لقد مضى حين من الدهر على مرسى "بنزرت" الجميلة المنيعة، كانت تعد مع الأخريات، فلما أتاح لها حكم القدر أن يعتني بها المعتنون، فتكون من أشهر المراسي الحربية على ساحل البحر المتوسط، وأن تصبح كما هيّأتها الخِلقة من المملكة التونسية على صورة العين من رأس الفتاة العربية (١). استدعت نباهتها السياسية إصلاح حالها المدنية، وابتدأت بإصلاح قضويتها؛ لأن القاضي هو سوط عدل الله يرفع على الظالمين؛ حتى يُصلح الناس أجمعين.
وعسى أن يقوم من شذى الثناء على صديقنا في تلكم الأصقاع، ما تفاخر به بقية البقاع، فتهرع كلها تطلبه إلى وظائفها وتنصاع.
أريد أن أختم قولي، فألتمس منك أيها الصديق المخلص، أن تتقبل مني أبيات أملاها عليّ الضمير، على بُعد ما بيني وبين الشعر:
قسماً بإحساس المودَّة بيننا ... أكَّدتُ في ملأ من الأحباب
لَسرورُ ساعات تذكِّر أُنْسَكُم ... في النفس أحلى من نَوال طِلاب
والآن قُدِّر أن يشطّ مزارُنا ... حتى يعوَّض جمعُنا بكتاب
ولتلك في قلب الصديق حزازةٌ ... ما هي دون نوافذ النشّاب
لكنَّ للعدل المضيَّع دعوة ... تقضي علينا بامتثال جواب
فاهنأ بهذا الارتقاء وكُن به ... مَثَلَ الفضيلة مظهرَ الإعجاب
стр. 6302
وإليك أيها الصديق تحية طيبة، تصحبونها معكم؛ لتذكركم وداداً لا يفنى وإن طال الزمان، وتفارقت الأبدان (١).
(توقيع الإمام محمد الطاهر بن عاشور)
стр. 6303
الملحق (١)
ينتظر السادة الحاضرون ما سألقيه على هذا البساط من العبارات في تهنئة صديق الجميع بولايته خطبة القضاء.
وبودي لو تستنزل الدراري، فأنظمها في جِيْدِ مديحه عقداً، أو تكون لي قدرة على تجسيم ألفاظ الهناء، وترصيعها بالجواهر واليواقيت. أو في الأقل أكون ذا براعة في صوغ البيان، واستجلاء عرائسه البديعة للعيان، حتى أظهر من المعاني الشعرية ما يكون لها التسلط على شعور الشاعر وذوق الأديب.
أقول هذا, ولا أرى محيصاً عن إظهار ما يضمه الفؤاد من صور المسرّة، وما ترسمه فيه من أشكال الانشراح.
فإن أحسن ليالي أيامي، هاته الليلة التي وقفت بها أمام صديقي هذا مهمماً له بهاته الخطة الشريفة، بعد أن ترقبناها من الزمان، ورجوناه تغيير رسوم أخلاقه الموقوفة على الشح والبخل.
стр. 6304
ورجائي منك أيها الصديق، أن تغفر زلاته، وتغلب الآن حسناته على سيئاته، وتتقبل من ودودكم الهنا، فقد نيل المنى (١).
стр. 6305
التهاني التدريسية (١)
الشاعر صالح السويسي القيرواني
أنعم ببشرى بها طير الهنا صدحا ... والقلب من طرب قد صار منشرحا
أنعم بخطة تدريس بها ابتهجت ... نفس الذي عن طريق الحق ما برحا
قد حازها (الخضر) الراقي بهمته ... صرح المعالي بحزم للسما نطحا
يا (ابن الحسين) رعاك الله من رجل ... عنه الثناءكمسك في الورى نفحا
أنلتَ كلَّ صديق من ولايتكم ... كأس المسرة حتى قلبه طفحا
لله درك من فرد به بزغت ... شمس العلوم ومن إيمانه رجحا
والمرء إن حسنت منه سريرته ... نال الكمال وحاز الخير والمنحا
فاهنأ بخطة علم أنت بهجتها ... واسعد بفضلك ما زند النُّهى قدحا
стр. 6306
تهنئة الأدباء (١)
محمد الطاهر بن العربي النفطي
جميل التهاني في جليل الرغائب ... لعمرك عن مثلي من إحدى الضرائب
ويجدر بي أن لا أرى متغاضيًا ... متى اهتزت الأعطاف من كل جانب
ليجري نفسي فوق طرسي محبّراً ... ويهتف لُسْني في إقامة واجب
وأشدو برنّات الثنا وضروبه ... لكي أجعل الأذواق صيد مطالبي
كما اصطادها ذاك الهمام وقد غدا ... به مُيَّلَ الأكوار وفدُ المناصب
توزع ذكراً عند بادٍ وحاضرٍ ... فبين أنوفٍ نشره وذنايب
أهنيكم (يا ابن الحسين) بما تلى ... وإن لم أكن فذاً فلي أجر صائب
وقلت أهنيكم وإن كنت مخطياً ... حذارك أن تعتدّها من مثالبي
стр. 6307
وإلا صواب القول أهني وظيفكم ... بكم وأهالي الجامع المتطارب
على أنني أهني الأنام بأسرهم ... خصوصاً بني الآداب زهر المراكب
وذلك لما أعربت أن بيننا ... لواء التساوي مستحث الكتائب
رعى الله أعلاماً رعوا حرمة لِما ا ... دّخرت فمازوك امتياز الأقارب
أما سمعوا استدلالك الصبح واضحاً ... وقولك صبحاً كاشفاً عن غرائب
وليس ذوو التمييز غيرهم وإن ... يجزهم فمن أهل الحجا في المغارب
وما أنت إلا فوق ما أمّلوا بها ... وهل بخسوا يوماً حقوقاً لطالب
نهضت مكبّاً للمعالي مزاحماً ... وذاك بأطراف النهي لا المناكب
وعزّزت مجد الجَدِّ بالجِدِّ سالكاً ... حُزون الثنايا معضلات العواقب
وما زال هذا دأبك الدهر دائماً ... إلى أن خفضت النجم غب نواصب
فتِي خطّة أمَّتك عن وجا ... ألمَّ بها من قبل تثقيف ثاقب
أتتك تجر الذيل معلقة بما ... يليها بُعَيدٌ عند نشر الذوائب
تطوَّلْ عليها بالقبول وجلِّها ... كأبهى مهاة حليها بالترائب
بدرسك للآداب درساً مشرفاً ... لنا عن بسيط وافر متقارب
فنأتيك منها والعِياب مجفَّف ... ونرجع من مغذاك بجر الحقائب
فلولاك لم ندرِ المبرّد كاملاً ... ولولاك لم يونق يتيم الثعالبي
ومن مفصحٌ عن ثعلب وفصيحه ... إذا أنت لم تبد الصفي لصاحب
وهل أنسوا من مؤنس أو تقلدوا ... قلائد عقيان وحنّوا لراغب
وإني أرى لابن الحسين مواقفاً ... يسلمها لابن الحسين كواهب
متى ردَّ طرفاً في لآلئ نظمكم ... يعضُّ بناناً حيث فاه بعائب
стр. 6308
رحلة مفتي القيروان الشيخ محمد الجودي (١)
وكان ممن اجتمعت به بالشام: الأخ العزيز الفاضل، العالم العامل، الشيخ سيدي الإمام محمد الخضر بن الحسين، كان من المدرسين بجامع الزيتونة، وهاجر إلى الشام، ورتب بمدرسة أسست لمدة نحو شهر، وجعل له في المرتب ما يساوي مئة وسبعين فرنكاً، وهي مدرسة تشتمل على عشرة أقسام، تزاول حفظ القرآن العظيم، والعلوم الشرعية والطبيعة.
وكان من المعلمين بها أخوه الشيخ زين العابدين، له في المرتب ما يساوي مئة وثلاثين فرنكاً.
وقد زرناها، فوجدناها في غاية الاتساع والانتظام، وبوسط صحنها خصة وحوض كبير، وهو يتدفق ماء، وبيوتها علوية وسفلية، وبوسط الصحن
стр. 6309
جنينة مغروسة أشجاراً، يتنزه بها التلامذة عند خروجهم للراحة.
واجتمعنا بمديرها، واسمه محمد كامل القصاب، وهو رجل في غاية الرياضة واللطافة، وله معارف جمة على الطراز الحديث، فتلقانا بأحسن الملاقاة، وفرح بنا كثيراً، وقدم لنا القهوة.
وكان ممن اجتمعنا به مع الشيخ الأخضر، إخوته: الشيخ الجنيد، والشيخ العروسي، وأخوهم الشيخ المكي معلم بالمدرسة العثمانية الدمشقية، والشيخ حسونة ابن أخيهم، وزرنا هاته المدرسة صحبة الشيخ العروسي، وتلقانا مديرها بالترحاب والإكرام، وعرفنا، وفرح بنا فرحاً شديداً، وهو الشيخ محمد كامل القصاب، رأسها السيد محمد كامل القصاب، ومديرها أحمد جودت المارديني، وأستاذ العلوم الدينية السيد محمد الحمصي، ومدرس الأخلاق الشيخ إبراهيم رمضان، وأستاذ القرآن اثنان هما: الشيخ محمد الحلواني، عبد القادر السرداني، وأستاذ العلوم العربية سليم أفندي الجندي، ومحمد أفندي البزم، ومحمد المكي بن الحسين التونسي أخ الشيخ الأخضر، وأستاذ الرياضية عبد الغني أفندي المحملجي، وكذا الطبيعيات، وأستاذ الرياضية واللغة الفرنساوية درويش أفندي القصاص، أستاذ التاريخ توفيق بك البساط، اللغة الفرنساوية مصطفى أفندي كاظم، والجغرافية واللغة العثمانية الأمير فايز الشهابي، حسن الخط والرسم موسى أفندي الشلبي، وسليم أفندي الحنفي، والتركية والفقه محمد أحنف الحقفي، والأعداد والحساب أفندي الحمصي، ومبادئ القراءة والكتابة توفيق أفندي، وأستاذ الرياضة البدنية وناظر المدرسة رضا أفندي الحلو.
وعرض علينا أربعة من أصغر التلامذة، لا يتجاوز سن الواحد سبعة
стр. 6310
أعوام، وناولني مصحفاً، وقال: عين لهم مكاناً يقرؤون منه، ففتحت المصحف، فأول ما رأيت: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨﴾ فناولته أحدهم، فقرأ قراءة تدبر مع حسن أداء، وإعطاء مخارج الحروف حقها، ثم سئل عن معاني الألفاظ، فأجاب بأحسن جواب، ثم سئل عن معاد الضمائر وإعراب الكلمات، فأجاب كذلك، لم يتلعثم في جوابه، ثم وقف أحدهم، وسرد قصيدة المعري التي منها:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل
مع إشارة حسية بيده، وإعراب لكل ما سئل عنه من الأبيات، وبيان المعاني؛ بحيث أني شاهدت ما يبهر العقل من الأجوية الحاضرة على صغر السنن" ثم أذن لهم بالذهاب، فقاموا بآداب، وودعونا، وخرجوا.
ثم دعا أربعاً من قسم أعلى منهم، فأتوا بما هو أرقى، وكانت القراءة في المصحف من قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] , فبينوا، وأعربوا، وفسروا المعاني بأحسن تفسير، ثم سئلوا عن الجغرافية، فأجابوا عن القطر المصري والأفريقي ومن احتله، ومن جملة ما ذكر عن تونس: أن جميع الدول صادقت على الاستعمار، إلا الدولة العثمانية فلم تصادق.
ثم سئلوا: هل يمكن للإسلام عود شبابه؟ فأجابوا: نعم، يعود باتباع ما جاء به الشرع، والاتحاد، فسئل عن الدليل، فأجاب بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ثم قام أحدهم، وسرد قصيدة حماسية، تبعث النفوس على الشهامة وعلو الهمة، ثم أذن لهم بالانصراف بعد أن سقاهم المدير القهوة، وخرجوا بالآداب كالأول. واستأذنا بالخروج، وقام المدير مشيعاً لنا لباب المدرسة.
стр. 6311
وأخبرنا الشيخ الخضر -لما أعلمناه بما ذكر- بأن ما وقع من إكرامنا لم يقع لغيرنا، وأن عادته إذا أتى أكبر كبير، يذهب معه للأقسام، ويقول له: سل عما شئت، ولا يعرض للوافد، ولا يشيعه، وكان ذلك في يوم الأحد المذكور.
وفيه زرنا العلامة النحرير، فريد عصره الشيخ بدر الدين، عالم البلد بدار الحديث، التي كان بها الإِمام النووي وغيره، وهي مدرسة كبرى، فوجدنا الشيخ ببيت منها، وهو رجل مسن عليه علامة الصلاح، وحوله كتب، وهو يتدفق علماً، فسأل سي العربي بسيس عن أحوال المسلمين مع الدولة الحامية، فأجابه بأن الشعائر مقامة على أحسن ما يكون، وأنهم أحسن من غيرهم في الدول الأجنبية، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم قال: روينا بالسند إلى رسول الله ﷺ : "الحب في الله، والبغض في الله من الإيمان"، ثم سألته أن يجيزني، فأجابني إلى ذلك.
واستدعانا الشيخ الخضر للعشاء بداره، وحضر معنا إخوته وابن أخيه، وذكر لنا أنه لما ذهب إلى المدينة المنورة في رمضان، أنشأ قصيدة في مدح النبي ﷺ ، ووعدني بإعطاء نسخة منها، وذكر أنها نشرت بالجرائد الشرقية، والتمستها منه ليسلم لي الجريدة التي فيها. وجرت بيننا مذاكرات أدبية، وأنشدنا بيتين، ذكر أن رجلاً أتى إلى صلاح الدين الأيوبي بمروحة، وقال له: هذه هدية لم ينلها أحد من أسلافك، ولا من الملوك، فغضب صلاح الدين، فقال له: اقرأ ما بها، فإذا بها منقوش:
أنا من نخلة تجاور قبراً ... ساد من فيه سائرَ الناس طرّا
стр. 6312
شملتني سعادة القبر حتى ... صرت في راحة ابن أيوب أُقرا
فسرّ بذلك، وأجازه.
وذكر أن الشيخ سالم بوحاجب قرأ بين يدي الملك الناصر بأي تونس "فتح المتعال في مدح النعال" للمقري، وكان بخط الشيخ سيدي إبراهيم الرياحي، فأنشأ بيتين على هذا المثال لم يستحضر إلا الثاني، وهو:
شملتني سعادة الخط حتى ... صرت في كف ناصر الدين أُقرا
وقد اجتمعت بمجلس مولانا العالم سيدي محمد أمين السفرجلاني بمسجد السنجقدار بتلامذته الأفاضل ذوي الأخلاق الحسنة الطيبة: سيدي الحاج محمود رمضان الدمشقي، وسيدي الحاج محمد الشرايبي، وسيدي الحاج علي بن سعيد حافز، والسيد رسلان الرفاعي، وسيدي كمال بن مصطفى الإِمام، والشيخ إبراهيم بن مصطفى العطري.
وفي يوم الاثنين من ٢٢ صفر، زرنا مقام القطب الغوث سيدي محيي الدين، ورأينا بتابوته بيتين:
قبر محيي الدين ابن العربي ... كل من لاذ به أو زاره
قضيت حاجاته من بعدما ... غفر الله له أوزاره
وبأركان القبة الأربع:
إنما الحاتمي في الكون فرد ... وهو غوثٌ وسيدٌ وإمام
إن سألتم متى توفي حميداً ... قلت أرخ (مات قطب همام)
مولده سنة ٥٦٠ - وفاته سنة ٦٣٨
وبلصق ضريحه شريح ابنه سيدي عماد الدين جوفيه، وجوفيه ضريح
стр. 6313
ابنه الآخر سيدي سعد الدين. وتوفي هذا الثاني المجاهد عبد القادر بن محيي الدين وعلى قبره:
لله أفق صار مشرق دارتي ... قمرين هلا من ديار المغرب
الشيخ محيي الدين ختم الأوليا ... قمر الفتوحات الفريد المشرب
والفذ عبد القادر الحسني الأمير ... قمر المواقف ذا الولى ابن النبي
من نال من أعلى رفيق أرخوا ... (أزكى مقامات الشهود الأقرب)
في ١٩ رجب سنة ١٣٠٠ هـ
وكان الذي بالمقام السيد محمد سليم الأكرمي الدمشقي، وابن عمه الشيخ مصطفى، وبعد زيارتنا للشيخ محيي الدين، زرنا ضريح الشيخ عبد الغني النابلسي، وهو بيت لطيف فيه قبره، وقبليه بيت صغير به قبر ابن ابنه سيدي مصطفى النابلسي، وأبو مصطفى إسماعيل بن الشيخ عبد الغني، والبيتان بوسطه مسجد جامع خطبه.
وبعد زياراتنا للمقامات المذكورة، توجهت مع الفاضل الكامل سيدي العروسي بن الحسين لحضرة الأستاذ سيدي بدر الدين، واستلمنا منه الإجازة التي وعدنا بها، ووجدناه يقرئ في "مختصر السعد على التلخيص" في مذهب الاستعارة بالكتاب على مذهب الجمهور، والسكاكي، بأحسن تقرير مع رياضة تامة. وكان من الحاضرين بدرسه الشيخ عبد الرحمن (١) ..
стр. 6314
نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم " (١)
منذ عام تقريباً ظهر في عالم المطبوعات كتاب، كان لما تضمنه واشتمل عليه من آراء ونظريات، له مظهر فاتن، وباطن مظلم، فانخدعت بالمظهر عقول، ونفذت إلى الباطن عقول، فاحتدم الجدل، وثارت عاصفة وعاصفة، إحداهما تناقش الكتاب من الوجهة الدينية، والأخرى تحاسب المؤلف من الوجهة السياسية.
واشتدت العاصفتان حتى ألقت إحداهما مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" خارج زمرة العلماء، واقتلعت الثانية بعض الوزراء من كراسيهم اقتلاعًاا، تلاه حرمان الشيخ علي عبد الرازق مؤلف الكتاب من مركزه في القضاء الشرعي.
وليس عجيباً أن يثير هذا الكتاب مثل هاتين العاصفتين، ففي اسمه ما يدل على خطورة موضوعه، وعلى أن مؤلفه قد تعرض للخلافة، وللخلافة في نظر العالم الإِسلامي وغير العالم الإِسلامي أهمية عظيمة، ومكانة خطيرة؛ لأنها تمثل معنى الحكومة التي تقود المسلمين وتسوسهم، ولأنها المجمع
стр. 6315
الذي تجتمع حوله قلوب المسلمين على اختلاف مشاريهم، وتباين جنسياتهم، والمصدر الذي تصدر منه بواعث حركتهم، ودواعي سكوتهم.
على أن مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" وقد تعرض لهذا الموضوع الخطير بصفمَه عالماً من علماء الإِسلام، وقاضياً من قضاة المحاكم الشرعية في مصر، لم يتجه في مباحثه الاتجاه الذي كان يجب أن يتجه فيه مؤلف اجتمع له مثل هاتين الصفتين الإسلاميتين، ولم يبن آراءه ونظرياته التي قصد إلى إذاعتها وترويجها بتأليف هذا الكتاب على أدلة تشهد بأنه درس العلوم الإسلامية، وتشبّع بمبادئها، وفهم أغراضها ومراميها، وأدرك حقيقة المصالح والثمرات التي يستفيدها الناس بالعمل بها، والسير على منوالها، بل كان اتجاهه في مباحثه اتجاه رجل يخالف المسلمين في عواطفهم وميولهم، وكانت الأدلة التي أقام عليها آراءه ونظرياته أدلة رجل لم يدرس العلوم الإِسلامية، ولم يدرك أسرارها, ولم يتشبع بمبادئها، وإنما هو رجل مهوّش أراد أن يستثمر ماله من صفة دينية في سبيل نشر مبادئ وآراء لا تقبلها العلوم الإسلامية، ولا ترضاها العقول السليمة، ولا تؤيدها أدلة صحيحة، فكأنما كان كل همه أن ينتزع من النفوس يقينها واطمئنانها، ويحل محلهما الشك والاضطراب.
ولسنا نتهم الرجل بسوء النية، وفساد الطوية، ولكنا نظن أنه كان يقرأ للعلماء الأجانب أكثر مما يقرأ للعلماء المسلمين، وان ذلك قد أثر في نفسه حتى خضعت لآراء الأجانب، واعتادت تلقيها بالقبول دون موازنة بينها وبين الآراء الإسلامية، وتمييز ما فيها من طيب وخبيث، وكان من أثر ذلك أن ضعفت الآراء الإسلامية في نظره، وانحطت قيمتها، وانطفأ نور أدلتها، والعقول مهما
стр. 6316
رجحت، فلن تسلم من خطأ، والنفوس مهما قويت، فلن تبرأ من ضعف. وفوق ذلك، فإن موضوع كتابه من الموضوعات المتروكة التي يجهلها أكثر الناس، والتي لا يكاد يستطيع البحث فيها بحثاً علمياً صحيحاً إلا أفراد قليلون من علماء المسلمين ... كل هذه العوامل مجتمعة هي التي أثرت في مؤلف كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، فحملته على أن يخرج للناس كتابه الذي أثار ما أثار من عواصف شديدة، وجدل عنيف.
على أن لكتاب "الإسلام وأصول الحكم" فائدة عظيمة لم نكن لنحصل عليها لولا صدوره، ولم يكن ليستفيد منها كثير من الناس لو لم يثر ما أثار من عواصف وجدال.
تلك هي تحرك العلماء إلى البحث في هذه الموضوع، والكتابة فيه، مبينين وجه الحق والصواب، كل بقدر ما وسعه طوقه، وأحاط به علمه. فقد بقيت الصحف المصرية عدة شهور تنشر الفصول الممتعة، والمقالات الضافية في هذا الموضوع، والناس يقرؤونها باهتمام عظيم، ورغبة صادقة.
ولكن هذه الفصول والمقالات التي كانت تنشرها الصحف، لم تكن خالصة للبحث العلمي البريء الذي يهدم الشكوك، ويزيح عن وجه الحق سحب الغموض والإبهام، بل كانت مشحونة بما أثارته كهرباء الغضب والحنق التي استولت على أكثر الكاتبين؛ مما حطّ من قيمة هذه المقالات، وذهب برونقها، وأضعف من فائدتها.
لذلك بقي أكثر الناس يعتقدون أن كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لا يزال قائماً يبث الشكوك والأوهام في النفوس والعقول، حتى ظهر كتاب "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" الذي ألفه فضيلة الأستاذ (السيد محمد
стр. 6317
الخضر حسين) أحد مدرسي جامع الزيتونة، وأحد قضاة المحاكم الشرعية بتونس سابقاً.
فقد تناول هذا الكتاب نقض ما جاء في "كتاب الإسلام وأصول الحكم" مما يخالف المبادئ الإسلامية، ويحود عنها، بطريقة تدل على رسوخ قدم الأستاذ السيد محمد الخضر في العلوم الإسلامية والعربية، وتضلعه منها تضلعًا يجعله في صفوف كبار العلماء الباحثين الذين يعرفون كيف يصلون بالقارئ إلى الحق الناصع في رفق وسهولة، دون أن يرهقوا ذهنه، أو يحرجوا صدره.
فأدلة ناصعة، ولغة بينة، وقصد في التعبير في غير غموض أو إبهام، وأدب صريح، وخلق متين، يدل على أن صاحبه ممن تأدبوا بالأدب الإسلامي، وتشبعوا به، وفهموا معنى قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. ثم حسن ترتيب وتنسيق في المناقشة وسوق الأدلة، لا يدع في نفس القارئ مجالاً للشك، ولا يترك شبهة تتردد في صدره دون أن يقضي عليها قضاء نهائياً.
كل ذلك في تواضع العالم الصادق النظر، النزيه الغرض، الذي لا يقصد من بحثه وجدله إلا إحقاق الحق، وإزهاق الباطل.
ونريد أن نأتي لك بمقدمة كتاب "نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم"؛ لتقوم عنا بإرشادك بعضَ الشيء إلى قيمة الكتاب، ومقدرة مؤلفة الفاضل، فقد نشعر بالعجز عن إيفائه حقه من المدح والتقريظ. قال:
"وقع في يدي كتاب (الإسلام وأصول الحكم) للشيخ علي عبد الرازق، فأخذت أقرؤه قراءة من يتغاضى عن صغائر الهفوات، ويدرأ تزييف الأقوال
стр. 6318
بالشبهات. وكنت أمر في صحائفه الأولى على كلمات ترمز إلى غير هدى، فأقول: إن في اللغة كناية ومجازًا، ومعميات وألغازاً، ولعلها شغفته حباً حتى تخطى بها المقامات الأدبية، إلى المباحث العلمية، وما نشبت أن جعل المعاني الجامحة عن سواء السبيل تبرح عن خفاء، وتناديها قوانين المنطق فلا تعبأ بالنداء. وكنت -بالرغم من كثرة بوارحها- أصبّر نفسي على حسن الظن بمصنفها، وأرجو أن يكون الغرض الذي جاهد في سبيله عشر سنين حكمة بالغة، وإن خانه النظر فأخطأ مقدماتها الصادقة. وما برحت أنتقل من حقيقة وضّاءة ينكرها، إلى مزية مجاهد خطير يكتمها، حتى أشرف على خاتمته، وبرزت نتائجه، وهي أشبه بمقدماته من الماء بالماء، أو الغراب بالغراب.
فوَّق المؤلف سهامه في هذا الكتاب إلى أغراض شتى، والتوى به البحث من غرض إلى آخر، حتى جحد الخلافة، وأنكر حقيقتها، وتخطى هذا الحد إلى الخوض في صلة الحكومة بالإسلام، وبعد أن ألقى حبالاً وعصيًّا من التشكيك والمغالطات، زعم أن النبي ﵇ ما كان يدعو إلى دولة سياسية، وأن القضاء وغيره من وظائف الحكم، ومراكز الدولة ليست من الدين في شيء، وإنها هي خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها. ومسَّ في غضون البحث أصولاً لو صدق عليها ظنه، لأصبحت النفوس المطمئنة بحكمة الإسلام وآدابه مزلزلة العقيدة، مضطربة العنان.
كنا نسمع بعض مزاعم هذا الكتاب. من طائفة لم يتفقهوا في الدين، ولم يحكموا مذاهب السياسة خبرة، فلا نقيم لها وزناً, ولا نحرك لمناقشتها قلماً، إذ يكفي في ردها على عقبها صدورها من نفر يرون الحط في الأهواء
стр. 6319
حرية، والركض وراء كل جديد كياسة.
كنا نسمع هذه المزاعم، فلا نزيد أن نُعرض عمن يلفظون بها، حتى يخوضوا في حديث غيرها. أما اليوم، وقد سرت عدواها إلى قلم رجل ينتمي للأزهر الشريف، ويتبوأ في المحاكم الشرعية مقعداً، فلا جرم أن نسوقها إلى مشهد الأنظار المستقلة، ونضعها بين يدي الحجة، وللحجة قضاء لا يستأخر، وسلطان لا يحابى، ولا يستكين.
لا أقصد في هذه الصحف إلى أن أعجم الكتاب جملة، وأغمز كل ما ألاقي فيه من عوج؛ فإن كثيراً من آرائه تحدثك عن نفسها اليقين، ثم تضع عنقها في يدك، دون أن تعتصم بسند، أو تستتر بشبهة، وإنما أقصد إلى مناقشته في بعض آراء يتبرأ منها الدين الحنيف، وأخرى يتذمر عليه من أجلها التاريخ الصحيح. ومتى أميط اللثام عن وجه الصواب في هذه المباحث الدينية التاريخية، بقي الكتاب ألفاظاً لا تعبر عن معنى، ومقدمات لا تتصل بنتيجة.
والكتاب مرتب على ثلاثة كتب، وكل كتاب يحتوي على ثلاثة أبواب، وموضوع الكتاب الأول: (الخلافة والإسلام)، وموضوع الكتاب الثاني: (الحكومة والإسلام)، وموضوع الكتاب الثالث: (الخلافة والحكومة في التاريخ).
وطريقتنا في النقض: أن نضع في صدر كل كتاب ملخص ما تناوله المؤلف من أمهات المباحث، ثم نعود إلى ما نراه مستحقاً للمناقشة من دعوى أو شبهة، فنحكي ألفاظه بعينها، ونتبعها بما يزيح لبسها، أو يحل لغزها، أو يجتثها عن منبتها، وتخيرنا هذا الأسلوب؛ لتكون هذه الصحف قائمة بنفسها،
стр. 6320
ويسهل على القارئ تحقيق البحث، وفهم ما تدور عليه المناقشة، ولو لم تكن بين يديه نسخة من هذا الكتاب المطروح على بساط النقد والمناظرة".
لا شك أن القارئ بعد أن اطلع على هذه المقدمة، قد أدرك شيئاً من قيمة الكتاب الذي نحدثه عنه، وعرف أنه كتاب يحوي بين دفتيه من المباحث الخطيرة، والموضوعات الهامة، ما لا يتيسر لكثير من العلماء الوصول إليها رغم البحث الطويل، والجهاد المستمر، وأنه ليس كتاباً دينياً فقط لا يهم إلا المشتغلين بالمسائل الدينية، بل هو كتاب يحتاج إليه أكثر متعلمينا أشد احتياج، لا سيما المشتغلون منهم بالمسائل العامة، بل نقول: إن المشتغلين بالمسائل العامة والقانونية أحوجُ الناس إلى دراسة هذا الكتاب، والانتفاع بما جاء فيه في أكثر مسائلنا الخطيرة؛ كمسألة وجوب نصب الخليفة بناء على القاعدة الشرعية الثابتة التي تقول: "الضرر يزال"، وكمسألة معرفة المسلمين لعلوم السياسة، وكمسألة النظام الملكي، وهل هو ينافي الحرية والعدل؟ ومسألة شكل حكومة الخلافة، ومسألة القضاء في الإسلام في العهد النبوي وبعده، ومسألة أن النبي ﷺ كان رسولاً، وكان رئيساً سياسياً أيضاً، ومسألة الاجتهاد في الشريعة وشرائطه، والشريعة الإسلامية وإدارة البوليس، والتشريع الإسلامي والزراعة والتجارة والصنائع، والتشريع الإِسلامي والأصول السياسية والقوانين ... إلى غير ذلك من المسائل المهمة التي ينبغي لكل مشتغل بالمسائل العامة أن يدرسها دراسة جيدة، وقد أوفاها الأستاذ الجليل الشيخ الخضر حقها من البيان والتفصيل، بما امتاز به من تعمق ورسوخ في العلوم الإسلامية، مع معرفة وافية بالآراء الغربية المختلفة فيما يجب أن يكون عليه نظام الحكم في الأمم ليكون أضمن للحرية والعدل.
стр. 6321
السيد محمد الخضر حسين (١)
تجنس السيد محمد الخضر حسين التونسي بالجنسية المصرية، والسيد الخضر من أشراف تونس، وقد اشتهر أهله بالفضل والعلم والدين.
وجدّه لأمه محمد بن عزوز، أخذ طريقة الشيخ الحفني الكبير شيخ الطريقة الخلوتية، عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري تلميذ الشيخ الحفني، وعنه أخذ جده لأبيه الشيخ علي بن عمر، فكان خليفة هذه الطريقة في المغرب.
ولد السيد الخضر بمدينة "نفطة"، وحفظ القرآن الكريم صغيراً، ثم انتقل مع والده إلى مدينة تونس، ودرس في جامع الزيتونة، ونال شهادة العالمية (٢) وهو في الرابعة والعشرين من سني حياته، ثم سافر إلى طرابلس الغرب، وعاد إلى تونس، وأنشأ مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية دينية ظهرت في تلك البلاد. فأقبل عليها العلماء، ونشّطه أهل الفضل،
стр. 6322
وفي مقدمتهم الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور، والشيخ سالم بوحاجب.
ثم قُلِّد القضاء في مدينة "بنزرت"، والخطابة والتدريس في جامعها الكبير. ولم يكتف بعمله الرسمي، بل عمد إلى إلقاء المحاضرات العامة.
وضاق ذرعاً بقيود الوظيفة الرسمية وأصفادها، فاستعفى، وعاد إلى تونس متبرعًا لإلقاء الدروس في المعهد الزيتوني، وقدر ولاة الأمر خدمته، وشريف مقصده، فعينوه مدرساً رسمياً في معهد "الزيتونة"، وعضواً في ترتيب مكتبته، ومدرساً في المدرسة الصادقية، وعهدت إليه الجمعية الخلدونية في إلقاء محاضرات على طلبتها في آداب اللغة العربية. ولما قامت الحرب الطرابلسية، نظم عدة قصائد في الحث على معاونة الطرابلسيين كان لها أحسن وقع في القلوب، وبسط الأكف، ثم سافرت أسرته إلى دمشق، فلحق بها، وقضى بالقاهرة ثلاثة أيام، فألقى في الأزهر درساً في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فأدرك السامعون مقامه وفضله، وتابع سفره إلى دمشق، ثم قَصد الآستانة في أيام الحرب البلقانية، وزار مكتباتها ومعاهدها العلمية، وتعرف إلى علمائها وآدابها، وعاد إلى تونس مدرساً ومحاضراً، ثم قصد المدينة المنورة، فإستنبول، فدمشق مدرساً للفلسفة والآداب العربية في المدرسة السلطانية.
وقضى أيام الحرب العظمى متنقلاً بين برلين وإستنبول ودمشق. ففي برلين تعرّف إلى كبار العلماء المستشرقين، وزعماء الحركة المصرية، وفي مقدمتهم المرحومون الشيخ عبد العزيز جاويش، ومحمد فريد، وإسماعيل لبيب. وفي إستنبول عين في قسم المباحث السياسية بوزارة الحربية، فواعظاً
стр. 6323
في مسجد (الفاتح). وفي الشام وشى به بعضهم وشاية سياسية إلى جمال باشا، فاعتقله ستة أشهر و ١٤ يوماً، ثم ظهرت براءته فأفرج عنه.
ثم نزل مصر، ومع تحاميه الإعلان عن نفسه، فإن عارفي فضله ونبله أحلّوه المحل اللائق بكرامته، وانتدب للعمل خمسة أعوام في دار الكتب المصرية، فانتهز الفرصة، وألقى على بعض الكتب القديمة نظرات دقيقة، واستخرج منها ما لم يفقه إليه أحد قبله، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية، فنال شهادتها بتفوق.
وللسيد الخضر مؤلفات جمّة، منها: حياة اللغة العربية - الخيال في الشعر العربي- الدعوة إلى الإصلاح - مدارك الشريعة الإِسلامية - نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم" - وشرح وجيز على كتاب "الموافقات" للشاطبي - نقض كتاب "في الشعر الجاهلي" - تعليقات على "شرح القصائد العشر" للتبريزي ... إلخ.
وكانت له اليد الطولى في إنشاء "جمعية الشبان المسلمين" بالقاهرة، وأنشأ "جمعية الهداية الإسلامية" ويتولى تحرير مجلتها، وإدارة شؤونها، ويرأس الآن تحرير مجلة "نور الإسلام" الأزهرية، ويدرّس في كلية أصول الدين بقسم التخصص.
ولا جدال في أن تجنيس السيد الخضر بالجنسية المصرية غنم لمصر، وجوهرة يزدان بها تاج علماء الدين.
стр. 6324
إلى العلامة الجليل السيد محمد الخضر حسين بمناسبة سفره إلى الأقطار الحجازية (١)
محمد صادق عرنوس
سافرْ إلى الحجِّ ميموناً بك السفرُ ... واقْضِ المناسكَ مزهواً بكَ الحجرُ
جاهدتَ في الله فانزِلْ في ضيافتِه ... لك المثوبةُ والإكبارُ والظفرُ
إن الصفا مذ نويتَ الحجَّ مغتبطٌ ... لزَوْرة العالم الرِّبِّيِّ منتظرُ
وهلْ رأى منذ حين في مواسمِه ... كموسم حجَّ فيه السيدُ الخَضِرُ
هذا النحيفُ المغالي في تواضعِه ... به الحنيفيةُ البيضاء تفتخر
كم ذاد عنها أعاديها بمفرده ... في موقفٌ تتحاشى مثله الزُّمَرُ
فلم تصب منهمُ يوماً بكارثةٍ ... إلا وكان له في دفعها أثرُ
كأنه ديدبانٌ في حراستِها ... هيهات يثنيه عن إنقاذها وَطَرُ
إقرأ له الردَّ بعد الردِّ يرسلُه ... على العدا أين منه الصّارِمُ الذَّكَرُ
في قابي لم يطُفْ هجزٌ بساحته ... لكنّه من صميم الحقِّ منحدرُ
стр. 6325
في مهبطِ الوحي سلْ عن دائناً فئةً ... نامت وطالَ بنا في المحنة السهر
ألم يعد ثم في إنقاذنا أملٌ ... هل انطفا نورُه واستفحلَ الخطرُ
قلْ للحجيجِ إذا وافيتهم بمِنى ... قولاً له وقعه فالحجُّ مؤتمرُ
هنا انبثاق الهدى يا قومُ فاتّعِظوا ... ومهبطُ الروح بالتَّنزيلِ فاعْتبروا
يا أيّها الناسُ دينُ الله مُنتَهكٌ ... أينَ الكتابُ وأين الآيُ والسُّوَرُ
اللفظُ باقٍ ومعناهُ الكريمُ مضى ... والروحُ إنْ فُقِدَتْ ما تَنفعُ الصُّوَرُ
غوصوا على دُرَّه المكنونِ والتمسوا ... منه الشفاء ففيه الوِرْد والصَّدَرُ
يا للعجائب ظمأى والحيا معكم ... لو شئتم انهلَّ عذباً ما به كدرُ
موقوفة عودة العزّ القديم على ... أن يعمل العقل في التنزيل والبَصَرُ
إذا غدا عادةً فيكم مؤثلة ... تقلص الذل عنكم وانجلى الضررُ
стр. 6326
الترحيب بالإمام محمد الخضر حسين بمناسبة عودته من أداء فريضة الحج (١)
محمد عبد العظيم الزرقاني
الحمد لله على سابغ نعمته، والصلاة والسلام على مظهر رحمته، سيدنا محمد وآله وصحابته.
أيها السادة!
قد علّمنا الحق فيما علّم، أن نحتفل بسلامة الهداة من عباده، ونجاة المصلحين من خلقه، وأقرب شاهد نضربه به مثلاً لذلك: هو هذه الليلة الغراء، ويومها الأغر (يوم عاشوراء) المبارك، الذي اعتبره الإسلام موسماً يتقرب فيه الخلق إلى الخالق، احتفاء بفوز طائفة من رسله، وشكراً على نجاة فئة من أنبيائه، في الأمس البعيد المتغلغل في أحشاء الماضي، قد تجلت عناية
стр. 6327
الكريم لبعض خاصته من خلقه، وأمنائه على رسله، فنجّاهم، وكتب لهم السلامة والفوز، ووافق ذلك يوم عاشوراء.
وفي هذا اليوم الحاضر الجديد، الذي يرفّ من الجدة، تتجلى العناية الإلهية لرجل من رجالات الإصلاح والجهاد، بل تتجلى هذه العناية الربانية لجمعية الهداية الإسلامية في شخص رئيسها الموقر، وأوبته إليها سالماً غانماً، ويصادف ذلك اليوم أيضاً يوم عاشوراء، فما أسعده يوماً يعيد التاريخ فيه نفسه، ويعتز فيه الحق وأهل الحق قديمًا وحديثا، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨﴾ [وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
نعم، إن هذه أول ليلة من ليالي محاضرات الجمعية بعد عودة عميدها إليها من الأقطار الحجازية المباركة، تصحبه سلامة السلام، وترعاه عناية الحق، وتترادف عليه أنوار الحج الأكبر، وينفح من لدنه أريج المصطفى ﷺ .
وحقّ للجمعية أن تتخذ هذه الليلة عيداً تتبادل فيه آيات التهاني والتبريك، وتظهر معالم الفرح والبهجة، وتنشر أعلام السرور والغبطة، وتشكر مولي النعم على هذه النعمة؛ فإن الأستاذ يتبوأ من الجمعية مكان الرأس من الجسد، والنور من العين، والروح من البدن، وأي سرور يعدل سرور الجسم يعود إليه رأسه، والعين يردّ إليها نورها، والبدن تبعث فيه روحه.! لك اللهم من الحمد ما يفوق كل حمد، ومن الشكر أضعاف كل شكر، سبحانك لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
أي وربي! إن الأستاذ الخضر لنفحة من نفحات الحق في هذا العصر، جاد به الجواد على هذا العالم العقيم، فأحيا به من موات الإسلام، وجدّد
стр. 6328
بعزمه من شباب الدين، ونضر بأخلاقه من وجه الفضيلة، ورفع بنبوغه من منار العلم، وجبر بهمته من كسر الشرق وأهل الشرق ... فإذا نحن رحبنا به، فإنما نرحب بلسان الإسلام والدين، والفضيلة والعلم، والشرق والشرقيين. أطال الله في أيامه، وزاد في همته، وأكثر في المسلمين من أمثاله، وضاعف في الأمة من نفعه.
أيها السادة!
إن جمعية الهداية الإسلامية تشكر لكم هذا الشعور الفياض الذي دفعكم إلى مشاركتها هذا السرور، ومبادلتها هذه التهاني، ومشاطرتها ذلك الترحيب، نسأله -وهو الجواد الكريم- أن يهيئ لكل منا عهداً قريباً يتمتع فيه بما تمتع الأستاذ من حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر النبي ﷺ ، وأن يؤيد الإسلام والمسلمين بروح من لدنه، ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] , والسلام عليكم ورحمة الله.
стр. 6329
محاضرة الأستاذ الخضر بن حسين (١)
في مساء يوم الجمعة الفائت، سمعنا (بالراديو) من مصر صوت أستاذنا
стр. 6330
العزيز العلامة النحرير الشيخ الخضر بن حسين -كما نعهده- ذلاقة وفصاحة، لم تغير فيه لهجة المصريين وقلبهم لحروف المعجم.
وقد فتن الناس بسماع ذلك الصوت الذي حرموا سماعه عشرات السنين. وكان موضوع حديثه "الشعر التونسي في القديم والحديث".
فتكلم جنابه على الشعراء، وذكر من شعرهم، وبيّن أن نقد الشعر وفلسفة الأدب أول من ضرب في فنهما سهم أدباء تونس والقيروان والمهدية، وغيرها من بلدان المملكة التونسية؛ كابن رشيق، وغيره في القديم.
ويوجد الآن شبيبة ناهضة، ضربت في جميع فنون الشعر والتثر، ويلغت فيهما الكمال، وإذا عدَّ الشعراء والكتّاب في العالم، فيحتلون المراكز الأولى، ويوضعون في أول الصفوف، وإن ذلك الشبل من ذلك الأسد، ومن يشابه أباه فما ظلم.
هذا خلاصة ما سمعناه من الأستاذ الخضر بن الحسين يلقيه على مسامعنا من مصر بمعناه.
وإن السرور لعمَّ البلاد، وللشيخ أصدقاء وتلامذة وأقارب وأحباب كثيرون، يودون رؤيته وسماع حديثه العذب.
وها نحن نسمع كلامه ولا نراه، متعنا الله برؤية وجهه الكريم، وجمعنا الله به في أبرك الساعات.
стр. 6331
مصنفات الأستاذ السيد محمد الخضر حسين
العلامة محمد بهجة البيطار (١)
١ - "رسائل الإصلاح"، الجزء الأول:
هي مقالاتٌ نافعة، بل أصول جامعة في الإصلاح العام، تشتمل على نحو خمس وعشرين رسالة أو مقالة في ضروب من الإصلاح الديني والمدني، وقد قسمها أربعة أقسام كما جاء في مقدمتها:
١ - قسم الأخلاق والاجتماعيات.
٢ - قسم المباحث الدينية من أصول الدين وأصول الفقه، والأحكام العملية.
٣ - قسم السيرة النبوية وتراجم الرجال والبحوث التاريخية.
٤ - قسم مباحث اللغة وصناعة الأدب.
وأكثر رسائل هذا الجزء الأول من القسم الأول -أي: الأخلاق والواجبات-، ومن مباحثه الطريفة التي عالجها الأستاذ: التعليم الديني في مدارس الحكومة، العلماء والإصلاح، أصول سعادة الأمة، الغيرة على الحقائق والمصالح، الشجاعة وأثرها في عظمة الأمم، الانحراف عن الدين علله وآثاره ودواؤه، ضلالة فصل الدين عن السياسة، الرِّفق بالحيوان، محاكاة المسلمين للأجانب، علة إعراض الشبان عن الزواج، النبوغ في العلوم والفنون.
стр. 6332
٢ - (محمد رسول الله وخاتم النبيين):
هذه شذرات من السيرة النبوية، بيّن فيها الأستاذ حال العرب قبل الإسلام، ونشأته ﵊، ودلائل نبوته، والقرآن الكريم وإعجازه، وبشارات الرسل بنبينا، ومعجزاته ﷺ ، وعموم رسالته، ودوام شريعته، وختم النبوة به، وخلقه وآدابه، واجتهاده في عبادة ربه، ثم ختمها بفصل في أثر دعوته في إصلاح العالم. وقد ذكر في طليعة الرسالة ما دعاه إلى تأليفها بقول: "ما أراه في تلك الصحف- صحف الطاعنين في الإسلام - من زور وبهتان، ثم ما أذاعته الصحف من قصص محاولة تلك الطائفة لتنصير بعض الفتيان والفتيات".
٣ - "آداب الحرب في الإسلام":
وهذه الرسالة جمعت فصولاً في نظام الحرب وآدابه في الإسلام، بينت منشأها، والاستعداد لها، والتدريب عليها، وإعلانها، والشعار فيها، وتعهد الجند بالموعظة. ومن محاسن ما جاء فيها أيضاً: أثر الاستقامة في الحرب، والشورى فيها، والرِّفق بالجند، ومجاملة رسل العدو، وعدم التعرض لهم بأذى، وتجنب قتل من لا يقاتل، وحسن معاملة الأسرى، وختمها بأبواب منها: (عقد الصلح) إذا جنح له العدو. من تدبر هذه الرسالة النافعة علم أن الحرب في الإسلام ليست للقهر والاستعباد، بل لدفع الاعتداء والظلم، ونشر لواء الحق والعدل، وقد كان الخلفاء العظام يوصون قوادهم بأن لا يقطعوا شجراً، ولا يفسدوا ثمراً، ولا يقتلوا شيخاً ولا امرأة ولا طفلاً، ولا يُجهِزوا على جريح، ولا يعتدوا على من كف عن الحرب، وأين منها الحروب التي تستخدم أفتك الآلات الحديثة لتدمير المدن، وتعذيب أهلها الآمنين؟!.
стр. 6333
٤ - "القياس في اللغة العربية":
أورد المؤلف لهذا الكتاب مقدمات في فضل اللغة العربية، ومسايرتها للعلوم والمدنية، وحالها في الجاهلية، وارتقائها في الإسلام، وجعله إياها لغة للشعوب، وبحث في وجه الحاجة إلى إنشاء مجمع لغوي ليرفع لواء اللغة العربية في الشرق والغرب، ثم بعد أن مهد المؤلف تمهيداً بين فيه حاجتنا إلى القياس في اللغة، عقد فصلاً ممتعاً تحت عنوان: أنواع القياس، وما الذي نريد من بحثه في هذه المقالات، استهله بقوله: تجري كلمة القياس عند البحث في معاني الألفاظ العربية وأحكامها، فترد على أربعة وجوه:
١ - حمل العرب أنفسهم لبعض الكلمات على أخرى، وإعطاؤها حكمها لوجه يجمع بينهما.
٢ - أن يعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً، فتعدي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة، ومثال هذا اسم (الخمر) عند من يراه معتصراً خاصة.
٣ - إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير والنسب والجمع.
٤ - إعطاء الكلمة حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه؛ كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث. ثم قال- بعد أن بسط القول في هذه الأقيسة الأربعة التي أوردنا منها ما يدل عليها -: وهذا النوع من القياس، والذي قبله-أي: الثالث والرابع- هما موقع النظر، ومجال البحث في هذه
стр. 6334
المقالات، واخترت للفرق بينهما التعبير عن الأول بالقياس الأصلي، وعن الثاني بقياس التمثيل، وقد ذكر في القياس الأصلي ما يحتج به في تقرير أصول اللغة ومفرداتها، وألقى في القياس في صيغ الكلم واشتقاقها - نظرة على المصادر والأفعال ومشتقاتها؛ كاسمي الفاعل والمفعول، وأفعل التفضيل.
وقد استشهد بكلام المحققين على الاحتجاج بالكتاب العزيز، وفصل القول في القياس على الحديث الشريف، ثم عقد فصلاً مهماً في الاشتقاق من أسماء الأعيان، وتصرفِ العرب فيها، وأخذهم منها أفعالاً في أوزان مختلفة، وأسماء فاعلين ومفعولين. وذكر منها اشتقاق الفعل من أسماء الأعيان؛ لإصابتها أو إمالتها، (قلت: لعله: أو إنالتها -بالنون- كما ذكره من بعد، ومثل بنحو: شحمه ولحمه: أطعمه ذلك. ص ٦٩).
وجاء بعده فصلٌ عنوانه: ما هو الاستقراء الذي قامت عليه أصول الاشتقاق؟ وقد حقق فيه أن الأفعال والمصادر التي لم يسمع لها فروع في الاشتقاق على نوعين:
منها: ما لم يتصرفوا فيه على كثيرة وروده في محاوراتهم ومخاطباتهم مثل: ويل وويح ونعم ويذر وما يماثلها، فيجب أن تبقى على هيئتها بدون اشتقاق منها، ولا أدنى تصرف فيها.
ومنها: ما لا يكثر في مخاطباتهم حتى يستفاد من وروده بهيئة واحدة أنهم قصدوا إلى ترك تصريفه، فيصح لنا أن نجري قاعدة الاشتقاق في هذا النوع، وإن لم ندر أن العرب تصرفوا فيه على هذا الوجه من الاشتقاق؛ كاشتقاق فعل واسم فاعل مما سمع مصدره، أو إحداث مصدر لفعل مسموع -مثلاً-.
ثم أنشأ فصولاً قصيرة وغير قصيرة في أنواع الأقيسة الكثيرة؛ كأقيسة
стр. 6335
التمثيل، والشبه، والعلة، وأقسام علة القياس، وأقسام قياس العلة، وشرط صحة قياس التمثيل، ومباحث مشتركة بين القياس الأصلي والقياس التمثيلي، والقياس في الاتصال، وفي الترتيب، والفصل والحذف، ومواقف الإعراب، والعوامل، وشرط العمل والقياس في الأعلام. ثم ختم الكتاب باقتراح الأستاذ المغربي في الكلمات غير القاموسية، وجوابه على هذا الاقتراح.
وقد بحث الأستاذ في هذه الفصول جميعها بحث الناظر المستقل المستدل، فبين في كل منها ما يقبل وما يرد، وما يقاس عليه وما لا يقاس، ومذهبه وسط بين المعجميين الذين يجمدون على السماع فيهما يمكن إجراء القياس فيه لاستيفاء شروطه، وبين من يفتاتون على اللغة، فيشتقون من عندهم أقيسة لا تستند إلى نصوص لغوية، ولا قواعد عربية من صرفية أو نحوية.
ومن هذه الرسالة يعلم أن المعاجم اللغوية وحدها لا تفيد معرفة الأسس التي ينبني عليها القياس الصحيح من غيره؛ لأنها لم توضع لذلك، بل لا بد من الجمع بين معرفة النصوص ودراسة القواعد والأصول، التي تشتق منها الفروع، وتجري على مقتضاها الأحكام.
стр. 6336
في طريق القاهرة (١) مع الأستاذ الخضر حسين
في مقهى قريب من الأزهر، قابلت زميل الدراسة الأخ إسماعيل بن شعبان، الذي كان موجوداً بالقاهرة، وأبديت له رغبتي في الاتصال بالشيخ محمد الخضر حسين العلامة التونسي الذي رفع اسم تونس بربوع أرض الكنانة عِلماً وعملاً، والمدرس بقسم التخصص بالجامعة الأزهرية، والعضو بهيئة كبار العلماء، ورئيس "جمعية الهداية الإسلامية".
فابتسم الأخ إسماعيل، وقال: اجلس، فأنا على موعد مع شيخنا هذه اللحظة.
وقدم الشيخ، وقُدِّمْتُ إليه، فصافحني بحرارة، وكان فرحه بوجودي عظيماً لأمور ثلاثة حسبما صرّح لي بذلك:
أولاً: لأنني تونسي زيتوني.
وثانياً: لأني أنتسب إلى المرازيق الحي العربي الذي عرفه الأستاذ في أيام شبابه.
وثالثاً: لأني أعمل مع أعز أصدقائه السيد الشاذلي القسطلي
стр. 6337
مدير جريدة "النهضة".
وانتقلنا إلى بيت الأخ إسماعيل بنزل الأزهر، وهناك انطلق الأستاذ الخضر يتحدث عن تونس في حرارة الابن المخلص البار.
شيخ جاوز السبعين، أو لعله شارف الثمانين، نحيل الجسم، معروق الوجه، يحمل نظارتين على عينيه، لم يكد يشرع في الحديث عن بلاده تونس حتى ارتفع صوته شيئاً ما حاملاً في نبراته حرارة الذكرى.
وتحدث عن أيامه بالزيتونة طالباً ومدرساً، وعن شيوخه، وعن تلاميذه، وعن كتب التعليم وأساليب الدراسة، ولكنه لا يريد أن يعلق بشيء عن حركة الطلبة الأخيرة.
ويذكر أصدقاءه من العلماء، وفي مقدمتهم سماحة الإمام الشيخ سيدي الطاهر بن عاشور، وعن أصدقائه من رجال السياسة والصحافة، وفي مقدمتهم حضرة مديرنا السيد الشاذلي القسطلي، وينتقل الأستاذ الخضر من هنا إلى السؤال عن صديقه القسطلي، وعن أعماله بالبلدية، وحدثته عن ذلك كله بما فيه الكفاية، فابتسم وقال: لقد عرفته من أيام الشباب رجلاً عملياً متحركاً، واعتقدت، ولست بمخطئ في اعتقادي: أنه أخلص العاملين لفائدة بلادهم، وأن في استطاعته أن يعمل كثيراً، وأن يصنع ما يعجز عنه غيره.
وحاولت استدراج الأستاذ بلباقة إلى الحديث عن السياسة، وعن الأحزاب الوطنية؛ لأستطلع رأيه، فلم أسمع منه إلا كلمة واحدة في معرض الحديث عن صديقه القسطلي، وهي قوله: إنه يعمل ما يعجز عنه (الغلاة)، ومن كلمة (الغلاة) عرفت رأي الأستاذ، فلم أحاول الدخول معه في حديث من هذا النوع.
стр. 6338
في سبيل الله والوطن شيخ الأزهر الجديد
محمد عبد الله السمان (١)
ما تعودت أن أشارك الكتّاب في اصطناع الكتابة عن شيوخ الأزهر، كما احتلّ أحدهم كرسي رياسته، أو نحّي عنه؛ لأن الأزهر منذ أعوام طوال وهو في محنة قاسية، صنعها بأيديهم أبناؤه، والبكاؤون على مستقبله زوراً وبهتاناً، ومرت هذه المحنة القاسية بالأزهر، ولم يزد خلافاً على كونه ميداناً للمهازل التي يتعفف القلم عن ذكرها، ومجالاً للصخب والجلبة والغوغاء، ولعن الله المناصب؛ فقد كانت سبب محنة الأزهر، وكادت تخرجه عن هيبته ووقاره.
أصر كبار رجال الأزهر على أن يقلّدوا الزعماء السياسيين، فخلقوا بين جدران الأزهر أحزاباً متنافرة متشاحنة، وأصبح لكل منهم أشياع وأتباع يسيرون في ركبه، ويهتفون له في كل مناسبة، أو في غير مناسبة، وينتصرون لآرائه واتجاهاته وتصريحاته، حين يرى رأياً، أو يتجه إلى اتجاه، أو يصرح بتصريح، وهؤلاء الأشياع والأتباع يثبتون وجودهم وإخلاصهم لزعيمهم
стр. 6339
كلما خلا كرسي المشيخة؛ فإنهم يشمرون عن سواعدهم ليدعوا له، وينشرون الأكاذيب، ويصنعون التهم والأباطيل التي تشوه سمعة منافسه، ويكتبون مطالبهم إلى الجهات المسؤولة، منها ما يرفع صاحبهم إلى القمة، ومنها ما يهبط بمنافسه إلى الحضيض، ولجأ كبار رجال الأزهر لتأكيد هذه الزعامة الجوفاء إلى كسب عواطف الأساتذة والطلبة، حتى بوسائل غير مشروعة.
ولعل مهزلة (الصعيدي والبحراوي) التي كانت تمثل على مسرح الأزهر لم يزل صداها يدوي في آذاننا إلى اليوم، وأما الدماء التي سالت فوق أرض الأزهر من جرائها، فلم تزل آثارها إلى اليوم، وما كنا نملك إلا أن نضحك - وشر البلية ما يضحك- على هذا الحصن الذي تهدف رسالته إلى إيجاد الوحدة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وقد عجز عن أن يوجدها بين جدرانه.
وفي سبيل المنصب باع البعض من كبار رجال الأزهر ضمائرهم، ولعلنا لم ننسَ بعد تلك البرقية المسهبة التي أرسلها شيخ كان مرشحاً لمشيخة الأزهر إلى الملك الخليع في "دوفيل" يتمنى له طيب الإقامة وسط رقصات الأكتاف، وهزات البطون من الساقطات اللاهيات، ولعلنا لم ننس أشباح العمائم الضخام وهي في ميناء الإسكندرية تودع هذا الملك الساقط، أو تستقبله حين كان يرحل ويعود.
وحدثت وثبة الجيش المباركة، ولم يكن هدفها سوى التطهير، وكان لا بد أن تشمل حركة التطهير هذه الأزهر (المعمور)، ولم تستطع هيبة الأزهر ولا وقاره أن يحولا دون ذلك؛ لأن هيبة الأزهر ووقاره قد تخليا عن أبناء الأزهر، وبقيا في البنيان الشامخ وحده، ووثبة التحرير لم يكن يلائمها لمشيخة
стр. 6340
الأزهر إلا شيخ لا تجريح في سمعته، ولا تشويه في صفحته، ليس صعيدياً ولا بحراوياً، حتى لا تكون هناك فتنة، وليس من ورائه أشياع أو أتباع يهرجون، حتى لا تكون هناك مهزلة، وليس راغباً في المنصب حتى يظل للمنصب الكريم هيبته، وليس زاهداً في ذرة من كرامته حتى تظل كرامة الأزهر في إطار من الذهب الخالص، محوطة بالإجلال والوقار، وأعتقد أن ولاة الأمور ما تعبوا في شيء تعبهم في العثور على شيخ للأزهر تكتمل فيه هذه الصفات، كما أعتقد أن إخلاصهم للأزهر هو الذي وفقهم إلى اختيار هذا الشيخ الجديد الذي تتوفر فيه كل هذه الصفات.
والشيخ الجديد -فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين- عالم جليل، لم يعترف إلا بالنسبة الإسلامية، فقد جاهد في مسقط رأسه من أجل الإسلام ووطنه، حتى أوشك حبل المشنقة أن يضرب حول عنقه، وجاهد في مصر والشام وغيرهما من أجل العروبة والإسلام، وجاهد في بلاد أوربا بقلمه ولسانه داعياً للإسلام وأمته.
والشيخ الجديد ليس من خلفه أشياع ولا أتباع حتى يهرجوا له؛ لأن وقاره يسمو به عن أن يتخذ من حوله أشياعاً أو أتباعاً، ولأن اعتزازه بنفسه يربآن عن اتخاذ هؤلاء الأشياع والأتباع.
والشيخ الجديد ليس راغباً في المنصب، ولا في المظهر؛ لأن مكانته العلمية والأدبية أغنته عن كل هذا؛ فقد ظل السنوات الطوال منعزلاً في حدود عمله، وهو أستاذ في كلية أصول الدين، وعضو هيئة كبار العلماء، وعضو مجمع فؤاد للغة العربية، ورئيس جمعية الهداية الإسلامية، ورئيس تحرير مجلات: الأزهر، ولواء الإسلام، والهداية الإسلامية، ولا أعتقد أن الشخصية