- وفي (١٧ ربيع الآخر سنة ١٣٢٤ هـ ٩ يونيو سنة ١٩٠٦ م) ألقى في نادي قدماء خريجي المدرسة الصادقية محاضرة عن "الحرية في الإسلام"، فكشف بها عن موقف فكري ذي مغزى في بلد يستبد بحكمه المستعمرون الفرنسيون، ثم ما لبث أن استقال من قضاء "بنزرت"، وعاد إلى تونس العاصمة مدرساً بالمدرسة الصادقية، وكانت المدرسةَ الثانوية الوحيدة بتونس يومئذ، وكان ذلك في سنة (١٣٢٦ هـ سنة ١٩٠٨ م)، وفي العام التالي لتدريسه بالصادقية (١٣٢٧ هـ سنة ١٩٠٩ م) تطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيلت إليه مهمة تنظيم خزائن الكتب الخاصة بهذه الجامعة، وتم تعينه، رسمياً، مدرساً بجامع الزيتونة.
- وفي سنة (١٣٢٥ هـ سنة ١٩٠٧ م) اشترك في تأسيس (الجمعية الزيتونية)، ثم كلف بالخطابة في "الخلدونية"، وفي (١١ شوال سنة ١٣٢٧ هـ ٢٦ أكتوبر سنة ١٩٠٩ م) ألقى محاضرة في نادي الجمعية الخلدونية عن "حياة اللغة العربية"، وفي العام التالي (١٣٢٨ هـ سنة ١٩١٠ م) نظم قصيدة يدعو فيها علماء جامع الزيتونة إلى العناية بتنشئة جيل من الكتاب والأدباء والدعاة، فوضحت مقاصده من وراء الدعوة إلى إحياء قيم "الحرية"، و"العروبة"، وأدوات "الكتابة" و"الخطابة" في وطن يخضع لاستعمار ينهب خيراته، ويستبد بمقدراته، ويمسخ هويته العربية الإسلامية!
- ولما قامت الحرب الطرابلسية في (٥ شوال ١٣٢٩ هـ ٢٩ سبتمبر ١٩٩١ م) بين إيطاليا والدولة العثمانية، وزحفت الجيوش الإيطالية، فاحتلت طرابلس، وبنغازي، وقف الشيخ الخضر بقلمه ولسانه، ومن خلال مجلته "السعادة العظمى" يستنفر الأمة لتقاوم الغزو الإيطالي، ويستنهض الدولة
стр. 6127
العثمانية لاستخلاص الحق من غاصبيه.
ومن بيانه في ذلك: قصيدة مطلعها:
رُدُّوا على مجدِنا الذكْرَ الذي ذهبا ... يكفي مضاجِعَنا نومٌ مضى حقبا!
- ثم سافر إلى الجزائر زائراً لأمهات مدنها، ومحاضراً فيها، وعاد إلى تونس يواصل دروسه بالزيتونة، ونشاطه في المحاضرات والخطابة، والكتابة في الإصلاح الإسلامي، والنهضة العربية، وإذكاء الروح الوطنية.
* صِدَام مع الاستعمار:
- وفي هذه الفترة رفض رغبة الحكومة ضمَّه إلى سلك القضاء في محكمة فرنسية!
- وكان لابد من الصدام بين سعي الشيخ المناضل، وبين سلطات الاستعمار الفرنسي في تونس، فوجهت هذه السلطات إليه في سنة (١٣٢٩ هـ سنة ١٩١١ م) تهمةَ "بث روح العداء للغرب، وبخاصة لسلطة الحماية الفرنسية في تونس".
فلما استشعر الشيخ الخطر على حياته، غادر تونس إلى الآستانة؛ بحجة الرغبة في زيارة خاله السيد محمد المكي بن عزوز، الذي كان يعيش هناك، وكانت رحلته هذه إلى الآستانة عبر مصر، فدمشق، لكنه لم يلبث أن حسن إلى وطنه تونس، فعاد إليه، عبر نابولي في إيطاليا، ونشر أخبار رحلته هذه، وعينته الحكومة عضواً بإحدى لجان التاريخ التونسي. لكن الجو الخانق الذي كان مفروضاً على تونس من سلطات الاحتلال الفرنسي دعاه إلى الهجرة ثانية، فقصد إلى دمشق، وفي طريقه إليها مر بالقاهرة، فلبث فيها مدة وجيزة تعرَّف فيها على كوكبة من العلماء الأعلام المناضلين في سبيل النهضة العربية، والإحياء
стр. 6128
الإسلامي، منهم: الشيخ طاهر الجزائري (١٢٦٨ - ١٣٣٨ هـ ١٨٥٢ - ١٩٢٠ م)، والسيد محمد رشيد رضا (١٢٨٢ - ١٣٥٤ هـ ١٨٦٥ - ١٩٣٥ م)، والسيد محب الدين الخطيب، وأحمد تيمور باشا (١٢٨٨ - ١٣٤٥ هـ ١٨٧١ - ١٩٣٠ م).
وفي دمشق عُين مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية سنة (١٣٣٠ هـ سنة ١٩١٢ م). وخلال تلك الفترة سافر إلى القسطنطينية، فوصلها يوم إعلام حرب البلقان "الروسية - العثمانية" في (ذي القعدة سنة ١٣٣٠ هـ، أكتوبر سنة ١٩١٢ م)، ثم عاد إلى دمشق، ومنها سافر بسكة حديد الحجاز إلى المدينة المنورة سنة (١٣٣١ هـ ١٩١٣ م)، ثم عاد إلى دمشق.
ومن دمشق سافر إلى الآستانة، ولقي وزير حربيتها أنور باشا (١٢٩٩ - ١٣٤٠ هـ، ١٨٨٢ - ١٩٢٢ م)، فاختاره محرراً عربياً بالوزارة، ولقد أتيحت له الفرصة ليلمس عوامل الفساد التي تفتك بمقومات الدولة، فسجل ذلك شعراً في قصيدته التي نظمها سنة (١٣٣٢ هـ ١٩١٤ م)، والتي يقول فيها:
أَدْمى فؤادي أَنْ أرى الـ ... أقلامَ ترسُفُ في القُيودِ
فهجَرْتُ قوماً كنتُ في ... أنظارِهِمْ بيتَ القَصيدِ
وحسبتُ هذا الشرقَ لم ... يبرحْ على عهدِ الرشيدِ
فإذا المجالُ كأنَّه ... من ضيقِه خُلُق الوليدِ!
- وفي سنة (١٣٣٣ هـ، سنة ١٩١٥ م) أرسله أنور باشا إلى العاصمة الألمانية برلين في مهمة رسمية، فمكث بها تسعة أشهر، اجتهد خلالها أن يتعلم اللغة الألمانية، وعندما تحدث إليه المدير الألماني للقسم الشرقي بوزارة الخارجية الألمانية، خلال صحبته بقطار ضواحي برلين، عن قول ابن خلدون (٧٣٢ - ٨٠٨ هـ، ١٣٣٢ - ١٤٠٦ م): إن العرب أبعدُ الناس عن السياسة،
стр. 6129
رفض هذا التفسير العنصري لكلام ابن خلدون، ودافعَ عن العرب، ونظم أبياتاً قال فيها:
عَذيري من فَتى أَزْرى بقومي ... وفي الأهواءِ ما يلد الهذاءَ
سَلُوا التاريخَ عن حكمٍ تملَّتْ ... رعاياهُ العدالةَ والإخاءَ
هو الفاروقُ لم يدركْ مداهُ ... أميرٌ هَزَّ في الدنيا لِواءَ
ومن برلين عاد إلى الآستانة، وما لبث أن ضاقت به، فحن إلى دمشق، وعاد إليها.
* ويدخل السجن:
وفي دمشق اعتقله السفاح أحمد جمال باشا (١٢٨٩ - ١٣٤٠ هـ ١٨٧٢ - ١٩٢٢ م) الحاكمُ العام في سورية، في (رمضان سنة ١٣٣٤ هـ، يوليو سنة ١٩١٦ م) لعدة أشهر، حتى أنقذه من السجن تدخُّل وزير الحربية العثمانية أنور باشا، فغادر دمشق بعد الإفراج عنه إلى الآستانة، فأوفده أنور باشا ثانيةً، إلى برلين سنة (١٣٣٥ هـ، سنة ١٩١٧ م)، فالتقى فيها بزعماء الحركات الإسلامية هناك، من مثل: الشيخ عبد العزيز جاويش (١٢٩٣ - ١٣٤٧ هـ، ١٨٧٦ - ١٩٢٩ م)، والدكتور عبد الحميد سعيد (١٢٩٩ - ١٣٥٩ هـ، ١٨٨٢ - ١٩٤٠ م)، والدكتور أحمد فؤاد، ثم عاد بعد فترة طويلة إلى الآستانة، ومنها رجع إلى دمشق، وإلى التدريس في المدرسة السلطانية بقية سنة (١٣٣٥ هـ وسنة ١٣٣٦ هـ، سنة ١٩١٧ وسنة ١٩١٨ م)، فشرح لنجباء الطلاب كتاب ابن هشام (٧٠٨ - ٧٦١ هـ ١٣٠٩ - ١٣٦٠ م) "مغني اللبيب" في علم العربية، وهو الشرح الذي كان الأساس لبحثه في "القياس وشروطه ومواقفه وأحكامه"، وهو البحث الذي طوره، فيما بعد، كتاباً نال به عضوية "هيئة كبار العلماء"
стр. 6130
بالجامع الأزهر، وطبع سنة (١٣٥٣ هـ، سنة ١٩٣٤ م).
- وفي سنة (١٣٣٧ هـ , ١٩١٨ م) سافر من دمشق إلى الآستانة، وكانت الحرب العالمية الأولى في نهاياتها، ومنها توجه إلى ألمانيا للمرة الثالثة، فقضى بها سبعة أشهر، وكانت نُذُر الزوال للدولة العثمانية تُطل في الأفق، فعاد من ألمانيا إلى دمشق مباشرة! ...
- وصادفت عودته إلى دمشق إقامةَ الحكم العربي بقيادة فيصل بن الحسين (١٣٠٠ - ١٣٥٢ هـ , ١٨٨٣ - ١٩٣٣ م) سنة (١٣٣٨ هـ , سنة ١٩١٩ م)، لكن الاحتلال الفرنسي عاجل هذا الأمل العربي سنة (١٣٣٨ هـ , سنة ١٩٢٠ م)، ففكر الشيخ الذي هاجر من تونس المحتلة بالفرنسيين في العودة إليها، بعد أن احتلوا دمشق أيضاً! ... لكنه رحل إلى القاهرة، وألقى بها عصا ترحاله الذي استمر عشر سنوات، فاستوطن القاهرة سنة (١٣٩٩ هـ، سنة ١٩٢١ م).
- وفي القاهرة أعانه الاستقرار في الإنتاج العلمي المنظم، والنشاط الإصلاحي الدائم، فوضحت معالم نهجه في التجديد والإصلاح، وتكونت من حوله حلقات الطلاب والمريدين، وأخذت تأثيرات علمه وإصلاحه تلفتُ إليه أنظار العلماء وطلاب الإصلاح.
ففي سنة (١٣٤٠ هـ ,١٩٢٢ م) ألف رسالته: "الخيال في الشعر العربي".
واشتغل عدة سنوات في التحقيق لكتب التراث بالقسم الأدبي في دار الكتب المصرية، وتجنس بالجنسية المصرية، ثم تقدم إلى امتحان العالمية لجامع الأزهر، فحصل عليها بجدارة، وأصبح واحداً من علماء الأزهر الشريف.
- ولم يكن التجنس بالجنسية المصرية، ولا الانخراط في "هيئة كبار
стр. 6131
العلماء"، والاشتغال بالبحث والتحقيق، لم يكن في ذلك ما يعوق الشيخ الخضر عن مواصلة النهوض بمسؤولياته وواجباته كعالم مسلم، ومجاهد عربي، و-أيضاً- رعاية حقوق وطنه الأصلي تونس، وأشقائه الرازحين بالمغرب تحت نير الاستعمار الفرنسي، فنهض الشيخ في سنة (١٣٤٢ هـ , سنة ١٩٢٤ م) بتأسيس (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)؛ لتكتيل وتحريك جهود أبنائها في خدمة قضية تحرير هذه البلاد من الاستعمار، ولقد كانت هذه الجمعية مكان اللقاء والتعاون بين أحرار تلك البلاد ومناضليها، فضمت عضويتها من المغرب: الفضيل الورتلاني، ومن الجزائر: البشير الإبراهيمي (١٣٠٦ - ١٣٨٥ هـ , ١٨٨٩ - ١٩٦٥ م)، ومن تونس: الحبيب بورقيبة (١٢٢١ هـ، ١٩٠٣ م).
* معاركه الفكرية:
- وفي سنة (١٣٤٤ هـ , سنة ١٩٢٥ م) بدأت معاركه الفكرية الكبرى بكتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، ولقد كان الشيخ صديقاً لأسرة عبد الرازق، يتردد على منزلهم، وبينه وبينهم علاقات المودة والاحترام، وعندما قارب طبع كتاب الشيخ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" على التمام، طلب آل عبد الرازق من الشيخ الخضر عناوين زعماء العالم الإسلامي ومفكريه؛ ليهدوا إليهم الكتاب، فأتاهم بقائمة العناوين من صديقه محب الدين الخطيب، فلما طبع كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، أهديت إليه نسخة منه، ففاجأته أفكار صاحبه، فعكف على الرد عليه ونقضه، فطبع الرد في نفس السنة، ونفدت طبعته خلال شهر واحد!
وفي العام التالي (سنة ١٣٤٥ هـ، سنة ١٩٢٦ م) ظهر كتاب "في الشعر
стр. 6132
الجاهلي" للدكتور طه حسين، فرد عليه الشيخ بكتابه "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فصنع معه ما صنع مع كتاب "الإسلام وأصول الحكم" عندما فنده فقرة فقرة، وفكرة فكرة، مع أدب رفيع في الحوار، وبراعة في الجدل، كشفت عن عقل متمكن ومتمرس في ميدان البحث والمناظرة، يغترف صاحبه من معين من العلم لا يغيض.
لقد أدى الرجل بهذين الكتابين حقَّ دينٍ وأمة، ونهض بفرض كفائي وجب على الأمة جمعاء، وكان -بحق- كما قال هو:
ناضلْتُ عن حقٍّ يحاولُ ذو هَوى ... تصويرَهُ للناس شيئاً مُنْكَرا
- وفي سنة (١٣٤٦ هـ، سنة ١٩٢٧ م) اشترك مع صديقه العلامة أحمد تيمور باشا في تأسيس (جمعية الشبان المسلمين)، التي جاءت طليعة الجمعيات الإسلامية التي تكونت للتعريف بالإسلام، والذود عن حضارته في تلك الحقبة التي تميزت بزحف فكرة "التغريب" على وطن العروبة، وعالم الإسلام، ولقد رأس أولَ اجتماع تحضيري لتأسيسها في (٢٥ نوفمبر سنة ١٩٢٧ م).
كذلك نهض الشيخ الخضر بتأسيس (جمعية الهداية الإسلامية)، التي ضمت كوكبة من المثقفين ثقافة دينية ومدنية، وأصدر لها مجلة "الهداية الإسلامية"، وكون لها مكتبة عامة، جعل من مكتبته الخاصة نواة لها، ولقد امتد نشاط هذه الجمعية إلى الأقاليم، فقامت لها فروع فيها، وكانت محاضراته المستمرة فيها، ومقالاته في المجلة جهداً منظماً ومستمراً، قدم -من خلاله- معالم دعوته للإحياء الإسلامي، والنهضة العربية، وتحرير ديار العروبة والإسلام، ولقد جمعت مقالاته ومحاضراته هذه في كتاب من
стр. 6133
ثلاثة أجزاء هو "رسائل الإصلاح".
- وعندما أصدر الأزهر مجلته، التي بدأت باسم "نور الإسلام" في سنة (١٣٤٩ هـ، ١٩٣٠ م) عهد إلى الشيخ الخضر برئاسة تحريرها، فنهض بهذه المهمة من عددها الأول (محرم سنة ١٣٤٩ هـ، مايو سنة ١٩٣٠ م) حتى عدد ربيع الآخر سنة (١٣٥٢ هـ، يوليو سنة ١٩٣٣ م) عندما استقال من رئاسة تحريرها، رافضاً التعاون مع الأستاذ محمد فريد وجدي (١٢٩٥ - ١٣٧٣ هـ , ١٨٧٨ - ١٩٥٤ م) الذي عين -دون إذن الشيخ الخضر- مديراً لتحرير المجلة، وكان بينهما جدل فكري يومئذ في الصحف والمجلات، ولم تفلح وساطة الشيخ الظواهري (١٢٩٥ - ١٣٦٣ هـ، ١٨٧٨ - ١٩٤٤ م) -شيخ الأزهر- في أثنائه عن الاستقالة، وكان معاشه -يومئذ- أقل من خمسة جنيهات؟! لكن نشاطه تواصل في التدريس بكلية أصول الدين.
* في المجمع اللغوي:
- وعندما تكون "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة في سنة (١٣٥١ هـ , سنة ١٩٣٢ م) من عشرين عضواً عاملاً، كان الشيخ الخضر واحداً من أقدم هؤلاء الأعضاء، ومن أكثرهم إنتاجاً، فلقد شارك في كثير من لجان المجمع العلمية، من مثل: لجنة اللهجات، ولجنة الآداب والفنون الجميلة، ولجنة دراسات معجم (فيشر)، ولجنة الأعلام الجغرافية، ولجنة الأصول، ولجنة معجم ألفاظ القرآن الكريم، ولجنة المساحة والعمارة، ولجنة المعجم الوسيط، الأمر الذي يعكس وزنه العلمي، وثقله الفكري، وثقافته الموسوعية، وجهده الدؤوب في خدمة الفكر.
كذلك نشرت له مجلة المجمع العديد من الأبحاث، من مثل:
стр. 6134
١ - "المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية".
٢ - "شرح قرارات المجمع، والاحتجاج بها، وتكملة مادة لغوية ورد بعضها في المعجمات، ولم ترد بقيتها".
٣ - "الاستشهاد بالحديث في اللغة".
٤ - "وصف جمع العاقل بصيغة فعلاء".
٥ - "اسم المصدر في المعجم".
٦ - "طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية".
٧ - "شعر البديع في نظر الأدباء".
٨ - "من وُثِّق من علماء العربية ومن طُعن فيه".
ولم يقف نشاطه المجمعي عند مجمع القاهرة، فلقد اختير عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق.
- وفي سنة (١٣٦٦ هـ , سنة ١٩٤٧ م) رأس تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وبدأ فيها تفسيره للقرآن الكريم.
- وفي سنة (١٣٧٠ هـ، سنة ١٩٥١ م) نال عضوية (هيئة كبار العلماء) برسالته "القياس في اللغة العربية".
وعندما قامت الثورة المصرية في ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ م، كان منصب شيخ الأزهر شاغراً، فوقع اختيار الثورة وحكومتها على الشيخ الخضر إماماً أكبرَ، وشيخاً للإسلام، ووجهاً مشرقاً لهذه الجامعة العريقة تطلّ من خلاله على عالم العروبة والإسلام، فتوجه ثلاثة من الوزراء إلى منزل الشيخ بشارع خيرت، في يوم الثلاثاء (٢٦ ذي الحجة سنة ١٣٧١ هـ , ٦ سبتمبر سنة ١٩٥٢ م) طالبين منه قبولَ مشيخة الأزهر، فنهض بالأمانة ما وسعت طاقته، وعندما
стр. 6135
أحس بضغوط تحول بينه وبين تنفيذ ما يريد، أو تطلب منه تنفيذ ما لا يرضى، صمم على الاستقالة في (٢ جمادى الأولى سنة ١٣٧٣ هـ، ٧ يناير ١٩٥٤ م) قائلاً كلمته الشهيرة: "يكفيني كوب لبن، وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدهما العفاء"؟! ... ولقد ألمح إلى ملابسات استقالته عندما قال: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أُسلِّمها -حين أُسلِّمها- موفورةً كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيدٌ من الازدهار على يدي، فلا أقل من ألا يحصل له نقص".
- ومنذ ذلك التاريخ تفرغ للبحث والكتابة والمحاضرة، حتى وافاه الأجل، فانتقل إلى جوار ربه مساء يوم الأحد (١٣ رجب سنة ١٣٧٧ هـ، ٣ فبراير سنة ١٩٥٨ م)، فشيعه العلماء والفضلاء والعارفون لفضله وعلمه ونضاله، حتى لقد امتد موكبُ جنازته ما بين ميدان باب الخَلْق، والجامع الأزهر الشريف.
* الكنوز الباقية:
ولم يخلف الرجل وراءه من حطام الدنيا شيئاً، حتى لقد دفن - بناء على وصيته - بمدفن الأسرة التيمورية، مع صديقه العلامة أحمد باشا تيمور، لكنه خلّف - غيرَ النضال، والأثر الطيب، والذكر الحسن، والقدوة الصالحة - كنوزاً من الفكر، شاهدة على عقله المبدع والمجدد، وجهده الدؤوب، وعزمه الذي لم يعرف الوهن أو التقصير، فغير خطبه ومحاضراته ومقالاته وأبحاثه التي لم تجمع خلَّف لنا هذه المؤلفات:
١ - "رسائل الإصلاح" - في ثلاثة أجزاء.
٢ - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
٣ - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
стр. 6136
٤ - "القياس في اللغة العربية".
٥ - "الخيال في الشعر العربي".
٦ - "آداب الحرب في الإسلام".
٧ - "خواطر الحياة" (ديوان شعر).
٨ - "تعليقات على كتاب "الموافقات" للشاطبي".
لقد كان ﵀ عقلاً إسلامياً مجدداً، ومناضلاً في سبيل النهضة العربية، والإحياء الإسلامي، يتحلَّى بخلق الأولياء والصديقين والشهداء.
- فهو في تونس يواجه الاستبداد الاستعماري، والمسخ الحضاري بالدعوة إلى إحياء العربية؛ لتكون سلاحاً في معركة الأمة من أجل حريتها، واستخلاص هويتها العربية الإسلامية، ويستنهض الشعب بإبراز قيمة ومكانة "الحرية" في الإسلام، ويدفع الثمن هجرة من الربوع التي نشأ فيها.
- وهو في المشرق، بدمشق، يواجه تسلط السفاح أحمد جمال باشا، فيدفع الثمن سجناً وتعذيباً، فلقد كان عداؤه للاستعمار الأجنبي وللاستبداد الداخلي شديداً ودائماً.
فَلا كانَ من عيشٍ أَرى فيه أُمَّتي ... تُساسُ بِكَفَّيْ غاشمٍ وغريبِ!
وهو في مصر يتصدى لخطر الغزو الفكري، ممثلاً في تياره "التغريب"، فينقض كتابي علي عبد الرازق، وطه حسين، ويسهم بالفكر في إنهاض العروبة، وتجديد الإسلام، ويسلك سبل التنظيم - الاجتماعي والفكري والقومي والعلمي - من خلال (جمعية الهداية الإسلامية)، ومجلتها، و (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)، و (جمعية الشبان المسلمين)، و (وهيئة كبار
стр. 6137
العلماء)، و (المجامع اللغوية)، و (القسم الأدبي بدار الكتب المصرية)، ومجلات "نور الإسلام"، و"لواء الإسلام" ... إلخ؛ ليجمع الأنصار حول فكره التجديدي، وليمهد السبل لهذا الفكر؛ كي يوضع في الممارسة والتطبيق.
لقد جمع إلى وعيه بتراث أمته وكنوزها الحضارية، وعياً بالتحديات المعاصرة التي تحول بينها وبين النهضة والإحياء، فكان لسان "الأصالة"، المعبر عن مشكلات "المعاصَرَةِ"، وضروراتها، يذود عن "فكر الإسلام ومجد العروبة"، ويدعو إلى النهضة الحديثة المرتكزة على "المعارف"، و"الصناعات".
أبناءَ هذا العصرِ! هل من نهضةٍ ... تشفي غَليلاً حرُّه يتصعَّدُ؟!
هَذِي الصنائعُ ذُلِّلَتْ أدواتُها ... وسَبيلُها للعالَمينَ مُمَهَّدُ
إِنَّ المعارفَ والصنائعَ عُدَّةٌ ... بابُ الترقِّي من سِواها مُوصَدُ!
ولقد أصاب صديقُه العالم الفاضل محبُّ الدين الخطيب، عندما وصفه، فقال: "هذا رجل آمن بالإسلام ودعوته، وأحبَّ من صدر حياته أن يكون من الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠﴾ (١).
محمد عمارة
стр. 6138
مقدمة عَلَّامة الشام محمد بهجة البيطار (١)
كان من حكمة الله تعالى ورحمته أن يسر لنا -معشر طلاب العلم- بعد وفاة شيخنا علامة الشام الشيخ جمال الدين القاسمي: إماماً حكيماً، وهو أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين -رحمهما الله تعالى، ورضي عنهما-؛ فقد شملنا بعنايته بعد وفاة صديقه القاسمي (١٣٣٢ هـ)، وخيّرنا فيما نحب أن نقرأه من العلوم والفنون والكتب، فكان أن وقع اختيارنا -بتوجيهه وإرشاده- على كتاب "المستصفى في أصول الفقه" لحجة الإسلام الغزالي، وكتاب "بداية المجتهد" للفيلسوف ابن رشد في فن الخلاف، و"صحيح الإمام مسلم" في علم الحديث، و"المغني في العربية" لشيخ النحاة ابن هشام، و"الكامل في الأدب" للمبرد.
فتولى شيخنا قراءة هذه الكتب على أفضل طريقة، وأنشأ تعليقات مهمة عليها، يصح أن تكون مرجعاً فيما يُشكل على الباحث في مطالبها المنوعة، ومقاصدها العليا، وقد نظمت أبياتاً في ذلك العهد في شأنها، وقرأتها على
стр. 6139
أستاذنا الخضر والطلاب في جلسة الدرس، فأعجبته -عليه الرحمة والرضوان- من حيثُ كونهُا تاريخاً لمجتمعنا، وقراءتنا عليه، وقدمت له منها نسخة، وها هي هذه:
يا سائلي عن درْسِ رَبِّ الفضلِ مولانا الإمام
ابنِ الحسينِ التونسي محمدِ الخضرِ الهمام
سَلْ عنه مُستصفى الأُصول لليثِ مُعْتَرك الزِّحام
أعني الغزاليَّ الحكيمَ رئيسَ أعلامِ الكلام
وكذاكَ في فَنِّ الخلافِ بدايةَ العالي المقام
أعني ابنَ رشدٍ مَنْ غدا بَطَلَ الفلاسفةِ العِظام
وكذلك المغني إلى شيخِ النحاةِ ابنِ الهشام
وكذا كتاب أبي يزيدَ ابنِ المبرِّدِ في الختام
تلك الدروسُ كما الشموسِ تُنير أفلاكَ الظلام
فتكونُ منكَ حقائقُ المعنى على طرفِ الثمام
فالحقُّ عَوَّضَنا به من شيخِنا شيخِ الشآم
وكذا صحيحُ أبي حسينٍ مسلمٍ حبرِ الأنام
فعليه ما ذرّ الغزالة رحمةُ الملكِ السلام
وقد أشار أستاذنا الجليل في مقدمة هذا الكتاب إلى دراستنا إياه عليه، وإلى اقتراحنا جمعَ أصوله المفرقة، وإلى استجابته لنا بقوله ﵀ رحمة الأبرار-: واستخدمت القلم في تحرير مطلبهم، فألفت مقالات تشرح حقيقة القياس، وتفصِّل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، وقد كتبتُ هذه الرسالة
стр. 6140
في عهده، وأطلعته على كلمتي فيها، فراقته، وأذنَ في بنشرها، وها هي ذي بنصِّها:
* القياس في اللغة العربية:
أورد المؤلف لهذا الكتاب مقدمات في فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم والمدنية، وحالها في الجاهلية، وارتقائها في الإسلام، وجعله إياها لغة الشعوب، وبحث في وجه الحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي؛ ليرفع لواء اللغة العربية في الشرق والغرب، ثم بعد أن مهد المؤلف تمهيداً بين فيه حاجتنا إلى القياس في اللغة، عقد فصلاً ممتعاً تحت عنوان: "أنواع القياس، وما الذي نريده من بحثه في هذه المقالات؟ " استهله بقوله:
تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها، فترد على أربعة وجوه:
١ - حمل العرب أنفسهم لبعض الكلمات على أخرى، وإعطاؤها حكمها؛ لوجه يجمع بينهما.
٢ - أن تعمد إلى اسم وُضع لمعنًى يشتمل على وصف يدور معه الاسمُ وجوداً وعدماً، فتعدِّي هذا الاسمَ إلى معنى آخر تحقَّقَ فيه ذلك الوصف، وتجعلَ هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة، ومثال ذلك: اسم (الخمر) عند من يراه معتَصراً من العنب خاصة.
٣ - إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لنا باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير، والنسب، والجمع.
٤ - إعطاء الكَلِم حكَم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه، كما أجاز الجمهور ترخيمَ المركب
стр. 6141
المزجي؛ قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث.
ثم قال -بعد أن بسط القولَ في هذه الأقيسة الأربعة التي أوردنا منها ما يدل عليها-: "وهذا النوع من القياس، والذي قبله-أي: الثالث والرابع- هما موقع النظر، ومجال البحث في هذه المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبيرَ عن الأول: بالقياس الأصلي، وعن الثاني: بقياس التمثيل".
وقد ذكر في القياس الأصلي ما يحتج به في تقرير أصول اللغة ومفرداتها، وألقى في القياس في صيغ الكلم واشتقاقها نظرة على المصادر والأفعال ومشتقاتها؛ كاسمي الفاعل والمفعول، وأفعل التفضيل.
وقد استشهد بكلام المحققين على الاحتجاج بالكتاب العزيز، وفصّل القول في القياس على الحديث الشريف، ثم عقد فصلاً مهماً في الاشتقاق من أسماء الأعيان؛ لإصابتها أو إمالتها، (قلت: لعله أو إنالتها، كما ذكره من بعد، ومثل بنحو: شحمه ولحمه: أطعمه ذلك، ص ٦٩).
وجاء بعده فصل عنوانه: "ما هو الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق؟ "، وقد حقق فيه أن الأفعال والمصادر التي لم يُسمع لها فروع في الاشتقاق على نوعين:
١ - منها: ما لم يتصرفوا فيه، على كثرة وروده في محاوراتهم ومخاطباتهم؛ مثل: وَيْل، ووَيْح، ونعم، ويذر، وما يماثلها، فيجب أن تبقى على هيئتها بدون اشتقاق منها، ولا أدنى تصرف فيها.
٢ - ومنها: ما لا يكثر في مخاطباتهم حتى يستفاد من وروده بهيئة واحدة أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه، فيصح لنا أن نجري قاعدة الاشتقاق في هذا النوع، وإن لم ندر أن العرب تصرفوا فيه على هذا الوجه من الاشتقاق؛
стр. 6142
كاشتقاق فعلٍ واسمِ فاعلٍ مما سُمع مصدرُه، أو إحداثِ مصدرٍ لفعل مسموعٍ -مثلاً-.
ثم أنشأ فصولاً قصيرة وغير قصيرة في أنواع الأقيسة الكثيرة؛ كأقيسة التمثيل والشبه والعلة، وأقسام علة القياس، وأقسام قياس العلة، وشرط صحة قياس التمثيل، ومباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي، والقياس في الاتصال، وفي الترتيب، والفصل والحذف، ومواقع الإعراب، وشرط العمل، والقياس في الأعلام، ثم ختم الكتاب باقترل الأستاذ المغربي في الكلمات غير القاموسية، وجوابه على هذا الاقتراح.
وقد بحث الأستاذ في هذه الفصول جميعها بحث الناظر المستقل المستدلّ، فبين في كل منها ما يُقبل وُيرد، وما يقاس عليه وما لا يقاس، ومذهبه وسطٌ بين المعجميين الذين يجمُدون على السماع فيما يمكن إجراء القياس فيه لاستيفاء شروطه، وبين من يفتاتون على اللغة، فيشتقون من عندهم أقيسة لا تستند إلى نصوص لغوية، ولا قواعد عربية من صرفية أو نحوية، ومن هذه الرسالة يعلم أن المعاجم اللغوية وحدَها لا تفيد معرفة الأسس التي ينبني عليها القياس الصحيح من غيره؛ لأنها لم توضع لذلك، بل لابد من الجمع بين معرفة النصوص، ودراسة القواعد والأصول التي تشتق منها الفروع، وتجري على مقتضاها الأحكام.
هذا ما كتبته في موضوع العلامة الإمام - عليه من الله الرحمة والرضوان والسلام -.
دمشق في ٢٨ ذي الحجة ١٣٧٩ هـ
٢٢ حزيران ١٩٦٠ م
стр. 6143
محمد الخضر حسين لغوياً وناقداً أدبياً (١)
سأتناول في هذه الدراسة طُروحاتِ محمد الخضر حسين بخصوص اللغة والنقد الأدبي، وذلك بتحليل للكتابات التي عالج فيها المواضيع المرتبطة بالمادتين المذكورتين، ويتقويمهما، وياستخلاص أفكارها الرئيسية، ونتاجها، وهذه الكتابات هي:
أ - "حياة اللغة العربية".
ب - "القياس في اللغة العربية".
ج - "الخيال في الشعر العربي".
د - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين".
١ - محور اللغة:
أ - كتاب "حياة اللغة العربية":
هي -في الأصل- محاضرة ألقاها محمد الخضر حسين بنادي (جمعية قدماء الصادقية) في مساء السبت (١١ شوال ١٣٢٧ هـ الموافق لـ ٢٣ أكتوبر ١٩٠٩ م)، وطبعت في نفس السنة في كتاب يحتوي على ستين صفحة، ثم
стр. 6144
أدمجت في كتاب "دراسات في العربية وتاريخها"، تركزت مضامين هذا البحث حول:
- دراسة اللغة العربية من حيث ألفاظُها، والأطوارُ التي مرت بها، واتساع نطاقها، وإشعاعها الحضاري، وعنده: أن الألفاظ أو الكلمات ودلالاتها ووظائفها هي لا تعني شيئاً في حد ذاتها إلا حين يتفق على إسنادها هذا المعنى أو ذاك، وأن اللغة هي اصطلاح قبل كل شيء، أو ضبط الغرض القائم في النفس، وتمييزه عما سواه، وأن اللغة هي ظاهرة اجتماعية أولاً، وظاهرة نفسية ثانياً، وهي الأداة المثلى لتكوين المجتمعات؛ لأنها وحدها القادرةُ على تأسيس كل أنماط الاتصال بين أفراد المجتمع الواحد، ليس هذا فحسب، بل هي الضامنةُ لترابط أفراده، وتوحدهم روحياً، فمتى أهملت الأمة لغتها، وزهدت فيها وفي تعلمها، انفصمت عرا جامعتها لا محالة، وخصوصاً الأمة العربية.
واللغة العربية مثلها مثل جميع اللغات، عرفت عدة أطوار في حياتها، لكنها لم تبلغ أشدها إلا مع القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، لكن، ومع انحدار الحضارة العربية، عرفت هذه اللغة نفس المصير؛ إذ ضعفت، وانتشر التحريف في تراكيبها وصيغها، وسيطر التزويق والبهرجة اللفظية على أساليبها، وكثر المنظرون فيها حد التطرف؛ يقول عبد القاهر الجرجاني: "إن الألفاظ خدم للمعاني، وإن المعاني مالكة سياسة الألفاظ".
والخضر حسين يعتقد أن هذا الكلام لا يصح على اللغة العربية؛ لتجانس معنى اللفظ مع الصوت، وتطابق الكلمة مع مضمونها، واعتدال تركيب الكلمات، وخاصة الثلاثية منها، وحكمة ترتيبها بحسب معانيها القائمة في
стр. 6145
النفس، ويذهب إلى: أن اللغة العربية تطورت مع الحضارات التي عرفها العرب، وعبر المراحل التاريخية التي مر بها الإسلام والمسلمون، ولذلك فهي قادرة على الارتقاء، وعلى مزيد التطور، وعلل ذلك بقوله:
١ - تعدد وجوه دلالات الألفاظ واشتقاقها.
٢ - تعدد الأساليب اللغوية، واقتباسها من اللغات الأخرى، وأخذها للمصطلحات الأجنبية التي تزيد في إغنائها، وتُكسبها قوة وتجدداً: "تتلقى العربية ما يرد عليها من الألسنة الأخرى، وتقبله بقبول حسن، بعد تنقيحه وسكبه في قالب عربي، فلا مانع من أن نقتبس أسماءها الموضوعة لها في اصطلاح مخترعيها عند استحسانها وتهذيبها، ثم نحشرها في زمرة ما هو عربي فصيح".
٣ - ثراء العربية بالألفاظ، وبأدوات الربط، وترادف عدد كبير من هذه الألفاظ نفسها، والتمييز بين المذكر والمؤنث.
وفي اعتقاده: أن أخطر الأمراض التي تتعرض إليها لغة الضاد هو: "لغة العامة" التي يعتبرها لغة عربية محرّفة ... يجدر السعي إلى معالجتها وإصلاحها، وينصح بالكف عن استعمال هذه اللهجات، والامتناع عن تدوينها.
ب - كتاب "القياس في اللغة العربية":
في الأصل هو بحث نشره تباعاً بمجلة "المنار" في سنة ١٩٢٢ م، ثم أصدره في كتاب يحتوي على ١٢٠ صفحة، وذلك في سنة (١٣٥٣ هـ / ١٩٣٤ م). وهو نفس البحث الذي قدمه -بعد ذلك- إلى هيئة كبار العلماء، فقبلته بالإجماع، وأسندت له عضويتها سنة ١٩٥٠ م.
стр. 6146
وقد أعاد طبع هذا البحث علي الرّضا الحسيني ناشرُ آثار محمد الخضر حسين في كتاب تحت عنوان: "دراسات في العربية وتاريخها"، وقد ضم هذا الكتاب عدة بحوث أخرى ودراسات كتبها المؤلف في مناسبات مختلفة حول اللغة العربية.
وقد أوضح الخضر حسين في بحثه المتحدث عنه مرونةَ اللغة العربية، وقدرتها الفائقة على مسايرة الحضارة والعلم.
كما أكد على العلاقة الجوهرية بين اللغة والفكر، و"أن هذه لن تكون إلا بذلك، والحكمس صحيح"، وبيّن تأثير كل منهما على الآخر، وتفاعله معه، وسيطرة هذه على ذلك، والعكس، بإيجاز بيّن أن اللغة هي فكر، والفكر هو لغة.
كما أكد على استحالة تأسيس لغة عالمية واحدة (الاسبرنتو)؛ لاختلاف الأمم والشعوب من حيث العقليات، وظروف المعيشة، والظروف البيئية، واختلاف الإحساس والتفكير، والرؤية إلى العالم.
كما اقترح "تأليف مجمع لغوي" يحدد أسباب هذا التخلف الحاصل في اللغة العربية، وعجزها عن مواكبة الحضارة المعاصرة والعلم، وتخلفها الواضح عن بقية اللغات، ثم يضع وسائل علمية وناجعة للنهوض باللغة العربية؛ لكي ترتفع إلى مستوى اللغات الراقية.
كما بيّن حاجة العربية إلى القياس؛ حتى تتمكن من إيصال كل المعاني والعواطف والصور، وقسم القياس إلى:
- قياس أصلي، ويكون فيه المقاس عليه لغةً من لغات العرب على اختلافها؛ كما جاء في القرآن الكريم، وفي الحديث النبوي الشريف.
стр. 6147
- قياس تمثيلي، ويراد به: إلحاق نوع من الكلام بنوع آخر في حكم، وذلك إذا انعقد بينهما شبه من جهة المعنى، أو من جهة اللفظ، ويسمى: "قياس الشبه"، أو اشتراكاً في الصلة التي يقع في ظنهم أن الحكم قائم عليها، ويسمى: "قياس العلة".
وحلل الخضر حسين أشكال القياس مستشهداً بنصوص نثرية وشعرية لتدعيم طرحه، مبيناً الفروق بينها، وبين طروحات النحاة واللغويين الذين سبقوه في الزمان.
كما أبرز القواسم المشتركة بين نوعي القياس المذكورين، وخاصة في الاتصال بين الألفاظ وترتيبها، والفصل بين بعضها البعض، سواء باستعمال الأدوات؛ مثل: حروف الجر، أو بالرجوع إلى عوامل الإعراب وحالاته التي جاءت في كتب النحو العربي، وعنده: "أن اللغة هي نظام أو لا تكون".
٢ - "محور النقد الأدبي":
إن العمل الذي قام به محمد الخضر حسين هي عملية إحياء وتجديد للنقد الأدبي، وهو دعوة لفتح باب الاجتهاد في نظرية الخيال التي قال بها فلاسفة الإسلام: الفارابي، وابن سينا، وابن رشد، وقلة من المهتمين بالشأن البلاغي، وعلى رأسهم: عبد القاهر الجرجاني، عاملاً على إيضاح هذه النظرية، والإضافة إليها، وتطويرها؛ بهدف إحيائها، وذلك بربطه الإبداع الشعري بالخيال، والنظر إلى فن الشعر على أنه عملية تخييلية عمادُها الخيال.
وقد بسط طرحه في كتابه "الخيال في الشعر العربي" الذي نشره في سنة ١٩٢٢ م، وهو الأول من نوعه في النقد العربي التنظيري الحديث، باتفاق كل النقاد العرب.
стр. 6148
وقد رجع في عمله هذا إلى التراث العقلي بخصوص الخيال والتخييل والمخيلة، دون أي اتكاء على أي تراث آخر (الصوفي مثلاً)، ودون الرجوع إلى أي شكل من أشكال المعرفة التي لها قول في الخيال مغاير لمقولات الفلاسفة العرب، ولبعض البلاغيين.
والخضر لم يتردد في تطعيم أفكاره بمعطيات غربية رآها تتلاءم مع الفلسفة الإسلامية والبلاغة العربية، وهذه المعطيات تتعلق بالخصوص بالعلوم الإنسانية، وفي مقدمتها علمُ النفس.
ويذهب إلى: أن تعريف النقاد القدامى للشعر قد اقتصر على اللفظ، ونسي الروح التي تجعل الكلام شعراً، وتميزه عن النثر، وهو التخييل.
ثم حَوْصل آراءَ فَلاسفة الإسلام حول مفهومهم لهذه الملكة النفسية التي هي الخيال، وناقشها، ثم عرّف المخيلة بأنها: "قوة تتصرف في المعاني؛ لتنتزع منها صورًا بديعة"، وتعتمد في ذلك على تداعي المعاني، ثم يذهب إلى: أن جمال التخيل هو أعظم أركان الشعر، وأن الخيال هو المبدأ الأساسي الذي يجب أن نعرف به ماهية الشعر.
يقول: "ذهب بعضهم في حد الشعر إلى أنه كلام موزون مقفّى، وهذا مثل من يشرح لك الإنسان بأنه حيوان بادي البشرة، منتصب القامة، فكل منهما قد قصر تعريفه على ما يدرَكُ بالحاسة الظاهرة، ولم يتجاوزه إلى المعنى الذي تقوم به الحقيقة، ويكون مبدأ لكمالها، وهو التخييل في الشعر، والنطق في الإنسان، فالروح التي يعدّ بها الكلام المنظوم من قَبيل الشعر إنما هي: التشابيه والاستعارات، وغيرها من التصرفات التي يدخل لها الشاعر من باب التخييل".
стр. 6149
والخيال عنده: خاصية نوعية ضرورية للشعر، وبدونها لا يكون الشعر شعراً، وأن نقد الشعر وتنظيره لابد أن يراعى فيهما ملكة الخيال؛ لأن هذه الملكة هي القادرة وحدها على إبداع شعر عظيم بواسطة التصرف في تشكيل المعاني، أو كما يقول: "قدرة على سبك المعاني وصوغها في شكل بديع".
وهو يعتبر أن الخيال هو نشاط نفساني بَحْت، له تأثيره الحاسم على الشاعر المبدع في لغته، وفي مضامينه، وفي أسلوبه، وهي القدرة على التعبير عن نفس المعنى بطرق مختلفة، بالتصرف في كل عناصر البلاغة؛ من استعارة، وتشبيه، وتصوير، تجعل المتقبل يتمثل هذا الشعر، ويستسيغه، ويتمثله، ويتجاوب معه؛ لطرافته، وجِدَّته، وحيويته، واصفاً إياه بالبديع.
والخيال وحده، أو عملية التخييل هي وحدها التي تعطي كساء اللغة الشعرية، وترتفع بها عن لغة الحديث والخطاب العادي؛ لأن اللغة الشعرية هي لغة تجتذب النفوس، وتسحرها؛ لأن النفوس في جوهرها ترتاح للجديد، وللمبتكر، وللغريب، وللطريف، ولكل شيء "تشاهده في زي غير الذي تعهده به"، والتخييل هو وحده الذي يعرض على النفس المعاني في لباس جديد، ويجليها في مظهر غير مألوف.
ويذهب هذا الناقد إلى أن العملية الإبداعية في الشعر تنهض بواسطة التخييل التي تربط بين ملكتي الإدراك والذاكرة، وبفعل هذه الملكات الثلاث تشكل المعنى البديع الذي يكون له التأثير الحاسم لدى المتقبل له، محفزاً عنده ملكة الانفعال.
والخضر يفرق بين مصطلحات ثلاثة هي: التخيل، والتخييل، والمخيلة.
والمخيلة هي "القوة النفسية"، أو الملكة التي تمكن الشاعر من استعادة
стр. 6150
الصور التي اختزنتها ذاكرته، فيستحضرها، ويعيد تشكيلها من جديد بصيغة مبتكرة؛ لكي يصدم بها مخيلة المتلقي، ويُثريها انفعالياً إلى درجة التجاوب الكلي معها.
أما مصطلح الخيال عنده، فلا علاقة له بالمصطلح الفلسفي، فقد حول معناه، فأصبح يشمل كل جوانب العملية الإبداعية الشعرية، والمتكونة من: التخيل، والمخيلة، والذاكرة، والانفعال.
ويذهب إلى: أن مخيلة الشاعر تستخلص من صور الذاكرة ما يلائم الغرض، وتطرح ما زاد على ذلك، فتفصل الخاطرات عن أزمنتها، أو ما يتصل بها مما لا يتعلق به القصد من التخييل، ثم تتصرف في تلك العناصر بمثل: التكبير أو التصغير، وتأليف بعضها إلى بعض، حتى تظهر في شكل جديد.
وهذا الشكل الجديد الذي أنتجته مخيلة الشاعر قسمه إلى ظاهرتين يقول: إنهما متعارضتان من حيث الظاهر.
الظاهرة الأولى: وهي عملية التجسيد التي يقوم بها الإدراك الحسي.
الظاهرة الأخرى: وهي عملية التجريد التي يقوم بها العقل.
وإن الإبداع الشعري هو نتيجة للتفاعل بين الإدراك الحسي المتجه نحو الموضوع والعقل الذي هو الذات، والخيال الرابط بين هذه العناصر، أو بين الحس والعقل والخيال، وهو الأهم.
إن الإدراك الحسي في هذا الطرح هو مجرد مستقبِل لما يحدث خارجه في عالم الناس، وفي عالم الطبيعة، وإن الموضوع المادي هو مجرد معطًى لم تعمل الذات على تشكيله، واقتصر دورها على إدراكه، ثم تخزينه في الذاكرة.
стр. 6151
ولذلك تبقى (المخيلة) بالنسبة للخضر هي العنصر الأساسي لكل إبداع شعري؛ لتوسطها لطرفي المعرفة، وهما: الإدراك الحسي، والعقل.
وهو يعتبر الإحساس أدنى مرتبة من المخيلة؛ لأنه منبع الانفعالات والغرائز. وفي المقابل: يعتبر العقل أرقى مرتبة من المخيلة؛ لأنه عماد المنطق والمعرفة اليقينية.
وهذا يعني عنده: أن المخيلة كما اقتربت من الحس، واقترنت به، كانت الأشعار عرضة للخطأ، همُّها إرضاءُ النزعات الدونية للإنسان، وهذا ما "تتشوق إليه نفسه الأمارة بالسوء".
ولأن الحس يقرب المتخيلة من الغريزة، ويربطها بها، فإن ذلك ينتج عنه معرفة زائفة، أو خيالاً زائفاً ينتج عنه الانحطاط الروحي والأخلاقي والذهني للإنسان.
وحَوْصَل الخضر حسين الشروطَ الواجب توفُّرها لكي يستطيع العقل الإمساك بالمعاني، والتفريق بينها، في عناصر ثلاثة، هي:
- اقتران معنيين في الذهن؛ حيث يكون الإحساس بهما في وقت واحد؛ لارتباطهما بمكان، أو زمان، أو حادثة معينة.
- تبايُن الصور وتضادُّها؛ مما يجعلها تحيل إلى بعضها، ومثالها: الشجاعة والجبن، الصدق والكذب، الجمال والقبح، العدل والظلم، وهكذا.
- التشابه والتماثل بين المعاني في أمور خاصة؛ أي: اشتراك المعاني في مواصفات ما.
وأشار هذا الناقد إلى أن تداعي المعاني يختلف من شاعر إلى آخر؛ نظراً
стр. 6152
لاختلاف الطبائع والعواطف، والمحيط وظروف الحياة ودرجة التمدن.
والخلاصة هي أن الحس يرجع بالمخيلة إلى عالم الغرائز، والعقل يرتفع بها إلى عالم الحقيقة، وأن الخيال لا يمكن أن يكون حراً طليقاً دون أي قيد، بل من الضروري تدخُّلُ العقل؛ لكبح جماحه، وهديه؛ لكي لا تصبح القصائد مجردَ هلاوس.
وهو يعتبر: أن الخيال ليس مجرد ملكة نفسية، بل هو -أيضاً- ملكة بلاغية، قادرة على المزاوجة المتكاملة بين البناء والمضمون، بين الشكل والمعنى، وهذه المزاوجة يلعب فيها العقل الدور الأساسي، وقد عبر عن ذلك بقوله: "إن التخييلي من الكلام هو: الذي يرده العقل، ويقضي بعدم انطباقه على الواقع، إما على البديهة، أو بعد نظر".
وهو يَعْتَبر أن الخيال الشعري هو بدرجة أُولى: أداء لغوي متميز وممتاز لمعان سابقة عليه، وهو إعادة تشكيل لمعان مجترة بواسطة لغة جديدة، وأن البناء اللغوي هو الذي يحدد درجة الخلق الشعري.
وهو بذلك يُرجع القيمةَ الفنية للشعر العظيم إلى المظهر الشكلي اللغوي، وليس فقط إلى المعنى ذاته، ومحتواه المجرد. وقدرةُ الشاعر المبدع تكمُن في تمكن خياله في إعادة تشكيل مفردات في مجازات وعلاقات وتراكيب جديدة، يعبّر بها عن نفس المعاني، لكن بأكثر خصوصية، وأكثر دقة، وأكثر عمق، وبأكثر فنية، وبأكثر حذق بلاغي.
واعتقاده أن اللغة وفنون البلاغة قادرة على تحمل أي عبء يرهقها به الشاعر، على شرط أن يتدخل الخيال المحكوم بالعقل.
وعنده: أن هذا الشكل من الخيال اللغوي البلاغي مهمته هي:
стр. 6153
- تكثير القليل.
- تكبير الصغير.
- تصغير الكبير.
- جعل الموجود بمنزلة المعدوم.
- تصوير الأمر بصورة أخرى.
ولهذا العنصر الأخير أربعة أحوال:
أولها: تخيل المحسوس في صورة المحسوس.
وثانيها: تخيل المعقول في صورة المحسوس.
وثالثها: تخيل المعقول في معنى المعقول.
ورابعها: تخيل المحسوس في صورة المعقول.
ومثل هذه الصيانات لا تتم -عنده- إلا بواسطة لغة مرجعيتُها البلاغة بكل روافدها وتفرعاتها، وأن مرجعية هذه البلاغة لابد وأن تكون العقل، وقد أرجع الناقد جودة الخيال إلى:
- الحياة في إطار حضاري؛ "لما في ذلك من كثرة الصور، وتعدد المناظر، فتغزر مادته، وتكون مخيلته -الشاعر- أكثر عملاً في إنشاء المعاني".
- توفر الحرية "ومَنْ ذا ينكر أن الخيال الذي يسخره صاحبه في كل غرض، ويُطلق له العِنان في كل حلبة، يكون أبعدَ مرمى، وأحكم صنعة من خيال الشاعر الذي حصرته السياسة في دائرة، ورسمت له خطبة لا يفوتها؟! ".
أما المفاضلة بين الشعراء، فإنها لا تصل -عنده- إلا إذا تناول الشاعران معنى واحداً لواقعة واحدة، أو مختلفة، أو قصدا غرضاً واحداً، واختلفا في
стр. 6154
الصورة المعبرة عنه، أما المفاضلة بين إنتاج شاعرين، فهذا لا يصح إلا بالنسبة للناقد الذي تناول معظم شعرهما، على أن يعرف بالرجحان وبالموضوعية.
وعنده: ما يميز الشاعر الجيد عن غيره، هو: من كان "شعره أقل خطوراً على الذاكرة، أو أوسع نطاقاً في التخييل، أو ألذ وقعاً على الذوق".
- غرابة المعاني المتخيلة مع الجمع الجيد لكل أجزاء القصيد.
- التوسع في الخيال مع ابتعاد عن البساطة، وعن التعقيد المفرط.
- الالتزام بالذوق السليم.
والخضر حسيَن يعتبر أن المعاني المطروقة عن الشعراء هي نفسها تقريباً، ولذلك فإن السرقات الشعرية مقبولة مادام الشكل أو البناء مبتكراً، فكلما كان هذا الأخير جيداً، كان القصيد بليغاً، وفي بعض الأحيان تكون السرقة أبلغَ وأكثر براعة من الأصل، وهنا يرجع الفضل لللاحق، لا للسابق؛ أي: للفرع، لا للأصل.
ولاحظ: أن "فن التخيل كسائر الملكات والصنائع يترقى شيئاً فشيئًا ... وهذا ما حصل في الشعر العربي، فالخيال في الجاهلية شحيح يسير على نفس المنوال، وإن أمثله الخيال الراقي نادرة في أشعار الجاهليين"، وأرجعَ ذلك إلى أن العرب في الجاهلية كانوا لا يشاهدون إلا مناظر فطرية؛ كالكواكب والحيوانات والصحراء.
ثم وبعد نزول القرآن، وما أضافه من معان جديدة وصور طريفة، ترقى الخيال الشعري وتطور، ثم ترقى في العهد العباسي نتيجة لاختلاط الأمة العربية بأمم أخرى، واحتكاكها بحضارات مغايرة لحضارتهم، فازداد
стр. 6155
الذوق العربي تهذيباً، والمعاني غزارة وتنوعاً.
واعتقاده هو أن مسيرة الشعر العربي هي مسيرة موصولة الحلقات، بدايتها الشعر الجاهلي، ونهايتها الشعر المعاصر؛ أي: أن هذا الشعر حافظ على روحه، وعلى أركانه، وأنه لم يتعرض إلى طفرات أو فواصل فارقة ذهبت به، هي مجرد قفزات حققها بعض الأفذاذ من الشعراء.
وعنده: أن التراث الشعري العربي هو تراث ثري بإبداعاته وبأساليبه، وبمضامينه وبلغته، وأنه من المستحيل تجاوزه من قبل أشعار الأمم الأخرى، أو تدميره واجتثاثه.
والأهم في الأزمنة المعاصرة، هو: إعادة قراءته ونقده بموضوعية، واستخلاص جوهره؛ لأن ذلك يساعد على النهوض به.
* نقض كتاب "في الشعر الجاهلي" لطه حسين:
أثار كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" ضجة كبيرة في الوسطين الديني والأدبي، فتصدى للرد عليه جمهور من علماء الدين، ومن الأدباء، من ضمنهم: محمد الخضر حسين، الذي وضع كتاباً في الغرض عنونه بـ: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، ويشتمل هذا الكتاب على ثلاثة أبواب، وستة عشر فصلاً، وهو نفس التقسيم الذي اتبعه طه حسين.
يقول الخضر حسين بأن كتاب "في الشعر الجاهلي" ليس فيه ما يثير سخط الناس سوى ما كان طعناً في الإسلام صراحة أو غمزاً، وما عدا هذا، إنما هو الخطأ، أو الشذوذ الذي اعتاد أهل العلم سماعه في طمأنينة، وتقويمه برفق وأناة، والآراء التي يقول طه حسين: إنه سيعلمها إلى الناس على الرغم من سخطهم، إنما هي آراء سبقه إليها آخرون، منهم: عمر بن الخطاب الذي
стр. 6156
قال: "تشاغل العرب عن الشعر وروايته في صدر الإسلام بالجهاد، ولما جاءت الفتوح، واطمأنت العرب، راجعوا رواية الشعر، فلم يؤولوا إلى ديوان مدون، ولا كتاب مكتوب، وألفوا ذلك وقد هلك من هلك بالموت والقتل، فحفظوا أقل ذلك، وذهب عنهم منه الكثير".
وقد تبع ابن الخطاب في قوله ابنُ سلام الذي كان ينقد ما كان يرويه ابن إسحاق وغيره من أصحاب السير في الشعر يضيفونه إلى عاد وثمود، ويؤكد أن هذا الشعر منحول مختلق.
كما تبعه جرجي زيدان، ومصطفى صادق الرافعي، ومرغليوث، الذي ادعى أن الشعر الجاهلي مزور ومصنوع، وذلك منذ سنة ١٩١٦ م.
ويعقب الخضر حسين: "صحيح أن في الشعر الجاهلي تزويراً، وهو ما لا يختلف فيه النقاد القدامى والجدد، أما أن يكون التزوير قد استحوذ على الشعر الجاهلي بأسره، أو أتى على الكثرة المطلقة؛ بحيث يكون الصحيح قليلاً جداً لا يمثل شيئاً، ولا يدل على شيء، فدعوى لا تتكئ على رواية، ولا يقوم بجانبها برهان".
ويضيف: "صحيح أن صفوة الشعر كان يُتلقى بالرواية حفظاً، ولكن من المحتمل جداً أن يصل شيء منه عن طريق الكتابة. وقد حكى ابن جنّي في "الخصائص ": "أن النعمان بن المنذر أمر، فنسخت له أشعار العرب في كراريس، ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار بن أبي عبيد، قيل له: إن تحت القصر كنزاً، فاحتفره، فاخرج تلك الأشعار"، كما أن ابن سلام أورد في "طبقات الشعراء" ما يوافق هذه القصة، قال: "وقد كان عند النعمان بن المنذر ديوان فيه أشعار الفحول، وما مُدح به هو وأهل بيته، فصار
стр. 6157
ذلك إلى بني مروان".
وُيروى عن ذي الرمة: أنه قال لعيسى بن عمر: "أكتب شعري، فالكتاب أحبُّ إلي من الحفظ".
والخضر حسين لم ينزه رواة العرب من الغلط والغلو، والإضافة والحذف والانتحال، يقول في ذلك:
"ولا ندري مَن هذا الذي يعتقد أن خَلَفاً، أو حَمَّاداً، أو أبا عمرو، والأصمعيَّ أذكى من المعاصرين أفئدة، ولم يقع في الناس سوى أنهم يرجعون إليهم وإلى أمثالهم في أمر كانوا يقومون عليه، ولا طمع في الوصول إليه من غير طريقهم، وهو هذا الشعر العربي".
ويذهب هذا الناقد إلى أن الأخطاء المنافية للمنهج العلمي السليم التي وقع فيها طه حسين هو تشكيكه في اللغة الجاهلية، وقد تبين من كلامه أنه يجهل هذه اللغة، وقصارى ما فعل أن قال ما سمع النقاد من قبله يقولونه، وهو أن البحث الحديث أثبت خلافاً قوياً بين لغة حمير ولغة عدنان، متأثرين يقول أبي عمرو ابن العلاء:
"ما لسانُ حِمير بلساننا، ولا لغتهم لغتنا".
وكانت النزاهة العلمية وأصول البحث العلمي تحملان على طه حسين التفصيل في خاصيات كلٍّ من لغة حمير، ولغة عدنان، وضرب الأمثلة الشعرية والنثرية؛ للتدليل على وجاهة رأيه.
والخضر حسين لا يقصد أن الشرق هو في غنى عن الغرب، أو أن الشرق هو أعظم من الغرب، بل عنده أن الشرق اليوم هو في تراجع حضاري خطير،
стр. 6158
وأن الغرب يتحمل الآن وحده مسؤولية الرقي والتقدم في العالم.
كما أنه لا ينكر ما "لديكارت" من فضائل على العلم والفلسفة ومناهج البحث، بل يذكر الغلو في إصدار الأحكام، والحط من شأن الحضارة العربية، والتغافل عن القول بأن الغزالي وابن خلدون وأضرابهما كانوا من المؤسسين للمناهج وللعلوم التي ارتكز عليها ديكارت وأضرابه.
وعنده: أنه لا شك في أن في الغرب ثقافة وعلماً، وأساليب بحث وتأليف، لكن من الضروري مناقشتها، وأن لا نمنحها من التقدير أكثر مما تستحق، وأن لا نحجم عن نقدها، والبحث عن منشئها، وما يترتب عليها من نتائج، ثم الحكم على إيجابياتها وسلبياتها معاً كأي عمل بشري قابل للخطأ وللصواب.
وهذا يقال إنما بالنسبة لما أبدعه العرب من علوم وآداب، ومناهج بحث وتأليف.
لكن من غير العلمي الرفع من شأن علم أو أدب أو منهجِ بحث على حساب آخر دون التمحيص والتدقيق، والإدلاء بالحجة والبرهان القاطع.
ويضيف: "صحيح أن المحدثين أوسعوا دائرة العلوم، وحققوا أشياء كانت غامضة، واستكشفوا أموراً كانت مجهولة، وهذا يدل على أن عقولهم أكبر من عقول القدماء، وإنما سنّة ترقي العلوم والفنون، وأن يبني المتأخر على أساس، أو الحجرِ الذي يصنعه المتقدم، ولو أخذنا نبغاء هؤلاء المحدثين، وحشرناهم في بعض العصور القديمة، لم يأتوا أحسن مما أتى نبُغاء ذلك العصر".
стр. 6159
ويقول: "إن القدماء من المسلمين درسوا علوماً شتى، فخاضوا غمارها، وسابقوا الغير في الوقوف على أسرارها، وأبصروا فيها حقاً وباطلاً، ولم يقتصروا في علمهم بالحق حقاً على دليل موافقته للدين، ولا في معرفتهم للباطل باطلاً على دليل مخالفته له، بل كانوا يتوسمون في ذلك منهج المنطق الصادق، ويقرعون الحجة النظرية بمثلها".
وعنده: ليس من العلم في شيء تأليف كتاب بهدف الازدراء بانجازات الغير، أو بهدف ازدراء العلماء والأدباء، وهنا يضع الكاتب نفسه في مثل ما يشهر به؛ إذ أنه سيتهم بدوره بالتعصب والتحيز، وبعدم التثبت.
وهنا يضيق بمناهج النقد الديكارتية وغيرها ذرعاً، يتجاوز قواعدها، ويتجاهل قوانينها، ولا يحترم الصدق في البحث مغلباً هواه، ويصبح شغله الشاغل إيجاد مبررات لما تخيله، ويسوق أفكاره في صورة قطعية زاهية.
وعنده: ليست المزية في تصوير المنهج، وإنما المزية في العمل عليه بجد واستقامة، صانه من الخطل الاعتقاد في أن كل جديد هو جديد حقاً، وإن كل قديم يشير إلى التخلف والباطل.
والخضر حسين يعتقد: أن توظيف مناهج البحث الحديثة في النقد الأدبي غير كاف، خصوصاً إذا استعملت بهدف التحقير والتهجم، أو بهدف زعم الناقد بأنه أحاط بما لم يحط به أحد من قبله.
وعنده: البحث في الرأي أو الرواية دأب كل عالم نقّاد، وما البحث إلا أثر الشك في صحة الرأي، أو صدق الرواية، والشك قد يكون ذريعة للعلم، وقد ينحدر بصاحبه في جهالة، والأول محمود العاقبة، والثاني لا خير فيه.
стр. 6160
وإذا ظهرت العاطفة على القلم، فلا تسمع إلا غلواً في القول، وجحوداً لكثير من الحقائق.
وملخص ما عابه الخضر حسين على طه حسين هو:
- توظيف النقد الأدبي لأغراض لا علاقة لها بالأدب.
- إغفاله ذكر مصادره، وكأن ما قاله هو من بنات أفكاره، ومن استخلاصه الشخصي، وفي الواقع: أنه اقتصر على ترديد ما قال به النقاد قبله، ومرغليوث دون إضافة حقيقية.
- التعميم والتسرع في الإدلاء بالأحكام دون تثبت ولا رواية، ولا تدليل موضوعي بالشعر أو بالتثر على أقواله.
- اعتقاده في إمكانية تعميم منهج ديكارت على النقد الأدبي، مع أن العلوم الإنسانية تفتقر إلى منهج صارم، وأنه لا علاقة بين مناهج العلوم الصحيحة والأدب (١).
الإمام محمد الخضر حسين (١)
في الثاني من الشهر الثاني في العام القادم، يمرُّ خمسون عاماً على وفاة عالم جزائري جليل، خطّت الأقدار في صحيفته أن يولد في خارج الجزائر، وأن يقضي حياته بعيداً عنها، وأن ينسب إلى غيرها، إنه العلامة الخضر حسين.
إنني أقترح بهذه المناسبة أن يُعقد ملتقى دولي لدراسة حياة هذا العالم وآثاره، فهو ذو شهرة واسعة، وترك تراثاً علمياً ثرياً.
لقد استعجلت الحديث عن هذه الذكرى؛ لكي يتمكن المسؤولون -إن خلصت نياتهم، وصحّت عزائمهم- من الإعداد الجيد لهذه المناسبة بما يتناسب مع قيمة هذا العالم العلمية والنضالية، حتى لا يقول المعذّرون: إن الوقت داهمنا.
إن المؤسسات المؤهلة لإقامة هذا الملتقى هي المجلس الإسلامي الأعلى، وزارة الشؤون الدينية، وزارة التعليم العالي، المجلس الأعلى للغة العربية، مجمع اللغة العربية. فإن لم تتمكن هذه المؤسسات من إقامة هذا الملتقى، أو رَغِبَتْ عنه، فلْتتولَّ إقامته الزاويةُ العثمانية في "طولقة"، أو الزواية القاسمية في "الهامل"؛ لما بينه وبينهما من رحِمٍ مادية وروحية.
стр. 6163
ولد الإمام محمد الخضر حسين في ٢١/ ٧/ ١٨٧٣ م بمدينة "نفطة" التونسية، التي استقرت بها أسرته بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر. وبعد أن استظهر آي الذكر الحكيم، وألم بمبادئ العلوم الشرعية واللغوية، انتقل إلى مدينة تونس، وهو في الثالثة عشرة من عمزه، فالتحق بجامع الزيتونة، وتخرج فيه بشهادة التطويع عام ١٨٩٨، وكان من شيوخه فيه: خاله محمد المكي بن عروز، والشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ عمر بن الشيخ، وقد أثر كل واحد من هؤلاء الشيوخ في جانب من جوانب شخصية الإمام محمد الخضر، الذي أشاد بهم، ولم ينس فضلهم عليه.
ومما يلفت النظر: أن الإمام محمد الخضر حسين لاحظ -وهو طالب- أن مادة الإنشاء التي تُعِدُّ الطالب للكتابة، وتهيئه للتحرير لا تجد الكفاية من العناية، فوجّه أبياتاً شعرية إلى أشياخه، يلفت فيها أنظارهم إلى هذا النقص، داعياً إلى تداركه، ومنها:
بذلتم في نَفاقِ العلمِ وُسعاً ... وذلَّلتم طرائقه الصِّعابا
ولكنَّ الخصاصةَ في فنونٍ ... تساورني المخافة أن تُعابا
أصابَ صناعةَ الإنشاء مَحلٌ ... وغاض مَعينُها إلا سرابا
أني علم البيان نغوص فهماً ... ونملأ من جواهره الوِطابا
وإن ركبتْ أناملنا يراعاً ... تعاصى أن يشق بها عُبابا
ولا ترقى شؤونُ الشعب إلا ... بأقلامٍ تناقشه الحسابا
كانت همة محمد الخضر حسين متعلقة بالانضمام إلى هيئة التدريس بجامع الزيتونة، ولكن المؤامرات والمناورات حالت بينه وبين ما يشتهي، فاكتفى بإلقاء الدروس تطوعاً.
стр. 6164
لم يقل محمد الخضر حسين ما يقوله المعذِّرون: "صحَّ مني العزمُ والدهر أبي"، فقرر أن يُوسع ساحة تأثيره، وأن يكون معلماً غير مباشر لأكبر عدد من الناس، فأسس في عام ١٩٠٤ م مجلة "السعادة العظمى"، و"هي أول مجلة عربية ظهرت في تونس" (١)، ولكن عمرها لم يطل؛ إذ توقفت في يناير ١٩٠٥ م بعدما صدر منها واحد وعشرون عدداً.
رأى المستعمرون الفرنسيون وأولياؤهم من التونسيين أن يقيدوا محمد الخضر حسين بوظيفة تحدد حركته، وتقلل نشاطه، فعينوه قاضياً في مدينة "بنزرت"، وخطيباً في جامعها، و"كان للشيخ محمد الطاهر بن عاشور قسط كبير في التأثير عليه لقبول هذه الوظيفة" (٢)، ولكن الشيخ لم يستطع صبراً، فاستقال بعد بضعة أشهر، ولا يُستبعد أن تكون هذه الاستقالة قد وقعت بعد ضغوط عليه إثر محاضرته الشهيرة: "الحرية في الإسلام" التي لقيت صدًى واسعاً، ونالت قبولاً كبيراً.
قام الشيخ محمد الخضر حسين برحلتين إلى الجزائر، موطنِ آبائه وأجداده، وكانت أولى الرحلتين في عام ١٩٠٣ م، وكانت ثانيتهما في ١٩٠٤ م، ولعله كان يستكشف من خلالهما إمكان العمل في الجزائر، ولكنه أدرك أن الجزائر تعيش في سَموم وحميم، وأن الوضع فيها أسوأ من تونس أضعافاً مضاعفة، وأن يوماً من العذاب فيها كألف يوم في غيرها.
وفي سنة ١٩١٢ م سافر الشيخ إلى دمشق، وكان قد سبقه إليها في السنة التي قبلها إخوانه: زين العابدين، والمكي، والعروسي، كما أن خاله
стр. 6165
العلامة محمد المكي بن عزوز قد سبقهم إلى الإقامة بمدينة إستانبول منذ عام ١٨٩٨ م.
وجد الشيخ في دمشق من الحرية النسبية ما لم يجده في تونس، فنثر معارفه، فتهافت عليه عِلْيَة القوم ووجهاؤهم، وعقدت المجالس العلمية، وكان الشيخ الخضر "واسطة العقد في تلك المجالس" (١)، وانتصب للتدريس في "كرسي الشيخ محمد عبده" (٢) في المدرسة السلطانية.
اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكانت تركيا طرفاً فيها إلى جانب ألمانيا، فضيقت الحكومة التركية حرية القول ومجال الحركة على الناس، وكانت ممارسة ممثليها في الشام -وعلى رأسهم جمال باشا- سيئة ظالمة، فتعرضت إلى انتقادات، خاصة أن أمر تركيا يزيد من يسمون: الشبان الأتراك ذوي الاتجاه اللائكي، المتورطين في التعامل مع الصهيونية والماسونية، وكان الشيخ محمد الخضر ممن مسّهم نصب وعذاب جمال باشا؛ إذ ألقاه في السجن بضعة شهور.
* نضال في سبيل القضبة الوطنية:
دُعي الشيخ محمد الخضر إلى إستانبول في عام ١٩١٧ م، وعهد إليه بوظيفة "التحرير بالقلم العربي" في وزارة الحرب التركية، ولكن مقامه لم يطل في تركيا، فانتقل رفقة مواطنه صالح الشريف (من الصومام) إلى ألمانيا وسويسرا، وشكَّلا لجنة لتحرير الجزائر وتونس، يؤازرهما فيها مجموعة