ويحكي عنه السيد كمال الشوري سكرتير عام (جمعية الهداية الإسلامية) بلاظوغلي عام ٤٩، وكان الشيخ الخضر حسين رئيساً لها، ومدير مكتبه ...
إنه -رحمة الله عليه- من أعلام الفكر الديني الأفذاذ، الذين أضاؤوا سجل الخالدين، وأضافوا إلى صفحاته المشرقة أمجاداً مزدانة بالعلم والفضل والكفاح، وكان مثالاً حياً للخلق الحسن؛ حيث لم يكن ينطق بسباب أو شتائم، حتى في أشد حالات الغضب، فقليلاً ما كان يغضب، إلا لما يغضب الله ورسوله، وكان عف اللسان، لا يخوض في سيرة إنسان، وإذا سمع أحداً يغتاب غيره ... غضب، وابتعد عنه، وترك له المكان ... كان إذا تكلم، خفض من صوته، وإذا مشى، سار الهوينى، حتى لا تكاد تسمع له وقع أقدام، وإذا خاطبه إنسان -مهما كان صغيراً-، أنصت إلى كلامه، ولا يتكلم أبداً حتى يفرغ المتحدث من كلامه، كان كريماً، فلا يُبقي من راتبه- ثم معاشه بعد ذلك- شيئاً، بل يوزع الفائض عن حاجته على الفقراء، وكان يقول: لا أحب أن يفاجئني الموت ومعي شيء من متاع الدنيا. وعندما توفيت زوجته الأولى، ولم يكن قد أنجب منها، تزوج بغيرها في خلال أيام من وفاتها، وقال: لا أريد أن أترك سنة رسول الله ﷺ . وكان وقت زواجه بالثانية قد جاوز الـ ٧٠، ولم يعش مع زوجته الثانية طويلاً؛ فقد توفي ولم ينجب منها.
ويضيف السيد كمال الشورى في حديثه عن شخصية الإمام الخضر حسين اعتزازه بالكرامة:
وكان ﵀ يجمع بين خصلتين حميدتين: التواضع المحبوب، والاعتزاز بالكرامة، أما تواضعه، فكان حديث أهل العلم والفضل.
стр. 6197
الاجتهاد والفكر المستنير بالبلاد التونسية في القرن العشرين نماذج من المجتهدين التونسيين في القرن العشرين
الشيخ محمد الخضر حسين (١)
ولد سنة (١٢٩٣ هـ الموافق ١٨٧٦ م)، وتوفي سنة (١٣٧٧ هـ الموافق ١٩٥٨ م).
وهذا الشيخ المصلح ذو الفكر الاجتهادي التنويري هو: محمد الخضر ابن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي، عالم، أديب، وباحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر، أنشأ (جمعية الهداية الإسلامية) إثر انتقاله من سورية إلى القاهرة (مصر)، وتولى رئاستها وتحرير مجلتها، إنه من كبار المصلحين التونسيين، والمجتهدين الذين دعوا إلى التجديد وإعمال العقل.
وكأدلة على اجتهاده التنويري: ما ورد في كتابه "الدعوة إلى الاصلاح"، حيث قال عند حديثه عن الإسلام والعلم ما يلي:
... والواقع أن الإسلام قد رفع قدر العلم، ونوه بشأن العقل، وسلك بطلاب العلم مسالك النظر والاجتهاد، وعودهم على نقد الآراء، وتمييز زائف
стр. 6198
الأخبار من صحيحها، فلما نقلت العلوم النظرية إلى اللغة العربية، وجدت منهم نفوسًا تلذ العلم، وعقولاً تنشط للمناظرة، وألسنة تعرف كيف تقرر الحجة، ففتحوا لها صدورهم، ووضعوها تحت سلطان أنظارهم، ولم يمنعهم إعجابهم بها، وتنافُسهم على التضلُّع من مواردها، أن يطلقوا الأعنة في مناقشاتها، وتقويم المعوَجّ من مذاهبها، فسدوا ثغوراً يأتي من قِبَلها الباطل، وذللوا لطلاب العلم الطريقال في تفيؤوا فيه ظلال الرشد، وتُدني فيه الفلسفةُ المعقولة قُطوفَها، فقامت للعلوم -على اختلاف موضوعاتها- سوق نافقة، وأصبحت ترى علوم الشريعة، وعلوم الفلسفة المعقولة يلتقيان في النفوس المطمئنة بالإيمان، وتسنَّى للتاريخ أن يحدثك عن كثير من علماء الإسلام، ويصفهم بأنهم جمعوا بين العلوم الشرعية، والعلوم الفلسفية؛ كالغزالي، وابن رشد أبي عبيدةَ مسلمِ بن أحمد الأندلسي، وهو أول من اشتهر في الأندلس بعلم الفلسفة، وكان -مع هذا- صاحبَ فقه وحديث.
فمن خلال كلامه في كتابه "الدعوة إلى الإصلاح" نلحظ ميله إلى إعمال العقل عند دراسة المسائل، واستحسانه للنقد البناء، ومناقشة الآراء، كما نفهم دعوته إلى تنشئة الجيل الصاعد من التلاميذ والطلبة على الاجتهاد التنويري، واستخدام العقل؛ للوصول إلى نتائج إيجابية؛ قصدَ النهوض بأوطاننا، وتتبين -أيضاً- من كلامه حثه الشباب على الاقتداء بالمفكرين العرب المسلمين الذين لم يهملوا العقل في أعمالهم واجتهادهم، وقد ذكر من بين هؤلاء:
- الغزالي أبو حامد محمد بن محمد.
- وابن رشد الحفيد صاحب "تهافت الفلاسفة"، و"فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال".
стр. 6199
رجل عظيم ويزيده عظماً وقدراً أنه يعرف قدر العظيم (١)
ما كنت أحسب - وأنا أنعي إليه (٢) شيخَنا وإمامنا الراحل (٣)، وقد أسلم الروح إلى بارئها - إلا أنه يجاملني بكلمة عزاء تمر كما يمر غيرها من الكَلِم، ولكن ما كان أعظمَ دهشتي حينما فزع واسترجع، ثم أخذ يلقي عليَّ درساً في تقدير العظماء الراحلين، درساً خليقاً بأن يسجل ويروى في تاريخ الخالدين.
كانت بين الشيخين خصومة في بعض مسائل العلم (٤)، ولكنها كانت خصومة نبيلة كريمة، من قبيل (الخصومة بين الأكابر)، تلك التي سجلنا نماذج من طرازها الأول في المجلد الخامس والعشرين.
وكان من أدب فقيدنا الراحل -تغمده الله برحمته-: أن يسجل مسائل
стр. 6200
الخلاف بينه وبين خصمه في مقال أو رسالة، ثم يأتي عليها بالحجة الساطعة، والبيان الناصع، في أمانة من النقل، وعفة من القول، هما المثال الأعلى لمن يبتغي الإنصاف والحق من أعدل طريق وأمثلِه.
ويقرأ خصمه الرد عليهم في مقالاته وكتبه، وكلهم أو جُلُّهم من عِلْية القوم، وأكابر الكتّاب، فيعجبون للأدب الرشيد، والقول السديد، والحجة البالغة، والعلم المصفى، والحكم البصير النافذ، الذي يتقدمه الإخلاص والإيمان، ويصحبه العدل والإحسان، فيخشع له كل عالم وأديب، ويهابه كل دفع أو تعقيب.
لكن النبلاء من خصمه، يفيدون من ذلك النبع الفياض، والأدب العالي الرفيع، ثم ينوِّهون به في حياته، ويدعون إلى التخلق به بعد وفاته، وكذلك فعل "الرجل العظيم".
كانا عضوين بالمجمع اللغوي، إلا أن "إمامنا" (١) كان أسبق؛ إذ كان ركنًا من أركان المجمع منذ أنشئ، وكانا عضوين في جماعة كبار العلماء، إلا أن "عظيمنا" (٢) كان أسبق منذ بضع سنين.
فلما تقدم إمامنا إلى عضوية الجماعة، ظن من لا يعرفون"الرجل" (٣): أن الفرصة قد هيئت للوقوف في طريق خصمه، لكنها كانت مفاجأة كريمة حاسمة أن زكّاه الخصم النبيل وهو يقول: "إنَّ من لا يزكي السيد الخضر في عضوية الجماعة، فإنما يلغي عقله، أو يسقط نفسه"، أو قال كلمة نحوها.
стр. 6201
فلما قضى الله قضاءه، واستأثر شيخنا برحمته، هزّني الرجل بكلماته هزّاً، وهو يدعو إلى التأسي به، حتى كأن المسرة كانت ترتجف من هوله ما أصابه، أو من عظمة ما يقول.
أما بعد:
فإن أهمك أن تعرف "الرجل"، فحسبك أنه يشغل مركزاً اجتماعياً خطيراً، ما خلا منصباً أزهرياً كبيراً، فإن لم تعرفه بعد ذلك، فحسبك درس عظيم، من رجل عظيم، في إمام كريم، عاش في الله، وجاهد في الله، ثم مات في الله، ورحل -بإذن الله- إلى الرفيق الأعلى ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ﴾ [النساء: ٦٩].
العالم الأزهري
طه محمد الساكت
стр. 6202
القياس في اللغة العربية للأستاذ محمد الخضر حسين عضو مجمع اللغة العربية الملكي (١)
القياس فن واسع الأطراف، متشعب المسالك، يمتُّ إلى كل باب من أبواب اللغة بصِلة، ويكاد يجري ذكره عند كل مسألة، ولولاه، لضاقت الفصحى على أبنائها، وقعدت بهم عن مسايرة ركب الحياة.
لم يؤلَّف فيه -على ما أعلم- غيرُ هذا الكتاب.
وسبب تأليفه: أن مؤلفه البحاثة الأستاذ محمد الخضر حسين كان يمر في أثناء دراسته لعلوم العربية على أحكام تختلف فيها آراء العلماء، فيقصرها بعضهم على السماع، ويراها آخرون من مواطن القياس.
وقد يحكي بعضُهم المذهبين، دون أن يذكر الأصول التي قام عليها ذلك الاختلاف، فرأى فضيلته: أن التمسك بمثل هذه الأقوال من المتابعة التي لا ترتاح إليها نفس العالم الحر -ولا سيما أن الكتب التي اعتمد عليها أصحاب هذه الأقوال قد أصبحت في متناول أيدينا-، فأخذ يوجه نظره الثاقب إلى الأصول العالية التي يراعونها في أحكام القياس والسماع، حتى ظفر بقواعد صريحة أضاف إليها غيرها مما استنبطه، أو ابتدعه، فكان من ذلك "كتاب القياس".
стр. 6203
شرح الأستاذ في هذا الكتاب حقيقة القياس، وفصَّل شروطه، وجمع أصوله، وضم أشتاتها، وأبرزها في ثوب قشيب، سهلةَ القطاف للراغبين، وقدم له بمقدمة رائعة في فضل اللغة العربية، ونشأتها، ومسايرتها للعلوم المدنية، وحاجتها إلى المجتمع، وتأثيرها في الفكر، وتأثير الفكر فيها، إلى غير ذلك من الأبحاث الموجزة الشائقة.
ثم تكلم عن القياس، ووجه الحاجة إليه، وذكر أقسامه، وخص منها بالبحث: القياس الأصلي، وقياس التمثيل، وتكلم عن الأمور المشتركة بينهما؛ كالقياس في الاتصال، والترتيب والحذف والفصل، إلى آخر تلك المباحث التي طبق فيها المؤلف مفاصل السداد، وأصحاب شواكل المراد، ودل بها على تبحره في علوم اللغة، وتمكنه من ناصيتها.
بيد أني كنت أحب أن يطلق الأستاذ ليراعته العنان، ويبسط القول بعض البسط، ويكثر من المثل والشواهد؛ لتكون الفائدة بكتابه أعم وأعظم. وإن كان للأستاذ العذر فيما ذهب إليه من الإيجاز.
السيد أحمد صقر
стр. 6204
الشيخ محمد الخضر حسين (١)
[١]
في ظهر الاثنين (١٤ رجب ١٣٧٧ هـ - ٣ فبراير ١٩٥٨ م) شيعنا جنازة شيخ من شيوخ الإسلام، وإمام من أئمة الدين، هو: المغفور له الشيخ محمد الخضر حسين -طيب الله ثراه-.
تولى الشيخ الخضر مشيخة الأزهر الشريف في ظلال الثورة المصرية، وبعطف ثوار مصر الأحرار، وذلك يوم الأربعاء (٢٧ من جمادى الأولى ١٣٧١ هـ -١٧ سبتمبر ١٩٥٢ م)، وكان خلال توليه لهذا المنصب الإسلامي الجليل يضرب الأمثلة الرفيعة في العزة والسمو، والكرامة والغيرة على الأزهر ورجاله، وعلى الإسلام ومستقبل المسلمين، واستقال من المشيخة لظروفه الصحية في الثاني من (جمادى الأولى عام ١٣٧٣ هـ - ٨ يناير ١٩٥٤ م).
وتولى تحرير مجلة "نور الإسلام" منذ أصدرها الأزهر الشريف، كما كان رئيساً لتحرير مجلة "لواء الإسلام".
وعين عضواً في (المجمع اللغوي) بالقاهرة منذ إنشائه، واختير عضواً في (جماعة كبار العلماء) بالأزهر الشريف عام ١٩٥١ م، وهو منشئ مجلة
стр. 6205
"الهداية الإسلامية"، وجمعيتها، وقد تولى التدريس في كلية أصول الدين سنين عديدة قبل اختياره لمنصب المشيخة الرفيع.
[٢]
ولد الشيخ الخضر بمدينة "نفطة" بالقطر التونسي في (٢٧ رجب عام ١٢٩٣ هـ)، وتلقى ثقافته الأولى، وحفظ القرآن الكريم في بلاده، وفي هذا الحين كان قد انتقل مع أسرته إلى العاصمة "تونس" عام ١٣٠٦ هـ، ودخل الكلية الزيتونية عام ١٣٠٧ هـ , وتلقى تعليمه الديني فيها على شيوخ أجلاء.
وفي عام ١٣١٧ هـ رحل إلى طرابلس، ثم عاد إلى تونس، ووالى دراسته في الزيتونة إلى عام ١٣٢١ هـ، وأنشأ فيها مجلة "السعادة العظمى"، ثم ولي القضاء في مدينة "بنزرت" عام ١٣٢٣ هـ، وعمل كذلك في الخطابة والوعظ والتدريس في جامعها الكبير، وسرعان ما استقال، ورجع إلى العاصمة، وتطوع للتدريس في الزيتونة، وأشرف على خزائن الكتب فيها.
وفي عام ١٣٢٣ هـ اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وعين مدرساً رسميًا بالمدرسة الصادقية، وفي المدرسة الخلدونية.
وأخذ يكافح الاستعمار، واشترك في الكفاح في الحرب الطرابلسية التي نشبت بين الطليان والعثمانيين، ونشرت له قصيدته:
رُدُّوا على مجدِنا الذِّكْرَ الذي ذَهَبا ... يكفي مضاجِعَنا نومٌ دَهَى حِقَبا
ورحل إلى الجزائر، فزار مدنها، وألقى الدروس في مساجدها، ثم عاد إلى تونس يوالي تدريسه في الزيتونة.
وفي عام ١٣٣٠ هـ سافر إلى دمشق ماراً بمصر، ومنها سافر إلى القسطنطينية، وأقام فيها وقتاً قليلاً، ثم عاد إلى تونس في آخر هذه السنة،
стр. 6206
ونشر رحلته المفيدة عن عاصمة الخلافة، وعين عضواً في اللجنة التي أُلفت لكتابة التاريخ التونسي وتحقيقه.
ثم هاجر إلى مصر، وسافر إلى دمشق، فالمدينة المنورة، فالقسطنطينيهَ، ثم عاد إلى دمشق، وعمل مدرساً بالمدرسة السلطانية فيها، ونشبت الحرب، وثار الشيخ مع الأحرار ضد الاستبداد التركي، فاتهمه جمال باشا حاكم سورية بالتآمر، واعتقله أكثر من ستة شهور، وحوكم، فبرأته المحكمة، وأطلق سراحه في ربيع الثاني عام ١٣٣٥ هـ، فعين محرراً بالقلم العربي بوزارة الحربية، ثم أرسلته الحكومة إلى ألمانيا؛ ليعظ الجنود المسلمين فيها، ورجع إلى الشام مدرساً بالمدرسة السلطانية، ولما احتلت فرنسا الشام عام ١٣٣٦ هـ , هاجر إلى مصر، وأقام فيها مكرماً من شعبها وحكومتها، وشتى الهيئات العلمية والدينية والأدبية فيها.
وألَّف عدة كتب مرموقة، منها: "الرد على آراء الدكتور طه حسين في الشعر الجاهلي".
وظلَّ عاكفاً على المحاضرة في (جمعية الهداية)، والكتابة في المجلات التي تولى التحرير فيها، والتدريس في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، والبحث في المجمع اللغوي، حتى اختير عضواً في جماعة كبار العلماء، فشيخاً للأزهر الشريف.
ولما ترك الأزهر، عاد إلى نشاطه العلمي والإسلامي مبجَّلاً مهيباً مرموقاً، حتى توفاه الله إلى رحمته ورضوانه، مذكوراً بالخير والتقدير والإكبار من جميع عارفي فضله، ومبجِّلي علمه، ومن تلامذته ومريديه والمستفيدين من تفكيره ﵀، وأكرم مثواه-.
стр. 6207
محمد الخضر حسين (١) (١٨٧٧ - ١٩٥٨ م)
عَلَمٌ من أعلام الإسلام والعروبة، جمع بين التفقه في الدين واللغة والأدب.
ولد المرحوم الشيخ الأكبر محمد الخضر حسين في سنة ١٨٧٧ م في بلد من أعمال تونس، وحفظ القرآن الكريم، وشدا شيئاً من الأدب في بلدته على أيدي علمائها، فتذوق طعم الأدب منذ نشأته، بل حاول نظم الشعر وهو في الثانية عشرة، وبعدها التحق بجامع الزيتونة سنة (١٣٠٧ هـ / ١٨٨٩ م) بعد أن نال منه درجة العالمية، ودخل بعد ذلك معترك الحياة، فأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة أنشئت ببلاد المغرب العربي، وكانت مجلة علمية أدبية، ثم تولى القضاء في "بَنْزَرْت" سنة ١٩٠٥ م، وتركه ليعمل بالتدريس في جامع الزيتونة، ثم رحل عن تونس إلى دمشق إثر ثورات وطنية؛ حيث صمم الفرنسيون على التنكيل بكل من يوقظ روح الوطنية ضد المستعمر الفرنسي.
وعمل في دمشق بالتدريس بالمدرسة السلطانية سنة ١٩١٢ م، ثم رحل بعدها إلا الآستانة، وسافر بعد ذلك إلى ألمانيا مرتين، كانت المرة الأخيرة
стр. 6208
حين احتل الحلفاء الآستانة، وهناك المنتقى بزعماء الحركة الإسلامية، كالشيخ عبد العزيز جاويش، والدكتور عبد الحميد سعيد، والدكتور أحمد فؤاد، وانتقل الشيخ بعد ذلك إلى مصر، وقام فيها بأعمال جليلة، فاشترك في تأسيس مجلة "نور الإسلام"، وهي التي أصبح الآن اسمها مجلة "الأزهر".
وضمه الأزهر إلى علمائه أستاذاً في كلياته، واختير عضواً في جماعة كبار العلماء، ثم عين شيخاً للأزهر سنة ١٩٥٢ م. وعندما أنشئ (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة سنة ١٩٣٢ م كان من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضويته سنة ١٩٣٣ م.
وقد كانت حياة الشيخ كلها دفاعاً عن الدين والوطن العربي، ولقي في سبيل ذلك تغربه عن موطنه.
يقول الشيخ في بعض حديثه: "خاطبتني المحكمة الفرنسية سنة ١٣٢٥ هـ -بإشارة من شيخ المدينة- أن أكون عضواً في المحكمة؛ لأحضر حكمها بين الوطني والفرنسي، فامتنعت عن هذه العضوية، ولم أرض أن يصدر الحكم الجائر بحضوري".
وكان يرى أن الطريق إلى إعادة مجد المسلمين الضائع هو الإيمان، والاتجاه إلى الصناعة والعلوم المادية وفي ذلك يقول:
أبناءَ هذا العصر هل من نَهضةٍ ... تَشْفِي غليلاً حَرُّه يَتَصَعَّدُ
هَذي الصَّنائعُ ذُلّلتْ أدواتها ... وسبيلُها للعالمينَ مُمَهَّدُ
إنَّ المعارفَ والصَّنائعَ عُدَّةٌ ... بابُ التَّرقي من سواها مُوصَدُ
قال عنه الأستاذ محمد علي النجار في حفل تأبينه:
"وجملة القول: إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره
стр. 6209
إلا في النَّدْرَى، فقد كان عالماً ضليعاً، وكان -مع ذلك- عالماً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصدُ الناس ومعاقد شؤونهم، حفظاً على العربية والدين، يردُّ ما يوجه إليهما، وما يصدر من الأفكار منابذاً لهما، قوي الحجة، حسن الجدال. وكان عفَّ اللسان والقلم، لا يتناول المنقود بما يُخزيه، وما يَثْلم عرضه، وكان يكره ذلك لمجادله وخصمه". مجلة "المجمع" (ج ١٤).
وله مؤلفات كثيرة، منها:
١ - "بلاغة القرآن".
٢ - "العظمة".
٣ - "تونس وجامع الزيتونة".
٤ - "الموافقات في أصول الأحكام".
٥ - "علماء الإسلام في الأندلس".
٦ - "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان".
٧ - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، المكتبة العلمية - بيروت.
٨ - "حياة اللغة العربية".
٩ - "الدعوة إلى الإصلاح".
١٠ - "الخطابة عند العرب".
١١ - "تراجم الرجال".
١٢ - "خواطر الحياة"، (ديوان الشعر).
١٣ - "رسائل الإصلاح".
стр. 6210
١٤ - "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
١٥ - "مدارك الشريعة الإسلامية وسياستها".
١٦ - "الخيال في الشعر العربي".
١٧ - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
١٨ - "دراسات في العربية وتاريخها".
* أعماله المجمعية:
أ - اللجان التي اشترك فيها:
اشترك في كثير من لجان المجتمع؛ مثل:
لجنة اللهجات، ولجنة الآداب والفنون الجميلة، ولجنة دراسة معجم (فيشر)، ولجنة الأعلام الجغرافية، ولجنة الأصول، ولجنة معجم ألفاظ القرآن الكريم، ولجنة المساحة والعمارة، ولجنة المعجم الوسيط.
ب - البحوث والمقالات:
البحوث والمقالات التي ألقاها أو نشرها بالمجلة كثيرة، نذكر منها:
١ - التضمين. (محاضر جلسات دور الانعقاد الأول).
٢ - نيابة بعض الحروف عن بعض. (محاضر جلسات دور الانعقاد الأول).
٣ - المجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية. (مجلة "مجمع اللغة العربية" ج ١).
٤ - شرح قرارات المجمع والاحتجاج لها (تكملة مادة لغوية ورد بعضُها في المعجمات، ولم ترد بقيتها). (مجلة "مجمع اللغة العربية" ج ٢).
стр. 6211
٥ - الاستشهاد بالحديث في اللغة. (مجلة "مجمع اللغة العربية" ج ٣).
٦ - وصف جمع العاقل بصيغة فعلاء. (د ١٤، جلسة ١١ للمؤتمر - مجلة "مجمع اللغة العربية"ج ٧).
٧ - اسم المصدر في المعاجم. (د ١٦، جلسة ٩ للمؤتمر- مجلة "مجمع اللغة العربية" ج ٨).
٨ - طرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية. (د ١٧، جلسة ١٢ للمؤتمر- مجلة "مجمع اللغير العربية" ج ٨).
٩ - الشعر البديع في نظر الأدباء. (د ٢١، جلسة ٨ للمؤتمر- مجلة "مجمع اللغة العربية" ج ١١).
١٠ - من وثق من علماء العربية ومن طُعن فيه. (د جلسة ٢ للمؤتمر - مجلة "مجمع اللغة العربية"ج ١٢).
وقد صدرت له في تونس ترجمة وافية في كتاب "أعلامنا: محمد الخضر حسين" للأستاذ أبي القاسم محمد كرو. وقد وصلني هذا الكتاب وأنا أقدم: "المجمعيون في خمسين عاماً" للمطبعة.
стр. 6212
شهادة عن الشيخ محمد الخضر حسين (١)
التقيت بأحد تلامذة الشيخ محمد الخضر حسين بجامع الأزهر بالقاهرة، وهو الشيخ أحمد بوقرة العوني التونسي، وكان تتلمذ على يديه طيلة عشر سنوات.
قلت له: هاتِ حدثني عن شيخك شيخ الأزهر، والعالم التونسي الكبير، صاحبِ المؤلفات الكثيرة، ومن أشهر العلماء التونسيين في الشرق، ممن أسدَوا له الخدمات العلمية الجليلة.
قال الشيخ: ولد محمد الخضر في "نفطة"، ثم تحول إلى تونس وعمره ستَّ عشرة سنة، كانت له علامة بالكيِّ في عنقه. وسكن بتونس في الأول في نهج المرّ بباب منارة، في منزل أخيه العالم محمد المكي بن الحسين.
وسرعان ما ارتبط بعلاقة وثيقة مع الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، ولم يكن يفرق بينهما في العمر غير سنتين، وكان يسهر معه في داره، وكان
стр. 6213
الشيخ الطاهر يقاسمه طعامه، وقد نظم محمد الخضر شعراً توجه به لمحمد الطاهر بن عاشور قال له:
أَينعَمُ لي بالٌ وأنتَ بعيدُ ... وأسلو بطيفٍ والمنامُ شريدُ
لقيتُ الودادَ الحرَّ في قلب ماجدٍ ... وأصدقُ مَنْ يُصفي الودادَ مجيدُ
فأين ليالينا وأسمارُنا التي ... تُبَلُّ بها عند الظَّماء كبودُ
ليالٍ قضيناها بتونسَ ليتها ... تعود وجيشُ الغاصبين طريدُ
فأجابه محمد الطاهر بن عاشور من قصيدة:
إذا ذكروا للودِّ شخصاً محافِظاً ... تجلّى لنا مرآك وهو بعيدُ
إذا قيل مَنْ للعلمِ والفكرِ والتُّقى ... ذكرتُك إيماناً بأَنكَ فريدُ
فقل لليالي جَدِّدي من نظامنا ... فحسبكِ ما قد كان فهو شديدُ
عيِّن محمد الخضر حسين قاضياً ببنزرت، وكان يخطب في الجُمع، وضايقته حكومة الحماية الفرنسية حينما أصدر مجلة "السعادة العظمى"، فأراد الانتقال إلى الشرق، وتحول إلى مصر، وألقى بالجامع الأزهر درساً حضره أكبر المشايخ، فأعجبوا بعلمه، وقال له الشيخ عبد المجيد الغرياني: لقد ذكرتنا بابن عرفة.
وسمع وهو غائب في مصر بأنه عُزل من التدريس بجامع الزيتونة، فعاد إلى تونس، ثم صمم على الرحلة إلى بيت الله الحرام، فباع منزله، وتوجه إلى المشرق عن طريق أوربا. وقصد سويسرا مع ثلاثة من المشايخ، وقد نفد ما عندهم من مال، واتصل بهم وزير مشرقي حينما علم بهم، واقترح عليهم الذهاب إلى ألمانيا للقيام بنشاط سياسي، فرحبوا بالفكرة؛ لأن ألمانيا كانت
стр. 6214
حليفة الدولة العثمانية، وقاموا هناك بخدمات لفائدة سياسية ضد الحلفاء.
وفي ألمانيا اتصل الخضر بألماني، واقترح عليه تعليمه الألمانية، وبالمقابل يعلمه العربية، وهذا ما كان.
وفي ألمانيا بلغه نعيُ خاله العالم محمد المكي بن عزّوز، فرحل إلى إسطنبول، وأسرع بالتوجه إلى قبره، ورثاه بقصيدة قال فيها:
رُبَّ شمسٍ طلعتْ في مغربٍ ... وتوارى في ثَرى الشرقِ سَناها
ها هنا شمسُ علومٍ غَرَبَتْ ... بعد أن أبلَتْ بترشيشَ (١) ضُحاها
بفؤادي لَوْعَةٌ من فقدِها ... كما أذكرُهُ اشتدَّ لَظاها
طِبْ مقاماً يا بنَ عَزُّوزٍ فقدْ ... كنت تُعطي دعوةَ الحقِّ مُناها
وأقام في إسطنبول، ودرس الحديث النبوي الشريف، ثم رحل إلى سورية، وألقى فيها دروساً لاقت الاستحسان والإعجاب. وإذ ذاك سمع بأن فرنسا أرسلت قواها إلى سورية، وخشي من أن تلاحقه، وأُوصي بأن يغادر بَرَّ الشام، وقيل له: إنك محكوم عليك بالإعدام في تونس؛ لنشاطك السياسي بها وبألمانيا، فانتقلَ إلى القاهرة، ونزلَ بحيّ خان الخليلي قرب سيدِنا الحسين.
وقد ارتبط محمد الخضر بعلاقة وطيدة مع أحمد تيمور، فكنت تراهما دومًا معاً، وكانا صديقين وفيين لبعضهما بعضاً، وهو الذي قربه إلى الملك فؤاد، فصار يجالسه، وكتب له كتاب "نقض كتاب الشعر الجاهلي" رداً على طه حسين، وكان يشتغل في دار الكتب، فأمر الملك بأن يكون مدرساً بالجامع
стр. 6215
الأزهر، وامتُحن بالرواق العباسي، ونال شهادة العالمية هنالك، وصار مدرساً بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر، يُدرِّس للقضاة السياسة الشرعية إلى أن تولى مشيخة الأزهر.
стр. 6216
الشيخ الخضر حسين منافح عن الإسلام والعروبة (١)
فتحت مصر أبوابها في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري لزعماء النهضة والإصلاح، واستقبلت قادةَ التحرير في العالم الإسلامي، فحلُّوا بها خيرَ محلّ، ولَقُوا من الحفاوة والكرم ما جعلهم ينعَمون بالاستقرار فيها، وصارت القاهرة كعبةَ العلماء، ومهوى الأفئدة، اتخذها بعضهم موطناً دائماً له، واستقر بعضهم فيها حيناً من الدهر، ثم عاد إلى بلاده.
واستقبلت مصر في هذه الفترة محمد رشيد رضا صاحب مجلة "المنار"، ومحب الدين الخطيب صاحب المكتبة السلفية المجاهد المعروف، والعلامة محمد صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية، ووكيله الشيخ محمد زاهد الكوثري، والشيخ محمد الخضر حسين، وغيرهم.
ولم تكتف مصر بحسن استقبال هؤلاء الأعلام النابهين، بل منحت بعضَهم جنسيتها، وبوأته أعلى المناصب الدينية، مثلما فعلت مع الشيخ محمد الخضر الحسين؛ حيث اختارته ضمن الرعيل الأول المؤسس لـ (مجمع اللغة العربية)، وعينته أستاذاً في كلية أصول الدين، وكافأته بتنصيبه شيخاً للجامع الأزهر.
стр. 6217
* المولد والنشأة:
ولد محمد الخضر حسين بمدينة "نفطة" التونسية في (٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ / ١٦ أغسطس ١٨٧٦ م)، ونشأ في أسرة كريمة تعتز بعراقة النسب، وكرمِ الأصل، وتفخر بمن أنجبت من العلماء والأدباء، وفي هذا الجو المعبق بأريج العلم نشأ "الخضر حسين"، فحفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، وشدا شيئاً من الأدب والعلوم الشرعية، ثم انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة سنة (١٣٠٥ هـ، ١٨٨٧ م)، وهو في الثانية عشرة من عمره، والتحق بجامع الزيتونة، وأكبّ على التحصيل والتلقي، وكانت الدراسة فيه صورة مصغرة من التعليم في الجامع الأزهر في ذلك الوقت، تُقرأ فيه علوم الدين؛ من تفسير وحديث وفقه وعقيدة، وعلوم اللغة؛ من نحو وصرف وبيان، وكان من أبرز شيوخه الذين لصل بهم، وتتلمذ لهم: عمر بن الشيخ، ومحمد النجار، وكانا يدرسان تفسير القرآن الكريم، والشيخ سالم بوحاجب، وكان يدرس "صحيح البخاري"، وقد تأثر به الخضر الحسين، وبطريقته في التدريس.
* بعد التخرج:
تخرج محمد الخضر الحسين في الزيتونة، غزيرَ العلم، واسع الأفق، فصيح العبارة، محباً للإصلاح، فأنشأ مجلة "السعادة العظمى" سنة (١٣٢١ هـ، ١٩٠٤ م)؛ لتنشر محاسن الإسلام، وترشد الناس إلى مبادئه وشرائعه، وتوقظ الغافلين من أبناء أمته، وتفضح أساليب الاستعمار، وقد لفت الأنظار إليه بحماسه المتقد، ونظراته الصائبة، فعهد إليه بقضاء "بنزرت"، والخطابة بجامعها الكبير سنة (١٣٢٤ هـ، ١٩٠٥ م)، ولكنه لم يمكث في منصبه طويلاً،
стр. 6218
وعاد إلى التدريس بجامع الزيتونة، وتولى تنظيم خزائن كتبه، ثم اختير للتدريس بالمدرسة الصادقية، وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في تونس، وقام بنشاط واسع في إلقاء المحاضرات التي تستنهض الهمم، وتنير العقول، وتثير الوجدان، وأحدثت هذه المحاضرات صَدًى واسعاً في تونس.
ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الدولة العثمانية وإيطاليا، وقف الخضر حسين قلمه ولسانه إلى جانب دولة الخلافة، ودعا الناس إلى عونها ومساندتها، وحين حاولت الحكومة ضَمَّه إلى العمل في محكمة فرنسية، رفضَ الاشتراك فيها، وبدأ الاستعمار الفرنسي يضيق عليه، ويتهمه ببث روح العداء له، فاضطر الشيخ محمد الخضر الحسين إلى مغادرة البلاد سنة (١٣٢٩ هـ، ١٩١٠ م)، واتجه إلى إستانبول.
* بين إستانبول ودمشق:
بدأ الخضر حسين رحلته بزيارة مصر وهو في طريقه إلى دمشق، ثم سافر على إستانبول، ولم يمكث طويلاً، فعاد إلى بلاده ظاناً أن الأمور قد هدأت بها، لكنه أصيب بخيبة أمل، وقرر الهجرة مرة ثانية، واختار دمشق وطنًا له، وعُين بها مدرساً للغة العربية في المدرسة السلطانية سنة (١٣٣١ هـ , ١٩١٢ م)، ثم سافر إلى إستانبول، واتصل بأنور باشا وزير الحربية، فاختاره محرراً عربياً بالوزارة، ثم بعثه إلى برلين في مهمة رسمية، فقضى بها تسعة أشهر، وعاد إلى العاصمة العثمانية، فاستقر بها فترة قصيرة لم ترقه الحياة فيها، فعاد إلى دمشق، وفي أثناء إقامته تعرض لنقمة الطاغية "أحمد جمال باشا" حاكم الشام، فاعتقل سنة (١٣٣٤ هـ، ١٩١٦ م)، وبعد الإفراج عنه عاد إلى إستانبول، وما كاد يستقر بها حتى أوفده أنور باشا مرة أخرى إلى ألمانيا
стр. 6219
سنة (١٣٣٤ هـ , ١٩١٦ م)، والتقى هناك بزعماء الحركات الإسلامية؛ من أمثال: عبد العزيز جاويش، وعبد الحميد سعيد، وأحمد فؤاد، ثم عاد إلى إستانبول، ومنها إلى دمشق؛ حيث عاد للتدريس بالمدرسة السلطانية، ودرّس لطلبته "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام النحوي المعروف، حتى إذا تعرضت الشام للاحتلال الفرنسي، اضطر الخضر الحسين إلى مغادرة دمشق، والتوجه صوب القاهرة.
* الاستقرار في القاهرة:
نزل محمد الخضر القاهرة سنة (١٣٣٩ هـ , ١٩٢٠ م)، واشتغل بالبحث وكتابة المقالات، ثم عمل محرراً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، واتصل بأعلام النهضة الإسلامية في مصر، وتوثقت علاقته بهم، ثم تجنّس المصرية، وتقدم لامتحان شهادة العالمية بالأزهر، وعُقدت له لجنة الامتحان برئاسة العلامة عبد المجيد اللبان، مع نخبة من علماء الأزهر الأفذاذ، وأبدى الطالب الشيخ من رسوخ القدم ما أدهش الممتحنين، وكانت اللجنة كلما تعمقت في الأسئلة، وجدت من الطالب عمقاً في الإجابة، وغزارة في العلم، وقوة في الحجة، فمنحته اللجنة شهادةَ العالمية، وبلغ من إعجاب رئيس اللجنة بالطالب العالم أن قال: "هذا بحر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج؟! ".
* معاركه الفكرية:
شاءت الأقدار أن تُمتحن الحياة الفكرية بفتنة ضارية أثارها كتابا: "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، و "في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكان الشيخ محمد الخضر حسين واحداً ممن خاضوا هذه المعركة بالحجة القوية، والاستدلال الواضح، والعلم الغزير.
стр. 6220
أما الكتاب الأول، فقد ظهر في سنة (١٣٤٤ هـ ,١٩٢٦ م)، وأثار ضجة كبيرة، وانبرت الأقلام بين هجوم عليه، ودفاع عنه، وقد صدم الكتاب الرأي العام المسلم حين زعم أن الإسلام ليس دين حكم، وأنكر وجوب قيام الخلافة الإسلامية، ونفى وجود دليل عليها من الكتاب والسنّة، وكانت الصدمة الثانية: أن يكون مؤلف هذا الكتاب عالماً من علماء الأزهر.
وقد نهض الشيخ محمد الخضر حسين لتفنيد دعاوى الكتاب، فأصدر كتابه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" سنة (١٣٤٤ هـ، ١٩٢٦) تتبع فيه أبواب كتاب علي عبد الرازق، فكان يبدأ بتلخيص الباب، ثم يورد الفقرة التي تعبر عن الفكرة موضوعِ النقد، فيفندها، ونقد استخدام المؤلف للمصادر، وكشف أنه يقتطع الجمل من سياقها، فتؤدي المعنى الذي يقصده هو، لا المعنى الذي يريد المؤلف.
وقد كشف الخضر الحسين في هذا الكتاب عن علم غزير، وإحاطة متمكنة بأصول الفقه، وقواعدِ الحجاج، وبصيرة نافذة بالتشريع الإسلامي، ومعرفة واسعة بالتاريخ الإسلامي ورجاله وحوادثه.
وأما الكتاب الآخر، فقد ظهر سنة (١٣٤٥ هـ , ١٩٢٧ م)، وأحدث ضجة هائلة؛ حيث جاهر مؤلفة الدكتور طه حسين بالاحتقار والشك في كل قديم دُوِّن في صحف الأدب، وزعم أن كل ما يُعد جاهلياً، إنما هو مختلَق ومنحول، ولم يكتف بهذه الفرية، فجاهر بالهجوم على المقدسات الدينية؛ حيث قال: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، ولكن هذا لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي ... "، وقد انبرت أقلام غيورة لتفنيد ما جاء في كتاب "الشعر الجاهلي" من أمثال: الرافعي،
стр. 6221
والغمراوي، ومحمد فريد وجدي، ومحمد الخضر حسين، الذي ألف كتاباً شافياً في الرد على طه حسين، وكتابه بعنوان: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، فَنَّدَ ما جاء فيه، وأقام الأدلة على أصالة الشعر الجاهلي، وكشفَ عن مجافاة طه حسين للحق، واعتماده على ما كتبه المستشرق الإنجليزي (مرجليوث)، دون أن يذكر ذلك.
* في ميادين الإصلاح:
اتجه الشيخ إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية، فاشترك مع جماعة من الغيورين على الإسلام سنة (١٣٤٦ هـ، ١٩٢٨ م) في إنشاء (جمعية الشبان المسلمين)، ووضع لائحتها الأولى مع صديقه محب الدين الخطيب، وقامت الجمعية بنشر مبادئ الإسلام، والدفاع عن قيمه الخالصة، ومحاربة الإلحاد العلمي، ولا تزال هذه الجمعية -بفروعها المختلفة- تؤدي بعضاً من رسالتها القديمة.
وأنشأ -أيضاً- (جمعية الهداية الإسلامية)، وكان نشاطها علمياً أكثر منه اجتماعيًا، وضمت عدداً من شيوخ الأزهر وشبابه، وطائفة من المثقفين، وكوّن بها مكتبة كبيرة كانت مكتبته الخاصة نواة لها، وأصدر مجلة باسمها كانت تحمل الروائع من التفسير والتشريع، واللغة والتاريخ.
وإلى جانب هذا النشاط الوافر تولى رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" -الأزهر الآن- التي أصدرها الأزهر في (المحرم ١٣٤٩ هـ , ١٩٣١ م)، ودامت رئاسته لها ثلاثة أعوام، كما تولى رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام" سنة (١٣٦٦ هـ، ١٩٤٦ م)، وتحمَّل إلى هذه الأعباء: التدريس بكلية أصول الدين، فالتف حوله الطلاب، وأفادوا من علمه الغزير، وثقافته الواسعة.
стр. 6222
وعندما أنشئ (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة (١٣٥٠ هـ , ١٩٣٢ م)، كان من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضويته، كما اختير عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وأثرى مجلة "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة ببحوثه القيمة عن صحة الاستشهاد بالحديث النبوي، والمجاز والنقل، وأثرهما في حياة اللغة العربية، وطرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدِها في البلاد العربية.
* مشيخة الأزهر:
نال الشيخ عضوية جماعة كبار العلماء برسالته القيمة "القياس في اللغة العربية" سنة (١٣٧٥ هـ، ١٩٥٥ م)، ثم لم يلبث أن وقع عليه الاختيار شيخاً للجامع الأزهر في (٢٦ ذي الحجة ١٣٧١ هـ، ١٦ سبتمبر ١٩٥٢ م)، وكان الاختيار مفاجئًا له، فلم يكن يتوقعه أو ينتظره بعدما أكبر في السن، وضعفت صحته، لكن مشيئة الله تكرم أحد المناضلين في ميادين الإصلاح؛ حيث اعتلى أكبرَ منصب ديني في العالم الإسلامي.
وكان في ذهن الشيخ حين ولي المنصب الكبير وسائلُ لبعث النهضة في مؤسسة الأزهر، وبرامج للإصلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك، ولم تساعده صحته على مغالبة العقبات، ئم لم يلبث أن قدم استقالته احتجاجاً على اندماج القضاء الشرعي في القضاء الأهلي، وكان من رأيه أن العكس هو الصحيح، فيجب اندماج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي؛ لأن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تكون المصدر الأساسي للتشريع، وكانت استقالته في (٢ جمادى الأول ١٣٧٢ هـ، ٧ يناير ١٩٥٤ م).
ويذكر له في أثناء توليه مشيخة الأزهر قولته: "إن الأزهر أمانة في عنقي، أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأتَّ أن يحصل للأزهر مزيدٌ من
стр. 6223
الازدهار على يدي، فلا أقلَّ من أن لا يحصل له نقص". وكان كثيراً ما يردد: "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز، وعلى الدنيا بعدها العفاء".
* مؤلفاته:
كان الشيخ عالماً، فقيهاً، لغوياً، أديباً، كاتباً من الرعيل الأول، أسهم في الحركة الفكرية بنصيب وافر، وترك للمكتبة العربية زاداً ثرياً من مؤلفاته، منها:
- "رسائل الإصلاح"، وهي في ثلاثة أجزاء، أبرز فيها منهجه في الدعوة الإسلامية، ووسائل النهوض بالعالم الإسلامي.
- "الخيال في الشعر العربي".
- "آداب الحرب في الإسلام".
- "تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي".
- ديوان شعر "خواطر الحياة".
بالإضافة إلى بحوث ومقالات نشرت في مجلة الأزهر "نور الإسلام"، و"لواء الإسلام"، و"الهداية الإسلامية".
* وفاته:
وبعد استقالته من المشيخة تفرغ للبحث والمحاضرة حتى لبى نداء ربه في مساء الأحد (١٣ من رجب ١٣٧٧ هـ , ٢٨ فبراير ١٩٥٨ م)، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، ونعاه العلامة محمد علي النجار بقوله: "إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره، إلا في النّدْرى؛ فقد كان عالماً ضليعاً بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصد الناس ومعاقد شؤونهم، حفيظًا على العروبة والدين، يردُّ على ما يوجَّه إليهما،
стр. 6224
وما يصدر من الأفكار منابذاً لهما، قوي الحجة، حسن الجدال، عفَّ اللسان والقلم ... ".
* من مصادر الدراسة:
- أنور الجندي: الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقية -الدار القومية للطباعة والنشر- القاهرة- (١٣٨٥ هـ، ١٩٦٥ م).
- علي عبد العظيم: مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن -مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية- القاهرة - (١٣٩٩ هـ , ١٩٧٩ م).
- محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين - دار القلم - دمشق - (١٤١٥ هـ، ١٩٩٥ م).
- محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عاماً - مطبوعات مجمع اللغة العربية - القاهرة - (١٤٠٦ هـ، ١٩٨٦ م).
- محمد علي النجار: كلمة في تأبين الشيخ محمد خضر حسين - محاضر جلسات مجمع اللغة العربية - الجزء الحادي والعشرون.
стр. 6225
العَلَّامة محمد الخضر الحسين (١)
* نسبه:
هو العالم، العلامة، اللاحق السابق، خاتمة العلماء المحققين، الشيخ محمد الخضر بن السيد حسين التونسي.
* ولادته:
ولد المترجم في بلدة "نفطة" من مقاطعة الجريد بالقطر التونسي سنة ألف ومئتين واثنين وتسعين، الموافق سنة ألف وثمان مئة وأربع وسبعين ميلادي.
* نشأته:
نشأ المترجم على الأخلاق الفاضلة، والفعال الجميلة، ولما بلغ الثانية عشرة من عمره، انتقل مع والده إلى عاصمة البلاد "تونس"، والتحق بجامع الزيتونة أرقى المعاهدِ الدينية في تلك البلاد، وحصل منه على الشهادة العالمية في العلوم الدينية والعربية.
* أعماله في بلاده:
تولى المترجَم القضاء الشرعي في مدينة "بنزرت" وملحقاتها سنة ألف وتسع مئة وخمس، ثم ترك القضاء رغبة في التعليم، فعيِّن مدرساً للدروس
стр. 6226
الدينية والعربية في جامع الزيتونة، كما تولى التدريس في المدرسة الصادقية.
وأنشأ مجلة تسمى: مجلة "السعادة العظمى"، وأغلقتها سلطات الاستعمار الفرنسي.
* هجرته إلى دمشق وأعماله فيها:
ولما حكم عليه بالإعدام؛ لاشتغاله بالسياسة، ودعوته إلى النضال ضد فرنسا، هاجر مع عائلته إلى دمشق، سنة ألف وثلاث مئة واحدى وثلاثين، واتصل بطبقاتها، فحصلت له المكانة عند الجميع. وتولى في دمشق التدريس في المدارس الرسمية، والأهلية، ثم عُين محرراً في ديوان وزارة الحربية التركية، وفي إبان الحرب العالمية الأولى سافر مرتين إلى ألمانيا بمهمة رسمية موفَداً من قبل أنور باشا وزير الحربية.
* اعتقاله في دمشق:
ولما رجع من مهمته قادماً من دمشق، اعتقله جمال باشا -فورَ وصوله- أشهراً بدمشق، بدون سبب ولا موجب، سوى منعه من التدريسة خشية أن يبث أفكاراً تنافي رغبة السفاح، ثم أفرج عنه.
* هجرته إلى مصر، وأعماله فيها:
وفي سنة ألف وتسع مئة واثنتين وعشرين ميلادية هاجر المترجم إلى القاهرة لاجئاً سياسياً؛ فراراً من ملاحقة الافرنسيين، ودخل فحص الشهادة العالمية الأزهرية، فاستحقها، ثم عين من قبل وزارة المعارف مصححاً بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، ثم رغب في التدريس، فعين مدرساً للفقه في كلية أصول الدين، ثم عين أستاذاً بأقسام التخصص في كليتي الشريعة وأصول الدين، وبقي مدرساً قريباً من عشرين سنة، كما عين عضواً في (المجمع
стр. 6227
اللغوي بالقاهرة، وقدم رسالته العلمية "القياس في اللغة العربية"، فنال بها عضوية هيئة كبار العلماء، وفي سنة ألف وتسع مئة واثنتين وخمسين اختير لمشيخة الأزهر.
* جهوده الدينية والاجتماعية:
وفي مدة إقامته في القاهرة، أنشأ (جمعية الهداية الإسلامية)، وأصدر مجلة تحمل نفس الاسم، واستلم تحرير مجلة "نور الإسلام"، كما استلم تحريرها حينما سميت: مجلة "الأزهر"، وترأس (جمعية جبهة الدفاع الإفريقي الشمالي).
* مؤلفاته:
له مؤلفات كثيرة ونافعة، منها: "رسائل الإصلاح"، ثلاثة أجزاء، "القياس في اللغة العربية"، وهو الذي نال به عضوية هيئة كبار العلماء، "الحرية في الإسلام"، "مناهج الشرف"، "الدعوة إلى الإصلاح"، "الخيال في الشعر العربي"، "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق، وكلها مطبوعة، وغير ذلك.
* وفاته:
توفي ﵀ عصر يوم الأحد الثاني عشر من شهر رجب سنة ألف وثلاث مئة وسبع وسبعين هجرية، الموافق اليوم الثاني من شهر شباط سنة ألف وتسع مئة وثمان وخمسين ميلادية، ودفن بتربة آل تيمور ﵀ رحمة واسعة- (١).
стр. 6228
إفريقيا الشمالية حديث لرئيس جبهة الدفاع عنها (١)
قال مندوب "الأهرام" فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين لمناسبة عودته إلى جبهة الدفاع عن إفريقية الشمالية. وقد تحدث فضيلته عن هذه الجبهة، فذكر أنها تتألف من تونسيين، وجزائريين، ومراكشيين درسوا قضية المغرب دراسة وافية، وآمنوا بأن نضالهم من أجلها إنما هو نضال عن حقوق خمسة وعشرين مليوناً من العرب المسلمين، ما زالوا يزدادون على مر الأيام حماسة لقضيتهم، وعزماً على تذليل كل ما يعترض سبيلهم من صعاب.
وهنا قال: إن الصلة بين الجبهة وأمانة جامعة الدول العربية وثيقة العرا، وقد ازدادت توثقاً بتصريحات سعادة عبد الرحمن عزام باشا، وبالقرار الذي أصدره مجلس الجامعة بشأن الاتجاه إلى تحرير المغرب من الاحتلال المزري بالكرامة والإنسانية.
وخلص من ذلك إلى الحديث عن البرنامج الوطني للجبهة، فذكر أنه يقوم على التماس جميع الوسائل التي تبعها الأحرار المناهضون لمكافحة أو نصرة حق. وقد عقدت الجبهة العزم على المضي في سبيل الوصول إلى غايتها الوطنية.
стр. 6229
التعريف والنقد دراسات قي العربية وتاريخها تأليف محمد الخضر حسين (١)
المدرسة القديمة في تلقي علوم الدين وعلوم اللغة العربية، التي كان يتربم فيها الشيخ على دكة، أو على الأرض، مستنداً إلى عمود في مسجد، أو غيرَ مستند، وأمامه حلقة من الطلاب يقرؤون عليه كتباً صفراء قديمة، وهو يشرح ويعلق ما يطيب له الشرح والتعليق؛ كمثل الكتب التي ذكر الأستاذ بهجة البيطار في مقدمة الكتاب الذي نحن بصدده: أنها الكتب التي كانوا يقرؤونها على أستاذهم الشيخ محمد الخضر حسين، وهي: "كتاب المستصفى في أصول الفقه" لحجة الإسلام الغزالي، وكتاب "بداية المجتهد" للفيلسوف ابن رشد في فن الخلاف، و"صحيح الإمام مسلم" في علم الحديث، و"المغني في العربية" لشيخ النحاة ابن هشام، و"الكامل في الأدب" للمبرد، هذه المدرسة القديمة أوشك أن يعفي عليها الزمن، ولم تستطع الجامعات الحديثة - بما فيها الجامعة الأزهرية - أن تكون الخلائف الصحيحة لها، وأن تقوم بوظيفتها.
تلك مشكلة خطيرة من مشكلات تكون العلماء والباحثين في علوم الدين وعلوم العربية، لسنا في مجال بحثها، ولكن ذكرني بها الكتاب القيم:
стр. 6230
"دراسات في العربية وتاريخها" للمغفور له محمد الخضر حسين. وقد جمع الأستاذ علي الرضا التونسي (١) في هذا الكتاب أبحاثاً طُبعت أول مرة في كتيبات منفردة، وهي: "القياس في اللغة العربية"، و "حياة اللغة العربية"، و"الإمتاع بما يتوقف تأنيثه على السماع"، وأخرى نُشرت في مجلة "الهداية الإسلامية"، وهي: "الاستشهاد بالحديث في اللغة"، و"موضوع علم النحو"، و"التضمين"، و"تيسير وضع مصطلحات الألوان"، و"طوق وضع المصطلحات"، و"حول تبسيط قواعد النحو والصرف والرد عليها".
وقد ذكر لي الأستاذ أحمد راتب النفاخ: أن هنا سقطاً (٢) في بحث القياس، وحين قرأته اختل بالفعل أمامي المعنى بين آخر صفحة (٣١)، وأول صفة (٣٢)، وحين رجعت إلى كتيب "القياس في اللغة العربية" (المطبوع في المطبعة السلفية سنة ١٣٥٣ هـ) وجدت أن أربعة أسطر قد سقطت هي: " ... أن يجري حذف "أن" المصدرية -كما ورد في الآية- مجرى ما يصح القياس عليه".
"وقرر جماعة من النحاة: أنه لا يجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بمعمول المضاف، من نحو: "ضربَ عمراً زيدٍ"، وقد ورد على نحو هذا المثال قوله تعالى في قراءة ابن عامر: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ".
стр. 6231
العلامة الشيخ محمد الخضر حسين الطولقي مشيخة الأزهر, وتأسيس أول مجلة بتونس (١)
(١٨٧٣ م - ١٩٥٨ م)
مما لا شك فيه: أن بلاد المغرب العربي، والجزائر بالخصوص، قد أنجبت الكثير من فطاحل الأعلام والعظماء في شتى الميادين، إلا أن أكثرهم، ولظروف عديدة، قد نبغ، وامتد عطاؤه في المشرق العربي أكثر منه في المغرب، ومن هؤلاء: العلامة الشيخ محمد الخضر حسين الطولقي.
وللأسف الشديد: أن جلّ المشارقة يعلمون أنه من عائلة جزائرية الأصل كانت تسكن منطقة "برج ابن عزّوز"، دائرة طولقة، ولاية بسكرة، إلا أنهم ولأسباب لا يُقرون بذلك!
وفي هذه الدراسة سوف نسلِّط بعض الأضواء واللمحات، حول شخصيته، ومسيرته العلمية، والإصلاحية، والفكرية، والأدبية، والصحفية، كما وجبت الإشارةُ إلى العراقيل التي اعترضت سبيلي في أثناء إعدادي لهذه الترجمة، وخاصة منها: قلة المراجع، وشُحُّها التي تطرقت إلى هذا العَلَم بالدراسة والتحليل، باستثناء بعض الإشارات المقتضبة والمتقطعة في ثنايا مؤلفاته للتعريف به، وكذا كتاب "محمد الخضر حسين الطولقي حياته وآثاره"
стр. 6232
للأستاذ محمد مواعدة الذي نال به درجة الكفاءة في البحث سنة ١٩٧٢ م بتونس، وقد اتخذته أساساً لهذه الدراسة.
* شيء من حياته:
ولد العلامة الشيخ محمد الخضر حسين بنفطة بتونس، في ٢١ جويلية ١٨٧٣ م الموافق لـ ٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ؛ كما أكد ذلك الأستاذ محمد مواعدة في كتابه، وقيل: سنة ١٨٧٤ م؛ كما في كتابه "القياس في اللغة العربية" الذي طبع -أيضاً- بالجزائر. وقد كان أبوه الحسين بن علي بن عمر من مريدي وأتباع الشيخ مصطفى بن عزوز، وصاحب الطريقة الرحمانية، وجدّ الشيخ محمد الخضر حسين من أمه، أما جده من الأب الشيخُ عليُّ بن عمر، فهو من العلماء الكبار، ومؤسس الزاوية العثمانية الرحمانية بطولقة في ١٧٨٠ م.
وفي ١٨٣٧ م هاجر الشيخ مصطفى بن عزوز بمعية عائلته وأتباعه ومريديه إلى "نفطة" بتونس؛ نتيجة للأوضاع المزرية التي تسبَّبَ فيها الاستعمار الفرنسي، وصحب معه ابنَ أخته الشيخ حسين بن علي بن عمر والدَ مترجَمنا الشيخ محمد الخضر حسين، أما خاله، فهو الشيخ العلامة محمد المكي بن عزوز، مفتي "نفطة"، والمدرس بجامع الزيتونة، ومدرس الحديث بمدرسة دار الفنون بالآستانة بتركيا، وقد توفي ودفن بها سنة ١٩١٥ م.
وفي هذا الجو العلمي، وببلدة "نفطة" موطن العلماء، والمركز العلمي الشهير بتونس، يترعرع شيخنا محمد الخضر حسين، وينهل من مَعينها، ويسعفه الحظ أن يتتلمذ على يد عدد من علمائها وشيوخها؛ حيث حفظ القرآن على يد مؤدبه الخاص الشيخ عبد الحفيظ اللموشي، ودرس بعض العلوم على يد خاله العلامة محمد المكي بن عزوز.
стр. 6233
يقول العلامة محمد الخضر حسين في ديوانه الشعري "خواطر الحياة": نشأت في بلدة من بلاد الجريد التونسي يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحاتٌ تهب في مجالس علمائها، كان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظم العشر. (من ديوانه الشعري "خواطر الحياة" (ص ٦).
وعند بلوغه الثانية عشرة، انتقلت عائلته إلى العاصمة تونس سنة ١٨٨٦ م، أين تمكن من مواصلة دروسه بجامع الزيتونة مع إخوته الأربعة، وقد كان -زيادةً على دروسه النظامية- يختلف إلى بعض الحلقات والمجالس، وأبرز الذين تاثر بهم هم الشيوخ: سالم بو حاجب، عمر بن الشيخ، محمد النجار، وقد أثنى عليهم في كثير من المناسبات والكتابات، وخاصة من خلال مجلة "الهداية الإسلامية".
وقد بقي شيخنا كذلك حتى تخرج في جامع الزيتونة، وتحصَّل على شهادة التطويع سنة ١٨٩٨ م، وقد حاول بعدها السفر إلى المشرق العربي؛ لطلب العلم، والاحتكاك ببعض العلماء والمصلحين، لكنه لم يتمكن من ذلك لأسباب مجهولة، برغم أنه وصل إلى ليبيا، ثم عاد أدراجه.
* رحلاته إلى الجزائر:
تمكن شيخنا من زيارة موطنه الأصلي الجزائر مرتين طوال حياته، وقد دَوَّن رحلته الثانية بالتفصيل في مجلة "السعادة العظمى" عددي ١٩/ ٢٠، وقد كانت الرحلة الأولى سنة ١٩٠٣ م، أما الثانية، فكانت سنة ١٩٠٤ م، اتصل من خلالها بعدد من العلماء والمصلحين الجزائريين؛ كالشيخ المصلح
стр. 6234
محمد بن أبي شنب، والعلامة الشهير عبد القادر المجاوي، وقد أخذ عن شيخنا: أنه لم يتطرق في وصفه لهاتين الرحلتين للأوضاع المزرية التي يعيشها بنو قومه في ظل الاستعمار الفرنسي الغاشم، وربما تناولها في كتابات أخرى تظل مجهولة.
* إصداره مجلة "السعادة العظمى" (١٩٠٤ م):
إضافة إلى الدروس التي كان الشيخ يلقيها بجامع الزيتونة والأماكن العامة، ظل يفكر في إيجاد وسيلة أخرى تكون أكثر شمولية، وفي متناول الجميع، فاهتدى إلى إصدار مجلة أطلق عليها اسم: "السعادة العظمى"، وذلك في أفريل ١٩٥٤ م، وهي أول مجلة عربية صدرت بتونس، وقد كانت نصف شهرية، صدر منها ٢١ عدداً، ثم انقطعت عن الصدور، وقد كان الشيخ يُعِدُّ بنفسه مادتها الإعلامية، ولهذا عُدَّت تأليفاً من تآليفه، وقد واجهتها العديدُ من العقبات، حتى إن بعض المغرضين طلب من السلطات التونسية توقيفها، وقد رفض الوزير التونسي -آنذاك- محمد العزيز بو عتّور توقيفها، قائلاً: "إن ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع ولا القانون"، فآزره ثلة من العلماء والمصلحين، ووقفوا بجانبه في هذه المحنة.
* رحلته إلى سورية (١٩١٢ - ١٩٢٠ م):
لم ينقطع شوق الشيخ إلى زيارة المشرق العربي إلى أن تمكن من ذلك سنة ١٩١٢ م؛ حيث سافر إلى سورية ماراً بمصر؛ حيث التقى بالشيخ محمد رشيد رضا، ومنها إلى الحجاز، وألبانيا، والآستانة، ثم استقر به المقام بدمشق، وقد ابتهج به علماء دمشق، وفرحوا بقدومه؛ لأن شهرته وصلت إليهم من خلال مؤلفاته؛ كـ: "الحرية في الإسلام"، و"الدعوة إلى
стр. 6235
الإصلاح"، و"حياة اللغة العربية"، كما اتصل بالعديد من العلماء؛ كالشيوخ: يوسف النبهاني، وسعيد الجزائري.
وفي أثناء مقامه بدمشق ساهم في بعث الحركة الإصلاحية، والثقافية، والإعلامية؛ من خلال دروسه بالمدرسة السلطانية، والجامع الأموي، ومقالاته ومجالساته.
كما عُرف عنه الميل إلى تأييد الخلافة العثمانية، ويرغم ذلك، فقد اتهمه الأتراك بالثورة عليهم، فسجن، ولما حوكم، ثبتت براءته، بعدها عيّن منشئاً عربياً بوزارة الحربية العثمانية.
وفي سنة ١٩١٩ م تأسس (المجمع العلمي العربي) بدمشق، فعين العلامة محمد الخضر حسين عضواً عاملاً به.
* رحلته إلى مصر:
بعد احتلال سورية من طرف الاستعمار الفرنسي سنة ١٩٢٠ م إثرَ معركة ميسلون الشهيرة، قرر شيخنا الرحيل إلى مصر، وهي الفترة التي عَرف فيها الشيخ الاستقرار والشهرة العلمية وقيمة العطاء، وفي أثناء مكوثه بمصر سقطت الخلافة العثمانية سنة ١٩٢٤ م على يد كمال أتاتورك، فثارت ضجة كبرى في العالم الإسلامي بين المؤيدين للإلغاء، والمعارضين له، وكان علي عبد الرازق أبرز المؤيدين؛ حيث أصدر كتابه الشهير: "الإسلام وأصول الحكم" سنة ١٩٢٥ م نافياً من خلاله صلة الإسلام بالسياسة، وفصل الدين عن الدولة، فانبرى له شيخنا العلامة محمد الخضر حسين بالرد عليه من خلال كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، نال بعده حظوة عظيمة بين العلماء، وحتى لدى الملك المصري فؤاد، وفي سنة ١٩٢٦ م ألف الدكتور طه حسين كتابه