← Джавами‘

Джавами‘ · id 14579

موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين

محمد الخضر حسين

Полный текст (7 266 стр.). Показаны 6336–6375 · переход к 6341.

стр. 6336

في طريق القاهرة (١) مع الأستاذ الخضر حسين في مقهى قريب من الأزهر، قابلت زميل الدراسة الأخ إسماعيل بن شعبان، الذي كان موجوداً بالقاهرة، وأبديت له رغبتي في الاتصال بالشيخ محمد الخضر حسين العلامة التونسي الذي رفع اسم تونس بربوع أرض الكنانة عِلماً وعملاً، والمدرس بقسم التخصص بالجامعة الأزهرية، والعضو بهيئة كبار العلماء، ورئيس "جمعية الهداية الإسلامية". فابتسم الأخ إسماعيل، وقال: اجلس، فأنا على موعد مع شيخنا هذه اللحظة. وقدم الشيخ، وقُدِّمْتُ إليه، فصافحني بحرارة، وكان فرحه بوجودي عظيماً لأمور ثلاثة حسبما صرّح لي بذلك: أولاً: لأنني تونسي زيتوني. وثانياً: لأني أنتسب إلى المرازيق الحي العربي الذي عرفه الأستاذ في أيام شبابه. وثالثاً: لأني أعمل مع أعز أصدقائه السيد الشاذلي القسطلي

стр. 6337

مدير جريدة "النهضة". وانتقلنا إلى بيت الأخ إسماعيل بنزل الأزهر، وهناك انطلق الأستاذ الخضر يتحدث عن تونس في حرارة الابن المخلص البار. شيخ جاوز السبعين، أو لعله شارف الثمانين، نحيل الجسم، معروق الوجه، يحمل نظارتين على عينيه، لم يكد يشرع في الحديث عن بلاده تونس حتى ارتفع صوته شيئاً ما حاملاً في نبراته حرارة الذكرى. وتحدث عن أيامه بالزيتونة طالباً ومدرساً، وعن شيوخه، وعن تلاميذه، وعن كتب التعليم وأساليب الدراسة، ولكنه لا يريد أن يعلق بشيء عن حركة الطلبة الأخيرة. ويذكر أصدقاءه من العلماء، وفي مقدمتهم سماحة الإمام الشيخ سيدي الطاهر بن عاشور، وعن أصدقائه من رجال السياسة والصحافة، وفي مقدمتهم حضرة مديرنا السيد الشاذلي القسطلي، وينتقل الأستاذ الخضر من هنا إلى السؤال عن صديقه القسطلي، وعن أعماله بالبلدية، وحدثته عن ذلك كله بما فيه الكفاية، فابتسم وقال: لقد عرفته من أيام الشباب رجلاً عملياً متحركاً، واعتقدت، ولست بمخطئ في اعتقادي: أنه أخلص العاملين لفائدة بلادهم، وأن في استطاعته أن يعمل كثيراً، وأن يصنع ما يعجز عنه غيره. وحاولت استدراج الأستاذ بلباقة إلى الحديث عن السياسة، وعن الأحزاب الوطنية؛ لأستطلع رأيه، فلم أسمع منه إلا كلمة واحدة في معرض الحديث عن صديقه القسطلي، وهي قوله: إنه يعمل ما يعجز عنه (الغلاة)، ومن كلمة (الغلاة) عرفت رأي الأستاذ، فلم أحاول الدخول معه في حديث من هذا النوع.

стр. 6338

في سبيل الله والوطن شيخ الأزهر الجديد محمد عبد الله السمان (١) ما تعودت أن أشارك الكتّاب في اصطناع الكتابة عن شيوخ الأزهر، كما احتلّ أحدهم كرسي رياسته، أو نحّي عنه؛ لأن الأزهر منذ أعوام طوال وهو في محنة قاسية، صنعها بأيديهم أبناؤه، والبكاؤون على مستقبله زوراً وبهتاناً، ومرت هذه المحنة القاسية بالأزهر، ولم يزد خلافاً على كونه ميداناً للمهازل التي يتعفف القلم عن ذكرها، ومجالاً للصخب والجلبة والغوغاء، ولعن الله المناصب؛ فقد كانت سبب محنة الأزهر، وكادت تخرجه عن هيبته ووقاره. أصر كبار رجال الأزهر على أن يقلّدوا الزعماء السياسيين، فخلقوا بين جدران الأزهر أحزاباً متنافرة متشاحنة، وأصبح لكل منهم أشياع وأتباع يسيرون في ركبه، ويهتفون له في كل مناسبة، أو في غير مناسبة، وينتصرون لآرائه واتجاهاته وتصريحاته، حين يرى رأياً، أو يتجه إلى اتجاه، أو يصرح بتصريح، وهؤلاء الأشياع والأتباع يثبتون وجودهم وإخلاصهم لزعيمهم

стр. 6339

كلما خلا كرسي المشيخة؛ فإنهم يشمرون عن سواعدهم ليدعوا له، وينشرون الأكاذيب، ويصنعون التهم والأباطيل التي تشوه سمعة منافسه، ويكتبون مطالبهم إلى الجهات المسؤولة، منها ما يرفع صاحبهم إلى القمة، ومنها ما يهبط بمنافسه إلى الحضيض، ولجأ كبار رجال الأزهر لتأكيد هذه الزعامة الجوفاء إلى كسب عواطف الأساتذة والطلبة، حتى بوسائل غير مشروعة. ولعل مهزلة (الصعيدي والبحراوي) التي كانت تمثل على مسرح الأزهر لم يزل صداها يدوي في آذاننا إلى اليوم، وأما الدماء التي سالت فوق أرض الأزهر من جرائها، فلم تزل آثارها إلى اليوم، وما كنا نملك إلا أن نضحك - وشر البلية ما يضحك- على هذا الحصن الذي تهدف رسالته إلى إيجاد الوحدة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها، وقد عجز عن أن يوجدها بين جدرانه. وفي سبيل المنصب باع البعض من كبار رجال الأزهر ضمائرهم، ولعلنا لم ننسَ بعد تلك البرقية المسهبة التي أرسلها شيخ كان مرشحاً لمشيخة الأزهر إلى الملك الخليع في "دوفيل" يتمنى له طيب الإقامة وسط رقصات الأكتاف، وهزات البطون من الساقطات اللاهيات، ولعلنا لم ننس أشباح العمائم الضخام وهي في ميناء الإسكندرية تودع هذا الملك الساقط، أو تستقبله حين كان يرحل ويعود. وحدثت وثبة الجيش المباركة، ولم يكن هدفها سوى التطهير، وكان لا بد أن تشمل حركة التطهير هذه الأزهر (المعمور)، ولم تستطع هيبة الأزهر ولا وقاره أن يحولا دون ذلك؛ لأن هيبة الأزهر ووقاره قد تخليا عن أبناء الأزهر، وبقيا في البنيان الشامخ وحده، ووثبة التحرير لم يكن يلائمها لمشيخة

стр. 6340

الأزهر إلا شيخ لا تجريح في سمعته، ولا تشويه في صفحته، ليس صعيدياً ولا بحراوياً، حتى لا تكون هناك فتنة، وليس من ورائه أشياع أو أتباع يهرجون، حتى لا تكون هناك مهزلة، وليس راغباً في المنصب حتى يظل للمنصب الكريم هيبته، وليس زاهداً في ذرة من كرامته حتى تظل كرامة الأزهر في إطار من الذهب الخالص، محوطة بالإجلال والوقار، وأعتقد أن ولاة الأمور ما تعبوا في شيء تعبهم في العثور على شيخ للأزهر تكتمل فيه هذه الصفات، كما أعتقد أن إخلاصهم للأزهر هو الذي وفقهم إلى اختيار هذا الشيخ الجديد الذي تتوفر فيه كل هذه الصفات. والشيخ الجديد -فضيلة الأستاذ محمد الخضر حسين- عالم جليل، لم يعترف إلا بالنسبة الإسلامية، فقد جاهد في مسقط رأسه من أجل الإسلام ووطنه، حتى أوشك حبل المشنقة أن يضرب حول عنقه، وجاهد في مصر والشام وغيرهما من أجل العروبة والإسلام، وجاهد في بلاد أوربا بقلمه ولسانه داعياً للإسلام وأمته. والشيخ الجديد ليس من خلفه أشياع ولا أتباع حتى يهرجوا له؛ لأن وقاره يسمو به عن أن يتخذ من حوله أشياعاً أو أتباعاً، ولأن اعتزازه بنفسه يربآن عن اتخاذ هؤلاء الأشياع والأتباع. والشيخ الجديد ليس راغباً في المنصب، ولا في المظهر؛ لأن مكانته العلمية والأدبية أغنته عن كل هذا؛ فقد ظل السنوات الطوال منعزلاً في حدود عمله، وهو أستاذ في كلية أصول الدين، وعضو هيئة كبار العلماء، وعضو مجمع فؤاد للغة العربية، ورئيس جمعية الهداية الإسلامية، ورئيس تحرير مجلات: الأزهر، ولواء الإسلام، والهداية الإسلامية، ولا أعتقد أن الشخصية

стр. 6341

التي تشغل مثل هذا الحيز في ميدان العلم والأدب، تتوق إلى أي منصب مهما كان شأنه. والشيخ الجديد أكبر وأجل من أن يزهد في ذرة من كرامته، فهو مستعد لأن يبذل روحه وما يملك في سبيل كرامته، وليس مستعداً لأن يبذل ذرة منها في سبيل الإبقاء على حياته، ولا في سبيل الدنيا. ولقد حدث ذات يوم أن قدم استقالته من جمعية الهداية الإسلامية، وأنا عضو في مجلس إدارتها، وكان سببها أن قسم الجمعيات الدينية بوزارة الشؤون خاطبه في رسالة بعبارة: (حضرة رئيس جمعية الهداية الإسلامية) دون أن يراعي مكانة الرجل الذي أصر على الاستقالة، لولا أن كتبنا إلى وزارة الشؤون محتجين على إجرائهم الخالي من الذوق. وبعد: فإن الأزهر اليوم ليبدأ عهداً جديداً، والأمل كبير جداً في أن يخطو إلى الإمام خطوات موفقة في سبيل الإصلاح الذي يعود على الإسلام ووطنه وأمته بالخير واليمن، وكل ما نرجوه أن يحفظ الله الشيخ الجديد من أن تكون له حاشية، فهي سر كل بلاء في كل عهد، والله الموفق.

стр. 6342

حظوة شيخ الأزهر الجديد (١) لأول مرة في تاريخ الأزهر، أو في تاريخ شيوخ الأزهر، يذهب ثلاثة من الوزراء يطرقون باب شيخ، شيخ يبعد كل البعد عن الأزهر، وسياسة الأزهر، وأزمة الأزهر، ومناصب الأزهر. ذهب ثلاثة من الوزراء إلى شارع خيرت؛ ليطرقوا باب الشيخ الخضر حسين التونسي الأصل، المصري الجنسية، وذهبوا إليه ليقولوا: أنت شيخ الأزهر. وكان جواب الشيخ: أنه ابتهل إلى الله أن يعينه ويساعده. وقد قوبل نبأ تعيين شيخ الأزهر الجديد بالرضا والغرابة: الرضا؛ لأنه لا ينتمي لحزب سياسي، ولم يعرف أنه أيد زعيماً من الزعماء، أو حزباً من الأحزاب، ثم إنه لا يرجو مغنماً من الدنيا؛ لأنه شارف السين التي لا تسمح للإنسان بالتفكير إلا في الله، وبهذا، فالمنظور أنه سيعمل لله، وأنه سيعمل للأزهر، من حيث رفع مكانته. وأهم من ذلك كله: أنه لا حاشية له في الأزهر تسيره، بل إنه سيعمل من وحي إرادته، وما يرتضيه الأزهر، وهذا هو المهم، أما كونه تونسياً، فالأزهر للعالم الإسلامي أجمع. أما الغرابة في التعيين، فلأنه تونسي الأصل، وغريب على الأزهر أن

стр. 6343

يتولى مشيخته غير مصري، فلم يعرف عن أجنبي تولى مشيخة الأزهر إلا اثنان تقريباً، هما: الشيخ المهدي العباسي، والشيخ عليش، فهما من المغاربة، إلا أن أصلهما تمصر، وكانا هما من الذرية؛ بخلاف الشيخ الحالي؛ فلقد جاء إلى مصر، ثم تجنس بالجنسية المصرية حديثاً. والمهم أن اختياره جاء اختياراً موفقاً، فهو أصلح إنسان تولى هذا المنصب الخطير، ولا يستطيع أن يدس له إنسان، أو يحوله عن خطئه، وليس هناك مؤثر خارجي يستطيع أن يؤثر فيه، بل سيعمل من وحي إرادته فحسب. والوكيلان أما الوكيل الأول: فقد لقي قبولاً من الجميع؛ لأن الأستاذ محمد عبد اللطيف دراز عرف بين الأزهريين بجهاده المرير، وحسن إدارته، وسعة أفقه العلمي، وحبه، بل وتفانيه في خدمة الأزهر والأزهريين، ولم يشذ عن هذا التأييد إلا حفنة كانت تطمع في بعض المناصب التي ولت باستقالة شيخ الأزهر، والتهاني التي يتلقاها تدل على أنه رجل يستحق المنصب الذي تقرر أن يشغله وهو كفء له. وأما الوكيل الثاني: وهو الشيخ محمد نور الحسن، فهو رجل سوداني المولد، عالم فاضل، عرف بسعة علمه في الدوائر الأزهرية، إلا أن بعض المسؤولين في الأزهر يقولون، ومنهم مصدر هذا الحديث: إنه لم يعلم أنه عين في الأزهر وكيلاً ثانياً إلا من الصحف، ومن التهاني التي أرسلت إليه، وهو- وإن كان من حاشية الشيخ السالف، وقد رشحه في شروطه -، فهو -كما قلنا - واسع الأفق والتفكير، وتقلد مناصب عدة في الأزهر، أظهر فيها براعة تدل على التفكير وحسن التدبير.

стр. 6344

تهنئة إلى الأستاذ الإمام فضيلة شيخ الجامع الأزهر الجديد سماحة الشيخ محمد الخضر بن الحسين سالم ضيف (١) قف فوق منبر مجد الشرق يا خَضِرُ ... واهتف بأن العلا بالعلم يعتبرُ ولا حياة لهذا الشرق راقية ... إلا بعلم وأخلاق لها أثر وبالفنون فنون العصر أجمعها ... ما هي إلا من الإسلام تنحدرُ ومن يرى غير هذا رأيه خطر ... إلى العروبة والإسلام يحتقر (أبا محمد) يا من فزت واتجهت ... لك المحافل واهتزّت لك الفِكر يا أيها (الخضر) المحمود سيرتُه ... الفوز يأتي لمن يسعى ويصطبر يا (ابن الحسين) أيا من زان أمته ... أنت العظيم وبحر كلّه درر ها هي الإمامة قد جاءتك طائعة ... بالجامع الأزهر السامي لها عبر تقول يا من له في العلم منزلة ... رفيعة إنني أهواك يا قمرُ عصر المحاباة قد ولّى بخسته ... وجاء عصرٌ إلى الأكفاء ينتصر إلى الهداية والإصلاح بغييته ... وبالعروبة والإسلام يفتخر

стр. 6345

فاهنأ بما نلته بالعلم محترماً ... وكن كأنت إلى الإسلام تنجبر فالجامع الأزهر الزاهي بطلعتكم ... قد اعتراه سرور ليس ينحصر ومصر كلها مثل الشرق في فرح ... وتونس جذلى لما جاءها الخبر و"نفطة" أمك السمحا تباهى بكم ... وتدعو يا ابني لك الإسعاد مزدهر

стр. 6346

أي مغزى سامٍ في وضع الشيخ الخضر على رأس الأزهر الشريف ؟ (١) العلامة محمد الفاضل بن عاشور ما انفكت مدينة الفسطاط منذ أنشئت، ثم مدينة القاهرة منذ خلفتها، ترتبط مع القطر التونسي بأعمق المعاني، وأوثق الصلات. فقد كان فسطاط عمرو مركز القيادة العامة لفتح إفريقية، ثم كان العمال والقواد المتعاقبون عليه أول المسؤولين عن إسلام المغرب وتعريبه. وكانت الجيوش المرابطة بمصر، والزاحفة عليها، هي جيوش الغزو، وإمداد الفتح للبلاد التونسية. فعبد الله بن أبي سرح، ومعاوية بن حديج، وحسان ابن النعمان، وعقبة بن نافع، وموسى بن نصير، لم تعقد ألويتهم، وترسم خططهم، وتنظم حركاتهم إلا بمصر. والصحابة الكرام الذين شرفوا هذه التربة التونسية، قد كان في مصر سابق كفاحهم، وعلى أرضها ماضي عبادتهم، وفي جامع الفسطاط قديم حديثهم، والفقهاء العشرة من التابعين فقهوا مصر وأرشدوها وعلموها، قبل أن يفقهوا

стр. 6347

أو يرشدوا ويعلموا بأفريقية، لذلك بقيت الأرض التونسية مرتبطة ارتباطاً روحياً بالأرض المصرية، بلغ أوجَهُ في ختام القرن الثاني بتخريج سحنون عن ابن القاسم، وإمداد مصر للقيروان بمدونة فقه مالك. من يومئذٍ لم يقم حكم، أو يجرِ عمل، أو ينتشر مذهب بأحد القطرين، إلا وهو يترامى إلى القطر الآخر تراميَ الشيء إلى صلته الضرورية، ومدى انتشاره الطبيعي، وذلك هو الذي يعلل الصدام الذي نشأ في القرن الثالث بين دولتي بني الأغلب، وبني طولون، فقد كانت كل واحدة منهما ترى أن حدود حكمها منقوصة الأطراف، ما دام أحد القطرين غير منضم إليها. ونشأت في "المهدية" دولة العبيدين، فامتلكها -وهي في مهدها- شعور بأن لا دولة لها راسخة الدعائم، ولا دعوة فاطمية ثابتة سائرة، إلا بجميع القطرين المصري والتونسي تحت عرش المهدي، فتولدت عن هذا الشعور مدينة القاهرة، تونسية العمران، مغربية الوجهة، بربرية العصبية، وتأثرت بمحاكاة "المهدية" في شكلها وخططها، فكان لها كما للمهدية باب النصر، وباب الفتوح، وباب زويلة، والسقيفة، وحارة كتامة. وانشق الجامع الأزهر على قواعد مذهب تأصلت عقائده في "المهدية"، وتفرع فقهه فيها، واستندت الروح الأزهرية في رواجها الشعبي على خطابة ونثر وشعر، كانت كلها تونسية العوامل، مهدوية الطبائع. وتأثرت عمارة الأزهر في أشكالها الهندسية وفنونها الزخرفية بمحاكاة أقواس وعمد أشرقت عليها شمس المهدية، وأزهار وأقمار ترطبت بأنفاس نسيمها البليل، فاستوثقت بذلك كله وحدة القطرين، واتسقت الروابط بينهما، حتى إنه لما تحرك أحدهما حركة الانفصال عن الآخر بقيادة المعز بن باديس

стр. 6348

الصنهاجي، كان لتلك الحركة من الرجّة والاضطراب والزعزعة ما يكون لمحاولة الفكاك بين جسمين منساقة جاذبيتهما إلى الائتلاف. وفاضت عن أرض مصر الزحفة الهلالية السلمية تجدد اللحام المنفك بتجديد المدد البدوي الذي هو جرثومة التكون الاجتماعي، فتكوّن المغرب العربي بذلك تكوناً جديداً، وانتعشت فيه روح العروبة بعد الذبول. وكان ما عانته البلاد التونسية من جراء ذلك حقبة من الدهر، هو ما تعانيه الأجسام الحية من أزمات العناصر الملقحة التي تدخل عليها لتجددها. ثم جاء الدور الصليبي، فانتظم القطران صفاً في مكابدة المحنة، ومجابهة الهجمة، وكان تشابه الظروف التي جرى فيها الطغيان واتحاد أشخاص الطاغين مظهراً جليلاً لوحدة ما بين القطرين سياسياً، في الوقت الذي كانت فيه هذه الوحدة تزيد تأَكداً من الجهة الروحانية بنزول الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالإسكندرية، واتخاذها مهداً لطريقته التي عمت منها العالم الإسلامي، وتنفست في شاطئها عن مثل الأدب الصوفي الذي بلغ شأوه الأبعد في حِكَم ابن عطاء الله، وشعر ابن الفارض، والبوصيري، وتتوثق الوحدة من الجهة العلمية بمثل صلات محمد بن جابر الواد آشي بالبدر بن جماعة، ورواية شيخ الإسلام ابن حجر عن شيخ الإسلام ابن عرفة، وتخرج السخاوي والمقريزي عن ابن خلدون، وما انضم بُعد من سلاسل لا تحصى في الأخذ والتخرج والرواية والأجدة والتدبيج، حتى صارت تونس من إمداد الأزهر، وهو من مواردها، وسهل انضواء القطرين معاً تحت العلم العثماني لحماية الإسلام في البحر المتوسط صلاتُ الثغور التونسية بثغر الإسكندرية، وعلاقة رجال جامع الزيتونة بالجامع الأزهر وشيوخه على ما بدت في ارتباط اسم أحمد

стр. 6349

الشريف باسم البشراوي، والغرياني بالحفني، والبليدي، واسم زيتونة باسم الزرقاني، واسم مرتضى باسم الغرياني، واسم البناني بالصعيدي والصبان، واسم ابن سعيد باسم العطار، والرياحي بالأمير.

стр. 6350

حديث من عالم الخلد (١) الأستاذ الأكبر الشيخ الخضر حسين يتحدث إلى صوت الشرق الشيخ الخضر حسين هو محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر، وهو جزائري الأصل، ولكنه ولد في تونس؛ لأن والده انتقل إليها مهاجراً بسبب دخول فرنسا جهة "بسكرة" بعد حرب دامت سنوات مع أهل الجزائر. وقد ولد سنة (١٢٩٣ هـ - ١٨٧٣ م) في بلدة "نفطة" في إقليم "الجريد" بتونس، وحفظ القرآن في البيت وهو صغير، ثم دخل جامع الزيتونة الذي يشبه الأزهر. ونال شهادة مشابهة للشهادة العالمية الأزهرية، وبعد تخرجه أصدر مجلة "السعادة العظمى" التي كانت أول مجلة أدبية علمية أنشئت في المغرب العربي. ثم تولى القضاء في مدينة "بنزرت"، ولم يطل عهده في القضاء؛ لأنه حال بينه وبين الدراسة العلمية الواسعة، ثم اشتغل بالتدريس في جامع الزيتونة، وفي المدرسة الصادقية، وبقي في التدريس خمس سنوات، واشتغل أثناء ذلك

стр. 6351

بقضية بلاده، وبالقضايا الإسلامية والعربية؛ مما عرضه للأخطار والأهوال؛ إذ غضب عليه المحتلون، وضيقوا عليه الخناق، ثم أصدروا عليه حكماً بالإعدام، ولكنهم لم يستطيعوا تنفيذه؛ لأنه هاجر بنفسه في سبيل مبادئه وعقائده. فرحل إلى الشام، وإلى الحجاز، وإلى تركيا، وإلى ألمانيا. وفي أثناء الثورة العربية خلال الحرب العالمية الأولى اعتقله جمال باشا التركي الملقب بالسفاح. ويقي في الاعتقال فترة طويلة، ثم أفرج عنه، وكان في هذه المحنة رفيقاً للرئيس شكري القوتلي، وكان شكري إذا لقي الشيخ في مصر خلال السنوات الأخيرة يداعبه قائلاً: "أهلاً بزميلنا في أيام الشدة والبؤس" .. ثم رحل الشيخ إلى مصر سنة ١٩١٩ م، ونال الشهادة العالمية من الأزهر، وبذلك تحققت آمال والدته فيه؛ لأنها كانت تحمله وهو صغير، وتغني له بغناء شعبي تقول له: يا ربي الأكبر ... تخلّي لي محمد الأخضر يقرأ في الجامع الأزهر ... ويشتهر في المالكية وعين الشيخ مدرساً في الأزهر، ثم أستاذاً في كلية أصول الدين، واشترك في إنشاء "جمعية الشبان المسلمين"، وأسهم في وجوه كثيرة من النشاط العلمي والأدبي والديني. فكان محرراً لمجلة "نور الإسلام"، ورئيساً لجمعية "الهداية الإسلامية"، وعضواً في "المجمع اللغوي"، وعضواً في جماعة كبار العلماء، ومحرراً لمجلة "لواء الإسلام"، ثم اختير شيخاً للأزهر في عهد الثورة، وظل فترة في هذا المنصب الخطير، ثم استقال، واعتكف في بيته يبحث ويكتب، حتى وافاه الأجل المحتوم في الثاني من فبراير سنة ١٩٥٨ م. من كان يظن أن هذا الحديث الذي دار بيني وبين الشيخ ﵀-

стр. 6352

سيطالعه مطالعوه في عالم الخلد ودنيا البقاء؟ .. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]. في شارع (صفية زغلول) خلف بناء وزارة التربية والتعليم بالقاهرة، وفي جناح ضيق من بيت هادئ من بيوت هذا الشارع القصير، سعيت إلى الشيخ لألقاه، وأتحدث إليه، وأستمع منه، وما كنت أدري أن ركاب الموت ينتظره بعد قليل، وما كنت أتوقع أن يكون هذا اللقاءآخر لقاء لي مع ذلك الشيخ الوقور الهادئ .. دخلت عليه وهو في حجرة مكتبه، وحوله أضابير أوراق، ومجموعة كتب، والصمت يعقد رباطه على المكان، فليس ثمة حركات ولا صوت، فالشيخ قد تزوج مرتين، ولكنه لم يرزق بأولاد .. وشاهدت على وجهه دلائل المرض، ومظاهر الشيخوخة المرهقة، فأردت أن أخرج به من عزلته ووعكته، فسألته: إنك مع علمك وفقهك واشتغالك بالقضايا الإسلامية تقول الشعر، فما هي الدوافع التي دفعتك إلى الشعر؟ .. فأجاب: حينما تراجع ديواني "خواطر الحياة" يسهل عليك أن تتعرف إلى المحرضات التي حرضتني على النظم .. فقد نشأت في إقليم "الجريد" بتونس، وكان للشعر في هذا الإقليم مكانة ومنزلة، وكان الكثيرون من أقاربي يقولون الشعر، وكنت ألمس ما يلاقونه من تكريم وحفاوة عن طريق قولهم الشعر، فتعلقت بأسبابهم من أول النشأة، وحاولت النظم وأنا في الثانية عشرة من عمري، ولما التحقت بجامع الزيتونة، رأيت المنافسة على أشدها بين الطلاب والأساتذة في قرض الشعر. ولكني أصارحك بأن حبي للعلم تغلب على ميلي للشعر، ولعل السبب

стр. 6353

في ذلك هو أنني لم أرض عن شعري الذي أقوله، وأتذكر أنني قلت عن الشعر: "أجوده ليس في متناول قريحتي، وغير الأجود تتسامى عنه همتي" .. مع انصرافي إلى العلم والقضايا العامة، لم تنقطع صلتي بالشعر، بل ظللت أقر له بين الفينة والفينة في النواحي الإصلاحية والأخلاقية والاجتماعية والوطنية والدينية .. فقلت للشيخ: هل يستفاد من ذلك أنه لا يمكن الجمع بين التوسع في العلم والعناية بالشعر؟ أو أن هناك تباعداً بين ميدان الشاعر وميدان العلم؟ وهل هناك غضاضة في أن يقول العالم الكبير شعراً؟ .. فأجاب: ما إلى هذا قصدت، ولكنني أصور ما حدث بالنسبة إليّ، وفي الوقت نفسه أقول: إن هناك كثيرين انصرفوا إلى الشعر وحده، وكثيرين انصرفوا إلى العلم وحده، وبجوار هؤلاء وهؤلاء طائفة معدودة استطاعت أن تجمع بين العلم والشعر، فزادها ذلك الجمع مكانة ورفعة، منهم: القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي، ومنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي القاضي، ويحيى بن يحيى الليثي الفقيه. ومنهم: أبو الوليد الباجي الفيلسوف، ومنهم: القاضي أحمد بن محمد الأرجاني، فهؤلاء كانت مكانتهم في العلم والدين والفتيا سامقة عالية، وكانوا يقولون الشعر، ولا يرون به بأساً .. فسألته متبسطاً في الحديث: ألم تقولوا شعراً عاطفياً؟ .. فقدم إلي نسخة من الطبعة الأخيرة لديوانه، وقال وهو يبتسم في وقاره المألوف، بعد أن وقع لي بإهدائه على النسخة: تصفح هذا الديوان، ففيه كل ما بقي بين يدي من الشعر .. وقلبت الصفحات فإذا هي الأبيات:

стр. 6354

ها هنا مرتعهم، خذ بيدي ... ودع الأينق في الروض طليقه طال بي البين إلى أن أطفأت ... نظرة من ساكني البان حريقهْ يا بدوراً حسنها ابتز النهي ... وهواها مدّ في القلب عروقه عادت الأيام من هجرانكم ... لي خصماً بعد أن كانت صديقهْ من دجى يقضيه جفني أرقاً ... وضحى يلبسه الليل غسوقه وكفي جسمي نحولاً أن تخا ... لوه كالطيف خيالاً لا حقيقةْ لم أضع للودحقاً، إنما ... حان أن يرعى الأخلاّء حقوقهْ * غربة الفضلاء: وسألت الشيخ الأكبر: لقد طال تنقلكم شرقاً وغرباً، ولم يستقر بكم المطاف فترة طويلة من حياتكم، فهل كنتم تحسون أثناء ذلك باضطراب أو قلق أو وحشة؟ .. وأجاب في هدوئه المألوف: إن الذي يؤمن بعقيدة أو مبدأ، لا يحس بغربة مهما تنقل وارتحل، ما دام وفياً لعقيدته، متمكناً من مبدئه، ولقد طال تطوافي في جهات عديدة من أفريقيا وآسيا وأوروبا، ومرت بي فترات كنت أصبح فيها في مكان، وأمسي في مكان غيره، ومرت بي لحظات فيها سجن وقسوة، وعنف واتهام وتهديد، وحرمان ومطاردة، ومع ذلك كله كان للمرء أنيس، أي أنيس من ربه وإيمانه، ولقد كنت سجيناً في الشام، ومع ذلك كنت أرى في النوم أحلاماً أرضى بها وأستبشر، وبعض هذه الأحلام تحقق مفهومها، أو ما يقرب منه. وليس معنى هذا أنني كنت حريصاً على حياة التنقل والاضطراب من

стр. 6355

مكان إلى مكان، بل كنت أطمح إلى أن أستقر يوماً من الأيام في دار لا يحتمل الإنسان فيها مذلة أو هواناً، وقد وجدت طلبتي في مصر، فجعلتها داري ومستقري منذ قرابة أربعين عاماً. ولقد صورت ضجري من كثرة أسفاري، واتصال ارتحالي في أبيات ثلاثة نظمتها سنة ١٣٣٨ هـ وفيها أقول: أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة كم كؤوس هوت إلى الأرض صرعى ... بين كفٍّ تديرها واللهاة فاسمحي يا حياة بي لبخيلٍ ... جفن ساقيه طافح بسبات * رسالة المجمع اللغوي: وانتقلت بالشيخ من ميدان هذه الذكريات إلى ميدان اللغة والمجمع اللغوي، فقلت: - إنك عضو في المجمع منذ عهد بعيد، فهل نستطيع أن نقول: إن المجمع أدى رسالته؟ وأجاب الشيخ: أقولها لك صريحة واضحة، لا مواربة فيها ولا مجاملة: إن المجمع اللغوي لم يؤد رسالته، وليس هو من الإهمال لهذه الرسالة والتفريط فيها بالصورة التي يصوره بها بعض الناس في نكتهم ودعابتهم، ولكنه في الوقت نفسه لم يقم بواجبه، وقد يرجع السَّبب في ذلك إلى اختلاف الآراء المتضاربة، وكثرة الاتجاهات المتعاندة، وتحكم الشخصيات أحياناً، مع تشتت في الأذواق والمشارب، مع قلة في المال المخصص له، ولو أن ميزانية المجمع

стр. 6356

اتسعت، لاتسع نشاطه وإنتاجه، والواقع الذي لا ريب فيه أن المجمع يحتاج إلى إصلاح شامل، وتغيير جوهري في خطته وطريقته. هذه مجلته -مثلاً- تنقطع وتتباعد مواعيد ظهورها، وهؤلاء أغلب الأعضاء يكادون يقتصرون على العناية بالمصطلحات العلمية وحدها، مع وجود كثير غيرها من الأعمال والواجبات. وهذا معجم القرآن لم يخرج للناس، على الرغم من كثيرة الوعود، وطول العهود، وتكرار التبشير بأنه سيسعى إلى عالم الحياة، وهذا المعجم الكبير الذي تطلعوا إليه منذ أمد طويل لم يحيى النور بعد، ولا ندري متى يتم أو يظهر، ولعل الأحفاد يشهدون ميلاد هذا المعجم .. هنا سألت الشيخ: هل تذكرون بعض البحوث أو الأعمال اللغوية التي نهضتم م في المجتمع اللغوي؟ فأجاب: لقد اشتركت في أعمال كثيرة من نشاط المجمع، وقدمت بحوثاً عدة أذكر منها: بحثي عن "القياس في اللغة العربية" الذي شرحت فيه حقيقة القياس، وفصلت شروطه، ودللت على مواقعه وأحكامه، والقياس باب واسع المجال مترامي الأطراف، له صلة بكل باب من أبواب العربية، ويكاد ذكره يجري عند تحقيق كل مسألة لغوية، ولا أطيل الحديث عن هذا البحث، فقد نشرته في كتاب منذ أكثر من عشرين عاماً، وكذلك أذكر بحثي في الرد على الرأي الذي ارتآه بعض أعضاء المجمع- وهو الدكتور طه حسين- الذي ذهب إلى أن (الضمير) قد يستعمل كاسم الإشارة، فنقضت هذا الرأي. * الأدب في تونس: سألت الشيخ الأكبر عن الحياة الأدبية في تونس، فقال:

стр. 6357

- يوجد في تونس أدباء لهم كتاباتهم ومؤلفاتهم. ولكنهم لا يبلغون مبلغ الأدباء في مصر، لا من ناحية العدد، ولا من ناحية الآثار وقيمتها، ولقد أخرجت مصر للناس شاعراً عظيماً نابغة؛ كالمرحوم أحمد شوقي، ولم تكتب الأقدار مثل هذا لتونس، وإن كان يوجد في تونس شعراء متوسطون، وهم -مهما اعتزوا بآثارهم- يرون في مصر الوجهة التي يتجهون إليها مقتدين ومقدرين. ولقد كان في تونس شاعر ينتظره مجد عظيم لو طال به الأجل، وهو المرحوم أبو القاسم الشابي، ولكن الموت عاجله، فرحل عن الدنيا وهو في ريعان شبابه .. والصحافة في تونس محدودة النشاط، وهي متواضعة في مظهرها ومخبرها. ولا عجب، فتونس اليوم دولة ناشئة، ولم يمض عليها عهد بعد تخلصها من ظلمات المحتلين وظلمهم، والمنتظر أن تسير الحياة الأدبية قدماً نحو القوة والاتساع ما دامت تونس تسير في طريق القوة والبناء .. وخرجت من حضرة الشيخ الأكبر، ولا يزال يستولي على تفكيري هذا الهدوء الذي يحيط به، وهذا الاعتكاف في محراب من محاريب البحث العلمي والتأمل العميق ﵀. عن صوت الشرق (أبو حازم)

стр. 6358

القياس في دراسات المحدثين الدكتور عبد الصبور شاهين (١) ومن دارسي القياس حديثاً: العالم اللغوي المجتهد الشيخ الإمام محمد الخضر حسين (شيخ الأزهر الأسبق)، وقد بدأ يعالج هذه المشكلة منذ عهد بعيد (حوالي عام ١٩٢٠ م) في مجموعة من المقالات، نشرت في كتاب عام ١٩٣٤ بعنوان: "القياس في اللغة العربية". وقد حاول أن يحصر من أول الأمر احتمالات القياس، على ما جرت به محاولات السلف، فوجدها أربعة أضراب: أحدهما: حملُ العرب أنفسهم لبعض الكلمات على أخرى، وإعطاؤها حكمها؛ لوجه يجمع بينهما؛ كما يقال: أُعرب الفعل المضارع قياساً على الاسم؛ لمشابهته له في احتماله لمعان لا يتبين المراد منها إلا بالإعراب، وكما يقال: دخلت الفاء خبر الموصول في نحو قولهم: "من يأتيني فله درهم"؛ قياساً للموصول على الشرط؛ لمشابهته إياه في إفادة العموم.

стр. 6359

وكما يقال: نصبت (لا) النافية للجنس الاسم، ورفعت الخبر قياساً على (أن)؛ لمشابهتها إياها في التوكيد، فإن (لا) لتأكيد النفي، كما تأتي (أن) لتوكيد الإثبات. ثانيها: أن تعمد إلى اسم وضع لمعنى يشتمل على وصف يدور معه الاسم وجوداً وعدماً، فتعدي هذا الاسم إلى معنى آخر تحقق فيه ذلك الوصف، وتجعل هذا المعنى من مدلولات ذلك الاسم لغة. ويضرب لهذا النوع مثلاً: إطلاق اسم (الخمر) -وهو الموضوع للمعتصر من العنب، حين يخامر العقل- على المعتصر من غير العنب إذا تحقق فيه مخامرة العقل أيضاً. وإطلاق اسم (السارق) -وهو الموضوع لمن يأخذ مال غيره من الأحياء خفية من حرز مثله- على (النباش) الذي يأخذ ما على الموتى من كفان. ويقول الشيخ الخضر: "وهذا الضرب من القياس هو الذي ينظر إليه علماء أصول الفقه، عندما يتعرضون لمسألة: هل تثبت اللغة بالقياس؟ ". ثالثها: إلحاق اللفظ بأمثاله في حكم ثبت لها باستقراء كلام العرب، حتى انتظمت منه قاعدة عامة؛ كصيغ التصغير، والنسب، والجمع. وأصل هذا: أن الكلمات الواردة في كلام العرب على حالة خاصة، يستنبط منها علماء العربية قاعدة تخول المتكلم الحق في أن يقيس على تلك الكلمات الواردة ما ينطق به من أمثالها. رابعها: إعطاء الكلمة حكم ما ثبت لغيرها من الكلم المخالفة لها في نوعها، ولكن توجد بينهما مشابهة من بعض الوجوه، كما أجاز الجمهور ترخيم المركب المزجي قياساً على الأسماء المنتهية بتاء التأنيث. وكما أجاز طائفة

стр. 6360

حذف الضمير المجرور العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجر، قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ، فتقول: قضيت الليلة التي ولدت في سرور؛ أي: ولدت فيها، جاز لك أن تقول: هذا الكتاب تساوي الورقة درهماً؛ أي: الورقة منه بدرهم. ومن هذا التحديد يتضح لنا عدة أمور: أولها: أن القياس في نظر الشيخ الخضر يجريه العربي القديم، كما يجريه الأصولي والنحوي، ولكنَّ لكل منهما مجالاً. فمجال العربي، وهو صاحب اللسان: هو الضرب الأول، ومجال الأصولي: هو الضرب الثاني، ومجال النحوي: الضربان الأخيران. ثانيها: أن القياس قد يكون في الشكل، وقد يكون في الدلالة، فمن الأول: إلحاق المضارع بالاسم في الإعراب، ودخول الفاء على خبر الموصول قياساً على الشرط، وحذف الضمير العائد من الصلة إلى الموصول متى تعين حرف الجر قياساً على حذف الضمير العائد من جملة الخبر إلى المبتدأ. ومن الثاني: قياس الأصوليين السابق ذكره. ثالثها: أن الهدف من قياس الشكل: طرد قاعدة معينة في مجال تصريف الكلمة، أو تركيب الجملة، والهدف من قياس الدلالة: خلق استعمالات جديدة لكلمات اللغة؛ أي: توسيع الدلالة الضيقة. والواقع أن ما جعله الشيخ الخضر خاصاً بالعرب أنفسهم في الضرب الأول من القياس لا تنهض الأمثلة المسوقة بتفسيره على نحو ما أراد المؤلف؛ لأن من المؤكد أن العربي القديم لم يستشعر هذا التشابه المفترض بين المضارع والاسم؛ ليطرد في الأول قاعدة الإعراب، وإنما ذلك شيء لاحظه النحويون

стр. 6361

من تتبعهم لاستعمالات المضارع، ومحاولتهم تعليل خروجه على قاعدة البناء في الأفعال، فألحقوه بالأسماء في العلة، وكذلك قياس فاء خبر الموصول على فاء جواب الشرط. وأيضاً تعليل عمل (لا) التي تنفي الجنس عمل (إنَّ) بأن كلتيهما تفيد التوكيد، مع فارق أن (لا) لتأكيد النفي، و (إنَّ) لتأكيد الإثبات. فقد أثبت القدماء تفرقة بين (لا) و (إنَّ) تُضعف وجه الشبه بينهما عملاً، وذلك أن (لا) غير عاملة في الخبر. بخلاف (إنَّ)، أو أن (لا) ركبت مع الاسم النكرة بعدها، فصارا شيئاً واحداً، وأما (إنَّ)، فإنها لا تركب مع الاسم يعدها. "الإنصاف" (١/ ١٩٥). وبذلك يظهر أن هذه الأمثلة القياسية هي من صنع النحاة، لا من وضع العرب أنفسهم. فقد نطق العرب باللغة، دون أن يكون منهم أدنى ملاحظة تقيس ظاهرة نحوية على أخرى. ثم هذا الضرب الذي خصه الأستاذ الخضر بالأصوليين، أليس فحواه توسيع الدلالة في بعض ألفاظ اللغة؛ لتشمل مجموعة من الإطلاقات الجديدة على أساس مجازي؟ ومثل هذا العمل اللغوي يمارسه الأصوليون، وغير الأصوليين متى لوحظت العلاقة المجازية التي تربط بين مفهوم ذي لفظ موضوع، ومفهوم آخر جديد يحتاج إلى لفظ يدل عليه. ومن هذا القبيل: إطلاق ألفاظ: (قطار، وسيارة، وطائرة)، وسائر ما يدل على المفاهيم المستحدثة في اللغة، فقد اكتسبت هذه الألفاظ معانيها الجديدة بوساطة توسيع الدلالة على أساس مجازي، ومن البين أن هذا التوسيع لم يقم به الأصوليون.

стр. 6362

على أن الشيخ الخضر لم يقف عند هذين الضربين من القياس، وإنما خص الضربين الأخيرين بدراسة مستفيضة، على أساس أن أولهما يقوم على التشابه الكامل بين المقيس والمقيس عليه، فاستحق المقيس الحكم الذي ثبت للمقيس عليه؛ كتصغير الثلاثي قياساً، والنسب إلى الأسماء، وجمعها جمع تكسير. أو جمعاً سالماً ... إلح. وعلى أساس أن ثانيهما يخص الكلمة التي توجد بينها وبين غيرها مشابهة من بعض الوجوه، وكلا هذين الضربين من باب القياس الشكلي الذي أشرنا إليه من قبل، بيد أن الشيخ قد خص القياس القائم على التماثل باسم: (القياس الأصلي)، واختار للثاني اسم: (قياس التمثيل)؛ للتفرقة بينهما، ثم مضى في تتبع الفروع اللغوية؛ ليثبت وجود هذين النوعين من القياس. ومن الواضح في هذا التقسيم أنه مشتمل على مفهومي القياس، من حيث هو تطبيق قاعدة على أفرادها، ومن حيث هو استنباط جديد على ضوء قديم، وإن جعل القاعدة في كلا الموقفين هي الأساس.

стр. 6363

الحركة الأدبية والفكرية في تونس (١) العلامة محمد الفاضل بن عاشور وبقي معارضو الدعوة الإصلاحية متطلعين إلى الوفاء بالحاجة الثانية، وهي تكوين نشرة تناقش في المباحث الدينية على قاعدة التزام المذهب الذي عليه جمهور العلماء في مسائل أصول الدين الاعتقادية، وفروع الفقه العملية، وكان الحرص على محاكاة مصر في وسائل نهضتها، يحسن لأهل العلم إيجاد مجلة علمية بتونس. إذ كان النشر مقصوراً يومئذ على الصحف. حتى انتدب لسد ذلك العوز نابغ من شباب شيوخ الزيتونة، هو الشيخ الإمام محمد الخضر حسين، وكان في شبابه بتونس على ما عرف منه الشرق في كهولته وشيخوخته؛ اعتدالاً، وهدوء طبع، وخلوص نية، وسعة علم، وبراعة قلم، فأصدر في شهر المحرم سنة (١٣٢٢ هـ -١٩٠٤ م) مجلة علمية سماها: "السعادة العظمى"، ابتهجت لصدورها جميع الأوساط العلمية والفكرية؛ ثقة بعلم صاحبها وتحقيقه، وصلابة عوده في أمور الدين، مع ما اشتهر من تأييده لحركة المصلحين. فكان ظهور "السعادة" في معمعة تلك الخلافات كطلوع الحكم العادل،

стр. 6364

تنزهت به المجادلات عن الفحش، وتطهرت من الهمز واللمز، وتسامت عن التشهير والأذى الشخصي، فاقتبلها المجددون واثقين من أن التحيز والمبالغة والعناد ستزيف كلها على معيار هذه المجلة العلمية الراقية، وتلقفها خصوم التجديد حجة على أن شباب العلماء المتنورين، ليسوا على مذهب صاحب "المناردا وأتباعه، وقنع هؤلاء المحافظون بأن يعتضدوا بالشيخ النجار، ومجلة "السعادة العظمى"، مكتفين بذلك في باب الجدال العلمي، والنقاش النزيه، وإن بقيت لهم وسائلهم الأخرى في باب التشهير والسعاية والنكاية. فقد عارضت هيئة النظارة العلمية بالجامع الأعظم في صدورها، وطالبت الحكومة بتعطيلها، وكان ذلك أصل الاضطهادات التي نالت صاحبها من طرف شيوخ النظارة، ومع ذلك، فقد أحاط بمجلة "السعادة العظمى" القبول الحسن، فقرظتها الجرائد، وانثالت عليها الرسائل والقصائد، في الثناء والتأييد من العلماء والأدباء وذوي الأفكار، وكانت نزعات التقارب تختلف باختلاف ما ينتمي إليه المقرظون من الشقين المتقابلين الواثقين بمجلة السعادة على السواء. فكانت هذه المجلة مركزاً للحركة الفكرية، وقوة توجيه متصلة بجميع أهل الثقافة العربية، يجتمع تحتها شقان متباعدان، في سعيد الاحترام، وحسن الأدب، والتجرد، ولم تدم إلا عاماً ناقصاً، فصدر منها واحد وعشرون عدداً، أثيرت فيها مباحث مهمة حول المسائل الدينية التي كانت يومئذ شغل أفكار العلماء مع مجلة "المنار".

стр. 6365

حديث مع المحامي علي الرّضا الحسيني (١) المؤلفات الكاملة للعلامة محمد الخضر حسين في طريقها للصدور زار تونس هذه الأيام المحامي الأستاذ علي الرّضا الحسيني ابن العلامة الشيخ زين العابدين شقيق الإمام محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر. والأستاذ علي الرضا ينحدر من أصل تونسي، وهو مقيم الآن في دمشق مع أسرته حيث يزاول مهنة المحاماة. وفي بيت الأستاذ الهادي العبيدي الذي حوَّل -في هذه الأيام حيث يقضي فترة النقاهة- غرفة الاستقبال ببيته إلى نادٍ أدبي، يفد عليه رجال الفكر والأدب والفن من تونس، ومن شتى البلاد العربية، التقينا بالمحامي علي الرضا الحسيني الذي اتصل بالأستاذ الهادي العبيدي للاطمئنان عليه، والسؤال عن صحته، وأجرينا معه الحديث التالي: س - ما هي الغاية من زيارتكم تونس؟ ج - إن الإقامة -وللأسف- قصيرة جداً إذا ما قيست بالشوق الذي أكنه لهذا البلد. والأمل الذي أرجو أن يتحقق مستقبلاً هو الإقامة لمدة أشهر؛

стр. 6366

حيث أتعرف أكثر فأكثر على تونس بمدنها التاريخية، ومصايفها الرائعة، وأعيش مع شعبها الطيب فترة هي من أجمل ما تكون في مرحلة العمر. أما الغاية من هذه الزيارة، فهي البحث العلمي، والتنقيب عن الآثار العظيمة التي تركها العم العلامة محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: للاطلاع والسياحة. وقد تحققت الغاية العلمية؛ حيث كان لي شرف الاجتماع بأعلام تونس من أهل العلم والفضل، ممن عرفوا الشيخ الخضر، وكانوا إخوة صادقين؛ من أمثال: سماحة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي زودني بالتوجيهات القيمة، والآراء السديدة، فجزاء الله خيراً. كما التقيت بعدد من علماء تونس بهذا الاختصاص، ولهم جميعاً الشكر والامتنان. وقد لازمتُ دار الكتب الوطنية (مكتبة العطارين)، وقمت بتصوير بعض الوثائق التي كنت أفتقدها، ولا سيما ما كتب في مجلة "السعادة العظمى" التي كان يصدرها الشيخ الخضر في تونس عام ١٩٠٣ م، كما جمعت ما كتبه في مجلات: "البدر"، و"العرب"، و"الفجر" التي كانت تصدر في تونس، كما نقلت ما كتبته الصحف والمجلات التونسية عن حياته وآثاره. س - علمنا أنكم قد باشرتم بطبع التراث الإسلامي للإمام الراحل، فهل تحدثون قراء "الصباح" عن هذا التراث، وإلى أين وصلتم في إخراجه؟ ج - منذ عشر سنوات خلت شرعتُ في جمع آثار الشيخ ﵀ ومنها: رسائله المطبوعة على اختلافها، ومنها: مئات المقالات التي نشرها في المجلات الإسلامية والمصحف، وخاصة في المجلة التي كان يصدرها في القاهرة، والمعروفة باسم "الهداية الإسلامية". وكذلك المجلات التي كان قد

стр. 6367

ترأس تحريرها مثل مجلة "نور الإسلام"، وهي مجلة الأزهر اليوم، ومجلة "لواء الإسلام". وقد رتبت الأبحاث حسب مواضيعها في كتب طبعتها في دمشق. ومن الكتب التي ثم طبعها: رسائل الإصلاح - محمد رسول الله وخاتم النبيين - بلاغة القرآن - الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان - تونس وجامع الزيتونة - الخيال في الشعر العربي - تراجم الرجال. أما الكتب التي ستطبع -إن شاء الله-، فهي: السعادة العظمى - دراسات في اللغة - هدى ونور- محاضرات إسلامية - الرحلات - القاديانية والبهائية - دراسات في الشريعة الإسلامية - نقض كتاب في "الشعر الجاهلي" لطه حسين - نقض "كتاب الإسلام وأصول الحكم" - خواطر الحياة، وهو شعر فقيدنا الكبير - أسرار التنزيل (١). وقد سبق أن طبعت إحدى دور النشر في دمشق كتاب "دراسات في العربية وتاريخها"، وسيعاد طبعها -إن شاء الله- فيما بعد. كما أني قمت بجمع آثار العم الشيخ محمد المكي بن الحسين، ولا سيما لغوياته التي كانت لها شهرة واسعة بين قراء الأدب، وسأطبعها -إن شاء الله- بعد أن يتم ترتيم في مجموعات أدبية (٢). س - وماذا تحدثنا عن مؤلفات والدكم -أطال الله عمره-؟ إن سيدي الوالد الشيخ زين العابدين -حفظه الله-، منذ أن أقام في

стр. 6368

دمشق، قد احتضنته تلك المدينة العظيمة، وكان له شأن كبير فيها، حيث انصرف إلى التوجه الديني فقط، في حلقات للتعليم والتوجيه تكاد تكون يومية، وقد زود المكتبة العربية بآثار هامة، ما زال يتلقفها القارئ العربي بشوق، ومن مؤلفاته: "المعجم المدرسي" الذي قضى في تحضيره سنوات، و"المعجم في النحو والصرف"، و"دروس الوعظ والإرشاد"، و"الدين والقرآن"، و"المعجم في الكلمات القرآنية"، و"الأربعون الميدانية" في الحديث. وثمة رسائل صغيرة أخرى؛ كمولد النبي ﷺ ، ورسالة في الدين الإسلامي، ورسالة عن الأحاديث الواردة في رمضان، وغيرها. ولسيدي الوالد شغف كبير بتونس، حيث ولد فيها، وقد بلغ هذا الشغف أنه كثيراً ما يحتفل بأبناء تونس الزائرين لدمشق، والذين يتميزون باللباس الخاص بهم، ويدعوهم إلى الدار دون معرفة سابقة، كل ذلك محبة في ذلك البلد. ولا أعتقد أن هناك مواطناً تونسياً، سواء كان من الرسميين الذين زاروا دمشق ضمن وفود حكومية، أو من غيرهم، لم يجتمع بالوالد، إلا القليل -فيما أظن-، وستكون آثاره قريباً في المكتبات التونسية. والواقع أنه يصعب علي الإفاضة بالحديث عن سيدي الوالد، وأترك هذا لمن عرفه من التونسيين؛ لتكون الصورة أوضح بتفاصيلها ووثائقها. ومن المعروف أن الشيخ محمد الخضر حسين عبقرية إسلامية فذة، قلما يجود بها الزمان، وإن كانت ولادته في "نفطة" من الجنوب التونسي، فإن ميدان نضاله اتسع حتى شمل العالم الإسلامي. وفي مثل هذه العجالة لا يمكن حتى الإيجاز عن حياة عظيم من عظماء

стр. 6369

الإسلام في القرن العشرين، وإن آثاره أفضل سبيل لمعرفة هذا العظيم. لقد ولد الشيخ الخضر في بلدة "نفطة" عام ١٨٧٤ م من أسرة علم وصلاح وتقوى يتصل نسبها بالرسول الأعظم ﷺ . وقد انتقل إلى العاصمة تونس مع والده حيث التحق بالجامع الزيتوني، وحصل على شهادة التطويع، ومنذ مطلع حياته بدأ الكتابة وقرض الشعر، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وتولى القضاء في مدينة "بنزرت". وقام بالتدريس في جامع الزيتونة، والمدرسة الصادقية. ارتحل مع عائلته إلى الشرق، فأقام مدة في دمشق، وغادرها إلى القاهرة؛ حيث استقر هناك بقية حياته مناضلاً مكافحاً في شتى الميادين السياسية والدينية. وترأس تحرير مجلة "نور الإسلام"، وعين مدرساً في كلية أصول الدين - إحدى الكليات الأزهرية -، ثم أستاذاً في التخصص، وأنشأ جمعية "الهداية الإسلامية"، وأصدر مجلة تحمل نفس الاسم، وعين عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق، وعضواً في المجمع اللغوي بالقاهرة، وقدم رسالة "القياس في اللغة العربية" التي نال بها عضوية هيئة كبار العلماء، وفي الميدان السياسي قام بتشكيل عدة جبهات للدفاع عن المغرب العربي، ومن أبرزها: (جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية) التي كان لها دور كبير في التمهيد لاستقلال المغرب العربي. وقد اختير عام ١٩٥٢ م إماماً لمشيخة الأزهر، فكان الأزهر في عهده مزدهراً، وتوفي عام ١٩٥٨ ودفن -بناء على وصية منه- مع صديقه المرحوم العلامة أحمد تيمور باشا في المقبرة التيمورية في القاهرة. وأنهى الأستاذ علي الرّضا الحسيني حديثه معنا بقوله: وإني - في هذا

стр. 6370

اللقاء الخاطف- آمل من الباحثين التونسيين دراسة آثار الشيخ دراسة وافية، وتعريفها إلى النشء التونسي، كما آمل موافاة قراء "الصباح" في المستقبل بأحاديث عن حياة الإمام - طيب الله ثراه-.

стр. 6371

محمد الخضر حسين أحد زعماء النهضة الإسلامية أحمد البختري (١) يقف قلم الكاتب أمام ما يمليه عليه فكر حائر، لم يدر ما يكتبه عن حياة هذا العصامي والقطب العلمي، الذي تدور رحاه حول هذا العالم الإسلامي دوران الشمس في الأفق بشعاع نورها الوهاج، فيملأ أديم الأرض بأسرار العلم والحكمة الإلهية، ناشراً على زواياها المدلهمة ذلك النور المشرق من سماء الفكر، الذي خصّ الله به الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر النفطي شيخ الجامع الأزهر الشريف. * حياته: زاول الأستاذ تعليمه بـ "نفطة" حيث ولد، فحفظ القرآن الكريم حفظاً جيداً، كما تغذى من مبادئ العلوم الدينية، ثم التحق بالكلية الزيتونية إلى أن صار من أعلامها الأفذاذ، وتصدى للدفاع عن عزة الإسلام. ولكن سلط الحماية إذا ذاك لم يرق لها هذا النشاط منه، ففكرت جهلاً منها إغراءه بإسناد خطة القضاء الشرعي، لعلها تصدّه وتحدّه عن نشاطه المتزايد.

стр. 6372

* خطة القضاء ببنزرت: قبل هذه الخطة عام ١٣٢٤ هـ، وفي نفس الوقت قام بمحاضرة قيمة بعنوان "الحرية في الإسلام" طبعت بمدينة تونس، وبعد أيام من قبوله للقضاء ببنزرت، قدم تسليمه منها، وغادر البلاد التونسية إلى سوريا، ثم إلى مصر. * بمصر: وفي هذه البلاد العربية التي استقبلته استقبال أبنائها، وفتحت له نواديها، تولى بجامعها الأزهر خطة التدريس، وأنشأ "جمعية الهداية الإسلامية"، وتولى رئاستها، وسمّى مجلتها باسمها "الهداية الإسلامية" التي حياها الأستاذ محمد البسطامي بقوله: طلعت في سماء (مصر) لتحيي ... في بني الشرق أنفساً وعقولاً (١) وفي ١٠ محرم الحرام سنة ١٣٥٢ - هجرية- عاد من زيارته إلى الأقطار الحجازية، فأقيم له حفل تكريم بنادي "جمعية الهداية" المذكورة، شارك فيها عدد كبير من العلماء والأدباء والشعراء المصريين وغيرهم، وقد ألقى الأستاذ علي سعيد أحمد منصور، (بقسم التخصص بالأزهر) قصيداً جاء فيه: عدْ ناصر الدين عَوْدَ النصر والظفر ... يا حجةَ العصر بل يا مرشد البشرِ (٢) إلى أن يقول فيها: نادي "الهداية" نادى وقت ظعنكمُ ... مَنْ لي بمجلس أنس السيد (الخَضِر)

стр. 6373

ثم ألقى الأستاذ محمد أفندي عجاج هذا القصيد الفريد تقتطف منه ما يلي: صوتُ "الهداية" قد أهاب فأسمعا ... بالله يا قومي أجيبوا مَنْ دعا (١) * إسناد مشيخة الأزهر إليه: وفي عهد الثورة الحالية التي حدثت بمصر ١٩٥٢ م أسندت للأستاذ الخضر مشيخة الجامع الأزهر الشريف، ولكن سن الأستاذ أبى عليه البقاء بها طويلاً، وطلب من مجلس الثورة إعفاءه، وقبل منه ذلك. وكان الأستاذ قبل تقليده ذلك المنصب أنشأ مجلة "الأزهر" تصدى فيها للدفاع عن الأزهر الشريف. * الرحلة والتعارف في الإسلام: ومما كتبه فضيلته في هذا الموضوع، فيقول: أخذت السياسة التونسية تنظر إلى الفيلسوف ابن خلدون بعين جافية، فرمى بنفسه في أحضان مصر، ولقي فيها حفاوة ارتفع فيها إلى مستوى العظماء من رجالها النابتين في معاهدها العلمية. وخشي أبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري أن تمسه السلطة المصرية بأذى، فتخلص منها إلى البلاد المغربية، وكان من عاقبه أمره أن تقلد القضاء بمدينة تونس إلى أن توفي بها سنة ٥٨٦ هـ خمس مئة وست وثمانين. ولم يطمئن المقام بالقاضي عبد الوهاب بن نصر في بغداد، فقدم إلى الديار المصرية، وأدرك فيها من الحظوة ما يستحقه الذي يقول فيه المعري:

стр. 6374

والمالكيُّ ابنُ نصرٍ زار في سفرٍ ... بلادنا فحمدْنا النأي والسفرا إذا تفقَّه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشرُ الملك الضليل إن شعرا ودخل أبو عبد الله المقري المغربي دمشق الشام، فأقبل عليه أهلها باحتفاء، ومنحوه رقة وأنساً، حتى أنشد مشيراً إلى انقسام فؤاده بين دمشق ووطنه: إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشام أخرى، كيف يلتقيان؟ تشهد هذه القصص التي ملئت صحف التاريخ بأمثالها: أن العلماء ما كانوا ليستصعبوا فراق أوطانهم، حتى تفقدهم شدة ألفها عن الرحيل إلى حيث تكون سوق المعارف قائمة، وبضاعة الأدب نافقة، أو تشد وثاقهم ليقيموا على هون وغضاضة؛ لأن هممهم إنما كانت تتجه إلى الحياة الاجتماعية الأدبية، فيسهل على (العالم) -ولا سيما أن بلاد الإسلام (وطن واحد) - أن يتحول إلى حيث يكون نظام الاجتماع راقياً، ومجال العمل فسيحاً. * بقصر آل عاشور بتونس: ومن مصر نعود بالقارئ إلى تونس؛ لتحدثه على اجتماع علمي ضم عدداً من علماء تونس، ولم يحضره الأستاذ الخضر، وذلك بقصر الأستاذ الطاهر بن عاشور بالمرسى، فارتجل الأستاذ الطاهر بهذين البيتين، وهما (١):

стр. 6375

تألَّقت الآدابُ كالبدر في السحرْ ... وقد لفظ البحران موجهما الدُّررْ فمالي أرى منطيقها الآن غائباً؟ ... وفي مجمع البحرين يُفتقد (الخَضِرْ)؟! * شعره: ومن شعره هذه القطعة الشعرية الرائعة في الفخر بعنوان: (نخوة)، هذا نصها بحروفها: تبغي الليالي أن تفلَّ حُسامي ... وتصد وجدي بالعُلا وغرامي طفقَتْ تحثُّ خُطا المطية بعدما ... ألقتْ بها أيدي النَّوى بزمام أتخالني أبلى بسلوة خاملٍ؟ ... ما شطَّ عن وطني الأنيس مُقامي العزمُ ما بين الجوانح مرهفٌ ... والمجدُ أنّى سرتُ فهو أمامي والسهمُ يصدرُ راغماً ويُريك منْ ... جلدٍ ترنُّم ظافر بمرام لولا السرى لم ترشف النكباء من ... نفحات ثغر الزهرة البسَّام كم من يدٍ بيضاء طوَّقني بها ... حادي الرّكاب إلى ربوع (الشام) وألذُّها سمرٌ يذكِّرني (البها) ... و (ابن العميد) إلى (أبي تمام) وله أيضاً (الهمام): يرمي الهُمام، وما غير العُلا هدفا ... ولا يباكرُ إلا الروضةَ الأُنُفا والناس شعرٌ إذا ما جئت تنقده ... ألفيتَ سَبْكَ القوافي منه مختلفا كم بين شهمٍ يُداري الصعبَ في شممٍ ... وخاملٍ بات في مهد الهوى دَنِفا وللفضيلة نورٌ لا يكفكف منْ ... شعاعه، جاحدوها حيثما انعطفا (١)
следующие страницы →