ولما كان صاحب المقال يحكي أقوال المفسرين حكايةَ مَن ينكرها، ويحاول تقويضها، وحكى عنهم بإطلاق: أن الرخصة باقية إلى اليوم، نبهنا أن هناك قولاً آخر، وهو أن الآية شَرْعٌ خاص بأيوب ﵇، وأشرنا إلى أن كلاً من القولين مبني على وجه من النظر؛ لنهيئ القارئ لرفض ما سيقوله صاحب المقال في رد المعنى الذي قاله المفسرون، ولكن صاحب المقال أبى إلا أن يكتب، فقال: "وأقول لهذا الكاتب: ما هذا العبث؟ (كذا)، وهل أنا حين كنت أكتب كنت بصدد تلك المذاهب، حتى إذا اقتصرت على نقاء مذهب من مذاهبهم، ترد عليَّ بأن هناك مذهباً آخر للفقهاء؟ ".
غفل صاحب المقال عن أنه نسب القول الذي ذكره للمفسرين، لا للفقهاء؛ فإنه قال: "ويزيدون"؛ يعني: المفسرين، ولينظر ما هو السبب في ذكر هذا القول، ونسبته إليهم دون غيره؛ فإنه لا يريد إفادة القراء بذكر ما ذكره قطعاً؛ لأنه قول مبني على تفسير باطل في نظره، والمبني على الباطل باطل، ولا نستطيع أن نقول: لم يكن يعلم حالَ الكتابة إلا القولَ الذي ذكره؛ فإن قوله: "حتى إذا اقتصرت على نقل مذهب من مذاهبهم" يشعر بأنه كان مطلعاً على هذه المذاهب.
ثم قال صاحب المقال: "اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، لو أنه الإخلاص يدفع الكاتب، لما وجدت في كتابته ما هو أبعد شيء عن الموضوع، ولما حاد به الغرض عن الجادة".
نترك التعليق على هذا لتفكير القراء وتقديرهم.
وكان صاحب المقال قد أورد على المعنى الذي اتفق عليه المفسرون وجوهاً ظهر له أنها تبطل ذلك المعنى قطعاً، فنقدنا تلك الوجوه وجهاً فوجهاً،
стр. 667
فذهبت من بين أيدينا هباء، فقام صاحب المقال يحاول في رده أن يعيد تلك الوجوه بعد ذهابها.
كان صاحب المقال قد قال: "ولم يدروا - أي: المفسرين -: أنه قد فاتهم أولاً: أن المقصود من أن يقص الله تعالى حال الرسل على خاتم أنبيائه ﷺ إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة إلى الله، ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠].
ولا يخفى على من درس مبادئ اللغة العربية: أن عبارته تفيد حصر القصد من قصص الرسل ﵈ في الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة، فقلنا له في ردنا: إن الله تعالى قد قص على خاتم أنبيائه ﷺ من أنباء الرسل ﵈ ما لا يرجع إلى ما أصابهم في سبيل الله من أذى، وقلنا: إن الله تعالى يذكِّر رسوله - صلوات الله عليه - بما كان للرسل ﵈ من خلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية، أوآية بيّنة، أو حكم عملي، وقلنا: إن الآية التي سقتها لا تشهد بأن قصص الأنبياء لا يقصد منها إلا الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله؛ فإن تثبيت الفؤاد زيادة يقينه، وهذا قد يأتي من ناحية غير ناحية أنباء ما أصابهم في سبيل الله من أذى.
كتب صاحب المقال يحاول رد هذا، فقال: "إن ذكر الرسول بخلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية، هذا لا يحدث به القرآن عن نبي من الأنبياء إلا في طريق الحديث عن دعوتهم، وما كان منهم مع قومهم"، ثم تحدث بحديث في شكل قاعدة هو: أن القرآن إن حدَّث عن
стр. 668
نبي من الأنبياء بخلق أو عمل أو حكمة أو منزلة، دون أن يذكر من أمر دعوته شيئاً، فُهم أن ذلك الخلق لا يتصل إلا بأمر دعوته.
هل يكفي صاحبَ المقال في التخلص من الآيات الواردة في خلق عظيم، أو حكمة بالغة، أو منزلة سامية أن يكون لذلك الخلق أو الحكمة المنزلة صلةٌ بالدعوة؟ وأنّى له ذلك وهو يقول على وجه الحصر: "إن المقصود من القصص إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة"، وليس كل ما يتصل بالدعوة فيه اعتبار بما أصاب في سبيلها!.
ثم إننا نرى القرآن قد يصف بعض الرسل بخصال لا صلة لها بالدعوة، ولا بما يلاقيه الرسول في سبيلها؛ كما قال الله تعالى في حق يحيى ﵇: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] , وبرُّ الوالدين عمل صالح يقوم به الرسول وغيرُ الرسول من النّاس الطيبين، وواجب على من تكون له دعوة، ومن لم تكن له دعوة.
وحاول أن يجيب عن الآيات الواردة في المعجزات والأحكام، فلم يزد كذلك على أن قال: "إنها تتصل بأمر الدعوة"، ولو قال: إني ذهلت في استعمال صيغة الحصر إذ قلت: "إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله"، أو نسيت أن صيغة "إنما هو" تفيد الحصر، لقلنا: كلنا يذهل، وكلنا ينسى، ولكنه قال ذلك، وزاد عليه قوله: " فليس للكاتب حق أن يذكر مثل هذا إلا أن يكون ممن يريد المغالطة؛ ليشوه آراء قد لا يحب لأشخاص أصحابها أن يكون لهم رأي جميل"، وعذره في هذا المزيد: أنه حريص على أن يكون رأيه في التفسير نافذاً.
стр. 669
قال صاحب المقال في رده: "وهو حين يحدث عن أمر أيوب، إنما يحدث الرسول الكريم؛ ليثبت فؤاده، وماذا في أمر المرض والصبر عليه من تثبت فؤاد الرسول، ذلك الفؤاد الذي لا يتزلزل إذا تزلزلت الجبال، فهو الذي يقول: "والله! يا عم! لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما فعلت حتى يُظهره الله، أو أهلك دونه"؛ إذ مقتضى هذا أن فؤاد الرسول إنما يهتز أو يخف ثباته لأخطر الشؤون وأكبرها بما لا يعزّي فيه حديث عن مرض".
إن كان صاحب المقال يجري في بحثه على أن معنى آية: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ [هود: ١٢٠]: أن كل ما نقصه عليك من أنباء الرسل هو ما نثبت به فؤادك حين يهتز لأمر خطير، أو تدركه خفة، فمن أنباء الرسل ﵈ ما لو نظرت إليه وحده، وجدت له حكمة غير تثبيت الفؤاد حالَ اهتزازه لأمر خطير؛ كالآيات المسوقة للثناء عليهم ببعض الأعمال الصالحة؛ نحو: صدق الوعد، وبر الوالدين، والآيات المشتملة على بعض أحكام شرعية.
ونحن نرى ما يراه أهل العلم من أن المراد من تثبيت الفؤاد: يقينه واطمئنانه، واليقين والاطمئنان يزدادان بكل نبأ يقصه الله تعالى من أنباء الرسل على اختلاف أنواعها، وتباين مقاصدها، وكلما ازدادت النفس من عند الله علماً، ازداد يقين صاحبها ضياء، فازداد فؤاده ثباتاً وسكينة.
قال صاحب المقال: "وإنه ليعد نابياً عن مكان التأسي من يجيء لقائد من القواد قد كان في عَدد وعُدد، فاندحر جيشه، وأسر القائد، واحتُلت العاصمة، وثُل العرش، وديس التاج، فيقول لذلك القائد المأسور: لا تحزن؛ فإن بستان فلان قد اجتاحته آفة، أو فلان قد مات له اليوم ولد".
стр. 670
أتى صاحب المقال إلى قائد اندحر جيشه، ووقع في يد العدو أسيراً، واحتلت العاصمة، وثل العرش وديس تاج الجالس عليه، وجعل ذلك مثلَ حال رسول ﷺ كما أتى إلى رجل اجتاحت بعضُ الآفات بستانه، أو مات له ولد، وجعل حاله بمنزلة قصة أيوب ﵇ بحسب المعنى الذي يقوله المفسرون، وقد وجد هذا المثل في ذوق صاحب المقال مساغاً، فعززه بآخر، وقال في الصفحة بعد: "يكون مثل القرآن في قَصِّ شأنِ أيوب على الرسول، مع أن معنى الآية ما يقوله المفسرون، كمثل من يقول لملك أنزل عن عرشه، واندحر جيشه، واحتلت عاصمته: تعزّ؛ فإن فلاناً قد مات ولده، أو إن فلاناً قد خسر في تجارته.
ينبغي لضارب الأمثال أن يأتي بالمثل مطابقاً لحال من يسوق من أجله المثل، وحالُ رسول الله ﷺ بعيدة من هذين المثلين بُعدَ النور من الظلام، ومن العجب أن يضرب حال القائد المأسور مثلاً لحال رسول الله ﷺ ، ثم يقول: "بالله عليك أيها الكاتب! لا تصغِّر من شأن الأنبياء، ولا تحقر من جلالة القرآن".
ولا أدري كيف صغرَّتُ من شأن الأنبياء ﵈، أو حقَّرتُ من جلال القرآن، وأنا لم أزد على أن قلت: إن المعنى الذي تتابَعَ عليه المفسرون من عهد الصحابة والتابعين، معنى يشهد له ظاهر القرآن.
وهل يريد صاحب المقال أن كل من رأى أن أيوب ﵇ أُصيب بمرض، فصبر، فعافاه الله، يكون مصغراً من شأن الأنبياء، محقراً لجلال القرآن؟!.
وكان صاحب المقال قد أورد على المعنى الذي يقوله المفسرون: أن
стр. 671
القصة تكون خالية من العبرة، وقال: "وماذا عسى أن يكون من العبرة في أن يقص الله تعالى على نبيه ﷺ : أنه اصطفى أيوب لرسالته، ثم أمرضه، فأعجزه عن القيام بأعباء الرسالة، وما تتطلبه الدعوة من قول وعمل؟ ".
فنبهنا على أن في ذلك عبرةً أيَّ عبرة، هي: أن رسولاً من كرم الرسل يكون في نعمة من صحة الجسم، وانتظام الشمل، فيصاب بالمرض، والانقطاع عن الأهل، ويتلقى هذا المصاب بالصبر الجميل، حتى إنه لم يصرح بالدعاء إلا تعريضاً إذْ قال: ربِّ! ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، ثم إن هذا النبأ يقوي يقينه ﷺ بأن شدة البلاء قد تنزل حيث يكون رضاء الله عظيماً، والمقام عنده رفيعاً.
فقام صاحب المقال يفتش عن شيء يعلقه في رده على هذا الذي قلناه، فجاء برأي يدعو إلى التعجب، كما يدعو إليه نفيه العبرة من القصة على الوجه الذي ذكره المفسرون، ذلك أنه صدَّر تعليقه بإنكار أن يكون قاصداً تهوينَ المصيبة على المعنى المذكور في التفسير حتى قال: "ولو كان الكاتب يريد إحقاقَ حق، لما انزلق عن الموضوع إلى الكتابة في شيء لم يكن من غايتي حين كتبت، ثم قال: "ولتكن المصيبة على هذا الوجه من أعظم المصائب، ولكنها لم تكن بعد ذلك كله مما يمتاز به الرسل. فكم من أناس لم يكونوا رسلاً، وكانوا صالحين، وكانوا في مثل ما كان فيه أيوب من نعمة، ثم أصيبوا بمثل ما أُصيب أيوب - على ما زعمه المفسرون - ثم لم يكن منهم إلا الصبر الجميل! ".
وقد عرف القراء أن صاحب المقال أنكر أن يكون في القصة على تفسير ما أصاب أيوب ﵇ من المرض عبرةٌ، فذكرنا أن في ذلك عبرة،
стр. 672
وتركنا الرد عليه في قوله: "فأعجزه عن القيام بأعباء الرسالة" إلى الكلام في دفع شبهته الثانية؛ لأنها واردة بهذا المعنى نفسه.
وأي حرج على الكاتب إذا وصف مرض أيوب ﵇ بالشدة، وهو يقرر موضع العبرة التي نفاها صاحب المقال، ما دام الكاتب لم يقل له: إنك قد جعلت في هذا المقام أمر المرض هيناً، وهو عظيم؟.
ثم ما هو الدليل على أن الله تعالى لا يذكر الرسل ﵈ إلا بما كان من مميزاتهم، ونحن نرى أن الله تعالى يمدحهم بأخلاق سنية، أو أعمال زكية، يشاركهم فيها غيرهم من الصالحين، ولكن سناء أخلاقهم فوق كل سناء، وفضل أعمالهم فوق كل فضل، فقد مدح الله تعالى إسماعيل ﵇ بأنه صادق الوعد، ومدح يحيى ﵇ بأنه برٌّ بوالديه، وفي الصالحين صدقُ الوعد، وفيهم البرُّ بالوالدين، فلماذا لا يذكر الله تعالى أيوب ﵇ بالصبر على بلاء المرض، والانقطاع عن الأهل، وإن كان في الصالحين من يصبر على مثل ذلك، ولا يظهر أن لصدق الوعد وبر الوالدين صلةً بالدعوة أشدَّ من صلة الصبر على البلاء المبين؟.
قال صاحب المقال في رده: "وأي مناسبة بعد هذا بين ما كان فيه رسول الله ﷺ من شدائد تتصل بالدعوة، وبين أن يكون أيوب قد أصيب بمرض، فصبر عليه، وبين الأمرين من الفرق ما بين الليل والنهار، وما بين الثلج والنار؟ ".
شأن ما يقصه الله تعالى من أنباء الرسل ﵈ أن يثبت فؤاد رسول الله ﷺ ؛ أي: يزيد يقينه قوة؛ فإن دلائل الحق تضع في النفس قرارة اليقين، وكلما كثرت، ازداد بها اليقين قوة، وقصة أيوب ﵇ -
стр. 673
التي هي وحي صادق تدل على أن الله تعالى يبتلي بعض أوليائه بأشد البلاء، حتى إذا وجد منه قلباً ساكناً، ونفساً راضية مطمئنة، كشف عنه البلاء، وكانت عاقبة ذلك الصبر أن يزيد الله منزلته رفعة، ويثني عليه ثناء يرفع به ذكره؛ كما قال تعالى في أيوب ﵇: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
فلهذه القصة مناسبة بما كان يلاقيه رسول الله ﷺ من بلاء يأتي من ناحية الخلق، أو بلاء ينزل من السماء، وهي من القصص التي يكون لها أثر في تثبيت الفؤاد، وجعله الفؤاد الذي ينزل به البلاء، فيجده في درع من السكينة والثبات.
سبق أن صاحب المقال قد اعترف في رده بأن أنباء المعجزات والأحكام الشرعية مما يتصل بأمر الدعوة، وفي قصة أيوب ﵇ مع المعنى الذي يقوله المفسرون معجزة: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، وحكم شرعي: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] زيادة عما فيها من أدب جميل: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، وخلق عظيم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾.
قال صاحب المقال في رده: "ما كان رسول الله بحاجة إلى أن يقوى يقينه بأن الثواب على قدر المصيبة، وأن رفعة المقام لا تمنع من عظيم البلاء حتى يقص عليه شأن أيوب ليزيده يقيناً بهذا".
لم أقل إن قصة أيوب ﵇ تقوي يقينه ﷺ بأن الثواب على قدر المصيبة، ولم أعرج في مقالي السابق على هذا المعنى، وإنما قلت: يقوي بها يقين رسول الله ﷺ بأن شدة البلاء قد تنزل حيث يكون رضا الله
стр. 674
عظيماً، والمقام عنده رفيعاً، ومن أثر ذلك أن يخف عليه ما كان يلقاه من المكاره، وذلك معنى لا لبس فيه.
ثم ذكر صاحب المقال مخاصمة عشيرته له ﷺ ، وشدةَ عنادهم له، وإمعانهم في إيذائه، وقال: "أسائل الكاتب: أيُّ المعنيين أدخلُ تحت قوانين المنطق، وأيُّ المعنيين أكثرُ تقبلاً لبلاغة القرآن أأن يقال للرسول في تلك الحال: اصبر على ما أنت فيه؛ فإن أيوب قد مرض وصبر، أم أن يقال له: اصبر؛ فإن أيوب قد صابر في الدعوة، وجاهد قومه، ومع ذلك قد صرفهم الشيطان بوسوسة لا تستند إلا إلى الإغواء والإضلال، فصبر على ذلك صبراً جميلاً؟ ".
وردت أنباء كثيرة من قصص الرسل ﵈ في المصابرة على الدعوة، واحتمال الأذى في سبيلها، ولا يلزم شرعاً ولا عقلاً أن يكون جميع أنباء الرسل المسوقة في القرآن من هذا الباب، فإذا ورد نبأ في معنى غير الصبر على الأذى في سبيل الدعوة، وكان في هذا المعنى حكمة وعبرة، أخذ فيه بالظاهر، ولم يسغ إخراج الآية عن ظاهرها إلى معانٍ لا يصل إليها الذهن، إلا أن يقال له: إن هاهنا كنايات، واستعارات، فامش عليها إلى تلك المعاني، وإن لم توافق هذه الكناياتُ والاستعارات ما عهد في القرآن الحكيم من حسن بيان.
هذا ما رأينا تعليقه على ما كتبه صاحب المقال في رده من آراء، ومن الله تعالى الهداية والتوفيق.
стр. 675
قصة أيوب ﵇
الرد الثالث (١)
كان صاحب المقال الذي حكم بتخطئة جميع المفسرين في تفسير قصة أيوب ﵇ قد أورد وجوهاً على زعم أنها تُبطل ما قاله المفسرون، فعلقنا على تلك الوجوه ما يدفعها وجهاً بعد وجه، فقام يعيد ذكرها في مجلة تصدر بالقاهرة، ويحكي ما دفعناها به، ثم يحاول الدفاع عنها.
وقد تعرض للدفاع عن الوجه الأول مثها في آخر مقاله الثاني، فناقشنا دفاعه في مقالنا المنشور في الجزء الثاني عشر من المجلد السابع من "مجلة الهداية"، واستبان أنه وجه ليس له في توهين ما يقوله المفسرون من أثر، ثم كتب مقالاً ثالثاً يدافع به عن بقية الوجوه، ويبدي آراء لم يكن أبداها من قبل، فرأينا أن ننقد هذا المقال الثالث، ونكشف عما اشتمل عليه من دفاع لا يجدي، وآراء لا ترتبط بأصول.
حاول صاحب المقال أن يرد ما قاله المفسرون من أن أيوب ﵇ ابتلي بمرض شديد، فصبر عليه، فقال في مقاله الأول: "وفات المفسرين ثانياً: أن هذا يتنافى مع حكمة الله السامية، وإلا، فكيف يصطنعه لرسالته، ثم ينزل به ما يحول بينه وبين النهوض بأعباء تلك المهمة، وتلك
стр. 676
المهمة - كما علمت - تتطلب صحة وعافية وقوة وسلامة؟!.
فرددنا هذا في مقالنا الأول، وقلنا: "إن الله يبتلي بعض رسله بمرض غير منفر، ثم يعافيه من ذلك المرض الشديد؛ ليظهر فضل صبره للناس، ويتبينوا أن الأمراض الشديدة قد تعرض للرسل ﵈, ولا يخدش ذلك في نبوتهم، بل يزدادون من الله قرباً".
وقلنا: "وقد جعل الله لكل رسول مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، وليس بواجب على الله لا عقلاً ولا شرعاً أن يكون رسوله في صحة وتمكن من الدعوة من يوم بعثه إلى يوم وفاته، فإذا بعث الله أيوب، فدعا قومه، وبلغ الجهد في دعوتهم، ثم أصابه بمرض، ثم عافاه فعاد إلى الدعوة، لم يكن هذا منافياً لاصطفائه للرسالة، ولا هو بالأمر الذي يتنافى مع الحكمة".
حكى صاحب المقال ذلك الوجه، وما دفعناه به، وحاول رد ما دفعناه به، فقال: "ليس مثل هذا من المواطن التي يتبين بها فضل الصبر الذي يبلغ من العِظَم أن ينوه به الله، وهو ذو الجلال في كتابه، وهو القرآن المجيد عن أيوب، وهو رسول كريم، فإن مثل ذلك إن لم يكن من الشؤون الهينة في جانب رسول كريم، فهو من الهين في جانب الكتاب العزيز، وإن لم يكن هيناً بالقياس إلى الكتاب، فهو جِدُّ هين بالقياس إلى ذي العظمة والجلال".
قصة المرض الشديد، وملاقاته بالصبر الجميل ليست من الشؤون الهينة في جانب رسول كريم، ولا في جانب الكتاب العزيز، بل هي من الشؤون التي يعظ الله فيها المصطَفَين من عباده، ويذكرهم بها في كتابه، فمن الجلي أن الصبر فضيلة، وأنه يتفاوت في الفضل، بحسب شدة المصيبة، وطول مدة نزولها، وبحسب الغاية التي يحتمل من أجلها المكروه، فلِمن صبر على فقد
стр. 677
ولد يعزُّ عليه مزيةٌ فوق مزية من صبر على فقد مال، ولمن صبر على مرض يطيش معه المنام ليالي كثيرة، فضلٌ على من صبر على مرض يأرق له ليلة أو ليلتين، ولمن صبر على نصب يناله في سبيل الدعوة إلى الإصلاح فضلٌ على من صبر على نصب يلقاه في ابتغاء متاع هذه الحياة.
فالمرض المُمِضُّ من أشد المصائب، والصبر عليه من أسنى الفضائل، فمن حكمة القرآن أن لا يهمل التذكير بالصبر على هذا النوع من المصائب، وما قصة أيوب ﵇ إلا تذكير بالصبر على مصيبة قد تتزلزل عندها القلوب جزعاً، وقد تشكو منها الألسنة، فلا ترعى في شكواها أدباً.
ثم قال صاحب المقال في رده: "فالمفهوم ألا يحدِّث ذو الجلال والكبرياء في كتاب له مجيد إلى أفضل رسله العظام إلا إذا كان الحديث عن شأن خطير".
يذكّر ذو الجلال والكبرياء في كتابه المجيد أفضلَ رسله العظام بحال أيوب ﵇, وقد وقع في بلاء من أشد ما يصيب الناسَ في هذه الحياة، وهو المرض البالغ، والانقطاع عن الأهل، فلاقاه بصبر وسكينة.
فالمرض الشديد يبعث في الجسم ألماً، وفي العين أرقاً، وفي المضجع قلقاً، وفي النفس غماً، وناهيك ببلاء قد يتمنى صاحبه الموت العاجل ليخلص من أوجاعه، فما ينبغي لأحد أن يستخف ببلاء المرض، ويعدَّ التذكيرَ بحال من لاقاه بسكينة ورباطة جأش لا يليق بمقام الرسول، أو القرآن، أو مقام ذي العظمة والجلال.
قال صاحب المقال في رده: "أما المرض، فهو يسير يحتمله عاديُّ الناس، فضلاً عن الرسل الذين هم رجال من البشر ممتازون".
стр. 678
ليست الأمراض من الأمور التي يحتملها عادي الناس، بل الأمراض الممِضَّة لا يحتملها إلا أقوى الناس عزماً، وأثبتُهم في التذكير بالعواقب قَدَماً، ثم إن احتمالها على معنى سكون القلب لها، وامتلائه بالرضا عن قضاء الله بها، وإن طال أمدها، درجةٌ لا يبلغها إلا الأنبياء والصالحون الذين استضاؤوا بحكمتهم، واقتدوا بسيرتهم.
قال صاحب المقال في رده: "فالأمر بين إحدى اثنتين، إما أن يكون مرضاً عادياً، فلا يكون الصبر عليه صبراً يظهر به فضل، ولا يصح أن يتحدث عنه القرآن، وإما أن يكون مرضاً غير عادي بلغ إلى حد أن فرق عليه أهله وقومه كما تزعمون، وذلك ما يتنافى مع الحكمة، فمن يدعو إذا تفرق عنه أهله وقومه؟ ".
ما أصاب أيوبَ ﵇ مرض شديد غيرُ منفر، ومثله مثل المرض الذي أصاب النبي ﷺ ، وقال: "إني أُوعَك كما يُوعَك رجلانِ منكم" (١).
القرآن ذكر أن الله وهب له أهله؛ أي: جمعهم عليه، ولم يذكر سبب انقطاعهم عنه، فندع الخوض فيه إلى أن يثبت بنقل صحيح.
قال صاحب المقال في رده: "ثم إن مثل هذا المرض يتخذ منه قومه عليه حجَّةً، ويحيطه بالشبه، فلهم أن يقولوا إذ ذاك: إنه مجنون يهذي من شدة المرض، فارجموه، أو أهملوه، ولقد رمى الأنبياءَ أقوامُهم بالجنون، مع أنهم كانوا في صحة وقوة، فكيف إذا كان أيوب على ما تزعمه الإسرائيليات؟ ".
لم نقل: إن أيوب ﵇ بُعث وهو مبتلىً بهذا المرض، أو
стр. 679
إنه ابتلي به يوم بُعث، وبأي دليل ينفي صاحب المقال أن يكون هذا النبي الكريم بُعث إلى قومه، ودعاهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهو يتمتع بالصحة زماناً كافياً، ثم ابتلاه الله بهذا المرض لحكمة بالغة، ثم كساه ثوب العافية، فعاد إلى الدعوة العامة بقوة؟.
وماذا يكون لو قال قائل: إن أيوب كان يدعو كل من يتصل به، ثم إن المدعوين إلى الحق متى كانوا على شيء من العقل والاستعداد للرشد، يفرقون بين المرض الذي يحتمل أن يكون كلامُ صاحبه من قَبيل الهذيان، والمرض الذي لا يرتابون في أن صاحبه يتكلم في يقظة ذهن، وحضور فكر، فليس من البعيد أن ينتفع أناس بدعوة النبي لهم، ولو في حال مرضه، دون أن تعترضهم شبهة.
أما المعاندون، فقد كفانا صاحب المقال أمرهم؛ حيث ذكر أنهم يرمون بالجنون مَن كان في صحة وقوة.
قال صاحب المقال في رده: "أما أن يتبين الناس أن الأمراض قد تعرض للرسل والأنبياء، فذلك لا يتوقف على أن يكون المرض بالغاً حَدَّ أن يتحدث عنه القرآن لأعظم الرسل والأنبياء".
في تبين الناسِ أن الأمراض الشديدة تعرض للرسل ﵈ إزاحةٌ لشبهة كثيراً ما تسبق إلى الظنون، هي: أن شدة بلاء الإنسان علامة هوانه عند الله، وهذه الحكمة مضمومة إلى غيرها؛ من نحو: ظهور فضل أيوب ﵇ في صبره العظيم، تجعل القصة من نوع القصص التي ينزل بها القرآن على أعظم الرسل والأنبياء.
قال صاحب المقال في رده: "أما أن الله قد جعل لكل رسول مقداراً
стр. 680
من الوقت يصرفه في الدعوة، وأنه ليس بواجب على الله أن يكون الرسول من بعثه إلى وفاته داعياً، فإني أقول لهذا الكاتب: إن ذلك غير صحيح؛ فإن القرآن لم يحدثنا بمثل ذلك عن رسول من الرسل، ولو كانت الدعوة على ما يتصورها الكاتب كمعركة تنتهي بالغلبة أو الصلح، أو سفر ينتهي بالإياب، لما لبث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو فيها إلى الله ".
لم أقل، ولم يقل المفسرون: إن أيوب ﵇ قام بالدعوة حيناً، ثم تركها وقعد في بيته، أو أقبل على شأن آخر، حتى يكون مثلُ الدعوة مثلَ معركة تنتهي بالغلبة أو الصلح، أو مثل سفر ينتهي بالإياب. وعبارتي تمنع صاحب المقال من أن يتخيل أني أتصور الدعوة كمعركة أو سفر، ولست - بحمد الله - ممن يريد ضرب الأمثال، فلا يوفَّق في ضربها، والصورةُ الصحيحة لقصة أيوب ﵇: أن قوماً في جهالة وفوضى، أرسل الله إليهم رسولاً يدعوهم إلى العقائد السليمة، والأعمال الصالحة، فدعاهم ما شاء أن يدعوهم، ولا مانع عقلاً ولا شرعاً بعد هذا أن يبتليه الله بمرض، ثم يعود إلى الدعوة العامة مرة أخرى.
وإذا وسعت الحكمة وجود فترات بين الرسل ﵈، فلم لا تسع وجود فترة قصيرة في أيام دعوة الرسول الواحد، ولا سيما فترة ظهرت لها حكمة سامية، وكانت موطن عبرة رائعة؟
ثم قال صاحب المقال: "وإني أتحدى الكاتب بأن يذكر لي رسولاً واحداً حدد الله له مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، ثم يستريح بعد ذلك".
أما أن الله تعالى قد جعل لكل رسول مقداراً من الوقت يصرفه في الدعوة، فذلك أمر ثابت لا يحتمل الجدل بحال؛ فإن أيام بعثات الرسل
стр. 681
تختلف مقاديرها كما تختلف مقادير أعمارهم، فنوح ﵇ بقي في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاماً، ومحمد ﷺ بقي في الدعوة نحواً من ثلاث وعشرين سنة.
وأما قوله: "ثم يستريح بعد ذلك"، فكلام لم أقله، وقوانين المنطق تأبى زيادة أمثال هذه الكلمات التي لا تفهم من منطوق الكلام، ولا فحواه، ولا هي من مقتضياته، بل في كلامي ما يصرح بصحة أن ينقطع عن الدعوة العامة لمرض، ثم يعود إليها، فأين معنى الاستراحة بعد ذلك؟
حكى صاحب المقال في رده ما قلته من صحة أن يكون أيوب قد مرض، ثم عاد إلى الدعوة، وقال: "إن طبيعة الدعوة والإرشاد تقتضي الاستمرار والاطراد، وإن العقل يقضي بفساد هذه الصورة - يعني: الانقطاع عن الدعوة بمرض -"، وقال في الاستدلال على هذا الفساد المزعوم: "إن انتكاس المرض أشد من بدايته، وكذلك انتكاس الشعوب في المبادئ والتقاليد، ومن التفت إلى ميقات موسى، وأنه لم يغب عن قومه إلا لتلقي التوراة، ومع هذا، ومع استخلافه فيهم أخاه هارون، فقد انتقضوا عليه، وتركوا عبادة الله إلى عبادة العجل، ومن التفت إلى ما كان بعد موت رسول الله، مع أنه لم يمت إلا بعد أن أكمل الدين، وتمت السنَّة، ومع هذا، فقد ارتد كثير من القبائل إثر موته، وكثير منهم حاول منع الزكاة، من التفت إلى هذا، علم أن الدعوة ليس لها مدى تنتهي إليه، بل لا بد لها من تعهد مستمر، وتذكير مطرد".
قلنا: إن أيوب ﵇ قام بالدعوة، ثم ابتلي بالمرض، ولم نقف على نصوص نعرف منها أن من قومه من اهتدى بدعوته قبل مرضه، فإذا فرضنا أنه لم يهتد به فريق منهم، فلا يقال: إن مرضه يفضي إلى انتكاسهم في
стр. 682
المبادئ والتقاليد، وإذا فرضنا أن من قومه من قبلوا دعوته، ونبذوا مبادئهم وتقاليدهم القديمة قبل مرضه، فإن مرض الرسول كغيبته وموته لا يقتضي بطبيعته انتكاس القوم ورجوعهم إلى الغي بعد الرشد.
وإذا انتكس طوائف من أقوام الرسل عند غيبة الرسول، أو بعد موته، فلأن الإيمان الصحيح لم ينفذ في قلوبهم، ولم يبلغ مبلغ اليقين من نفوسهم، والإيمان الراسخ يحفظ على الإنسان رشده، بل يوجِد منه هادياً يقوم مقام الرسول في مرضه، أو غيبته، أو بعد موته، وهل يستطيع صاحب المقال أن يثبت أن الفريق الذين اهتدوا بدعوة أيوب ﵇ قبل مرضه من صنف القوم الذين ينتكسون؟ أليس من الجائز أن يكونوا من طبقة المؤمنين الذين لا يغير مرض الرسول أو موته شيئاً من رشدهم؟
كان صاحب المقال أورد على المعنى الذي ذهب إليه المفسرون وجهاً ثالثاً، فقال: "إنهم خرجوا بشأن أيوب عن شؤون جميع الأنبياء، وجعلوه بِدْعاً من الرسل؛ إذ المعلوم ضرورة: أن مصاب الأنبياء والرسل الذي يألمون له، ويضرعون فيه إلى ربهم، إنما هو إعراض قومهم عن دعوتهم، وصد الشيطان للناس عن سبيل الله"، وقال: "من المعلوم: أن كل نبي لا بد أن يصاب بتلك المصيبة؛ بشهادة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢] ... إلخ الآية".
فدفعنا هذا: بأن المفسرين حملوا الآية على ما تدل عليه ألفاظها العربية، وحملوها على معنى فيه حكمة وعبرة، وأن اعتراض الشيطان لدعوة كل نبي لا يستدعي حمل كل آية وردت في قصة رسول على معنى هذا الاعتراض.
حكى صاحب المقال في رده هذا الذي قلناه، وحاول دفعه، فقال:
стр. 683
"إن الآية إن لم تكن ظاهرة فيما أقول - لأنه لا يرد عليه من الإشكال ما يرد على المعنى الذي ارتضاه المفسرون من نسبة إنزال المرض بأيوب إلى الشيطان بنصب وعذاب، ولقد حاولوا دفع الإشكال بما لا ينفعهم ولا يجدي-, فالآية ليست صريحة، ولا ظاهرة في تلك الإسرائيليات المشكلة والخادشة لقدس الأنبياء، فلتكن الآية على الأقل محتملة لما تزعمه الإسرائيليات، ولما فسرت به الآية".
المفسرون يقولون: إن الضر في قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ [الأنبياء: ٨٣] مرادٌ منه: المرض، وهو موافق لما جاء في "لسان العرب" من استعمال الضر في المرض والهزال بوجه خاص، وقالوا: رجل ضرير؛ أي: مريض مهزول.
ثم إن المس في قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ متعلقٌ بذات أيوب، كما أن الباء في قوله: ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ [الأنبياء: ٨٤] متصلةٌ بذات أيوب أيضاً، وأيوبُ جسم وروح، وإذا كان للضر معنى شائع عند العرب يتألم منه الجسم والروح، وهو المرض، حملت عليه الآية حتى يقوم الدليل على إرادة غيره. ويوافق ظاهرَ القرآن في المعنى الحديثُ المتفق على صحته، فقد جاء في إحدى رواياته: "لما عافى الله أيوب، أمطر عليه جراداً من ذهب" (١). والمعافاة ظاهرة في الشفاء من المرض.
وأعاد صاحب المقال ما قاله مراراً من أن حمل الآية على المرض يجعلها خالية من العبرة والحكمة، ويجعل أيوب بدعاً من الرسل، وقال: "إذ يكون القرآن قد حدَّث عن أيوب حديثاً لم يحدثه عن أحد من الأنبياء،
стр. 684
وهو حديث المرض، أما سائر الأنبياء، فقد حدَّث عن دعوتهم إلى الله".
لو كان في هذا الذي يقوله شيء من الحق، لجاء آخرُ وأنكر أن يكون يوسف ﵇ أُلقي في الجب، ودخل السجن؛ لأنه حديث لم يحدثه الله عن أحد من الأنبياء، وهكذا يقال في قصة إبراهيم بذبح ابنه، ثم فدائه، بل في كل نبأ يقصه الله عن رسول، ولم يقصه عن غيره من الرسل.
كان صاحب المقال ذكر في الوجوه التي زعم أنها تبطل قول المفسرين: أن المفسرين قد خرجوا عن سنن القصص في القرآن، وقال: "فإنه لم يقص علينا عن الرسل إلا ما يتصل بأمر الرسالة، ويرتبط بسير الدعوة للعظة والعبرة، وماذا في قصه علينا مرض أيوب من عبرة؟ ".
فقلنا في رده: سنن القصص في القرآن: أن يحدثنا عن الرسل ﵈ بما فيه حكمة وموعظة، ولا فرق بين أن تكون هذه الحكمة أو الموعظة مرتبطة بسير الدعوة، أو راجعة إلى ناحية أخرى من نواحي الهداية، أو السعادة أو الكرامة، وذكرنا حديثه عن يوسف ﵇ حين ألقي في الجب، وعن إبراهيم ﵇ حين أُمر بذبح ابنه، وعن يعقوب ﵇ حين ابتلي بفقد يوسف.
فقام صاحب المقال يحاول في رده دفع هذا الذي قلنا، فقال: "قد ذكر هذا الكاتب ثلاثة من الرسل كدليل على أن القرآن قد يقص علينا من شؤون الرسل ما لا يتصل بالدعوة، ويريد أنه بذلك لا تكون الآيات خارجة عن سنن القصص في القرآن، ولكن الكاتب في هذا إما مغالط، وإما أنه ألهاه الغرض عن الفرق بين أيوب، وبين من ذكره من الأنبياء، ولو ألقى عن نفسه الهوى،
стр. 685
لعلم أن القصص الذي جاء به القرآن عن يوسف قصص مفصل طويل قد استغرق من طفولته إلى كهولته، وقد انتظم حوادث خطيرة، وشؤوناً مختلفة، وأموراً ذات خطر، ما بين دليل على فضل، أو أمارة على مجد، مما يصح أن يمتاز به الأنبياء عن غيرهم من النّاس، وأين هذا من مرض أيوب الذي هو - على ما يزعمون - قد شكاه لربه تصريحاً أو تلويحاً، وهو عرض عادي يحتمله كثير من عاديي الناس؟ ".
يتذكر القراء أن صاحب المقال قال في الوجه الأول: "إن المقصود من أن يقص الله تعالى حال الرسل على خاتم أنبيائه ﷺ إنما هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة إلى الله ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] "، فرددنا عليه: بأن الله تعالى قد قص من حال الرسل ما لا يرجع إلى ما أصابهم في سبيل الله، وما احتملوه من أذى وبلاء في طريق الدعوة، بل قد يذكرهم؛ ليدل على ما كان لهم من خلق عظيم، أو عمل خطير، أو حكمة بالغة ... إلخ.
ثم ذكر صاحب المقال في الوجه الرابع: "أن الله لم يقص علينا من الرسل إلا ما يتصل بأمر الرسالة، ويتصل بسير الدعوة"، فقلنا له: قد قص علينا القرآن أن يوسف ألقي في الجب، وبيع بثمن بخس، واستعصم حيث تهيج عاصفة الشهوة، وأن إبراهيم ﵇ أمر في المنام بذبح ابنه؛ فلما تله للجبين، فداه الله بذبح عظيم، وأن يعقوب ﵇ ابتلي بفقد يوسف، وحزن عليه حزناً طويلاً. فأخذ صاحب المقال يدفع ما أوردناه من قصة يوسف ﵇ بهذا الحديث الذي سقناه لكم.
وما حديثه هذا إلا رجوعٌ ثانٍ عن رأيه، فإنه كان يرى أن المقصود من
стр. 686
قصص الرسل هو الاعتبار بما أصابهم في سبيل الله؛ ليبني عليه أن المرض لم يكن مما يصيب في سبيل الله، فلا يقصه الله تعالى عن أيوب ﵇، ثمَّ رجع إلى أن قصص الرسل تأتي بما يتصل بأمر الرسالة، ويرتبط بسير الدعوة، ولما ذكرنا له شؤوناً قصها القرآن عن يوسف ﵇، وهي لا تتصل بأمر الرسالة، رجع فقال: إن ما جاء عن يوسف مفصل طويل استغرق من طفولته إلى كهولته. ومعنى هذا: أن القرآن قد يقص عن حال الرسل ما لا يتصل بأمر الرسالة، ولا يقصد به الاعتبار بما أصاب في سبيل الله، متى كانت القصة مفصلة طويلة.
وهذا مردود بأن ما ذكر في القرآن، وهو لا يتصل بالرسالة، ولا بأمر الدعوة، إن كان خالياً من العبرة، فالقرآن لا يأتي من القصص إلا بما فيه عبرة، وإن كان مشتملاً على عبرة، فالعبرة التي تستدعي ذكر الشيء المفصل الطويل، تصلح أن تكون داعية لذكر أمثاله في القصة الموجزة.
ثمَّ نقول لصاحب المقال: لا يفيدك أن تكون الحوادث التي اشتملت عليها قصة يوسف عظيمة، ولا أن شؤونها مختلفة، وأن أمورها ذات خطر، وإنما يفيدك أن تبيّن كيف كانت تتصل بأمر الرسالة، وتربط بسير الدعوة، أما أنها تدل على فضل، فصبر أيوب ﵇ بالمعنى الذي يقوله المفسرون يدلّ على فضل.
وأما قوله: "مما يصح أن يمتاز به الأنبياء عن غيرهم"، فالمعروف أن الأنبياء ﵈ يمتازون بالوحي والمعجزات، وبأن أخلاقهم أكمل، وأعمالهم في الإخلاص أبلغ، ومقاماتهم عند الله أرفع، ولم يقل أحد: إن الأنبياء يمتازون بنحو: الإلقاء في الجب، والبيع بالثمن البخس، والامتناع
стр. 687
من فعل الفاحشة، والاجتماع بالأبوين والإخوة بعد غيبة طويلة.
والواقع أن هذه الأشياء من القصة قد ذكرت لتؤخذ منها حكمة وعبرة، ولا اتصال لها بالرسالة إلا من جهة أنها وقعت لرسول عظيم.
ثمَّ قال صاحب المقال في رده: "على أن القرآن لم يقتصر في الحديث عن يوسف على تلك الحوادث ذات البال، بل حدثنا - إلى ذلك - عن دعوته لقومه، وذكر آيات: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر: ٣٤]، وقوله: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ٣٩] ".
وهذا تعديل آخر لرأيه، ومعناه: أن القرآن قد يقص من أحوال الأنبياء ما لا يتصل بأمر الرسالة إذا تحدث عن دعوتهم، ولو في موضع آخر.
ونناقش هذا أيضًا بأن ما يقصه القرآن - مما لا يتصل بأمر الرسالة - إنما يقصه لعبرة، ومتى وجدت العبرة في حال من أحوال رسول كريم، جاز أن يقصها القرآن، ولو لم يقص عن ذلك الرسول شيئًا يتصل بأمر رسالته أو دعوته.
وكذلك عمد صاحب المقال إلى ما أوردناه من ذكر الله تعالى لابتلاء يعقوب ﵇ بفقد ابنه يوسف وحزنه عليه حزنًا طويلًا، وحاول التخلص من هذا بأن: (القرآن لم يفرد يعقوب بالحديث عنه بأنه ابتلي بفقد ابنه، فحزن عليه، وإنما جاء ذلك في طريق الحديث عن يوسف ﵇".
وهذا رجوع آخر عن رأيه، ومعناه: أن الله تعالى قد قص من أحوال الأنبياء ما لا يتصل بأمر دعوتهم أو رسالتهم إذا تحدث عنهم عن طريق الحديث عن رسول آخر.
стр. 688
وبمثل هذا حاول دفع ما أوردناه من ابتلاء إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، فقال: "ذلك شأن ذكر على سبيل الاستطراد، ولم يكن هو كل ما حدثنا بها القرآن عن إبراهيم، ولم يذكر القرآن قصة الذبح مستقلة، بل جاءت كتتميم عقب حديث عن أمر دعوته إلى قومه".
والحق أن مدار قصص القرآن على العبرة والحكمة، ولا فرق بين ما يورده مستقلًا، وما يورده عقب حديث عن أمر الدعوة، أو في طريق الحديث عن رسول آخر؛ كما أنَّه لا فرق بين ما يتصل بالدعوة، وما يتصل بغيرها من أسباب المجد أو السعادة.
ثم ذهب صاحب المقال في قصة الذبيح مذهباً آخر، وهو عدم التسوية بين من أمر بذبح ابنه، فسارع في امتثال الأمر مسلماً بقلبه، وبين من مرض، فراح يدعو ربه؛ كما قال - تصريحاً أو تلويحاً -, وقال: "إن ذبح الابن لمما لا يتحمله إلا الأنبياء".
موضوع البحث: هل القرآن يقص من أحوال الأنبياء ما لا يتصل بالرسالة والدعوة؟ أما أن هذا الحال أشد، وأن هذا الحال أخف، فخارج عن موضع البحث.
ثم إن قتل الولد إن نظرنا إليه في نفسه، لم نجده مختصاً بالأنبياء،
فإنا نجد كثيراً من الآباء قد تلابسهم شهوات، فتتغلب على عواطفهم، فيقتلون أولادهم، وإن نظرنا إليه من جهة فعله عن أمر الله، لم نستطع أن نقول: هذا لا يحتمله إلا نبي، فإنه يرجع إلى قوة الإيمان, وإسلامِ القلب إلى الله، ولا نشك في أن عمر بن الخطّاب، أو أبا بكر الصديق، أو غيرهما من صادقي الإيمان لو أتاه أمر من الله بذبح ابنه، لفعل ما أمر به على وجه يُعد به عند الله
стр. 689
ممتثلاً مخلصاً، ولا يصح أن يكون الإيمان الصحيح وتقوى القلوب أضعفَ أثراً من تلك الشهوات التي تدفع إلى قتل بعض الأبناء بغير حق.
وليعتبر صاحب المقال بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]؛ فقد أثبت في هذه الآية أن من المسلمين من لو أمر بقتل نفسه، لفعل، والذي يقتل نفسه امتثالاً لأمر الله يحتمل أن يقتل ابنه امتثالاً لمثل هذا الأمر.
ولكن الفرق بين الرسول وغير الرسول - في قتل الابن امتثالاً لأمر الله - يرجع إلى حال القلب، وهو أن يكون رضا الرسول بالابتلاء أقوى، وغلبة إجلاله له على عاطفة الأبوة أظهر.
стр. 690
قصة أيوب ﵇
الرد الرابع (١)
كان صاحب المقال قد أورد على المفسرين: أن حديث حلف أيوب، والرخصة له بالخلوص منه على ذلك الوجه أشبهُ شيء بالعبث الذي لا يليق بالمخلوق، فضلًا عن الخالق، وقال: "إذ المعقول: أن العبد إنما يحتال للخلوص من الربّ، فكيف يحتال الربُّ للخلوص من نفسه، فهو تعالى المحلوفُ به، وهو تعالى الدالُّ على الحيلة - فيما يزعمون -".
وقلنا في الرد عليه: إن المفسرين لا يفهمون الآية على معنى الدلالة على الحيلة، وإنما يفهمونها على أنها شرعُ حكمٍ من الله، روعي فيه جانبُ الرحمة بمن حلف أيوبُ ﵇ على ضربه، فهو حكم صدر على وجه الفتوى لأيوب خاصة، أو له ولقومه، وعلى كل حال، فهو شرع معناه: أن الضرب بضغث يشتمل على مئة عود - مثلاً - يحقق عند الله تعالى غرض الحالف على الضرب بمئة سوط.
أرأيتم ماذا قال صاحب المقال في محاولة الرد على هذا؟
قال: "يتحرج هذا الكاتب من أن أقول: دلَّ الله أيوبَ على الحيلة، ولكن لا يتحرج من أن يقول: شرع الله الحيلة، مع أن هذا أبشعُ وأفظع،
стр. 691
وإنا إذا قدمنا الله عن أول المعنيين، كان أولى أن نقدسه عن الثاني؛ فإن شرع الحيل تعليم للمراوغة، وقضاء على الأعمال أن تكون صوراً خالية من "رواحها".
لو نظر صاحب المقال في المعنى الذي يقوله المفسرون من جهة أنه المعنى الذي اتفق عليه علماء الإِسلام من مفسرين ومحدثين وفقهاء، لخفف شيئًا من هذه النزعة، وتناول بحثه في شيء من الهوادة، شأنَ الباحثين الذين يعرفون أن رمي أولئك العلماء قاطبةً بأنهم نسبوا إلى الله ما لا يليق به، ليس بالأمر الهين الذي تكفي فيه حركة لسان، أو جرة قلم.
ولو ألقى صاحب المقال نظرة على كتب السنَّة، لوجد فيها شيئاً يدعوه إلى التثبت فيما يكتب، يجد فيها أحاديث مسندة إلى النبي ﷺ صريحة في أن الضعيف الذي لا ترجى له صحة، ويثبت عنه الزنا، ويخشى من جلده مئة جلدة الهلاك، أن يُضرب بعُثكول فيه مئة شِمراخ ضربةً واحدة، ولم يطعن في هذه الأحاديث أحد بأنها نسَبت إلى الله، أو إلى النبي ﷺ ما لا يليق به.
وهذا الحكم الذي تضمنته هذه الأحاديث قد قرره جمع عظيم من أئمة الدين؛ كالحنفية، والشافعية، والحنابلة، واتخذوه مذهباً.
ولا أورد هذا على معنى أنه حجة قاطعة عن البحث، وإنما أريد: أن أمرًا اتفق عليه المفسرون على اختلاف مذاهبهم، ووردت بمثله أحاديث قالوا في بعضها: إن رجاله رجال الصحيح، وقرره جمع عظيم من أئمة الدين في مذاهبهم، لا ينبغي لذي علم أن يهاجمه من غير أن يُعِدَّ له قوة.
والحق أن لله تعالى أن يشرع من الأحكام ما يرى الحكمة في شرعه، وله أن يغير حكماً أشدَّ إلى ما هو أخفُّ إن قضت الحكمة التخفيف، وليس
стр. 692
في تفسير الآية بالمعنى الذي يقوله المفسرون تعليمٌ للمراوغة، وإنما هو شرعُ حكمٍ أخفَّ من الضرب مئة سوط مفرقة، وليس في هذا التشريع قضاء على الأعمال أن تكون صوراً خالية من أرواحها؛ فإن في الضرب بالضغث إيلاماً، إذ المراد: الضرب به على الطريقة المعروفة في إقامة الحدود.
قال صاحب المقال في رده: "وإنا نسائل الكاتب، ونشتد في سؤاله: هل ما حلف عليه أيوب كان مما يتعذر أو يتعسر تنفيذه، أو لم يكن كذلك؟ فإن كان الأوّل، كان معنى هذا أن أيوب قد غلبه غضبه، فكان منه ما لا يكون إلا من شرار الناس دون خيارهم، وكيف ينزل أيوب وهو نبي إلى هذا الدرك، فيحلف على أمر يتعذر أو يتعسر عليه تنفيذه، ويحتاج في الخلوص منه إلى شرع حيلة، وإن كان الثاني، كان هينَ! التنفيذ يسيراً".
إن أيوب ﵇ حلف على أمر يستطيع تنفيذه، ولكن في تنفيذه شيء من الشدة على المحلوف على ضربه، فاقتضت رحمة الله بالمحلوف على ضربه أن يخفف عنه العقاب، ومن الجائز أن يكون هذا المحلوف على ضربه بحال من ضعف البدن استحق بها هذا التخفيف على نحو ما ورد في تخفيف الحد على الضعيف الذي لا يرجى صحته.
ثم إن أيوب ﵇ إنما ابتغى بحلفه على ما حلف رضا الله، ولا يمنع هذا من أن يرتاح لتخفيف حكم العقاب على بعض المؤمنين به، ويعده رحمة به، كما كان رحمة للمحلوف على ضربه، والأنبياء ﵈ يستقيمون على أمر الله، وينفذون أحكامه دون أن تأخذهم في دين الله رأفة، ويرتاحون لتخفيف الأحكام على أممهم، بل يطلبون لهم من الله تعالى التخفيف، ومن شواهد هذا: حديثُ الصلوات ليلة الإسراء، وطلب النبي ﷺ تخفيفها
стр. 693
إلى أن صارت الخمسون خمساً.
قال صاحب المقال: "أما أنها حيلة، فليس للكاتب مناص من القول بذلك؛ إذ الحيلة ليست شيئًا غير معالجة الوصول إلى غاية من غير طريقها المقدر لها، حين يتعذر أو يتعسر سلوك هذا الطريق إليها، وما دام أيوب ﵇ كان قد حلف على غير هذه الصورة، فحصول تلك الصورة للخلوص من يمينه يجعلها حيلة لا محالة".
بعد أن يشرع الله تعالى الضرب بالضغث، ويجعله كافياً عن الضرب مئة سوط مفرقة، يصير الضرب على نحو المشار إليه من قَبيل العمل الذي يوصل إلى غاية من طريقها المقدر لها.
وكان صاحب المقال قد قال في ذلك المقال: "وإذا كان الله قد أراد أن يُعفي أيوب من يمينه، فماذا يمنعه أن يُعفيه بدون تلك الحيلة، وهي منه ومن أجله؟ ".
فقلنا تعليقاً على هذا: "إن الكفارة عن اليمين إنما شُرعت في الإِسلام، فالحالف في عهد أيوب ليس له إلا فعلُ المحلوف عليه، فأرشد الله أيوبَ إلى وجه أخف. ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الله قد يخفف بعض الواجبات المشتملة على مشقة، فيسقط بعضها، أو يقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها؟ ".
فكان من صاحب المقال أن قال في رده: "فلم لم يشرع الكفارة في هذا الوقت، وقد اقتضتها الأحوال والحوادث، بدلَ أن يشرع هذه الصورة التي إن لم يسلم الكاتب أنها حيلة، فهي على الأقل على صورة الحيلة؟ "، ثم قال: "أمَّا تلك الصورة التي يزعمها المفسرون، فهي أشبه شيء بالعبث،
стр. 694
لا يتحقق معه حكمة، ولا يليق بالله تشريعها".
ليست تلك الصورة من قبيل الحيلة، ونحن لا نعرف، ولا صاحب المقال يعرف: أن الأحوال والحوادث لذلك العهد قد اقتضت شرع الكفارة، أما أن حالة من حلف أيوب ﵇ على ضربه تقتضي رحمة، فهذه الرحمة ترجع إلى تقدير علام الغيوب، فإذا شرع ما يخفف عنه أمر الضرب، فذلك تقدير حكيم.
وتعلق صاحب المقال بعد هذا بأمر صغير هو: أنه وقف عند قولي: "فأرشد الله أيوب إلى وجه أخف"، وقال: "ولا يفوتني أن ألفت الكاتب هنا إلى أنه قد رجع من أن هذا كان تشريعاً إلى كونه إرشاداً، وتلك هي عبارتي أو في معناها".
ومن الواضح الجلي أن قولي: "فأرشد" بعد أن صرح قبل ذلك وبعده بأن ما كان من الله إنما هو تشريع، يفهم منه القارئ لأول نظرة: أن المراد: الإرشاد على وجه التشريع، فأين هذا من قوله: إنه دلالة على الحيلة، وتعليم للمراوغة؟.
ثم قال صاحب المقال: "على أنه إذا كان ما حلف عليه أيوب قد بلغ حدّ المشقة، فقد صار من باب: الضرورات، والضروراتُ تبيح المحظورات، ويجب أن يكون هذا التشريع غير خاص بالإِسلام؛ فإن عدالة الله ورحمته أزليتان، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإعفاء أيوب يكون على هذا الوجه غير تلك الصورة التي يجب أن يتنزه عن تشريعها رب العالمين".
قد يكون ما حلف أيوب ﵇ ممكن التنفيذ، وليس هناك ضرورة من نوع الضرورات التي تبيح المحظورات، وإنما هناك حال اقتضى
стр. 695
تخفيفَ الحكم، وما يقتضي تخفيف حكم العقاب غيرُ ما يقتضي الإعفاء منه جملة.
ثم قال صاحب المقال في رده: "ولقد أتى الكاتب هنا بعبارة مجملة ملفوفة لا يفهم القارئ منها مراده، وهي قوله: "ومن الذي يستطيع أن ينكر أن الله قد يخفف بعض الواجبات المشتملة على مشقة، فيسقط بعضها، أو يقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها؟ ".
ثم كتب نحو صفحة تحدث فيها عن تخفيف بعض الواجبات، ولم يأت ولو بشبهة في رد هذا الذي قلته، فلنزد ما قلته بياناً، ثم نعرض عليك ماذا قال صاحب المقال في هذا المقام:
أما البيان، فذلك أن الله تعالى قد يخفف بعض الواجبات، فيسقط بعضها كما خفف عمن نذر التصدق بجميع ماله، فجعل الثلث مجزئاً عن الجميع، وقد يخفف بعض الواجبات، فيقيم ما يشبهها من بعض الوجوه مقامها, كما أقام التيمم مقام الوضوء، وكما أمر إبراهيم ﵇ بذبح كبش مقام ذبح ابنه، وجعل ابن عباس قصة الذبيح موضع قياس، فأفتى فيمن نذر ذبح ابنه بذبح شاة، فشَرعْ الضرب بالضغث مكان الضرب بالسوط مئة مفرقة من قَبيل تخفيف الواجب بإقامة ما يشبهه من بعض الوجوه مقامه.
وأما حديث صاحب المقال، فإنه قسم تخفيف بعض الواجبات إلى نسخ، وإلى استثناء في أحوال مخصوصة، وخرج من هذا التقسيم: بأن الضرب بالضغث مكانَ الأسواط المفرقة لا يصح أن يكون من هذا القبيل، فقال: "ويجب أن يلتفت إلى أن إسقاط بعض الواجب نسخاً لا يكون إلا بعد تطور
стр. 696
في الأمة يقضي بتغيير صورة المشروع".
ذهب قوم من أهل العلم إلى أن الضرب بالضغث مكانَ الضرب بالسوط مفرقة، كان شريعة لأيوب ﵇ ولقومه عامة، وليس لأحد أن ينازع هؤلاء بدعوى أن هذا نسخ، والنسخ لا يكون إلا بعد تطور الأمة؛ إذ حالة تلك الأمة غير معروفة لنا.
ثم إننا نعلم أن أحكاماً قد تغيرت في عهد نزول الوحي، ونعلم أنها لم تتغير إلا لحكمة، فمدار النسخ على تحقيق الحكمة، وإذا ثبت النسخ بنص أو إجماع، أو بمعرفة أن هذا الحكم متأخر عن هذا الحكم، ولم يمكن الجمع بين دليليهما، فقد تقرر النسخ عند أهل العلم، وليس لأحد أن يطالبهم بعد هذا بإثبات أن الأمة تطورت تطوراً يقتضي هذا التشريع.
فإذا وردت آية من القرآن الكريم، ورآها بعض النظار من قبيل الناسخ لحكم سابق؛ فللرد عليه طرق معقولة؛ كأن ينازع في إفادة النص تغيير الحكم على وجه القطع، أو في تأخره عن الحكم المدعى نسخه، أو في عدم صحة الجمع بين دليلي الحكمين.
وذهب قوم آخرون إلى أن حكم الضرب بالضغث رخصة لأيوب ﵇ خاصة، ورجحوا مذهبهم بأن قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]، يشير إلى وجه الترخيص، فيكون الترخيص مقصوراً على من وجد منه الصبر، وهو أيوب ﵇.
قال صاحب المقال في رده: "وأن الإسقاط استثناء إنما يكون لطوارئ تجعل الواجب شاقاً، وتكون تلك الطوارئ ليس للمكلف دخل في صورتها؛ لأنه إنما يستحق رحمة الله، فيخفف عنه الواجب؛ لأنه لا دخل له فيما صعب
стр. 697
به ذلك الواجب، أو يكون له تدخل بمباح؛ كالسفر في قصر الصلاة، على أن السفر قد يكون لطوارئ لا مدخل للمكلف فيها، بل تكون وليدة القدر البحت".
أخذ كاتب المقال في شروط الإسقاط: أن لا يكون للمكلف دخل في سببه الذي هو صعوبة القيام بالواجب، إلا أن يكون التدخل مباحًا, كالسفر في قصر الصلاة، وبنى على هذا: أن أيوب ﵇ يكون بمقتضى قول المفسرين- قد تدخل في صعوبة الواجب تدخلًا غير مباح، فلا يستحق الرحمة بتخفيف الواجب عنه، فقال: "أما ما تزعمه الإسرائيليات - يعني: ما اتفق عليه المفسرون -، فمقتضاه أن أيوب ﵇ هو الذي أراد أن يحمل نفسه هذه المشقة التي احتاجت إلى تلك الحيلة، واحتاجت إلى ذلك العبث الذي لا يعقل كونه تشريعاً عاماً، فإن كان التخفيف ليس عامًا، بل هو خاص بذلك الحادث، فقد قلنا: ما ضرورة هذا اللعب حينئذ؟ ".
نظر صاحب المقال فيما يقوله المفسرون نظرة مستعجلة، وكان من أثر هذا الاستعجال: أن صنع له مقتضيات لم تكن بينها وبينه صلة.
يقول المفسرون: إن أيوب ﵇ حلف على أن يؤدب شخصاً قال أو فعل ما يستحق عليه التأديب، وما كان غضبه عند الحلف إلا لله، والنبي لا يؤدِّب إلا بحق، وليس في الحلف على الوعيد من إثم، فلم يتدخل أيوب ﵇ في سبب الواجب الشاق من طريق محرم، فهو حقيق بالرحمة، وأهلٌ لأن يخفف عنه ما فيه مشقة.
وليس فيما شرعه الله من كفاية الضرب بالضغث من حيلة، ولا عبث،
стр. 698
ولا لعب، وإنما هو حكم من الأحكام التي ينزلها على رسوله حاملة شيئاً من التخفيف عنه وحده، أو عنه وعن أمته عامة، وليس بمستنكر أن يختص الله نبيًا من أنبيائه ببعض الأحكام، وليس بمستنكر أن يخفف الله عن الأمة بعض الواجبات الشاقة، وإن لم يظهر لنا أن مشقة الواجب ازدادت على ما كانت عليه شدة.
كان صاحب المقال ادعى: أن المعنى الذي يذكره المفسرون ينزل بالآية عن مستوى البلاغة الذي هو في متناول البشر، فضلًا عن الإعجاز الذي يجب أن يكون للقرآن الكريم، وعلل هذا بأنهم ذكروا قوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ [ص: ٤٤]، معنى يتوقف على ما لا يفيده سابقه، ولاحقه؛ لأنهم جعلوا: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ متوقفا على خبر أن أيوب كان قد حلف ليضربن امرأته مئة سوط.
وقلنا في رد هذا: إن القرآن كتاب إرشاد، ومأخذ عبر، فقد يسوق من القصة أشياء هي موضع العبرة، وشملك في سوقها طريق الإيجاز، وقوله في هذه القصة: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، يتبادر منه إلى الأذهان أن أيوب ﵇ حلف أن يضرب شخصاً أسواطاً، فأوحى الله إليه أن يضرب بهذه الأسواط مجموعة، ولا يتوقف موضع العبرة في هذا على معرفة سبب الحلف، أو الشخص المحلوف عليه، أو عدد الأسواط.
كان من صاحب المقال أن قال في رده: "ولكن الله قد قص علينا من شؤون الأنبياء قصصاً مفصلاً مطولاً، وإن شئت أوضح شاهد على ذلك، فدونك سورة يوسف التي استغرقت شؤونه من طفولته إلى كهولته".
من الرسل ﵈ من لم يقص الله من أنبائهم شيئاً، ومنهم
стр. 699
من قص من أنبائهم، وما يقصه من أنباء هؤلاء يتفاوت قلة وكثرة، فقد يأتي من سيرة رسول على شؤون قليلة، ويأتي من سيرة آخر على شؤون أكثر من ذلك، وفي كُلٍّ حكمة ومأخذُ عبرة.
وقصة يوسف ﵇ ذُكرت فيها شؤون من طفولته، وشؤون كهولته؛ لما في هذه الشؤون من عبر ذات أثر في الوعظ والإرشاد، ولا يستطيع أحد أن يقول: إن قصة يوسف قد استغرقت شؤون طفولته، وشؤون كهولته، وإن ذكر فيها من شؤونه أكثر مما ذكر في القرآن من شؤون غيره.
فالتفصيل في قصة يوسف ﵇ إنما هو بالنسبة لما ذكر من شؤون غيره، ولو نظر صاحب المقال إلى أسلوب سوق القصة، وقاسه بأسلوب مؤرخ يعلم حالَ يوسف من نشأته إلى يوم وفاته، لظهر له كيف سلك القرآن - حتى في قصة يوسف - طريقةَ الإيجاز.
وأزيد على هذا: أني لم أقل: إن القرآن يسلك في القصص مسلك الإيجاز دائمًا، وإنما قلت: "فقد يسوق من القصة أشياء هي موضع عبرة، ويسلك في سوقها مسلك الإيجاز"، ومن القريب إلى اللهم حمل "قد" في قولي: "فقد يسوق من القصص" على التكثير، أو التقليل، فتكون عبارتي في معنى: أن القرآن يسوق في بعض الأوقات، أو أكثر الأوقات من القصص أشياء هي موضع العبرة، ويسلك في سوقها طريق الإيجاز، ومقتضى أدب البحث وقوانين المنطق الفطري أو اليوناني أن يقال في الرد علي: إن القرآن لم يسلك فيما يقص عليك مسلك الإيجاز قط، لا أن القرآن قد سلك في بعض القصص مسلك التفصيل أو التطويل.
ثم قال: "وليقل لنا هذا الكاتب بعد هذا: ما معنى إذن أن القرآن ليس
стр. 700
كتاب تاريخ، وإنما هو كتاب إرشاد؟ وليقل لنا: بماذا يسمّى ما قصه علينا القرآن من تاريخ الأنبياء؛ وهل التاريخ إلا إرشاد مبين وعبرة بالغة؟ ".
إذا قلنا: إن القرآن ليس بكتاب تاريخ، فلأنه أنزل ليعظ الناس، ويعلمهم الحكمة، وإذا أخبر ببعض شؤون من مضوا من الرسل وغيرهم، فلِما فيها من حكمة أو عبرة. أما المؤرخ، فإنَّه يقصد لتدوين أخبار الأفراد أو الدول أو الأمم، ولا يبالي أن يسوق من الأخبار ما لو عصرته لم تجد فيه شيئاً من العبرة أو الحكمة.
ثم قال صاحب المقال في رده: "ويقول هذا الكاتب: قد يسوق القرآن من القصة شيئاً هو موضع عبرة، وإنا نسائله، ونلُحف في سؤاله: ما هي تلك العبرة في أن حلف أيوب أن يضرب أحدًا من الناس ضربًا قد شق عليه تنفيذه، فاحتاج إلى تلك الحيلة للخلوص منه، أفي مثل هذه دلالة على صبر، أو على شجاعة، أو على أي فضيلة من الفضائل؟ إن مثل هذا إن دلَّ على شيء، فإنما يدلّ على خلق لا يليق بخواص الناس، فضلًا عن الأنبياء؛ إذ الاندفاع بأذى غير محتمل، شر، وشر منه الحلف على ذلك الوعيد".
إذا صدر من شخص قول أو فعل، فرأى النبي ﷺ أنه يستحق جزاء على هذا القول أو الفعل، وقدر الجزاء بأسواط معدودة، ثم شرع الله حكماً فيه تخفيف هذا الجزاء، كان في هذا التخفيف رحمة بذلك الشخص، ورحمة بالنبي؛ فإن النبي ﷺ - وإن كان يرى أن ما حلف عليه من العقاب حق، وأن تنفيذه عدل - قد يتمنى لو أن ذلك الشخص لم يأت ما استحق عليه هذه العقوبة، فإذا خفف الحكم ممن بيده الأمر، ارتاح له، وسرَّه أن كان هو، أو هو وأتباعه مظهراً لتلك الرحمة الأزلية.
стр. 701
فلا حرج على النبي ﷺ أن يحلف متوعداً على تأديب من يستحق الأدب، بل يعد حلفه أثراً من أثر الغضب لله، وله في تنفيذه المثوبة. ولا حرج عليه في ارتياحه لأن يخفف الله عنه أو عن أتباعه حكماً فيه شيء من المشقة، فإذا دلت الآية على أشياء، فإنها تدل على فضيلة الغضب لله، وعلى جواز الوعيد بالعقوبة البدنية على فعل أو قول لم يراع فيه حق الله، وعلى إباحة الحلف على هذا الوعيد، وعلى أن للحلف بالله حرمةً توجب على الحالف فعلَ ما حلف عليه، فلا يتركه، ولا يفعله على غير وجهه المعروف إلا أن يأذن به الله، وتدل بعد هذا على الخلق العظيم، أو العمل الصالح يجعل الشخص بمقربة من رحمة الله، ويكون سبباً لتخفيف بعض الأحكام، كما أن المعاصي قد تكون سبباً لشدة بعض الأحكام: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٦٠] الآية.
قال صاحب المقال في رده: "أما تبادر هذا المعنى الذي يذكره المفسرون، فإنما كان من وقوفهم أمام تلك الإسرائيليات مكتوفي الأذهان، مغلولي الأيدي، حتى أصبح هذا المعنى متوارثاً يأخذه اللاحق عن السابق، ولولا تلك الإسرائيليات، ما استطعت أن تفهم هذا من الآية".
الضغث: الحزمة من الأعواد، والحنث: الخلف في اليمين، فقوله: ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، يدلّ على أن أيوب ﵇ صدر منه يمين، وقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ﴾ [ص: ٤٤]، يدل على أن الحلف كان على الضرب أسواطًا بقصد أن تكون مفرقة، وأن الله تعالى أراد تخفيف هذا العقاب، فجعل الضرب بالأعواد المجموعة مجزئاً.
ثم إن هذا المعنى هو الذي يرويه المفسرون والمحدثون عن بعض
стр. 702
الصحابة، ولم يرووا - فيما نعلم - عن أحد منهم معنى غير هذا المعنى، ودعوى أن أصحاب رسول الله ﷺ وفضلاء التابعين وقفوا في تفسير الآية أمام تلك الإسرائيليات مكتوفي الأذهان، مغلولي الأيدي، لا نراها إلا دعوى ناشئة عن نظرة عجلى.
قال صاحب المقال في رده: "وإذا صحَّ أنه يفهم من الآية، فأي مناسبة بينها وبين الآيات قبلها؟ وما معنى قوله حينئذ بعد هذا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]، وليس في ذلك دليل على صبر؟ ".
ذكر الله تعالى من قصة أيوب ﵇: أنه نادى ربه لاجئاً إليه مما مسه به الشيطان من النصب والعذاب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]، فاستجاب الله نداءه، وأراد كشفَ التفسير عنه على طريق معجزة، فأمره بضرب الأرض برجله، فنبعت عين بماء بارد، فأذن له في الاغتسال والشرب منه، فعوفي: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢]، ثم أنعم عليه بعد المعافاة بنعمة أخرى هي جمعهم عليه بعد إنقطاعهم عنه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٤٣]، ثم عطف على هذا نعمة أخرى هي: أَنْ خفف عنه حكم يمين تتعلّق ببعض أتباعه: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]،
فتضمنت الآيات: أن الله تعالى أنعم على أيوب ﵇ بثلاث نعم، هي: معافاته من المرض، وجمع أهله حوله، وتخفيف حكم اليمين عنه، وعد هذا من النعم؛ لأنه كان يود أن المحلوف على تأديبه لم يأت الأمر الذي أوجب هذا الأدب، وبعث على هذه اليمين.
ثم ختمت القصة بالإيماء إلى أنه حقيق بأن يكون مظهراً للعناية، ومصباً
стр. 703
للنعم، فقال تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، والصبر والرجوع إلى الله تعالى في كل حال من أجل الوسائل التي تدني الإنسان من عناية الله ورحمته، فينقله من مقام الصبر على الضراء إلى مقام الشكر على السرّاء.
قال صاحب المقال: "أما إذا جرينا على ما فسرتُ أنا به الآيات، فإنك تجد الآيات كلها ترجع إلى أصل واحد، ويربطها نسب واحد، وكلها تصور موضوعًا واحدًا"، ثم أعاد ذكر ما فسر به الآيات، حتى تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]؛ من حملها على معنى "لَوِّحْ إليهم بالأزهار والرياحين"، وجعلها كناية عن اللين في الدعوة؛ ثم قال: "وبذلك نجد موقعًا جدَّ مناسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾؛ فإنَّه ليس أمضَّ على النفوس، ولا أغمض فيها من أن تدعو قوماً على حق مؤيد بالبرهان، ثم هم يعرضون ويستهزئون، ثم ترى نفسك بعد ذلك وأنت محتوم عليك ملاينتهم ومحاسنتهم".
قد أريناك وجه ارتباط قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ بالآيات قبله على الوجه الذي يقرره المفسرون، وهو جارّ على أن هذه الآية واقعة مما قبلها موقع السبب من المسبب، فيرجع نظم الآيات إلى معنى: أنعمنا عليه بالمعافاة، وجمع الشمل، وتخفيف حكم تلك اليمين؛ بما كان يتحلّى به من فضيلتي: الصبر، والإنابة إلى الله في كل شأن.
أما صاحب المقال، فإنَّه زعم في مقاله أن أيوب ﵇ كان في وهن عزيمة، وضعف ثقة، وعدم قوة في السير إلى الغاية، فأمر أن يكون ذا عزم، وقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢]؛ أي: اعقد عزمك، ثم فسر قوله
стр. 704
تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، بمعنى: جادلهم بالرفق، ولما وصل إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾، ووجد هذا الثناء البليغ ينقض قوله: إن أيوب كان في وهن من العزم، وضعف في الثقة، جعل الصبر راجعاً إلى احتماله الإعراض والاستهزاء، ومقابلتها بالتلويح بالأزهار والرياحين بعد أن أمر بذلك.
ومقتضى هذا التأويل: أن الصبر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ حصل بعد أن ظهر منه وهن العزم، وضعف الثقة، ولكن المفسرين يذهبون في وجه الربط إلى أن أيوب ﵇ كان مفطوراً على الصبر من أول أمره، فلم يهن عزمه، ولم تضعف ثقته، ولم تعدم قوته على السير إلى الغاية، ومن كان على هذه الصفة، فهو أهل لهذا الثناء البليغ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤]، وأحقُ من رجل اصطفاه الله للرسالة، فظهر منه - كما يزعم صاحب المقال - وهنُ العزم، وضعف الثقة، وعدم القوة على السير إلى الغاية!.
стр. 705
قصة أيوب ﵇
الرد الخامس (١)
كان صاحب المقال - بعد أن انتهى في مقاله من إيراد تلك الوجوه التي زعم أنها تبطل قول المفسرين في قصة أيوب ﵇ قد أبدى رأيه في تفسيرها، وناقشنا رأيه، حتى استبان أنه من قبيل الخواطر التي لا تستند إلى أصول.
كان قد أوَّلَ قولَه تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] بمعنى: إعراض الناس، واستهزائهم بالدعوة، وقال: "وما كانت شكوى الأنبياء إلا من إعراض أممهم، ولا كان حزنهم الذي كان يبلغ أحياناً حدَّ الإهلاك للنفس إلاّ لبطءٍ في سير الدعوة إلى الله"، وقال: "انظر إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦] ".
فقلنا في الردِّ عليه: لا يتم لكاتب المقال هذا الوجهُ من الرد على المفسرين، إلا إذا صحَّ أن الأنبياء لا يشكون إلا من إعراض قومهم - كما زعم -، وهذا الزعم غير صحيح، فقد شكا يعقوب ﵇, وحزن لفقد يوسف