أو يسعى لإفساد تلكم المقاييس، ثارت ثائرته، وفزع إلى قلمه وقرطاسه؛ كما يفزع المقاتل إلى سيفه ودرعه يردُّ صولة كل صائل، ويدفع دفاعاً شرعياً هجمةَ كل مهاجم.
وهكذا كان شيخنا ﵀ في مختلف مراحل حياته، يثور كلما مُسَّت مبادئُه، حتى جمع له الناس ملفات قضايا كان فيها فارساً مغواراً، يكرُّ ويهاجم بقلمه ولسانه.
ونشير إلى بعض هذه الملفات؛ لأن آثارها هي آثاره الخالدة الدالة على الرجل وقيمته العلمية المميزة.
* قضية علي عبد الرازق:
في خلال سنة (١٣٤٤ هـ / ١٩٢٥ م) أُثيرت قضية فكرية سياسية بمصر، ترافَع فيها علماء أجلاء، وتراشق كتّاب مميّزون، وكئر اللّغط حولها في الصّحف المحترمة يومَها؛ مثل: مجلة "المنار"، ومجلّة "الهداية الإسلامية"، وصحيفة "السّياسة" الأسبوعيّة واليوميّة.
وكنّا -معشر الطّلبة- حينها نتلقف أخبارها، ونتنسّم شذى جديدها بلهفة وحرص، مدفوعين بعوامل متعدّدة ووطنيّة وسياسية.
ووجد بعضهم فرصته السانحة لترويج الجرائد المصريّة، خاصة جريدة "السياسة" الأسبوعية، وإيصالها إلى المتشوقين المتلهفين لأخبارها، وبيعها فورَ وصولها لتونس.
تلك هي قضية علي عبد الرازق أحدِ علماء الأزهر، والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية؛ فقد ألف كتاباً سماه: "الإسلام وأصول الحكم".
стр. 6057
شارك في هذه المعركة شيخنا الجليل محمد الخضر حسين مشاركة واعدة فاعلة ومؤثرة.
والواجب يدعونا إلى أن نشير إشارة عابرة إلى هذه القضية، وإلى دور شيخنا فيها، وما ألفه وكتبه عنها، وهو مؤلَّف نصنفه في الرتبة الأولى من تآليفه وكتاباته. وفي ذلك تسجيل وتأريخ للحركة الفكرية المصرية، في غضون عهد الملوكية والاحتلال الإنجليزي، والاتجاهات السياسية في ذلكم العهد.
في ٣ مارس سنة ١٩٢٤ م ألغى نظامُ البلاد التركية الثائر بقيادة أتاتورك الخلافةَ الإسلامية، بعد أن أعلنت الجمعيّة الوطنيّة التركيّة المنعقدة بأنقرة يوم (١٩ أكتوبر سنة ١٩٢٤ م) النظام الجمهوري، فبادر رئيس الجمهورية مصطفى كمال باشا بإلغاء الخلافة.
وتأثّر العالم الإسلامي لهذا الأمر الجلل، وسعى رجاله ومفكروه إلى إيجاد حل لهذه المشكلة، وشارك في ذلك من تونس: الزعيم الثعالبي، والأستاذ أحمد توفيق المدني، والشيخ علي كاهية، والشيخ سليمان الجادوي، والأستاذ الطيب بن عيسى. وتهيأ أفرادٌ للجلوس على عرش الخلافة الشاغر، منهم: ملك مصر عهدئذٍ أحمد فؤاد. ووقع التحرك سريعاً لإنجاح مسعاه، وأقيم مؤتمر إسلامي، وأصدر مجلة تحمل اسم: "الخلافة الإسلامية"، ودعا بعض الكتاب إلى وجوب مبايعة خليفة مكان الخليفة المخلوع الذي أزاحه كمال أتاتورك عن عرش الخلافة.
وكان الظرف السياسي ساعتها بمصر ضد حزب الأغلبية حزب الوفد الذي فاز في الانتخابات، فأمر الملك فؤاد بحل البرلمان، وأقصى زغلول
стр. 6058
باشا عن الحكم برغم متانة علاقته بالشعب.
واتّحد حزب الأحرار الدستوريين مع حزب الاتحاد، وتشكّلت وزارة برئاسة زغلول باشا؛ للوقوف مع الملك في وجه المد الوفدي الذي يتمتع بحب الشعب.
في هذا الجو المكهرب أصدر أحد شيوخ الأزهر من مناصري حزب الأحرار الدستوريين، من عائلة أصيلة ميسورة تناصر ذلك الحزب، وتشد أزره، وهو الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق ... أصدر كتابه: "الإسلام وأصول الحكم".
والكتاب موجه في تحريره ونقده أولاً وبالذات لمحاربة فكرة تنصيب فؤاد على العرش عرشِ الخلافة لعدة أمور، منها: أنه غير مؤهل دينياً وعلمياً وثقافياً ووطنياً لهذا المنصب، ثم لأن الإنجليز يناصرونه ويؤيدونه، ولهم غاية في هذه اللعبة السياسية ضد الإسلام والمسلمين، وكان موضوع الكتاب: الخلافة وموقعها الديني والسياسي، وسندها من التشريع الإسلامي. وثارت عاصفة هوجاء، وأتت على الائتلاف الحاكم، وخرج الأحرار الدستوريون من الوزارة.
يقول الشيخ علي عبد الرازق في كتابه هذا "الكتاب الأول، الباب الثالث، الفقرة الثامنة وما بعدها":
"من الطبيعي عند المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، ويسلكون مذاهبها عملاً، ولا يألفون إلا الله ربّ العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد في كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل في خمسة أوقاتهم للصلاة.
من الطبيعي أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من
стр. 6059
غيرهم، ذلك الخضوع الذي يطالب به الملوك رعيتهم؛ خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر.
والغيرة على الملك تحمل الملك على أن يصون عرشه من كل شيء قد يزلزل أركانه، أو ينقص من حرمته، أو يقلل من قدسيته. وقد يصبح الملك وحشاً سفاحاً، وشيطاناً مارداً إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته، وتقويض عرشه، وقد يصبح عدواً لدوداً لكل بحث، ولو كان علمياً، إذا تخيل أنه قد يمس قواعد ملكه" انتهى النقل.
وبالرغم من أن الكتاب له وجهة وغاية سياسية، إلا أن صاحبه ضمَّنه أفكاراً رأى ناقدوه أنها خارجة عن اللياقة والكياسة، ووُجِّهت له تهم متعددة، نلخصها فيما يلي:
أ - جعل الشريعة الإسلامية شريعة روحية خالصة، لا ارتباط لها بأمور الدنيا وشؤونها.
ب - إنَّ جهاد الرسول ﵊ كان في سبيل اتساع نفوذه، لا في سبيل الدعوة إلى الدين وإبلاغه.
ج - إنَّ نظام الحكم في عهد الرسول ﵊ كان غامضاً مبهماً موجباً للحيرة.
د- إنّ حكومة أبي بكر ﵁ والخلفاء من بعده كانت لا دينية.
وكان التعبير الأخير موجباً لإثارة الغضب عند كافة الناس.
وظاهر أنّ المؤلّف لم يقصد أنّها كانت لائكيّة لا تدين بدين. لكن التعبير كان فيه تهوّر، ولو أنه لم يكن مقصوداً.
والإمام محمد عبده زعيم حركة الإصلاح عالج من قبل هذه النقط
стр. 6060
المثارة من علي عبد الرازق، وأبدى رأياً فيها، وظهر أن الشيخ علياً تقفى خطاه، لكن بأسلوب فيه بعض العنف.
فالإمام عبده يقول (عن كتاب "الإسلام والنصرانية" طبعة ثانية ص ٧٠ - ٧١):
"الأمة أو نائب الأمة هو الذي ينصب الخليفة، والأمة هي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وهي التي تخلعه متى رأت مصلحة في ذلك. ولا يجوز لصحيح النظر أن يخلط الخليفة عند المسلمين بما يسميه تيوكراتيك (theocratique)؛ أي: سلطة إلهية، فإن ذلك عندهم هو الذي ينفرد بتلقي الشريعة، وله في رقاب الناس حق الطاعة لا بالبيعة، وما تقتضيه من العدل وحماية الحوزة، بل بمقتضى حق الإيمان".
وهو يقول: ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير من الشر، وهي قوة أو سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها من أدناهم.
وهو يشرح طرح الاجتهاد، وحرية الرأي والفكر؛ إذ يقول: ولا يجب على المسلم أن يأخذ عقيدته، ويتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا عن كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
ولكل مسلم أن يفهم عن الله من كتاب الله، وعن رسوله من كلام رسوله، بدون توسيط أحد من سلف أو خلف، وإنما يجب عليه -قبل ذلك- أن يحصل من وسائله ما يؤهله للفهم؛ كقواعد اللغة العربية وآدابها وأساليبها، وأحوال العرب، خاصة في زمان البعثة، وما كان الناس عليه زمن الرسول ﷺ ، وما وقع من الحوادث وقت نزول الوحي، مع معرفة النّاسخ والمنسوخ من الآثار،
стр. 6061
فإن لم تسمح حاله بالوصول إلى ما يعد لفهم الصواب من الكتاب والسنّة، فليس عليه إلا أن يسأل العارفين بهما.
وله، بل عليه أن يطالب المجيب بالدليل على إجابته، سواء كان السؤال في أمر الاعتقاد، أو في حكم عمل من الأعمال، فليس في الإسلام ما يسمى عند قوم بالسلطة الدينية من الوجوه" انتهى النقل.
وحوكم علي عبد الرازق من هيئة العلماء، ومن مشيخة الأزهر، وجُرِّد من وظائفه، حتى من خطة القضاء الشرعي.
هذا من النّاحية الرّسمية والعلمية والجامعية.
أما من ناحية الباحثين النقاد الذين هم بالمرصاد، فقد تصدى للرد عليه جماعة من علماء مصر، ومن بلدان إسلامية أخرى، منها: تونس.
فقد جَرَّد شيخنا الخضر قلمه، ورد بكتاب في حجم كتابه، به دراسة قيمة علمية نقدية تستند إلى الحجة والدليل والمراجع: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
وأفضل تقديم لهذا الكتاب هي مقولة لناقد أديب باحث عالم يظهر أنه منحاز للشيخ علي عبد الرازق يدافع عنه، لكن ذلك لم يمنعه من تحبير هذه المقولة في حق الشيخ الخضر.
يقول الأستاذ محمد عمارة في كتابه:
إن أجود دراسة فكرية كتبت ضد كتاب "الإسلام وأصول الحكم" هي التي كتبها الشيخ محمد الخضر حسين، وأخرجها في كتاب عنوانه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
стр. 6062
وهذه الشهادة من باحث متبصر يمكن لنا أن نقول عنها: والحق ما شهد به الخصوم.
وإنّي أحقّق أنّ الشيخ الخضر كان في مؤلفه هذا مثالاً للعالم المحقق ذي الخلق الرفيع، يقرع الحجّة بالحجّة، ويرد الدّليل بالدّليل، ولا يُسِفُّ في تعبيره، ولا يخرج عن حدود النقد النزيه المدعم. وقد رأينا أنّ أحد مناصري الشيخ علي عبد الرازق يقرّر علوّ نقد الشيخ الخضر، وتماسكَ أجز الله، وتعمقه، وترابطَ ردوده، وسموها.
وكأنّه -برّد الله ثراه- أراد أن يترك مؤلفاً علمياً لا لغو ولا غث به يخدم العلم والفكر، فكان له ما أراد.
وللحقيقة والتّاريخ، فإن كتاب الشيخ الخضر هو شرح وإيضاح ونقد لكتاب الشيخ علي عبد الرازق، يبيّن غموضه، ويوضح عيوبه، ويكشف هفواته وزلاته، ويحاول إصلاحها.
كنت يوماً أطالع كتابَي الشيخين: عبد الرازق، والخضر، إذ دخل عليّ شيخ من شيوخي أستاذ لي، وقال: إنك تجمع بين النار والماء. فقلت: لعلّ هذا يخفّف من حدّة تلك.
والشيخ علي عبد الرازق واحد من أسرة فضل وعلم لها مجد تالد، منها: عبد الرازق باشا الكبير الذي وقف على قبر الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده راثياً، مع خمسة من أقطاب مصر، منهم: حفني ناصف الذي راسل فيما بعد حافظ إبراهيم قائلاً:
أتذكرُ إذْ كنّا على القَبْرِ ستّة ... نعدّدُ آثارَ الإمام ونخطبُ
حتّى يقول:
стр. 6063
أبو خطوة ولى وقفّاهُ عاصمٌ ... وجاءَ لعبد الرازق الموت يطلبُ
ومن أسرة عبد الرازق: الشيخ مصطفى بن حسن بن عبد الرازق، وهو باحث فقيه أديب، وزير للأوقاف، شيخ للأزهر، درس بفرنسا وبمصر، وله مؤلفات مطبوعة.
ومن الذين تصدّوا للرد على كتاب "الإسلام وأصول الحكم": شيخنا الجليل علامة تونس محمد الطاهر بن عاشور الذي ألّف كِتاباً صغيراً سمّاه: "نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم"، طبع بالقاهرة بالمطبعة السلفية سنة (١٣٤٤ هـ / ١٩٢٥ م). وهو لم يفعل كصاحبه وصديقه الشيخ الخضر، ولم يمسك بتلابيب الشيخ عبد الرازق، بل إنه ردّ عليه رداً جميلاً لطيفاً، مفنّداً بعض مزاعمه، شارحاً بعض مواقفه، وموافقاً لبعض المقولات مع تقويم مقوماتها. فهو يشرح -مثلاً- موقف الشيخ عبد الرازق من الخلافة شرحاً دقيقاً، فيقول: إن الخلافة ظهرت صدر الإسلام في أجلى مظاهرها، ثم أخذت تتضاءل من عهد الخليفة الرابع، فلم تزل في تضاؤل وتراجع، ومرض وسلامة إلى أواسط الدولة العباسية، واستمرّ خروج الخارجين حتى بلغت إلى حد صارت به بقية اسم يورث، وليس لصاحبها من الحط إلّا الدّعاء فوق المنابر؛ كما قال ابن الخطيب في "رقم الحلل"، وصار اللّقب مجازاً لا حقيقة، إلّا أنّه مجاز سوغته علامة اعتبار ما كان، ولو أريد إعطاؤه من أوّل الأمر على تلك الحالة، لما كان، إذ كيف يمنح هذا اللقب لمن يكون على تلك الحالة بعد منحه كحالة قبله، وما يستطيع أن يفعل إذا كان أعزل عن كلّ قوّة؟ وهل يستطيع بالألقاب اللّفظية أن ينجو من الهوة؟ وكيف يطمع في ذلك من لا يدفع عن نفسه، ولا يكون غده أفضلَ من أمسه؟ أليس إيجاد هذا المنصب
стр. 6064
السامي من باب الجاد الموهوم؛ كما تحاول جمعيات الخلافة اليوم؟ ولا أحسب هذا يشتبه على من له حظّ من العلوم" انتهى النقل.
وجَلِيٌّ: أن كلمات الشيخ ابن عاشور كانت مقنعة وكافية، لو أخذ بها الشيخ عبد الرازق في كتابه.
ورسالة الشيخ ابن عاشور هذه من أفضل ما كُتب في هذا الموضوع من رجل محقق يصيب هدفه دون عنف، بل يدفع بالتي هي أحسن، فتكون الغلبة له، والنصر حليفه.
ولا تحسبن الشيخ الخضر بعيداً عن بعث هذه الرسالة العاشورية، فهي لصديقه الحميم الحبيب، طبعَها هو في مطبعة صديقه الآخر محبِّ الدين الخطيب.
ولم يقف الأمر بالشيخ الخضر عند هذا الحدّ، فقد شجع شيخاً آخر من تونس أحد أصدقائه الخلص على أن يخوض هذه المعمعة والمعركة الفكرية، وهو فقيه عالم جليل، شيخُنا محمد البشير النيفر، المدرسُ، والإمام الخطيب المفوه، الذي صدر له أخيراً كتاب قيم به تراجم لأعلام أسرته، وقد حقّقه ونشره صديقنا القاضي الأستاذ محمد المختار النيفر.
شارك شيخنا محمدُ البشير النيفر بدراسة قيمة جامعة ألقاها بجامع أبي محمد في رمضان سنة (١٣٤٤ هـ / ١٩٢٥ م) تحت عنوان: "عبادات ونظم اجتماعية"، نقل فيها فقرات طويلة من كلام الشيخ علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، ولم يذكر اسمه، وقفّى ذلك بتنفيذ ما جاء بها.
وهي دراسة طويلة نشرها صديقه وصفيُّه شيخُنا الخضر في مجلته مجلة
стр. 6065
"الهداية الإسلامية" عدد ١٠٤ سنة (١٣٤٧ هـ / ١٩٢٨ م)، وأثنى على صاحبها ثناء جميلاً.
ونجد الشيخ الخضر يعرض بمواطنه وبلديّه الزعيم الشيخ الثعالبي، وينتقده، وذلك بنشره لرسالة كتبها ناقد ضدّ تصريحات للثعالبي تناصر في نظره الشيخ علي عبد الرازق.
والشيخ الثعالبي صديق حميم لعائلة عبد الرازق، وللأحرار الدستوريين، ولمّا سأله صحفي بالعراق، أجابه إجابة استفاد منها الكاتب: أنها تناصر آراء كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، مع أنّها -في الواقع- كانت تناصر حريّة الرّأي، وحقّ الصّدع به. فتلقّفتها مجلة "الهداية الإسلامية"، ونشرتها في عدد ٩ سنة (١٣٤٨ هـ / ١٩٢٩ م). ونشرُها دليل على الرضاء بما جاء بها من نقد لاذع لا يقوم في نظري على أساس متين، بل أقرب إلى الأسلوب الخطابي المهاجم.
وعلى كلٍّ، فهذه التصريحات بالعراق، ونقدها بمصر تجعل الزعيم الثعالبي مشاركاً في هذه المعركة الفكرية الحادّة، حتى ولو لم يقصد هذه المشاركة.
وقد شاركت جريدة "الصواب" التونسيّة في ذلك التاريخ بمقال تدافع به عن حرية الرأي، وتناصر ما ذهب إليه الزعيم الثعالبي، فتقول: هذا التحامل على الكتاب وصاحبه هو لنيل رضا نواح معينة ذات مطاعم في تبوُّء منصب الخلافة.
وهو مقال طويل يشارك به قلم آخر من تونس دفاعاً عن حرية الرأي، وإن لم يخض في صلب الموضوع، فهو يناصر شقاً، ويقف في الصفّ المقابل
стр. 6066
لصفّ شيخنا الخضر.
وقد كان شيخنا الخضر بالمرصاد لكل من تحدثه نفسه بالخروج عن المبادئ السليمة التي آمن بها، ولذا فقد ألف كتابه الآخر: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" رداً على طه حسين.
وكان كتابه هذا -أيضاً- من أحسن ما كُتب في الردّ على طه حسين، الذي اعترف بأنّ كتاب الشيخ الخضر أهم الردود، وأشدّها حجّة ضدّه؛ كما نقل عنه ذلك الشيخ الفاضل ابن عاشور.
وقد كتب شيخنا محمد الخضر نقداً آخر لطه حسين يرد به على البحث الذي قدّمه في مؤتمر المستشرقين بجامعة أكسفورد تحت عنوان: "حقيقة الضمير الغائب في القرآن"، وهو يقول في ردّه:
إنّ المحاضرة كانت طائشة الوثبات، كثيرة العثرات، وإنّ المحاضر وضع لمحاضرته أساساً خرباً، فكان ما بناه عليه متداعياً للسقوط متخاذلاً.
على أن الشيخ محمد الخضر لم يكف عن ملاحقة الشيخ علي عبد الرازق، وصد حركاته، والرد عليه كلما ظهر له نشاط علمي.
فقد نشر الشيخ علي عبد الرازق سنة (١٣٤٦ هـ / ١٩٢٧ م) مقالاً في جريدة "السياسة" الأسبوعية عرّض فيه بالأشخاص الذين يتمسحون بالأعتاب، ويعظمون بعض أصحاب السلطة والنفوذ، وقال: إن الرسول الكريم - عليه أفضل الصلاة والتّسليم - لم يكن ملكاً، ولا ثرياً، ولا فيلسوفاً، ولا فاتحاً عظيماً، ولا مخترعاً، وإنما تبدو عظمته في كلمة التوحيد: لا إله إلا الله.
فرد عليه الشيخ الخضر بمحاضرة تحت عنوان: "العظمة" ألقاها بعد شهر واحد من ظهور مقال الشيخ علي، وطبعت عامها بالمطبعة السلفية
стр. 6067
لصاحبها صديقه وصفيِّه محب الدين الخطيب.
وممّا شمله نقد الشيخ الخضر "كتاب الحدّاد عن المرأة" (١)؛ فقد نشر دراسة عنه في مجلة "نور الإسلام" التي يرأس تحريرها سنة (١٣٤٩ هـ / ١٦٣٠ م).
ثمّ نشرت هذه الدراسة في كتاب "بلاغة القرآن" المطبوع سنة (١٣٩١ هـ / ١٩٧١ م).
وهو ﵀ يتابع ما يكتب في جريدة "السياسة" الأسبوعيّة صحيفة حزب عبد الرازق، وإن عثر بها على رأي مخالف، انتقده وفنّده.
ففي فاتح سنة (١٣٥٦ هـ / مارس سنة ١٩٣٧) نشر في مجلة "الهداية الإسلامية" نقداً علميّاً معمّقاً يردّ به على مقال لأحد العلماء يتعلّق بالحدود في الإسلام.
وقبل ذلك، وفي سنة (١٣٤٩ هـ / ١٩٣٠ م) صدر كتاب "الهداية والعرفان في تفسير القرآن"، مؤلفه الشيخ محمد أبو زيد الدمنهوري، فنقده الشيخ الخضر نقداً طويلاً جامعاً، يعدّ -بحقّ- من المراجع العلميّة، أثرى به المكتبة الفقهيّة الإسلاميّة.
وهكذا واصل ﵀ عمله الثقافي والنقدي اللغوي، يبذل الجهد، ويواصل العطاء دون كلل. ولم يتخل عن حضور جلسات المجمع اللغوي حتى وافته المنية، واختاره الله لجواره منذ أربعين عاماً، وذلك يوم الأحد (١٣ رجب الأصب سنة ١٣٧٧ هـ الملاقي ٢ فيفري سنة ١٩٥٨ م)، ودفن
стр. 6068
بمقبرة آل تيمور بالقاهرة حسب وصيته، رحم الله هذا الرّجل العظيم العالم الجليل الذي أحببناه كما أحبّنا، وها نحن أولاء نعدد بعض محاسنه وآثاره العلمية في ذكرى وفاته الأربعين، (رمضان ١٤١٨ هـ - ١٩٩٨ م).
محمود شمام (١)
стр. 6069
على هامش ذكرى الإمام الشيخ محمد الخضر حسين
محاورة شعرية بين العالم الشاعر المرحوم علي النيفر، وشيخه العلامة الشاعر الإمام المرحوم الشعغ محمد الخضر حسين (١)
للأستاذ الفاضل محمد المختار النيفر (٢)
لمّا سافر الوالد -عليه رحمة الله- للحجّ في موسم (١٣٦٨ هـ - ١٩٤٨ م)، أقام أياماً بالقاهرة ذهاباً وإياباً، وسعى للاتصال بشيخه الخضر ﵀، وقد تيسر له ذلك، وحظي بكرم وفادته، ولدى رجوعه إلى تونس، حبّر هذه القصيدة البليغة؛ تنويهاً بشيخه العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، ووجّهها له بواسطة أحد أقاربه، وهو: المرحوم الشيخ محمد الطاهر النيفر؛ ليسلمها له في موسم الحج الموالي، وقد لبى له هذه الرغبة، وبلّغ هذه القصيدة لصاحبها، وإليكها:
أَزْجِ القوافي شُرَّداً وأوابدا ... لحمىً يعجُّ مكارماً ومَحامدا
وأَنِخْ كرائِمَها لديهِ فَساحُهُ ... ترْعى القصيدَ ولا تردُّ القاصدا
غيلُ الأعاربِ ملتقى أبطالِهم ... وربيعُ مُسْنِتِهِمْ وحَسْبُك رافدا
стр. 6070
حيثُ الرضا "الخضر الحسين" تخالُ ما ... يُبديه من غُررِ البيانِ قلائدا
حيثُ ابتنى في مصرَ للخضراءِ مِنْ ... عِرفانِه علماً يغيظُ الحاسدا
أعلى مناراً "للهداية" (١) في مغانيـ ... ـها فعادَ به المضلَّلُ راشِدا
وبه "لوا الإسلام" (٢) يخفق عالياً ... فأظلَّ مَحْروراً وأدفأَ صارِدا
قد أذكرانا منه صرح "سعادة ... عظمى" (٣) بتونس كان أعلى شائدا
و"الأزهر" المعمور حبّر "سفره" (٤) ... حقباً وأطلع في سَماهُ فَراقِدا
ولكمْ به قد بثَّ علماً نافعاً ... نقعَ الغليلَ لمن أتاه وارِدا
يحكي الذي أَحيا به "زيتونة" العرْ ... فان في علمٍ أضاء معاهدا
و"المجمع اللغوي" (٥) في مصرَ غدا ... فيه لما يُعلي العروبة ماهِدَا
وبحسبِهِ أنْ راح يرأسُ "جبهةً" (٦) ... لدفاعِ من ناوى المغاربَ صامدا
ما زال يرأسها بعزمةِ أيِّدٍ ... في صحبة الأبرار يدأبُ ذائِدا
سبحان من أولاك علماً واسعاً ... وتقىً وخلقاً مثل خِيمك ماجِدا
يا فخرَ تونس يا ميمّمَ من نأى ... عنها بمصرَ مُهاجِراً أو وارِدا
стр. 6071
يا أنسَ مغتربٍ وموئلَ لاجئٍ ... وكفى بما شهد البريّة شاهدا
أهدي لكم مني تحيةَ شائق ... لكريم خلقكم الهنيّ مواردا
ما زلتُ أذكرها بمصرَ مجالساً ... لكُم علينا قد نثًرْنَ فَرائدا (١)
أبقاك من رقاكَ أرفعَ رتبةٍ ... وحباك من كل الأمورِ مَراشِدا
وبقيتَ من كل الخُطوبِ مسلَّماً ... لجميعِ ما ترجو وتأملُ واجدا
علي النيفر
تونس ٢٧ ذو القعدة ١٣٦٨ هـ
لما بلغت القصيدة الشيخَ الإمام محمد الخضر حسين، أنس بها، وأجاب عنها بقصيدة على نفس الروي والقافية، وجّهها للوالد (الشيخ علي النيفر) عن طريق البريد، بتاريخ المحرم سنة (١٣٦٩ هـ - ١٩٤٩ م) قدّم لها بما يلي: "حضرة الأستاذ الماجد الشيخ علي النيفر -حفظه الله-.
بعد إهداء أطيب التحية، أتشرف بأن أجيب عن قصيدتكم الغرّاء بالقصيدة التالية":
رعى اللهُ حسنَ العهْدِ هزَّ قريحةً ... فألْقَتْ علينا من حَلاها فَرائدا
وما الكَلِمُ الفُصْحى سِوى دُرَرِ إذا ... تَلاقتْ على القِرْطاسِ صارت قَلائدا
وربَّ قصيدٍ هاجَ ذكرى تثيرُ مِنْ ... تَباريحِ شوْقٍ ما يُذيبُ الجَلامدا
قصيدٌ بدا من أفْقِ أرضٍ نشأتُ في ... مِهادِ رُباها لا عدِمْتُ القصائدا
стр. 6072
أبا الحَسَنِ اسْتَسْمَنْتَ ذا ورَمٍ أما ... ترى عزْمَه بين الجَوانح خامِدا (١)
ولا خيرَ فيمنْ عاد صارمُ عزْمِهِ ... كَهاماً وَيرْضى أن يُسمّى المجاهِدا
وأطربتَ ظمآنَ استبانَ لِداتُهُ ... مَواردَ عِرْفانٍ وضلَّ المَواردا
نظرتَ بعينِ الوِدّ سيرَتَه فما ... دَرَيْتَ الذي تَدْريه لو جِئْتَ ناقِدا
حَمِدْنا سُراكم يومَ وافيتَ قادماً ... على الطّائرِ الميمونِ للحجِّ قاصِدا
طَلعْتَ علينا واشتياقي لتونسٍ ... يقلِّبُ جَمْراً بين جنبيَّ واقدا
فأهْديتَ طاقاتٍ من الأُنْسِ طالما ... بَكَرْتُ لها بين الخَمائلِ ناشِدا
لقيتُ بلقياكَ الأريبَ الذي حكى ... بسيرته الحسناءِ جَدّاً ووالدا (٢)
ذكرتُهما عندَ اللقاءِ وإنما ... ذكرتُ علوماً جمةً ومَحامِدا
ولم أنْسَ أنْ كان الموقَّرُ جدُّكُم ... غداةَ امتحاني مُستشاراً وشاهِدا
فنوَّهَ بي عَطْفاً وتنويهُ مِثْلِهِ ... يروّجُ ذِكْراً مثلَ ذِكْرِيَ كاسِدا (٣)
بعَيْشِكَ حَدِّثْني عن المعهد الذي ... قضيت به عهدَ الشبيةِ رائدا (٤)
حَظيتُ بأشْياخٍ ملأتُ الفؤادَ مِنْ ... تَجِلَّتهمْ لمّا خَبِرْتُ الأماجدا
بيانُ أديبٍ يقلِبُ الليلَ ضَحْوةً ... وفِكْرَةُ نِحْريرٍ تَصيدُ الأوابِدا
стр. 6073
فلم يُرِني أدْرى وأنبلَ مِنْهُمُ ... رحيلٌ طوى بي أبْحُراً وفَدافِدا
ويأبى قريضي وهو ضَيْفُ حِماكَ أن ... يَمُرَّ بمرْسى المَهْدوِيِّ مُحايِدا (١)
فَلي في نَقاها جيرةٌ كنتُ أقتَني ... طَرائفَ من إيناسِهِمْ وتَلائِدا
فدعْهُ يُحيّيهم حِفاظاً لعهْدِهِمْ ... ويأوي إلى مَغْناكَ في الطّرْسِ عائِدا
المخلص
محمّد الخضر حسين
стр. 6074
في ذكرى الشيخ الإمام محمد الخضر حسين (١٨٧٣ هـ -١٩٥٨ م)
حول شعر الخضر (١)
موجز كلمة عن (شعر الشيخ محمد الخضر بن الحسين) ألقي في سهرة من سهرات رمضان (١٤١٨ هـ، ١٩٩٨ م)، إثر محاضرة عن حياة الشيخ وأعماله ألقاها الأستاذ محمود شمّام ... على منبر (قدماء الصادقية).
أعددت لهذه السهرة الرمضانية حديثاً موسَّعاً عن المغفور له العلامة الشيخ (محمد الخضر بن الحسين)، في خصوص (جانبه الشعري)؛ وذلك:
بالنظر في ديوانه "خواطر الحياة"، وإخضاعه للمقاييس الشعرية: قديمها وحديثها.
وبالنظر -أيضاً- فيما له- هو نفسه- من رأي في الشعر، أو في شعره خاصة، سواء من خلال شعره؛ كقوله:
لا خيرَ فيمنْ جفَّ طبعاً، واشترى ... بلطائفِ الأدباءِ كأسَ مُدامِ
والشعرُ كالبيْداءِ: هذا مَهْمَهٌ ... قفْرٌ، وهذا مرتعُ الآرامِ
أو من خلال كتابه: "الخيال في الشعر العربي" الذي وقفت عنده قليلاً:
أ - لأقارن -من حيث الشكل في الأقل- بينه وبين محاضرة شاعرنا:
стр. 6075
(أبي القاسم الشابي) التي أُلقِيت على منبر جمعيتنا هذه: (قدماء الصادقية)، بعنوان: "الخيال الشعري عند العرب).
ب - لأتساءل: أكان لأحدِ الرجلَيْن تأثّر بالآخر في هذا المجال، أو تأثيره فيه؟ ثم انتقلت من المقارنة بين الشابي وابن الحسين في أثريهما المعنِيّيْن بالخيال الشعري، إلى المقارنة بينهما في عنواني ديوانَيْهما؛ إذ تعلّقا معاً فيهما بالحياة، فبينما سمّى صاحب سَهرتنا ديوانه: "خواطر الحياة"، نجد الشابيّ يسمي ديوانه: "أغاني الحياة"!.
وقد تساءلت -هنا أيضاً- عن مدى تأثّر أحد الشاعرين بالآخر، أو تأثيره فيه ...
قلت: إنّي أعددت حديثاً موسّعاً، ذلك موجز مدخله ... إلا أن حرصي على الاختصار في تدخّلي هذا دعاني إلى الاقتصار فيه على النتائج، وطيّ المقدّمات، إلا أقلّها.
ومن النتائج التي انتهيت إليها:
أنّ الشيخ الخضر يندرج -حسب رأي- في الطبقة الثانية (١) من طبقات الشعراء الذين تحدّث عنهم الشاعر -أو الناظم- الطريف الذي صنع هذه الأبيات:
الشعراءُ -فاعلمن- أربعهْ ... فشاعرٌ يجري ... ولا يُجرَى معَهْ
وشاعرٌ يخوض كُلَّ مَعْمَعَهْ ... وشاعرٌ لا تَشْتَهي أنْ تسمعَهْ
وشاعرٌ لا تَسْتَحِي أنْ تَصْفَعَهْ
стр. 6076
ذلك؛ لأنّ صاحبنا مكتمل الأدوات الشعريّة، فهو متين الديباجة غالباً، عارفٌ بمداخل الشعر ومخارجه، قادرٌ على أن يلج به كل ميادين الحياة، ولكنّه لم يكن -في جُلّ شعره- بارع الخيال جدّاً، أو ذا صور شعريّة رائعة ... وإن كان من صوره ما يحرّك قارئه أو سامعه، وهو كثير، ويستجيب للقاعدة التي سنّها القديم القائل:
إذا الشعرُ لم يَهْزُزْكَ عندَ سمِاعِهِ ... فليس جديراً أن يُقال له الشعرُ!
ومن نماذج شعر الخضر: هذه القطعة التي اقتبس من عنوانها عنوان ديوانه: "خواطر الحياة"، والتي أنشأها وهو طريح الفراش، فظهر أثر ذلك في بعض أبياتها:
أرَقٌ وهل يبغي القريحُ سوى السُباتْ؟ ... والقلبُ خفّاق كقادِمَةِ القَطاةِ
لا تُرْهقيني -ياحياةُ- ضنىً ... أما ... يكفي خطوبٌ كالأسِنَّة في اللَّهاةِ؟
ما أنت ملقيةٌ بسلْمٍ أقتني ... في ظلّه الضافي مفاخرَ رائعاتِ
وإذا طغَى سَقَمٌ ليُسلِمَني إلى ... بطنِ الثَّرى ... أيقظتُ أجفَانَ الأُساةِ
إنْ كنتُ مرقاةَ الفلاح لأمَّةٍ ... ضَربت بسطوتها على أيدي البُغاةِ
فالمَوتُ مِرقاةُ الهناءَةِ يوم لا ... يجد الأسارَى مِنْ فداءٍ أو حُمَاةِ
ونزعة التأمّل والاعتبار التي تلوح في هذه القطعة، وفي عدد من مقطوعاته الأخرى، وأبياتٍ من قصائده، مع العلم -من الاطّلاع على حياته- أنه، إلى جانب تضلّعه في اللغة، كان من خيرة فقهاء عصره ...
هذان الأمران دفعاني إلى التساؤل عمَّا إذا كان شعر الخضر من (شعر الفقهاء)؟.
стр. 6077
وانتهيتُ إلى الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب وبالسلب في آن واحد، دون الشعور بأيّ تناقض:
أجبتُ بنعم؛ لأنّ رَبَّ أيَّةِ صناعة لابدّ أن يتأثّر بصناعته تأثّراً يقوى حيناً، ويضعف حيناً. ولكن هذا التأثّر لا يبلغ مبلغ الانتقاص من قيمة إنتاج المنتج إذا كان يمتلك أدوات الإنتاج؛ وذلك ما أثبتناه قبلُ لصاحبنا.
فالفقيه -أيُّ فقيه- لا يَعيب شعرَه أنّه فقيه، بل يعيبه أنه لا يملك ما يُنتجِ به الشعر؛ بأن يكون ضَحْلَ الخيال الذي يولّد به الصُّوَر الشعريَّة، أو يكون غيرَ قادر على التصرّف في اللّغة التي يعبّر بها عن صُوَره، برغم أنه يعرفها حقَّ المعرفة، بوصفه فقيهاً دارساً لكتاب الله تعالى، ولسنّة رسوله ﷺ ، وهما من أروع النّصوص الأدبية التي تميّزت بها الفغة العربية. واستدللتُ على أنّ وصف المنتج بالفقيه لا يعيب شعره حتماً، بأمرين:
أوّلهما: أنّ من كبار الفقهاء، بل المجتهدين منهم، مَنْ كان معروفاً بالشاعريّة، وعنيت بذلك خاصة (الإمام الشافعي)، الذي جُمع له من شعره ديوانٌ، والذي يعتز بذلك الشعر، ويصل به الأمر إلى حد أن يفخر -وهو المتواضع- بشاعريّته، فيقول:
ولولا الشعرُ بالعلماءِ يُرزي ... لكنتُ -اليومَ- أشعرَ من لَبيدِ
ومن هذا القبيل: أن أهل الفكر والأدب، شعرِه ونثره، لم يكن أيٌّ منهم في المجتمع الإسلامي ليخلوَ من تمكّن من (الثقافة الإسلامية)، بما فيها: الفقه وأصوله، والعقائد ... ونحوها، ومع ذلك، فقد برع منهم مَن لا يحْصَون عدّاً في الإنتاج الأدبي -ومنه الشعر-، دون أن يُعاب أحدٌ منهم بفقهه أو عقيدته، وكفانا هنا ذكر (الجاحظ)، وما له من شهرة بالبراعة في النثر العربي، وهو
стр. 6078
صاحب مذهب فيه، كما أنه صاحب مذهب في العقائد.
لكن لا يمكننا أن ننكر -مع كل ما ذكرناه- أن للفقيه حدوداً خلُقيّة يقف عندها، ولا يسمح لنفسه أن يتجاوزها في سبيل أن يوصف إنتاجه الشعري أو غيره بأنه جيّد. كما أنّ له قِيَماً ومبادئ تتسرّب في شعره- حتى إذا لم يتعمّد إقحامها - تأثّرَاً بمكوّناته ... بينما يتحللّ منها الشاعر غيرُ الفقيه، بما يُكسبه قَبولاً عند قرّائه ومستمعيه، ويجعل حظّه في النجاح أوفر.
وخاصّة لدى الشبّان، والمتطلّعين إلى دغدغة العواطف! وقديماً قيل: "الشعر نكِدٌ ... يضعف في الخير، ويقوى فيما عداه"، أو ما في معناه.
وقد ختمتُ هذا الاستدلال الأول بذكر (أبي العتاهية) في طوره الثاني، حين أعلى في شعره الزهد ... وقلتُ هنا: إنّ أحداً لم يقل بأنّ هذا الشاعر لم يعد في هذا الطور شاعراً؛ لأنه تزهّد، ومال إلى القول في الأخلاق والدين، وركّز بدل الدنيا على الآخرة. وأشرت إلى أنّه لم يحتفظ بمكانته الشعريّة إلّا لأنّ اكتمال أدواته الشعريّة لم يزُل عنه. وكذلك كل شاعر، ولو كان فقيهاً كالشيخ الخضر؛ مع بقاء الفوارق القائمة بين أيّ شاعر وآخر، أو طبقة وأخرى من الشعراء، طبعاً.
وثانيهما: -أي: ثَاني الاستدلالَيْن-: أنّه لا فرق عندي بين الشاعر الفقيه، والشاعر الحقوقي، وغيرهما من أصحاب الاختصاصات العلمية الأخرى، في عصرنا وبلدنا، وفي سواهما من الأعصار والأمصار، ومن أمثلة ذلك:
أ - في تونس:
- الشاعر الحقوقي: محمد الهادي المدني.
- الشاعر الصيدلاني: الحبيب جاوحدو.
стр. 6079
- الشاعر الاقتصادي: محمد السعيد الخلصي.
- الشاعر الفيزيائي: علي بلحاج (علي عارف).
- الشاعر المؤرخ: الميداني بن صالح.
ب - في مصر:
- الشاعر المهندس: علي محمود طه.
- الشاعر الطبيب: إبراهيم ناجي.
الشاعر النحال: أحمد زكي أبو شادي ... إلخ.
ولمَ نذهب بعيداً، ونحن نعلم أن "رباعيّات الخيّام" من أروع الشعر العالمي، وصاحبها فلكي؟! وأن "إيليا أبو ماضي" آية في الشاعرية بين المعاصرين، وهو تاجر؟.
هذا ما يخصّ الإجابة بـ "نعم" عن سؤالنا: هل كان شعر الخضر بن الحسين شعر فقهاء؟.
أمّها الإجابة بـ "لا"، فقد اكتفيتُ فيها بإيراد نماذج من شعر الخضر، تُغني عن أيّ تعليق، وإن علّقت على بعضها، وهي تقيم الدليل على أنّ صاحبنا شاعر لا يخلو من إجادة، بل وبراعة.
فالرجل الذي يقف في مناسبات عديدة بين أقطاب اللغة والمعرفة والأدب من عرب مسلمين، وعرب غير مسلمين، ومُستشرقين، وغيرهم من السياسيّين المتضلّين في الخطاب وفنون القول، ويلقي قصائد مطوّلة، أو لنقل: معلّقات يصل بعضها إلى ستين بيتاً، لا يضعف فيها ولا تتداخل معانيه؛ لا يمكن أن يُحجب عنه وصفُ الشاعريّة، أو تُنتقص بأنّها من (شعر الفقهاء).
فلنستمع إليه وهو يخاطب أولئك المختصّين، مُحَييّاً (مجمع اللغة
стр. 6080
العربية بمصر) الذي هو أحد أعضائه المؤسِّسين؛ فيقول في المطلع:
ما زلتَ تقتِنصُ المنى أسْرَابا ... وتُديرُ من خَمْرِ الصَّفا أكوابا
ويقول بعد:
أسلو البقاعَ سوى تهامةَ إنها ... كانتْ إذا خبروا البلادَ لُبابا
هي هالةُ العرْبِ الأُلى شادوا على ... هامِ النجوم الزاهراتِ قِبابا
وأمدّهم وحيُ السّماءِ بحكمةٍ ... ساسوا بها الأجسامَ والألبابا
إنْ سولموا كانوا الملائكَ سجَّداً ... أو حُوربوا كانوا الليوثَ غِضابا
عرّجْ على التاريح يُملِ عليك من ... خطراتِ هاتيكِ النفوسِ عُجابا
لا أظنّ أنّ مثل هذا الشعر فيه ما يعيب قائله! بل هو الشعر!
ولا أظنّ أننا في حاجة إلى الوقوف مع الخضر أمام (مجمع اللغة العربية) مرّة أخرى، برغم أنّه كرّر وقفاته عنده، وعدّد قصائده فيه، مُنَوّهاً بالمجمع وغاياته النبيلة، ومنتصراً للّغة العربية الفصيحة، ومُحَيِّياً رجالات الفكر الذين يعملون في صلب المجمع لإحياء اللغة وقواعدها وتراثها؛ جارياً في ذلك على نحو ما كان أنشده هو نفسُه من شعر في "حياة اللغة العربية"، على غرار ما فعل حافظ إبراهيم على لسانها ...
ومن أبيات الشيخ الخضر:
لُغَةٌ أُودِعَ في أصدافِها ... من قوانينِ الهدى أَبْهى دُرَرْ!
لغةٌ يُقطَفُ من أغصانها ... زهْرُ آدابٍ وأخلاقٌ غُرَرْ
هي بحرٌ ... غُصْ على حِليتها ... فلآلي البحر ليست تنحصر
ونخلص من حديث "اللّغة" في هذا الشعر، إلى استعراض جملة الأغراض
стр. 6081
التي عني الخضر في قصائد ديوانه بالإنتاج فيها: وهي -في مجموعها- أغراض الشعراء الذين سبقوه، أو عاصروه من أبناء العروبة والإسلام، إلّا أنّه اهتمّ كثيراً بالمبادئ والقيَم؛ من دين، وأخلاق، واجتماعيّات ... خصّص لبعضها قصائد، واكتفى في بعضها الآخر بمقطوعات، أو خواطرَ عابرة.
وأحسب أن الأَنَفَة وعزّة النفس هي أبرز -أو من أبرز- ما أنشأ فيه شعره. مثلاً: (نخوة):
تبغي الليالي إن تَفُلَّ حُسامي ... وتصدَّ وجدي بالعلا وغرَامي
طفقَتْ تحثُّ خُطا المطيّةِ بعدَما ... أَلقت لها أيدي النّوى بزِمامِ
أتَخالني أبلَى بسلوةِ خاملٍ ... ما شطَّ عن وطني العزيز مقامي
العزمُ ما بين الجوانح مرهَفٌ .... والمجدُ أنّى سِرتُ فهو أمامي
والحديث عن (الوطن) الأنيس في هذه الأبيات ينبهنا إلى غرض آخر جليل من أغراض شعر الخضر، لا يكاد يغفل عنه، وهو (الوطنيات) التي ألهبت حماستَه إلى القول فيها غُربتُه الطويلة المبكرة، وكثرةُ ما عاناه في تنقّلاته ورحلاته (البَطّوطية).
ومن نماذج وطنيّاته: قَوله -إثر محادثة له مع أديب قدم عليه من تونس-:
أمحدّثي ... رُبّيتَ في الوطن الذي ... رُبّيتُ تحتَ سمائه وبلغتُ رُشْدا
وجَنْيتَ زهر ثقافة من روضَةٍ ... كنتُ اجتنيتُ بنفْسجاً منها ووَردا
هاتِ الحديث ... فإنّني أصبو ... إلى ... أنباء "تونسَ" من صميم القلب جِدّا
وهو لا يذكر "تونس" إلّا ذكر معها، أو في مقدّمة حديثه عنها "جامع الزيتونة"، ونوّه به وبأهله، معترفاً بفضله -وفضلهم- عليه، كما يتّضح ذلك
стр. 6082
من المثال سالف الذّكر، وسواه.
ويرتبط بوطنيّاته أوثقَ ارتباط: غرضان آخران، هما: "المِلّيّات" بما يشمل "العروبة" و"الإسلام" وبلدانهما، ثم "الإخوانيّات" بما يشمل الكلام عن أصدقائه وأترابه القدامى والمحدَثين.
ففي مجال "المِلّيّات" نجد الرجل من السبّاقين إلى تناول موضوع "فلسطين والصهيونية"، وما لوعد "بلفور" من ظلم فادح للعرب والمسلمين، وفي قصيدة: "أي فلسطين" شاهدٌ على ما نقول؛ إذ جاء في أبياتها الأولى قوله:
نصبَ البُغاةُ على ذراكِ لواءَ ... وكسَوْا مرابعَكِ الحسانَ دماءَ
كنتِ الشّرى ... وديارُك الآجَامُ ... لا ... يبني حَوالَيْها الجبانُ خِبَاءَ
وبنوكِ أسْدٌ ... مَن يجسّ طبَاعَها ... لم يلقَ إلا نخْوةً وإِبَاءَ
وفي الأثناء نجده يقول:
ما لليهود استوطنوكِ ... وصاعروا ... بعد الهوانِ ... خُدودَهم خُيَلاءَ
هاتي -فلسطينُ- الحديثَ عن الذي ... خَلَعت يداه على اليهود وَلاءَ
وأعدَّ للعرب الكرام قذيفَةً ... فتّاكةً ... أو طعنةً نَجْلاءَ!
ما "وعد بلفورٍ" سوى الزَّبَدِ الذي ... يطفو ويذهبُ في الفضاءِ جُفاءَ
نرجو أن يكون كذلك، ولكن لا يظهر لهذه النّبوءة في الواقع أيّ أثر. وللشاعر في "الملّيات" قصائدُ ومقطوعاتٌ عن غير فلسطين، وأخصّها عن "دمشق الشام، والسعوديّة، وتركيا، وشمال إفريقية، ومصر"، وغيرها، ونحن نكتفي بما ذكرناه منها.
стр. 6083
أما "الإخوانيّات"، فهي عند ابن الحسين ميدان فسيح، وعالم ممتع له ولقرّاء شعره؛ تلمس فيه وفاء الرجل وإخلاصه، وحسنَ تعامله مع الذين تربطه صلة الأخوة بهم، وتربطهم به.
وتتميّز إخوانيّاته التونسية عن سواها تميزاً واضحاً؛ إذ هي ترتبط عنده دائماً بذكرى الوطن، والحنين إليه وإلى ذويه.
ومن بين التونسيين يتميز الشعراء الذين بادَلَهم شعراً بشعر؛ كأمير شعراء تونس المغفور له "محمد الشاذلي خزنه دار"، والشاعر الملهَم المغمور الشيخ "عليّ النيفر" ... وحتى الشعراء غير المعروفين بإنتاجهم للشعر من التونسيّين؛ مثل: الشيخ "محمد المأمون النّيفر".
ومن طريف من نلتقي بهم في هذا المجال الإخواني: علّامتنا الشيخ "محمد الطاهر بن عاشور" الذي نكتشفه شاعراً في مراسلة لصديقه الحميم شاعرِنا العلّامة الشيخ "محمد الخضر بن الحسين" الذي يجيبه عنها بقصيدة من وزنها وقافيتها:
فقصيدة ابن عاشور منها: قوله في أولها:
بعدتَ ونفسي في لقاكَ تَصيدُ ... فلم يغنِ عنها في الحنانِ قصيدُ
وخلّفتَ ما بين الجوانحِ غُضَةً ... لها بَين أحشاءِ الضّلوعِ وَقودُ
وفي جواب الخضر نقرأ قوله، في المطلع:
بعدتُ بجثماني. . . وروحي رهينةٌ ... لديكَ. . . وللودِّ الصميمِ قيودُ
لقيت الوداد الحُرَّ في قلب ماجد ... وأصدق من يُصْفي الوداد مَجيد!
ويقول في بيت الختام ... ولا ينسى وطنيّه ونضاله:
стр. 6084
ليالٍ قضيناها بتونس ... ليتَها ... تعودُ وجيْشُ الغاصِبين طَريدُ
وعلى ذكر ابن عاشور أقول: إنّ في شعر ابن الحسين ما يدل على أنّه يعتبره صفيّه وخلّه الودود، ولذا فإنه كلّما ذكر تونس، أو شأناً من شؤونها، أو بعضَ أهلها، جرّه ذلك إلى ذكر "ابن عاشور"، كما كان يذكر "الزيتونة"، ولا يوازي الشيخَ ابنَ عاشور في هذه المكانة إلا أحمد تيمور باشا في مصر، وفي ذلك يقول بعد موت تيمور:
تقاسَم فلبي صاحبانِ، وَدِدْتُ لو ... تملَّتْهُما عينايَ طولَ حياتي
وعلّلتُ نفسي بالمنى، فإذا النوى ... تُعِلّ الحشا طعناً بغير قَناةِ
فـ (أحمدُ) في مصرٍ قَضى و (محمّدٌ) ... بتونسَ لا تَحظَى به لحظاتِي
أعيشُ وملءُ الصدْرِ وحشةُ مترفٍ ... رمتْه يدُ الأقدارِ في فَلَواتِ
ومن هذه "الإخوانيات" أنتقل مع شاعرنا الخضر إلى غرضين تقليديين، هما: "المدائح"، و"المراثي".
فأمّا "المدائح"، فهي نادرة في شعره، ولكنّها موجودة؛ وفي طليعتها ما لا يكاد يخلو منه ديوان شاعر مسلم، وهو: "مدح خير البريّة" ﵊ والتحيّة -. وللشيخ الخضر في ذلك أكثرُ من مدحة نبويّة، ومنها "قافيّة" في "ذكرى المولد" عام ١٣٥٩ الهجري، يقول فيها:
ذكرْنا كيفَ لاحَ جبينُ طه ... وهَبَّ الفجرُ يُؤْذِنُ بانبثاقِ
كأن الفجرَ والميلادَ جاءا ... لإجلاءِ الظّلامِ على اتّفاقِ
ألا مَنْ مبلغٌ قمراً توارى ... وساطعُ نورِه في الناس باقِ
سلاماً كالصَّبا مرّت بروضٍ ... ولاقتها الكمائمُ بانفتاقِ
стр. 6085
أرومُ مديحَه وإخالُ أنّي ... سأحظَى منه بالسيْلِ الدِّفاقِ
فيبهرُني عُلاه ... كأنّ فكري ... توثّبَ وهو مشدودُ الوَثاقِ
ومن مدائح الخضر الشهيرة: "موشحه التّام" المطوَّل الذي أنشأه في "عبد الرحمن الداخل": (صقر قريش) ... ولا مجال هنا لإيراده.
وأمّا "المراثي"، فهي عند الشيخ الخضر بابٌ آخر من أبواب القول الذي يتحرّى الإجادة فيه، والتعبير به عن الوفاء والإخلاص، فوقَ التعبير عن لوعة الفراق الأبدي، وما ينوب المفجوعين في الفقيد -أو الفقيدة- من خسارة لا تعوّض بحال.
وقد تناولت مرثيات الخضر في الطليعة: أمّه، السيّدة "حليمة بنت الشيخ مصطفى بن عزّوز"؛ وتناولت زوجته -بل إحدى زوجاته- السيدةَ "زينب".
كما تناولت عدداً من الشخصيات التاريخية؛ مثل: "صلاح الدين الأيوبي"، أو المعاصر مثل الوزير "محمد العزيز بو عتّور"، وشيخه المفضّل المحترم "سالم بو حاجب"؛ وله مراثٍ في سوى هؤلاء.
وممّا جاء في رثاء والدته: قوله:
أوْدَعُوها قعْرَ لحدٍ، ضرَبوا ... فوقَه من لازبِ الطينِ خِتاما
يا سقاةَ التّرب ماءً. . . هاكمُ ... عبراتي. . . إنّ في الجَفن جِماما
أفلا يبكي الفتى نازحةً ... سهرَتْ من أجله الليلَ وناما؟
هنا أقف عن عرض المختارات المبوّبة من شعر محمد الخضر بن الحسين، بل عن الكلام بالتمام، برغم أنّ عنوان ديوان شاعرنا "خواطر
стр. 6086
حياة" حملني على تتَبُّع خواطره الحرّة المسجّلة في مقطوعات، والمنبثقة بين قصائده هنا وهناك؛ وبعد تتبّعها، اخترت منها الكثير، وبوّبتها، وعلّقت على بعضها تعليقات لا يتّسع المقام لتقديمها، ولا حتى لتقديم الخواطر مجرّدة عن التعليقات، وإن كان في بعضها طرافة وشاعريّة. فليقس ما لم يقل ...
الأستاذ البشير العريبي (١)
стр. 6087
قال أمير شعراء تونس الشاذلي خزنة دار في تهْنِئَة الشيخ الخضر بن الحسين بمشيخَة الجامع الأزهر، ودخول العام الهجري الجديد
" لِمشيخةِ الجامعِ الأزهَرِيّ ... تَهاني ابن تُونسُ والجامِعَيْنِ
وَإِقْبال عَام جَديد سَعيد ... يُؤَرّخُهُ الخِضر بنُ الحُسَيْنِ"
١٣٧٢ هـ - ١٩٥٢ م
стр. 6088
محمد الخضر بن الحسين التونسي (١)
(السيد محمد الخضر بن حسين التونسي) المالكي، اللغوي، شيخ الجامع الأزهر، الإمام، العلامة، البحر، الحبر، الصالح، الفالح.
ولد -رحمه الله تعالى- سنة ١٢٩٢ هـ في "نفطة" من مقاطعة الجريد بتونس. ووالده من أسرة شريفة أصلها من الجزائر.
وكانت والدته من صالحات النساء، وله فيها قصيدة: (بكاء على قبر) أنشأها لما بلغه خبر وفاتها سنة ١٣٣٥ هـ، ووالدها جدّه لأمه من أهل العلم والفضل أبو النخبة مصطفى بن محمد بن عزّوز الولي العارف الفقيه التقي، المتوفى سنة ١٢٨٢ هـ، ترجمه في "شجرة النور الزكية"، وتاريخ الوزير أحمد ابن أبي الضياف، وللشيخ إبراهيم الرياحي فيه مدائح شعرية ونثرية.
وأبو جدّه لأمه العالم الفاضل العمدة محمد بن عزّوز المقرئ، أخذ عن والده القراءات والعلوم، ترجمه في "شجرة النور الزكية"، والشيخ الحفناوي ابن عروس في "تعريف الخلف برجال السلف".
стр. 6089
أما خاله، فهو الإمام الرحلة السيد محمد المكي بن عزوز المالكي، فهو من كبار علماء عصره، اشتهر بالحديث والفقه، والأصول والأدب، مع الصلاح الظاهر، وترى في "فهرس الفهارس" للسيد عبد الحي الكتاني- رحمه الله تعالى- ثناء كبيراً عليه في المقدمة، وفي ترجمته، توفي في إستانبول سنة ١٣٣٤ هـ ﵀ تعالي-، وترجمه ابن أخيه السيد محمد الخضر، وله قصيدة في رثائه أثبتها في "ديوانه"، وهو من أَمَنِّ الناس عليه في العلم.
وفي سنة ١٣٠٦ هـ انتقلت أسرته من "نفطة" إلى تونس، وكان قد تلقى بعض المبادئ الشرعية والعربية، وتأدب بأدب الإسلام، فالتحق بجامع تونس الأعظم الزيتونة سنة ١٣٠٧ هـ، وتلقى العلم عن جهابذة علماء الزيتونة، وفي سنة ١٣٢١ هـ حصل على الشهادة العالمية، وطُلب منه التدريس، ولكنه أبى، وواظب على حضور دروس مشايخه، ومنهم: سالم بن عمر بو حاجب، وخالد المكي بن مصطفى بن عزّوز، وصالح الشريف، والمفتي محمد بن عثمان بن النجار، وغيرهم من أكابر علماء الزيتونة.
وفي سنة ١٣٢٤ هـ تولى القضاء بمنطقة (بنزرت)، والتدريس والخطابة بجامعها، ولكنه بعد عدة سنوات ترك القضاء؛ لأن الجمع بينه وبين حياته العلمية صار صعباً عليه، فجلس للتدريس بجامع الزيتونة، وفي المدرسة الصادقية بتونس، واعتنى بالكتب الملحقة بالزيتونة، وقام بترتيبها.
وفي أثناء تدريسه، كان له عدة محاضرات في أماكن متعددة، دعا فيها إلى طاعة الله تعالى، والوقوف على أسرار أحكام الشريعة المطهرة، ومجاهدة الكفار، واعتنى باللغة العربية اعتناءً قلَّ نظيره.
وفي سنة ١٣٢٩ هـ، وجهت إليه -بسبب مهاجمته للكفار- تهمة العداء
стр. 6090
للغرب، وأصبح ملاحقاً، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله المذكور، ثم عاد إلى تونس، ولكنه وجد الأمر كما هو أولاً، فعزم على الهجرة إلى دمشق الشام -حرسها الله تعالى-، فمرَّ في طريقه إليها بمصر، واجتمع بالنخبة المختارة؛ كالشيخ بخيت المطيعي، والشيخ حسونة النواوي، والشيخ أبي الفضل الجيزاوي، والشيخ طاهر الجيزاوي، وصديقه الحميم -فيما بعد- أحمد تيمور باشا، وغيرهم.
ولما وصل دمشق، اعتنى بمقابلة العلماء، وتفحّص المخطوطات، ودرّس اللغة العربية في (المدرسة السلطانية) بدمشق.
وفي سنة ١٣٣١ هـ ركب سكة الحجاز لزيارة الرسول ﷺ ، وأداء النسكين، فتم له ذلك، وله قصيدة في هذه الزيارة ذكرها في "ديوانه".
وفي أثناء تدريسه للغة العربية في دمشق، درّس كتاب "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام الأنصاري المتوفى سنة ٧٦١ هـ بمحضر جماعة من حذّاق الطلاب، وكان يرجع في المسائل المتعلقة بالسماع والقياس إلى الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه بعض الطلاب جمع هذه المحاضرات، فألف مقالات تشرح حقيقة القياس في اللغة العربية، ومنها ألف كتابه الفذّ "القياس في اللغة العربية" المطبوع مرات. وتردد في هذه الفترة ما بين إستانبول ودمشق، وفي أثنائها دخل السجن في دمشق، ثم أُفرج عنه بواسطة أنور باشا.
وبعد تدهور الأحوال في الشام، ودخول الكفار، هاجر الشيخ إلى مصر سنة ١٣٣٩ هـ.
وفي مصر اشتغل بالكتابة والتحرير والدرس، مع المطالعة التي لا تنتهي.
стр. 6091
ورغب -رحمه الله تعالى- في الانتظام في سلك علماء الأزهر، فتقدم لامتحان الشهادة العالمية -وهو العالم المشهود له بعلمه من العلماء-، فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كلما اكتشفت آفاق علمه، زادت في المناقشة، وتخرّج على يديه واستفاد بعلمه كثير من الحذاق.
وفي سنة ١٣٤٤ هـ كتب ردّاً قوياً دفع به شُبه كتاب "الإسلام وأصول الحكم" سمَّاه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وفي شهر واحد نفدت طبعته؛ لشدة الإقبال عليها، ثم كتب رداً قوياً على كتاب "في الشعر الجاهلي"، سمَّاه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي".
وتسابق أصحاب المجلات الإسلامية إليه للكتابة على صفحاتها، فكتب في مجلات "نور الإسلام"، و"الأزهر"، و"الهداية الإسلامية"، و"الشبان المسلمين"، و"لواء الإسلام".
وأسس جمعية إسلامية كبرى اسمها: (جمعية الهداية الإسلامية) ضمت العديد من علماء الأزهر، وكان يقضي كثيراً من الليل بها في محاضرة الشباب وأهل الفضل بأساليبه البليغة السهلة، وتقريره الحسن، وقد جمع الكثير من محاضراته هذه في كتابه "رسائل الإصلاح" الذي طبع في ثلاثة أجزاء.
وعندما أسس (مجمع اللغة العريية) بالقاهرة، كان المترجَم له من أقدم أعضائه، وكتب في مجلته، وساهم في نشاطه إسهاماً ملموساً، وله بحوث وقصائد في الدفاع عن اللغة العربية، وبيان أسرارها، وعرض جوهرها، وانتخب عضواً مراسلاً بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
وواصل السيد محمد الخضر حياته في الخطابة والمحاضرات، والكتابة
стр. 6092
والدرس في حلقات الأزهر وكلياته، فكان يدرِّس بكليتي أصول الدين والشريعة منذ حصوله على العالمية.
وفي سنة ١٣٧٠ هـ نال عضوية هيئة كبار العلماء بالأزهر المعمور برسالة "القياس في اللغة العربية".
وعندما وقع الانقلاب العسكري في مصر سنة ١٣٧١ هـ , وحُلّت الأحزاب السياسية، اختاره قادة الانقلاب شيخاً للجامع الأزهر، فعيّن فيه يوم الثلاثاء ٢٦ من ذي الحجة سنة ١٣٧١ هـ، ولكنه ترك هذا المنصب بعد فترة؛ ليواصل العكوف على الكتب والكتابة.
وفي ١٣ رجب سنة ١٣٧٧ هـ انتقل إلى رحمة العليم الرحمن الرحيم المنّان، وفي اليوم التالي صُلّي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في جنازته العلماء من أحبابه وطلابه، والمنتسبين إلى العلم، وكانت جنازته كبيرة حتى بلغ النعش بابَ الخَلْق والموكبُ متصل فيما بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه العلامة البحّاثة أحمد تيمور باشا المتوفى سنة ١٣٤٨ هـ - رحمهما الله تعالى-.
وترك عدّة من المصنفات، ذكرتُ بعضها، وله غير ذلك: "تعليقات على كتاب الموافقات في الأصول للإمام الشاطبي"، و"تعليقات على شرح التبريزي للقصائد العشر"، و"رسالة في السيرة النبوية الشريفة"، و"رسالة في آداب الحرب في الإسلام".
أما مقالاته المتعددة، فهي بكثرة؛ بحيث إن جمعت، زادت عن عشرة مجلدات.
стр. 6093
رثاء المنعم العلامة الشيخ محمد الخضر حسين نظم الشيخ المنعم على النيفر
قال الشيخ في رثاء شيخه العلّامة الإمام محمّد الخضر حسين هذه القصيدة، التي كان يعتزم المشاركة بها في حفل الأربعينية الذي أقامته (الجمعية الخلدونية) لتأبينه، إلا أنه يذكر أنه لم يتمكن من ذلك؛ لأنه لم يتمها. وهذه هي القصيدة:
ليَوْمِك خَطْبٌ صيَّر الدمعَ جامدا ... وساءَ أحبّاءً كما سرَّ حاسدَا
ومثلُكَ من تَهْمي عليه مدامعٌ ... ولكنَّ هوْلَ الخطْبِ قد لجَّ جاهِدا
إذا ذُكِرَ الأعلامُ في الشَّرْعِ واللُّغى ... عددناكَ ألْفاً لسْتَ في العَدِّ واحدا (١)
لكُمْ في صراع المبْطِلينَ موَاقفٌ ... تَرُدُّ عن الحقِّ الجريءِ المُجالِدا
لكَ اللهُ كَمْ أفحمْتُمُ مِنْ مُعانِدٍ ... لكَ اللهُ نِحْريراً لكَ اللهُ ناقِدا
لقد كنْتَ في ماضي حياتِك عِبرْةً ... وإنّك في ذا اليَوم أوعَظ هاجِدا
لئن مُتَّ ما ماتتْ مآثرُك التي ... تخطّتْ بحاراً للدُّنا وفَدافِدا
وما ماتَ من أبْقى جميلاً مخلَّداً ... ولا ماتَ من أولى عُلاً ومَحامِدا
لقد شِدْتَ للخضراءِ مَجْداً وسُؤدَداً ... وأبقيْتَ للزَّيْتونةِ الفَخْرَ خالِدا
стр. 6094
وكم أبرزتْ زيتونةُ العِلْمِ تلكَ مِنْ ... فطاحلَ في جيدِ الزمانِ قلائِدا
كمثْلِ ابنِ خلدونٍ ومثلِ ابْن عَرْفةٍ ... وغيرهما ممن تجلّوْا فرائِدا
وكم بهمُ فاخرتَ دهراً وحسب ذي الْـ ... ـحِفاظ وفاءً ذكرُه ما تباعَدا
بِهَدْيِهمُ ما بيننا كنتَ تهتدي ... ومَنْهَلَهم منه لقد كنتَ وارِدا
بـ (زيتونةِ) العرفانِ و (الصادقية) انْـ ... ـبَرَيْتَ لِبَثِّ العلْمِ تُلْقي فَرائِدا
وأنشأتمُ سِفْراً بـ"عظمى سعادة" ... يضُمُّ علوماً جَمَّةً وفوائِدا
وفي (ثغرِ بنزرتٍ) وليتُمْ (قضاءه) ... فأنصفتَ مظلوماً يَؤُمُّك قاصِدا
لقد زِنْتَ ما وُلِّيتَه من مناصبٍ ... وحسْبُكَ ما يروي البريةُ شاهِدا
وأزمعتَ عنّا بعد ذاكَ ترحُّلاً ... إلى حيثُ قد لاقيتَ حَظّاً مساعِدا
وما الذنبُ يُعْزَى إذْ رحلتُم لتونسٍ ... ولكنَّ دهراً للكرامِ مُعانِدا
ففضلُكَ يتلوه الزمانُ ولا ترى ... بذا القطْرِ من يُلفي له الدهرُ جاحِدا
قضيتَ وخَلَّفْتَ الثناءَ معطّراً ... إلى مصرَ حيثُ الضيفُ يكرمُ وارِدا
ثويتَ بها في خير مَثْوىً يحل مَنْ ... أوى لحماه من ذوي الفضل وافِدا
فثابرتَ في نصْرِ الحقيقةِ جاهداً ... وفي نصر دينِ الحقِّ كنتَ مُجاهِدا
وأنشأتَ فيها (للهدايةِ) نادياً ... يردُّ إلى الحقِّ الجَحودَ المُعانِدا
وأصبحتَ فيها من كبارِ هداتِها ... و"أعلامِها" تهدي إلى الرُّشْدِ حائِدا
وللأزهَرِ المعمورِ صِرْتَ "عَميدَه" ... وأعظِمْ بكُمْ فيهم رئيساً وقائِدا
وللَّغةِ الفُصْحَى لقد زِنْتَ مجمعاً ... وأيقظْتَ منها فيه ما كان هامِدا
علي النيفر
стр. 6095
تونس ملهمة الشعراء محمد الخضر حسين (١)
ما الأنسُ في أقداح تدورْ ... ما بينَ حورْ
إنَّ الَّتي تلفحنا في الصّدورْ ... نارُ الغيورْ
من الشعراء الّذين عشقوا تونس، وتغنّوا بها في كثير من القصائد والمقطوعات، وحنّوا إليها وهم في ديار الغربة، ونارُ الشّوق ملتهبة في نفوسهم، نذكر: محمّد الخضر حسين كما يبدو في ديوانه "خواطر الحياة". طبع الديوان مرّات عديدة بالقاهرة سنة ١٩٤٦ و ١٩٥٣ م، وبدمشق سنة ١٩٧٨ م.
ولد الشاعر بنفطة سنة ١٨٧٣ م، والتحق بجامع الزّيتونة وهو في الثّانية عشرة من عمره، وتحصّل على الشّهادة العالميّة في العلوم الدّينيّة والعربيّة، كان له نشاط ثقافي وصحفيّ باهر أوّلاً بتونس؛ حيث أصدر فيها مجلّة "السعادة العظمى"، ثم بالقاهرة حين التجأ إليها سنة ١٩٢٠ م، وأصدر فيها مجلة "الهداية الإسلاميّة"، ورأس تحرير مجلّات عديدة، منها: مجلّة "نور الإسلام"، و"لواء الإسلام". عيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، والمجمع اللّغوي بالقاهرة، وتولّى مشيخة الجامع الأزهر سنة ١٩٥٢ م وتوفّي سنة ١٩٥٨ م.