← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

ورغب -رحمه الله تعالى- في الانتظام في سلك علماء الأزهر، فتقدم لامتحان الشهادة العالمية -وهو العالم المشهود له بعلمه من العلماء-، فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كلما اكتشفت آفاق علمه، زادت في المناقشة، وتخرّج على يديه واستفاد بعلمه كثير من الحذاق. وفي سنة ١٣٤٤ هـ كتب ردّاً قوياً دفع به شُبه كتاب "الإسلام وأصول الحكم" سمَّاه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، وفي شهر واحد نفدت طبعته؛ لشدة الإقبال عليها، ثم كتب رداً قوياً على كتاب "في الشعر الجاهلي"، سمَّاه: "نقض كتاب الشعر الجاهلي". وتسابق أصحاب المجلات الإسلامية إليه للكتابة على صفحاتها، فكتب في مجلات "نور الإسلام"، و"الأزهر"، و"الهداية الإسلامية"، و"الشبان المسلمين"، و"لواء الإسلام". وأسس جمعية إسلامية كبرى اسمها: (جمعية الهداية الإسلامية) ضمت العديد من علماء الأزهر، وكان يقضي كثيراً من الليل بها في محاضرة الشباب وأهل الفضل بأساليبه البليغة السهلة، وتقريره الحسن، وقد جمع الكثير من محاضراته هذه في كتابه "رسائل الإصلاح" الذي طبع في ثلاثة أجزاء. وعندما أسس (مجمع اللغة العريية) بالقاهرة، كان المترجَم له من أقدم أعضائه، وكتب في مجلته، وساهم في نشاطه إسهاماً ملموساً، وله بحوث وقصائد في الدفاع عن اللغة العربية، وبيان أسرارها، وعرض جوهرها، وانتخب عضواً مراسلاً بالمجمع العلمي العربي بدمشق. وواصل السيد محمد الخضر حياته في الخطابة والمحاضرات، والكتابة

стр. 6092

والدرس في حلقات الأزهر وكلياته، فكان يدرِّس بكليتي أصول الدين والشريعة منذ حصوله على العالمية. وفي سنة ١٣٧٠ هـ نال عضوية هيئة كبار العلماء بالأزهر المعمور برسالة "القياس في اللغة العربية". وعندما وقع الانقلاب العسكري في مصر سنة ١٣٧١ هـ , وحُلّت الأحزاب السياسية، اختاره قادة الانقلاب شيخاً للجامع الأزهر، فعيّن فيه يوم الثلاثاء ٢٦ من ذي الحجة سنة ١٣٧١ هـ، ولكنه ترك هذا المنصب بعد فترة؛ ليواصل العكوف على الكتب والكتابة. وفي ١٣ رجب سنة ١٣٧٧ هـ انتقل إلى رحمة العليم الرحمن الرحيم المنّان، وفي اليوم التالي صُلّي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في جنازته العلماء من أحبابه وطلابه، والمنتسبين إلى العلم، وكانت جنازته كبيرة حتى بلغ النعش بابَ الخَلْق والموكبُ متصل فيما بينه وبين الأزهر، ودفن بجوار صديقه العلامة البحّاثة أحمد تيمور باشا المتوفى سنة ١٣٤٨ هـ - رحمهما الله تعالى-. وترك عدّة من المصنفات، ذكرتُ بعضها، وله غير ذلك: "تعليقات على كتاب الموافقات في الأصول للإمام الشاطبي"، و"تعليقات على شرح التبريزي للقصائد العشر"، و"رسالة في السيرة النبوية الشريفة"، و"رسالة في آداب الحرب في الإسلام". أما مقالاته المتعددة، فهي بكثرة؛ بحيث إن جمعت، زادت عن عشرة مجلدات.

стр. 6093

رثاء المنعم العلامة الشيخ محمد الخضر حسين نظم الشيخ المنعم على النيفر قال الشيخ في رثاء شيخه العلّامة الإمام محمّد الخضر حسين هذه القصيدة، التي كان يعتزم المشاركة بها في حفل الأربعينية الذي أقامته (الجمعية الخلدونية) لتأبينه، إلا أنه يذكر أنه لم يتمكن من ذلك؛ لأنه لم يتمها. وهذه هي القصيدة: ليَوْمِك خَطْبٌ صيَّر الدمعَ جامدا ... وساءَ أحبّاءً كما سرَّ حاسدَا ومثلُكَ من تَهْمي عليه مدامعٌ ... ولكنَّ هوْلَ الخطْبِ قد لجَّ جاهِدا إذا ذُكِرَ الأعلامُ في الشَّرْعِ واللُّغى ... عددناكَ ألْفاً لسْتَ في العَدِّ واحدا (١) لكُمْ في صراع المبْطِلينَ موَاقفٌ ... تَرُدُّ عن الحقِّ الجريءِ المُجالِدا لكَ اللهُ كَمْ أفحمْتُمُ مِنْ مُعانِدٍ ... لكَ اللهُ نِحْريراً لكَ اللهُ ناقِدا لقد كنْتَ في ماضي حياتِك عِبرْةً ... وإنّك في ذا اليَوم أوعَظ هاجِدا لئن مُتَّ ما ماتتْ مآثرُك التي ... تخطّتْ بحاراً للدُّنا وفَدافِدا وما ماتَ من أبْقى جميلاً مخلَّداً ... ولا ماتَ من أولى عُلاً ومَحامِدا لقد شِدْتَ للخضراءِ مَجْداً وسُؤدَداً ... وأبقيْتَ للزَّيْتونةِ الفَخْرَ خالِدا

стр. 6094

وكم أبرزتْ زيتونةُ العِلْمِ تلكَ مِنْ ... فطاحلَ في جيدِ الزمانِ قلائِدا كمثْلِ ابنِ خلدونٍ ومثلِ ابْن عَرْفةٍ ... وغيرهما ممن تجلّوْا فرائِدا وكم بهمُ فاخرتَ دهراً وحسب ذي الْـ ... ـحِفاظ وفاءً ذكرُه ما تباعَدا بِهَدْيِهمُ ما بيننا كنتَ تهتدي ... ومَنْهَلَهم منه لقد كنتَ وارِدا بـ (زيتونةِ) العرفانِ و (الصادقية) انْـ ... ـبَرَيْتَ لِبَثِّ العلْمِ تُلْقي فَرائِدا وأنشأتمُ سِفْراً بـ"عظمى سعادة" ... يضُمُّ علوماً جَمَّةً وفوائِدا وفي (ثغرِ بنزرتٍ) وليتُمْ (قضاءه) ... فأنصفتَ مظلوماً يَؤُمُّك قاصِدا لقد زِنْتَ ما وُلِّيتَه من مناصبٍ ... وحسْبُكَ ما يروي البريةُ شاهِدا وأزمعتَ عنّا بعد ذاكَ ترحُّلاً ... إلى حيثُ قد لاقيتَ حَظّاً مساعِدا وما الذنبُ يُعْزَى إذْ رحلتُم لتونسٍ ... ولكنَّ دهراً للكرامِ مُعانِدا ففضلُكَ يتلوه الزمانُ ولا ترى ... بذا القطْرِ من يُلفي له الدهرُ جاحِدا قضيتَ وخَلَّفْتَ الثناءَ معطّراً ... إلى مصرَ حيثُ الضيفُ يكرمُ وارِدا ثويتَ بها في خير مَثْوىً يحل مَنْ ... أوى لحماه من ذوي الفضل وافِدا فثابرتَ في نصْرِ الحقيقةِ جاهداً ... وفي نصر دينِ الحقِّ كنتَ مُجاهِدا وأنشأتَ فيها (للهدايةِ) نادياً ... يردُّ إلى الحقِّ الجَحودَ المُعانِدا وأصبحتَ فيها من كبارِ هداتِها ... و"أعلامِها" تهدي إلى الرُّشْدِ حائِدا وللأزهَرِ المعمورِ صِرْتَ "عَميدَه" ... وأعظِمْ بكُمْ فيهم رئيساً وقائِدا وللَّغةِ الفُصْحَى لقد زِنْتَ مجمعاً ... وأيقظْتَ منها فيه ما كان هامِدا علي النيفر

стр. 6095

تونس ملهمة الشعراء محمد الخضر حسين (١) ما الأنسُ في أقداح تدورْ ... ما بينَ حورْ إنَّ الَّتي تلفحنا في الصّدورْ ... نارُ الغيورْ من الشعراء الّذين عشقوا تونس، وتغنّوا بها في كثير من القصائد والمقطوعات، وحنّوا إليها وهم في ديار الغربة، ونارُ الشّوق ملتهبة في نفوسهم، نذكر: محمّد الخضر حسين كما يبدو في ديوانه "خواطر الحياة". طبع الديوان مرّات عديدة بالقاهرة سنة ١٩٤٦ و ١٩٥٣ م، وبدمشق سنة ١٩٧٨ م. ولد الشاعر بنفطة سنة ١٨٧٣ م، والتحق بجامع الزّيتونة وهو في الثّانية عشرة من عمره، وتحصّل على الشّهادة العالميّة في العلوم الدّينيّة والعربيّة، كان له نشاط ثقافي وصحفيّ باهر أوّلاً بتونس؛ حيث أصدر فيها مجلّة "السعادة العظمى"، ثم بالقاهرة حين التجأ إليها سنة ١٩٢٠ م، وأصدر فيها مجلة "الهداية الإسلاميّة"، ورأس تحرير مجلّات عديدة، منها: مجلّة "نور الإسلام"، و"لواء الإسلام". عيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، والمجمع اللّغوي بالقاهرة، وتولّى مشيخة الجامع الأزهر سنة ١٩٥٢ م وتوفّي سنة ١٩٥٨ م.

стр. 6096

يتردّد اسم تونس في ديوان "خواطر الحياة" في عدد من القصائد والمقطوعات، منها: موشّح طويل يبثّ فيه أشواقه إلى وطنه تونس، ويرسل تحيّاته إليه، ويثير ذكرياته به، ويخاطب مواقع جميلة: حيّا ربَى تونسَ ذات الزّهور ... عهدُ السّرورْ وافترّ في طلعةِ تلكَ القصورْ ... أنسُ البدورْ يصف محمّد الخضر حسين تونس بالجمال، ويرسم نفسه المشوقة التي تحسّ بداء الغربة وهو داء عضال، قد ذهب الشّاعر له فريسة يلهب خياله: ما ليَ لا ألمحُ من ذي الجمالْ ... سوى الخيالْ ألَمْ يكنْ يُدْني قطوفَ الوصالْ ... بلا مَلالْ الشوقُ ألقى مُهْجتي في نضالْ ... ماضي النّصالْ ماذا ترى والهجرُ فيما يُقالْ ... داءٌ عُضَالْ ويقول: يا موْطني لم أنس عهدَ الشّبابْ ... عذبَ الرِّضابْ بَيْني وبين المجد عهدٌ يُهابْ ... فلا عِتابْ إنهّ ابتعد عن موطنه لبناء مجده في دار الغربة، وليخدم بلاده، فكان من رجالات النّهضة في العالم العربي في النّصف الأوّل من القرن العشرين. ويحنّ الشّاعر إلى شاطئ المرسى المونقال في طالما تمتعّ بالتّنزّه فيه، فيشير إلى النّسمات العليلة التي تهبّ من البحر، فتسْتروح النّفوس، إنّها نسمات الوطن المحمّلة بالنّفحات العبقة التي تهبّ برداً وسلاماً على القلوب، فتحييها من ركودها، وتجدّد نشاطها وإلهامها: يا نسمةً ماست كشارب راحْ ... قبل الصّباحْ

стр. 6097

والطّلُّ أصفى من دموع المِلاحْ ... فوق الوِشاحْ هُبّي وجُزي في النّوادي الفساحْ ... ذيلَ المرَاحْ هبي وهاتي نفحَ أُنسٍ قَراحْ ... يَشْفِي الجراحْ ومن المقاطع الجميلة التي تزخر بمشاعر الشّوق والحنين إلى تونس الخضراء، وإحساس الألم للبعد عنه، هذا المقطع يكشف فيه الشّاعر أنّه تلقّى دروس الحبّ منذ كان صغيراً فيه، وأن تونس في قلبه، وأنّها أرض طيّبة، "وطن طاب مبيتاً ومقيلاً": وطني علّمتني الحبَّ الذي ... يدعُ القلبَ لدى البيْن عَليلا لا تلمني إنْ نأى بي قَدَرٌ ... وغدا الشّرقُ من الغَرْب بَديلا عَزْمةٌ قد أبرَمتْها همّةٌ ... وَجَدَتْ للمجد في الظّعن سبيلا أنا لا أنسى على طولِ النَّوى ... وطناً طاب مَبيتاً ومَقيلا في يميني قلمٌ لا ينثني ... عن كفاح وَيرى الصّبرَ جَميلا وعندما زاره بمصر أديب قادم من تونس الخضراء، حرّك أشجانه، وألهب حنينهَ، وأثار ذكرياته، فعبّر عن حبّه لوطنه، ذاكراً علاقته به، ووفاءه له؛ إذ هو يَدين له بتكوّنه العلمي، ويتشوّق إلى أخبار تونس وناسِها، فيقول مخاطباً هذا الأديب، وكلّه عرفان بالجميل للوطن: أمحدّثي رُبّيتَ في الوطن الذي ... رُبّيتُ تحتَ سمائه وبلَغْتُ رُشْدا وجَنيْتَ زهْرَ ثقافةٍ من روْضةٍ ... كنتُ اجتنيتُ بنفْسجاً منها ووَرْدا هاتِ الحديثَ فإننّي أصبو إلى ... أنباء تونسَ من صميم القلب جِدَّا ونشير إلى القصيدة ائتي تعجّ بعواطف الأسى الناتجة عن البعد عن

стр. 6098

الوطن، وكأنّ ضمير الشّاعر يؤنبه على الهجرة، وتركه تونس بلاد الأنس والعيش النّاعم والأهل الطّيّبين، فيعبّر عن لواعج الحنين إليها، وأسمى المشاعر نحوها، وأجمل التّمنّيات؛ لتعيش تونس أبداً "تسامي في علاها الفرقدين". وهذا هو الحوار الذي ضمّنه الشاعر قصيدتَه، حوار بينه وبين شخص لامه عن نزوحه إلى أرض المشرق، فيقول: رَضيتُ عن اغترابي إذ لَحَاني ... فَتىً لا ينظرُ الدُّنيا بِعَيْني يقولُ: تُقيمُ في مصرٍ وَحيداً ... وفقدُ الأنس إحدى الموتتَيْنِ ألا تحدُو المطيّةَ نحو أرضٍ ... تُعِيدُ إليكَ أُنْسَ الأسْرتَينِ وعيشاً ناعماً يدع البقايَا ... من الأعمار بِيضاً كاللُّجَيْنِ وقومٌ أَمْحَضوكَ النُّصحَ أمسوا ... كواكبَ في سماء المغربَيْنِ ويختم محمّد الخضر حسين قصيدته بعد أن يبيّن الظّروف القاهرة التي ألجأته إلى الهجرة بهذين البيتين المعبّرين عن نفثة المشتاق، والعلاقة الوطيدة بين الشّاعر ووطنه تونس الخضراء. يقول وهو العاشق الولهان الذي تثور في نفسه الذّكريات الطّيبة، فيحنّ إلى تلك اللّيالي الّتي قضاها في الرّياض التّونسيّة: أحنُّ إلى لياليها كصبٍّ ... يَحِنُّ إلى لَيالي الرَّقْمَتَيْنِ (١) ومطمحُ همّتي في أن أراها ... تُسامي في عُلاها الفَرْقَدَيْنِ (٢) الدكتور أحمد الطويلي (٣)

стр. 6099

رسائل محمّد الخضر حسين (١) بقلم الدكتور أحمد الطويلي صدرت بدمشق "رسائل الخضر" بعناية حفيدهِ للأخ علي الرّضا الحسيني، ومعلوم أن محمد الخضر حسين هو صاحب أول مجلة ظهرت في تونس، هي مجلة "السعادة العظمى" التي صدرت سنة ١٩٠٤ م، وعُيّن إماماً لجامع الأزهر سنة ١٩٥٢ م، وتوفي بالقاهرة سنة ١٩٥٨ م، وهو صاحب العشرات من التآليف العلمية والأدبية، والمئات من المقالات كان نشرها في المجلات والجرائد بتونس ودمشق والقاهرة. ويكشف كتاب "من أوراق ومذكرات الإمام محمد الخضر حسين، رسائل الخضر" الكثيرَ عن حياة الإمام الأديب من خلال رسائله، وعلاقته بعلماء تونس، وبأسرته التي بقيت فيها إثر هجرته إلى المشرق، ففي هذا الكتاب نجد رسائل نثرية وشعرية كتبها الخضر إلى محمد الطاهر بن عاشور، ومحمد الصادق النيفر، ومحمد المقداد الورتتاني، وخاصة إلى أخيه محمد المكي بن الحسين، وغيرهم من علماء تونس. فقد بقي محمد الخضر على صلة وطيدة بوطنه الأول، يتتبع أخباره،

стр. 6100

يبعث إليه بمنشوراته، ويحث الأساتذة على الكتابة في المجلات التي أسسها في مصر، أو التي رأس تحريرها. إلا أننا نستقي كثيراً من الأخبار عن إقامته المصرية من خلال رسائله إلى أخيه محمد المكي بن الحسين، فهو يتصل بجريدتي "الوزير"، و"النديم" اللتين تصدران بتونس. وهو يقول في إحدى رسائله إليه: "نريد إطلاع المصريين وعلماء الشرق على آثار علماء تونس، وخصوصاً بعد أن رأيناهم يعجبون بما يكتبه أولئك الأساتذة، ويقوم لديهم شاهد على أن في تونس نهضة علمية راقية" (ص ٦٦)، وهو يطلب من أخيه أن يتصل بالشيخ أبي الحسن النجار "إن كان له تحرير في بعض الموضوعات العلمية، فليتكرم بإرساله لينشر في المجلة" (ص ٦٦). هو يُعلِم أخاه بأنه اتصل بمقال من الشيخ الشاذلي النيفر، وسينشره له، ويفيد: بأن حسن حسني عبد الوهاب بادله الزيارة، وسافر إلى فلسطين، ومنها إلى الشام، "وقد قوبل هنا -أي: في مصر-، ما ولاسيما من وزارة الأوقاف بالاحترام، إذ رأوا فيه نباهة وفضلاً". وقد كان للخضر الفضلُ في إدخال محمد الطاهر بن عاشور للمجمع العلمي بالقاهرة، يقول في رسالة موجهة إليه: "عُقدت في المجمع اللغوي جلسة لتعيين أعضاء مراسلين، وقد عرضتُ اسمَ فضيلتكم، ووقع الإجماع على انتخابكم عضواً مراسلاً للمجمع، وهذه العضوية ترشح صاحبها لعضوية المجمع من بعدُ عند الحاجة إلى ذلك، ولهذا رضيت الاكتفاء بهذه العضوية، وإن كان مقامكم أعلى منها" (ص ١٢٢). وهو يرد تهمة أنه فرنسي تابع للحماية الفرنسية، فيقول في رسالة موجهة

стр. 6101

إلى محمد رشيد رضا صاحب مجلة "المنار": "الواقع أني بارحت تونس بقصد الإقامة في دمشق الشام سنة ١٣٣١ هـ، وعندما نزلتها كتبتُ اسمي في سجل التابعين للحكومة العثمانية (...)، وبعد انتهاء الحرب قدمتُ مصرَ، وكلما اقتضى الحالُ أني أكتبُ تبعيتي في ورقة رسمية، أثبتُّ فيها أني تابع للحكومة المحلية، ولا أعرف -إلى كتابة هذه الأسطر- مكانَ السفارة أو القنصلية الفرنسية في القطر المصري، ولا أدري في أي شارع من شوارع القاهرة هي" (ص ٩٦). وقد بقي في مصر مصحِّحاً بالقسم الأدبي من دار الكتب قبل أن يُنتدب لإلقاء الدروس بجامع الأزهر، وكان يجمع بين العملين، ثم انفرد بالثاني. وهو يعطينا تفاصيل عن عمله اليومي، ونشاطه العلمي ساعةً بساعة بالقاهرة (ص ٦٢ و ٦٨ و ٩٥)، ويقول عن تجنسه بالجنسية المصرية في رسالة مؤرخة في ذي الحجة ١٣٥٠ هـ: "قرر مجلس الوزراء منحي التجنس بالجنسية المصرية، وسعيت في هذا؛ لأن تعييني للتدريس على وجه ثابت يتوقف عليه" (ص ٧٤). وبالجملة: نجد ١٥ رسالة إلى محمد الطاهر بن عاشور، وإحدى عشرة رسالة إلى محمد المكي بن الحسين، وأربع رسائل إلى محمد الصادق النيفر، ورسائل شعرية مفردة إلى العديد من العلماء والشعراء، منهم: محمد الشاذلي خزندار، ومحمد المكي بن عزوز، ومحمد رشيد رضا، وزين العابدين بن الحسين ... إلخ

стр. 6102

الخضر حسين، محمد (١) (٢٧/ ٧/ ١٢٩٢ - ١٤/ ٧/ ١٣٧٧ هـ) (١٨٧٤ - ٣/ ٢/ ١٩٥٨ م) من هو- أول شيخ لجامع الأزهر في عهد حكومة الثورة في مصر، عالم جليل، شاعر، ومجاهد كبير، ومصلح اجتماعي، تونسي المولد والنشأة، مصري الدار والإقامة، وعضو (جمعية كبار العلماء في الأزهر) منذ عام ١٩٥١ م، وعضو (المجمع العلمي العربي) بدمشق، و (المجمع اللغوي) في مصر، ورئيس جمعية (الهداية الإسلامية)، ورئيس (جبهة الدفاع عن شمال إفريقية)، ورئيس تحرير مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "لواء الإسلام"، ومنشئ مجلة "الهداية الإسلامية". هو شقيق السيد زين العابدين من كبار العلماء بدمشق، والسيد محمد المكي بن الحسين من كبار العلماء بتونس. ولد في مدينة "نفطة" في تونس، وبها نشأ، وتلقى العلم بجامع الزيتونة، وأحرز منه الشهادة العالمية، وتولى القضاء الشرعي في مدينة "بنزرت" وضواحيها. أُسند إليه التدريس في الجامع المذكور، وفي المدرسة الصادقية، ونشر في تونس بواكير مؤلفاته. جاء دمشق عام (١٣٣١ هـ، ١٩١٢ م)، وألقى دروساً له في الجامع الأموي. شدّته إلى الشيخ عبد الرزاق البيطار، وجمال الدين القاسمي آصرةٌ متينة من الود الخالص.

стр. 6103

سافر إلى "الآستانة" أيام الحرب العالمية الأولى، وتولى التحرير بالقلم العربي في وزارة الحربية، ثم عاد إلى دمشق، واعتقله جمال باشا مدة. هاجر إلى مصر عند احتلال الفرنسيين دمشق عام ١٩٢٠ م، فأنشأ فيها (جمعية الهداية الإسلامية). عيّن مصححاً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية. نال الشهادة العالمية من الأزهر، وتفرغ فيه للتدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين نحواً من ٢٠ سنة. تولى رئاسة تحرير مجلة "الأزهر" من جمادى الأولى ١٣٥٢ إلى رجب ١٣٧١ هـ، بعد أن تولى مدة رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام". وكسب بعد طول مكثه في مصر الجنسيةَ المصرية، وعيّن بعدها شيخاً للأزهر، فكان أول شيخ له في عهد الثورة. * مؤلفاته: - "آداب الحرب في الإسلام" (رسالة في نظام الحرب وآدابه في الإسلام). - "الحرية في الإسلام" - تونس، ١٩٠٧ م، ص ٦٤) رسالة في حقيقة الحرية والشورى والمساواة). - "الدعوة إلى الإصلاح" - تونس، المطبعة الرسمية العربية، ١٣٢٨ (١٩١٠) ص ٤١. راجع في هذه المؤلفات: مجلة "المجمع" (١٨: ٨١). نقده في "المقتبس" (٧: ٧٨٢). - "خواطر في الحياة" - القاهرة، ١٩٤٧ م (ديوان شعر). - "الخيال في الشعر العربي" - مصر، المطبعة الرحمانية، ١٣٤٠ (١٩٢٢)، ص ٩٢ (رسالة أدبية في ٩٢ صفحة تبحث في ماهية الشعر، وأهمية التخيل وأنواعه، وفنونه وأطواره، والغرض منه).

стр. 6104

- "رسائل الإصلاح"، الجزء الأول- مجموعة تتضمن ٢٥ مقالة أو رسالة في ضروب الإصلاح الديني والمدني مقسمة إلى أربعة أقسام: ١ - قسم الأخلاق والاجتماعيات. ٢ - قسم المباحث الدينية. ٣ - قسم السيرة النبوية وتراجم الرجال. ٤ - مباحث اللغة وصناعة الأدب. نقده في مجلة "المجمع العلمي العربي بدمشق" (١٨: ٨١). - "القياس في اللغة العربية". نقده في "مجلة "المجمع العلمي العربي" (مجلد ١٨: ٨٣). - "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (شذرات من السيرة النبوية). - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" - القاهرة، المطبعة السلفية، ص ٢٤٥ (ردّ فيه على كتاب الشيخ علي عبد الرازق). نقده في "مجلة المجمع" (٥: ٥٦٩). - "نقض لكتاب: في الشعر الجاهلي" لطه حسين - القاهرة، المطبعة السلفية ١٣٤٥ هـ، ص ٣٦٢ (رد فيه على آراء الدكتور طه حسين في "الشعر الجاهلي"، في عداد من ردوا عليه، وهم كثيرون، منهم: محمد جمعة في كتابه "الشهاب الراصد"، ومحمد أحمد الغمراوي في كتابه "النقد التحليلي لكتاب: في الأدب الجاهلي"، ومصطفى صادق الرافعي في كتابه: "تحت راية القرآن"، و"المعركة بين القديم والجديد"، والشيخ مصطفى الغلاييني في كتابه: "نظرات في اللغة والأدب"، ومحمد فريد وجدي في كتابه: "نقد كتاب الشعر الجاهلي". نقده في "المشرق" ٢٧ (١٩٢٩): ٧٢.

стр. 6105

مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها (١) من علماء الدين رجالٌ اطلعوا على أسرار الشريعة، فأنشؤوا يبثّونها في صور مختلفة، وُيشربونها القلوبَ بلسان يوافق الأذواق العصرية، ومن هذه الفئة الفاضلة: السيد محمد الخضر بن الحسين، من مدرسي الجامع الأعظم في تونس سابقاً، فقد اعتاد هذا الأستاذ أن يلقي محاضرات يبيّن فيها حكمة الشريعة، ينشرها في كراسات خاصة يبثّها بين جميع الطبقات. وآخر محاضراته التي ألقاها في تلك العاصمة رسالة في "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها" أفاض فيها من حكمة التشريع والشراع وتقسيمها، ومنابع الشريعة الإسلامية، والإسلام دين وسياسة، واختلاف المذاهب وانتشارها، وطبقات الفقهاء، والفقهاء والأمراء، كل ذلك بعبارة منسجمة تجمع إلى الطلاوة متانة، وهاك نموذجاً مما قاله في اختلاف المذاهب: كره الشارع التفرقَ في الآراء، وندب الأمةَ إلى الوفاق بقدر ما يمكنها، ولكنّه يعلم أن تماسكهم وسيرهم في جميع الأحكام على مذهب واحد غيرُ ميسر لهم، فأذن لهم -بعد بذلهم الوسع في اتفاق الرأي- أن تأخذ كل طائفة بما استقرت عليه أفهامهم، ولا يضرّهم -متى تمكنوا في صناعة تقرير الأحكام، واستوفوا شروطها- أن لا يصيبوا وجه الحق في الواقع، قال ﷺ : "إذا حكم

стр. 6106

الحاكم، فاجتهد فأصاب، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد، فأخطأ، فله أجر"، وأطلق الشارع للعقول عنانها في الاجتهاد؛ ليفتح لها المجال في النظر، ويربيها على مبدأ الاستقلال بالرأي، حتى لا يستولي عليها التقليد من جميع جهاتها، فيتخللها الجمود، ويصبح الفرق بينها وبين العقول المتصرفة كالفرق بين الماء الراكد في حمأ، والماء المنهمر على الصفا لا يمازجه كدر. ومن شعر بهذه الحكمة، لا يمكنه الغض من جانب علماء الإسلام، حيث أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف، بل هذا مما يجر إلى الاعتراف بمزيتهم، ويبرهن على أنهم نشؤوا على مبدأ البحث واستقلال الفكر، ولو أنهم كانوا بعقول خامدة، وإرادة ميتة، لاتبعوا ما يفتي به أولُ فقيه منهم، وتسلموه بتقليد. وبعدَ أن أبان الوجوه المتعددة التي تدعو المجتهدين إلى الخلاف، قال: ولو أن أهل الإسلام استمروا على تأليف الجمعيات العلمية؛ لتحرير أحكام الحوادث، واستخلاص الحقيقة من الآراء المتلاقية، لالتأمت عدة خلافات حقيقية، وسقطت أقوال كثيرة من حساب مسائل الخلاف، وقد كان للسلف اهتمام بجمع العلماء في المسائل المشكلة؛ فقد نقل الحافظ ابن عبد البرّ عن المسيب بن رافع: أنه إذا جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب، ولا في السنّة، رُفع إلى الأمراء، فجمعوا له أهل العلم، فما اجتمع عليه رأيهم، فهو الحق اهـ.

стр. 6107

حفلة الترحيب بالرئيس الجليل (١) أقامت (جمعية الهداية الإسلامية) حفلة ترحيب بفضيلة رئيسها الجليل العلامة المجاهد السيد محمد الخضر حسين، احتفاءً بعودته سالما غانماً من الأقطار الحجازية. فأخذت دار الهداية زُخرفها، وازّينت، وأقبل العلماء والأدباء والجمهور من كل حدب؛ وافتتح الحفل بالقرآن الكريم قارئ الجمعية الشيخ عباس حسن، ثم نهض فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، فارتجل كلمته المنشورة فيما بعد، وقفّاه فضيلة الأستاذ الشيخ محمد منجود بكلمة رقيقة مناسبة، وتلاه الأستاذ الشيخ علي سيد منصور، فأنشد قصيدته العصماء التي تراها في غير هذا المكان، ثم ألقى الشيخ عبد الوهاب سليم كلمة جيّدة جامعة، ووقف على أثره الأستاذ حسن أفندي، فارتجل كلمة جذابة فياضة، وتقذم فضيلة الأستاذ الشيخ علي محفوظ، فألقى كلمة ترحيب قيّمة، شفعها بالكلام على فضل يوم عاشوراء، وما أحدث الناس فيه. وكتب وخطب ورحّب وهنّأ عدد كثير غير هؤلاء لا تتّسع المجلة لذكرهم، كما لا تنسى لهم صادقَ شعورهم، وجميلَ عطفهم.

стр. 6108

وكان الأستاذ الرئيس قد انتبذ من الحفلة مكاناً قصياً؛ حياءً من مواجهة الثناء والتقدير والإكبار الذي يُفاض عليه من حضرات الخطباء والشعراء (١). وأخيراً: أقبل فضيلته يمشي على استحياء، وجعل يشكر الحفلة والمحتفلين في أدبه الجم، ووقاره المعروف، وكلماته الحكيمة، وقد اعتذر فضيلته بأنه لم يعلم بالحفلة إلا من الصحف، بعد إعلان حضرات أعضاء الجمعية عنها، ثم وعد فضيلته أن يتحدث عن رحلته هذه في فرصة قريبة. وختمت الحفلة كما بدأت بآي الذكر الحكيم من الصيّت المبدع والقارئ الممتع الشيخ عباس حسن.

стр. 6109

حفلة تكريم رئيس الجمعية (١) أقامت (جمعية الهداية الإسلامية) حفلة تكريم لفضيلة رئيس الجمعية السيد محمّد الخضر حسين بمناسبة عودته من البلاد السورية، وضمَّ إلى هذه المناسبة مرور عشر سنين على تأسيس الجمعية، وكان ذلك في مساء الجمعة (١٦ شعبان سنة ١٣٥٦ هـ - الموافق ٢٢ أكتوبر سنة ١٩٣٧ م). ولما حلَّ موعد الحفل، أقبل على دار الجمعية نخبة من رجال الفضل والعلم والأدب، ثم قام الجميع إلى موائد الشاي، وبعد أن تناولوا الشاي، قام الأستاذ محمود حافظ أمين السر العام للجمعية، والمدرس بكلية العلوم، وخطب بإسهاب عن حياة فضيلة الرئيس، وقد نشرناها فيما بعد. ثم تلاه فضيلة الأستاذ الشيخ محمد عرفة عضو مجلس إدارة الجمعية، والأستاذ بكلية اللغة العربية، فتكلم على حياة الأستاذ من الوجهة العلمية، ثم عرَّج على مكانته بين الأساتذة. وبعد ذلك تكلم فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الوهاب سليم عضو مجلس الإدارة، ونوّه بالخلق الحميد الذي نشأ عليه فضيلة رئيس الجمعية.

стр. 6110

وتلاه محمود عبد المجيد عضو مجلس الإدارة، وأمين سر شعبة شباب الهداية ورهط الجوالة، والطالب بكلية الحقوق، فذكر فضلَ فضيلة المحتفَى به على الشباب، وغرسَه فيهم الروح الدينية في أسلوب بليغ يجعلهم يقبلون عليها. ثم جدد العهد بين يديه نيابة عن زملائه شباب الجمعية وأعضاء الرهط. ثم تكلم الأديب موس شوقي أحمد عضو مجلس الإدارة، وأمين السر المالي للجمعية، والطالب بكلية الحقوق، على أدب فضيلة الرئيس، وتلا القصيدة التي حيا بها دمشق في هذه الرحلة، فقوبلت بالاستحسان. ثم قام الأستاذ الدكتور محجوب ثابت بك، فذكر ما لتونس من يد طولى على العلم والدين، كما ذكر ما كان لفضيلة المحتفَى به من طيب الأثر وحسن العمل. وبعد ذلك تكلم الأديب عبد الغني محمود نيابة عن فرع الجمعية بالجيزة، فأجاد، ونوّه بفضل الرئيس وجهاده في سبيل الدعوة للخُلق والسجايا الحميدة. ثم خطب الأديب محمد خير الجلاّد عن الجالية السورية، فأحسن، وذكر ما كان يسمعه من أساتذته الذين تلقوا العلم عن فضيلة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين، وما كانوا يذكرونه من غزارة علمه وتواضعه ووفائه. وبعد ذلك تكلم أحد أعضاء النادي الأندونيسي نيابة عن رئيس النادي والجالية الأندنوسية في مصر، فشكر للرئيس كرم أخلاقه في معاملة ضيوف مصر من المسلمين. ثم تكلم الأديب عبد الرزاق الحمود عضو البعثة العراقية، بكلية الحقوق

стр. 6111

عن الجالية العراقية، والشباب العراقي، فشكر -أيضاً- للرئيس عطفه على الشباب الإسلامي، ونوّه بنواحي الفضل التي عرف بها فضيلته. وخطب الأستاذ الهياوي، والدكتور عبد العزيز نظمي بك. وألقى فضيلة الأستاذ المحتفَى به كلمته المنشورة فيما بعد. وانتهت الحفلة حيث كانت الساعة العاشرة مساء، والكل يلهج بالثناء على ما تقوم به الجمعية من الأعمال، وما يصرفه فيها فضيلة الرئيس من المجهودات الموفقة (١). محمود عبد المجيد أمين سر شعبة شباب الهداية

стр. 6112

تكريم أعضاء في جمعية الهداية الإسلامية (١) * من خطبة الأستاذ عبد المنعم خلاف: والواقع أنّ هنا مَنْ هم أحقُّ بالتكريم منا: هؤلاء هم الذين تعهدونا برعايتهم حتى وصلنا إلى الغاية التي كرمتمونا من أجلها. هم الذين أرونا النقص الذي يملأ حياتنا، وبصّرونا بالثغر التي كنّا فيها، ثم سمّدونا نحوها، فكنّا بهم طلبة غير عاديين، لا عن ذكاء فارط، ولا عن علم ضافٍ ... ولكن باهتمامنا بالمسالة الإسلامية، فإذا شئتم، فكرّموهم هم، فما يُكرم النبات لنموه وازدهاره، وإنما تُكرم الأيدي التي تعهدته وحاطته. ومن أعظم الذين تعهدونا بتربيتهم: شخصيتان عظيمتان في الجماعات الإسلامية، هما: فضيلة السيد الجليل محمد الخضر حسين رئيس هذه الجمعية، وحضرة الكاتب الكبير السيد محب الدين الخطيب كاتم سرها. أما أولهما، فمثَلٌ للإنسانية الفاضلة التي تدع من يتصل بها يشعر شعوراً عميقاً أنه أمام مثل يضربه الله بين يدي هذا العصر؛ ليفسر به قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وهو خير مصداق

стр. 6113

لقول القائل: "كلما زاد علم الرجل، خفض جناحه، كالشجرة كلما زادت ثمارها، تواضعت أغصانها". وحقيقة يا سادتي! إن السيد الخضر طراز نادر في هذا الزمن! فهو - على امتلائه بقدر من العلوم والمعارف قلّما يتيسر لغيره من معاصريه، وعلى نباهة شأنه بين أهل زمانه، حتى إنه ليعدّ حجة من حجج الإسلام -هو- على هذا كله - خافض الجناح، مصفى الخلق، متواضع، يسير في طريقه كما يقف في صلاته. وناسُ هذا الزمان أعلى رؤوسهم أفرغُها، وأرفُع أصواتهم أنكرُها، فهم كالطبول تملأ الدنيا ضجيجاً، ولكنك إذا غمزتها بإبرة، تكشفت لك عن تجويف وفراغ. وناحية أخرى في السيد الخضر جديرة بالاقتداء: هي عمله الدائب للإسلام -على شيخوخته وعلو سنّه-، ولن ينسى الذين رأوه في الاجتماعات التمهيدية لتأسيس (جمعية الشبان المسلمين) في ذلك المكتب التاريخي بدار المكتبة السلفية، تلك الشيخوخةَ الجليلة المتحمسةَ المواظبةَ، التي كانت تأبى إلا أن تتولى الأعمال الكتابية في تلك الجلسات، دون أن تتركها للشباب. فبمثل هذا فليقتدِ الذين يريدون أن يعود مجد الإسلام. فإلى هذا الينبوع يرجع قسط عظيم مما فينا من ماء، ولولاه لخرجنا كما يخرج أغلب شباب هذا البلد، لا نرمي إلى غاية، ولا نسعى إلى مثل، فهما أحق بالتكريم لا نحن -بارك الله فيهما، وأثابهما كفاء ما لهما من فضل-. * من خطبة الأستاذ الشيخ عبد القادر يوسف: منذ خمس سنين أو يزيد، فكرتُ أنا وفريق من إخواني شباب الأزهر الناهض فيما وصلت إليه حال المسلمين من الضعف والانحلال، تلك الحال

стр. 6114

التي سهَّلت لأعداء الإسلام الاجتماعَ والتآمر ضدَّه، وفكرنا مع ذلك في الدعايات الواسعة النطاق التي قامت بها جيوش أهل الباطل، هذه الدعايات التي نظمت وأحكمت: فمن جمعيات للتبشير تغزو قلوب الشباب تحت ستار العلم، وتلقي في روعه الشك، وتزحزحه عن دينه بزخرف القول وزوره، ومن مستشفيات يستغل المشرفون عليها ما بالمريض من ضعف، وما عنده من أمل في الشفاء؛ ليؤثروا على عقيدته. ومن جرائد تنفث سموماً فتاكة باسم المدنية والتجديد. في هذا الجو الذي تجاوبت فيه أصداء المضلّلين، وتكاثفت فيه سحب الباطل، حتى كادت تحجب ضياء الحق؛ عقدنا النية على القيام بعمل يُناهض عملَ المبطلين. ولما اختمرت الفكرة في نفوسنا، عرضناها على رجل من كبار المصلحين، عرفنا فيه العزم الصادق، والإيمان الثابت، والتضحية بمثلها الأعلى في سبيل إعلاء كلمة الله. ذلكم الرجل العامل هو صاحب الفضيلة السيد محمد الخضر حسين. عرضنا فكرتنا على فضيلته، فتقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتاً حسناً. فكان قبوله لها أكبر مشجع لنا على السير في طريقنا، وما زال يتعهدنا بنصحه، ويرسم لنا الطرق المجدية حتى برزت الفكرة من حيز القول إلى حيز العمل، فظهرت هذه الجمعية الناهضة، وشعارها: الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

стр. 6115

تقدير علمي (١) كان رئيس تحرير هذه المجلة قدَّم نسخة من مؤلفه "رسائل الإصلاح" إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري شيخ الجامع الأزهر سابقاً، فتلقى من فضيلته الخطاب الآتي: حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، عضو المجمع اللغوي، والمدرس بكلية أصول الدين، ورئيس جمعية الهداية الإسلامية بمصر. السلام عليكم ورحمة الله. وبعد: فقد تلقيت بمزيد السرور والغبطة كتابكم القيم: "رسائل الإصلاح"، كما تلقيت من قبلُ كتبكم النافعة المفيدة، وإني أشكركم على ما تقدمونه من كتب نافعة في الدين والعلم والأخلاق. وأسال الله أن يُبقيكم لتفيدوا العالم الإسلامي بما تقدمونه من كتب نافعة مفيدة، والسلام على فضيلتكم، ورحمة الله.

стр. 6116

مذكرات شيخ الأزهر (١) الأوراق الخاصة بشيخ الأزهر التونسي محمد الخضر حسين انتقلت إلى دار الكتب والوثائق؛ لتزيح عنها التراب، بينما تنفرد "روز اليوسف" بالاطلاع على المذكرات التي تؤرخ لمعارك مهمة في تاريخ هذا الوطن. من الأوراق الكثيرة التي يصل عددها إلى الآلاف، كان لابد أن ننتقي الأهم. وأوراقه تقول: إنه ولد في تونس في الثلث الأخير من القرن قبل الماضي، وتلقى العلم في جامع الزينونة الذي كان الجامعة الإسلامية الثانية بعد الأزهر. ثم تولى القضاء في مدينة "بنزرت" التونسية، وهو يسجل هذا في مذكراته قائلاً: "في شهر ربيع الآخر سنة ١٣٢٣ هجرية، وهو يوافق ١٩٠٢ ميلادية، عُينت قاضياً لمدينة "بنزرت" وملحقاتها، وقد أصدر المرسومَ محمد الهادي باشا باي صاحبُ المملكة التونسية -سدد الله تعالى أعماله، وبلّغه آماله-".

стр. 6117

وكما هو واضح، فقد كان الشيخ يملك طموحاً كبيراً تعجز تونس عن استيعابه، لذلك أدرك أنه لابد من الهجرة إلى الشرق، وخاصة أنه كان يعارض الاحتلال الفرنسي بشدة، ويعتبر السلطان العثماني هو صاحب الولاية الشرعية على بلاد المسلمين. ولذلك اختار أن يسافر إلى دمشق التي كانت لا تزال في قبضة الوالي العثماني الصارم جمال باشا، وكان يحكمها باسم السلطان العثماني. والأكيد أنه لعب دوراً أساسياً لصالح تركيا وألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وهو ما جعل الفرنسيين يطلبون رأسه، ويحكمون عليه بالإعدام عقبَ سفره من تونس، ثم يكررون الحكم عقب استيلائهم على دمشق في ١٩١٦ م. ومن الواضح أن حياته في دمشق لم تكن سهلة؛ فقد تعرض هناك للاعتقال، وإن كان قد حقق ما أراد من الالتحام بالحركة السياسية في المشرق العربي. لكن الجزء الأهم من أوراق شيخ الأزهر هو ذلك الذي يروي فيه سفره لألمانيا بعد سقوط "الآستانة" في يد قوات الاحتلال بثلاثة أيام. وهو يذكر علاقته بعدد من الساسة المصريين الذين كانوا وقتها رجال السلطان العثماني، قائلاً: "في سنة (١٣٣٣ هـ ١٩١٥ م) سافرت إلى الآستانة بطلب من وزارة الحربية، وقابلت أنور باشا، وتقرر سفري إلى ألمانيا، فسافرت يرافقني أحد الضباط الألمانيين، ومررنا على رومانيا، والنمسا حتى وصلنا إلى برلين، ووجدت في المحطة الشيخ عبد العزيز جاويش، والدكتور منصور رفعت، ونزلت المنزل الذي به الشيخ جاويش، والشيخ عبد الرشيد إبراهيم، وقابلت

стр. 6118

سفير الدولة العلية إبراهيم حقي. ثم ذهبت إلى وزارة الخارجية، وقابلت بعض موظفيها، ثم ذهبت إلى إدارة الاستخبارات الشرقية، ولقيت هناك الشيخ أحمد والي أخا الشيخ حسين والي، وكان مدرساً للغة العربية في جامعة برلين. وأقمت في برلين عشرة أيام، وذهبت بعدها يصاحبني مدير إدارة الاستخبارات الشرقية إلى قرية تبعد عن برلين مسيرة نحو خمسين دقيقة في القطار، يقال لها "ويزندورف"، وبقرب من هذه القرية محلُّ أسرى الحرب التونسيين والجزائريين والمراكشيين (١)، ودخلت محل الأسرى، ورأيت بينهم كثيراً ممن كنت عرفتهم في تونس والجزائر، وأقمت في نُزُل بهذه القرية نحو شهرين، أتردد خلالها على برلين، ثم انتقلت إلى الإقامة في نفس برلين، وصرت أذهب منها إلى قرية "ويزندورف" في الأسبوع مرتين أو ثلاثة". وفي جزء آخر من أوراقه عن أيامه في ألمانيا يقول: "وكنت ألاقي في إدارة الاستخبارات الشرقية كبير المستشرقين "نفرتمن"، وكان قد أنكر على الحكومة الألمانية موافقتها لتركيا على إعلان الجهاد الديني، ووجدت بينه وبين الشيخ صالح الشريف مناقشات في هذا الشأن. وأخذنا نتحدث عن الفرنسيين، فأثنى على أخلاقهم، وقال: إن فيهم

стр. 6119

أصدقاء، وإنما رجال السياسة هم الذين يحملون العداوة لألمانيا". إن الشيخ -وكما روى في أوراقه- عاد من ألمانيا إلى دمشق بعد هزيمة دول المحور، لكن الحال لم يطل به هناك؛ إذ يقول في إحدى أوراقه: "دخلت فرنسا دمشق، وكانت قد حكمت عليَّ في تونس أيام الحرب بالإعدام، فقررتُ التخلص إلى مصر، وسعى الدكتور سعيد الأسيوطي لدى المعتمد الإنجليزي، فأصدر في جوازاً منه إلى مصر". ثم يروي قصة دخوله مصر قائلاً: "سافرت من دمشق على سكة حديد يوم الاثنين ٢٤ من ذي القعدة ١٣٣٨ هـ، وبتُّ ليلة بحيفا، واستأنفت السفر من الغد إلى القاهرة. نزلت بالمحطة، ولقيت بها الأستاذ خير الدين الزركلي، وأحمد أفندي عبيد، وبت تلك الليلة في نزل (دار السلام)، وذهبت صباحاً إلى رواق المغاربة، وأجرت غرفة متواضعة بربع في الباطنية. ثم أخذ التعارف بيني وبين علماء الأزهر يزداد يوماً فيوم، فعرفت الشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ عبد الكريم عطا، والشيخ محمد شتاكرد، وزرت الشيخ أبا الفضل في الجامع الأزهر، فرأيت منه عطف شيوخ الأزهر الذين يراعون الصلة العلمية، ولا ينظرون بعدها إلَّا إلى الرابطة الإسلامية". وعندما اشتعلت معركة "الإسلام وأصول الحكم"، شنّ الخضر حسين هجوماً ضارياً على علي عبد الرازق، وألف كتاباً يرد فيه على كتابه. وهو يروي هذه الوقائع في أوراقه قائلاً: "وكنت أزور جعفر باشا والي بالمطريَّة، فأرى منه احتفاءً وحسنَ لقاء. وفي أيام ولايته لوزارة المعارف نُدبت للتصحيح بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية.

стр. 6120

وفي شهر محرم سنة ١٣٤٢ هـ قدمت مذكرة لشيخ الجامع الأزهر الشيخ أبي الفضل أطلب فيها قبولي لأداء امتحان شهادة العالمية الأزهرية، فقبلها شيخ الأزهر، وحولها إلى مجلس الإدارة، فوافق مجلس الإدارة يومئذ على دخولي الامتحان، وعرضت بعد ذلك على المجلس الأعلى للأزهر، وكان الشيخ أبو الفضل يقول: سنعطيك شهادة العالمية الأزهرية، ولكن أحد الأعضاء ممن له رأي في المجلس ذكر للمجلس أنني أشتغل بالسياسة، فرفض الطلب. وفي سنة ١٣٤٣ هـ ظهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ عبد الرازق، فرأيته قد مشى في غير طريق، وفرغ إلى غير تحقيق، وأخذت أبين غلطاته، وأوجِّه انحرافَه عن قصد السبيل، ولما انتهيت إلى هذا النقد، سميته: "نقص كتاب الإسلام وأصول الحكم"، فطبعته، وكتبت عليه إهداء إلى خزانة صاحب الجلالة ملك مصر فؤاد الأول، ودفعت نسخة منه إلى يد كبير أمناء جلالة الملك، وقابلته في صحبة أحمد تيمور باشا، وتوفيق نسيم باشا، وكان رئيسَ الديوان الملكي، وقدمت إليه نسخة من الكتاب، فقدَّره قدره، ووجدت منه بعد ذلك مودة، وقياماً بحق هذه المودة عند كل مناسبة". "ظهر في سنة ١٣٤٣ هـ كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، واتفق أن زرتُ السيد رشيد رضا، فوجدت عنده هذا الكتاب، وقرأته كله، وفهمت مراميه، ورأيت أن فيه آراء خاصة. فعزمت أن أكتب في مناقشته، وألفت كتابي في "نقض الإسلام وأصول الحكم"، وشرعت في طبعه ... وكان الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار

стр. 6121

المصرية يطلع على كل ملزمة تطبع منه. والتقيت بالشيخ أبي الفضل شيخ الأزهر في منزل السيد أحمد رافع، وصرت أقدم إليه ما يطبع من بعد. وعرض عليَّ عند قرب انتهاء طبع الكتاب أن أمنح شهادة عالمية الأغراب، فأبيت، وقلت: إني مستعد لامتحان شهادة العالمية الأزهرية، فراجع السكرتير العام الشيخ حسن والي بمحضر، فأظهر صعوبة في ذلك، وتمسكت أنا برفض شهادة الأغراب. وصدر الكتاب سنة ١٣٤٤ هـ، وقدمت نسخة من الكتاب لحضرة صاحب الجلالة فؤاد الأول، وصاحبني عند تسليمها إلى كبير الأمناء ذي الفقار باشا سعادةُ أحمد تيمور باشا. وبعد قليل تولى رئاسة الديوان توفيق نسيم باشا، فقابلته، ودار بيننا حديث يدل على أنه يُعنى ببحث المسائل الفقهية". "وفي هذه السنة ١٣٤٧ هجرية، سافر الدكتور طه حسين إلى مؤتمر المستشرقين السابع عشر بجامعة (أكسفورد)، وألقى هناك محاضرة موضوعها: "ضمير الغائب، واستعماله اسمَ إشارة في القرآن"، ونشر في مجلة "الرابطة الشرقية" ملخصَ لهذه المحاضرة، فحررتُ في نقده رسالة بينت فيها خطأه في فهم عبارات علماء العربية بوضوح، ونشرت الرسالة في مجلة "الهداية الإسلامية". ولما بلغني أن شيخ الأزهر -أعني: الشيخ المراغي- يريد بحث ما كتبه الدكتور طه حسين، زرته، وقدمت له نسخة من المجلة، فأخذ يقرأ ما كتبته إلى أن أتى على آخره، وقال في: ابعث إلى الدكتور نسخة منه، ثم قال: هم يقولون: إن الذي يقدم بحثاً إلى المؤتمر لا يأخذ على عهدته صحته، بل يلقي ما بدا له من الرأي، والمؤتمر يبحثه، ويقرر صحته أو خطأه.

стр. 6122

وفي سنة ١٣٤٨ هـ ألقى الدكتور طه حسين محاضرات، وذهب فيها إلى أن علم البيان العربي مأخوذ من بيان اليونان، فألقيت محاضرات بجمعية الهداية الإسلامية، بينت فيها كيف نشأ علم البلاغة، وتكامل في أحضان علماء العربية تحت ضوء بحثهم في كلام البلغاء وأساليبهم، ونشرت هذه المحاضرات في مجلة "الهداية الإسلامية" -أيضاً- ". والحقيقة أن أوراق الشيخ الخضر مليئة بالعشرات من المواقف، فهو يروي في أوراقه قائلاً: "وفي ٢١ ذي القعدة سنة ١٣٥٠ هـ حضرتُ مجلس النواب الذي حضّر فيه الدكتور عبد الحميد استجواباً موجهاً إلى معالي وزير المعارف حلمي عيسى باشا عن حال الدكتور طه حسين، ومسلكه في الجامعة من جهة الدين والأخلاق، واتفق أن كان هذا أول يوم شهدت فيه مجلس النواب". وفي موضع آخر من مذكراته يوضح "وفي أول أكتوبر سنة ١٩٢٩ م صدر إذن ملكي على لسان رئيس الديوان توفيق نسيم باشا إلى شيخ الأزهر بالنيابة للشيخ عبد الرحمن قراعة يندبني للتدريس بالأزهر، فندبت لتدريس آداب اللغة والتاريخ الإسلامي بقسم التخصص". ويقول الشيخ: "حضرت في حفلتين خطب فيهما سعد باشا زغلول في القضية الوطنية، وكان تأثيره على الجمهور الطامح يومئذ لاستقلال البلاد عظيماً، ولم يتفق لي أن رأيته في غير هاتين الحفلتين، وكان الشيخ عبد العزير جاويش حدثه سنة ١٣٤٤ هـ عن كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ثم خاطبني عن طريق التليفون، وأنا بدار الكتب المصرية، يطلب مني تحضير نسخة من الكتاب لتقديمها للباشا، وقال لي: سآخذ منه موعداً للمقابلة،

стр. 6123

وأخبركم، فاحضرت النسخة، ولكن الشيخ جاويش لم يعد لمخاطبتي في هذا الشأن، ولم أسأله بعد". والأكيد: أنه من الصعب الحكمُ على رحلة عمر طويلة من زاوية واحدة، فالشيخ الخضر كان طموحاً، وكان دائماً على علاقة حسنة بالحكام الذين كانوا يتوسم أنهم سيرفعون راية الخلافة الإسلامية. ولكنه كان -أيضاً- ذا تاريخ مشرِّف في زعامة (جبهة تحرير شمال إفريقية، ومعاداة الاستعمار الفرنسي. لكن أوراقه تؤكد أنه خاض معارك ضارية، وأن ذلك لم يقتصر على طه حسين، وعلي عبد الرازق، ولكنه امتد ليشمل الشيخ محمود شلتوت الذي أصبح شيخاً للأزهر في الستينات ... فهو يكتب عن معركته مع الشيخ شلتوت قائلاً: "وفي سنة (١٣٦١ هجرية ١٩٤٠ م) نشر الشيخ محمود شلتوت مقالة في مجلة "الرسالة" تحت عنوان: "الهجرة وشخصيات الرسول"، وأنكرها أهل العلم؛ إذ كان فيها تقويض جانب عظيم من أصول الشريعة الغراء، فكتبتُ في الرد عليه رسالة طُبعت مستقلة بعد نشرها في مجلة "الهداية الإسلامية"، وعنوانها: (نقد مقالة الهجرة وشخصيات الرسول)، ووقعت هذه الرسالة عند العلماء المستنيرين موقع القبول، وأقبلوا على اقتنائها؛ إذ رأوها كافية لرد الشُّبه التي حامت على رأي الشيخ شلتوت". تحقيق وائل لطفي

стр. 6124

من أعلام الاجتهاد الإسلامي الحديث الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين (١) * عقل إسلامي مجدِّد، ومناضل في سبيل النهضة العربية والإحياء الإسلامي. * كلان لسان الأصالة المعبّر عن مشكلات المعاصرة وضرورتها. ليست هذه بالترجمة المستفيضة لحياة الشيخ الفاضل محمد الخضر حسين، وإنما هي "بطاقة" تجتهد لتكثف هذه الحياة الخصبة في سطور. - فمن أسرة جزائرية "شريفة" - يرتفع نسبها إلى الأمراء الأدارسة بالمغرب - جاء والده، ومن أسرة تونسية - اشتهرت بالعلم والفضل والتقوى هي أسرة عزوز - جاءت والدته ... - وفي مدينة "نفطة" من أعمال "الجريد" بجنوب القطر التونسي، ولد شيخنا في (٢٦ رجب سنة ١٢٩٣ هـ ١٦ أغسطس سنة ١٨٧٦ م) ... وفي "نفطة" كانت نشأته الأولى، التي تأثر فيها بأبيه، وبخاله السيد محمد المكي ابن عزوز، الذي كان من كبار العلماء، وموضع احترام رجالات الدولة العثمانية يومئذ، والذي قضى الشطر الأخير من حياته في الآستانة؛ تلبية لرغبة السلطان عبد الحميد (١٢٥٨ - ١٣٣٦ هـ ١٨٤٢ - ١٩١٨ م) ... وله مؤلفات علمية

стр. 6125

معروفة، وترجمة في بعض كتب التاريخ. وفي هذه النشاة الأولى بـ "نفطة"، حفظ شيخنا القرآن الكريم، وألمَّ بجانب من الأدب، والعلوم العربية، والشريعة. * نبوغ مبكر: - وفي الثانية عشرة من عمره (سنة ١٣٠٥ هـ، سنة ١٨٨٨ م) انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة، وبعد عامين (سنة ١٣٠٧ هـ , سنة ١٨٨٩ م) التحق "بجامع الزيتونة" المناظر في تونس والمغرب للجامع الأزهر الشريف. وفي الزيتونة تقدم الفتى في تحصيل العلم، وظهرت أَمارات نبوغه في علوم العربية، وعلوم الشريعة، وتجلى ذوقه الأدبي في الإنشاء وفي التذوق، حتى لقد طلبتْه الحكومة ليتولى بعض الخطط العلمية، قبل إتمام دراسته، لكنه اعتذر عن عدم القبول لرغبة حكومة تونس الفرنسية! - كانت رحلته الأولى خارج تونس إلى الشرق، ولما يزل طالباً، فزار طرابلس الغرب في ليبيا سنة (١٣١٧ هـ، سنة ١٨٩٩ م)، فأقام بها أياماً، ثم عاد إلى تونس، فلازم جامع الزيتونة. - وفي سنة (١٣٢١ هـ سنة ١٩٠٢ م) نال شهادة العالمية، وأصبح من علماء الزيتونة، وفي العام نفسه الذي تخرج فيه من جامع الزيتونة أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، التي كانت رائدة المجلات العلمية والأدبية في بلاد الشمال الأفريقي يومئذ، فلفَتَ الأنظار إلى قلمه ولسانه، فلقد كان خطيباً، ومحاضراً، إلى جانب كونه أديباً وشاعراً وكاتباً. - وفي سنة (١٣٢٤ هـ سنة ١٩٠٥ م) تولى قضاء مدينة "بنزرت" ومنطقتها، إلى جانب التدريس والخطابة بجامعها الكبير.

стр. 6126

- وفي (١٧ ربيع الآخر سنة ١٣٢٤ هـ ٩ يونيو سنة ١٩٠٦ م) ألقى في نادي قدماء خريجي المدرسة الصادقية محاضرة عن "الحرية في الإسلام"، فكشف بها عن موقف فكري ذي مغزى في بلد يستبد بحكمه المستعمرون الفرنسيون، ثم ما لبث أن استقال من قضاء "بنزرت"، وعاد إلى تونس العاصمة مدرساً بالمدرسة الصادقية، وكانت المدرسةَ الثانوية الوحيدة بتونس يومئذ، وكان ذلك في سنة (١٣٢٦ هـ سنة ١٩٠٨ م)، وفي العام التالي لتدريسه بالصادقية (١٣٢٧ هـ سنة ١٩٠٩ م) تطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيلت إليه مهمة تنظيم خزائن الكتب الخاصة بهذه الجامعة، وتم تعينه، رسمياً، مدرساً بجامع الزيتونة. - وفي سنة (١٣٢٥ هـ سنة ١٩٠٧ م) اشترك في تأسيس (الجمعية الزيتونية)، ثم كلف بالخطابة في "الخلدونية"، وفي (١١ شوال سنة ١٣٢٧ هـ ٢٦ أكتوبر سنة ١٩٠٩ م) ألقى محاضرة في نادي الجمعية الخلدونية عن "حياة اللغة العربية"، وفي العام التالي (١٣٢٨ هـ سنة ١٩١٠ م) نظم قصيدة يدعو فيها علماء جامع الزيتونة إلى العناية بتنشئة جيل من الكتاب والأدباء والدعاة، فوضحت مقاصده من وراء الدعوة إلى إحياء قيم "الحرية"، و"العروبة"، وأدوات "الكتابة" و"الخطابة" في وطن يخضع لاستعمار ينهب خيراته، ويستبد بمقدراته، ويمسخ هويته العربية الإسلامية! - ولما قامت الحرب الطرابلسية في (٥ شوال ١٣٢٩ هـ ٢٩ سبتمبر ١٩٩١ م) بين إيطاليا والدولة العثمانية، وزحفت الجيوش الإيطالية، فاحتلت طرابلس، وبنغازي، وقف الشيخ الخضر بقلمه ولسانه، ومن خلال مجلته "السعادة العظمى" يستنفر الأمة لتقاوم الغزو الإيطالي، ويستنهض الدولة

стр. 6127

العثمانية لاستخلاص الحق من غاصبيه. ومن بيانه في ذلك: قصيدة مطلعها: رُدُّوا على مجدِنا الذكْرَ الذي ذهبا ... يكفي مضاجِعَنا نومٌ مضى حقبا! - ثم سافر إلى الجزائر زائراً لأمهات مدنها، ومحاضراً فيها، وعاد إلى تونس يواصل دروسه بالزيتونة، ونشاطه في المحاضرات والخطابة، والكتابة في الإصلاح الإسلامي، والنهضة العربية، وإذكاء الروح الوطنية. * صِدَام مع الاستعمار: - وفي هذه الفترة رفض رغبة الحكومة ضمَّه إلى سلك القضاء في محكمة فرنسية! - وكان لابد من الصدام بين سعي الشيخ المناضل، وبين سلطات الاستعمار الفرنسي في تونس، فوجهت هذه السلطات إليه في سنة (١٣٢٩ هـ سنة ١٩١١ م) تهمةَ "بث روح العداء للغرب، وبخاصة لسلطة الحماية الفرنسية في تونس". فلما استشعر الشيخ الخطر على حياته، غادر تونس إلى الآستانة؛ بحجة الرغبة في زيارة خاله السيد محمد المكي بن عزوز، الذي كان يعيش هناك، وكانت رحلته هذه إلى الآستانة عبر مصر، فدمشق، لكنه لم يلبث أن حسن إلى وطنه تونس، فعاد إليه، عبر نابولي في إيطاليا، ونشر أخبار رحلته هذه، وعينته الحكومة عضواً بإحدى لجان التاريخ التونسي. لكن الجو الخانق الذي كان مفروضاً على تونس من سلطات الاحتلال الفرنسي دعاه إلى الهجرة ثانية، فقصد إلى دمشق، وفي طريقه إليها مر بالقاهرة، فلبث فيها مدة وجيزة تعرَّف فيها على كوكبة من العلماء الأعلام المناضلين في سبيل النهضة العربية، والإحياء

стр. 6128

الإسلامي، منهم: الشيخ طاهر الجزائري (١٢٦٨ - ١٣٣٨ هـ ١٨٥٢ - ١٩٢٠ م)، والسيد محمد رشيد رضا (١٢٨٢ - ١٣٥٤ هـ ١٨٦٥ - ١٩٣٥ م)، والسيد محب الدين الخطيب، وأحمد تيمور باشا (١٢٨٨ - ١٣٤٥ هـ ١٨٧١ - ١٩٣٠ م). وفي دمشق عُين مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية سنة (١٣٣٠ هـ سنة ١٩١٢ م). وخلال تلك الفترة سافر إلى القسطنطينية، فوصلها يوم إعلام حرب البلقان "الروسية - العثمانية" في (ذي القعدة سنة ١٣٣٠ هـ، أكتوبر سنة ١٩١٢ م)، ثم عاد إلى دمشق، ومنها سافر بسكة حديد الحجاز إلى المدينة المنورة سنة (١٣٣١ هـ ١٩١٣ م)، ثم عاد إلى دمشق. ومن دمشق سافر إلى الآستانة، ولقي وزير حربيتها أنور باشا (١٢٩٩ - ١٣٤٠ هـ، ١٨٨٢ - ١٩٢٢ م)، فاختاره محرراً عربياً بالوزارة، ولقد أتيحت له الفرصة ليلمس عوامل الفساد التي تفتك بمقومات الدولة، فسجل ذلك شعراً في قصيدته التي نظمها سنة (١٣٣٢ هـ ١٩١٤ م)، والتي يقول فيها: أَدْمى فؤادي أَنْ أرى الـ ... أقلامَ ترسُفُ في القُيودِ فهجَرْتُ قوماً كنتُ في ... أنظارِهِمْ بيتَ القَصيدِ وحسبتُ هذا الشرقَ لم ... يبرحْ على عهدِ الرشيدِ فإذا المجالُ كأنَّه ... من ضيقِه خُلُق الوليدِ! - وفي سنة (١٣٣٣ هـ، سنة ١٩١٥ م) أرسله أنور باشا إلى العاصمة الألمانية برلين في مهمة رسمية، فمكث بها تسعة أشهر، اجتهد خلالها أن يتعلم اللغة الألمانية، وعندما تحدث إليه المدير الألماني للقسم الشرقي بوزارة الخارجية الألمانية، خلال صحبته بقطار ضواحي برلين، عن قول ابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ، ١٣٣٢ - ١٤٠٦ م): إن العرب أبعدُ الناس عن السياسة،

стр. 6129

رفض هذا التفسير العنصري لكلام ابن خلدون، ودافعَ عن العرب، ونظم أبياتاً قال فيها: عَذيري من فَتى أَزْرى بقومي ... وفي الأهواءِ ما يلد الهذاءَ سَلُوا التاريخَ عن حكمٍ تملَّتْ ... رعاياهُ العدالةَ والإخاءَ هو الفاروقُ لم يدركْ مداهُ ... أميرٌ هَزَّ في الدنيا لِواءَ ومن برلين عاد إلى الآستانة، وما لبث أن ضاقت به، فحن إلى دمشق، وعاد إليها. * ويدخل السجن: وفي دمشق اعتقله السفاح أحمد جمال باشا (١٢٨٩ - ١٣٤٠ هـ ١٨٧٢ - ١٩٢٢ م) الحاكمُ العام في سورية، في (رمضان سنة ١٣٣٤ هـ، يوليو سنة ١٩١٦ م) لعدة أشهر، حتى أنقذه من السجن تدخُّل وزير الحربية العثمانية أنور باشا، فغادر دمشق بعد الإفراج عنه إلى الآستانة، فأوفده أنور باشا ثانيةً، إلى برلين سنة (١٣٣٥ هـ، سنة ١٩١٧ م)، فالتقى فيها بزعماء الحركات الإسلامية هناك، من مثل: الشيخ عبد العزيز جاويش (١٢٩٣ - ١٣٤٧ هـ، ١٨٧٦ - ١٩٢٩ م)، والدكتور عبد الحميد سعيد (١٢٩٩ - ١٣٥٩ هـ، ١٨٨٢ - ١٩٤٠ م)، والدكتور أحمد فؤاد، ثم عاد بعد فترة طويلة إلى الآستانة، ومنها رجع إلى دمشق، وإلى التدريس في المدرسة السلطانية بقية سنة (١٣٣٥ هـ وسنة ١٣٣٦ هـ، سنة ١٩١٧ وسنة ١٩١٨ م)، فشرح لنجباء الطلاب كتاب ابن هشام (٧٠٨ - ٧٦١ هـ ١٣٠٩ - ١٣٦٠ م) "مغني اللبيب" في علم العربية، وهو الشرح الذي كان الأساس لبحثه في "القياس وشروطه ومواقفه وأحكامه"، وهو البحث الذي طوره، فيما بعد، كتاباً نال به عضوية "هيئة كبار العلماء"

стр. 6130

بالجامع الأزهر، وطبع سنة (١٣٥٣ هـ، سنة ١٩٣٤ م). - وفي سنة (١٣٣٧ هـ , ١٩١٨ م) سافر من دمشق إلى الآستانة، وكانت الحرب العالمية الأولى في نهاياتها، ومنها توجه إلى ألمانيا للمرة الثالثة، فقضى بها سبعة أشهر، وكانت نُذُر الزوال للدولة العثمانية تُطل في الأفق، فعاد من ألمانيا إلى دمشق مباشرة! ... - وصادفت عودته إلى دمشق إقامةَ الحكم العربي بقيادة فيصل بن الحسين (١٣٠٠ - ١٣٥٢ هـ , ١٨٨٣ - ١٩٣٣ م) سنة (١٣٣٨ هـ , سنة ١٩١٩ م)، لكن الاحتلال الفرنسي عاجل هذا الأمل العربي سنة (١٣٣٨ هـ , سنة ١٩٢٠ م)، ففكر الشيخ الذي هاجر من تونس المحتلة بالفرنسيين في العودة إليها، بعد أن احتلوا دمشق أيضاً! ... لكنه رحل إلى القاهرة، وألقى بها عصا ترحاله الذي استمر عشر سنوات، فاستوطن القاهرة سنة (١٣٩٩ هـ، سنة ١٩٢١ م). - وفي القاهرة أعانه الاستقرار في الإنتاج العلمي المنظم، والنشاط الإصلاحي الدائم، فوضحت معالم نهجه في التجديد والإصلاح، وتكونت من حوله حلقات الطلاب والمريدين، وأخذت تأثيرات علمه وإصلاحه تلفتُ إليه أنظار العلماء وطلاب الإصلاح. ففي سنة (١٣٤٠ هـ ,١٩٢٢ م) ألف رسالته: "الخيال في الشعر العربي". واشتغل عدة سنوات في التحقيق لكتب التراث بالقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وتجنس بالجنسية المصرية، ثم تقدم إلى امتحان العالمية لجامع الأزهر، فحصل عليها بجدارة، وأصبح واحداً من علماء الأزهر الشريف. - ولم يكن التجنس بالجنسية المصرية، ولا الانخراط في "هيئة كبار
следующие страницы →