محمد الخضر حسين أحد زعماء النهضة الإسلامية
أحمد البختري (١)
يقف قلم الكاتب أمام ما يمليه عليه فكر حائر، لم يدر ما يكتبه عن حياة هذا العصامي والقطب العلمي، الذي تدور رحاه حول هذا العالم الإسلامي دوران الشمس في الأفق بشعاع نورها الوهاج، فيملأ أديم الأرض بأسرار العلم والحكمة الإلهية، ناشراً على زواياها المدلهمة ذلك النور المشرق من سماء الفكر، الذي خصّ الله به الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر النفطي شيخ الجامع الأزهر الشريف.
* حياته:
زاول الأستاذ تعليمه بـ "نفطة" حيث ولد، فحفظ القرآن الكريم حفظاً جيداً، كما تغذى من مبادئ العلوم الدينية، ثم التحق بالكلية الزيتونية إلى أن صار من أعلامها الأفذاذ، وتصدى للدفاع عن عزة الإسلام. ولكن سلط الحماية إذا ذاك لم يرق لها هذا النشاط منه، ففكرت جهلاً منها إغراءه بإسناد خطة القضاء الشرعي، لعلها تصدّه وتحدّه عن نشاطه المتزايد.
стр. 6372
* خطة القضاء ببنزرت:
قبل هذه الخطة عام ١٣٢٤ هـ، وفي نفس الوقت قام بمحاضرة قيمة بعنوان "الحرية في الإسلام" طبعت بمدينة تونس، وبعد أيام من قبوله للقضاء ببنزرت، قدم تسليمه منها، وغادر البلاد التونسية إلى سوريا، ثم إلى مصر.
* بمصر:
وفي هذه البلاد العربية التي استقبلته استقبال أبنائها، وفتحت له نواديها، تولى بجامعها الأزهر خطة التدريس، وأنشأ "جمعية الهداية الإسلامية"، وتولى رئاستها، وسمّى مجلتها باسمها "الهداية الإسلامية" التي حياها الأستاذ محمد البسطامي بقوله:
طلعت في سماء (مصر) لتحيي ... في بني الشرق أنفساً وعقولاً (١)
وفي ١٠ محرم الحرام سنة ١٣٥٢ - هجرية- عاد من زيارته إلى الأقطار الحجازية، فأقيم له حفل تكريم بنادي "جمعية الهداية" المذكورة، شارك فيها عدد كبير من العلماء والأدباء والشعراء المصريين وغيرهم، وقد ألقى الأستاذ علي سعيد أحمد منصور، (بقسم التخصص بالأزهر) قصيداً جاء فيه:
عدْ ناصر الدين عَوْدَ النصر والظفر ... يا حجةَ العصر بل يا مرشد البشرِ (٢)
إلى أن يقول فيها:
نادي "الهداية" نادى وقت ظعنكمُ ... مَنْ لي بمجلس أنس السيد (الخَضِر)
стр. 6373
ثم ألقى الأستاذ محمد أفندي عجاج هذا القصيد الفريد تقتطف منه ما يلي:
صوتُ "الهداية" قد أهاب فأسمعا ... بالله يا قومي أجيبوا مَنْ دعا (١)
* إسناد مشيخة الأزهر إليه:
وفي عهد الثورة الحالية التي حدثت بمصر ١٩٥٢ م أسندت للأستاذ الخضر مشيخة الجامع الأزهر الشريف، ولكن سن الأستاذ أبى عليه البقاء بها طويلاً، وطلب من مجلس الثورة إعفاءه، وقبل منه ذلك.
وكان الأستاذ قبل تقليده ذلك المنصب أنشأ مجلة "الأزهر" تصدى فيها للدفاع عن الأزهر الشريف.
* الرحلة والتعارف في الإسلام:
ومما كتبه فضيلته في هذا الموضوع، فيقول:
أخذت السياسة التونسية تنظر إلى الفيلسوف ابن خلدون بعين جافية، فرمى بنفسه في أحضان مصر، ولقي فيها حفاوة ارتفع فيها إلى مستوى العظماء من رجالها النابتين في معاهدها العلمية. وخشي أبو المكارم هبة الله بن الحسين المصري أن تمسه السلطة المصرية بأذى، فتخلص منها إلى البلاد المغربية، وكان من عاقبه أمره أن تقلد القضاء بمدينة تونس إلى أن توفي بها سنة ٥٨٦ هـ خمس مئة وست وثمانين.
ولم يطمئن المقام بالقاضي عبد الوهاب بن نصر في بغداد، فقدم إلى الديار المصرية، وأدرك فيها من الحظوة ما يستحقه الذي يقول فيه المعري:
стр. 6374
والمالكيُّ ابنُ نصرٍ زار في سفرٍ ... بلادنا فحمدْنا النأي والسفرا
إذا تفقَّه أحيا مالكاً جدلاً ... وينشرُ الملك الضليل إن شعرا
ودخل أبو عبد الله المقري المغربي دمشق الشام، فأقبل عليه أهلها باحتفاء، ومنحوه رقة وأنساً، حتى أنشد مشيراً إلى انقسام فؤاده بين دمشق ووطنه:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجةً ... وبالشام أخرى، كيف يلتقيان؟
تشهد هذه القصص التي ملئت صحف التاريخ بأمثالها: أن العلماء ما كانوا ليستصعبوا فراق أوطانهم، حتى تفقدهم شدة ألفها عن الرحيل إلى حيث تكون سوق المعارف قائمة، وبضاعة الأدب نافقة، أو تشد وثاقهم ليقيموا على هون وغضاضة؛ لأن هممهم إنما كانت تتجه إلى الحياة الاجتماعية الأدبية، فيسهل على (العالم) -ولا سيما أن بلاد الإسلام (وطن واحد) - أن يتحول إلى حيث يكون نظام الاجتماع راقياً، ومجال العمل فسيحاً.
* بقصر آل عاشور بتونس:
ومن مصر نعود بالقارئ إلى تونس؛ لتحدثه على اجتماع علمي ضم عدداً من علماء تونس، ولم يحضره الأستاذ الخضر، وذلك بقصر الأستاذ الطاهر بن عاشور بالمرسى، فارتجل الأستاذ الطاهر بهذين البيتين، وهما (١):
стр. 6375
تألَّقت الآدابُ كالبدر في السحرْ ... وقد لفظ البحران موجهما الدُّررْ
فمالي أرى منطيقها الآن غائباً؟ ... وفي مجمع البحرين يُفتقد (الخَضِرْ)؟!
* شعره:
ومن شعره هذه القطعة الشعرية الرائعة في الفخر بعنوان: (نخوة)، هذا نصها بحروفها:
تبغي الليالي أن تفلَّ حُسامي ... وتصد وجدي بالعُلا وغرامي
طفقَتْ تحثُّ خُطا المطية بعدما ... ألقتْ بها أيدي النَّوى بزمام
أتخالني أبلى بسلوة خاملٍ؟ ... ما شطَّ عن وطني الأنيس مُقامي
العزمُ ما بين الجوانح مرهفٌ ... والمجدُ أنّى سرتُ فهو أمامي
والسهمُ يصدرُ راغماً ويُريك منْ ... جلدٍ ترنُّم ظافر بمرام
لولا السرى لم ترشف النكباء من ... نفحات ثغر الزهرة البسَّام
كم من يدٍ بيضاء طوَّقني بها ... حادي الرّكاب إلى ربوع (الشام)
وألذُّها سمرٌ يذكِّرني (البها) ... و (ابن العميد) إلى (أبي تمام)
وله أيضاً (الهمام):
يرمي الهُمام، وما غير العُلا هدفا ... ولا يباكرُ إلا الروضةَ الأُنُفا
والناس شعرٌ إذا ما جئت تنقده ... ألفيتَ سَبْكَ القوافي منه مختلفا
كم بين شهمٍ يُداري الصعبَ في شممٍ ... وخاملٍ بات في مهد الهوى دَنِفا
وللفضيلة نورٌ لا يكفكف منْ ... شعاعه، جاحدوها حيثما انعطفا (١)
стр. 6376
انظرْ إلى السحب في الآفاق تكتمنا ... شمس النهار، وأرخت دونه سدفا
فمدَّ قوسُ غمامٍ بينها عنقاً ... وذكَّر الناس فضل الشمس وانصرفا
وللحشى نزعاتٌ شد ما صعدت ... إلى الحجى، فأنالت حدَّه رهفا
وله أيضاً هذان البيتان، قالهما ابن الحسين عندما كان القطار يلتوي من ربى بلدة (تارار) (١) في فرنسا وبساط مروجها السندسية. فقال:
لجَّ القطارُ بنا والنَّارُ تسحبه ... ما بين رائق أشجارٍ وأنهار
وإنَّ أعجب ما تدريه في سفرٍ ... قومٌ تُقاد إلى الجنَّات بالنَّارِ (١)
* وفاته:
وقبل وفاة الأستاذ ابن الحسين، تمنى أن لا يموت حتى يرى وطنه حراً مستقلاً، وأدرك ما تمناه، وقد رثاه رجال العلم والأدب من مصر وغيرها، ودفن بالقاهرة في الثالث من رجب الأصب عام ١٣٧٧ سبعة وسبعين وثلاث مئة وألف هجرية، ١٩٥٨ ميلادية.
стр. 6377
لماذا ذهب الشيخ الخضر إلى ألمانيا
محمد صالح الجابري (١)
في بحث جامعي مستوعب، قدّم لنا الأستاذ محمد مواعدة في أول كتاب له، وفي أول باكورة تقدم للطبع من باكورات رسائل التأهيل للبحث الجامعي التي تنظمها وتشرف عليها الجامعة التونسية وأساتذتها - قدم لنا شخصية تونسية إصلاحية، هي شخصية محمد الخضر حسين.
تلكم الشخصية التي تنال الاهتمام لثاني مرة خلال هذا الموسم الأدبي بكتاب أصدره عنها الأستاذ أبو القاسم كرو. ثم بهذه الدراسة الثانية، وإن دل هذا، فإنما يدل على مبلغ العناية التي أصبح أدباؤنا يولونها نحو الجيل المؤسس لحركة البعث والتثقيف والإصلاح.
على أننا نأمل أن تتلو هذه الالتفاتات غيرها يقوم بها الشباب نحو جيل رائد قدر له أن يعيش فترات حالكة صعبة مريرة، فرض عليه خلالها الصمت والقهر والكفاح، وحرم من أبسط ما كان يتمنى أن يراه في حياته، وللإبرار بتاريخنا، فإن علينا أن نوفي هؤلاء بعض الوفاء بنشر ما تركوا في
стр. 6378
مطاوي التاريخ، ونتخذ من أفكارهم - مهما كان مستواها - مقياساً نرى فيه مدى ما شملنا من التطور الذي لهم فيه فضل السبق، وشرف البداية.
ولعل الجامعة التونسية يدفعها الشباب من طلابها في هذا الاتجاه، تسهم مساهمة فعالة في تفتيح أعينهم وأذهانهم على تاريخهم وتراثنا؛ لأن من عادات الشباب منابذة الماضي بدعوى أنه ماض، وليس لأي شيء عداه.
وفي مضمار إحياء هذه الشخصية الإصلاحية، والتعريف بها، والتذكير بأهم آرائها، نلاحظ أن هناك جيلين اثنين متواكبين متكاملين: جيل أبي القاسم كرو، وجيل تلميذه محمد مواعدة، كلاهما يوفي هذا الماضي حقه، مما يدل على تكامل الجهود، وعلى الإحساس المشترك بعبء الوفاء ..
قسّم الأستاذ مواعدة رسالته إلى ثلاثة أقسام تخللتها فصول وأبواب عديدة ومقدمتان، إحداهما: للمؤلف، شرح فيها منهجه أثناء الدراسة، والطريقة التي اتبعها للوصول إلى ما وصل إليه من الاراء، والدوافع التي جعلته يختار هذه الشخصية لبحثه دون غيرها قائلاً بهذا الصدد: "اهتممت بدراسة شخصية الشيخ محمد الخضر حسين؛ لأنه علم بارز من أعلام الإسلام في العصر الحديث، شارك مشاركة فعالة في الحركة الفكرية، سواء في المغرب، أو المشرق العربيين، وارتبط اسمه بأسماء عدد كبير من رجالات الدين، قاموا بدرهم في ميادين مختلفة دينية ولغوية وأدبية وسياسية".
يضم القسم الأول من أقسام الكتاب الثلاثة: حياة المؤلف بالبلاد التونسية منذ ولادته بـ "نفطة" إلى حين انتقاله إلى العاصمة. "فلقد تربى محمد الخضر حسين في بيئة يسيطر عليها العلم، وتغمرها الثقافة، ويحيط بها الورع الديني من كل جانب، فحفظ القرآن الكريم على مؤدبه الخاص الشيخ عبد الحفيظ
стр. 6379
اللموشي، ودرس بعض العلوم الدينية واللغوية على عدد من العلماء، وخاصة منهم خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز" (ص ٢٥).
وبالعاصمة تابع الشيخ الحسين دراسته بجامع الزيتونة على عدد من الشيوخ البارزين، ثم تخرج منها ليؤسس مجلته "السعادة العظمى" التي تعتبر أولى المجلات بتونس، وذلك قبل أن يتقلب في وظائف عديدة في ميدان القضاء. وقد تأثر في هذه الفترة "بعدد من شيوخ العلماء الذين كان حريصاً لا على متابعة دروسهم فقط، بل كذلك على حضور مجالسهم، والاستماع إلى أحاديثهم ومناظراتهم في شتى فنون الأدب واللغة والدين. وأبرز هؤلاء الشيوخ ثلاثة، هم: الشيخ سالم بو حاجب، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار" (ص ٤٣).
وهؤلاء "وإن تشابهوا في القيمة العلمية، فقد اختلفوا في أسلوب التفكير، ومعالجة القضايا العلمية، وخاصة الإسلامية منها، كما اختلفوا في نظرتهم إلى الحركة الإصلاحية التي كانت محل حوار ونقاش وجدال لدى الأوساط الفكرية والثقافية في تونس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين" (ص ٣٧).
ويشمل الباب الثاني حياة الشيخ محمد الخضر حسين بالبلاد السورية التي انتقل إليها أول مرة يزور إخوته الذين استقروا هناك. واتصل هناك بالأوساط العلمية والثقافية. وألقى المحاضرات، وتبادل الإعجاب مع جلة علماء الشرق إثر توقفه بالإسكندرية، ثم القاهرة أولاً قبل أن يصل مدينة دمشق في سنة ١٩١٢ م .. "وقضى الشيخ محمد الخضر بدمشق كامل شهر رمضان، زار خلاله أهم المؤسسات الثقافية بالعاصمة السورية، وخاصة الجامع الأموي،
стр. 6380
حيث ألقى اثني عشر درساً في الحديث حضرها عدد كبير من طلاب العلم والشيوخ" (ص ٦٢).
وعلى إثر عودته من دمشق، وجد قراراً بفصله من خطة التدريس بالمعهد الصادقي ينتظره، فحزّ ذلك في نفسه، وقرر الرحيل إلى الشرق نهائياً.
و"منذ المدة الأولى التي استقر فيها بدمشق، وقع انتدابه للتدريس بالمدرسة السلطانية. وهي من أبرز المعاهد الدينية بالبلاد السورية .. وبالإضافة إلى ذلك واصل إلقاء محاضراته العلمية بالجامع الأموي، وكتابة مقالاته في الصحف والمجلات، ويبدو أنه اهتم في هذه الفترة بالمشكلة العربية والتركية، ودعا إلى ضرورة تمتين روابط الإلفة بين العرب والأتراك في ظل الخلافة العثمانية" (ص ٦٩).
وفي حمأة الأزمة التي أثارها بطش جمال باشا السفاح بالوطنيين الشاميين، أدخل الشيخ الخضر السجن، ثم لم يلبث أن أفرج عنه لبراءته، وانتدب في خدمة العثمانيين متنقلاً بين الآستانة وألمانيا في محاولة تثوير الوطنيين التونسيين، وتكتيل جهودهم ضد الاستعمار الفرنسي الذي كان يوالي الحلفاء ضد الألمان والأتراك.
وبعد نهاية الحرب، وبعد استباحة الاستعمار الفرنسي دمشق، قر قرار الشيخ الخضر بالهجرة إلى مصر التي قضى بها بقية حياته، وفيها أثبت خطوته التي أهلته لأن يكون ضمن أعضاء مجمعها اللغوي، وشيخ جامعها الأزهر في سنة ١٩٥٢ م.
وقد كانت للشيخ الخضر في مصر نشاطات جمة: أبرزَها الأستاذ محمد مواعدة في الباب الثالث والأخير من كتابه .. نشاطات تهتم بوضعية المغاربة،
стр. 6381
وبموقفه من الألفة الإسلامية، وتأسيس جمعية "الهداية الإسلامية"، ومجلة "نور الإسلام".
ولعل أبرز نشاطاته العلمية والفكرية ما كان يمارسه ضمن هيئة كبار العلماء، والتدريس بالأزهر، وظهور كتابيه وإنقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (١)، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين. وهما كتابان -على ما لصاحبهما من نظرة خاصة- بوأه مكانة ممتازة في نخبة المثقفين المصريين.
ولعل أهم هذه الأقسام وهذه الفصول التي كانت على غاية من الدقة والتفصيل والأناة العلمية القسمُ الثاني من الباب الثالث، وهو القسم الذي شمل حياة الشيخ الخضر الثقافية وآثاره؛ إذ تناول فيه الباحث جملة مؤلفاته في تفصيل ودقة .. تليق بمكانة الكتاب، وبمكانة شخصية الشيخ المصلح، وبمكانة الجامعة التي أهلت بحثه ليكون باكورة ما يطبع من بحوث طلابها. وهو القسم الذي أريد للقارئ أن يقرأه بنفسه؛ لأن تلخيصه يفسد متعة مطالعته.
стр. 6382
محمد الخضر حسين حياته وآثاره
الحبيب الشاوش (١)
يعرّف هذا الكتاب بأحد الأعلام المعاصرين، هو: محمد الخضر حسين، وهو من رجال الفكر والأدب التونسيين مولداً ونشأة، ساهم في إخصاب التراث العربي الإسلامي لإنتاج متنوع في الحقلين الديني والأدبي، إلا أنه كان - إلى حد كبير- مغمور الذكر والإنتاج (٢)، لا سيما وأن ما خلفه من مؤلفات ومقالات عديدة في المجلات والمصحف العربية - التونسية منها والشرقية - كان شتاتاً مهملاً، لا يكاد يعرفه الكثيرون معرفة دقيقة شاملة. ويتضح من مطالعة آثار الرجل أنه كان يغلب على ثقافته وتفكيره واتجاهه الطابع التقليدي،
стр. 6383
وهو بذلك ينتمي إلى شق المحافظين من الناحية الدينية، وحتى السياسية؛ كما سيأتي.
وظهر هذا الكتاب، مساهماً به صاحبه في إزاحة الغشاوة عن هذا العلامة في حياته ورحلاته وإنتاجه ونشاطه، وهو بحث أنجزه السيد محمد مواعدة تحت إشراف الأستاذ المنجي الشملي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة التونسية، لنيل شهادة الكفاءة في البحث (١).
ويشتمل الكتاب على ثلاثة أقسام رئيسية (٢) متبوعة بملحق (٣)، وقد صُدر بتقديمين: الأول: للأستاذ المنجي الشملي (٤)، والثاني للسيد محمد مواعدة (٥)، ونجد في نهايته قائمة المراجع والمصادر، وفهرساً للأعلام.
وأول ما يسترعي انتباه القارئ لهذا الكتاب: عناية كل من صاحب البحث والأستاذ المشرف عليه بحب الإلمام بكل جوانب الموضوع على أساس الوضوح والشمول؛ مما يوفر للدارس سعة الانتفاع، ويسر الاستفادة بما جاء فيه، وإن الموضوع لعلى جانب من الطرافة تستهويك دراسته، ذلك أن شخصية محمد الخضر حسين طريفة في حد ذاتها، رغم بعض الشذوذ والتصلب في التفكير والاتجاه، بقدر ما كانت مجهولة أو تكاد، وقد ألمع
стр. 6384
الأستاذ الشملي إلى ذلك في تقديمه الكتاب بقوله (١):
"نذكر جميعاً هذا الرجل، فنكاد لا نتصوره إلا رمزاً غَامضاً، يعرف الواحد من أمره ما لا يعرفه الآخر، هذا يكبره ولا دليل، وذاك يستنقصه ولا حجة، والرجل الرشيد يقتصد في الحكم فيتوقف. أما الآن فقد تجلّت لنا عن حياة الرجل وأفعاله ومواقفه وآثاره صورة إلا تكن واضحة وضوحاً، فهي غير غامضة على كل حال، وإلا تكن مقنعة إقناعاً، فهي سبيل إلى اليقين ... ".
وقد خصص السيد محمد مواعدة القسم الأول من بحثه لدراسة حياة الرجل في أطوارٍ لها ثلاثة، موزعاً لدراسته على أبواب وفصول.
أما الطور الأول: فيتعلق بحياة محمد الخضر حسين بالبلاد التونسية؛ أي: مرحلة السنوات التي قضاها في تونس منذ ولادته ببلدة "نفطة" إلى تعلّمه ثم تعليمه، وهي (فترة التعليم والتكوين)، وتمتد من سنة ١٨٧٣ - سنة ولادته (٢) - إلى سنة ١٩١٢، وهي السنة التي غادر فيها البلاد التونسية نهائياً إلى الشرق.
وأهم ما يجدر ذكره أن الرجل قضى سنوات طفولته بمسقط رأسه بالجنوب التونسي حتى الثالثة عشرة من عمره، ثم انتقلت عائلته إلى تونس العاصمة (٣) حيث واصل تعلّمه الابتدائي، وقد كان شرع فيه عندما كان بـ "نفطة"، ثم التحق بجامع الزيتونة (٤) للمزيد من التعمّق في العلم والتبحر فيه.
стр. 6385
ويمضي السيد محمد مواعدة متحدثاً في هذا القسم عن جامع الزيتونة في ذلك العهد، وعن شيوخ محمد الخضر حسين، وتخرجه عنهم، ثم توليه خطة القضاء ببنزرت، والتدريس بجامع الزيتونة إلى تاريخ رحلته إلى الشرق، وهو بداية الطور الثاني من حياة الرجل، وتخص هذه المرحلة الثانية كامل الفترة التي قضاها من حياته في دمشق، وانتقل أثناءها إلى الآستانة وبرلين، وتمتد من سنة ١٩١٢ إلى سنة ١٩٢٠ م، وهي السنة التي غادر فيها سوريا للاستقرار نهائياً بمصر، ويمكن تسميتها بمرحلة التنقل والترحال.
وأهم ما يحتفظ به الدارس من هذه المرحلة الثانية من حياة الرجل: أنها امتازت بكثرة التنقل أثناء الحرب العالمية الأولى، وقد قام فيها بمهام خطيرة لم يرد في شأنها ما يشفي الغليل من تفاصيل واضحة، بقدر ما نعرف من ناحية أخرى أن محمد الخضر حسين أمضى في دمشق أعواماً طويلة، ودرّس علوم الدين والعربية في المدرسة السلطانية (١)، كما نعلم عن الرجل من حيث اتجاهه السياسي (٢): أنه كان يثتمي منذ كان بتونس إلى الحزب الدستوري
стр. 6386
القديم الذي أسسه عبد العزيز الثعالبي سنة ١٩٢٠ م.
أما المرحلة الثالثة والأخيرة من حياته، فهي تشمل السنوات التي قضاها في مصر حيث استقر نهائياً، وتمتد من سنة ١٩٢٠ إلى وفاته سنة ١٩٥٨ م، وقد سماها صاحب الكتاب بمرحلة (المجد الثقافي)؛ لأنها الفترة التي أظهر فيها قيمته الثقافية، وبرزت فيها مكانته، وتقلد أثناءها مناصب علمية عالية كدت غزارة علمه، وعمق شخصيته، ومن أهم هذه المناصب: إشرافه بمصر على مشيخة جامع الأزهر (١).
واعتمد السيد مواعدة -كما نلاحظ مما سبق- في هذا التقسيم لحياة الرجل، الإطار التاريخي والجغرافي، متبعاً في ذلك طريقة كل الذين كتبوا عن حياة الخضر حسين، الذي درج هو نفسه على نفس النسق عند حديثه عن أطوار حياته بمناسبة حفل التكريم الذي أقامه له أحد تلامذته الدكتور عبد الوهاب المالكي عند زيارته دمشق سنة ١٩٣٧ م (٢).
وفيما يتعلق بآثار محمد الخضر حسين، فقد قدمها السيد مواعدة مع التعريف الموجز بمحتواها وقيمتها، ساعياً إلى تحليلها باقتضاب، مبيناً غزارتها وشمولها لميادين كثيرة من المعارف، ولا سيما الدين والأدب واللغة والسياسة، ومن الملاحظ أن هذه الآثار مرتبة في ثلاثة أبواب:
أ - الباب الأول: وهو يشمل المحاضرات المنشورة، والمقالات المجموعة في كتب، وأهم المواضيع التي تناولتها: الإصلاح في الإسلام،
стр. 6387
وبلاغة القرآن، والحرية في الإسلام، ثم مواضيع لغوية وأدبية؛ مثل: حياة اللغة العربية، والخطابة عند العرب، وعلماء الإسلام في الأندلس.
ب - الباب الثاني: وهو يشمل ما ألفه الرجل من كتب في اللغة والآداب، ولا سيما كتابيه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (١). و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" (٢)، ويشمل هذا الباب أيضاً مجموعة من البحوث والرسائل.
ج - الباب الثالث: تعرض فيه السيد مواعدة إلى الحديث عن محمد الخضر حسين الشاعر الذي يجمع قسماً من قصائده في ديوان بعنوان "خواطر الحياة"، ولا يزال القسم الآخر موزعاً في المجلات والصحف (ينتظر الجمع والتبويب والنشر).
وفيما يتعلق بتبويب هذه الآثار، أشار صاحب البحث إلى أنه لم يعتبر فيه العامل التاريخي، وذلك (لتداخل المقالات الموجودة في هذا الميدان)، بل (اعتمد إطار العمل وشكله)، بقطع النظر عن محتواه حتى (يتجنب إعادة بعض المعاني، وذكر بعض الآثار في مناسبات عديدة) (٣).
وقد عني السيد مواعدة بإبراز عناصر الشخصية الجذابة التي يتميز بها محمد الخضر حسين عناية خاصة، ولخصها في أربعة محاور، وهي:
- محمد الخضر حسين العالم في شؤون الدين.
стр. 6388
- محمد الخضر حسين الأديب.
- محمد الخضر حسين المصلح.
- محمد الخضر حسين السياسي.
وسعى إلى تحليل كل منها بإيجاز اعتماداً على مراحل حياة الرجل، وما تركه من مؤلفات، وإلى بيان قيمة شخصيته الثقافية، ومكانتها ضمن الحركة الفكرية الإسلامية (١).
ويتضح من هذه الدراسة أنها شخصية قوية عميقة ساهمت مساهمة ملموسة في الحركة الإصلاحية، وقد علق عليها الأستاذ الشملي بقوله: "هي شخصية قوية لا شك، عنيدة صُلبة آسرة (٢) ". وفي أواخر الكتاب (ملحق) يشتمل على مجموعة المقالات الوصفية التي ألفها محمد الخضر حسين عن رحلاته إلى البلاد الجزائرية، ويلدان المشرق العربي، ويلدان أورباوية مختلفة، وقد نشرها صاحبها في المجلات والمصحف، إلا أنها بقيت موزعة، لذلك عمد صاحب البحث إلى جمعها، والتعليق عليها، وغرضه من ذلك "تمكين القارئ من الاطلاع على آراء الرجل وأفكاره بالاعتماد على نصوص من تحريره، بالإضافة إلى ما أوردناه في شأنه في هذه الدراسة" (٣).
ولئن كانت هذه الرحلات قد دُونت، أو دوّن جلّها في شكل مقالات محررة بقلم صاحبها، ألم يكن من الأجدر والأجدى أن تُضَمّ إلى مجموعة آثاره، وتُلحق بالقسم الثاني من الكتاب، وهو القسم المخصص لآثار الرجل
стр. 6389
على تنوّعها، اللهم إلا أن يكون السيد مواعدة قد عثر عليها، أو دُلّ إليها بعد أن أنجز عمله كاملاً ... فيكون هكذا قد لجأ إلى إضافة هذه المقالات الوصفية الخاصة برحلات الرجل في شكل (ملحق) في آخر البحث، وقد يكون رائده من ذلك حب الإفادة بما ظفر به في آخر المطاف من هذه الآثار.
وعلى كل، فيبدو أقرب إلى المنطق أن تُعدّ هذه المقالات من جملة آثار محمد الخضر حسين، وتُحشر ضمنها، وأهم هذه المقالات ثلاث:
- "الرحلة الجزائرية" (١).
- "خلاصة الرحلة الشرقية" (٢).
- "حديث عن رحلتي إلى دمشق" (٣).
والملاحظ أن الكثير من الأعلام المذكورين في هذه الرحلات لم يقع التعريف بهم، على أن صاحب البحث يعترف بذلك لصعوبة وجدها في القيام بهذا العمل، وله فضل التواضع في الاعتراف بذلك إذ يقول (٤):
"وقد اعترضنا صعوبة كبيرة في التعريف ببعض الأعلام المذكورين في هذه الرحلات خاصة في "خلاصة الرحلة الشرقية"، وقد تمكنا من التعريف بالبعض منها، وبقي عدد آخر لم نتمكن من التعريف به".
وفيما يتعلق بقائمة المراجع والمصادر -وهي عربية وفرنسية- فقد رتبها السيد مواعدة حسب تواريخ صدورها، وتشتمل المراجع على:
стр. 6390
أ - الكتب.
ب - المجلات.
ج - الجرائد.
أما المصادر، فتضمنت كلها ما نشر من مؤلفات محمد الخضر حسين.
وأما فهرس الأعلام - وهو مرتب حسب حروف الهجاء -، فلم يشمل الأعلام الموجودة بالحواشي (١).
هذا، وإن إخراج الكتاب وطبعه على جانب من الأناقة، ما عدا غلطات مطبعية وردت هنا وهناك، ونذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر:
- ص ٣٣٣، س ١٣: رقم (٦) أمام (العلامة السيد محمد بن جعفر الكتاني) عوض رقم (٢).
- ص ٣٣٥، س ١٢: (المحتلون) عوض (المحتفلون).
وختاماً يعتبر هذا البحث مفيداً من حيث تمكينه القارئ الدارس من الاطلاع على جوانب من شخصية هذا العلامة التونسي الشهير في العالم الإسلامي، وعلى جوانب هامة من نظرياته وآرائه واتجاهه الإصلاحي، وهو من شأنه أن يفتح أبواباً جديدة على طريق البحث العلمي بخصوص هذه الشخصية؛ لزيادة التعمق في تحديد معالمها لدى المهتمين بالحركة الفكرية في بلادنا والعالم الإسلامي.
стр. 6391
وثيقة تاريخية هامة صادرة عن جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية
الدكتور محمود عبد المولى (١)
* محرر الوثيقة:
أما محرر الوثيقة الخطيرة باسم: (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية)، فهو - دون ريب - محمد الخضر حسين، باعتبارها تحمل توقيع الشيخ بكل وضوح. فمن هو هذا الرجل؟.
لا يتسع مجال هذه المقدمة القصيرة للحديث عن جوانب الشيخ كلها؛ أي: باعتباره علماً بارزاً من أعلام الفكر الإسلامي الحديث، قد ساهم طويلاً مساهمة جادة في الحركات الفكرية والسياسية في تونس والمشرق على السواء؛ حيث ارتبط اسمه بأسماء عدد كبير من رجالات الدين الذين قاموا بدور هام في ميادين مختلفة: دينية ولغوية وأدبية وسياسية، فكتاب محمد
стр. 6392
مواعدة عن الشيخ يحيط بهذه الجوانب إحاطة شاملة.
غير أن الجانب السياسي-في رأينا- يحتاج إلى دعم علمي بالوثائق، الأمر الذي جعل المؤلف محمد مواعدة يبدي تحفظات، واعترف- بتواضع نادر- بأنه لم يتمكن من تقديم صورة واضحة عن النشاطات السياسية للشيخ المترجم له؛ إذ اكتفى بما تجمع لديه من معلومات، واستخلاص صورة تقريبية راجياً أن تزداد جلاء عند الحصول على وثائق أخرى، هي الآن -حسب زعمه- لدى بعض أصدقاء الشيخ، وخاصة عن نشاطه بالبلاد المصرية.
والجدير بالتذكير هنا: أن الشيخ محمد الخضر حسين ولد في بلدة "نفطة" في الجنوب التونسي في (٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ -٢١ جويلية ١٨٧٣ م)، وبعد حياته بالبلاد التونسية وبالبلاد السورية قضى -كابن خلدون- بقية عمره في مصر (إلى وفاته عام ١٩٥٨ م) حيث رقي فيها إلى أعلى المناصب، نخص بالذكر منها: مشيخة الجامع الأزهر.
هذا بعد نشاطه الديني، والعلمي، والأدبي، والسياسي، في كل من تونس ودمشق والآستانة (تركيا)، وخاصة بأوربا (برلين وجنيف) أين اتصل بالأخوين باش حانبة (محمد، وعلي)، والشيخ صالح الشريف، وغيرهم من مناضلي المغرب العربي الذين يتفق وإياهم في النظرية والاتجاه السياسي اللذين يتمثلان في تحرير أقطاب المغرب العربي (خاصة) من الاستعمار الفرنسي (المسيحي)، والعمل في ظل الحكومة العثمانية بالآستانة، أو ببرلين من أجل:
١ - (رابطة إسلامية) ستضم -عند قيامها- المسلمين كافة، في نظام سياسي مركزي، وهو نظام الخلافة، كما يتبين لنا ذلك من خلال كتابه "نقض
стр. 6393
كتاب الإسلام وأصول الحكم".
٢ - تحرير المغرب العربي (أفريقية الشمالية)، ووحدة قضيته ومصيره، كما يتبين لنا ذلك من تأسيسه (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية)، ومن قراءتنا للوثيقة التي تخلفت عن هذه الجبهة.
ولا بد من التذكير أيضاً: أن الشيخ محمد الخضر حسين قد أمضى التقرير الذي وجهته (اللجنة التونسية الجزائرية للدفاع عن مطالب الشعب الجزائري - التونسي) إلى مؤتمر الصلح المنعقد في فرنسا، وأمضى هذا التقرير حسب الترتيب كل من: الشيخ صالح الشريف التونسي، والمترجم له، ومحمد مزيان التلمساني، ومحمد الشيبي التونسي، ومحمد بيزار الجزائري، وحمدان ابن علي الجزائري، ومحمد باش حامبة.
ومما يذكر بهذا الصدد: أن مجلة "المصور" قامت بإجراء حديث صحفي مع الشيخ محمد الخضر حسين بعد أسبوع من توليه مشيخة جامع الأزهر، ومما قاله لمبعوثها:
"ولعلكم تنظرون إليّ نظرتكم إلى رجل عجوز هرم، ولكن هذه الشيخوخة البادية هي نتيجة الكفاح السياسي، أما القلب والرأس، فما زالا فتيين" (١).
стр. 6394
علماء تونسيون في دمشق (١)
الدكتور صلاح الدين المنجد
وأُنهي هذا البحث بذكر عالمين تونسيين كبيرين، هبطا دمشق، وأفادا أهلها. وهما: الأخوان العلامة الشيخ محمد الخضر حسين، وأخوه الشيخ زين العابدين، وقد ترجمتُ لهما تراجم طويلة في كتابي "أعلام العصر". وقد وُلد الشيخ الخضر في بلدة "نفطة" بالقطر التونسي سنة ١٢٩٤ هجرية، والتحق وهو في الثانية عشرة من عمره بجامع الزيتونة، فدرس فيه، وتخرج منه سنة ١٣١٦ هـ. وأنشأ سنة ١٩٠٤ م مجلة علمية أدبية كانت أول مجلة من نوعها في المغرب كله، سماها: "السعادة العظمى"، فأغلقتها السلطات الفرنسية، ثم تولى القضاء في مدينة "بنزرت" عام (١٩٠٥ م / ١٣٢٣ هـ). ولم يطب له القضاء، فعاد إلى الزيتونة والمدرسة الصادقية مدرّساً.
وقبيل الحرب العالمية الأولى حكم عليه الفرنسيون بالإعدام؛ لاشتغاله بالسياسة، وإثارته الخاصة والعامة، فهاجر إلى دمشق مع أسرته، وأخيه.
стр. 6395
وجلس في الجامع الأموي يلقي دروساً في أصول الفقه، والخلاف، والنحو، والأدب، والحديث النبوي. وكرمه علماء دمشق، وأحبّوه؛ للطفه، ودماثة خلقه، وحلاوة معشره. ثم سافر إلى الآستانة، وتولى التحرير في وزارة الحرب، وعاد منها أوائل سنة ١٩١٨ م.
وكانت دمشق تفور بفكرة الوطنية، فعاد يدرّس في الأموي. فلم ترُق دروسه لجمال باشا؛ لما كان يبثه في تلاميذه من معاني الوطنية والإصلاح، فاعتقله أشهراً في السجن، وفي سجنه نظم هذه الأبيات اليائسة:
غلَّ ذا الحبسُ يدي عن قلمٍ ... كان لا يصحو عن الطرسِ فناما
أنا لولا همّةٌ تحدو إلى ... خدمةِ الإسلام آثرتُ الحِماما
ليست الدنيا، ومايبسم من ... زهرها إلا جَهاماً وقتاما
وتوسط له علماء دمشق، فأفرج جمال باشا عنه، وبقي في دمشق حتى عام ١٩٢٠ م، وشهد مولد الحكومة العربية الأولى في سورية، وقرّبه الملك فيصل، ورأيت رسالة بخطه وقعّ فيها: محمد الخضر حسين التونسي الدمشقي.
فلما دخلت الجيوش الفرنسية دمشق، وقام عهد الانتداب، لجأ إلى مصر، وكان له فيها كفاح جديد وطويل في خدمة الإسلام. وكانت همته شمّاء، فالتحق بالأزهر، وقدّم الامتحان للشهادة العالمية، فنالها، وألّف "جمعية الهداية الإسلامية"، وأصدر لها مجلة باسمها رأس تحريرها، ثم درّس في الأزهر في كليتي الشريعة وأصول الدين، وعُيّن رئيساً لتحرير مجلة "الأزهر" (١)
стр. 6396
مدة، كما تولى رئاسة مجلة "نور الإسلام". وانتهى به الأمر أن انتُخب شيخاً للجامع الأزهر عام ١٩٥٢ م، وكان أول عالم غير مصري الأصل يُنتخب شيخاً للأزهر.
وكان له في مصر مواقف باهرة في الدفاع عن العربية والإسلام. فألّف كتاباً في "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق. وكتاباً في "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكتاب "الدعوة إلى الإصلاح"، و"رسائل الإصلاح"، و"دراسات في العربية وتاريخها"، و"الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"، و "محمد رسول الله وخاتم النبيين"، و"تراجم الرجال"، و"بلاغة القرآن"، وغير ذلك.
وانتُخب عضواً في مجمع دمشق، ثم في مجمع القاهرة عند إنشائه سنة ١٩٣٢ م، وكان ﵀ نمطاً خاصاً في ثقافته الإسلامية والعربية، التي أحاطت بكل شيء، فكان: فقيهاً، أصوليّاً، مفسراً، محدّثاً، أديباً، شاعراً، لغوياً، مصلحاً.- وتوفي بالقاهرة سنة ١٩٥٨ م، ودفن بالمقبرة التيمورية.
أما أخوه الشيخ زين العابدين بن حسين، فقد ولد بتونس سنة ١٣١٧ هجرية، فدرس في الزيتونة، وحفظ القرآن الكريم، ونال شهادة (التطوع)، وكان من أساتذته -كما كتب لي بخطه-: الشيخ محمد بن يوسف، وشيخ الإسلام أحمد بيرم، والشيخ الصادق بن القاضي، والشيخ الطاهر بن عاشور، والشيخ بلحسن النجار، والشيخ صالح المالقي ﵏ وكلهم من
стр. 6397
أعيان علماء تونس، ثم انتقل إلى دمشق مع أخيه الشيخ الخضر.
ودرّس اللغة العربية في مدرسة السلطاني العربي، وبقي في دمشق، ولم يغادرها مع أخيه، وعندما أُنشئت الجامعة السورية، التحق بكلية الآداب، ونال شهادة الآداب العليا. ثم درّس في مدارس دمشق الرسمية الابتدائية، ثم الثانوية، ثم دور المعلمين، حتى أُحيل على التقاعد عام ١٩٥٠ م، بعد أن تخرج على يديه آلاف من التلاميذ الدمشقيين.
وكان أستاذي في (مدرسة البحصة) الابتدائية، يعلّمنا النحو والعربية. وكان التلاميذ يحبّونه؛ للطف كان فيه، ودُعابة. وألف مؤلفات مفيدة منها: "المعجم المدرسي"، و"المعجم في النحو والصرف"، وهو جيد، و"المعجم في القرآن" (١)، و"الدين والقرآن"، و"الأربعون الميدانية" في الحديث، وغير ذلك.
وكانت داره في حي الميدان مجمعَ الأفاضل، وكانت له دروس عامة يلقيها، ويجتمع فيها الكثيرون، ويفيدون منها. وكان في منتهى الذكاء، يخاطب كُلّاً على قدر عقله وفهمه، وكان لطيف المعشر، خفيف الظل، مع صلاح ووقار، وتوفي ﵀ سنة ١٩٧٧ م، جاءنا خبر وفاته إلى بيروت.
أيها السادة!
هؤلاء أنموذجات من علماء تونس الذين انطلقوا منها، ومن الزيتونة، فملؤوا دمشق والبلاد الإسلامية الأخرى بعلمهم، وقد تعمّدت ذكرهم؛ لأنهم أسهموا في ازدهار الثقافة الإسلامية في دمشق. ولي -ونحن في مطلع
стр. 6398
هذا القرن الخامس عشر- أملان: الأول: أن يتصدّى زملاؤنا الأساتذة التونسيون الشباب لإتمام هذا الموضوع، والبحث عن الأثر الثقافي التونسي في كل بلد عربي وإسلامي، والثاني: أن ينطلقوا هم أيضاً على خُطا أولئك، ويفيدوا البلاد الإسلامية كلها بعلمهم وثقافتهم. وإنهم لخليقون بذلك -إن شاء الله-.
стр. 6399
أعلام العلماء الشيخ الخضر حسين
محمد عبد الله السمان (١)
* العلم والجهاد:
قليلون (٢) الذين يعرفون فضيلة الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق، الذي ولي مشيخة الأزهر عام ١٩٥٢، واستقال عام ١٩٥٤ م، ولزم داره حتى وافته منيته في فبراير عام ١٩٥٨ م.
وربما كان لهؤلاء عذر أو بعض العذر؛ فالشيخ مصري الإقامة، تونسي الأصل، ولد ﵀ في بلدة "نفطة" في تونس سنة ١٢٩٣ هـ، وقد انتقلت أسرته إلى تونس العاصمة، والتحق الشيخ بجامع الزيتونة، وحصل على شهادة العالمية، ولم تشغله الوظيفة عن طلب العلم. وقد تولى قضاء "بنزرت"، وولي التدريس أيضاً بجامع الزيتونة، على أن يسهم بقلمه ولسانه وشبابه في الحركة الوطنية ضد الاستعمار الفرنسي، ويسهم في النهضة العلمية
стр. 6400
والأدبية هناك باعتبار أن النهضة العلمية والأدبية تقف إلى جانب الحركة الوطنية في تحرير الوطن من الاستعمار الأجنبي الدخيل.
أصدر في تونس مجلة "السعادة العظمى"، وهي إسلامية سياسية أدبية ..
كانت عصا الترحال تلازم الشيخ، رحل إلى تركيا، ثم إلى تونس، ولما اشتدت وطأة الاستعمار الفرنسي، واشتدت في مواجهتها الحركة الوطنية ضد الاستعمار، وأحس الشيخ الشاب أن عيون الاستعمار ترصده، قرر الهجرة إلى دمشق أولاً؛ ليواصل جهاده بقلمه ولسانه، وفي دمشق عين مدرساً في المدرسة (السلطانية) التي درس بها الإمام محمد عبده، ثم رحل من دمشق إلى الآستانة، وسافر إلى ألمانيا مرتين، وله هناك ذكريات سجلها في ديوان. ولم يطب له المقام في دمشق، فقرر الاستقرار بالقاهرة؛ حيث توثقت صلته بأبرز مفكريها؛ أمثال: الشيخ محمد رشيد رضا، والعلامة أحمد تيمور باشا ..
الحق أن مصر فيما مضى كانت كعبة القاصدين من المجاهدين السياسيين، والمفكرين الإسلاميين الذين ضاقت عليهم الأرض بوجود الاستعمار، كانوا يجدون في مصر أهلاً، وينزلون سهلاً، قصدها الحكيم الثائر جمال الدين الأفغاني، والحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين، وعبد الكريم الخطابي بطل الريف بالمغرب، والشيخ البشير الإبراهيمي شيخ علماء الجزائر، وغيرهم.
وحين حل الشيخ محمد الخضر حسين بالقاهرة التحق بالأزهر، وحصل على العالمية، ورأس تحرير مجلة نور الإسلام "الأزهر" فيما بعد منذ إنشائها عام ١٩٢٩ م، وكانت في عهده مجلة ذات قيمة علمية وفكرية، يجد فيها الخاصة والعامة بغيتهم، وعين الشيخ أستاذاً متفرغاً في جامعة الأزهر، وأسهم في
стр. 6401
تأسيس "جمعية الشبان المسلمين"، ثم أسس "جمعية الهداية الإسلامية"، ومجلتها التي تحمل نفس الاسم، وكان مقرها بميدان لاظوغلي. ومن خلال هذه الجمعية تعرفتُ على الشيخ، وتوثقت صلتي به، وكانت الجمعية تضم خلاصة العلماء والمفكرين، كما كانت مقصد الطلاب المغاربة من ذوي الحاجات المادية والعلمية، وكان الشيخ ﵀ ينفق على هذه الجمعية ومجلتها من ماله الخاص ..
واختير الشيخ عضواً في هيئة كبار العلماء لدراسته القيمة عن القياس كمصدر من مصادر التشريع، ثم اختير عضواً في المجمع اللغوي.
وعندما أصدر الأستاذ أحمد حمزة ﵀ مجلة "لواء الإسلام" اختار الشيخ الخضر حسين أول رئيس تحرير لها، ولا شك أن هذه المجلة سدت فراغاً في دنيا الفكر الإسلامي. وكان من كتابها المشايخ: أبو زهرة، وعبد الوهاب خلاف، والأستاذ عبد الوهاب حمودة، وغيرهم ﵏. ولم يكن الشيخ بمعزل عن التيارات الفكرية المناهضة للإسلام، فكان أول من تصدى للرد على كتاب "الشعر الجاهلي" للدكتور طه حسين، وكتاب "الإسلام وأصول الحكم" للشيخ علي عبد الرازق ..
* الشيخ ومواقف لا تنسى:
عين الشيخ شيخاً للأزهر عام ١٩٥٢ م وعمره يناهز الثمانين، لذلك أشفق عليه من هذا المنصب تلامذته وعارفو قدره على ماضيه المشرق الحافل بأنصع الصفحات، ولكن الشيخ الذي كان يتمثل ببيت الشاعر:
إنّ الثمانين وبُلِّغْتها ... قد أحوجَتْ سمعي إلى ترجمانِ
كان بين جنبيه نفس أبية: وقلب فتى، وإيمان شجاع، واطمأننتُ حين
стр. 6402
علمت من مصادر موثوق بها أن الشيخ لا يعتبر هذا المنصب غاية يصبو إليها. لذلك فمنذ توليه المنصب وهو يحتفظ في جيبه باستقالة محررة، ونسخة منها يحتفظ بها مدير مكتبه، وقد قال له -أي: لمدير مكتبه-: إذا أحسست بضعفي في موقف من المواقف، فقدم استقالتي نيابة عني ..
وفي عام ١٩٥٣ م عزلت فرنسا السلطان محمد الخامس الولي الشرعي للمغرب مستعينة بعملائها الخونة من المواطنين، فجمع الشيخ هيئة كبار العلماء، وأصدرت بياناً اعتبرت فيه هؤلاء المارقين العملاء خارجين على الإسلام، وأرسل البيان إلى الصحف، فلم تنشره، وفي الصباح أرسل البيان مرفقاً به استقالته إلى رئيس الجمهورية، وكان أن نشر البيان، وكان له أثره في الحركة الوطنية في المغرب ..
وبعد:
فهذا هو الشيخ محمد الخضر حسين، العالم، الزاهد، الجريء، الذي قدم إلى المكتبة العربية والإسلامية ثروة أدبية ولغوية وفقهية.
стр. 6403
الأدب التونسي وصداه في الشرق قديماً وحديثاً
أبو القاسم محمد كرو (١)
ويأتي بعد الثعالبي مباشرة رجل وديع ومتواضع، ويكاد أن يكون خجولاً خافت الصوت، إذا ما جالسته وتحدثت إليه، ولكنه جبّار في علمه وفي أدبه، رغم سلفيته ونزوعه إلى المحافظة، بحكم انتمائه العائلي، وتكوينه العلمي .. عنيتُ: الشيخ الجليل محمد الخضر حسين (٢) .. هذا الذي جاهد الاستعمار الفرنسي في تونس، وفي كامل بلادنا المغربية، حتى حكم عليه غيابياً بالإعدام، ومصادرة أملاكه؛ لأنه كان أحد الذين ساهموا في بعث الثورات المسلحة بالجنوب .. وكان هو والشيخان: صالح الشريف (٣)، وإسماعيل الصفائحي (٣)
стр. 6404
القادة الحقيقيين للنضال التونسي في أوروبا، خلال الحرب العالمية الأولى، ولكن بعض المزورين للتاريخ يحاولون سرقة هذا الشرف، وإسناده كاملاً لمن كان دورهم يأتي حتماً في الدرجة الثانية، وذلك بشهادة الوثائق التي بدأ الآن ظهورها في أرشيفات ألمانيا وفرنسا وتركيا (١).
هذا الخضر حسين الذي استطاع بضلاعته النادرة في الأدب والشعر والبلاغة والعلوم الدينية، أن يتصدى -كما لم يتصد عالم أو أديب غيره- في أكبر معركتين من معارك الأدب والفكر في مصر العشرينات، معركة طه حسين وكتابه "في الشعر الجاهلي" (٢)، ومعركة علي عبد الرازق وكتابه "الإسلام وأصول الحكم" (٣)، وما أثاره من قضايا حول الخلافة، وهل هي من الإسلام، وضرورية اليوم للمسلمين أم لا؟.
ومن يرد أن يعرف مكانة الرجل، وقيمة كتبه، وردوده العلمية والأدبية على هذين الكتابين، فليعد إلى كتاب "مصادر الشعر الجاهلي" (٤) للدكتور ناصر الدين الأسد، وإلى الدكتور محمد عمارة فيما كتبه عن قضية الخلافة وبخاصة ما نشره عنها في مجلة الدوحة الخليجية (٥).
стр. 6405
إن ما يعنينا هنا الآن، ليس ذلك فقط، بل حضوره الأدبي الطويل في مصر (٤٠ سنة) بعد حضوره القصير -نسبياً- في دمشق والآستانة، وما تميز به هذا الحضور من إسهام كبير ومتواصل، لا في نهضة مصر الأدبية والعلمية، وفي تطوير أزهرها بالخصوص، وارتقائها إلى أعلى درجات المسؤولية فيه، حتى تولى مشيخته في فجر الثورة الناصرية (٥٢ - ١٩٥٤)، ليس ذلك فقط، بل وما قام به من نشاط أدبي وصحفي، ومن إشعاع تونسي في شتى الميادين (١)، ويكفي دليلاً على ذلك عدد المجلات التي تولى إدارة تحريرها، فضلاً عن مجلاته الخاصة، وأهمها مجلة "الهداية الإسلامية" التي عاشت معه، ومع جمعيتها التي تحمل اسمها، مدى ثلاثين عاماً، وكانت -كما كان هو- صوت تونس الأدبي والوطني والديني والثقافي، في مصر وفي أنحاء العالم العربي، هذا فضلاً عن عشرات الكتب والمحاضرات، وفي طليعتها كتاباه الفائقان "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، و"نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (٢)، يضاف إلى ذلك كله مئات المقالات التي كانت -كما كان هو- بحق إشعاعاً للأدب التونسي في معظم أوساط الأدب والثقافة في مصر والشام، وخاصة أوساط الأزهريين.
صحيح أن تركيز الشيخ الخضر - من الناحيتين الأدبية والتاريخية - كان على جماعات الزيتونيين، وخاصة منهم شيوخه وأصدقاءه اللامعين؛ كعمر ابن الشيخ، وسالم بو حاجب، والطاهر بن عاشور، وعلي النيفر .. لكن هذا
стр. 6406
بالنسبة إليه كان أمراً منطقياً بحكم ظروفه وانقطاع صلاته بتونس إلا مع هؤلاء.
وصحيح أنه قامت بتونس في مطلع الثلاثينات معارضة لأفكاره الأدبية والدينية المحافظة؛ كموقفه هو من دعوة الحداد إلى تحرير المرأة (١)، وموقف الشابي والمهيدي (٢) والسنوسي (٣) من آراء الخضر الأدبية.
لكن من الصحيح أيضاً أن كتاب الشابي "الخيال الشعري عند العرب" (٤) كان في عمقه الخفي معارضة لكتاب الشيخ الخضر حسين "الخيال في الشعر العربي" المطبوع لأول مرة في القاهرة عام ١٩٢٢ م؛ أي: قبل طبع كتاب الشابي بسبع سنوات، وأنا -وإن كنت أعتز بالرجلين العظيمين- فإني أختلف معهما في الكتابين.
لقد توسعت كثيراً في الحديث عن الثعالبي، والخضر حسين؛ لأننا نعتقد أن دورهما في المشرق هو الذي لفت أنظار واهتمام المثقفين العرب هناك إلى أن تونس لها تاريخ أدبي وثقافي هام جداً، وأن فيها نهضة حديثة، وأدباً جديراً بأن يعرف ويدرس، ثم لأن إشعاع الرجلين ما زال قائماً يضيء الكتابات والعقول إلى اليوم، خاصة في مصر والعراق وبلاد الشام.
стр. 6407
من تاريخ الصحافة التونسية "السعادة العظمى ١٩٠٤" ودورها الحضاري
محمد الشعبوني (١)
إن صاحب مجلة "السعادة العظمى" هو أحد أعلام هذا العصر، الشيخ محمد الخضر حسين، ولدب "نفطة" سنة ١٨٧٤، والتحق وهو ابن ١٢ سنة مع والده إلى تونس العاصمة، ودرس بالمعهد الزيتوني، وأحرز على شهائده العلمية والأدبية، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، ثم تولى القضاء ببنزرت حتى سنة ١٩٠٥، فتولى التدريس بالزيتونة، وبالصادقية، ثم هاجر إلى دمشق مطارداً من طرف الاستعمار، ثم إلى مصر كلاجئٍ سياسي سنة ١٩٢٢، واستلم رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام"، وعين مدرساً بكلية أصول الدين، ثم أستاذاً متخصصاً. وأنشأ جمعية "الهداية الإسلامية"، وأصدر مجلة باسمها، وعيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وعضواً بالمجمع اللغوي بالقاهرة، ونال عضوية مجلس كبار العلماء برسالته "القياس في اللغة العربية"، وأدار تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وترأس (جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا)، ثم اختير شيخاً للأزهر سنة ١٩٥٢، وتوفي سنة ١٩٥٨ بالقاهرة، ودفن بالمقبرة (التيمورية).
стр. 6408
هذا هو صاحب "السعادة العظمى"، فإذا عن هذه المجلة؟ في وقت لم يكن فيه للمجلة الدينية مكان ببلادنا؟
ظهرت "السعادة العظمى" في ١٦ محرم ١٣٢٢ م بقطع من الورق الجيد مقياس ١٧ - ٢٤، وبعدد ١٦ صفحة، وقد جاء تحت اسم المجلة ما يلي: "مجلة علمية أدبية إسلامية تصدر غرة كل شهر عربي، وفي سادس عشر منه". ولما ظهرت المجلة، استقبلها أهل العلم والأدب بكل حفاوة وترحاب، وكانت في الوقت نفسه وخزاً للمستعمرين الذين حاربوا ولاحقوا أصحابها، وضايقوا مديرها، حتى تعطل صدورها، ولم يمض عام على ظهورها، وكان آخر عدد ظهر منها يحمل رقم (٢١) قعدة ١٣٢٢ هـ، وكان صاحبها يصدرها من منزله نهج (رحبة الغنم) (١) بالعاصمة.
أما عن محتواها، فهو كما أشار العدد الأول في افتتاحيتها التي استغرقت صفحات كامل العدد ما نقتصر على بعض عناصره: "تفاتح مطالعيها بمقالة تتخذ مظهراً لبعض مطالب تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم، ويتلوها باب تعتبره معرضاً لعيون مباحث علمية، ولا تريد إلا انتظامها في ما هو التحقيق، بما يتخللها من الأفكار السامية، ويتلوهما باب ثالث تنشر فيه من الآداب ما يكون مرقاة للتقدم في صناعتي الكتابة والشعر لا يتمتع بها عند المسايرة ثم ترقص كأضغاث أحلام - ونقصّ في هذا الباب من التاريخ أحسن القصص، ويتصل بذلك باب رابع في الأخلاق، ويلي باب آخر للأسئلة والاقتراحات، ثم خاتمة عنوانها مسائل شتى.
ومن مقاصد هذه المجلة: التعرض لما تتناوله الألسنة، وتتناقله الأقلام
стр. 6409
من الأحاديث الموضوعة. وأورد المؤلف في افتتاحية مجلته اثني عشر استطلاعاً لبيان ما سيدرج تحت كل باب منها، من دراسات ومعارف، ذاكراً أن المجلة مستعدة لقبول ما يرد عليها من الرسائل المنقحة التي تنطبق على المنهج الذي كنا بصدد تسويته، ولا أخاله إلا صراطاً سوياً، ونؤمل من عواطف هؤلاء الفضلاء أن ينظروا إلى ما تنطوي عليه صحائف هذه المجلة كيفما صدرت نظر بحث وانتقاد، وإن عثروا على نوع ما من الخلل، جاهرونا به، ولا نتلقاه إلا بفساحة الصدر، وغاية الارتياح، بل ربما استدللنا على ذلك بنجاح المسعى، ومن انسدت أمامه طرق الإذعان إلى الحق، عميت عليه أنباء التحقيق.
يقول الشيخ محمد العربي الكبّادي:
(سعادتكم) فينا لقد طلعت شمسا ... فكلٌّ لها أضحى مشوقاً كما أمسى
ولله ما خطّت يراعتك التي ... برقَّة ما تبديه تمتلك النفسا
مجلة علم لم تجل في ضلالة ... ولكن جراحات الضلال بها تؤسى
أما الشيخ محمد الحشايشي، فقد حياها بقوله:
تشرفت باستطلاع فكركم الأسمى ... وما ذاك إلا الدرّ ترسمه رسما
مجلتكم روض من العلم يانع ... سترقى بفضل الله أغصانه النجما
وقد خلصت من كل بدعة زائغٍ ... فحقاً بأن تدعى: (سعادتنا العظمى)
ومن لم يشارك في السعادة قاصر ... على نيلها فاسعد ودم جهبذاً قرما
وكثير هم العلماء والأدباء الذين استقبلوا ظهور المجلة بقصائدهم؛ كالمشايخ: محمد النخلي، والصادق المحرزي، وإدريس محفوظ، وصالح سويسي، ومحمد شاكر، ومحمد العزيز الشيخ، والأمين بوعلاق، ومحمد
стр. 6410
المذكور بن الصادق، والطاهر بو دربالة، والشاذلي خزندار، وغيرهم. مما نشرت قصائدهم بكتاب "السعادة العظمى".
يقول محمد الطاهر بودربالة:
ذا زهر روض عاطر الأردان ... أعقود درّ في نحور غوانِ
أم ذي السعادة للهدى قد أقبلت ... حيّت فأحيت مجمع العرفان
عربية شهدت لها أترابها ... وغدت تحليها بحسن بيان
أما علّامة العصر، ومفخرة القطر، الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فقد أورد في كتابه لصاحب المجلة ما يشير إلى رأيه فيها: "ما زلت راجياً أن أرى منا ناهضاً يحيى لهاته الأمة فخاراً، ويقول لأهلها: امكثوا إني آنست ناراً، فهذا رجائي قد أسفر عن مجلتكم العظمى، وعسى أن يقارنها من تعضيد المؤازرين ما تحقق به الآمال، وسيكون-إن شاء الله- من اسمها للأمة أصدق قال. لكنك ستجد في صنيعك هذا ألسناً شاجرة، وصدوراً ثائرة، وعيوناً متغامزة؛ كما وجد الناهضون من قبلك، فإن استطعت أن لا تزيدك أراجيفهم إلا معرفةً بكبر نفسك، وتصميماً على غاية فكرك، ولهواً عن قولهم؛ فإنهم حاسدون، ويأساً من نصرتهم، فأولئك هم الخاذلون، ولتكن استعانتك وتوكلك على من كفل الهداية إلى الصراط المستقيم، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم".
وهكذا أصبح اسم الشيخ الخضر حسين مقترناً باسم مجلته "السعادة العظمى"، هذه المجلة التي تناولت من المباحث العلمية: (الاعتصام بالشريعة)، و (الأخذ بالقول الراجح)، و (براءة القرآن من الشعر)، و (العمل والبطالة)، و (حياة الأمة)، و (التربية)، و (التقدم بالكتابة)، و (النهضة للرحلة)، و (مدنية