الإمام محمد الخضر حسين (١)
في الثاني من الشهر الثاني في العام القادم، يمرُّ خمسون عاماً على وفاة عالم جزائري جليل، خطّت الأقدار في صحيفته أن يولد في خارج الجزائر، وأن يقضي حياته بعيداً عنها، وأن ينسب إلى غيرها، إنه العلامة الخضر حسين.
إنني أقترح بهذه المناسبة أن يُعقد ملتقى دولي لدراسة حياة هذا العالم وآثاره، فهو ذو شهرة واسعة، وترك تراثاً علمياً ثرياً.
لقد استعجلت الحديث عن هذه الذكرى؛ لكي يتمكن المسؤولون -إن خلصت نياتهم، وصحّت عزائمهم- من الإعداد الجيد لهذه المناسبة بما يتناسب مع قيمة هذا العالم العلمية والنضالية، حتى لا يقول المعذّرون: إن الوقت داهمنا.
إن المؤسسات المؤهلة لإقامة هذا الملتقى هي المجلس الإسلامي الأعلى، وزارة الشؤون الدينية، وزارة التعليم العالي، المجلس الأعلى للغة العربية، مجمع اللغة العربية. فإن لم تتمكن هذه المؤسسات من إقامة هذا الملتقى، أو رَغِبَتْ عنه، فلْتتولَّ إقامته الزاويةُ العثمانية في "طولقة"، أو الزواية القاسمية في "الهامل"؛ لما بينه وبينهما من رحِمٍ مادية وروحية.
стр. 6163
ولد الإمام محمد الخضر حسين في ٢١/ ٧/ ١٨٧٣ م بمدينة "نفطة" التونسية، التي استقرت بها أسرته بعد الاحتلال الفرنسي للجزائر. وبعد أن استظهر آي الذكر الحكيم، وألم بمبادئ العلوم الشرعية واللغوية، انتقل إلى مدينة تونس، وهو في الثالثة عشرة من عمزه، فالتحق بجامع الزيتونة، وتخرج فيه بشهادة التطويع عام ١٨٩٨، وكان من شيوخه فيه: خاله محمد المكي بن عروز، والشيخ سالم بو حاجب، والشيخ محمد النجار، والشيخ عمر بن الشيخ، وقد أثر كل واحد من هؤلاء الشيوخ في جانب من جوانب شخصية الإمام محمد الخضر، الذي أشاد بهم، ولم ينس فضلهم عليه.
ومما يلفت النظر: أن الإمام محمد الخضر حسين لاحظ -وهو طالب- أن مادة الإنشاء التي تُعِدُّ الطالب للكتابة، وتهيئه للتحرير لا تجد الكفاية من العناية، فوجّه أبياتاً شعرية إلى أشياخه، يلفت فيها أنظارهم إلى هذا النقص، داعياً إلى تداركه، ومنها:
بذلتم في نَفاقِ العلمِ وُسعاً ... وذلَّلتم طرائقه الصِّعابا
ولكنَّ الخصاصةَ في فنونٍ ... تساورني المخافة أن تُعابا
أصابَ صناعةَ الإنشاء مَحلٌ ... وغاض مَعينُها إلا سرابا
أني علم البيان نغوص فهماً ... ونملأ من جواهره الوِطابا
وإن ركبتْ أناملنا يراعاً ... تعاصى أن يشق بها عُبابا
ولا ترقى شؤونُ الشعب إلا ... بأقلامٍ تناقشه الحسابا
كانت همة محمد الخضر حسين متعلقة بالانضمام إلى هيئة التدريس بجامع الزيتونة، ولكن المؤامرات والمناورات حالت بينه وبين ما يشتهي، فاكتفى بإلقاء الدروس تطوعاً.
стр. 6164
لم يقل محمد الخضر حسين ما يقوله المعذِّرون: "صحَّ مني العزمُ والدهر أبي"، فقرر أن يُوسع ساحة تأثيره، وأن يكون معلماً غير مباشر لأكبر عدد من الناس، فأسس في عام ١٩٠٤ م مجلة "السعادة العظمى"، و"هي أول مجلة عربية ظهرت في تونس" (١)، ولكن عمرها لم يطل؛ إذ توقفت في يناير ١٩٠٥ م بعدما صدر منها واحد وعشرون عدداً.
رأى المستعمرون الفرنسيون وأولياؤهم من التونسيين أن يقيدوا محمد الخضر حسين بوظيفة تحدد حركته، وتقلل نشاطه، فعينوه قاضياً في مدينة "بنزرت"، وخطيباً في جامعها، و"كان للشيخ محمد الطاهر بن عاشور قسط كبير في التأثير عليه لقبول هذه الوظيفة" (٢)، ولكن الشيخ لم يستطع صبراً، فاستقال بعد بضعة أشهر، ولا يُستبعد أن تكون هذه الاستقالة قد وقعت بعد ضغوط عليه إثر محاضرته الشهيرة: "الحرية في الإسلام" التي لقيت صدًى واسعاً، ونالت قبولاً كبيراً.
قام الشيخ محمد الخضر حسين برحلتين إلى الجزائر، موطنِ آبائه وأجداده، وكانت أولى الرحلتين في عام ١٩٠٣ م، وكانت ثانيتهما في ١٩٠٤ م، ولعله كان يستكشف من خلالهما إمكان العمل في الجزائر، ولكنه أدرك أن الجزائر تعيش في سَموم وحميم، وأن الوضع فيها أسوأ من تونس أضعافاً مضاعفة، وأن يوماً من العذاب فيها كألف يوم في غيرها.
وفي سنة ١٩١٢ م سافر الشيخ إلى دمشق، وكان قد سبقه إليها في السنة التي قبلها إخوانه: زين العابدين، والمكي، والعروسي، كما أن خاله
стр. 6165
العلامة محمد المكي بن عزوز قد سبقهم إلى الإقامة بمدينة إستانبول منذ عام ١٨٩٨ م.
وجد الشيخ في دمشق من الحرية النسبية ما لم يجده في تونس، فنثر معارفه، فتهافت عليه عِلْيَة القوم ووجهاؤهم، وعقدت المجالس العلمية، وكان الشيخ الخضر "واسطة العقد في تلك المجالس" (١)، وانتصب للتدريس في "كرسي الشيخ محمد عبده" (٢) في المدرسة السلطانية.
اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكانت تركيا طرفاً فيها إلى جانب ألمانيا، فضيقت الحكومة التركية حرية القول ومجال الحركة على الناس، وكانت ممارسة ممثليها في الشام -وعلى رأسهم جمال باشا- سيئة ظالمة، فتعرضت إلى انتقادات، خاصة أن أمر تركيا يزيد من يسمون: الشبان الأتراك ذوي الاتجاه اللائكي، المتورطين في التعامل مع الصهيونية والماسونية، وكان الشيخ محمد الخضر ممن مسّهم نصب وعذاب جمال باشا؛ إذ ألقاه في السجن بضعة شهور.
* نضال في سبيل القضبة الوطنية:
دُعي الشيخ محمد الخضر إلى إستانبول في عام ١٩١٧ م، وعهد إليه بوظيفة "التحرير بالقلم العربي" في وزارة الحرب التركية، ولكن مقامه لم يطل في تركيا، فانتقل رفقة مواطنه صالح الشريف (من الصومام) إلى ألمانيا وسويسرا، وشكَّلا لجنة لتحرير الجزائر وتونس، يؤازرهما فيها مجموعة
стр. 6166
من المناضلين الجزائريين والتونسيين، وكان من أهداف هذه اللجنة: إعلان الثورة على فرنسا في شمال إفريقية، واعلان "جمهورية شمال إفريقية"، و"ذهب وفد برئاسة الشيخ الخضر حسين إلى وزارة الخارجية الألمانية، ووعد الألمانُ الوفدَ بإمداد الثورة بالسلاح ولوازم الحرب" (١).
وكان المعوّل في هذه الثورة على الجنود المغارييين في الجيش الفرنسي، الذين وُجهت إليهم فتاوى بوجوب ترك صفوف الجيش الفرنسي، والالتحاق بالجيش الألماني، وقد أُعدَّ في برلين معسكرٌ لتجميع هؤلاء الجنود سُمي: "معسكر الهلال"، ولكن الحرب توقفت في سنة ١٩١٨ م قبل أن تكتمل الاستعدادات.
واصل الشيخ محمد الخضر عمله مع مواطنه الشيخ صالح الشريف، ومجموعة من المناضلين الجزائريين والتونسيين، وكان أبرز عمل قاموا به هو: توجيه تقرير إلى مؤتمر الصلح بباريس بحقوق الشعبين، وكان التقرير تحت عنوان: "مطالب الشعب الجزائري والتونسي"، وقد وقعه من الجزائريين كل من الشيخين: صالح الشريف، ومحمد الخضر حسين، ومحمد مزيان التلمساني، ومحمد بيزار الجزائري، وحمدان بن علي الجزائري، ومن التونسيين: محمد الشيبي، واسماعيل الصفايحي، ومحمد باش حامبة ...
عاد الشيخ إلى دمشق، وما كاد يلتقط أنفاسه، ويعود سيرته الأولى في التدريس ونشر العلم حتى كانت جحافل الجيش الفرنسي تحتل سورية، فانتقل الشيخ إلى القاهرة حيث ذاع صيته، وسما مكانه، وسطع نجمه.
стр. 6167
وفي القاهرة أسس الشيخ في عام ١٩٢٤ م (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)، كما أسس في الأربعينيات (جمعية الدفاع عن إفريقية الشمالية)، رفقة الأمير سعيد الجزائري، والشيخ الفضيل الورتلاني، والأمير عبد الكريم الخطابي، وغيرهم.
واختير للتدريس في جامع الأزهر، ورأس (جمعية الهداية)، و"مجلتها"، وتولى رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام"، ونال عضوية هيئة كبار العلماء، كما عين عضواً في (مجمع اللغة العربية) عندما أسس المجمع في سنة ١٩٣٢ م، فقد "جمع بين التفقه في الدين واللغة والأدب" (١)، وكان أرقى ما تقلده من مناصب هو: مشيخة الأزهر، الذي عُين شيخاً له، من غير سعي منه، في أواخر عام ١٩٥٢ م، إلى أن تخلى عن إدارته بإرادته في جانفي ١٩٥٤ م، بعد أن "ضرب أكبر مثل للتاريخ بالإخلاص والتفاني في العمل لمصلحة الأزهر والإسلام" (٢)، وقد قال عندما وُلي رئاسة الأزهر الشريف: "وُليتُ أمر الأزهر، فإن لم يَزِد في عهدي، فلن ينقص منه شيء".
* معارك علمية:
إن أهم ما أبان عن مكانة الشيخ محمد الخضر العلمية، ولَفَت إليه الأنظار، وحاز بسببه الإعجاب والتقدير هو: رده العلمي، القوي الحجة، الساطع البرهان على كل من الشيخ علي عبد الرازق، والدكتور طه حسين.
فقد كتب الشيخ عبد الرازق في سنة ١٩٢٥ م كتاباً سماه: "الإسلام
стр. 6168
وأصول الحكم "، نفى فيه أن تكون الخلافة من الدين، وزعم أن الدين لا يتدخل في شؤون الحكم، وقد ردّ عليه الشيخ محمد الخضر بكتاب من ٥٥٢ صفحة، سماه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
كما كتب الدكتور طه حسين في سنة ١٩٢٦ م كتابه المشهور: "في الشعر الجاهلي"، ادعى فيه أن هذا الشهر منحول، مردّداً في ذلك دعوى المستشرق (مارجوليوث)، فتصدى الشيخ محمد الخضر لهذه الدعوى ولصاحبها، وكتب رداً تحت عنوان: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، وقد لاحظ بعض الدارسين أن كلمة "نقض" التي استعملها الشيخ أكثر حدة وشمولًا من كلمة نقد، وقد اعترف الدكتور طه حسين -كما روى الشيخ محمد الفاضل بن عاشور-: أن "كتاب الشيخ محمد الخضر من أهم الردود، وأشدها حجة" (١).
رحم الله الإمام محمد الخضر حسين، وبوأه مقعد الصدق؛ فقد عاش "كأنما يستشعر دائماً أنه لم يخلق لنفسه، وإنما للإسلام" (٢)، الذي ما هوجم في وقعة إلا وكان للأستاذ -محمد الخضر- دفاع أمتن من الفولاذ، وأرسخ من الجبال الراسيات" (٣).
стр. 6169
الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين (١)
عُين الشيخ الخضر حسين شيخاً للأزهر في يوم الأربعاء (٢٧ من ذي الحجة ١٢٧١ هـ ١٧ سبتمبر ١٩٥٢ م).
وكان أحمد تيمور في مقدمة الذين قدّروا فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر السابق حين قدم مصر من أكثر من ربع قرن.
وقد عشر السيد خليل ثابت رئيس لجنة نشر المؤلفات التيمورية بين آثار العلامة أحمد تيمور على ترجمة لحياة محمد الخضر حسين هذا نصها:
ولد بمدينة "نفطقه بالقطر التونسي في (٢٧ رجب سنة ١٢٩٣ هـ)، واشتغل بالعلم، وحفظ القرآن الكريم، وقرأ بعض الكتب الابتدائية في بلده، وفي آخر سنة ١٣٠٦ هـ رحل مع أبيه وأسرته إلى القاعدة التونسية، فاشتغل بالطلب، ثم دخل الكلية الزيتونية سنة ١٣٠٧ هـ، فقرأ على أشهر أساتذتها، وتخرج عليهم في العلوم الدينية واللغوية، ونبغ فيها وفي غيرها، فطُلب لتولي
стр. 6170
بعض الخطط العلمية قبل إتمام دراسته، فأبى، وواظب على حضور حلقات الأكابر؛ مثل: الشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وكانا يدرِّسان التفسير، والشيخ سالم بو حاجب، وكان يدرس "صحيح البخاري".
ثم رحل إلى الشرق في سنة ١٣١٧ هـ، ولكنه لم يبلغ طرابلس حتى اضطر إلى الرجوع بعد أن أقام بها أياماً، فلازم جامع الزيتونة يفيد ويسفيد، إلى سنة ١٣٢١ هـ، فأنشأ فيها مجلة "السعادة العظمى"، ولاقى في سبيل بث رأيه الإسلامي ما يلاقيه كل من سلك هذا السبيل.
وفي سنة ١٣٢٣ هـ ولي القضاء في مدينة "بنزرت"، والتدريس والخطابة بجامعها الكبير، ثم استقال، ورجع إلى القاعدة التونسية، وتطوع للتدريس في جامع الزيتونة، ثم أحيل إليه تنظيمُ خزائن الكتب بالجامع المذكور.
وفي سنة ١٣٢٥ هـ اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وفي هذه المدة جعل من المدرسين المعينين بالجامع المذكور.
وفي سنة ١٣٢٦ هـ جعل مدرساً بالصادقية، وكلف بالخطابة في مواضيع إنشائية بالخلدونية، ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الطليان والعثمانيين، كان من أعظم الدعاة لإعانة الدولة، ونشر بجريدة الزاهرة قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
رُدُّوا على مَجْدِنا الذِّكْرَ الذي ذَهبا ... يكفي مضاجعنَا نومٌ دَهَى حِقَبا
ثم رحل إلى الجزائر، فزار أمهات مدنها، وألقى بها الدروس المفيدة، ثم عاد إلى تونس، وعاود دروسه في جامع الزيتونة، ونشر المقالات العلمية والأدبية في الصحف.
وفي سنة ١٢٣٠ هـ سافر إلى دمشق ماراً بمصر، ثم سافر إلى القسطنطينية،
стр. 6171
فدخل يوم إعلان حرب البلقان، فاختلط بأهلها، وزار مكاتبها، ثم عاد إلى تونس في ذي الحجة من هذه السنة، ونشر رحلته المفيدة عنها، وعن الحالة الاجتماعية بها ببعض الصحف، ثم جُعل عضواً في اللجنة التي ألفتها حكومة تونس للبحث عن حقائق في تاريخ تونس، ثم ترك ذلك لما عزم على المهاجرة إلى الشرق، فرحل إليه، ونزل مصر، وعرف بعض فضائلها، ثم سافر إلى الشام، ثم للمدينة المنورة، ثم إلى القسطنطينية، ثم عاد معيناً مدرساً للغة العربية والفلسفة بالمدرسة (السلطانية) بدمشق، وبقي كذلك إلى أن اتهمه مدة الحرب العظمى جمال باشا حكم سورية بكتم حال المتآمرين على الدولة، واعتقله ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، ثم حوكم، فبرئ من التهمة، فأطلق سبيله في شهر ربيع الثاني سنة ١٣٣٥ هـ.
ومن شعره في حبسه، وكانوا حالوا بينه وبين أدوات الكتابة:
غَلَّ ذا الحبسُ يدِي عن قلمٍ ... كان لا يَصْحو عن الطِّرْسِ فناما
هل يذودُ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعدَه الموتَ الزؤاما
أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرتُ الحِماما
ثم استمر على التدريس بالمدرسة بدمشق إلى أن دُعي إلى القسطنطينية سنة ١١٣٦ هـ. ثم هاجر إلى إستنبول بعد عام، وعمل محرراً بالقلم العربي بوزارة الحربية، ثم أرسلته الحكومة إلى ألمانيا للقيام بعمل سياسي، وهو تذكير الأسرى هناك بظلم فرنسا، ثم رجع إلى الشام، فدرس الفقه بالمدرسة السلطانية العربية ... وبعد أن احتلت فرنسا الشام بعشرة أيام هاجر إلى مصر في عام ١٣٢٩ هـ، ثم نال الشهادة العالمية بالأزهر، وتولى التدريس بكلية أصول الدين والتخصص اثنتي عشرة سنة.
стр. 6172
وتولى رئاسة تحرير "مجلة الأزهر"، و"لواء الإسلام"، ورئاسة (جمعية الهداية الإسلامية)، واختير عضواً بهيئة كبار العلماء ١٩٥١ م، وهو إلى ذلك عضو بمجمع اللغة العربية منذ أنشئ. وقد استقال فضيلته من المشيخة في (٢ جمادى الأولى ١٣٧٣ هـ - ٨ يناير ١٩٥٤ م)، وتوفي ﵀ في ١٤ رجب عام ١٣٧٧ هـ.
وقد نعى الأزهر في يوم الاثنين ١٤ رجب سنة ١٣٧٧ هـ عالماً إسلامياً جليلاً، ومجاهداً من الرعيل الأول، ممن أبلوا البلاء الحسن في كفاح الاستعمار: الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق، ورئيس (جمعية الهداية الإسلامية) عن نيف وثمانين عاماً، قضى معظمها في التدريس، وفي الكتابة والتأليف، وفي جهاد مرير في شبابه دفاعاً عن حقوق عرب شمال أفريقية وغيرهم من أقطار العروبة.
ولد الفقيد الجليل في وطنه الأول في بلدة "نفطة" من مقاطعة الجريد بتونس، ونشأ في بيت علم ينتمي أصله إلى الجزائر، وشرع في طلب العلم في بلدته، ثم أتم تعليمه في جامعة الزيتونة، وتخرج منها، ومارس بعد تخرجه التدريس، ثم القضاء، كما قام وإنشاء أول مجلة علمية أدبية بالمغرب، ثم رحل إلى تركيا، وأقام بها وقتاً قصيراً، ثم حضر إلى دمشق؛ حيث عين مدرساً بمدرستها الثانوية الوحيدة يومذاك -وكانت تعرف بمدرسة عنبر-, وطل في دمشق إلى أوائل الحرب العالمية، ثم رجع إلى إستانبول، فانتدبته الدولة العثمانية إلى برلين مع بعثة مؤلفة من كبار علماء شمال إفريقية للاتصال بأبناء شمال إفريقية ممن وقعوا في أسر الألمان في أثناء الحرب، وبانتهاء الحرب عاد إلى دمشق مدرساً في نفس المدرسة، وكان العهد عهد
стр. 6173
الحكومة الفيصلية الوطنية.
وكانت الحكومة الفرنسية قد حكمت عليه بالإعدام؛ لانضمامه إلى الدولة العثمانية، ولذهابه إلى ألمانيا -كما مر ذكره-، فما إن دخلت فرنسا سورية حتى غادرها جميع الأحرار من المجاهدين العرب، وكان منهم الفقيد الشيخ الخضر، فجاء إلى مصر حوالي عام ١٩٢٠ م، وظل فيها بعض الوقت مغموراً، ثم عرف فضله ومكانته، فعين أولاً مصححاً بدار الكتب المصرية.
وفي هذه الأثناء صدر في مصر كتابان شهيران أحدثا دوياً في ذلك الوقت في الأوساط الفكرية، وهما: كتاب "الإسلام وأصول الحكم" للعالم الأزهري الشيخ علي عبد الرازق، وكتاب "في الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، ونظراً لما اشتمل عليه هذان الكتابان من آراء مضللة، تصدى بعض كبار الباحثين للرد على كل منهما، وكان للمرحوم الشيخ محمد الخضر حسين فضل الرد على كلا الكتابين حينئذ؛ حيث أفرد لكل منهما كتاباً مستقلاً، كانا من خير ما كتبه الكاتبون في هذا المجال.
وظل الفقيد يعمل مصححاً بدار الكتب بضع سنوات إلى أن مُنح شهادة العالمية الأزهرية، ثم تعين مدرساً بالأزهر، وكان ذلك في عهد الشيخ المراغي ... وأخيراً تعين عضواً في هيئة كبار العلماء، وهو المنصب الذي أهله -فيما بعد- لأن يصبح شيخاً للأزهر.
وعقب تعيينه مدرساً بالأزهر أنشأ (جمعية الهداية الإسلامية) بمصر، وظل يرأسها، ويرأس "مجلتها" إلى عهد قريب، كما كان أول رئيس تحرير لمجلة "نور الإسلام "، وهي المجلة التي أصدرتها مشيخة الأزهر سنة ١٣٤٩ هـ.
стр. 6174
وللشيخ محمد الخضر حسين يرجع الفضل في تكوين جمعية (تعاون جاليات إفريقية الشمالية) في مصر قبل حوالي عام ١٩٢٤ م، وكان يرأس هذه الجمعية بنفسه، وهدفها: رفع مستوى تلك الجاليات من الناحيتين الثقافية والاجتماعية.
غير أن هذه الجمعية لم تعش طويلاً؛ لأن استعماراً ثلاثياً: إيطالياً، وفرنسياً، وإسبانياً كان لها بالمرصاد، فقضى عليها في سنواتها الأولى.
وللفقيد الكبير -عدا كتابيه السالفي الذكر- محاضرات، ورسائل عديدة مطبوعة ومتداولة، وهو كاتب بليغ، وله ديوان شعر مطبوع، وقد اشتهر بمقالاته وبحوثه في كبرى المجلات الإسلامية.
وعندما صدرت مجلة "لواء الإسلام" لصاحبها الوزير السابق الأستاذ أحمد حمزة، كان الشيخ الخضر يرأس تحريرها، وظل بها إلى عين شيخاً للأزهر، ثم استأنف نشر مقالاته فيها بعد تنحيه من المشيخة، وآخر مقالاته فيها في جزء رجب الأخير.
كما كان عضواً في (مجمع اللغة العربية) بمصر منذ إنشائه قبيل الحرب العالمية الثانية.
وكتب الأستاذ أنور الجندي عن محمد الخضر حسين يقول:
"كان نظام التعليم في المعهد الزيتوني من أسباب تنافس أصحاب المذهبين: المالكي، والحنفي في ميدان العلم، وقد أخرج جامع الزيتونة فقهاء يعتزون بعلمهم، ويزهدون في المناصب، أدركت من هؤلاء فقهاء وأساتذة بلغوا الغاية في سعة العلم، وتحقيق البحث؛ مثل: عمر بن الشيخ، وأحمد بن الخوجة، ومحمد النجار، ومن نظر في فتاوى هؤلاء الأساتذة،
стр. 6175
أو رسائلهم التي حرروا بها بعض المسائل العويصة، رآهم كيف يرجعون إلى الأصول والقواعد ومراعاة المصالح، ولا يقنعون بنقل الأقوال دون أن يتناولوها بالنقد والمناقشة.
ويدلنا التاريخ القريب على أن بعض رجال الدولة التونسية عندما اتجهوا إلى إصلاح الحالة السياسية أو العلمية أو الاجتماعية، وجدوا فقهاء يدركون مقتضيات العصر، ويعرفون كيف تسعها أصول الشريعة بحق، فكانوا يعقدون منهم بعض لجانهم، ويستنيرون بآرائهم؛ مثل أساتذتنا: عمر بن الشيخ، وسالم أبو حاجب، ومصطفى رضوان، ومازال الرسوخ في الفقه، وربط الأحكام بأصولها، من مواضع عناية الأساتذة في جامعة الزيتونة لهذا العهد، يشهد بهذا: ما نقرؤه في محاضراتهم ومقالاتهم التي تنشر في الصحف التونسية والمصرية.
كانوا يدرسون الفقه بأنظار مستقلة، وآراء تستضيء بالأدلة، ويتفاضلون فيها على قدر تفاضلهم في العبقرية وسمو الهمة ... ".
لاشك كان محمد الخضر حسين علماً من أعلام الفكر المغربي الاسلامي، مكافحاً وطنياً، ومغترباً في سبيل الحفاظ على حرية الكلمة، وأقام كابن خلدون بقية عمره في مصر، ورقي فيها إلى أعلى المناصب، وعمل في ميداني الاصلاخ الإسلامي، والقياسي اللغوي، وعمل في التدريس والصحافة والكفاح الوطني، ولقد أتيح له أن يقاوم حركات التغريب بدعوته إلى إنشاء (جمعية الشبان المسلمين)، وكانت مجلته وقلمه من ألسنة الدفاع عن المغرب وقضاياه، ومعلماً قوياً يستصرخ المشارقة حين يكشف لهم عن مؤامرات الاستعمار، ويدعوهم إلى مقاومة التغريب، والتجنيس والفرنسة،
стр. 6176
فهو منذ أقام في مصر بعد الحرب العالمية الأولى يحمل هذه الرسالة، ويعمل في كل هذه الميادين: الإسلام، واللغة، والكفاح السياسي.
وكان محمد الخضر حسين مستنيراً، متفتح الذهن، يدعو إلى الإصلاح على أسس قاعدة علمية واضحة، فهو يعتمد الرأي حيث يثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، ويثق بالرواية، بعد أن يسلمها النقد إلى صدق الغاية.
ومن رأيه: أن على العلماء قول كلمة الحق لأهل الحل والعقد دائماً، وعدم التوقف عنها.
"لا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، حتى إذا أبصروا عوجاً، نصحوا لهم بأن يستقيموا، أو رأوا حقاً مهماً، لفتوا إليه أنظارهم، وأعانوا على إقامته.
ومن أدب العلماء: أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالم قام في وجه الباطل، فأوذي، فتجلد للأذى! ".
وقد كانت حياة الخضر حسين رمزاً على هذا المعنى، معنى: طلب الحرية، والهجرة من بيئة الظلم؛ فقد فر من تونس، ومن الشام، ومن تركيا، وكان فراره؛ ليحتفظ لنفسه بحقه في الكلمة، يقول: "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات تهب من مجالس علمائها، كان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت الأدب من أولى نشأتي. وحاولت وأنا
стр. 6177
في سن الثانية عشرة نظمَ الشعر. وفي هذا العهد انتقلت أسرتي إلى مدينة تونس، والتحقتُ بطلاب العلم بجامع الزيتوطا)، وكان ذلك عام ١٨٩٩ م، أحب أستاذَه الشيخ سالم بو حاجب الذي كان يحثه على البحث، ويلاقي السؤال المهم بابتهاج، ويدعو للطالب بالتفتح، يقول: "كان يقول الشعر، مع كونه يغوص على المسائل العلمية بفكر ثاقب"، وكان الشيخ بو حاجب قد رفض وِسَام السلطان، ووسام الباي، فأحب منه الشيخ الخضر هذا الاعتداد بالنفس، "بعد أن نلت درجة العالمية، أنشأت مجلة علمية أدبية، وهي أول مجلة أنشئت بالمغرب، فأنكر علي بعضُ الشيوخ، وظن أنها تفتح باب الاجتهاد، وشجعني على إنشائها شيخنا بو حاجب، كما شجعني عليها الوزير محمد بو عتور".
كانت خطته: الإصلاح الاجتماعي والديني، والعمل لإعادة مجد الإسلام، ولكنه لم يلبث أن اختلف مع السلطات بشأن العمل في القضاء، بعد أن وليّه في "بنزرت" ١٩٠٥ م؛ إذ فضل العودة إلى التدريس في الزيتونة، فلما خاطبته المحكمة الفرنسية ١٣٢٥ هـ بالعمل في المحكمة عضواً؛ ليحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، امتنع، ولم يقبل أن يصدر الحكم الجائر.
واستقر رأيه إثر ذلك على الهجرة إلى الشرق، فاستوطن دمشق عام ١٩١٢ م، وكانت تحت سلطات العثمانيين، فنصب للتدريس في المدرسة السلطانية في كرسي الشيخ محمد عبده.
ثم اعتقله جمال باشا حاكمُ الشام، ورحل إلى الآستانة، فأُسند إليه التحرير بالقسم العربي بوزارة الحربية، وحين احتل الحلفاء الآستانة، رحل
стр. 6178
مع زعماء الحركة الإسلامية: عبد العزيز شاويش، وعبد الحميد سعيد، والدكتور أحمد فؤاد.
وعاد إلى دمشق ١٩١٨ م في عهد الحكومة العربية لفيصل، وعهد إليه بالتدريس في المدرسة السلطانية، ولكن فرنسا لم تلبث أن بسطت سلطانها على سورية، فترك دمشق إلى القاهرة ١٩١٩ م، وفي مصر عرف الشيخ أحمد تيمور باشا، الذي كان خير رفقائه، وكان له فضل واضح في إنشاء (جمعية الشبان المسلمين) مع السيد محب الدين الخطيب صاحب "الفتح". كما أنشأ من بعد (جميعة الهداية الإسلامية)، ومجلة "الهداية الإسلامية"، وتولى ثمة مجلة "لواء الإسلام"، ومجلة "الأزهر"، واتصل بالأزهر، ونال إجازته، وعمل في كلياته، واختير عضواً في جماعة كبار العلماء، فشيخاً للأزهر عام ١٩٥٢ م، وعضواً في (مجمع اللغة العربية).
وتطلع إلى مجد المغرب وحريته.
وقد كانت مجلة "الهداية": مجلة مغربية واضحة الدلالة في كتابتها وأبحاثها، ودفاعها عن مختلف المواقف الوطنية والإسلامية والعربية، ورأس (جبهة شمال إفريقية)، التي ضمت الرجال الذين سعوا نحو مصر من أجزاء المغرب العربي.
وكان الشيخ الخضر كاتباً، وشاعراً له شعر كثير جيد، وقد وصفه الفاضل ابن عاشور (١)، فقال: كان كاتباً بليغاً، ذا طبع خاص، وأسلوب قوي الروح الأدبية، فصيح العبارة، بليغ التركيب، ينزع إلى طرائق كتاب
стр. 6179
الترسل الأولين، رحل عام ١٩١٢ م إلى مصر وسورية وتركية، فكتب رحلة بديعة نشرت في مجلة "الزهرة"، طافحة بانتقاداته وأفكاره.
وأشار إلى مجلة "السعادة العظمى" (التي أصدرها في تونس ١٩٠٤)، فقال: إنها كانت مركزًا للحركة الفكرية، وقوة توجيهية متصلة بجميع أهل الثقافة العربية، يجتمع تحتها شقان متباعدان ... ولم تدم إلا عاماً ناقصاً.
وللخضر حسين مؤلفات عديدة، أهمها:
"محمد رسول الله"، "رسائل الإصلاح"، "آداب الحرب في الإسلام"، "القياس في اللغة العربية"، هذا بالإضافة إلى عشرات الفصول والمقالات في صحف مصر والمغرب والشام ...
стр. 6180
الأخوَّة بين الإمامين محمد الخضر حسين , ومحمد الطاهر بن عاشور (١)
كان من أعزّ أقرانه إليه الشيخُ الإمام محمد الخضر حسين، الذي زامله في الزيتونة دراسة، وتوجّهاً فكرياً؛ إذ انعقدت بينهما صداقة بدأت سنة (١٣١٧ هـ = ١٨٩٩ م)، كان يحوطها العلم والفكر، وتحمل في طيّاتها روحَ الصفاء، ولهجَةَ الصدق، وكان في محطّات حياتهما كثير من التشابه، فالشيخ محمد الطاهر بن عاشور تولّى مشيخة الجامع الزيتوني، وتولَّى الشيخ محمد الخضر حسين مشيخة الجامع الأزهر، وهو أوّل من يتولَّى هذا المنصب من غير مصر، ومن مظاهر التشابه بينهما: أنهما كانا من المعتنين بالأدب، إضافة إلى عنايتهما بالعلوم الشرعية، وكان ذلك نادراً بين أقرانهما، كما تولَّى الاثنان الردّ على الشيخ علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، كما دعا كلاهما إلى اعتماد الإصلاح والنظام الاجتماعي، فكتب محمد الخضر حسين: "رسائل الإصلاح "، وكتب ابن عاشور: "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام".
وهذه العلاقة جسّدها الرجلان بقصائد ومراسلات.
стр. 6181
منها: أنَّه لمَّا تولّى الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التدريس في جامع الزيتونة سنة (١٣٢٣ هـ)، هنَّأه الشيخ محمد الخضر حسين بقصيدة من ستة عشر بيتًا، منها (١):
مَسَاعي الوَرَى شَتَّى وكلٌّ لَهُ مَرمَى ... ومسعى ابنِ عاشور له الأمدُ الأسمى
فتىً آنَسَ الآدابَ أوَّلَ نشئِهِ ... فكانتَ لهُ روحاً وَكَانَ لها جِسْما
وما أدبُ الإنسانِ إلا عوائدٌ ... تَخُطُّ لهُ في لَوْحِ إحسَاسِه رَسْما
وَذِي خُطة التَّدريس توْطئَةٌ لأنْ ... نرَاهُ وِقَسْطاسُ الحقوقِ بِهِ يُحْمَى
رَجاءٌ كَرَأْي العينِ عندَ أُولي الحِجا ... يوافيْه كالمَعْطوفِ بالفاءِ لاثُمَّا
بَلَونْا حُلى الألفاظِ في سلْكِ نُطْقِهِ ... فَلَمْ يُلْفِ صَافِي الذَّوْقِ في عِقدِهَا جَشمْا
وفي سنة (١٣٣٠ هـ)؛ مرَّت بالشيخ محمد الخضر حسين الباخرة التي كان يركبها في أثناء رجوعه من الآستانة إلى تونس بالقرب من شاطئ المرسى؛ حيث كان يقيم صديقه الشيخ محمد الطاهر (٢)؛ فقال:
قَلبي يُحَيِّيك إذْ مَرَّتْ سَفِينتُنَا ... تُجَاهَ وَاديكَ والأموَاجُ تَلْتَطِمُ
تَحِيةً أَبرقَ الشّوقُ الشَّديْدُ بِهَا ... في سِلْكِ وِدٍّ بأقْصَى الرُّوحِ يَنْتَظِمُ
وبعد هجرة الشيخ محمد الخضر حسين إلى دمشق من تونس سنة (١٣٣١ هـ) بعث صديقه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وهو قاضي القضاة بتونس رسالةً مصدّرة بالأبيات التالية (٣):
стр. 6182
بَعُدْتَ ونفسي في لقاكَ تصيدُ ... فلمْ يُغنِ عَنهْا في الحنانِ قصيدُ
وخَلَّفْتَ ما بين الجوانحِ غُصَّة ... لها بَينَ أحشاءِ الضُّلوعِ وَقودُ
وأضحَتْ أماني القُربِ منك ضئيلةً ... ومُرُّ الليالي ضعفُها سيزيدُ
أتذكرُ إذا ودّعتنا صبحَ ليلةٍ ... يموجُ بها أنسٌ لنا وبرودُ
وهل كانَ ذا رمزاً لتوديع أُنسِنا ... وهل بعد هذا البينِ سوفَ يعودُ
ألم ترَ هذا الدهرَ كيفَ تلاعبَتْ ... أصاِبعُه بالدرِّ وهو نَضيدُ
إذا ذكروا للودّ شخصاً محافظاً ... تجلّى لنا مرآكَ وهو بعيدُ
إذا قيلَ: مَن للعلمِ والفكرِ والتُّقى ... ذكرتُكَ إيقاناً بأنْكَ فريدُ
فقل لليالي: جَدِّدي من نظامِنا ... فحسبُكِ ما قد كانَ فهو شديدُ
وكتب ابن عاشور تحتها:
وهذه كلماتٌ جاشت بها النفس الآن عند إرادة الكتابة إليكم، فأبثّها على علّاتها، وهي إنْ لم يكن لها رونق البلاغة والفصاحة؛ فإنَّ الودّ والإخاء والوجدان النفسي يترقرقُ في أعماقها.
فأجابه محمد الخضر حسين بقصيدة؛ من ثلاثة عشر بيتاً (١)؛ أذكر منها:
أَيَنْعَمُ لي بالٌ وأنتَ بعيدُ ... وأسلو بطَيفٍ والمنامُ شريدُ
إذا أَجَّجَتْ ذِكراكَ شوقي أُخْضِلَتْ ... لَعَمْري -بدمع المُقلَتينِ- خُدودُ
بعُدْتُ وآمادُ الحياةِ كثيرةٌ ... وللأمدِ الأسمَى عَليَّ عُهودُ
بعُدْتُ بجُثماني وروحي رهينةٌ ... لديكَ وللودِّ الصَّميمِ قُيودُ
стр. 6183
عرفتُكَ إذ زُرْتُ الوزير (١) وقَدْ حَنا ... عَلَيِّ بإقبالٍ وأنتَ شَهيدُ
فكانَ غروبُ الشَّمسِ فجر صداقةٍ ... لها بينَ أحناءِ الضُّلوعِ خُلودُ
ألَمْ تَرْمِ في الإصلاحِ عن قَوس ناقدٍ ... درى كيف يُرعى طارِفٌ وتَليدُ
وقُمتَ على الآداب تحمي قديمها ... مخافةَ أن يَطغى عليه جديدُ
أتذكُرُ إذ كُنَّا نبُاكر معهداً ... حُميَّاهُ عِلْمٌ والسُّقاةُ أُسودُ
أتذكُرُ إذْ كُنَّا قَريْنَينِ عِنْدَما ... يَحِينُ صُدورٌ أو يَحِينُ وُرودُ
فأين ليالينَا وأسمارُها التي ... تُبَلُّ بها عِندَ الظّماءُ كُبُودُ
ليالٍ قضيناها بتونسُ ليْتَها ... تعودُ وجيشُ الغاصبينَ طَريدُ
وعندما بلغه تولّي صديقه ابن عاشور القضاء بتونس سنة (١٣٣٢ هـ) هَنّأه بقصيدةٍ من ثلاثةَ عشرَ بيتاً، وكان يومَها بدمشق، أذكر منها (٢):
بسطَ الهناءُ على القلوب جناحا ... فأعادَ مُسوَدَّ الحياةِ صَباحا
إيهٍ مُحَيّا الدهرِ إنَّكَ مؤِنسٌ ... ما افترَّ ثغرُكَ بِاسماً وضَّاحا
وتَعُدُّ ما أوحشتنا في غابرٍ ... خالاً بوَجْنَتِكَ المُضيئة لاحا
لولا سوادُ الليلِ ما ابتهج الفتى ... إنْ آنَسَ المصباحَ والإصباحا
ياطاهرَ الهِمَمِ احتمَتْ بكَ خُطَّةٌ ... تبغي هُدًى ومروءة وسماحا
سحبتْ رداءَ الفخرِ واثقةً بما ... لكَ من فؤادٍ يعشقُ الإصلاحا
стр. 6184
ستشدُّ بالحزمِ الحكيمِ إزارَها ... والحزمُ أنفسُ ما يكونُ وِشاحا
أنسى ولا أنسى إخاءكَ إذْرمَى ... صرفُ الليالي بالنَّوى أشباحا
أسلُو ولا أسلُو عُلاكَ ولو أتتْ ... لبنانُ تُهدي نَرجِساً فيّاحا
أوَلَمْ نكُن كالفَرْقَدَيْنِ تَقارَنا ... والصَّفْوُ يملأُ بيننا أقداحا
ويلحظ القارئ لهذه الأبيات عظمَ المحبّة والمودّة التي نشأت بين هذين العَلَمَيْن التونسيين، بدءاً من عهد الطلَّب، وانتهاءً بافتراق الرجلين كل منهما في قطر، وهي تشير إلى الاحترام وتقدير العلم عنده، ونزعة الإصلاح التي يميل إليها الشيخ الطاهر، ويشاركه فيها محمد الخضر حسين، وقد بلغ من مقدار حبّه له: أنْ مسألة بعض الأدباء: كيف كانت صلتكم بالشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تونس؟ فأجابه بهذه الأبيات (١):
أَحْبَبْتُهُ مِلْءَ الفؤَادِ وَإنَّما ... أحْبَبْتُ مَنْ ملأَ الوِدادُ فؤادَهُ
فظفرتُ مِنْهُ بصاحِبٍ إنْ يَدْرِ ... مَا أشْكُوهُ جافَى ما شَكَوْتُ رُقادَهُ
ودَرَيَتُ منه كما دَرَى منّي فَتًى ... عَرَفَ الوفاءُ نِجَادَهُ وَوِهَادَهُ
ويقول فيه (٢): ولما كان بيني وبينه من الصداقة النادرة المثال، كنّا نحضر دروس بعض الأساتذة جنباً لجنب؛ مثل: دروس الأستاذ الشيخ سالم بو حاجب لـ "شرح القسطلاني على البخاري"، ودرس الأستاذ الشيخ عمر بن الشيخ لـ "تفسير البيضاوي"، ودرس الأستاذ محمد النجار لكتاب "المواقف"، وكنت أرى شدّة حرصه على العلم، ودقّة نظره؛ متجلّيتين في لحظاته وبحوثه.
стр. 6185
ويقول فيه: انعقدت بيني وبينه سنة (١٣١٧ هـ) صداقة بلغت في صفائها ومتانتها الغايةَ التي ليس بعدها غاية، وصداقةٌ بهذه المنزلة تقتضي أن نلتقي كثيراً، وأن يكون كلٌّ منّا يعرف من سريرة صاحبه ما يعرفه من سريرته، فكنتُ أرى لساناً لهجتُه الصدق، وسريرة نقية من كل خاطر سيّئ، وهفة طفاحة إلى المعالي، وجدّاً في العمل لا يمسّه كل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه، وبالإجمال: ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقلّ من إعجابي بعبقريته في العلم.
стр. 6186
تدهور الفكر العربي
* لم يكن كتاب "الشعر الجاهلي" يحتاج إلى قرع كل هذه الطبول.
* أخالف د. مؤنس في أهمية كتابي: "الإسلام وأصول الحكم"، و "الشعر الجاهلي" (١).
* الحقيقة ولو مرة ... الفكر المصري لم يولد بعد:
قضية طرحتها مجلة "الهلال" تحت عنوان: (تدهور الفكر العربي). وقد طرحها الدكتور حسين مؤنس في عدد شهر يوليو ١٩٧٧ م، وقد شارك في هذه القضية عدد من الكتاب، وأدلوا بآرائهم وتعليقاتهم، ومنهم: الأستاذ فتحي رضوان في بحث قيم (الحقيقة ولو كانت مرة - الفكر المصري لم يولد بعد) في مجلة "الهلال" العدد الصادر في سبتمبر ١٩٧٧ م.
وقد تعرض الأستاذ فتحي رضوان بكثير من الجرأة لهذا الموضوع، ومما قاله: "فإنني أرى الفكر العربي لم يولد بعد". إن الأسماء التي ذكرها الدكتور حسين مؤنس، والتي نشر صور بعض أصحابها، هي أسماء مترجمين، وملخصين، وقصاصين، ورواة، ومفتشين، وأصحاب خواطر أدبية حيناً، وفلسفية حيناً، وجامعي شذرات تاريخية آناً، ومحللي شخصيات آناً ثانياً،
стр. 6187
ولكنهم جميعاً لا يندرجون تحت قسم: (المفكرين).
ويهمنا من هذا الحديث ما يتعلق بالإمام محمد الخضر حسين.
يقول الأستاذ فتحي رضوان:
(ولقد درجنا أن نعدّ عدداً من الكتب كأنها معالم طريق التجديد، وفي مقدمتها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، وكتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي".
والحق أنني أستأذن في أن أخالف الدكتور حسين مؤنس في إضفاء الخطر والأهمية على هذين الكتابين، لا لأني أخالف صاحبي الكتابين الشهيرين فيما أورداه في كتابيهما، فهو -في نهاية الأمر- ليس بالشيء الجسيم، وهو لا يدل على نزعة تجديد، ولا شجاعة رأي، لا أن يكون كل منهما بداية سلسلة من المقالات والدراسات والبحوث، تهدف إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات في مجالات الدين والأدب.
على أن مواطن الخسارة كان في مجافاة كل المؤلفين للمنهج العلمي، الذي افترض الناس أن الكتابين في حقيقة الأمر دعوة عملية إلى تطبيقه، فإن خلاصة كتاب "الإسلام وأصول الحكم": أن الخلافة ليست ركناً من أركان الإسلام، فالإسلام -كدين وعقيدة-، يمكن أن يقوم، وأن يؤدي المسلمون الفرائض التي فرضها الله عليهم؛ من صلاة وصيام وزكاة وحج، دون أن يتعلق شيء من ذلك بقيام الخلافة، واختيار خليفة، وأن الخلافة ليست إلا صورة من صور الحكم اهتدى إليها المسلمون الأوائل عقب وفاة رسول الله ﷺ ؛ لأن المسلمين أصبحوا يكوِّنون شعباً متحداً، يشغل شبه الجزيرة العربية. وما يجتمع قوم في موقع من الأرض إلا احتاجوا إلى حكومة تدبر أمرهم، أياً
стр. 6188
كان دينهم، وأياً كانت عقيدتهم، والمسلمون ليسوا بدعاً بين الناس.
وخلص من هذا إلى: أن رسالة محمد بن عبد الله ﷺ كلها رسالة روحية، جاء ليدعو الناس إليها، وليبشر بأحكامها وأصولها، فإذا كان قد تولى شيئاً من شؤون الدنيا؛ كتولية الولاة، أو إرسال البعوث، أو توجيه السرايا، أو عقد المحالفات، أو فض الخصومات، أو الحكم في المنازعات، فذلك كله بقصد أداء الرسالة، لا لأنها من عمله أصلاً، ولا لأنها تدخل في جوهر دعوته، أو تكمل رسالته، ويمكن تصور حياته كلها خالصة للدعوة، ولتلقين أحكام الدين، وتثبيت المسلمين على محبته، وتفسير ما تمخض من آيات القرآن الكريم، وضرب الأمثلة؛ لتوضيح ما قصده رب العالمين.
ومثل هذا القول، لا يعد ضرباً من التجديد في الإسلام، وكان المسلمون جديرين بأن يسمعوه في هدوء وأناة، وأن يردوا عليه في رفق ولطف؛ ذلك لأن الخلافة فقد معناها منذ قرون، وقد سقطت كثير من دول المسلمين وشعوبهم في أيدي دول الغرب، يستأثرون بالحكم والسلطة فيها دون أهلها.
ولكن الذي هاج غضب المسلمين: أن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" ظهر في وقت كان أمرهم جرحاً دامياً، فقد أسقط مصطفى كمال هذه الخلافة، بعد انتصار الأتراك بقيادته على اليونانيين الذين كان يؤيدهم ويحرضهم (لويد جورج) رئيس وزراء بريطانيا، وكانت هذه الانتصارات قد أرضت كبرياء المسلمين، وعوضتهم عما لحق بهم بعد هزيمة تركيا وألمانيا في حرب ١٩١٤ - ١٩١٨، وبعد انسلاخ دول العرب كلها من سلطان الخلفية العثماني، واقتسام الإنجليز والفرنسيين ...
وقد تقدم العلماء بنقد متسم بالوقار والرصانة لكتاب "الإسلام وأصول
стр. 6189
الحكم "، وفي مقدمة هذه الدراسات: كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم " للشيخ محمد الخضر حسين، وهو من علماء تونس، وكان قد لجأ إلى مصر يطارده حكم بالموت من محاكم فرنسا العسكرية بتونس، فجاء كتابه أثراً علمياً جليل القدر، فقد خلا من كلمة جارحة يوجهها للمؤلف الشيخ علي عبد الرازق، أو عبارة نابية، بل قنع بتوجيه الكلام إليه، إما بلفظ: "المؤلف"، أو: "صاحب الكتاب".
وكان المأمول أن يرد الشيخ علي عبد الرازق على كتاب الشيخ الخضر حسين- رحمهما الله- بشيء يساويه عمقاً وشمولاً، ولكنه آثر الصمت، واختار العافية، ولا يستطيع أن يدعي أنه فعل ذلك إشفاقاً من شر خطير يناله؛ فقد وجه -وهو يودع العمامة والزيَّ الأزهري- إلى علماء الأزهر كلاماً عنيفاً، وهو يعلم أن هؤلاء الأزهريين قادرون على أن يؤلِّبوا عليه الرأي العام. ثم ماذا كان معه؟ اشتغل بالمحاماة الشرعية، واطمأن إليها، وكسب منها مالاً غير قليل -كما يقول بعض المتصلين به-, ثم شارك في السياسة، حتى اختير وزيرًا، وظفر بلقب الباشاوية، وهذا كله يدل دلالة قاطعة على أنه كان في وسعه أن يواصل نشر فكرته، وبث دعوته، وأن يخلق من كتابه حركة فكرية.
فإذا أضفينا إلى كتاب "الإسلام وأصول الحكم" نعتاً من النعوت التي تجعله معلَماً من معالم الفكر المصري أو العربي، فنحن نصف الأشياء بأكثر مما تستحق، وإذا أردنا أن نضع اسم صاحب الكتاب في قائمة المجددين، وأبطال التحرير العقلي في بلادنا، فالتاريخ والحقيقة يأبيان ذلك ويرفضانه.
وقد حدث مثلُ ذلك تماماً مع الدكتور طه حسين في كتابه "في الشعر
стр. 6190
الجاهلي"؛ فقد أصدر الدكتور طه هذا الكتاب.
ولسنا نريد هنا أن نتعقب هنا آراء الدكتور طه حسين، إنما نريد أن نقول: إن الذين طمعوا في أن يأتي من وراء هذا الكتاب -أياً كان نصيب صاحبه من الأمانة، وأياً كان نصيب الأفكار فيه من السلامة- حركةُ تجديد فيها أساليب النقد، ويعاد بفضلها النظر في مناهج البحث.
ولقد فتحت أبواب هذه الفرصة المجيدة واسعة أمام الدكتور طه حسين، فقد نهض للرد عليه علماء أفاضل، أحسنوا قراءة كتابه، واجتهدوا في الرد عليه بالحجة والبرهان، والنص والدليل، فترك لهم الميدان، ولاذ بالصمت كصاحبه وزميله الشيخ علي عبد الرازق.
كتب في الرد على كتاب "في الشعر الجاهلي" الأساتذة: محمد فريد وجدي، والشيخ محمد الخضر حسين، ومحمد لطفي جمعة، والدكتور كامل الغمراوي، كتباً هي حقاً من مفاخر الفن الأدبي العلمي، فلم تكن مهارة تتقزز لها النفس، ولا تطاولاً يضيق به الذوق، ولا تعالماً تنحط به معايير الحياة الأدبية.
стр. 6191
حكم عليه بالإعدام في تونس ... فأصبح شيخاً للأزهر (١)
تولى الإمام محمد الخضر حسين مشيخة الأزهر في الفترة من (١٩٥٢ وحتى ١٩٥٤ م)، وهو أول شيخ للأزهر من أصل تونسي؛ فقد درس في جامع الزيتونة، وحصل الشهادة العالية، وعمل قاضياً لـ "بنزرت" لفترة ... إلا أن مناهضته للاحتلال، وتنديده بالوجود الأجنبي في الدول العربية، جعلاه يفر إلى تركيا ... ثم الشام، كان مسك الختام الاستقرار في مصر، وحصوله على الجنسية المصرية، والدراسة في الأزهر ليحصل على "الشهادة العالمية" ... كتب الشيخ الخضر حسين الشعر، وألف الكتب، وأصبح عضواً في (مجمع اللغة العربية).
ثم شيخاً للأزهر مع بداية ثورة يوليو ١٩٥٢ م؛ ليكون أول شيخ له من أصل تونسي.
ولد الشيخ محمد الخضر حسين عام (١٢٩٣ هـ، ١٨٧٧ م) في قرية "نفطة" في تونس من أسرة كريمة ترجع أصولها إلى الجزائر ... وينتمون إلى أسرة الأدارسة التي أسست الدولة المعروفة باسمها. نشأ وتربى في تلك القرية، وحفظ القرآن صغيراً، وحين اشتد عوده، انتقل إلى مدينة "تونس"
стр. 6192
حيث التحق بجامع الزيتونة سنة ١٨٩٩ م، والذي يشبه جامع الأزهر في عظمته وشموخه كقبلة لعلوم الدين، ونال فيه شهادة العالمية عام ١٣١٧ هجرية، وعندما تخرج، تولى قضاء "بنزرت" ومنطقتها، وكان يخطب في جامعها، وشارك في تأسيس (الجمعية الزيتونية)، ثم عين مدرساً بمعهد الزيتونة.
كان يهوى الشعر ... فكان شاعراً مجيداً، نظم قصائد رائعة، وندد فيها بالاستعمار الفرنسي لتونس، وقد اشتهر بعدائه للسياسة الفرنسية، التي كان يهاجمها في مجلة "السعادة العظمى"، وكان يبث روح المقاومة في تلاميذه، ويريد بذلك أن يغرس فيهم الروح الوطنية، والحرية الإنسانية التي يدعو إليها الإسلام، فحقد عليه الاستعمار، ودُبرت له مكيدةٌ سياسية قُدِّم من أجلها للمحاكمة، وحُكم عليه غيابياً بالإعدام ... فهاجر إلى بلاد الشام، ومعه عائلته، وفيها تولى تدريس العلوم العربية والدينية في المدرسة (السلطانية)، وقد أوفده أنور باشا وزير الحربية التركية إلى ألمانيا في مهمة سياسية، فقضى فيها ٩ أشهر حتى عاد بعدها للشام، وفي تركيا أسند إليه تحرير القسم العربي بوزارة الحربية، وكانت له أنشطة فكرية وأدبية واسعة هناك، وعندما احتل الحلفاء الآستانة، عاد إلى ألمانيا مرة أخرى، وبعد ذلك رحل إلى مصر عام ١٩٢٢ م ليشتغل بالكتابة والتحرير، وإلقاء الدروس حتى عام ١٩٣١ م.
وكان الشيخ محمد الخضر حسين قد التحق بالجامع الأزهر، وحصل على شهادة العالمية، ثم حصل على الجنسية المصرية.
وألف رسالته القيمة "الخيال في الشعر العربي"، وأسس (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية)، وكان دائب الحركة، يحاضر، ويسطر المقالات، ويكتب البحوث، وعندما ظهر كتاب "أصول الحكم" للشيخ (علي عبد الرازق)،
стр. 6193
تصدى له الشيخ الخضر، ونقده نقداً شديداً، وفند آراءه، ثم تصدى لكتاب (طه حسين) في "الشعر الجاهلي" عام ١٣٤٥ هجرية، وقسا عليه، وأرجع آراءه إلى أساتذته المستشرقين، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة "الأزهر" عام ١٣٤٩ هجرية، وعين أستاذاً لكلية أصول الدين، فأفاد طلابه، وجمع مجموعة "رسائل الإصلاح"، واشترك في كثير من لجان المجمع اللغوي، ونال عضوية جماعة العلماء برسالته "القياس في اللغة العربية"، وقد اشتغل بالتدريس في الجامع الأزهر.
وفي عام ١٩٥٢ م تولى مشيخة الأزهر ... وبدأت حكاية توليه المشيخة في سبتمبر عام ١٩٥٢ م بزيارة السيد فتحي رضوان، والشيخ أحمد حسن الباقوري، وعبد العزيز علي من مجلس قيادة الثورة في أثناء انعقاده، وذهبوا إلى الشيخ محمد الخضر حسين عضو جماعة كبار العلماء، ورئيس تحرير مجلة "الأزهر"، وعرضوا عليه باسم مجلس الوزراء، واللواء محمد نجيب مشيخةَ الأزهر، وعلق وقتها للصحف فور توليه المنصب: أنها مفاجأة سارة، وأرجو المعونة من الله، وأن يحقق أملنا في الأزهر، وعندما سئل عن رأيه في كبار علماء الأزهر الذين يشغلون مناصب هامة، فقال: ليس في رأي معين في واحد من حضراتهم، وكلهم موضع إجلالي واحترامي وتقديري، وكان عمرُ الشيخ الخضر حسين حين تولى مشيخة الأزهر ٧٨ عاماً.
* آراؤه في مسائل مختلفة:
كان يرى أن طلاب البعوث هم المرايا التي تصورنا عند أممهم وشعوبهم -بما فينا من مزايا وخصائص ومناقب- أصدقَ تصوير، وإذا كان ذلك، فلا بد من العناية بوضع نظام خاص بإعدادهم لتقديم رسالتهم على خير وسلام،
стр. 6194
ويجب أن تكون العلاقة بين طالب الأزهر وأستاذه علاقة روحية، قوامها الحب والمودة، والإخاء والخير.
"أميل بطبعي إلى الخير والسلام، ولم بن في حياتي متحزباً ولا متعصباً، بل كنت دائماً أكره التعصب والتحزب، وأؤثر أن آخذ الأمور باللين والهوادة، وشيخ الأزهر يمثل الأزهر، ويقوم على تحقيق معاني الخير والتواد والتحاب بين الناس، والأزهريون -بحكم وضعهم ووصفهم- هم الذين يبصرون الناس بحقائق دنياهم، لذا كان طبيعياً أن يكونوا متحابين في الله".
وعندما أثير أن هناك اتجاهاً لتوحيد الزي في مصر، والاستعاضة عن الطربوش بالبيريه، أو القبعة، عدا رجال هيئة العلماء، والعلماء المشتغلين بالتدريس، علق بقوله: "إنني علمت أن هناك اقتراحاً أن يكون الزي الموحد هو الزي الأوربي، لأنه أصبح عالمياً، ولأنه من الناحية العلمية أكثر ملاءمة لهيئات العمال والفلاحين، وهذا الزي يتألف من قميص وبنطلون بأثمان مناسبة، وأوضح: بأن القبعة والبيريه ليست زياً عالمياً، وأن فئات كثيرة من الملايين في آفاق لا حد لها من قارات الأرض لم تتخذ هذا الزي، وليس من الحتم على أية أمة أن تجاري الشكليات -حتى لو كانت عالمية- قبل أن تقنع بأنه أصلح لها، والأصلح لجو كل أمة هو ما دلتها عليه تجارب ألوف السنين، ومصر -على وجه الخصوص- عضو ممتاز في العالم الإسلامي الذي يزيد تعداده على ٥٠٠ مليون لن يرضى بأن يُفني شخصيته في غيره، ويندمج في الزي الأجنبي المزعوم عنه أنه عالمي.
لاسيما وأن في سنن الإسلام الجوهرية، التي لا يمكن أن يتساهل فيها المسلمون إلا بانحرافهم عن دينهم: أن يكونوا متميزين عن غيرهم، وأئمةُ
стр. 6195
المسلمين يعدون من الخروج على الإسلام الانحراف عن زيه إلى زي غير المسلمين فيما اختصوا به من علامات".
وقد اتفق معه الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية في ذلك الوقت، وقال: "إن قول الإمام الأكبر ... قول فصل".
وفي التعامل مع غير المسلمين كان يرى: أن الإسلام ينظر إلى رسالات الله كلها على أنها دين واحد تتفق في أصولها وروحها وغاياتها، وإن اختلفت في صورها ومظاهرها وتطورها.
تحدث عن الشيوعية والرأسمالية بقوله: إن من مظاهر الكمال في دين الإسلام وأحكامه: أنه لم يعارض الفطرةَ الإنسانية في أي من طبائعها، ومنها: مبدأ الملكية الشخصية، فاعترف به، وأكده، ولكنه جنح فيه إلى الاعتدال، وشرط أن يكون ذلك بالأسباب المشروعة التي أحلها الله، ثم رتب عليه تكاليف شرعية هي نصيب الجماعة من أموال أصحاب الأموال، وحث أهل الغنى على الأخذ بيد أهل الفاقة، ومبدأ آخر هو: تفاوت الناس في مواهبهم ومداركهم، وقدرتهم على الكسب، والحث على قيمة العمل، ومن أعظم ما اتخذه الإسلام لحماية الفقراء من استغلال الرأسمالية وأصحاب الأموال: تحريمه للربا وقطع دابر المراباة في المجتمع الإسلامي.
أما الشيوعية، والتي تزعم أنها نزعت الثروة من يد أفراد، ووضعتها في يد مجموعة قليلة العدد، صادارةِ واحدة ... يعيشون الآن في ترف وغطرسة، والجماعة كلها تعاني من مَلَل ورَتابة، مسلوبي الإرادة.
وكتب قصيدة مطولة عند توقيع المعاهدة (الليبية - الإيطالية) ... رافضاً الاستعمار الذي يفرض شروطه على الدول.
стр. 6196
ويحكي عنه السيد كمال الشوري سكرتير عام (جمعية الهداية الإسلامية) بلاظوغلي عام ٤٩، وكان الشيخ الخضر حسين رئيساً لها، ومدير مكتبه ...
إنه -رحمة الله عليه- من أعلام الفكر الديني الأفذاذ، الذين أضاؤوا سجل الخالدين، وأضافوا إلى صفحاته المشرقة أمجاداً مزدانة بالعلم والفضل والكفاح، وكان مثالاً حياً للخلق الحسن؛ حيث لم يكن ينطق بسباب أو شتائم، حتى في أشد حالات الغضب، فقليلاً ما كان يغضب، إلا لما يغضب الله ورسوله، وكان عف اللسان، لا يخوض في سيرة إنسان، وإذا سمع أحداً يغتاب غيره ... غضب، وابتعد عنه، وترك له المكان ... كان إذا تكلم، خفض من صوته، وإذا مشى، سار الهوينى، حتى لا تكاد تسمع له وقع أقدام، وإذا خاطبه إنسان -مهما كان صغيراً-، أنصت إلى كلامه، ولا يتكلم أبداً حتى يفرغ المتحدث من كلامه، كان كريماً، فلا يُبقي من راتبه- ثم معاشه بعد ذلك- شيئاً، بل يوزع الفائض عن حاجته على الفقراء، وكان يقول: لا أحب أن يفاجئني الموت ومعي شيء من متاع الدنيا. وعندما توفيت زوجته الأولى، ولم يكن قد أنجب منها، تزوج بغيرها في خلال أيام من وفاتها، وقال: لا أريد أن أترك سنة رسول الله ﷺ . وكان وقت زواجه بالثانية قد جاوز الـ ٧٠، ولم يعش مع زوجته الثانية طويلاً؛ فقد توفي ولم ينجب منها.
ويضيف السيد كمال الشورى في حديثه عن شخصية الإمام الخضر حسين اعتزازه بالكرامة:
وكان ﵀ يجمع بين خصلتين حميدتين: التواضع المحبوب، والاعتزاز بالكرامة، أما تواضعه، فكان حديث أهل العلم والفضل.
стр. 6197
الاجتهاد والفكر المستنير بالبلاد التونسية في القرن العشرين نماذج من المجتهدين التونسيين في القرن العشرين
الشيخ محمد الخضر حسين (١)
ولد سنة (١٢٩٣ هـ الموافق ١٨٧٦ م)، وتوفي سنة (١٣٧٧ هـ الموافق ١٩٥٨ م).
وهذا الشيخ المصلح ذو الفكر الاجتهادي التنويري هو: محمد الخضر ابن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي، عالم، أديب، وباحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر، أنشأ (جمعية الهداية الإسلامية) إثر انتقاله من سورية إلى القاهرة (مصر)، وتولى رئاستها وتحرير مجلتها، إنه من كبار المصلحين التونسيين، والمجتهدين الذين دعوا إلى التجديد وإعمال العقل.
وكأدلة على اجتهاده التنويري: ما ورد في كتابه "الدعوة إلى الاصلاح"، حيث قال عند حديثه عن الإسلام والعلم ما يلي:
... والواقع أن الإسلام قد رفع قدر العلم، ونوه بشأن العقل، وسلك بطلاب العلم مسالك النظر والاجتهاد، وعودهم على نقد الآراء، وتمييز زائف
стр. 6198
الأخبار من صحيحها، فلما نقلت العلوم النظرية إلى اللغة العربية، وجدت منهم نفوسًا تلذ العلم، وعقولاً تنشط للمناظرة، وألسنة تعرف كيف تقرر الحجة، ففتحوا لها صدورهم، ووضعوها تحت سلطان أنظارهم، ولم يمنعهم إعجابهم بها، وتنافُسهم على التضلُّع من مواردها، أن يطلقوا الأعنة في مناقشاتها، وتقويم المعوَجّ من مذاهبها، فسدوا ثغوراً يأتي من قِبَلها الباطل، وذللوا لطلاب العلم الطريقال في تفيؤوا فيه ظلال الرشد، وتُدني فيه الفلسفةُ المعقولة قُطوفَها، فقامت للعلوم -على اختلاف موضوعاتها- سوق نافقة، وأصبحت ترى علوم الشريعة، وعلوم الفلسفة المعقولة يلتقيان في النفوس المطمئنة بالإيمان، وتسنَّى للتاريخ أن يحدثك عن كثير من علماء الإسلام، ويصفهم بأنهم جمعوا بين العلوم الشرعية، والعلوم الفلسفية؛ كالغزالي، وابن رشد أبي عبيدةَ مسلمِ بن أحمد الأندلسي، وهو أول من اشتهر في الأندلس بعلم الفلسفة، وكان -مع هذا- صاحبَ فقه وحديث.
فمن خلال كلامه في كتابه "الدعوة إلى الإصلاح" نلحظ ميله إلى إعمال العقل عند دراسة المسائل، واستحسانه للنقد البناء، ومناقشة الآراء، كما نفهم دعوته إلى تنشئة الجيل الصاعد من التلاميذ والطلبة على الاجتهاد التنويري، واستخدام العقل؛ للوصول إلى نتائج إيجابية؛ قصدَ النهوض بأوطاننا، وتتبين -أيضاً- من كلامه حثه الشباب على الاقتداء بالمفكرين العرب المسلمين الذين لم يهملوا العقل في أعمالهم واجتهادهم، وقد ذكر من بين هؤلاء:
- الغزالي أبو حامد محمد بن محمد.
- وابن رشد الحفيد صاحب "تهافت الفلاسفة"، و"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال".
стр. 6199
رجل عظيم ويزيده عظماً وقدراً أنه يعرف قدر العظيم (١)
ما كنت أحسب - وأنا أنعي إليه (٢) شيخَنا وإمامنا الراحل (٣)، وقد أسلم الروح إلى بارئها - إلا أنه يجاملني بكلمة عزاء تمر كما يمر غيرها من الكَلِم، ولكن ما كان أعظمَ دهشتي حينما فزع واسترجع، ثم أخذ يلقي عليَّ درساً في تقدير العظماء الراحلين، درساً خليقاً بأن يسجل ويروى في تاريخ الخالدين.
كانت بين الشيخين خصومة في بعض مسائل العلم (٤)، ولكنها كانت خصومة نبيلة كريمة، من قبيل (الخصومة بين الأكابر)، تلك التي سجلنا نماذج من طرازها الأول في المجلد الخامس والعشرين.
وكان من أدب فقيدنا الراحل -تغمده الله برحمته-: أن يسجل مسائل
стр. 6200
الخلاف بينه وبين خصمه في مقال أو رسالة، ثم يأتي عليها بالحجة الساطعة، والبيان الناصع، في أمانة من النقل، وعفة من القول، هما المثال الأعلى لمن يبتغي الإنصاف والحق من أعدل طريق وأمثلِه.
ويقرأ خصمه الرد عليهم في مقالاته وكتبه، وكلهم أو جُلُّهم من عِلْية القوم، وأكابر الكتّاب، فيعجبون للأدب الرشيد، والقول السديد، والحجة البالغة، والعلم المصفى، والحكم البصير النافذ، الذي يتقدمه الإخلاص والإيمان، ويصحبه العدل والإحسان، فيخشع له كل عالم وأديب، ويهابه كل دفع أو تعقيب.
لكن النبلاء من خصمه، يفيدون من ذلك النبع الفياض، والأدب العالي الرفيع، ثم ينوِّهون به في حياته، ويدعون إلى التخلق به بعد وفاته، وكذلك فعل "الرجل العظيم".
كانا عضوين بالمجمع اللغوي، إلا أن "إمامنا" (١) كان أسبق؛ إذ كان ركنًا من أركان المجمع منذ أنشئ، وكانا عضوين في جماعة كبار العلماء، إلا أن "عظيمنا" (٢) كان أسبق منذ بضع سنين.
فلما تقدم إمامنا إلى عضوية الجماعة، ظن من لا يعرفون"الرجل" (٣): أن الفرصة قد هيئت للوقوف في طريق خصمه، لكنها كانت مفاجأة كريمة حاسمة أن زكّاه الخصم النبيل وهو يقول: "إنَّ من لا يزكي السيد الخضر في عضوية الجماعة، فإنما يلغي عقله، أو يسقط نفسه"، أو قال كلمة نحوها.