بالنسبة إليه كان أمراً منطقياً بحكم ظروفه وانقطاع صلاته بتونس إلا مع هؤلاء.
وصحيح أنه قامت بتونس في مطلع الثلاثينات معارضة لأفكاره الأدبية والدينية المحافظة؛ كموقفه هو من دعوة الحداد إلى تحرير المرأة (١)، وموقف الشابي والمهيدي (٢) والسنوسي (٣) من آراء الخضر الأدبية.
لكن من الصحيح أيضاً أن كتاب الشابي "الخيال الشعري عند العرب" (٤) كان في عمقه الخفي معارضة لكتاب الشيخ الخضر حسين "الخيال في الشعر العربي" المطبوع لأول مرة في القاهرة عام ١٩٢٢ م؛ أي: قبل طبع كتاب الشابي بسبع سنوات، وأنا -وإن كنت أعتز بالرجلين العظيمين- فإني أختلف معهما في الكتابين.
لقد توسعت كثيراً في الحديث عن الثعالبي، والخضر حسين؛ لأننا نعتقد أن دورهما في المشرق هو الذي لفت أنظار واهتمام المثقفين العرب هناك إلى أن تونس لها تاريخ أدبي وثقافي هام جداً، وأن فيها نهضة حديثة، وأدباً جديراً بأن يعرف ويدرس، ثم لأن إشعاع الرجلين ما زال قائماً يضيء الكتابات والعقول إلى اليوم، خاصة في مصر والعراق وبلاد الشام.
стр. 6407
من تاريخ الصحافة التونسية "السعادة العظمى ١٩٠٤" ودورها الحضاري
محمد الشعبوني (١)
إن صاحب مجلة "السعادة العظمى" هو أحد أعلام هذا العصر، الشيخ محمد الخضر حسين، ولدب "نفطة" سنة ١٨٧٤، والتحق وهو ابن ١٢ سنة مع والده إلى تونس العاصمة، ودرس بالمعهد الزيتوني، وأحرز على شهائده العلمية والأدبية، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، ثم تولى القضاء ببنزرت حتى سنة ١٩٠٥، فتولى التدريس بالزيتونة، وبالصادقية، ثم هاجر إلى دمشق مطارداً من طرف الاستعمار، ثم إلى مصر كلاجئٍ سياسي سنة ١٩٢٢، واستلم رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام"، وعين مدرساً بكلية أصول الدين، ثم أستاذاً متخصصاً. وأنشأ جمعية "الهداية الإسلامية"، وأصدر مجلة باسمها، وعيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وعضواً بالمجمع اللغوي بالقاهرة، ونال عضوية مجلس كبار العلماء برسالته "القياس في اللغة العربية"، وأدار تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وترأس (جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا)، ثم اختير شيخاً للأزهر سنة ١٩٥٢، وتوفي سنة ١٩٥٨ بالقاهرة، ودفن بالمقبرة (التيمورية).
стр. 6408
هذا هو صاحب "السعادة العظمى"، فإذا عن هذه المجلة؟ في وقت لم يكن فيه للمجلة الدينية مكان ببلادنا؟
ظهرت "السعادة العظمى" في ١٦ محرم ١٣٢٢ م بقطع من الورق الجيد مقياس ١٧ - ٢٤، وبعدد ١٦ صفحة، وقد جاء تحت اسم المجلة ما يلي: "مجلة علمية أدبية إسلامية تصدر غرة كل شهر عربي، وفي سادس عشر منه". ولما ظهرت المجلة، استقبلها أهل العلم والأدب بكل حفاوة وترحاب، وكانت في الوقت نفسه وخزاً للمستعمرين الذين حاربوا ولاحقوا أصحابها، وضايقوا مديرها، حتى تعطل صدورها، ولم يمض عام على ظهورها، وكان آخر عدد ظهر منها يحمل رقم (٢١) قعدة ١٣٢٢ هـ، وكان صاحبها يصدرها من منزله نهج (رحبة الغنم) (١) بالعاصمة.
أما عن محتواها، فهو كما أشار العدد الأول في افتتاحيتها التي استغرقت صفحات كامل العدد ما نقتصر على بعض عناصره: "تفاتح مطالعيها بمقالة تتخذ مظهراً لبعض مطالب تقتضيها المحافظة على حياة مجدنا القديم، ويتلوها باب تعتبره معرضاً لعيون مباحث علمية، ولا تريد إلا انتظامها في ما هو التحقيق، بما يتخللها من الأفكار السامية، ويتلوهما باب ثالث تنشر فيه من الآداب ما يكون مرقاة للتقدم في صناعتي الكتابة والشعر لا يتمتع بها عند المسايرة ثم ترقص كأضغاث أحلام - ونقصّ في هذا الباب من التاريخ أحسن القصص، ويتصل بذلك باب رابع في الأخلاق، ويلي باب آخر للأسئلة والاقتراحات، ثم خاتمة عنوانها مسائل شتى.
ومن مقاصد هذه المجلة: التعرض لما تتناوله الألسنة، وتتناقله الأقلام
стр. 6409
من الأحاديث الموضوعة. وأورد المؤلف في افتتاحية مجلته اثني عشر استطلاعاً لبيان ما سيدرج تحت كل باب منها، من دراسات ومعارف، ذاكراً أن المجلة مستعدة لقبول ما يرد عليها من الرسائل المنقحة التي تنطبق على المنهج الذي كنا بصدد تسويته، ولا أخاله إلا صراطاً سوياً، ونؤمل من عواطف هؤلاء الفضلاء أن ينظروا إلى ما تنطوي عليه صحائف هذه المجلة كيفما صدرت نظر بحث وانتقاد، وإن عثروا على نوع ما من الخلل، جاهرونا به، ولا نتلقاه إلا بفساحة الصدر، وغاية الارتياح، بل ربما استدللنا على ذلك بنجاح المسعى، ومن انسدت أمامه طرق الإذعان إلى الحق، عميت عليه أنباء التحقيق.
يقول الشيخ محمد العربي الكبّادي:
(سعادتكم) فينا لقد طلعت شمسا ... فكلٌّ لها أضحى مشوقاً كما أمسى
ولله ما خطّت يراعتك التي ... برقَّة ما تبديه تمتلك النفسا
مجلة علم لم تجل في ضلالة ... ولكن جراحات الضلال بها تؤسى
أما الشيخ محمد الحشايشي، فقد حياها بقوله:
تشرفت باستطلاع فكركم الأسمى ... وما ذاك إلا الدرّ ترسمه رسما
مجلتكم روض من العلم يانع ... سترقى بفضل الله أغصانه النجما
وقد خلصت من كل بدعة زائغٍ ... فحقاً بأن تدعى: (سعادتنا العظمى)
ومن لم يشارك في السعادة قاصر ... على نيلها فاسعد ودم جهبذاً قرما
وكثير هم العلماء والأدباء الذين استقبلوا ظهور المجلة بقصائدهم؛ كالمشايخ: محمد النخلي، والصادق المحرزي، وإدريس محفوظ، وصالح سويسي، ومحمد شاكر، ومحمد العزيز الشيخ، والأمين بوعلاق، ومحمد
стр. 6410
المذكور بن الصادق، والطاهر بو دربالة، والشاذلي خزندار، وغيرهم. مما نشرت قصائدهم بكتاب "السعادة العظمى".
يقول محمد الطاهر بودربالة:
ذا زهر روض عاطر الأردان ... أعقود درّ في نحور غوانِ
أم ذي السعادة للهدى قد أقبلت ... حيّت فأحيت مجمع العرفان
عربية شهدت لها أترابها ... وغدت تحليها بحسن بيان
أما علّامة العصر، ومفخرة القطر، الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فقد أورد في كتابه لصاحب المجلة ما يشير إلى رأيه فيها: "ما زلت راجياً أن أرى منا ناهضاً يحيى لهاته الأمة فخاراً، ويقول لأهلها: امكثوا إني آنست ناراً، فهذا رجائي قد أسفر عن مجلتكم العظمى، وعسى أن يقارنها من تعضيد المؤازرين ما تحقق به الآمال، وسيكون-إن شاء الله- من اسمها للأمة أصدق قال. لكنك ستجد في صنيعك هذا ألسناً شاجرة، وصدوراً ثائرة، وعيوناً متغامزة؛ كما وجد الناهضون من قبلك، فإن استطعت أن لا تزيدك أراجيفهم إلا معرفةً بكبر نفسك، وتصميماً على غاية فكرك، ولهواً عن قولهم؛ فإنهم حاسدون، ويأساً من نصرتهم، فأولئك هم الخاذلون، ولتكن استعانتك وتوكلك على من كفل الهداية إلى الصراط المستقيم، فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم".
وهكذا أصبح اسم الشيخ الخضر حسين مقترناً باسم مجلته "السعادة العظمى"، هذه المجلة التي تناولت من المباحث العلمية: (الاعتصام بالشريعة)، و (الأخذ بالقول الراجح)، و (براءة القرآن من الشعر)، و (العمل والبطالة)، و (حياة الأمة)، و (التربية)، و (التقدم بالكتابة)، و (النهضة للرحلة)، و (مدنية
стр. 6411
الإسلام والعلوم العصرية)، و (كبر الهمة)، و (التعاون والتعاضد)، و (الديانة والحرية المطلقة)، و (البدعة)، و (الزمان والتربية)، و (الصيام)، و "الأحاديث الموضوعة).
وتناولت عن المباحث الأدبية: (تقسيم الكلام بحسب أغراضه)، و (الإبداع في فنون الكلام)، و (طريق الترقي في الكتابة والشعر)، و (الشعر العصري)، و (الكلام الجامع). وحياة بعض الأعلام؛ كأبي بكر بن العربي، وأبي الوليد الباجي، ومنذر بن سعيد، وتحقيق مسائل تاريخية، والرحلة الجزائرية، أما الأسئلة والأجوبة، فقد كانت متنوعة عن اليلة النصف من شعبان)، و (صوت المرأة)، و (الاقتباس من القرآن)، و (الطب النبوي)، و (الاستخارة)، وغيرها.
هذه هي مجلة "السعادة العظمى" التي تعد أول مجلة دينية ظهرت بتونس في أوائل هذا القرن. نختم باستعراض حياتها بهذه الأبيات لشيخ شعراء "صفاقس" الأستاذ محمد شاكر يراسل بها صاحب المجلة:
هناء لهذا القطر بالمأمل الأسمى ... وبشراه إذ لاحت سعادته العظمى
مجلة علم طالما استشرفت لها ... نفوس ذوي الآداب ممن حوى العلما
فمدوا أولي الألباب أيدي جدّكم ... عسى أن ترى الإسعاد للقوم قد تمّا
стр. 6412
شيخ الجامع الأزهر السابق تونسي الشيخ محمد الخضر حسين
حامد الحبيب براهم (١)
ليس من السهل أن تنسى تونس هذا العالم الكبير، ولابد للشباب التونسي أن يعرف من هو الشيخ محمد الخضر حسين شيخ جامع الأزهر السابق، هذا الرجل الذي آمن بالإسلام ودعوته، وأحب من صدر حياته أن يكون من الذين قال الله سبحانه فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
إن الاستقامة على طريق الله بعلم وحزم وحكمة ويقين هي الولاية، فإذا تعارضت مصلحة الدين ومصلحة الدنيا أمام الرجل المسلم، فآثر مصلحة الدين، ومضى على ذلك في تصرفاته كلها مدى الحياة، فهو من أولياء الله؛ أي: من أنصاره، والولاية هي النصرة، وقد جرت سنة الله أن يأخذ بايدي أوليائه، وينصرهم ما نصروا دعوته وسنته في الأرض، وهذه المرتبة في متناول يد كل من رامها من شبابنا وكهولنا وشيوخنا، إذا آلى أن يجعل وجهته في مراحل الحياة. وسأتحدث في هذه الجريدة المباركة "جريدة الصباح" إلى إخواني من الشباب التونسي عن حياة هذا الرجل المؤمن بالإسلام.
стр. 6413
ولد شيخنا المرحوم محمد الخضر حسين عام ١٢٩٣ هـ في مدينة "نفطة" الجمهورية التونسية، وأبوه من أسرة شريفة، أصلها من الجمهورية الجزائرية، وكانت أمه من صالحات النساء، وله فيها قصيدة: (بكاء على قبر) لما بلغه خبر وفاتها سنة ١٣٣٥ هـ. وكان أبوها الشيخ مصطفى بن عزوز من أهل العلم والفضل، له ترجمة في تاريخ الوزير أحمد بن أبي الضياف، وأبو جده لأمه محمد بن عزوز من الأفاضل أيضاً، وله ترجمة في كتاب "تعريف الخلف برجال السلف" للشيخ الحفناوي بن عروس، وخاله السيد محمد المكي بن عزوز من كبار العلماء الصالحين، وكان موضع الإجلال والاحترام من رجال الدولة العثمانية في العهد الحميدي، وقضى الشطر الأخير من حياته في الآستانة برغبة من السلطان، وله مؤلفات معروفة، ولشيخنا الفقيد قصيدة في تأبينه ووصفه بمناسبة وفاته سنة ١٣٣٤ هـ أثبتها في (ص ١٨٠) من "ديوانه" في طبعته الثانية.
وفي سنة ١٣٠٥ انتقلت أسرتهم من "نفطة" إلى العاصمة التونسية، وكان الفقيد في الثانية عشرة من حياته، وقد تأدب قبل ذلك بأدب الإسلام، وتلقى كتاب الله، ومبادئ العلوم الشرعية والعربية، فلما نزلوا تونس، التحق بجامع الزيتونة الأعظم، وأخذ يتنقل في مراحل التعليم، وكان من أبرز شيوخه: العلامة الكبير المرحوم سالم بو حاجب المولود ببلدة بنبلة، والمتوفى سنة ١٣٣٩ هـ ﵀، ولفقيدنا أبيات في وصفه ورثائه هي في "ديوانه" (ص ١٠١).
وفي سنة ١٣٢١ حصل على شهادة العالمية من جامعة الزيتونة المعمور، وما لبث أن أصدر مجلة "السعادة العظمى"، وأخذ يساهم في النهضة العلمية والأدبية، ويباري رجالها لإحراز قصبات السبق طمعاً في مرضاة الله، وفي
стр. 6414
"ديوانه" (ص ٧٣) قصيدة نظمها في هذه الحقبة، انطوت على روح الدعوة التي أنشأ هذه المجلة للقيام بها.
وفي سنة ١٣٢٤ هـ تولى قضاء مدينة "بنزرت" ومنطقتها. وفي مساء ١٧ ربيع الآخر من تلك السنة ألقى محاضرة عنوانها: (الحرية في الإسلام) في نادي قدماء خريجي المدرسة الصادقية بلغت ٦٤ صفحة، ودلت على نزعته المبكرة إلى الحرية، وفهمه السليم لرسالة الإسلام من هذه الناحية، ولم تطل مدة ولايته القضاء؛ لأن الجمع بينه وبين انطلاقه الفكري في بلد محتل بالاستعمار الملعون كان محاولة للجمع بين الضدين، لذلك رأيناه في سنة ١٣٣٧ هـ عاد مدرساً في جامع الزيتونة، ولعله فارق القضاء قبل تدريسه في الزيتونة، فتولى التدريس قبل ذلك في المدرسة الصادقية حيث كانت المدرسة الصادقية هي الوحيدة في كامل الوطن التونسي، وفي مساء السبت ١١ شوال سنة ١٣٢٧ هـ ألقى في نادي الجمعية الخلدونية بتونس العاصمة محاضرة عنوانها: (حياة اللغة العربية) تحدث فيها عن أطوار هذه اللغة، وفصاحة مفرداتها، وحكمة تراكيبها، وتعدد أساليبها، وما تفردت به من إعجاز وبدائع التشبيه، وارتقاء مستوى اللغة بارتقاء التمدن العربي، وتحدث عن العامية والعربية الفصحى، وفي "ديوانه" (ص ٢٣) قصيدة نظمها سنة ١٣٢٨ هـ بعد ولايته القضاء والتدريس يوجه بها أنظار القائمين على جامع الزيتونة إلى ضرورة العناية بتدريس الإنشاء، وتمرين الزيتونيين عليه؛ ليكون للوطن من علماء هذا المعهد الإسلامي كتّاب بارعون، يؤدون مهمة الدعوة، ويقودون الأمة إلى أهدافها.
وفي تلك السنة، مرت بتونس بعثة الهلال الأحمر العثماني قاصدة طرابلس الغرب بعد حملة البغي الإيطالي عليها، فنظم قصيدة يدعو فيها إلى معونة
стр. 6415
هذه البعثة وإعانتها، وهي في "الديوان" (ص ٣٣).
وفي السنة التالية (١٣٢٩ هـ) وجهت إليه التهمة ببث روح العداء للغرب، ولا سيما سلطة الحماية الفرنسية، فسافر إلى الآستانة متذرعاً بزيارة خاله السيد محمد المكي بن عزوز، ولما ظن أن الزوبعة هدأت، عاد إلى تونس بطريق "نابولي"، ولما استقر به المقام، رأى أنه لن يطيق البقاء في ذلك الجو الخانق، فأزمع الهجرة منه نهائياً، ووقع اختياره على دمشق، ليتخذها وطناً ثانياً له، وقد مر بالقاهرة سنة ١٣٣٠ هـ، وقد اجتمع بالشيخ طاهر الجزائري، وأحمد تيمور، والسيد رشيد رضا، ومحب الدين الخطيب الذي كان وقتئذٍ في قلم تحرير "المؤيد".
ولما وصل إلى دمشق، كانت الحركة العربية في بدايتها، وكانت الأمة تطالب الحكومة العثمانية بإعطاء اللغة العربية حقها من التعليم في المدارس الرسمية، فعين الشيخ محمد الخضر حسين مدرساً للعربية في المدرسة (السلطانية) بدمشق، وكانت سكة الحجاز الحديدية متصلة فيما بين دمشق والمدينة المنورة، فزار المسجد النبوي سنة ١٣٣١ هـ، وله في هذه الزيارة قصيدة في "الديوان" (ص ١٠٦).
وفي هذه الفترة زار البلاد التونسية، وفي "ديوانه" من ذكريات هذه الزيارة أبيات في (ص ١٢٦ و ١٣٤). وذهب في هذه المرة إلى الآستانة، ولقي وزير حربيتها أنور باشا، واختير الشيخ محرراً عربياً في وزارة الحربية، وكان في هذه الحقبة قد عرف دخيلة الحال في الدولة، وأصيب بخيبة أمل ما كان يتصوره بعين الخيال، وبين ما رآه بعين الحقيقة، فنظم في سنة ١٣٣٢ أبيات بعنوان: (بكاء على مجد ضائع) تجدها في "ديوانه" (ص ٦١)، وفي سنة ١٣٣٣
стр. 6416
أرسله أنور باشا إلى "برلين" بمهمة رسمية، فقضى في ألمانيا تسعة أشهر، اجتهد خلالها في تعلم الألمانية، وفي "ديوانه" قطع كثيرة مما نظمه هناك، ومن ذلك: أنه كان في قطار بضواحي برلين يرافقه مدير الأمور الشرقية بوزارة الخارجية الألمانية، وكان يتحدث مع شاب ألماني باللغة الألمانية، ثم أقبل مدير الأمور الشرقية على الشيخ، وقال له: أليس هكذا يقول ابن خلدون: إن العرب أبعد الناس عن السياسة؟ فنظم الشيخ في هذه الحادثة أبياتاً يقول فيها:
عذيري من فتى أزرى بقومي ... وفي الأهواء ما يلد الهذاءَ
سلوا التاريخ عن حكم تملت ... رعاياه العدالة والرخاء
هو الفاروق لم يدرك مداه ... أمير هزّ في الدنيا لواء
وعاد إلى الآستانة، فوجد أن خاله الشيخ المكي بن عزوز قد توفي بها، قبل قدومه بنحو شهرين، فرثاه بما في "الديوان"، ثم ضاقت به العاصمة العثمانية على سعتها، وصرفه عنها وعن عظمتها يومئذٍ ما كان يشعر به من الشوق إلى دمشق، حتى تمكن من الوصول إليها، والاستقرار فيها، غير أنه ما لبث أن ناله شواظ من شرور السفاح الجنكيزي أحمد جمال باشا، الذي لم يسلم فاضل من شره، فاعتقل في رمضان سنة ١٣٣٤ هـ، وكان في زنزانة واحدة هو والأستاذ سعدي بك الملا الذي تولى رئاسة الوزراء اللبنانية بين الحربين العالميتين، وكان جريرة سعدي بك الملا: أنه كان سكرتيراً لشكري باشا الأيوبي من كبار رجال الجيش العثماني الذين أنجبتهم الشام، أما شكري باشا، فكان تحت التعذيب الأليم الذي يذكِّر الناسَ بديوان التفتيش الكاثوليكي في إسبانيا.
стр. 6417
ومن شعر الشيخ محمد الخضر حسين في هذا الاعتقال:
جرى سمر يوم اعتقلنا بفندق ... ضحانا به ليل، وسامرنا رَمْسُ
فقال رفيقي في شقا الحبس: إن في ... الحضارة أنساً لا يقاس به أُنْسُ
فقلت له: فضل البداوة راجحٌ ... وحسبك أن البدو ليس به حَبْسُ
وأكبر ظني أنه كان لأنور باشا دخل في إنقاذ الشيخ من قبضة جمال باشا، فما كاد يفرج عنه، ويخرج، حتى أزمع السفر إلى الآستانة، وما كاد القطار يسير به حتى قال، وهي في "ديوانه" (ص ١٢٦):
أردد أنفاساً كذات الوقود إذ ... رمقتني من البين المشت رواشِقُ
وما أنت مثلي يا قطار وإن نأى ... بك السير تغشى بلدة وتفارقُ
فما لك تلقى زفرة بعد زفرة ... وشملك إذ تطوي الفلا متناسق؟!
ولما بلغ الآستانة، أوفده أنور باشا سنة ١٣٣٥ للمرة الثانية إلى ألمانيا، فقضى فيها زمناً طويلاً، وعاد إلى الآستانة، ثم إلى دمشق، فتولى التدريس بالمدرسة السلطانية مرة أخرى بقية سنة ١٣٣٥، وفي هذه المدة شرع في دراسة كتاب "مغني اللبيب" فيعلم العربية لجمال الدين بن هشام (٧٠٦ - ٧٦١) بمحضر جماعة من أذكياء طلاب العلم بدمشق، وكان يرجع في تقرير المسائل المتصل بالسماع والقياس إلى تلك الأصول المقررة والمستنبطة، فاقترح عليه أولو الجد من الطلبة جمع هذه الأصول المتفرقة؛ ليكونوا على بينة منها ساعة المطالعة، فألف مقالات تشرح حقيقة القياس، وتفصل شروطه، وتدل على مواقعه وأحكامه، ومن المقالات تألفت رسالة "القياس في اللغة العربية" التي أعاد عليها نظره بمصر، ونال بها عضوية جماعة كبار العلماء.
стр. 6418
وفي سنة ١٣٣٧ هـ ذهب إلى الآستانة، وكانت الحرب العالمية الأولى في نهاياتها، والحالة في دولة الاتحاد والترقي مؤذنة بالزوال، فتوجه إلى ألمانيا، وقضى هناك سبعة أشهر، وكانت عودته منها هذه المرة إلى دمشق رأساً، وهو يقول "الديوان" (ص ٢٢٠):
سئمت وما سئمت سوى مقامي ... بدارٍ لا يروج بها بياني
فازمعت الرحيل وفرط شوقي ... إلى بردى تحكم في عناني
هلم حقيبتي لأحطّ رحلي ... فنفحُ زهور جِلَّق في تداني
ووافقت عودة الشيخ إلى دمشق دخول الجيش العربي، وولاية فيصل ابن حسين على سوريا، على أمل أن يعود إلى تونس، فيكمل حياته فيها، ولكن الله أراد له الاستقرار والبقاء بمصر.
وفي مصر أخذ يشتغل بالكتابة والتحرير والدرس، وفي سنة ١٣٤٠ هـ ألف رسالته "الخيال في الشعر العربي". وبعدئذٍ كسبته دار الكتب المصرية، فالتحق بقسمها الأدبي عدة سنين، ثم تجنس بالجنسية المصرية، وتقدم للامتحان في الأزهر، فقام على امتحانه لجنة برئاسة العلامة الشيخ عبد المجيد اللبان، وكانت اللجنة كما اكتشفت آفاق علمه، زادت في التعمق بمناقشته، واستخراج كنوز فضله، وأصبح بعدئذ من أكمل أساتذة هذا الصرح العلمي العظيم في عصور الإسلام الطويلة، وإن تلاميذ الشيخ صاروا فحول العلماء، وأطواد التحقيق في الشريعة وعلوم العربية.
وفي سنة ١٣٤٢ هـ أسس "جمعية تعاون جاليات أفريقية الشمالية"، وسن لها قانوناً، وفي سنة ١٣٤٣ مرض مرضاً شديداً، ردد صداه في شعره "الديوان" (٢٦)، وفي سنة ١٣٤٤ هـ ظهر كتاب "الإسلام وأصول الحكم".
стр. 6419
واصل ﵀ السنين المباركة في حياته بعد ذلك في التدريس بكلية أصول الدين على طريقة العلماء الأقدمين في التحقيق والرجوع بقضايا العلم إلى أصولها، والغوص في أعماقها، ويقضي الليالي في محاضرة جماهير الشباب وأهل الفضل بدار "جمعية الهداية الإسلامية" داعياً إلى تجديد حيوية الإسلام في نفوس أهله، وتقرير حقائقه بأساليب بليغة، كانت موضع الحرمة والتقدير من جميع الطبقات.
وعندما أسس المجمع اللغوي، كان من أقدم أعضائه، وله فيه بحوث وقصائد ودفاع عن الفصحى، وتبيان لأسرارها، وعرض لجواهرها.
وفي سنة ١٣٧٠ نال عضوية هيئة كبار العلماء برسالة "القياس في اللغة العربية" التي ألف أصولها وهو في دمشق أيام الحرب العالمية الأولى، وفي يوم الثلاثاء (٢٦ من ذي الحجة ١٣٧١ هـ - ١٦ سبتمبر ١٩٥٢ م) خرج من مجلس الوزراء أثناء انعقاده ثلاثة من أعضاء ذلك المجلس، فتوجهوا إلى المنزل الذي كان يسكنه الشيخ، وعرضوا عليه مشيخة الجامع الأزهر باسم حكومة الثورة، وجاء الشيخ إلى مشيخة الأزهر، وللأزهر في ذهنه رسالة يتمنى لو اضطلع بها الأزهر؛ ليتم له بها حمل أمانة الإسلام.
وكان هذا الاختيار تحقيقاً للأخوة الإسلامية في الدستور الإسلامي، وبرهاناً من الله على أن من كان مع الله، كان الله معه، وعلى أن من عاش يؤثر الآجلة على العاجلة عند اختلافهما، فإن الله يكافئه بخير مما يطمع فيه الذين يؤثرون العاجلة على الآجلة.
ولما أضعفته الشيخوخة عن مواصلة الاضطلاع بحمل هذه الأمانة، عاد إلى منزله يواصل العكوف على الكتب والكتابة والتفكير، حتى لقد نظم ديواناً
стр. 6420
كله مقطعات في الحكمة والخواطر التي تحوم حول الحق والخير ..
وفي يوم ١٣ رجب ١٣٧٧ مساء اختاره الله إليه، وهو لا يزال على عهده الأول من الذين قالوا: ربنا الله، ثم استقاموا، فكان جديراً بما وعد الله به أمثاله أن تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، وفي ظهر اليوم التالي صُلي عليه بعد الفريضة في الجامع الأزهر، ومشى في موكب جنازته علماء الأزهر وأعيان الأمة المصرية والمنتسبون إلى العلم، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه -رحم الله الشيخ محمد الخضر حسين التونسي شيخ جامع الأزهر السابق-.
стр. 6421
أعلام من تاريخنا الشيخ محمد الخضر حسين
عمر بُوشيبة (١)
في الجنوب التونسي، وفي زوايا العلم؛ حيث الإشعاع الفكري والروحي، وفي واحات النخيل الباسقة، ولد شيخنا الخضر حسين في بلده "نفطة" سنة ١٨٧٣ هـ من أسرة علم وتقوى يتصل نسبها بالرسول الأعظم ﷺ ، ولما بلغ من العمر الثانية عشرة، انتقل مع والده إلى العاصمة؛ حباً لطلب العلم، وانتسب إلى جامع الزيتونة الذي نهل من معينه العلم الكثير، وفي هذا الصرح الحضاري درس، ودرّس العلم، وتولى بعدها القضاء في مدينة "بنزرت"، فكان وقافاً عند كتاب الله، ولم يكتف بهذا، بل راح يخوض غمار الصحافة، فأسس مجلته الخالدة "السعادة العظمى" التي أوقفتها السلطات الفرنسية.
لقد كان صوتاً إسلامياً مدوياً في أنحاء المعمورة، يخشع لسامعه العدو والصديق. رحم الله شيخنا، لم يدع درباً ولا طريقاً إلا سلكه في سبيل تحرير تونس الحبيبة من براثن الاستعمار، لقد كان خطيباً مفوهاً يلهب حماسة الجماهير
стр. 6422
من فوق المنابر، فلما شعرت فرنسا بالخطر المحدق عليها، لاحقته، وضيقت عليه السبل، فخرج فراراً بدينه إلى الشرق حاملاً قلماً بليغاً معطاءً لا ينفد خيره، وعقلاً مؤمناً ثاقباً، يتابعه حكم الإعدام الذي أصدرته محكمة العدو.
وحط به الترحال في دمشق الفيحاء، فأقام فيها مدة طويلة تولى في مطلعها التدريس، ثم اعتقله جمال باشا فترة من الزمان؛ لاشتغاله بالسياسة، وتحريض الناس للجهاد المقدس، وعلى أثرها سافر إلى الآستانة وألمانيا داعياً؛ لأنه يدرك أنه يمثل خلية من خلايا جسم الدعوة الإسلامية، وأن قوة هذه الخلية وفاعليتها في مدى انسجامها وتفاعلها مع خلايا الجسم الأخرى. هكذا كان ينظر إلى عبء الدعوة الإسلامية.
وفي سنة ١٩٢٠ م وصل إلى مصر بعد أن لاحقته فرنسا طويلاً، فبدأ النضال السياسي إلى جانب الدعوة والإصلاح، كانت داره عبارة عن سفارة تونسية، بل مغاربية، يؤمها الأمراء والمناضلون من أبناء المغرب العربي الكبير، فكان الشيخ يبعث فيهم روح النضال الموحد والمشترك؛ لأن عدوهم واحد، وهدفهم واحد، فأسس (رابطة تعاون جاليات أفريقيا الشمالية)، فعقدت المؤتمرات، وشرحت قضايا المغرب للعالمين العربي والإسلامي، ثم أنشأ (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية) التي قامت بدور فعال، وكانت إحدى الطعنات التي مزقت صدر الاستعمار، وهو في كل هذا بقي يحن إلى تونس مسقط رأسه، ومنبِت فكره، ونجد ذلك في شعره تحت عنوان: (أنباء تونس). قال عندما زاره أحد الأدباء قادماً من تونس إلى القاهرة:
أمحدّثي رُبِّيتَ في الوطن الذي ... رُبِّيتُ تحت سمائه وبلغت رشدا
стр. 6423
وجنيتَ زهر ثقافة من روضة (١) ... كنتُ اجتنيت بنفسجاً منها ووردا
هاتِ الحديث فإنني أصبو إلى ... أنباء تونس من صميم القلب جِدّا
وبعد رحلة طويلة من الكدح والجهاد، ناداه ربه إليه، فاستجاب لنداء خالقه، وكان ذلك في رجب سنة ١٩٥٨ م حيث دفن في المقبرة التيمورية بالقاهرة إلى جانب صديقه أحمد تيمور باشا.
استلم رئاسة تحرير مجلة "نور الإسلام" التي يصدرها الأزهر، المعروفة اليوم بمجلة الأزهر، وانضم إلى علماء الأزهر، وعيّن مدرساً للفقه في كلية أصول الدين، ثم أستاذاً في التخصص، وعين أيضاً في المجمع العربي العلمي بدمشق، واختير عضواً في جامعة كبار العلماء بعد أن قدم رسالته العلمية "القياس في اللغة العربية". استلم رئاسة تحرير مجلة "لواء الإسلام"، وقام بتأسيس جمعية (الهداية الإسلامية)، وجمعية (الشبان المسلمين)، ثم تولى سنة ١٩٥٢ م إماماً لمشيخة الأزهر.
* بعض أقواله في فكرة فصل الدين عن الدولة:
فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين.
* مؤلفاته:
كثيرة منها: ديوانه في الشعر - خواطر الحياة - أسرار التنزيل - الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان - القاديانية والبهائية.
رحم الله شيخنا، ما ترك فناً إلا وكتب فيه.
стр. 6424
أعلام الإعلام في تونس محمد الخضر بن الحسين
الدكتور محمد حمدان (١)
إذا كان تاريخ الصحافة بتونس زاخراً بالدوريات التي صدرت في شكل جرائد، فإن الدوريات التي صدرت في شكل مجلات تعد ضئيلة نسبياً. وإذا كانت الجرائد متصلة بالأحداث الآنية، وبالأخبار السياسية العامة، فإن المجلات تأخذ عادة بعدها الكافي عن الأحداث، لتكون وسائل تفكير نظري، وخلق أدبي، وتعبير عن الرأي. وتواجه المجلات بالتالي أكثر من الجرائد مشاكل في الصدور والاستمرارية؛ نظراً لجمهورها المحدود، ولتكاليف إخراجها المرتفعة.
وقد كان لمحمد الخضر بن الحسين الفضل في إصدار أول مجلة تونسية عنوانها "السعادة العظمى"، تبعتها بعد ذلك مجلات أخرى ذات طابع ديني أو أدبي إلى جانب المجلات الرسمية والمختصة.
ومحمّد الخضر بن الحسين من مواليد "نفطة" بالجنوب التونسي
стр. 6425
حوالي ١٨٧٣ م، ودرس بالمكتب القرآني في مسقط رأسه قبل أن يلتحق بالزيتونة، حيث تحصل على (التطويع)، وبدأ حياته العامة بإصدار مجلة "السعادة العظمى" منذ شهر محرم ١٣٢٢ هـ (الموافق لشهر أفريل ١٩٠٤ م)، وهي مجلة علمية أدبية إسلامية ونصف شهرية.
وأبرز الخضر بن الحسين من خلال مجلته نزعته الإسلامية الإصلاحية، ودعوته للتمسك بالدين، وبالتضامن الإسلامي لضمان النهضة. وقد انتهجت مجلة "السعادة العظمى" في شكلها ومنهجها ما سلكته مجلة "المنار" المصرية الشهيرة من خيارات.
وأحدثت المجلة هزة للفكر الديني التقليدي؛ إذ فتحت ودعت إلى فتح أبواب الاجتهاد، كما فتحت أبواباً للمقالات العلمية العصرية، لم يتعود عليها القارئ، وفتحت أيضاً أبواباً للجدل حول مواضيع دينية ودنيوية حساسة. وفتحت المجلة أعمدتها لبريد القراء. وقد واجهت المجلة معارضة واحتجاج علماء الدين التقليديين الذين حاولوا إخماد صوتها. ولم تتمكن مجلة "السعادة العظمى" من الصدور أكثر من واحد وعشرين مرة؛ إذ توقفت عن الصدور في شهر جانفي ١٩٠٥ م. بعد أن قامت هيئة النظارة العلمية لجامع الزيتونة بمطالبة الحكومة بتعطيلها.
وكان لهذه المجلة تأثير كبير على المسار المهني للخضر بن الحسين في المؤسسة الزيتونية، وعلى الشهرة التي سيتمتع بها لدى جانب معين من الزيتونيين، وعلى الاضطهاد الذي سيمارسه عليه جانب آخر منهم، مما سيدفع به في النهاية إلى ديار الغربة.
ومن الناحية الصحفية، يمكن اعتبار "السعادة العظمى" أول مجلة تصدر
стр. 6426
في تونس باللغة العربية، وإن سبقتها في الظهور مجلات أخرى باللغة الفرنسية؛ مثل: "المجلة التونسية" منذ سنة ١٨٨٥، وإن سبقتها كذلك التقاويم السنوية التي صدرت في تونس مطبوعة باللغة العربية منذ ١٨٨١. وتعتبر مجلة "السعادة العظمى" امتداداً للكتاب؛ إذ أن صفحات مختلف أعداد المجلة متتابعة يمكن جمعها في كتاب، ولم تصل بعد في شكلها إلى مرحلة متطورة من الإخراج، إذ أنها لا تحتوي على رسوم أو صور، ولا تبرز بإخراج يميزها عن الكتب.
وبعد هذه التجربة الإعلامية الرائدة، انصرف محمد الخضر بن الحسين عن المهنة الصحفية، وإن واصل بعد ذلك مساهماته الصحفية، فإنه لم يتفرغ لهذا الميدان؛ فقد دعي الخضر بن الحسين إلى مباشرة القضاء في "بنزرت" سنتي ١٩٠٥ و ١٩٠٦، ثم إلى التدريس في الزيتونة، وشقّ طريقه بصعوبة في هذه المؤسسة التعليمية، كما زاول التدريس في (الصادقية).
وبدأ الخضر بن الحسين أسفاره للخارج بداية من سنة ١٩١١ بعد تعرضه للمضايقات، واستقال من الزيتونة عام ١٩١٢ م؛ ليتجول بين بلدان المشرق والغرب، وليدافع عن القضية التونسية والجزائرية في "برلين" خلال الحرب العالمية الأولى إلى جانب صالح الشريف، ومحمد باش حانبة.
واستقر بالشيخ الخضر بن الحسين المطاف بمصر، حيث قرر الإقامة، فتحصل على الجنسية المصرية، وزاول التدريس في جامع الأزهر إلى أن تولى رئاسة مشيخة الجامعات الأزهرية الشهيرة سنة ١٩٥٢. وفي مصر أيضاً كان للشيخ الخضر بن الحسين نشاط إعلامي؛ إذ تولى رئاسة تحرير المجلة الإسلامية التي تصدرها مشيخة الأزهر بعنوان "نور الإسلام"، كما تولى رئاسة (جمعية الهداية الإسلامية)، وأشرف على إصدار مجلة هذه الجمعية التي تحمل عنوان
стр. 6427
"الهداية الإسلامية". واستلم أيضاً رئاسة تحرير مجلة أخرى بعنوان "لواء الإسلام". وهكذا حافظ الشيخ الخضر بن الحسين على وفائه لتوجهاته الإسلامية في الإعلام. كما حافظ على قالب المجلة في إصداراته الإعلامية نظراً لتماشيها مع المواضيع الجدية التي يتطرق إليها.
وبالرغم من بعده عن تونس، وحجز أملاكه بها، والحكم عليه بالإعدام غيابياً، فإن علاقات الشيخ الخضر بن الحسين لم تنقطع مع الصحافة التونسية، فقد نشر في جريدة "الزهرة" اليومية في سنة ١٩١٣ خلاصة رحلته الشرقية. كما راسل مجلة "الفجر" التي أصدرها الحزب الحر الدستوري التونسي سنة ١٩٢٠، وقدم في أعمدتها مساهمة حول النظرية السياسية في الإسلام، وراسل الشيخ الخضر بن الحسين كذلك مجلة "البدر" الزيتونية، فتطرق لموضوع الخلافة في الإسلام، ولمسؤوليات العلماء، وساهم أيضاً بمراسلات إلى "مجلة العرب" عام ١٩٢٣. ويذلك تواصل حضوره على أعمدة الصحافة التونسية من خلال مقالاته.
كما تواصل هذا الحضور الإعلامي من خلال ما كان يكتبه عنه بعض الصحفيين الذين تتلمذوا على يديه. وقد كان الطيب بن عيسى صاحب جريدة "الوزير" ضمن التلامذة الأوفياء للشيخ، يتابع أخباره، ويفتخر بارتفاع شأنه في المشرق. أما طلبة "الجريد"، فقد بقي الشيخ الخضر بالنسبة إليهم رمزاً للكفاح والعلم، وأسسوا سنة ١٩٤٧ جمعية (شباب الخضر بن الحسين النفطي)، وأسسوا نشرة أدبية سنوية لهذه الجمعية عام ١٩٤٨، ساهم في تحريرها محمد صالح المهيدي، ومصطفى خريف، ومحمد العربي صمادح، وغيرهم. وبقي الشيخ الخضر بن الحسين متواجداً في الصحافة التونسية حتى
стр. 6428
توفي في ١٢ فيفري ١٩٥٨ بالقاهرة، فخصه الطيب بن عيسى في جريدته "المشير" بسلسلة من المقالات تمجد ذكراه.
وإذا برز الشيخ الخضر بن الحسين على الصعيد العلمي والتعليمي والسياسي غير من بروزه على الصعيد الصحفي، وإذا لم ينل من مهنة المتاعب إلا المتاعب، فيكفيه فخراً أنه كان صاحب أول مجلة عربية في تاريخ الصحافة التونسية. وقد قامت الشركة التونسية للتثقيف والترفيه بجمع كامل أعداد مجلته "السعادة العظمى" في مجلد واحد، ونشرها سنة ١٩٨٧؛ حتى تكون في متناول جميع القراء.
* المراجع:
- محمد مواعدة: "محمد الخضر حسين: حياته: آثاره ١٨٧٣ - ١٨٥٨ م "، الدار التونسية للنشر، تونس ١٩٧٤ م، ٣٤٢ ص.
- جعفر ماجد: "الصحافة الأدبية في تونس" (بالفرنسية)، الجامعة التونسية ١٩٧٩ م، (ص ٣٠).
- مركز التوثيق القومي: ملف ب - ٢ - ٨١ (الحركة الوطنية).
- محمد الفاضل بن عاشور: "أركان النهضة الأدبية بتونس".
- الطيب بن عيسى: مقالات عن محمد الخضر بن الحسين في "جريدة الأسبوع" (في ٣ و ١٠ نوفمبر ١٩٥٢، وفي ٨ ديسمبر ١٩٥٢ م)، وفي مجلة "المشير" (في ١٧ فيفري و ٣ مارس و ١٤ أفريل و ١٩ ماي ١٩٥٨ م).
стр. 6429
من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر الشيخ محمد الخضر حسين
الدكتور محمود حمدي زقزوق (١)
ولد الشيخ محمد الخضر حسين بمدينة "نفطة" في جنوب تونس في ٢٦ رجب ١٨٧٣ م، وقد التحق بجامع الزيتونة بتونس عام (١٣٠٧ هـ - ١٨٨٧ م)، وحصل على شهادة التطويع عام ١٨٩٨ م، وهي شهادة تمكن حاملها من التطوع لإلقاء دروس في جامع الزيتونة، كما تؤهله للظفر بمناصب علمية أو دينية عديدة، وبخاصة إذا كان صاحبها يتمتع بنبوغ وجد وسعة معرفة.
وفي عام ١٩٥٤ أنشأ أول مجلة عربية أدبية علمية في شمال أفريقيا هي مجلة "السعادة العظمى"، وتولى عام ١٩٠٥ قضاء بلدة "بنزرت"، ولكنه استقال بعد شهور قليلة، وعاد للتدريس بجامع الزيتونة، ثم بالمدرسة الصادقية، ورحل إلى الشرق عام ١٩١٢، وأقام في دمشق، ورحل إلى الآستانة، وبرلين، وفي عام ١٩٢٠ استقر في مصر، وحصل على الجنسية المصرية عام ١٩٣٢، وامتدت فترة إقامته في مصر حتى وفاته. وفي مصر ظهرت قيمته العلمية، وبرزت مكانته الثقافية.
стр. 6430
وقد أسس عام ١٩٢٨ مع عدد من علماء الأزهر (جمعية الهداية الإسلامية)، وكان أول رئيس لها، وأصدرت الجمعية مجلة "الهداية الإسلامية" في أكتوبر ١٩٢٨. وظلت تصدر شهرياً إلى أن توقفت أثناء الحرب العالمية الثانية. وقد كان الشيخ مع صديقه الحميم تيمور باشا في طليعة المؤسسين لجمعية الشبان المسلمين عام ١٩٢٨، وعندما أصدر الأزهر مجلة "نور الإسلام" (مجلة الأزهر فيما بعد) عام ١٩٣٠ أسندت إليه رئاسة تحريرها، وقد ثم اختيار الشيخ عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق عام ١٩١٩، وعضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة في أول تشكيل له عام ١٩٣٣، وعين عضواً بجماعة كبار العلماء بالأزهر ومشيخة الأزهر عام ١٩٥٢، واستقال منها عام ١٩٥٤، ولكنه ظل يمارس نشاطه العلمي حتى آخر لحظة في حياته، وكان آخر مقال نشر له في عدد فبراير ١٩٥٨ من مجلة "لواء الإسلام"، وهو الشهر الذي توفي فيه.
* مؤلفاته:
له مؤلفات عديدة، وأبحاث مختلفة، من أهمها: "القياس في اللغة العربية" (١٩٣٤) - ويهذا البحث نال عضوية جماعة كبار العلماء. "الخيال في الشعر العربي" (١٩٢٢)، "محمد رسول الله وخاتم النبيين" (١٩٢٢). "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (١٩٢٢)، "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" (١٩٢٧)، "رسائل الإصلاح" في ثلاثة أجزاء (١٩٣٩)، "خواطر الحياة"، "بلاغة القرآن" (١٩٧١)، "القاديانية والبهائية".
وللشيخ بالإضافة إلى ذلك العديد من المقالات والبحوث في موضوعات متنوعة، نذكر منها: الحرية في الإسلام، حياة اللغة العربية، العظمة، الخطابة
стр. 6431
عند العرب، علماء الإسلام في الأندلس، ويعد كتاباه في "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي" من أبرز الكتب التي كان لها أثرها في ذيوع اسمه في الأوساط العلمية والأدبية.
* آراؤه واتجاهاته الفكرية:
لقد كان الشيخ صاحب غيرة دينية، ونزعة إصلاحية معتدلة، تجلت في مقالاته وبحوثه ومؤلفاته، وقد اهتم في مقالاته العديدة التي جمعت فيما بعد في كتابه "رسائل الإصلاح" بمجالات الدين والأخلاق والاجتماع. واهتم بصفة خاصة بالميدان الأخلاقي، فركز على الخصال التي يجب أن يتحلى بها الفرد، وبخاصة العالِم، وما يجب أن تتحلى به الأمة حتى تسلم من التفكك والانحلال. وتعرض لموضوع الإسلام والمدنية الحديثة مبيناً أهمية الدين في المجتمعات الحديثة، وضرورة عناية حكوماتها بنشره، وأن تستمد قوانينها من تشريعه الواسع النطاق، وهاجم العلمانية.
وقد كان الشيخ من دعاة الرابطة الإسلامية، المدافعين عن الدين، ودعوة المسلمين إلى ضرورة المحافظة عليها، وكان من دعاة الاجتهاد، وقد بين قيمته في الشريعة الإسلامية، مؤكداً على أن الشريعة الغرّاء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل.
ومن منطلق الغير الدينية أيضاً، رأينا الشيخ يرد على الدكتور طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" عام ١٩٢٦.
وقد ردَّ الشيخ الخضر حسين رداً تفصيلياً على كل ما جاء في كتاب الدكتور طه حسين، مؤكداً أنه لا يعارض المؤلف في انتهاج الأسلوب الذي يريد في بحثه، بشرط ألَّا يكون في ذلك مساس بالدين الإسلامي، وانحراف
стр. 6432
عن الحقيقة، وبيّن أن منهج الشك ليس جديداً، فقد ذهب إليه الغزالي، وابن خلدون قبل ديكارت.
وقد نال كتاب الشيخ الخضر حسين "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" تقدير عدد من علماء الإسلام المعاصرين، والأدباء العرب البارزين في ذلك الوقت؛ لما اشتمل عليه من نقاش موضوعي، ولما قدمه من حجج لغوية وتاريخية.
стр. 6433
بين القاسم الشابي ومحمد الخضر حسين
البشير العريبي (١)
ظاهرة غريبة -وإن كانت بسيطة- تلاحظ في بعض إنتاج الأديبين التونسيين الكبيرين: أبي القاسم الشابي، ومحمد الخضر بن حسين.
وقبل بسط هذه الظاهرة تجدر الإشارة إلى حقائق تبدو ذات ارتباط بها، بل هي كالممهدة لها، والمؤذنة بها، وأخص ما فيها أنها -كلها- قدر مشترك بين الأديبين.
أولى تلك الحقائق: أن كلاً من الرجلين أصيل الجنوب الغربي التونسي المعروف باسم: (بلاد الجريد).
فالشابي ينتسب إلى "الشابية" من ضواحي "توزر".
وابن الحسين ينتسب إلى "نفطة"، وهي من نفس المنطقة "ولاية توزر".
وثانية الحقائق: أن كليهما يصدر عن بيت علم وصلاح وتصوف، كما أن كليهما كانت له - بعاً لذلك- اهتمامات بالعلم والفكر، والأدب شعره ونثره:
فالشابي جده: (سيدي عرفة الشابي) .. وأبوه كانت له رحلة في طلب
стр. 6434
العلم؛ حيث تخرج من الجامع الأزهر، وقد ولي بعد عودته إلى البلاد التونسية منصب القضاء الشرعي في مناطق متعددة يعرفها كل من تابع حياة أبي القاسم وتنقلاته.
والشابي نفسه درس بجامع الزيتونة الأعظم، وتخرج منه بشهادة (التطويع)، وانتسب إلى (دروس الحقوق الفرنسية) التي كانت شعبة من التعليم العالي، مهدت لقيام (كلية الحقوق).
وابن الحسين جدّه (سيدي الحسين) (١) الذي كان معروفاً في حياته بالإصلاح، وأنشأ له مريدوه بعد وفاته (زاوية) كانت قائمة الذات قبالة (سيدي عبد الله) على مرتفع كان يقع في الجانب الشرقي لكلية الآداب بتونس اليوم، وقبره في تلك الزاوية كان يزار ..
والشيخ الخضر نفسه كان من علماء جامع الزيتونة، وممن تولوا القضاء الشرعي بإحدى مناطق البلاد التونسية "بنزرت".
كما التحق بعد ذلك بالمشرق العربي الإسلامي، واستقر -كما هو معلوم - بمصر، وأصبح من كبار علماء الأزهر الشريف، بل وولي مشيخة الجامع الأزهر في مطلع ثورة ٢٣ جويلية ١٩٥٢ المصرية.
وثالثة الحقائق يمكن استخلاصها من ثانيتها، وهي: ميل الرجلين وعائلتيهما إلى توثيق الصلة ببلاد المشرق، والتعامل مع الإخوة الشرقيين كالتعامل مع مواطنيهم التونسيين.
فقد ذكرنا أن والد أبي القاسم الشابي درس بمصر، وتخرج من الأزهر.
стр. 6435
ونعرف أن أبا القاسم نفسه كون صلات أدبية قوية بأدباء المشرق، وخاصة مصر، وفي مقدمتهم: (جماعة أبولو) التي كان يتزعمها الشاعر الشهير (أحمد زكي أبو شادي) الذي أصدر أول مجلة شعرية عربية تحمل عنوان (أبولو)، على صفحاتها ظهر شعر الشابي، وكان لها أكبر الفضل في تعريف قراء العربية به على نطاق أوسع من النطاق التونسي الصرف، مما أنشأ لسمعته رصيداً ملحوظاً،
وكثر من ذلك، فإن أحمد زكي أبا شادي كان صاحب مجموعات شعرية متعددة، ولعله أول شاعر عربي معاصر يصدر شعره في مجموعات بدل ديوان واحد. ومن تلك المجموعات: ديوان بعنوان "الينبوع" الذي كان صدر مصدراً بمقدمة كتبها أبو القاسم الشابي.
ولنتصور أبعاد هذا الموقف، وأي معنى يحمله: زعيم مدرسة شعرية متطورة، يبشر بها عن طريق مجلة ينشئها خصيصاً لذلك، يضع ثقته في شاعرنا التونسي؛ ليتولى تقديمه إلى قرائه في ديوان من أهم دواوينه.
ذكرنا -أو أشرنا- إلى أن محمد الخضر بن الحسين قد ارتحل إلى المشرق، ونذكر أنه تنقل بين مختلف أجزائه، وقام في كل منها بنشاط يستحق الذكر، في "الآستانة" "تركيا"، وفي "دمشق" إذ أقام حيث أقام بعض أفراد أسرته، وخصوصاً الشيخ زين العابدين بن الحسين. ثم استقر به المقام -كما سبق- في مصر التي أصبح فيها قطباً من أقطاب العلم والأدب والاجتماع، مما لا يتسع المقام لبسطه، وتسنَّم أعلى المناصب الدينية واللغوية.
هذه بعض الحقائق التي ارتأينا بسطها قبل عرض الظاهرة الأدبية التي أومأنا -منذ البداية- إلى أنها تجمع بين أديبينا: الشابي، وابن الحسين، بصفة
стр. 6436
توشك أن تكون متعمدة، حتى كأن كلاً منهما يترصد خطا الآخر فيها، سواء في الشعر، أو في النثر، رغم ما بينهما من الفوارق، في التوجه الأدبي، والمنزع الشخصي:
فأبو القاسم الشابي كان ممتلئاً شباباً، وميلاً نحو التجديد إلى حد الثورة، وتعاملاً مع حداثي زمانه، وتأثراً بالأدب المهجري والأجنبي.
ومحمد الخضر بن الحسين كان شيخاً رصيناً، يتسم بالمحافظة، سواء عندما كان في تونس، أو عندما ارتحل عنها، وكان قوام معارفه: الدين، والأصالة اللغوية.
أقول هذا عن الشيخ الخضر، رغم علمي بأنه كان -هو الآخر- يحمل بذور الثورة، ولا مجال هنا للحديث عن أسباب هجرته من تونس، وهي وليدة ثورة عن موقفه في تركيا، وردود الفعل التي ترتبت عليها، أو عن مساهماته في النضال ضد المستعمرين .. ولكن يكفي أن أشير إلى أنه كان معنياً بإشاعة معاني التحرر الصحيح، ولا أدل على ذلك من كتابه الذي أصله محاضرة ألقيت بتونس، ودرس فيها بعناية معنى "الحرية في الإسلام".
وأخلُص إلى (الظاهرة) التي دعتني إلى الحديث عن الرجلين، فأقتصر هنا على ذكرها، وأفسح المجال أمام الآخرين ليبحثوا فيها، إن أرادوا، وقد أعود إليها في فرصة، أو فرص أخرى.
والظاهرة بسيطة في ذاتها، كما قلت من قبل، ولكنها تنم عن نوع آخر من الاشتراك بين أديبينا، اشتراكاً قد تكون بواعثه نفسية، أو بيئية، أو غير ذلك، رغم الفوارق التي ألمعنا إليها بينهما. وتتجلى تلك الظاهرة من جهة: في إنتاجهما الشعري، وبالخصوص
стр. 6437
في عنواني ديوانيهما، ومن جهة أخرى: في أثرين من إنتاجهما النثري.
أما في الشعر، فقد تعلق كل منهما بالحياة، ولكن على طريقته، فكان إحساس الشابي بالألم، ومعاناته للمرض، وتوْقه الذي لم يتحقق إلى لون معين من الحب، وشعوره العارم بأن الموت يلاحقه في كل مجال، والفناء يطارده بكل سبيل .. كل ذلك ولَّد فيه ردود فعل إيجابية مرة، وسلبية مرة أخرى، ولكن الإيجابية هي التي تغلبت؛ إذ جعلته يتحدى كل تلك العوامل المؤلمة، ومما عبر عنه أصدق تعبير ببيته الشهير الذي سمي به وبأمثاله: (شاعر الحياة):
كالنسر فوق القمة الشماء ... سأعيش رغم الداء والأعداء
وانعكس تحديه على ديوانه الذي اتخذ من الحياة جزءاً من عنوانه: "أغاني الحياة".
وقد كان لصاحبه ابن الحسين نظرات إلى الحياة، قد تتفق مع نظرات الشابي، وقد تختلف عنها في جوانبها الشخصية والاجتماعية والسياسية .. ولكنها تتفق معها على كل حال في: الإحساس بالظلم والضيم، والتمرد عليهما، والْتماس حياة أفضل في الداخل، وإلا، كان التماسها في الخارج، ويتفق مع الشابي خاصة في انعكاس نظراته تلك على ديوانه، الذي اتخذ الحياة، كصاحبه جزءاً من عنوانه: "خواطر الحياة".
وأما في النثر، فقد عالج الأديبان الكبيران -كل بطريقته أيضاً- موضوعاً واحداً، أعتقد أن البون كان فيه شاسعاً بينهما .. وهو موضوع (الشعر العربي)، وما له صلة به من (الخيال) الذي هو في اعتبار العرب القدامى والوسيطين عنصر أساسي لا يسمى الشعر بدونه شعراً.
стр. 6438
ومهما كان ما بين الباحثين في هذا الموضوع من الاختلاف عميقاً وجوهريا، فالذي يسترعي الانتباه فيه: اشتراكهما في عنواني كتابيهما إلى حد أنه يكاد يكون عنواناً واحداً.
فإذا كانت محاضرة أبي القاسم الشابي الشهيرة تحمل عنوان: "الخيال الشعري عند العرب"، فإن محمد الخضر بن الحسين له كتاب كذلك يحمل عنوان: "الخيال في الشعر العربي".
ترى أيكون هذا وسابقه كلاهما من باب الصدفة .. مجرد الصدفة؟ أم هناك تعمل وتعمد؟ فما بواعثه؟ وما مسماه وأبعاده؟
ولئلا نظلم أياً من الرجلين، نتساءل، ونحتفظ بالإجابة:
أي الأديبين أسبق إلى إعداد ديوانه، وإلى اختيار ما أزمع أن يطلقه عليه من تسمية؟
أي الرجلين أسبق عناية بالبحث في مدى توفر (الخيال) في الشعر الذي تناقلناه عن العرب أو عدم توفره؟
ثم ما الذي أثبته كل من الرجلين في بحثه؟ وما أدلته على ما وصل إليه من نتائج؟ وإلى أي حد كانا فيما عالجناه من ذلك متفقين، أو مختلفين، أو بين بين؟
الأسئلة التي يمكن أن تثار هنا كثيرة، والإجابات عليها قد تؤلف بحثاً مطولاً، رغم أن منطلقها بسيط -ظاهراً- كما سبق.
وعلى كل، فالموضوع يحتاج إلى دراسة جادة للكتابين، وإلى مقارنة واعية، وتحليل ودعم.
стр. 6439
أعلام محمد الخضر حسين وخطابه الحداثي
الشاذلي الساكر (١)
* الرجل العامل:
ولد محمد الخضر بن الحسين (اسمه الأصلي: محمد الأخضر) ببلدة "نفطة" يوم (٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ الموافق لـ ٢١ جويلية ١٨٧٣ م)، وهو من عائلة مشهورة بالعلم، فجده للأم هو الشيخ مصطفى بن عزوز، وخاله هو الشيخ محمد المكي بن عزوز الذي تلقى عليه مبادئ العلم.
قضى الخضر سنوات طفولته الأولى بمسقط رأسه، ثم انتقل إلى تونس في العام ١٨٨٦ م، أين واصل تعلمه الابتدائي، ثم التحق بجامع الزيتونة (١٨٨٧ م).
وقد تأثر بجملة من العلماء المصلحين، من أبرزهم: سالم بوحاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار.
في العام (١٣٢٢ هـ - شهر أفريل ١٩٠٤ م) أسس مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية ظهرت في تونس، وبعد انقطاعها عن الصدور، تولى
стр. 6440
خطة القضاء بـ "بنزرت" بتحفيز من الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
بقي في خطته هذه بعض الأشهر، ثم استقال منها، وعاد إلى مدينة تونس، وباشر التعليم بجامع الزيتونة، وفي نفس الوقت أشرف على تنظيم مكتبة هذا الجامع، كما درّس في الصادقية وبالجمعية الخلدونية.
وكان من بين شيوخ جامع الزيتونة الأوائل الذين تزعموا حركة إصلاح التعليم بتأسيس جمعية (تلامذة جامعة الزيتونة) سنة (١٣٢٤ هـ - الموافق لسنة ١٩٠٦ م).
ثم زار الشيخ الخضر مصر، أين التقى بعدد من علمائها منهم: الشيخ (رشيد رضا)، ثم تجول في دول عديدة، منها: السعودية، وسوريا، وألبانيا، وبلاد البلقان، والآستانة، ثم استقر بدمشق أين تم انتدابه للتدريس بالمدرسة السلطانية.
أدخله جمال باشا السجن بدعوى التآمر، ثم أطلق سراحه بعد خمسة أشهر. بعدها تلقى صاحبنا دعوة من مركز الخلافة العثمانية للعمل منشئاً عربياً بوزارة الحربية، وقبل العرض. ثم تم تكليفه من طرف الباب العالي بمهام سياسية بألمانيا، مكث في هذا البلد نهاية الحرب العالمية الأولى، وقد أتقن في هذه الفترة اللغة الألمانية.
بعد مدة وجيزة قضاها في سوريا، انتقل الشيخ إلى مصر، واستقر بالقاهرة بداية من عام ١٩٢٠ م، وانطلق في التدريس وتحرير المقالات.
وبمعية الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر وثلَّةٍ من العلماء أسسوا (جمعية الهداية الإسلامية)، كما ساهم في إصدار مجلة "نور الإسلام", وساهم في بعث (مجمع اللغة العربية) بالقاهرة.
стр. 6441
وقدم بحثاً موضوعه "القياس في اللغة"؛ لكي يتمكن من الانتساب لـ (جمعية كبار العلماء)، وهي أعلى هيئة علمية، وتم قبوله بالإجماع.
ثم تولى مشيخة الأزهر في سنة ١٩٥٢ م، وقد زاره وزراء منهم: الشيخ حسن الباقوري وزير الأوقاف الذي بادره بالقول: "لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخ الأزهر، وقد جئت مع زميلي لنبلغك هذا القرار".
واصل الشيخ نشاطه الإداري والعلمي بالأزهر إلى العام ١٩٥٤ م، ثم استقال من هذا المنصب مبرراً ذلك "بأن هذه الخطة حالت دون تلقي العلم وكتابته".
تابع نشاطه التربوي والثقافي إلى أن توفي في (١٣ رجب سنة ١٣٧٣ هـ - ٢ فيفري ١٩٥٨ م)، وقد نعى العالم الإسلامي هذا الشيخ العامل والعالم، وحضر تشييغ جنازته عدد كبير من علماء المشرق والمغرب، ومن رجالات السياسة.
* إنتاجه العلمي والأدبي:
١ - "رسائل الإصلاح" (في ثلاثة أجزاء).
وهي ذات بعد تربوي، تعرض فيها إلى الخصال المحمودة التي يجب أن تتحلى بها المجموعة، حتى تسلم من التفكك، مؤكداً على ضرورة قيام العلماء بوظيفتهم؛ "لأن النهضة لن تقوم إلا بهم".
٢ - "بلاغة القرآن".
٣ - "تونس وجامع الزيتونة".
درس فيه عديد الجوانب التاريخية والحضارية والعلمية والأدبية بتونس، كما درس فيه عديد الأعلام من أمثال: ابن خلدون، مستنتجاً أن لتونس أعلاماً
стр. 6442
هم في مقدمة العلماء الأدباء في تاريخ الحضارة الإسلامية.
٤ - "الحرية في الإسلام".
يؤكد فيه على أن الحرية لا تستقيم بدون تربية وتعليم، ولا تتواصل بدون مساواة.
٥ - "حياة اللغة العربية".
٦ - "العظمة".
٧ - "الخطابة عند العرب".
٨ - "علماء الإسلام في الأندلس".
يذهب فيه إلى أن سبب نهضة العلوم في الأندلس ترجع إلى عناية رجالات الدولة بالعلم، وشعورهم بأهمية العلماء في كل نهضة حضارية. ويذهب إلى أن علماء الأندلس هم في طليعة من حاربوا الآراء الفاسدة والبدع.
٩ - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
١٠ - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
١١ - "الدعوة إلى الإصلاح".
١٢ - "الخيال في الشعر العربي".
أرجع فيه أسباب جودة الخيال الشعري إلى عنصرين:
أولهما: "أن يعيش الشاعر في إطار حضاري؛ لكي تكون مخيلته أكثر إبداعاً في إنشاء المعاني وبلورتها".
آخرهما: الشعور بالحرية "ومن ذا ينكر أن الخيال الذي يسخره صاحبه
стр. 6443
في كل غرض، سيطلق العنان في كل حلبة، يكون أبعد مرمى، وأحكم صنعاً من خيال الشاعر الذي حاصرته السياسة في دائرة، ورسمت له خطة لا يفوتها؟ ".
١٣ - "القياس في اللغة العربية".
١٤ - "محمد رسول الله".
١٥ - "خواطر الحياة" (ديون شعر).
١٦ - "الرحلات"، وتضم:
أ - الرحلة الجزائرية.
ب - خلاصة الرحلة الشرقية.
ج - (حديث عن رحلتي إلى دمشق).
د - الرحلة إلى ألمانيا.
١٧ - مجلة "السعادة العظمى".
كتب فيها بنفسه، كما كتب فيها كل المنتمين إلى حركة الإصلاح والتحديث، ومن بينهم: سالم بو حاجب، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد النجار، ومحمد النخلي.
وقد طلب المحافظون بتوقيفها عن الصدور، فرفض الوزير بوعتور ذلك قائلاً: "ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع ولا القانون".
وقد تواصل صدور المجلة إلى شهر جانفي من العام ١٩٠٥ م، ثم انقطع بعد ذلك وقد بلغت ٢١ عدداً.
* فكرة الحداثي:
نظر الخضر حسين في التراث الإسلامي من ناحية، وفي حضارة اليوم
стр. 6444
من ناحية ثانية نظرة معتدلة حكَّم فيها عقله، فلم يتعصب تعصباً غير مشروط للتراث رامياً وراء ظهره ما جاءت به الحضارة من إيجابيات، كما أنه لم يهتز لهذه الحضارة وكأنها كلها الخير والتقدم، متناسياً منجزات الحضارة الإسلامية، وما جاءت به من إيجابيات:
١ - لم يناد بالتقوقع على الذات، والتغني بما فات، كما أنه لم يناد بالتحديث المجحف، كان موقفه موقف المعتدل، وقد عبر عنه بقوله: "يقع في وهم من لا يدري ما الإسلام: أن شريعته لا توافق حال العصر الحاضر، ويبني توهمه هذا على أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافاً كثيراً، فالدعوة إلى بقاء أحكامها نافذة هي دعوة إلى خطة غير صالحة، ذلك ما نقصد إلى تنفيذه، وتفصيل القول في دفع شبهته، حتى يثبت بالدليل المرئي رأي العين: أن الشريعة الغراء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل".
دعوة الخضر حسين هي أولاً: دعوة ضد الجمود والتعصب، والاكتفاء بالدوران في حلقة مغلقة، وثانياً: هي دعوة للاهتمام بقضايا العصر، والتفتح على الحضارة، بدون التفريط في مقوماتنا، وشخصيتنا الأساسية التي تميزنا عن غيرنا.
يقول: "وإن تعجب، فعجب ما يتخيله بعض من رُبي في مهد الجمود من أن هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية".
هي دعوة إلى التوازن شعارها: (لا إفراط في الحداثة، ولا تفريط في التراث).
стр. 6445
وبالتالي لم يكن مناصراً للمحافظة في كل شيء، أو مخالفاً للمصلحين في كل شيء، بل وقف موقفاً توفيقياً، فقد كان يوافق القائلين بالتراث بالتمسك بالثوابت والقيم التي جاء بها الإسلام، وكان يوافق القائلين بالحداثة في فتح باب الاجتهاد، وتوظيفه قصَد تمكين العالم الإسلامي من مسايرة ركب الحضارة والتقدم.
وهذا ما كان يفعله عندما كان يدرس الفقه والتفسير وعلم الأصول، لم يكن مجرد ناقل لأقوال الأئمة والعلماء، بل كان يناقش كل نظرياتهم، ويرجح ما يراه أقرب إلى المنطق، وإلى مسايرة العصر.
٢ - يرى أن النهضة لن تكون إلا بالتربية والتعليم، وبمكافحة البدع التي هي ضد القيم "وإلى المزاعم الباطلة، وربط قلوب الناس بالاعتقاد الصحيح"، وإلى مسايرة حضارة اليوم، والاستفادة من علومها وتقنياتها، مع الاستغناء عن سلبياتها وسقطاتها. يقول: "نود من صميم قلوينا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء، رائعة الطلاء، محمودة العاقبة".
وقد أكد على أن سبب انحطاط المسلمين، وتخلفهم عن ركب الحضارة، يكمن في التعليم، "وتهاون العلماء والحكام في التمسك بذلك والأخذ به".
كما أكد أن سعادة الأمة الإسلامية لن تتوفر إلا بالتعليم، وأن التوازن الاجتماعي والسياسي لن يحصل إلا به، وأنه يصعب على القادة تركيز هذا التوازن إذا كانت الأمة جاهلة؛ لأنه "يصعب على قادتها متى أرادوا توجيهها نحو الحياة الصالحة أن يجدوها لينة القيادة خفيفة".
وأكد أن الأمة لن تنهض بالتعليم العلمي وحده، بل لا بد من توفر التربية، يقول: "سعادة الأمة أن تستنير عقولها، وتسمو أخلاقها، أما استنارة