ على أن لهذا الركض صلة بحال استجابة دعائه. وكذلك يقول المفسرون: ركض برجله؛ أي: حرّكها دافعاً بها الأرض، فنبع بالركض ماء أُمر بالاغتسال به، والشرب منه، فكان ذلك الدواء القاطع لما ألمَّ به من المرض، وفي السلامة من المرض انقطاعُ وسوسة الشيطان. فإن قال قائل: أي فائدة لركض أيوبَ برجله، والله قادر على أن يفجر الماء من غير ركض بالرجل؟. قلنا: إن الله قادر على أن يفجر اثنتي عشرة عيناً لبني إسرائيل من غير أن يقول لموسى ﵇: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [الأعراف: ١٦٠]، وقادر على أن يفلق له البحر من غير أن يقول له: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاك

стр. 636

الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]، وقادر على أن يردَّ الكفار على أعقابهم يوم حُنين من غير أن يَرمي النبي ﷺ الحصى في وجوههم، ولكن الله تعالى إذا أراد إظهار معجزة لنبيّ من أنبيائه، أمره بفعلٍ يكون كسبب في الظاهر يرتبط به ذلك الأثر العظيم، وبهذا الفعل الذي يصدر من النبي، فيظهر عقبه الخارقُ، تزداد النفوس علماً بأن هذا الخارقُ إنما أظهره الله من أجله. ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]: يصح أن يكون معنى هبة الأهل: جمعهم عليه بعد تشتت، ومعنى هبة مثلهم: تناسل أهله بعد معافاته إلى أن بلغ عددُ الفروع مقدارَ أصولهم، وإنما يمنُّ الله تعالى على رسول من رسله بجمع أهله عليه متى كان أهله يؤمنون به، ويؤيدون دعوته. ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]: هذا حكايةُ قولٍ أوحى الله به إلى أيوب ﵇، وإذا قطعنا النظر عما أورده المفسرون من الروايات، واحتفظنا بحمل الألفاظ على معانيها الحقيقية مع مراعاة طريقة القرآن في الإيجاز، قلنا: إن أيوب ﵇ صدر منه يمين على أن يضرب بعض من له أن يؤدبه بالضرب أسواطاً معدودة، لسبب لم يسمه القرآن المجيد، ولما كان المعروف في موجب هذا اليمين أن يكون الضرب بالأسواط مفرقة، أرشده الله إلى طريق أخفَّ من ذلك الطريق المعروف، وهو الضرب بضغث يجمع من الأعواد مقدارَ الأسواط المذكورة في اليمين. ولعلك تعلم أن القرآن يكتفي من القصة بذكر موضع العبرة، ولم ينزل ليكون كتاب تاريخ حتى تنتظر منه أن يذكر: منِ المحلوف على ضربه؟

стр. 637

وما سبب الحلف؟ وما عدد الأسواط؟. وموضع العبرة من هذه الآية: هو أن أيوب ﵇ رأى بعض أهله قد فعل، أو قال ما يستحق عليه العقوبة، فحلف وهو غاضب لله على أن يعاقبه على ذلك بأسواط معدودة، فأراه الله وجهاً يجمع بين رعاية حرمة اليمين، ورفع جانب من شدة العقوبة، فذلك من أثر الغضب لله، وهذا التخفيف من أَثر رحمة الله بالمتقين من عباده. هذا صفوة ما يقوله أهل العلم في تفسير قصة أيوب ﵇, وقد خالفهم في أصل تفسيرها كاتبُ ذلك المقال، وسنريك في آخر مقالنا هذا أن لرأيه صلة برأي محمد علي زعيم طائفة القاديانية الخارجة عن سبيل المؤمنين. * المفسرون والإسرائيليات: قال صاحب المقال: "إنهم - أي: المفسرين - كثيراً ما يكتفون بذكر إسرائيليات ليس لها سند أصلاً، فضلاً عن أن يطمع في تصحيح ذلك السند". في المفسرين من ينقل الإسرائيليات من غير تمحيص، وفي محققيهم من يأبى الرجوع إلى الإسرائيليات، وينقدها على مقتضى قوانين الشرع والعقل، وكذلك فعل القاضي أبو بكر بن العربي في تفسيره "قانون التأويل"؛ فإنه قال عند تفسير هذه القصة: "وإذا لم يصح عنه - أي: أيوب - قرآنٌ ولا سنَّة إلا ما ذكرنا، فمن الذي يوصل للسامع خبره؟ وعلى أي لسان سمعه؟ والإسرائيليات موضوعة عند العقلاء لعدم الناقل، فأغمضْ عن مسطورها بصرَك، وضُمَّ عن كتبها يديك، واصمم عن سماعها أُذنيك؛ فإنها لا تزيد فكرك إلا خبالاً".

стр. 638

ثم أخذ ينقد ما يوجد في المفاسير من أخبار أيوب ﵇، فيقول في بعضها: هذا باطل، وفي بعضها: هذا بعيد، وفي بعض آخر: هذا ممكن، ولكنه يفتقر إلى نقل، وهكذا تجده يضع كل خبر في مكانه اللائق به. وقد أخذ القرطبي في تفسيره بجانب من كلام القاضي أبي بكر بن العربي، ونقدِه لأخبار هذه القصة. * كيف يحكي كاتب المقال أقوال المفسرين؟ حكى كاتب المقال أقوال المفسرين في آيات القصة الواردة في سورة ص، وربما اقتصر في النقل على القول الذي يراه أبعدَ من المعقول، ويهمل ذكر أقوال هي أقربُ إلى ظاهر الآية، ولعله يريد بذلك التمهيدَ لأن يقع تفسيرُه الذي أتى به من بعدُ موقعَ القبول. قال صاحب المقال: "نرى المفسرين قد فسروا النُّصب والعذاب في الآية بداء أصاب أيوبَ، قد فعل به الأفاعيل، وبَرَّحَ بجسمه أيَّ تبريح، حتى نفر الناسُ منه، وحتى عجز عن الحركة، فلا ينتقل من مكان إلى مكان إلا أن يحمله حامل، ثم يقولون: وقيل: المراد بالنصب والعذاب: ما كان يوسوس إليه به الشيطان في مرضه من البلاء، وإغرائه بالجزع". من المفسرين من ذهب إلى أن المراد من النصب والعذاب في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]: هو المراد من الضر في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وهو المرض، ويكون إسناد المس بالنصب والعذاب إلى الشيطان من قَبيل إسناد الفعل إلى سببه؛ أدباً مع الفاعل الحقيقي، وهو الله تعالى، ولكن الوجه الذي كان به الشيطان سبباً لما ابتلي به أيوب من المرض لم يتعرض له القرآن الكريم؛ جرياً على طريقة الإيجاز والاقتصار

стр. 639

في القصص على ما يقصد التنبيه له من مواضع العبرة. وقد ساق بعض المفسرين في تفصيل هذا السبب روايات لا يوجد من بينها رواية ثابتة في الصحيح. ويكفي تالي القرآن أن يفهم - على هذا الوجه من التفسير -: أن ما أصاب أيوب ﵇ من وسومة الشيطان هو من النوع الذي يجر إلى معصية كبيرة أو صغيرة، وألهم أيوب ﵇ ذلك؛ ليأخذ في الحذر من وساوس الشيطان بالتي هي أبلغ، وقصه الله في القرآن؛ ليتعلم منه غير أيوب: أن النفوس الطاهرة قد يردها خاطر تحسبه خيراً، ويكون تركه أولى من فعله، فينبغي لها أن لا تسكن إلى خاطر حتى تستبين أنه قبس من نور الله. هذه وجهة نظر من يجعل النصب والعذاب الوارد في سورة ص هو الضر الوارد في سورة الأنبياء. أما الذين يفسرون النصب والعذاب بما يوسوس به الشيطان؛ من تعظيم أمر المرض، والإغراء بالجزع، فإنهم يبقون الضر في سورة الأنبياء على معنى المرض، وسلكوا هذا الطريق من التفسير حيث لم يظهر لهم وجه في نسبة المرض إلى الشيطان، ورأوا أقرب ما يكون من وسوسة الشيطان للمريض: هو إثارة جزعه من المرض؛ ليضعف صلته بمقام الإلهية، ويحرمه أجر الصبر على المصيبة. فالفريقان متفقان على أن أيوب ﵇ ابتلي بمرض سمَّاه لشدته: ضراً، ودعا الله أن يكشفه عنه، غير أن من المفسرين من يصف مرض أيوب ﵇ على نحو ما جاء في التوراة، ومما جاء فيها: "ولبس لحمي الدود"، والمحققون من أهل العلم ينفون هذا، ويقولون: إن مرض

стр. 640

أيوب لم يكن من قَبيل الأمراض المنفِّرة. قال الألوسي في تفسير آية ص: "ولعلك تختار القول بحفظهم - أي: الأنبياء - مما تعافه النفوس، ويؤدي إلى الاستقذار والنفرة مطلقاً، وحينئذ فلا بد من القول بأن ما ابتلي به أيوب ﵇ لم يصل إلى حد الاستقذار والنفرة؛ كما يشعر به ما روي عن قتادة، ونقله القصاص في كتبهم". وكذلك يقول بعض علماء الكلام؛ كالباجوري في "حواشي الجوهرة": ما كان بأيوب من البلاء كان بين الجلد والعظم، فلم يكن منفراً، وما اشتهر في القصة من الحكايات المنفرة فهي باطلة. قال صاحب المقال: "ويفسرون الركض بالرجل: بأن أيوب أُمر من ربه بوساطة جبريل أن يضرب برجله في الأرض، فضرب بها كما أمر، فنبعت عينان أُمر أن يشرب من إحداهما، وأن يغتسل من الأخرى". هذا ما يقوله بعض المفسرين، ويقتصر طائفة من محققيهم على ما يفهم من ظاهر القرآن؛ من أن المشار إليه واحد، هو المغتسل، وهو الشراب. قال القاضي البيضاوي: "فنبعت عين، فقيل: هذا مغتسل، وقيل: نبعت عينان". وقال الألوسي: "ظاهر الآية اتحاد المخبَرِ عنه بمغتسل وشراب". قال صاحب المقال: "ويفسرون قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]: بأن الله أحيا له أولاده الذين كان قد أماتهم، وولد له مثلهم". لم يذهب إلى هذا الرأي جميع المفسرين، بل ذهب طائفة من محققيهم إلى أن هبة أهله: جمعُهم عليه بعد تفرق. قال القاضي البيضاوي في تفسير الآية: "بأن جمعناهم عليه بعد تفرق".

стр. 641

وفي تفسير الألوسي: "وقيل - وإليه أميل -: وهبه من كان حياً منهم". ذكر صاحب المقال تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤]، وقال: "ثم يزيدون على ذلك أن هذه رخصة باقية إلى اليوم؛ بشرط أن يصيب كلُّ أعواد الحزمة جسمَ المضروب". هذا مذهب بعض الفقهاء؛ بناء على أن قول القائل: والله! لأضربنَّ فلاناً عشرة أسواط - مثلاً - يتناول صورة الضرب بها مجموعة متى أصاب كلُّ عود منها جسمَ المحلوف على ضربه، فتكون صورة الضرب بالأعواد مجموعة على ذلك الشرط، من موجب صيغة اليمين عند الإطلاق. وذهب آخرون إلى أن موجب صيغة هذه اليمين عند الإطلاق: هو الضرب بالأسواط مفرقة، ويرى أن ما جاء في الآية شرع خاص بأيوب ﵇، ومقتضى هذا المذهب: أن من صدرت منه يمين على نحو اليمين التي صدرت من أيوب ﵇, فإما أن يفعل ما حلف عليه، وهو الضرب بالأسواط مفرقة، وإما أن يكفّر عن يمينه. * رد الوجوه التي رام كاتب المقال أن يبطل بها قول المفسرين: ساق صاحب المقال ما يقوله المفسرون في تفسير القصة، ثم قال: "ولم يدروا أنه قد فاتهم أولاً: أن المقصود من أن يقص الله تعالى حال الرسل على خاتم أنبيائه ﷺ إنما هو: الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة إلى الله؛ ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. قد يقص الله تعالى من أنباء الرسل ﵈, ولا يذكرهم بما يرجع إلى ما أصابهم في سبيل الله من أذى، وإنما يذكرهم ليدل على ما كان

стр. 642

لهم من خلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة عنده سامية، أو ما أجراه على أيديهم من آيات، أو شرعه في عهدهم من أحكام. ولا ندري كيف أورد كاتب المقال آية: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود: ١٢٠]، وليس فيها شاهد على أن المقصود من قصص الرسل ﵈ إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، فإن تثبيت فؤاده ﷺ زيادة يقينه، وطمأنينة قلبه، فالتثبيت بهذا المعنى يأتي من الاعتبار بأنباء الرسل ﵈، ولو لم تكن من قبيل الحديث عما أصابهم في سبيل الله. قال صاحب المقال: "وماذا عسى أن يكون من العبرة في أن يقص الله على نبيه ﷺ : أنه اصطفى أيوب لرسالته، ثم أمرضه، فأعجزه عن القيام بأعباء الرسالة، وما تتطلبه الدعوة من قول وعمل لا ينهض بها إلا سليم معافى"؟. إن فيما قصه الله تعالى من شأن أيوب ﵇ لعبرةً لأولى الألباب، رسولٌ من أكرم الرسل، وأعلاهم عند الله منزلة، يكون في نعمة؛ من صحة الجسم، وانتظام الشمل، فيصاب بالمرض، وانقطاع أهله عنه، يتلقى هذا المصاب بالصبر الجميل، حتى إنه لم يصرح بالدعاء، بل سلك به طريق التعريض؛ إذ ذكر في مناجاته: أنه في ضر، وأن رحمة الله أوسعُ من كل رحمة. وإذا ذكَّر الله رسوله ﷺ بشدة ما أصاب أيوب ﵇ من البلاء، وبقوة ما كان يتلقاه من الصبر، قَوِيَ يقينه ﷺ بأن شدة البلاء في الدنيا قد تنزل حيث يكون رضا الله عظيماً، والمقام عنده رفيعاً، وخفَّ عليه ما كان

стр. 643

يناله من المكاره، وازداد صبره على احتمال الأذى قوة على قوة. قال صاحب المقال: "وفاتهم ثانياً: أن هذا يتنافى مع حكمة الله السامية، وإلا، فكيف يصطفيه لرسالته، ثم ينزل به ما يحول بينه وبين النهوض بأعباء تلك المهمة، وتلك المهمة - كما علمت - تتطلب صحة وعافية، وقوة وسلامة؟ ". يبتلي الله بعض رسله بمرض غير منفر، ثم يعافيه من ذلك المرض الشديد؛ ليظهر فضل صبره للناس، ويتبينوا أن الأمراض الشديدة قد تعرض للرسل ﵈، ولا يخدش ذلك في نبوتهم، بل يزدادون به من الله قرباً. ولقد جعل الله لكل رسول مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، وليس بواجب على الله لا عقلاً ولا شرعاً أن يكون رسوله في صحة، وتمكُّنٍ من الدعوة من يوم بعثته إلى يوم وفاته، فإذا بعث أيوب ﵇، فدعا قومه، وبلغ الجهد في دعوتهم، ثم أصابه الله بمرض لحكمة بالغة، ثم عافاه فعاد إلى الدعوة، لم يكن هذا منافياً لاصطفائه للرسالة، ولا هو بالأمر الذي يتنافى مع الحكمة. قال صاحب المقال: "وفاتهم ثالثاً: أنهم بذلك خرجوا بشأن أيوب عن شؤون جميع الأنبياء، وجعلوه بدعاً من الرسل؛ إذ المعلوم ضرورة: أن مصاب الأنبياء والرسل، وبلاءهم الذي يألمون له، ويضرعون فيه إلى ربهم إنما هو إعراض قومهم عن دعوتهم، وعدم الاستجابة لهم، وصد الشيطان للناس عن سبيل الله؛ كما أنه من المعلوم: أن كل نبي لابد أن يصاب بتلك المصيبة؛ بشهادة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا

стр. 644

إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] ". لم يخرج المفسرون بشأن أيوب عن شؤون جميع الأنبياء، ولم يجعلوه بدعاً من الرسل، وإنما فهموا الآية على ما تدل عليه ألفاظها العربية، وحملوها على معنى فيه حكمة وعبرة، وهم يعرفون أن الأنبياء ﵈ يصابون بإعراض قومهم عن دعوتهم، وأن لكل نبي عدواً من المجرمين، ولا يلزم من هذا حملُ كل آية وردت في قصة رسول على معنى إصابته بإعراض القوم، وصد الشيطان عن سبيله متى كانت صريحة، أو ظاهرة في غير هذا المعنى. وقال صاحب المقال: "وفاتهم رابعاً: أنهم بهذا التأويل قد خرجوا بالآيات عن سنن القصص التي جاء بها القرآن؛ فإنه لم يقص علينا - فيما حدثنا به عن أنبياء الله ورسله - إلا ما يتصل بأمر الرسالة، ويرتبط بسير الدعوة للعظة والعبرة، وماذا في قَصِّه علينا مرضَ أيوب من عبرة، وهو لا يحدثنا إلا بما فيه أبلغُ العبر؟ وماذا فيه من خطير الشأن، وهو لا يحدثنا إلا بحوادث ذاتِ شأن خطير؟ ". لم يخرج المفسرون بالآيات عن سننِ القصص التي جاء بها القرآن: وسننُ القصص في القرآن: أن يحدثنا عن الرسل ﵈ بما فيه حكمة أو موعظة، ولا فرق بين أن تكون هذه الحكمة أو الموعظة مرتبطة بسير الدعوة، أم راجعة إلى ناحية أخرى من نواحي الهداية، أو السعادة أو الكرامة، كما حدثنا عن يوسف ﵇: أنه أُلقي في الجب، وبيع بثمن بخس، واستعصم حيث تهيج عاصفة الشهوة، وأوتي الملك، وحدثنا عن إبراهيم ﵇: أنه أمر في المنام بذبح ابنه، فلما تلَّه للجبين،

стр. 645

فداه الله بذبح عظيم، وحدثنا عن يعقوب ﵇: أنه ابتلي بفقد يوسف، وحزن عليه حزناً طويلاً، وكان عاقبة تسليمه الأمر إلى الله أن التقى به في أطيب حال، وأعز مقام. فلمَ لا يحدثنا عن أيوب ﵇ بأنه ابتلي بمرض شديد، وانقطاع عن الأهل، فما كان منه إلا الصبر والرضا، وكان عاقبة صبره الجميل عافية ضافية، وانتظامَ الشمل بعد تقطع. ويدرك عظمَ بلاء المرض من تقلب في الأوجاع ليالي وأياماً، ويعرف شدة مصيبة الانقطاع عن الأهل من تمزق شمله بعد اجتماع، وابتعد عمن يعز عليه بعد معاشرة وإيناس. قال صاحب المقال: "وفاتهم خامساً: أن حديث حلف أيوب، والرخصة له بالخلوص منه على ذلك الوجه أشبهُ شيء بالعبث الذي لا يليق بالمخلوق، فضلاً عن الخالق العلي الحكيم؛ إذ المعقول: أن العبد إنما يحتال للخلوص من الرب، فكيف يحتال الرب للخلوص من نفسه؟ فهو تعالى المحلوفُ به، وهو تعالى الدالُّ على الحيلة فيما يزعمون". تخيل كاتب المقال أن تفسير أهل العلم لقول الله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] يجعل الآية من قبيل دلالة الله تعالى لأيوب على حيلة للتخلص من موجب اليمين، والواقع أنهم لا يفهمونها على هذا المعنى، وإنما يفهمونها على أنها شرع حكم من الله روعي فيه جانب الرحمة بمن حلف أيوب ﵇ على ضربه، فهو حكم صدر على وجه الفتوى لأيوب خاصة، أو له ولقومه عامة، وعلى كل حال، فهو شرع معناه: أن الضرب بضغث يشتمل على مئة عود - مثلاً - يحقق عند الله تعالى غرض الحالف على الضرب بمئة سوط، وهو بهذا الوجه لا يدخل في نوع الحيل

стр. 646

كما تخيَّل كاتب المقال. قال صاحب المقال: "وإذا كان الله قد أراد أن يعفي أيوب من يمينه، فماذا يمنعه أن يعفيه بدون تلك الحيلة، وهي منه، ومن أجله؟ ". يقول أهل العلم: إن الكفارة لم تكن مشروعة في عهد أيوب ﵇، بل لم تكن مشروعة في صدر الإسلام، وإنما شُرعت بعدُ؛ بدليل قول عائشة ﵂: "لم يكن أبو بكر يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين". فالحالف في عهد أيوب ﵇ ليس له إلا فعل المحلوف عليه، فأراد الله إرشاد أيوب إلى وجه أخفّ من الوجه المعروف لبرِّ يمينه، ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الله تعالى قد يخفف بعض الواجبات المشتملة على مشقة، فيسقط بعضها، أو يقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها؟. قال كاتب المقال: "وفاتهم سادساً: أن دلالة أيوب على هذه الحيلة، وشرعَها له تقريرٌ لمبدأ المراوغة والمحاولة، وهي آفة اجتماعية، وداء خلقي يتنزه الله تعالى أن يكون ذلك من تشريعه للناس؛ إذ لا يصلح معها أيُّ عمل، سواء ما ارتبط منه بالخالق، أو ارتبط بالمخلوق؛ لأنه لا يبقى منه غير صورته، ثم يمضي خالياً من السر الذي لأجله يستتبع العمل آثاره ونتائجه". قلنا لكم: إن أيوب حلف أن يضرب بعض أهله أسواطاً معدودة، والمعروف: الضربُ بها مفرقة، فشرع الله له طريقة أخفَّ هي الضربُ بها مجموعة، وجعلها مجزئة في برِّ يمين أيوب، أو أيمان قومه عامة، وليس في هذا شيء من تعليم مبدأ المراوغة والمحاولة، وفي الضرب بالأعواد مجموعةً إيلامٌ، غيرَ أنه دون إيلام الضرب بها مفرقة، فلم يكن الضرب

стр. 647

بالضغث خالياً مما يستتبعه من الآثار والنتائج. قال صاحب المقال: "وفاتهم سابعاً: أن ذلك ينزل الآية عن مستوى البلاغة الذي هو في متناول البشر، فضلاً عن الإعجاز الذي يجب أن يكون للقرآن الكريم؛ فإنه ليس أضعف أسلوباً وأوهن تركيباً من كلام يتوقف معناه على ما لا يفيد سابقُه ولا لاحقُه، بل لا بد من معونة أخرى يحدثك بها غير صاحب هذا الكلام، وهم قد جعلوا معنى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤] متوقفاً على خبر أن أيوب كان قد حلف ليضربن امرأته مئة سوط". قلنا: إن القرآن ليس بكتاب تاريخ، وإنما هو كتاب إرشاد، ومأخذ عبر، فقد يسوق من القصة أشياء هي موضع عبرة، ويسلك في سوقها ضرباً من الإيجاز يعد في أساليب بلاغته المتناهية، فلما جاء في قصة أيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] تبادرَ إلى الأذهان أن أيوب - كان لسبب ما - حلف أن يضرب شخصاً - ممن يباح له ضربُه تأديباً - أسواطاً معدودة، فأوحى الله إليه أن يضربه بهذه الأسواط مجموعة؛ رحمة بالمحلوف على ضربه، ولا يتوقف هذا المعنى الذي هو موضع العبرة على معرفة سبب الحلف، أو الشخص المحلوف على ضربه، أو عدد الأسواط، وما يذكره بعض المفسرين في تفصيل ذلك إنما هو توسع منهم في التفسير؛ أخذاً من روايات وصلت إليهم، يفعلون ذلك مع اعتقاد أن أخذ العبرة من الآية لا يتوقف على شيء من ذلك. * رأي كاتب المقال في تفسير الآية، ورد هذا الرأي: تأوَّل كاتب المقال قوله تعالى: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] بمعنى: إعراض الناس، واستهزائهم بالدعوة والداعين؛ فإن ذلك من عمل

стр. 648

الشيطان، وقال: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة، ولا كان حزنهم الذي كان يبلغ أحياناً حد الإهلاك للنفس إلا لبطء في سير الدعوة إلى الله تعالى، انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ". لا يتم لكاتب المقال هذا الوجه من الرد على المفسرين إلا أن يصح أن الأنبياء ﵈ لا يشكون إلا من إعراض أممهم عن الاستجابة؛ كما ادعاه ذلك الكاتب، وهذه الدعوى غير صحيحة، فقد شكا يعقوب ﵇، وحزن لفقد يوسف ﵇، فقال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، وقال الله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: ٨٤]. أما الآيتان اللتان ساقهما على ما يقول، فغاية ما يثبت بهما: أن الأنبياء يحزنون لإعراض الناس عن دعوتهم، وذلك ما يعرفه المفسرون، ولا يقتضي أن الأنبياء لا يشكون ولا يحزنون إلا من هذا الإعراض. قال كاتب المقال: "ولما كانت الشكوى قد تشعر بوهن في العزيمة، وضعف الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، كان جواب تلك الشكاية أن قيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]، فالمراد بالركض هنا: عقد العزيمة وتأكيدها، واستتمام الثقة وإكمالها، والمضاء بالقوة، وبغير تردُّد ولا توانٍ إلى الغاية". ما جاء في سورة الأنبياء يدل على أن أيوب ﵇ يقصد من مناجاته الدعاء لكشف البلاء؛ فإن الله تعالى بعد أن حكى قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ

стр. 649

الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٤]. وعلى نسقه يقال: إن قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] قائم مقام آية ﴿فَاسْتَجَبْنَا﴾ في آية الأنبياء، وإنما يكون في معنى الإخبار بالاستجابة إذا دلَّ على حال يخرج بها أيوب من عهد البلاء إلى عهد السلامة، وهذا الحال متحقق فيما جرى عليه المفسرون من أنه أُمر بالركض، فانفجر الماء، وكان في اغتساله وشربه منه عافية وسلامة. ويؤيد أن قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ واقع موقع الإخبار باستجابة الدعاء عطفُ قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣] عليه، كما عطف: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٤] على قوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤] في سورة الأنبياء. وإن سلمنا أن قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] من قبيل الشكوى، فليس من لوازم شكوى الرسول إلى الله من إعراض قومه عن دعوته أن يكون واهنَ العزيمة، ضعيفَ الثقة، عديمَ القوة في السير إلى الغاية، والشكوى إلى الله تعالى من الضر تكون مع الصبر؛ كما أن الشكوى إليه من إعراض القوم تكون مع قوة العزم، وقد شكا نوح ﵇ من عدم قبول قومه للدعوة إذ قال: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٥، ٦] الآيات، ولم يأت بعد هذه الشكوى ما يشير إلى وهن عزيمته، وضعف قوته، فنسبةُ رسولٍ من رسل الله إلى وهن العزيمة، وضعف الثقة، وعدم القوة في السير إلى الغاية، ليس بالأمر الهين، فلا بدَّ له من نقل ثابت صريح، ولا يكفي في إثباته مجردُ شكواه إلى الله تعالى من عدم قبول القوم لدعوته، وقولُ الله تعالى في الثناء على أيوب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ

стр. 650

الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤] يبعد هذا الذي نسبه إليه كاتب المقال. قال صاحب المقال مفسراً قوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]: "ولما كان تردد المرء في غايته، ووهن عزيمته إليها، وضعف ثقته بها، صَدَأً يغشى الأرواح، ومرضاً يتعب النفوس، ويضايق الصدور، كان عقد العزيمة واستكمال الثقة غسلاً للروح من صدئها، وشفاء للنفس من مرضها، ونقعاً لغلَّة الصدر، لذلك قال الله لرسوله أيوب: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ". فرض كاتب المقال أن أيوب ﵇ كان متردداً في إدراك الغاية من الدعوة، واهنَ العزيمة إليها، ضعيفَ الثقة بها، حتى صار هذا الحال صدأ غَشَّى روحه، ومرضاً أتعب نفسه، وضايق صدره، فرض الكاتب هذا؛ ليجعل المراد من المغتسل البارد والشراب: عقد العزيمة، واستكمال الثقة. ونحن نعلم أن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وليس من شأنه أن ينحو نحو هذه الكنايات والاستعارات المتكلفة: يعبر عن تقوية العزم بالركض بالرجل، ثم يجعل الركض مغتسلاً بارداً وشراباً، دون أن ياتي بكلمة واحدة تنبه لما قصده من هذه الكناية أو الاستعارة. حمل كاتب المقال قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] على معنى: عقد العزم، وجعل اسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ راجعاً إلى الركض بالرجل، وقال: "والآية - كما ترى - ليس فيها مرجع لاسم الإشارة إلا الركض المفهوم من قوله: ﴿ارْكُضْ﴾ المكنى به عن توثيق العزم، والأخذ بالحزم؛ كما هو مقتضى النظم الكريم المجاري لقواعد اللغة التي تأبى أن يكون لاسم الإشارة مرجع غير هذا من الماء والعين كما يقتضيه تفسير المفسرين؛ إذ ليس في النظم ما يدل عليه بأي وجه من وجوه الدلالة".

стр. 651

رد كاتب المقال قولَ المفسرين: إن المشار إليه هو الماء؛ بأن هذا يقتضي أن لا يكون لاسم الإشارة مرجع غير الماء، وليس في النظم ما يدل عليه، وذلك شيء تأباه قواعد اللغة. أما نحن، فنعلم أن المشار إليه هو الماء المعبّر عنه بقوله: ﴿مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، وليس هذا الموضع من المواضع التي يحتاج فيها اسم الإشارة إلى مرجع يتقدم ذكره. ذلك أن اسم الإشارة قد يستعمل مشاراً به إلى محسوس مشاهَد للمتكلم والمخاطب، وهذا وجه استعماله الحقيقي، فتقول لمخاطبك مشيراً إلى كتاب حاضر بين أيديكما: هذا كتاب قيم، وتقول له مشيراً إلى ماء جار: هذا ماء عذب. وقد يستعمل اسم الإشارة مشاراً به إلى أمر معقول، أو غائب، واستعماله في كل من هذين المعنيين مجاز، وفي هذين الموضعين يحتاج اسم الإشارة إلى مرجع يذكر فعله؛ كأن تتحدث عن غائب الحضرة، وتقول: ذلك كتاب مفيد، أو تتحدث عن أمر معقول؛ كالحلم، والكرم، وتقول: هذا خلق شريف. ومن البيِّنِ أن اسم الإشارة في الآية مستعمل في أمر يراه المتكلم والمخاطب، وهو الماء، فلا يحتاج إلى مرجع يتقدمه كما ظن صاحب المقال. قال كاتب المقال في تأويل قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]: "أي: هدينا أهله، فآمنوا به، واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله، فليس المراد بالهبة هنا: هبة الخَلْق والإيجاد، بل

стр. 652

هبة الهداية والإرشاد؛ بدليل تعبيره بالأهل دون الذرية والولدان؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣]؛ إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله بهم، لا أن يولد لهم". قد عرفت - فيما كتبناه آنفاً -: أن طائفة من المفسرين يقولون: المراد من هبة الأهل في هذه الآية، ومن إيتائهم في سورة الأنبياء: جمعُهم عليه بعد تفرق، لا إيجادهم بعد عدم، ولا إحياؤهم بعد موت، وصاحبُ المقال يفسر هبة الأهل: بهدايتهم له، فلننظر أيّ التفسيرين أقرب مأخذاً من الآية. الهبة: إعطاء الشيء بلا عوض، وهذا المعنى يتحقق في جانب الله تعالى بجمعه أهلَ الرجل عليه بعد تفرقهم، كما يتحقق في إيجاد أهلٍ لمن لم يكن له أهلٌ، فحملُ الهبة على الجمع بعد التفرق حملٌ للفظ على معنى قريب من الذهن، أما الهداية، فمعنى زائد على ما يفهم من لفظ الهبة، وإنما يصرف اللفظ عن المعنى المتبادر متى وجد المقتضى لهذا الصرف، ولا مقتضى لصرف الهبة عن الجمع بعد التفرق إلى معنى الهداية فيما نعلم. أما قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ , فإن الهبة هنا على معنى: جعله مؤازراً له في الدعوة، وفُهم هذا المعنى من دليل آخر، وهو قول موسى ﵇: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣١]، ومن قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿نَبِيًّا﴾؛ فإن هبة النَّبيِّ إلى أخيه النبي ظاهرة في معنى التآزر على الدعوة إلى الحق. يقول كاتب المقال: "إذ كل ما يهتم له الأنبياء إنما هو أن يهدي الله بهم، لا أن يولد لهم". إذا كان القصد من قصة أيوب ﵇ الاعتبارُ بصبره على ما أصابه

стр. 653

من البلاء، ثم التذكيرُ بأن عاقبة الصبر فَرَجٌ بعد شدة، وسَعَة بعد ضيق، وسلامة بعد مرض، فأي بُعد في أن يقص الله على خاتم أنبيائه والذين آمنوا معه أن أيوب ﵇ ابتلي بشدة من المرض، ووحشة من ابتعاد الأهل، فتلقى المصيبتين بسكينة، وأقام عليهما في صبر جميل، فكان عاقبة صبره وسكونه تحت سلطان القضاء أَنْ بدَّله بالمرض صحة، وبتفرق شمل أهله جمعاً. وإن كلاً من الشفاء بعد السقم، وملاقاة الأهل بعد التفرقة، لنعمةٌ كبيرة يقدرها من قاسى الأمراض حيناً من الدهر، وتجرع مرارة الابتعاد عمن يعز عليه من الأهل. ثم إن في الخلاص من المرض، والتمتع بالصحة قوةً على النهوض بأعباء رسالته، كما أن لخروج الداعي، وهو محفوف بأمة نبيلة من عشيرته الأقربين أثراً كبيراً في نجاح دعوته. يهتم الأنبياء ﵈ لأن يهدي الله بهم، ونتيقن أن معظم اهتمامهم موجه إلى هذه الغاية، ولكنهم يقدرون نعماً أخرى فلا يفوتها أن تأخذ حظاً من اهتمامهم؛ فقد أثنى إبراهيم ﵇ على الله تعالى بما يهب له من نعمة الشفاء بعد المرض، فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠]، وقال النبي ﷺ عندما حضرت ابنَه إبراهيمَ ﵇ الوفاةُ: "وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون" (١)، ومن يحزن لفراق ولد أو أهل، فشأنه أن يهتم لوجودهم، ويعد هبتهم له نعمة يجب أن تقابل بالشكر.

стр. 654

ذكر كاتب المقال: أن الخطة التي رسمها الله لجميع أنبيائه: اللين والرفق في الدعوة، وخرج من هذا إلى تفسير قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، فقال: "أي: لا ترفع في وجوه قومك رمحاً ولا عصًا، ولا تُعلظ لهم في القول، ولا تخاشنهم في الطلب، بل لَوِّح في وجوههم بالرياحين والأزهار، ولا تأثم بالغلطة والجفوة". هكذا يقول صاحب المقال، ويقول زعيم طائفة القاديانية الضالة عن السبيل محمد علي في تعليقه على ترجمته للقرآن الكريم إلى اللغة الانجليزية: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾: القرينة تدل على أن المقصود من ذلك أعداؤه، والمراد من أخذ الضغث والضرب بها: معاملتهم باللين والرفق. أما أبو زيد الدمنهوري صاحبُ ذلك التفسير المنبوذ (١)، فقال في تأويل الآية: إن أيوب كان في سفر مسه منه تعب ومشقة، وكان محتاجاً إلى الماء، وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ يفيد أنه كان في حاجة إلى عمل يعيش به. والضغث: هو المجموعة من خليط من الحطب أو الحشيش أو غيره، يعني: خذ بيدك شيئاً من هذا ليكون بضاعة". وقد أخذ أبو زيد صدر تأويله هذا من زعيم القاديانية؛ فإنه قال في ذلك التعليق: إن التعب والعذاب اللذين أدركا أيوب أتيا - فيما يظهر - من رحلته في صحراء حصل له فيها عطش شديد. ولنعد إلى البحث في آراء صاحب المقال، فنقول: إنه سلك بتأويل هذه القصة مسلك من لا يرعى لحسن البيان حقاً، ولا للذوق العربي عهداً، فيحمل آيات من القرآن الحكيم متتابعات على كنايات واستعارات لا تدخل

стр. 655

إلى الآذان إلا كرهاً: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] مراد منه: توثيق العزم، ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] مراد منه: ذلك الركض، ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ [ص: ٤٣]: هديناهم له، ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] معناه: لوّح إليهم بالرياحين والأزهار. والحق أن القرآن لا يأتي هذا التعقيد، ولا ينحو في بيانه هذا النحو، ولا تجد في آياته سلسلة كنايات واستعارات تبقى معانيها الأصلية محجوبة عن البلغاء كمعاني هذه الآيات في رأي كاتب ذلك المقال.

стр. 656

قصة أيوب ﵇ الرد الثاني (١) كان أحد أهل العلم قد قام بحركة نقد غير معتدل، وجَّهه نحو المفسرين، ووقع في يدي المقال الثاني من مظاهر هذه الحركة، فلقيتني فيه آراء ناشزة، ووجدت صاحبه ينادي في آخره بأنه سيتمادى في هذا الشأن، فرأيت أن أنبه طلاب العلم لما في هذه الآراء من نشوز، ورجوت أن يتنبه صاحب المقال للانحراف الذي أخذ قلمه في بعض الجمل، فيسلك مسلك الاعتدال فيما يكتبه بعدُ في تقصير المفسرين. اطِّلع صاحب المقال على ما كتبته، ونشُر في مجلتي "الفتح"، و"الهداية الإسلامية"، فكتب يحاول الرد عليَّ في مقال نشره في إحدى المجلات التي تصدر في القاهرة، فقرأت هذا المقال، فألفيته قد أعاد ذكر تلك الآراء، وأضاف إليها أخوات، فرأيتني مضطراً لأن أعلق على هذا المقال أيضاً جملاً تُنبه لما بينه وبين المنطق الصحيح من مجافاة. افتتح صاحب المقال رده بكلمات عبر بها عن إخلاصه فيما كتب، ثم قال: "ولا أدل على أني كنت كتبت ما كتبت مخلصاً: أن مقالي لم أحاول

стр. 657

فيه إلا غاية واحدة، هي المحافظة على قدس الأنبياء، والإعلاء من شأن الأنبياء بمقدار ما يوجب لهم الإسلام". لا يدل نقد الآراء على أن الناقد يتهم صاحبها بعدم الإخلاص، وإخلاصُ صاحب الرأي لا يمنع من نقد الرأي نفسِه إذا لم يكن واضحَ الدليل، وفيما قاله المحققون من المفسرين في تفسير قصة أيوب ﵇ محافظة على قدس الأنبياء ﵈، والإعلاء من شأنهم بمقدار ما يوجب الإسلام. حكى صاحب المقال في رده قولي: "وقد وقفت في هذا المقال على آراء لا تدخل تحت قوانين المنطق، ولا تقبلها بلاغة القرآن، فأردت تنبيه طلاب العلم لما في تلك الآراء من نشوز حتى يكونوا على بينة من أمرها"، ثم قال: "أما غيرة الكاتب - يعنيني - على الطلاب، فكان من حقها أن تكون في حمايتهم من الوقوع في خرافات قد تصادم القطعيَّ من الدين، أو تزلزل أصلاً من أصوله، أو تشوه جمالَ الإسلام، أما حمايتُهم من خطأ في قانون منطقي أو بلاغي، فذلك أمر يسيرٌ ما دام لا يُفضي بهم إلى باطل من الدين". حق طلاب العلم علينا أن نحميهم من الوقوع في خرافات تصادم المعلوم من الدين، أصلاً كان أم فرعاً، وحقهم علينا أن نحميهم من آراء نخشى أن تفضي بهم إلى الغفلة عن شيء من حقائقه، وإن صدرت عن إخلاص، وحملُ آياتٍ من الكتاب الحكيم على معانٍ تجعلها بمعزل عن البلاغة لم يكن بالأمر اليسير الذي تصرف عنه الأنظار، وكم من باطل لهج به النّاس، وهو لم ينحدر إلا من تأويل القرآن على خلاف مالا تقتضيه

стр. 658

قوانين البلاغة العربية!. قال صاحب المقال في رده: "فيجب أن تدعهم - أي: طلاب العلم - في هذا لتفكيرهم وتقديرهم، ولهم بعدُ ما تسيغه عقولهم في حدود ما جعله الإسلام للأنبياء من تعظيم وتكريم". لا أدري من أوجب علىَّ أن أدع آراء يُفسر بها القرآن، وهي - فيما أرى - خارجةٌ عن قانون المنطق أو البلاغة، وأكتفي في ذلك بتفكير طلاب العلم وتقديرهم، وكلٌّ من الشرع والعقل لا يوجب شيئاً من ذلك، أما الشرع، فالآيات الواردة في الإرشاد إلى الحق كثيرة جلية. وأما العقل، فإن السكوت عما يخالف المنطق والبلاغة يفضي إلى اختلال نظم العلم، ولو قبل النّاس هذا الذي أشار به صاحب المقال عليَّ، واتخذوه قاعدة يسيرون عليها في حياتهم العلمية، لامتلأت الدنيا بصيحات الباطل، وشغلت هذه الصيحات من الآذان مواضع أكثر مما تشغله اليوم. قال صاحب المقال في رده: "فما دعا الأستاذَ أن يكتب تلك العبارة، وهي لا تكتب إلا حين يكون في المقال خطر ديني شارفَ أن يلتهم الطلاب، وليس في المسلمين غيور سواه". لم نصف آراء صاحب المقال إلا بأن فيها نشوزاً، ونشوزُها تجافيها عن قانون العلم، وإذا عنينا بجانب طلاب العلم، فلأن في الطلاب من يفتح أذنه لكل رأي يقال فيه: إنه جديد، ولا يزهد فيه إلا حين يرى أن غيره أثبتُ أصلاً، وأقوى بينةً، فتلك العبارة تقال والطلاب في حصن منيع من كل خطر ديني، ويكتبها الكاتب ولو كان في المسلمين آلاف من أهل الغيرة سواه. ولا نكتم صاحب المقال أن نزعته في التفسير، والنماذج التي قدمها،

стр. 659

ووعد بأنه سيذهب ويجيء في أمثالها، يشعران بخطر ديني إن أطلق له العنان، يقلبْ كثيراً من الحقائق، وإن كان صاحب تلك النزعة وأولئك النماذج مخلصاً. قال صاحب المقال في رده: "ومن ذا الذي أحلَّ الكاتب هذه المنزلةَ حتى يكون هو من دون رجال العلم حاملَ لواء الطلاب؟ اللهم إنها شنشنة أعرفها من أخذم، وقد عرفها اليوم من الكاتب وأمثاله كثير من النّاس". تنبيه طلاب العلم لنشوز بعض الآراء منزلةٌ يحلُّها كلُّ من يرى أن بيده حجةً، وليس في هذا التنبيه معنى حمل لوائهم، وإنما هي الصلة التي تكون بين الآباء والأبناء، وهذه الصلة وحدها تدعونا إلى أن نعرض عليهم ما ينشر في الصحف من الآراء المتصلة بالدين، ونحدثهم عنها بصراحة. وأما قول صاحب المقال: "اللهم إنها شنشنة ... إلخ"، فذلك ما ندعه لتفكير القراء وتقديرهم. كان صاحب المقال قد ذكر في حديثه عن المفسرين: "أنهم كثيراً ما يكتفون بذكر إسرائيليات ليس لها سند صحيح أصلاً". فعلقنا على هذا: أن في المحققين من المفسرين من لا يعِّولون على الروايات الإسرائيليات، ويردُّونها في غير هوادة، وسقنا كلام أبي بكر بن العربي في "قانون التأويل" شاهداً على ذلك، فقال صاحب المقال في رده: "نقول للكاتب: هذا ما نحمد الله عليه إذ وافقَنا في أن بعض المفسرين جاؤوا في قصة أيوب بروايات غير صحيحة؛ فإنا لم نأخذ على المفسرين أكثر من هذا". لم يكن تعليقنا على عبارته الأولى واقعاً في غير موضع؛ فإنه كان

стр. 660

يتحدث عن المفسرين من غير استثناء، فدفعنا بذلك التعليق ما يسبق إلى بعض الأذهان من أن جميع المفسرين يستندون في التفسير إلى الإسرائيليات، ولو لم ينازع المفسرين إلا في روايات غير صحيحة، لما تحرك قلم للرد عليه. قال صاحب المقال: "ووافقنا الكاتب كذلك في أن المفسرين قد استندوا في تفسير القصة إلى إسرائيليات لم تصح، ولا يمكن تصحيحها". الذي كتبته: أن أصل المعنى الذي اتفق عليه المفسرون في تفسير قصة أيوب ﵇ لا يستند إلى إسرائيليات، والروايات الإسرائيليات التي يذكرها بعض المفسرين لا يتوقف عليها هذا المعنى الأصلي، وهذا أبو بكر ابن العربي الذي قال في الإسرائيليات ما قال، لا يخالف المفسرين في أصل تفسير القصة في أن أيوب ﵇ ابتلي بمرض، وأنه أُمر بضرب رجله، فنبع ماء أُمر بالاغتسال والشرب منه، وأنه أمر بالضرب بضغث، فبرَّت يمينه بذلك. ذكر صاحب المقال أني وافقته في أن المفسرين استندوا في تفسير القصة إلى إسرائيليات، وقال: "وإذا تم هذا، فنحن نسائل الكاتب: هل الآية قطعية في هذا المعنى الذي فسرها به المفسرون؟ أو الكاتب يوافقني على أن الآية ليست قطعية في هذا المعنى، بل تحتمل معنى آخر؟ ". أصل البحث: أن صاحب المقال يدَّعي أن ما قاله المفسرون لا يُفهم من الآية، وأنه يستحيل أن يكون مقصوداً من الآية؛ لأنه جعل بعضه من نسبة العبث إلى الله تعالى، وجعل بعضه يفضي إلى أن الله تعالى يحتال لنفسه بنفسه، إلى آخر الوجوه التي حام بها حول ما قاله المفسرون.

стр. 661

فصاحب المقال يقول: إن ما قاله المفسرون باطل قطعاً، وإن آراءه هي المرادة من الآية، وكنا عندما رددنا عليه دعواه هذه، ذكرنا أن ما قاله المفسرون صحيح، مع صرف النظر عن كل رواية إسرائيلية، وأن ما أوّل به هو الآية مخالف لظاهر القرآن، وغير مراعًى فيه حسن البيان الذي يتم به وجه إعجاز القرآن. فيكفي في صحة المعنى الذي يقوله المفسرون: أن لا يخالفه ظاهرُ القرآن، ولا يقوم دليل صادق على بطلانه. قال صاحب المقال في رده: "وإذا كان الأمر كذلك - أي: لم يكن ما فسر به المفسرون قطعياً -، فللناظر في الآية أن يفسرها بمعنى غير هذا المعنى ما دام قد وجدت لديه مرجحات". لم ننكر على الكاتب مجرد مخالفته للمفسرين، ولم نقل له: كيف تترك ما قاله المفسرون، وتأتي بآراء تخالفه؟ فإنا نقدر حرية النظر، ونقدر ما تأتي به من ثمر في العلم، وإنما موضع البحث في: أن ما قاله المفسرون هل هو معنى صحيح، أو غير صحيح؟ وأن آراء صاحب المقال هل هي معقولة، أو غير معقولة؟. عاد صاحب المقال فحكى في رده ما سقناه من أن في محققي المفسرين من يأبى الرجوع إلى الإسرائيليات؛ كابن العربي، ثم قال: "ونقول للكاتب: إنه على هذا يكون فاتني أن أستثني أبا بكر مما أخذته على المفسرين، وقد يكون في عبارتي ما يصح أن يُعفي ابنَ العربي من هذا الحكم؛ فإني قلت: كثيراً ما يكتفون، ولم أقل: هم دائماً يكتفون". كان لصاحب المقال مخرج في أن يقول: أردت من المفسرين ما عدا

стр. 662

أبا بكر بن العربي، أو أن أداة التعريف في قوله: "أن المفسرين كثيراً" للجنس، لا للاستغراق، وأما أنه قال: "كثيراً"، ولم يقل: "دائماً"، فذلك ما لا يفيده شيئاً؛ لأن الكثرة هنا أو الدوام مما يرجع إلى جهة القضية، والمعنى: أن المفسرين يكتفون في كثير من الأوقات بذكر الإسرائيليات، لا دائماً، وكثرة وقوع المحمول الذي هو الاكتفاء دون دوامه، لا أثر لها في نقص أفراد معنى الموضوع الذي هو كلمة "المفسرين"، فدوام النسبة لا يجعل القضية كلية، كما أن عدم دوامها لا يجعلها جزئية. حكى صاحب المقال في رده ما نقلناه عن ابن العربي من إنكار الاستناد إلى الإسرائيليات، ثم قال: "ونقول للكاتب: إذا كان هذا ما قاله ابن العربي فيما قاله المفسرون في تفسير قصة أيوب، فما له لم يوجه الرد الذي كتبه إلى ابن العربي بدل أن يوجهه إليَّ، وأنا لم أقل أكثر من هذا؟ ". لا أدري ماذا أرد على ابن العربي، وهو لم يزد على أن أنكر التعلق بالإسرائيليات، وهذا الإنكار حق، ولكن صاحب المقال يخيِّل إلى القراء: أني أخالف في إنكار التعلق بالإسرائيليات، وموضع الرد على صاحب المقال شيء آخر قاله هو، ولم يقله ابن العربي، وهو تلك الوجوه التي أثارها حول المعنى الذي اتفق عليه المفسرون، وتلك الآراء التي ساقها على أنها تفسير للقصة. ثم قال صاحب المقال في رده: "اللهم إنك تعلم ما في نفسي، وتعلم ما في نفس هذا الكاتب، فإني أَكِلُ أَمْرَ جزائه إليك، فأنت العليم بذات الصدور". دعوةٌ صالحة نرجو من الله قبولها، ونسأل الله تعالى أن يهدي صاحبَ

стр. 663

المقال إلى الطريقة المرضية في تفسير كتابه المجيد. ثم قال صاحب المقال في رده: "يا هذا الكاتب! إذا كان ما جاء في قصة أيوب بعضُه باطل، وبعضه بعيد، وبعضه يفتقر إلى نقل، فماذا بقي بعد هذا؟ ". بقي بعد هذا ظاهرُ القرآن؛ فإنه موافق للمعنى الذي عرف منذ عهد الصحابة والتابعين، ولم يخالف فيه، حتى العلماء الذين ينكرون الإسناد إلى الإسرائيليات أشدَّ النكير. ثم قال صاحب المقال في رده: "وهل يكون من فهم في الآية معنى غير هذا المعنى الذي لم يستند إلا إلى إسرائيليات لم تصح، يكون قد خالف قوانين المنطق، وقال قولاً لم تتقبله بلاغة القرآن؟ أو يكون ذلك منك زعماً دفعتك إليه أغراض وغايات؟ ". خالف صاحب المقال قوانين المنطق والبلاغة في الوجوه التي ادعى أنها تبطل أصل ما قاله المفسرون، وخالفهما في حمل آيات القصة على معان تجعل القرآن في ناحية، وحسنَ البيان في ناحية أخرى، وليس هناك أغراض وغايات إلا أن الله تعالى يقول: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر: ٣]. ذكرنا في مقالنا السابق: أن صاحب المقال ربما اقتصر في حكاية أقوال المفسرين على أقوال يراها أبعدَ من المعقول، ويهمل أقوالاً هي أقربُ إلى ظاهر الآية، ونبهنا على ما أردنا من ذلك، فقام في رده يدافع عن ذلك الصنيع. من ذلك: أنه كان قد نقل أن "المفسرين قد فسروا النصب والعذاب في الآية بداء أصاب أيوب قد فعل به الأفاعيل، وبرح بجسمه أيَّ تبريح،

стр. 664

حتى نفر الناس منه، وحتى عجز عن الحركة، فلا ينتقل من مكان إلى مكان إلا أن يحمله حامل". فنبهنا إلى أن حق صاحب المقال أن ينقل ما قاله بعض المحققين من أن مرض أيوب ﵇ لم يكن من الأمراض المنفرة المستقذرة، وما زاد صاحب المقال في دفاع هذا على أن قال: "إن البعض الذي اقتصر على كونه مرضاً فحسب، لا يمكنه أن ينكر أن أيوب قد شكا منه كما حدثنا القرآن، فلا بد أن يكون مرضاً غير عادي، حتى يضج منه نبي من الأنبياء". هو مرض غير عادي، ولكنه غير منفر، وفَرقٌ بين أن يكون المرض شديداً في نفسه، وبين أن يكون منفراً، فالأول يصيب به الله تعالى الأنبياء ﵈ لمضاعفة أجرهم؛ كما وقع للنبي ﷺ في مرضه؛ فإنه كان يوعَك وعكاً شديداً، حتى قالت عائشة ﵂ ما رأيت أحداً أشدَّ عليه الوجعُ من رسول الله ﷺ ، وقال ﵊: "إني أُوعَك كما يوعَك رجلانِ منكم"، وأما المرض المنفر، فذلك ما نعتقد أن الله تعالى لا يصيب به أنبياءه ﵈. وكان صاحب المقال قد حكى في مقاله عن المفسرين: أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]: الآية أن أيوب أُمر من ربه بوساطة جبريل أن يضرب برجله الأرض، فضرب بها كما أمر، فنبع عينان ... إلخ. فنبهنا على أن صاحب المقال أهمل ذكر قول المحققين من المفسرين، وهو: أن الذي نبع عين واحدة، فقال صاحب المقال في رده: "وهل كون النابع عيناً أو عينين مما له أيُّ مدخل - عن قرب أو عن بعد - في أن يكون

стр. 665

تمهيداً لقبول ما قلته عن تفسير الآية؟! ". من البين أن القول الذي أهمله هو ظاهر القرآن؛ إذ المشار إليه في الآية واحد، فلماذا ترك صاحب المقال هذا القول الذي هو ظاهر القرآن، ونقل القول الآخر الذي لا يُقبل إلا إذا ثبتت به رواية؟!. كان صاحب المقال قد حكى عن المفسرين: أنهم يقولون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣]: إن الله أحيا له أولاده الذين كان قد أماتهم، وولد له مثلهم، فنبهنا على أن من المفسرين من ذهب إلى أن هبة الأهل في الآية بمعنى: جمعهم بعد تفرق، وفهمُ هذا من الآية أقربُ من حملها على معنى إحيائهم بعد إماتتهم، فقال صاحب المقال في رده: "إذا كنت قد تركت من أقوالهم هذا القول، فإني لم أكن في تركه إلا ضد نفسي؛ لأن هذا المعنى إن لم يكن هو ما قلته في تفسير الآية، فهو قريب منه، أو هو مصحح لما فهمته في الآية؛ لأني قد فهمت في هبة الأهل هدايةَ الله لهم بدعوة أيوب، وإنذاره إياهم، وهم إذا استجابوا لدعوة أيوب، فقد اجتمعوا عليه بعد تفرق". إذا كان يرى أن ما فهمه من الآية هو الصواب، أفلا يكون من الإنصاف للمفسرين أن ينقل عنهم ما كان قريباً من هذا الصواب، أو مصححاً له، ولا يقتصر في حكاية آرائهم على ما كان بعيداً من هذا الصواب، أو مناقضاً له؟. كان صاحب المقال قدِ حكى ما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، وقال: "ثم يزيدون على ذلك: أن هذه رخصة باقية إلى اليوم؛ بشرط أن يصيب كل أعواد الحزمة جسم المضروب".

стр. 666

ولما كان صاحب المقال يحكي أقوال المفسرين حكايةَ مَن ينكرها، ويحاول تقويضها، وحكى عنهم بإطلاق: أن الرخصة باقية إلى اليوم، نبهنا أن هناك قولاً آخر، وهو أن الآية شَرْعٌ خاص بأيوب ﵇، وأشرنا إلى أن كلاً من القولين مبني على وجه من النظر؛ لنهيئ القارئ لرفض ما سيقوله صاحب المقال في رد المعنى الذي قاله المفسرون، ولكن صاحب المقال أبى إلا أن يكتب، فقال: "وأقول لهذا الكاتب: ما هذا العبث؟ (كذا)، وهل أنا حين كنت أكتب كنت بصدد تلك المذاهب، حتى إذا اقتصرت على نقاء مذهب من مذاهبهم، ترد عليَّ بأن هناك مذهباً آخر للفقهاء؟ ". غفل صاحب المقال عن أنه نسب القول الذي ذكره للمفسرين، لا للفقهاء؛ فإنه قال: "ويزيدون"؛ يعني: المفسرين، ولينظر ما هو السبب في ذكر هذا القول، ونسبته إليهم دون غيره؛ فإنه لا يريد إفادة القراء بذكر ما ذكره قطعاً؛ لأنه قول مبني على تفسير باطل في نظره، والمبني على الباطل باطل، ولا نستطيع أن نقول: لم يكن يعلم حالَ الكتابة إلا القولَ الذي ذكره؛ فإن قوله: "حتى إذا اقتصرت على نقل مذهب من مذاهبهم" يشعر بأنه كان مطلعاً على هذه المذاهب. ثم قال صاحب المقال: "اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، لو أنه الإخلاص يدفع الكاتب، لما وجدت في كتابته ما هو أبعد شيء عن الموضوع، ولما حاد به الغرض عن الجادة". نترك التعليق على هذا لتفكير القراء وتقديرهم. وكان صاحب المقال قد أورد على المعنى الذي اتفق عليه المفسرون وجوهاً ظهر له أنها تبطل ذلك المعنى قطعاً، فنقدنا تلك الوجوه وجهاً فوجهاً،

стр. 667

فذهبت من بين أيدينا هباء، فقام صاحب المقال يحاول في رده أن يعيد تلك الوجوه بعد ذهابها. كان صاحب المقال قد قال: "ولم يدروا - أي: المفسرين -: أنه قد فاتهم أولاً: أن المقصود من أن يقص الله تعالى حال الرسل على خاتم أنبيائه ﷺ إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة إلى الله، ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. ولا يخفى على من درس مبادئ اللغة العربية: أن عبارته تفيد حصر القصد من قصص الرسل ﵈ في الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة، فقلنا له في ردنا: إن الله تعالى قد قص على خاتم أنبيائه ﷺ من أنباء الرسل ﵈ ما لا يرجع إلى ما أصابهم في سبيل الله من أذى، وقلنا: إن الله تعالى يذكِّر رسوله - صلوات الله عليه - بما كان للرسل ﵈ من خلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية، أوآية بيّنة، أو حكم عملي، وقلنا: إن الآية التي سقتها لا تشهد بأن قصص الأنبياء لا يقصد منها إلا الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله؛ فإن تثبيت الفؤاد زيادة يقينه، وهذا قد يأتي من ناحية غير ناحية أنباء ما أصابهم في سبيل الله من أذى. كتب صاحب المقال يحاول رد هذا، فقال: "إن ذكر الرسول بخلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية، هذا لا يحدث به القرآن عن نبي من الأنبياء إلا في طريق الحديث عن دعوتهم، وما كان منهم مع قومهم"، ثم تحدث بحديث في شكل قاعدة هو: أن القرآن إن حدَّث عن

стр. 668

نبي من الأنبياء بخلق أو عمل أو حكمة أو منزلة، دون أن يذكر من أمر دعوته شيئاً، فُهم أن ذلك الخلق لا يتصل إلا بأمر دعوته. هل يكفي صاحبَ المقال في التخلص من الآيات الواردة في خلق عظيم، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية أن يكون لذلك الخلق أو الحكمة المنزلة صلةٌ بالدعوة؟ وأنّى له ذلك وهو يقول على وجه الحصر: "إن المقصود من القصص إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة"، وليس كل ما يتصل بالدعوة فيه اعتبار بما أصاب في سبيلها!. ثم إننا نرى القرآن قد يصف بعض الرسل بخصال لا صلة لها بالدعوة، ولا بما يلاقيه الرسول في سبيلها؛ كما قال الله تعالى في حق يحيى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] , وبرُّ الوالدين عمل صالح يقوم به الرسول وغيرُ الرسول من النّاس الطيبين، وواجب على من تكون له دعوة، ومن لم تكن له دعوة. وحاول أن يجيب عن الآيات الواردة في المعجزات والأحكام، فلم يزد كذلك على أن قال: "إنها تتصل بأمر الدعوة"، ولو قال: إني ذهلت في استعمال صيغة الحصر إذ قلت: "إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله"، أو نسيت أن صيغة "إنما هو" تفيد الحصر، لقلنا: كلنا يذهل، وكلنا ينسى، ولكنه قال ذلك، وزاد عليه قوله: " فليس للكاتب حق أن يذكر مثل هذا إلا أن يكون ممن يريد المغالطة؛ ليشوه آراء قد لا يحب لأشخاص أصحابها أن يكون لهم رأي جميل"، وعذره في هذا المزيد: أنه حريص على أن يكون رأيه في التفسير نافذاً.

стр. 669

قال صاحب المقال في رده: "وهو حين يحدث عن أمر أيوب، إنما يحدث الرسول الكريم؛ ليثبت فؤاده، وماذا في أمر المرض والصبر عليه من تثبت فؤاد الرسول، ذلك الفؤاد الذي لا يتزلزل إذا تزلزلت الجبال، فهو الذي يقول: "والله! يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما فعلت حتى يُظهره الله، أو أهلك دونه"؛ إذ مقتضى هذا أن فؤاد الرسول إنما يهتز أو يخف ثباته لأخطر الشؤون وأكبرها بما لا يعزّي فيه حديث عن مرض". إن كان صاحب المقال يجري في بحثه على أن معنى آية: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود: ١٢٠]: أن كل ما نقصه عليك من أنباء الرسل هو ما نثبت به فؤادك حين يهتز لأمر خطير، أو تدركه خفة، فمن أنباء الرسل ﵈ ما لو نظرت إليه وحده، وجدت له حكمة غير تثبيت الفؤاد حالَ اهتزازه لأمر خطير؛ كالآيات المسوقة للثناء عليهم ببعض الأعمال الصالحة؛ نحو: صدق الوعد، وبر الوالدين، والآيات المشتملة على بعض أحكام شرعية. ونحن نرى ما يراه أهل العلم من أن المراد من تثبيت الفؤاد: يقينه واطمئنانه، واليقين والاطمئنان يزدادان بكل نبأ يقصه الله تعالى من أنباء الرسل على اختلاف أنواعها، وتباين مقاصدها، وكلما ازدادت النفس من عند الله علماً، ازداد يقين صاحبها ضياء، فازداد فؤاده ثباتاً وسكينة. قال صاحب المقال: "وإنه ليعد نابياً عن مكان التأسي من يجيء لقائد من القواد قد كان في عَدد وعُدد، فاندحر جيشه، وأسر القائد، واحتُلت العاصمة، وثُل العرش، وديس التاج، فيقول لذلك القائد المأسور: لا تحزن؛ فإن بستان فلان قد اجتاحته آفة، أو فلان قد مات له اليوم ولد".

стр. 670

أتى صاحب المقال إلى قائد اندحر جيشه، ووقع في يد العدو أسيراً، واحتلت العاصمة، وثل العرش وديس تاج الجالس عليه، وجعل ذلك مثلَ حال رسول ﷺ كما أتى إلى رجل اجتاحت بعضُ الآفات بستانه، أو مات له ولد، وجعل حاله بمنزلة قصة أيوب ﵇ بحسب المعنى الذي يقوله المفسرون، وقد وجد هذا المثل في ذوق صاحب المقال مساغاً، فعززه بآخر، وقال في الصفحة بعد: "يكون مثل القرآن في قَصِّ شأنِ أيوب على الرسول، مع أن معنى الآية ما يقوله المفسرون، كمثل من يقول لملك أنزل عن عرشه، واندحر جيشه، واحتلت عاصمته: تعزّ؛ فإن فلاناً قد مات ولده، أو إن فلاناً قد خسر في تجارته. ينبغي لضارب الأمثال أن يأتي بالمثل مطابقاً لحال من يسوق من أجله المثل، وحالُ رسول الله ﷺ بعيدة من هذين المثلين بُعدَ النور من الظلام، ومن العجب أن يضرب حال القائد المأسور مثلاً لحال رسول الله ﷺ ، ثم يقول: "بالله عليك أيها الكاتب! لا تصغِّر من شأن الأنبياء، ولا تحقر من جلالة القرآن". ولا أدري كيف صغرَّتُ من شأن الأنبياء ﵈، أو حقَّرتُ من جلال القرآن، وأنا لم أزد على أن قلت: إن المعنى الذي تتابَعَ عليه المفسرون من عهد الصحابة والتابعين، معنى يشهد له ظاهر القرآن. وهل يريد صاحب المقال أن كل من رأى أن أيوب ﵇ أُصيب بمرض، فصبر، فعافاه الله، يكون مصغراً من شأن الأنبياء، محقراً لجلال القرآن؟!. وكان صاحب المقال قد أورد على المعنى الذي يقوله المفسرون: أن
следующие страницы →