وقدم بحثاً موضوعه "القياس في اللغة"؛ لكي يتمكن من الانتساب لـ (جمعية كبار العلماء)، وهي أعلى هيئة علمية، وتم قبوله بالإجماع.
ثم تولى مشيخة الأزهر في سنة ١٩٥٢ م، وقد زاره وزراء منهم: الشيخ حسن الباقوري وزير الأوقاف الذي بادره بالقول: "لقد وقع الاختيار عليك لتكون شيخ الأزهر، وقد جئت مع زميلي لنبلغك هذا القرار".
واصل الشيخ نشاطه الإداري والعلمي بالأزهر إلى العام ١٩٥٤ م، ثم استقال من هذا المنصب مبرراً ذلك "بأن هذه الخطة حالت دون تلقي العلم وكتابته".
تابع نشاطه التربوي والثقافي إلى أن توفي في (١٣ رجب سنة ١٣٧٣ هـ - ٢ فيفري ١٩٥٨ م)، وقد نعى العالم الإسلامي هذا الشيخ العامل والعالم، وحضر تشييغ جنازته عدد كبير من علماء المشرق والمغرب، ومن رجالات السياسة.
* إنتاجه العلمي والأدبي:
١ - "رسائل الإصلاح" (في ثلاثة أجزاء).
وهي ذات بعد تربوي، تعرض فيها إلى الخصال المحمودة التي يجب أن تتحلى بها المجموعة، حتى تسلم من التفكك، مؤكداً على ضرورة قيام العلماء بوظيفتهم؛ "لأن النهضة لن تقوم إلا بهم".
٢ - "بلاغة القرآن".
٣ - "تونس وجامع الزيتونة".
درس فيه عديد الجوانب التاريخية والحضارية والعلمية والأدبية بتونس، كما درس فيه عديد الأعلام من أمثال: ابن خلدون، مستنتجاً أن لتونس أعلاماً
стр. 6442
هم في مقدمة العلماء الأدباء في تاريخ الحضارة الإسلامية.
٤ - "الحرية في الإسلام".
يؤكد فيه على أن الحرية لا تستقيم بدون تربية وتعليم، ولا تتواصل بدون مساواة.
٥ - "حياة اللغة العربية".
٦ - "العظمة".
٧ - "الخطابة عند العرب".
٨ - "علماء الإسلام في الأندلس".
يذهب فيه إلى أن سبب نهضة العلوم في الأندلس ترجع إلى عناية رجالات الدولة بالعلم، وشعورهم بأهمية العلماء في كل نهضة حضارية. ويذهب إلى أن علماء الأندلس هم في طليعة من حاربوا الآراء الفاسدة والبدع.
٩ - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم".
١٠ - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي".
١١ - "الدعوة إلى الإصلاح".
١٢ - "الخيال في الشعر العربي".
أرجع فيه أسباب جودة الخيال الشعري إلى عنصرين:
أولهما: "أن يعيش الشاعر في إطار حضاري؛ لكي تكون مخيلته أكثر إبداعاً في إنشاء المعاني وبلورتها".
آخرهما: الشعور بالحرية "ومن ذا ينكر أن الخيال الذي يسخره صاحبه
стр. 6443
في كل غرض، سيطلق العنان في كل حلبة، يكون أبعد مرمى، وأحكم صنعاً من خيال الشاعر الذي حاصرته السياسة في دائرة، ورسمت له خطة لا يفوتها؟ ".
١٣ - "القياس في اللغة العربية".
١٤ - "محمد رسول الله".
١٥ - "خواطر الحياة" (ديون شعر).
١٦ - "الرحلات"، وتضم:
أ - الرحلة الجزائرية.
ب - خلاصة الرحلة الشرقية.
ج - (حديث عن رحلتي إلى دمشق).
د - الرحلة إلى ألمانيا.
١٧ - مجلة "السعادة العظمى".
كتب فيها بنفسه، كما كتب فيها كل المنتمين إلى حركة الإصلاح والتحديث، ومن بينهم: سالم بو حاجب، ومحمد الطاهر بن عاشور، ومحمد النجار، ومحمد النخلي.
وقد طلب المحافظون بتوقيفها عن الصدور، فرفض الوزير بوعتور ذلك قائلاً: "ما تنشره المجلة لا يعارض الشرع ولا القانون".
وقد تواصل صدور المجلة إلى شهر جانفي من العام ١٩٠٥ م، ثم انقطع بعد ذلك وقد بلغت ٢١ عدداً.
* فكرة الحداثي:
نظر الخضر حسين في التراث الإسلامي من ناحية، وفي حضارة اليوم
стр. 6444
من ناحية ثانية نظرة معتدلة حكَّم فيها عقله، فلم يتعصب تعصباً غير مشروط للتراث رامياً وراء ظهره ما جاءت به الحضارة من إيجابيات، كما أنه لم يهتز لهذه الحضارة وكأنها كلها الخير والتقدم، متناسياً منجزات الحضارة الإسلامية، وما جاءت به من إيجابيات:
١ - لم يناد بالتقوقع على الذات، والتغني بما فات، كما أنه لم يناد بالتحديث المجحف، كان موقفه موقف المعتدل، وقد عبر عنه بقوله: "يقع في وهم من لا يدري ما الإسلام: أن شريعته لا توافق حال العصر الحاضر، ويبني توهمه هذا على أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافاً كثيراً، فالدعوة إلى بقاء أحكامها نافذة هي دعوة إلى خطة غير صالحة، ذلك ما نقصد إلى تنفيذه، وتفصيل القول في دفع شبهته، حتى يثبت بالدليل المرئي رأي العين: أن الشريعة الغراء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل".
دعوة الخضر حسين هي أولاً: دعوة ضد الجمود والتعصب، والاكتفاء بالدوران في حلقة مغلقة، وثانياً: هي دعوة للاهتمام بقضايا العصر، والتفتح على الحضارة، بدون التفريط في مقوماتنا، وشخصيتنا الأساسية التي تميزنا عن غيرنا.
يقول: "وإن تعجب، فعجب ما يتخيله بعض من رُبي في مهد الجمود من أن هذا الدين القيم لم يرشد إخوانه إلا إلى العبادات المحضة، وأنه حجاب مسدول بينهم وبين المدنية".
هي دعوة إلى التوازن شعارها: (لا إفراط في الحداثة، ولا تفريط في التراث).
стр. 6445
وبالتالي لم يكن مناصراً للمحافظة في كل شيء، أو مخالفاً للمصلحين في كل شيء، بل وقف موقفاً توفيقياً، فقد كان يوافق القائلين بالتراث بالتمسك بالثوابت والقيم التي جاء بها الإسلام، وكان يوافق القائلين بالحداثة في فتح باب الاجتهاد، وتوظيفه قصَد تمكين العالم الإسلامي من مسايرة ركب الحضارة والتقدم.
وهذا ما كان يفعله عندما كان يدرس الفقه والتفسير وعلم الأصول، لم يكن مجرد ناقل لأقوال الأئمة والعلماء، بل كان يناقش كل نظرياتهم، ويرجح ما يراه أقرب إلى المنطق، وإلى مسايرة العصر.
٢ - يرى أن النهضة لن تكون إلا بالتربية والتعليم، وبمكافحة البدع التي هي ضد القيم "وإلى المزاعم الباطلة، وربط قلوب الناس بالاعتقاد الصحيح"، وإلى مسايرة حضارة اليوم، والاستفادة من علومها وتقنياتها، مع الاستغناء عن سلبياتها وسقطاتها. يقول: "نود من صميم قلوينا أن تكون نهضتنا المدنية راسخة البناء، رائعة الطلاء، محمودة العاقبة".
وقد أكد على أن سبب انحطاط المسلمين، وتخلفهم عن ركب الحضارة، يكمن في التعليم، "وتهاون العلماء والحكام في التمسك بذلك والأخذ به".
كما أكد أن سعادة الأمة الإسلامية لن تتوفر إلا بالتعليم، وأن التوازن الاجتماعي والسياسي لن يحصل إلا به، وأنه يصعب على القادة تركيز هذا التوازن إذا كانت الأمة جاهلة؛ لأنه "يصعب على قادتها متى أرادوا توجيهها نحو الحياة الصالحة أن يجدوها لينة القيادة خفيفة".
وأكد أن الأمة لن تنهض بالتعليم العلمي وحده، بل لا بد من توفر التربية، يقول: "سعادة الأمة أن تستنير عقولها، وتسمو أخلاقها، أما استنارة
стр. 6446
عقولها، فبإقامة معاهد كافية للتعليم، وأما سمو أخلاقها، فلتستقيم أعمالها، وتنتظم المعاملات بينها".
وقد أرجح أسباب جمود المد الحضاري الإسلامي إلى جمود التعليم، ويرجع هذا الأخير إلى جمود علماء الإسلام، وتحجر الأفكار عندهم، وعدم مسايرتهم لروح العصر، "فكان انزواؤهم وزهدهم في الإرشاد العام فرصة لظهور الدعايات المنحرفة عن الطريق المستقيم، وهكذا فإن انحطاط العلماء نتج عنه انحطاط العالم الإسلامي".
والتربية التي يريدها وينادي بها هي: تربية ترتكز على القيم الإسلامية، وعلى الأخلاق الفاضلة، والتي لا تجاري (إيمان العجائز)، والتعصب والانغلاق.
وهو يعتقد أن التربية الصحيحة هي التي تركز على الحرية "إن الأرض التي اندرست فيها أطلال الحرية، إنما تأوي الضعفاء والسفلة، ولا تنبت العظماء من الرجال".
والحرية عنده ترتكز على عاملين أساسيين، وهما:
- الشورى، وهو عامل سياسي.
- المساواة، وهو عامل اجتماعي واقتصادي.
وهو يرغب في تعليم منفتح على العلوم، والتقنية الحديثة التي شيدت حضارة اليوم.
وهكذا، فالخضر حسين يرى: أن كل تقدم حضاري يكمن في التعليم، وأن سعادة الأمة لن تتوفر إلا به، ولا يمكن أن ترقى أمة أغلب أبنائها غير متعلمين.
стр. 6447
٣ - حارب كل مثبطات العقل والعلم، وأخطرها بالنسبة إليه: السلفية؛ سلفية الطرقية التي تصف نفسها بالصوفية، أو هي صوفية حقاً، والتي تعادي التربية ذات المنهج العلمي والعقلي؛ لأن هدفها هو (ترويض مريديها)، والسيطرة على سلوكهم بواسطة الترهات والأوهام لكي تصير منهم كائنات خانعة قانعة خاضعة خائفة متقوقعة على نفسها، تعيش في عالم سحري مشبع (بالخوارق)، و (الكرامات) التي نسجتها (الإسرائيليات) لغايات أيديو لوجدية بحتة، متشبعة بأفكار ونظريات هي أبعد ما تكون عن الدين (ما جعل المسألة خطيرة، وتبعة السكوت عنها غير هينة؛ لأن مثل هذه الطرق تمس الإسلام، وتلصق به وصمة تجعل بينه وبين الجاهلين حجاباً كثيفاً)؛ لأن مثل هذه الطرق تقتل مبادرات العقل، بل تقتل العقل ذاته.
٤ - وقد تفطن إلى الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام من صحف ونشريات، وكذلك إلى الدور الذي تلعبه النوادي والجمعيات، وهذا الدور با لإمكان أن يكون سلبياً، لكنه يكون إيجابياً حتماً إذا تحمل مسؤولية هذه الصحف والجمعيات العلماء الذين تتوفر فيهم الشروط التالية:
أولاً: أن يكونوا على بيّنة مما يقومون به.
ثانياً: أن يتميزوا "باستقامة السيرة؛ لأن الناس لا يقتدون برأي مرشد، ولا تلين قلوبهم لموعظة واعظ، إلا إذا وثقوا بأمانته، وأبصروا حالته الظاهرة مثالاً لما ينصحهم".
ثالثاً: قدرتهم على التأثير، وتمكنهم من العلوم الإنسانية؛ مثل: علم النفس، والعلوم الموازية، والرافدة، والممارسة، ويؤكد "إلى ضرورة مراعاة أذواق المخاطبين باللسان أو بالقلم، ودرجاتهم الثقافية، وأحوالهم النفسية".
стр. 6448
رابعاً: استعمال الطرق والوسائل التي تتماشى مع "نفسية الأفراد والجماعات، والحالات التي تكون فيها".
خامساً: التحلي بالصبر، وتحمل المكاره.
٥ - يعتقد أن اللغة هي الركن الأساسي لكل نهضة حضارية، ولكل تفوق مدني، "هذا بالنسبة لكل اللغات، فما بالك باللغة العربية التي كان لها الفضل الكبير في تأسيس الحضارة العربية؟ هذا من ناحية، ثم إن اللغة هي أداة الربط والاتصال بين أفراد المجتمع، وعاملٌ من عوامل وحدته وترابط أجزائه؛ لأنه "متى أهملت الأمة لغتها، وزهدت في تعلمها، انفصمت عرا جامعتها لا محالة".
كما شدد على أن اللغة العربية قادرة على مسايرة حضارة اليوم، وقادرة على استيعاب حاجات المدنية الحديثة، ولأن القضية بالنسبة إليه ليست قضية لغة، بل قضية أصحابها، تأخروا، فتأخرت.
ونوه بقدرتها على الاقتباس من اللغات الأخرى "تتلقى العربية ما يرد عليها من الألسنة الأخرى، وتقبله بقبول حسن بعد تنقيحه وسبكه في قالب عربي، فلا مانع من أن نقتبس أسماءها الموضوعة لها في اصطلاح مخترعيها عند استحسانها، ونهذبها، ثم نحشرها في زمرة ما هو عربي فصيح".
وقد نبه إلى خطر اللهجات الدارجة على اللغة العربية، مع اعتقاده أن (لغة العامة) هي لغة عربية محرفة في حالة مرض "يجدر السعي إلى معالجتها وإصلاحها".
٦ - يقول: بضرورة أن يقوم علماء الأمة بدورهم السياسي المتمثل في قولهم كلمة الحق، "ولا ينبغي لأهل العلم أن يغفلوا عن سير أرباب المناصب
стр. 6449
والولايات، فمن واجبهم أن يكونوا على بينة من أمرهم، حتى إذا أبصروا عوجاً، نصحوا لهم بأن يستقيموا، أو رأوا حقاً مهملاً، لفتوا أنظارهم، وأعانوا على إقامته".
"ومن واجب العلماء أن ينصحوا للأمة فيما يقولون أو يفعلون، ويحتملوا ما ينالهم في سبيل النصيحة من مكروه، وكم من عالم قام في وجه الباطل، فأوذي، فتجلد للأذى! ".
* مصادر محمد الخضر حسين:
أ - ديوان شعره "خواطر الحياة" الذي افتتحه بتوطئة تعرض فيها إلى أبرز محطات حياته، وإلى أهم مشاغله العلمية والعملية.
ب - رحلاته، وهي:
١ - "الرحلة الجزائرية" نشرت بمجلة "السعادة العظمى" (أعداد ١٩ - ٢٠، و ٢١).
٢ - "خلاصة الرحلة الشرقية"، نشرت بجريدة "الزهرة" مارس وأفريل ١٩١٣ م.
٣ - "حديث عن رحلتي إلى دمشق" نشرت بالجزء الخامس من المجلد العاشر (جانفي ١٩٣٨ م) - مجلة "الهداية الإسلامية".
هذه الرحلات تلقي أضواء كاشفة على نشاطه التربوي والعلمي والإعلامي، كما تمدنا بمعلومات قيمة عن حياته في الأقطار التي زارها.
ج - نتاجه العلمي والأدبي.
من محاضرات ورسائل وبحوث وجدال مذهبي، وقد خصصنا القسم الثاني من هذا البحث لمسحها، ولعرض أهم طروحاتها.
стр. 6450
عرض مختصر عن حياة الشيخ الخضر بن الحسين (١)
محمد بلقاسم خمار
رئيس اتحاد الكتاب العرب الجزائريين
"طولقة" هذه المدينة الأصيلة في حضارتها، العريقة في تاريخها، الجميلة بظلالها، ومياهها، وثمارها، المتمسكة بإيمانها وقيمها وتقاليدها السامية. طولقة هذه الواحة الوارفة الرائعة كانت ولم تزل موئلاً للعلم، وملتقى للمآثر، وجامعة للإسلام، منبتاً للرجال المتفوقين فكراً وتقى، سلوكاً وأخلاقاً .. وصدق من قال: لا تنبت الأرض الطيبة إلا طيّباً .. وبالفعل فإن من مثل هذه الأرض الطيبة كانت الجزائر تبني تاريخها الثقافي المجيد، وتعلي راية فخرها بين الأمم والشعوب، وتفيض عبقريات، ورسالات، وجهاداً؛ لتغمر أشقاءها وجيرانها إصلاحاً وخيراً، ولتعمر العالم أمناً وحباً وسلاماً.
في هذه الأرض المباركة؛ انطلقت منابع العلم والتقى، ومن هذه الأرض المباركة تزودت أجيال وأجيال بكنوز معارفها، وسلاح حصانتها، ورسوخ مبادئها، ومن هذه الأرض المباركة أضاءت شموس نيّرة في أهم العواصم العربية والإسلامية؛ كتونس، والقاهرة، ودمشق، وإسطنبول،
стр. 6451
وما زالت أشعتهم ساطعة دافئة قوية حتى اليوم.
لقد كانت الروابط الوحدوية - التي تجمع بين أبناء المغرب العربي منذ القدم - روابط قوية متينة، جمعتها القرابة والنسب، ولحمتها العقيدة واللغة، وصقلتها التجارب التاريخية، والآلام والآمال المشتركة، وأكدتها الأرض والجوار، فلم يكن هناك فرق بين مراكشي أو جزائري أو تونسي أو ليبي، كلهم في مشاعرهم ومصائرهم سواء، رغم ما طرأ من اختلاف عليهم في أنظمة الحكم التي سادت أقطارهم خاصة منذ احتلال فرنسا للجزائر في بداية العقد الثالث للقرن التاسع عشر.
ودعماً لذلك أرى من المهم أن أثبت ما قاله الشيخ عبد الحميد بن باديس، عندما تكلم عن وحدة أبناء المغرب العربي، قال ﵀: حيثما توجهنا إلى ناحية من نواحي التاريخ، وجدنا هذا المغرب العربي: طرابلس، تونس، الجزائر، مراكش، يرتبط بروابط متينة روحية ومادية، تتجلى في وحدته للعيان، ولسنا نريد هنا أن نتحدث عن التاريخ القديم، وإنما نريد أن نعرض صفحة من التاريخ الحديث الجاري.
ويذكر رائد النهضة الجزائرية الإمام ابن باديس كيف أن أبناء المشرق العربي ينسون، أو يتجاهلون أبناء المغرب العربي، مع أننا دائماً نمدهم بخيرة ما عندنا من رجالو السيف والقلم؛ كالأمير عبد القادر الجزائري وأبنائه الشهداء من أجل سورية، وأحفاده؛ مثل: الأمير خالد، ويسترسل في عرض أسماء بعض الأعلام؛ كسليمان باشا الباروني الطرابلسي، والشيخ السنوسي الطرابلسي الجزائري الأصل، والشيخ طاهر الجزائري الأصل، والشيخ عبد العزيز الثعالبي زعيم تونس، الجزائري الأصل، والشيخ الخضر حسين التونسي الأصل، وغيرهم
стр. 6452
من أقطاب المعرفة والعلم.
من المعلوم أن الكثير من أبناء الجزائر كانوا يتوجهون إلى (القرويين) في المغرب، أو (جامع الزيتونة) في تونس، أو إلى (الجامع الأزهر) في القاهرة؛ لطلب العلم، والاستزادة من المعارف، خاصة بعد أن دبّ الضعف في كتاب الحكم العثماني، واستُعمرت الجزائر من طرف فرنسا، مما أثر في مسيرة نهضتها العلمية التي حوربت بشتى الوسائل والأساليب.
ومن المعلوم أيضاً أن الجزائر قد مدّت المغرب والمشرق العربيين بالكثير الكثير من العباقرة والعلماء، أولئك الذين حوصروا في آرائهم وعقائدهم، وحرموا من أداء أماناتهم العلمية، وواجباتهم الإسلامية، ومُسوا في كرامتهم وحرياتهم، فاتجهوا إلى ديارهم الأخرى في المغرب أو المشرق، يدافعون عن الشريعة، ويدعون إلى الإصلاح، وينشرون العلم، ويجاهدون في سبيل الله من أجل وحدة العرب والمسلمين، لا فرق بين قطر أو قطر، ولا بين مسلم ومسلم، إلا بالتقوى والعمل الصالح.
ومن بين هؤلاء الجزائريين المهاجرين: الشيخ مصطفى بن عزوز، جدّ الشيخ الخضر لأمه، ثم الشيخ الحسين بن علي بن عمر والد الشيخ الخضر، وقد كان من مريدي الشيخ مصطفى بن عزوز، حيث التحق بالشيخ ابن عزوز إلى بلدة "نفطة" في منطقة الجريد التونسي، وتزوج من ابنته والدة الشيخ الخضر، وقد أسس الشيخ مصطفى بن عزوز البرجي في "نفطة" عندما هاجر إليها مع عدد كبير من أتباعه سنة ١٨٣٧ م، أسس زاويته المشهورة، المشتملة على عدد كبير من المساكين لإيواء الواردين عليه من كل صقع، وأحدث بها مدرسته الحافلة، وأنشأ بها بيوتاً لسكنى المنقطعين لقراءة القرآن،
стр. 6453
وتعلم العلم، وحشد لها العلماء والأعلام من كل جهة؛ ليدرسوا بها فنون العلم على اختلاف مشاربها.
ويبدو أن زاوية ابن عزوز في "نفطة" كانت فرعاً من الزوايا الكبرى في "طولقة"، و"البرج"، والتي تنتسب إلى الطريقة الرحمانية .. وكانت زاوية طولقة تعرف عندنا بالزاوية العثمانية، وبزاوية (سيدي علي بن عمر)، وقد ملأت شهرتها آفاق العالم الإسلامي، وذلك لما جمعته من علم وعلماء، وطلاب ومريدين، وكرم وزهد، وتقى، بالإضافة إلى مكتبتها العامرة.
وفي هذا الجو العائلي، المفعم بالعبادة، وحب العلم، وبالجلال والهيبة والوفاء، ولد الشيخ الخضر بـ "نفطة" سنة ١٨٧٣ م، داخل أسرة متمكنة من تعاليم الشريعة الإسلامية، مستنيرة بآدابها، متمسكة بتقاليدها وأعرافها السامية، حيث كان جده لأمه الشيخ مصطفى بن عزوز يشغل مكانة القطب فقهاً وتديناً، ويعتبر شيخاً وزعيماً كبيراً بين أتباعه ومريديه، وكانت والدته بنت الشيخ ابن عزوز على جانب كبير من الثقافة والتعليم وقوة الشخصية، وكان خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز عالماً جليلاً، متبحراً في أصول الشريعة واللغة والآداب، وكان والده الشيخ الحسين بن علي بن عمر فقيهاً تقياً زاهداً، وقد توفي وكان ولده الشيخ الخضر ما زال صغيراً.
في هذا الجو العائلي المهيب قضى الشيخ الخضر بن الحسين طفولته الأولى؛ حيث حفظ القرآن الكريم برعاية مؤدبه الخاص الشيخ (اللموشي)، وأخذ مبادئ بعض العلوم الفقهية واللغوية والأدبية على عدد من العلماء في زاوية جدّه، وكان في مقدمتهم الشيخ محمد المكي خال الشيخ الخضر، والذي أحب ابن أخته حباً عميقاً، وتوسّم فيه مستقبلاً زاهراً، فمنحه عناية كبرى،
стр. 6454
وأشرف على توجيهه وتعليمه وتثقيفه، وكان الشيخ الخضر يعترف بذلك، ويذكره باعتزاز في أكثر من مناسبة، ومنها قوله: "من أعزها ما تشرفت به من قلم أستاذي الذي شبّت في طوق تعليمه فكرتي، وتغديت بلبان معارفه من أول نشأتي، العلامة الهمام القدوة، خالنا الشيخ سيدي محمد المكي بن عزوز".
وفي سنة ١٨٨٦ م انتقلت عائلة الشيخ الخضر من "نفطة" إلى تونس للإقامة الدائمة، ويبدو أن سبب هذا الانتقال يعود إلى رغبة والدة الشيخ الخضر في أن يواصل أبناؤها تعليمهم في جامع الزيتونة الذي كان محطة أنظار طالبي العلم. وأن يتعمقوا في معارفهم وعلومهم خاصة، منهم: الشيخ الخضر الذي كانت تلوح منه سمات الذكاء والتفوق منذ صغره، والذي بدأ يقول الشعر وهو في الثانية عشرة من عمره، وكانت والدته تتوسم فيه العظمة والنجاح، وتغني له وهو صغير قائلة:
يا رب الأكبر ... خلّيلي محمد الأخضر
في الجامع الأزهر ... يعود يقزي وأنا حيّة
التحق الشيخ الخضر بجامع الزيتونة وهو في الرابعة عشرة من عمره؛ أي: بعد سنة من استقرار عائلته بتونس.
وبعد إحدى عشرة سنة من الدرس والجهد والتحصيل في علوم الدين واللغة والأدب، وهي المواد التي كانت متداولة بصفة عامة في جامع الزيتونة لذلك الوقت، وبواسطة علماء بارزين، ومن بينهم: الشيخ المكي بن عزوز، بعد هذه المدة تحصَّل الشيخ الخضر على شهادة (التطويع)، وهي شهادة يستطيع حاملها أن يكون مدرساً في جامع الزيتونة، أو أن ينال مناصب علمية أو
стр. 6455
دينية في الوظيف، وقد فضل الشيخ الخضر التفرغ للعلم، واختار أن يكرس حياته للتعليم والتئقيف، والتزود بمختلف المعارف، والتعمق فيها، لذلك انخرط في سلك المدرسين بجامع الزيتونة، وفي الوقت نفسه تابع تحصيله بالمطالعة الجادة، وحضور الدروس الهامة، إلى أن تسامت مكانته، وارتفع شأنه بين أقرانه، وأصبح مضرب المثل في اتساع الباع، وقوة الحجة، وبلاغة المنطق، ورجاحة العقل، وجاذبية الشخصية التي كان يتميز فيها بهدوء الطبع، والتواضع، والتقى، وبالروح الأدبية المرحة.
حصل الشيخ الخضر على (التطويع) سنة ١٨٩٨، وفي سنة ١٩٠٤، أسس مجلة "السعادة العظمى"، وهي أول مجلة عربية تظهر في تونس، وكان يحرر أغلب مقالاتها، وينشر فيها مختلف المواضيع المتعلقة بالشريعة والأخلاق، واللغة والآداب، والتفسير، والفتوى، والرحلات، إلى غير ذلك من المواضيع الهادفة إلى إصلاح المجتمع، وترقية المسلمين.
وقد توقفت هذه المجلة عن الصدور سنة ١٩٠٥؛ أي: بعد سنة من تأسيسها، وذلك لأسباب مادية، ولموقفها الحيادي بين صراعات العلماء المحافظين والمصلحين في تونس؛ حيث إنها كانت تعبر عن الاتجاه المعتدل لصاحبها، ولم تتورط في الذوبان لصالح فئة ضد أخرى.
وعلى أثر توقف مجلة "السعادة العظمى" تولى الشيخ الخضر منصب القضاء ببنزرت، بتأثير صديقه الحميم الشيخ الطاهر بن عاشور، ولكنه استقال بعد شهور من ذلك المنصب، وعاد إلى التدريس في جامع الزيتونة، وكان في طليعة الداعين إلى إصلاح التعليم، ومن أوائل المؤسسين لجمعية (تلاميذ جامع الزيتونة) سنة ١٩٠٦.
стр. 6456
ونشير إلى أن الشيخ الخضر كان قد قام برحلتين إلى الجزائر سنة ١٩٥٣، وسنة ١٩٠٤، زار فيها الأهل والأقارب، والتقى خلالها بعدد كبير من العلماء الأجلاء خاصة في "سوق أهراس"، و"عين البيضاء"، و"قسنطينة"، و"باتنة"، والجزائر العاصمة، كما سجل ذلك في كتاباته.
وربما يكون الشيخ الخضر قد قام بأكثر من رحلتين إلى الجزائر، خاصة عندما كان صغيراً، ويقيم في منطقة الجريد، ولا تفصله مسافة بعيدة من "طولقة". كما أن رحلاته من مصر إلى سورية كانت أكثر مما سجل وعرف عنها، فقد زار دمشق سنة ١٩٥٢، وزارها كذلك سنة ١٩٥٥، وتدخل كل تلك الرحلات في إطار خاص، ألا وهو زيارة الأهل والأقارب، سواء إلى "طولقة" لزيارة الأهل والأقارب، أو إلى "دمشق" لرؤية أخيه الشيخ زين العابدين وعائلته.
لقد اشتهر الشيخ الخضر بن الحسين خلال تواجده بتونس، وفي مطلع القرن العشرين، اشتهر بنشاطه الجم في مجالات الإصلاح الديني والاجتماعي، والدعوة إلى يقظة الشباب، وتكتلهم وتشجيعهم على الأخص بمختلف العلوم الحديثة، وممارسة فن الخطابة، والجرأة على قول الحق ومواجهة الصعاب .. اشتهر عنه هذا، إلا أن جانب الخوض في الصراعات السياسية ظل غير واضح إلى حد الآن؛ بسبب ما كان يتصف به الشيخ الخضر من هدوء ووقار، ومن تركيز على الجوانب الدينية الإصلاحية، والبحوث اللغوية والأدبية، غير أن هذا السلوك الظاهري لا ينبغي أن يكون الشيخ الخضر قد قام بأنشطة سياسية كثيرة، ولكن باشكال وصور خفية ومتسترة، نتأكد من ذلك فيما كان يتمتع به من حساسية ووعي ووطنية صادقة .. ومن رفضه عضوية المحكمة التونسية الفرنسية، ومن مشاركته الفعالة للتنديد بالحملة الاستعمارية الإيطالية
стр. 6457
ضد ليبيا سنة ١٩١١، ودعوة أبناء المغرب العربي لمساعدة إخوانهم الليبيين، وكذلك من مضايقة السلطات الاستعمارية الفرنسية، ومناوأة أتباعها؛ مما دعاه إلى الخروج من تونس، والهجرة إلى سورية سنة ١٩١٢ .. ونتأكد أيضاً من اهتماماته السياسية فيما كان ينشره أو يقوله من نثر وشعر، ومن ذلك ما جاء في قصيدته الداعية إلى نصرة ليبيا حيث يقول فيها:
ردّوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دهى حقبا
ولاتعود إلى شعب مجادته ... إلا إذا غامرت همّاته الشهبا
وهي قصيدة عظيمة، منشورة في ديوانه: "خواطر الحياة".
إذن، فالشيخ الخضر -بالإضافة إلى شخصيته الدينية العلمية الأدبية الغالبة- كان يعيش أحداث وطثه السياسية، وكان يسعى بأسلوبه الخاص إلى ضرورة التحرر من الاستعمارة بمحاربته، والتصدي له.
ولعل الدوافع التي أدت لخروج والده وجدّه من "طولقة" إلى "الجريد"، ثم إلى تونس، هي نفس الدوافع التي أدت بهجرة خاله وأستاذه الشيخ محمد المكي بن عزوز إلى تركيا، ثم بهجرة والدته الفاضلة مع إخوته إلى دمشق بسورية سنة ١٩١١، ثم التحاق الشيخ الخضر بهم سنة ١٩١٢، وهي دوافع لا تخرج عن مفهوم الابتعاد من مضايقة المستعمر، والبحث عن مناخ تتوفر فيه حرية طلب العلم، وحرية الحركة في ميادينه بكرامة واعتزاز.
كان للشيخ الخضر أربعة إخوة، وهم: الشيخ الجنيدي، وهو أكبرهم، وقد توفي في الجزائر، ويأتي بعده الشيخ الخضر، والشيخ العروسي، والشيخ المكي، والشيخ زين العابدين، ولهم ثلاث أخوات هن: ميمونة، وزبيدة، وفاطمة الزهراء، ومن المعروف أن كل أشقائه كانوا من العلماء الرجال الأفاضل،
стр. 6458
ولهم مآثر قيمة في مجالات التدريس والتأليف.
وعندما هاجرت والدة الشيخ الخضر بأبنائها إلى دمشق، كان في استقبالهم عمنا الشيخ قدور خمار الذي كان قد سبقهم بالهجرة إلى تلك الديار سنة ١٩٠٩، وكانت تربطه بعائلة الشيخ الحسين بن علي بن عمر علاقة قرابة ونسب، حيث كانت شقيقته متزوجة من أحد أفراد عائلتهم بطولقة، ثم بعد ذلك تزوج عمنا من بنات الشيخ العروسي شقيق الشيخ الخضر.
نشير إلى أن الشيخ الخضر عندما التحق بعائلته في دمشق، قد عاد إلى تونس بعد خمسة أشهر تقريباً أمضاها في عدة رحلات إلى سورية ولبنان وتركيا، وقام خلالها باتصالات كثيرة، وأنشطة ثقافية هامة، ولكنه عندما عاد إلى تونس، لم يطب له المقام؛ للمضايقات والتحرشات الاستعمارية التي وجدها، بالإضافة إدى فراغ الجو العائدي الذي أحس به، فعاد إدى سورية بعد شهرين فقط من مكوثه، واستقر بها، بعد أن ترك زوجته التونسية التي رفض أهلها مرافقتها له، وتزوج من دمشق، واستقر بها.
وقد لقي الشيخ الخضر في سورية كل تكريم وإجلال، وتولّى التدريس بالمدرسة السلطانية التي درس بها قبله عدد كبير من العلماء، من بينهم: الشيخ الإمام محمد عبده، كما كان يلقي المحاضرات في الجامع الأموي وغيره من الأماكن المشهورة، وكان يلتف حوله عدد كبير من الشخصيات العلمية والسياسية البارزة، وفي طليعتهم أبناء الجالية الجزائرية في سورية، وأبناء وأحفاد الأمير عبد القادر الجزائري، وذلك لطيب معشره، وارتفاع مكانته العلمية والعائلية، ولشهرته الواسعة التي كانت تعم البلاد العربية والإسلامية، خاصة بعد انتشار مؤلفاته، ومجلة "السعادة العظمى"، وكتب: "الدعوة إلى
стр. 6459
الإصلاح"، و"الحرية في الإسلام" وغيرهما.
كان الشيخ من المؤيدين للخلافة الإسلامية، المؤمنين بوحدة المسلمين تحت راية واحدة، ولكنه خلال تواجده في سورية، وفي بداية الحرب العالمية الأولى، كان لا يخفي ألمه وحسرته أمام مظاهر الضعف والانحلال التي كان يراها تدب في كيان الدولة العثمانية، لذلك عندما قام الوطنيون السوريون خلال الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٦ ضد نظام الحكم العثماني، قام القائد التركي السفّاح جمال باشا بارتكاب مجزرته المشهورة في دمشق ضد رجال العلم والسياسة، فاعدمهم شنقاً، واتهم الشيخ الخضر بتعاطفه مع الوطنيين السوريين، وسجنه لمدة ستة أشهر، وكاد أن يعدم.
وبعد تبرئته وخروجه من السجن، استدعي من طرف الخلافة العثمانية للعمل في وزارة الحربية التركية ككاتب عربي بالآستانة، يشرف على المراسلات الواردة والصادرة من مركز الخلافة العثمانية إلى البلدان العربية والإسلامية المرتبطة بالدولة العثمانية، ثم أرسله الباب العالي بالآستانة في مهمة سياسية إلى ألمانيا التي كانت تربطها بتركيا علاقة تحالف محورية خلال الحرب العالمية الأولى، ورغم الغموض الذي ما زال لم يتضح تماما حول مهمات الشيخ الخضر في ألمانيا، إلا أنها -في الغالب- تتعلق بموضوع الحرب، ولها صلة بقضية تحرير المغرب العربي، وزعزعة نظام الحكم الفرنسي فيه، ونجد في الوثائق: أن الشيخ الخضر كان قد اتصل في "برلين" بالزعيم التونسي محمد باش حامبه، كما يشارك في إمضاء التقرير الذي أرسلته اللجنة التونسية الجزائرية للدفاع عن المغرب العربي إلى مؤتمر الصلح المنعقد في فرنسا سنة ١٩١٧ تحت عنوان: (مطالب الشعب الجزائري التونسي).
стр. 6460
وعند سقوط الدولة العثمانية في أيدي الحلفاء، عاد الشيخ الخضر إلى تركيا، ثم إلى سوريا، وكان يعاني من ألمين محزنين: سقوط الخلافة العثمانية، وموت والدته -رحمها الله-.
وظل في دمشق يفيض نشاطاً وإبداعاً، يكتب، ويحاضر، ويدرس، ويؤلف الكتب، ويلتقي بأصدقائه في جلسات مسامرة وأدب، وفي سنة ١٩١٧ تم تعيينه كعضو عامل في المجمع العلمي العربي بدمشق، وباختصار، فقد كانت السنوات الثمانية التي عاشها في سورية من أسعد مراحل حياته، ومن أزخرها نشاطاً وحركة وإنتاجاً.
وتشاء الأقدار أن يظل الاستعمار الفرنسي يتتبع بشبحه الرهيب مسيرة شيخنا؛ حيث احتلت سورية سنة ١٩٢٠ من طرف فرنسا، وكان دخولها إلى دمشق يحمل كل مخاطر التهديد والوعيد للشيخ الخضر، فما كان منه إلا أن يشد رحال السفر، ويهاجر إلى القاهرة عاصمة مصر.
صادف الشيخ الخضر بعض الصعوبات في مصر خلال المرحلة الأولى لإقامته فيها، ولكنه اعتمد على قوة علمه في شق طريقه بنفسه، والتفّ حوله أبناء المغرب العربي المتواجدين آنذاك بالقاهرة، فقام وأسس لهم جمعية (تعاون جاليات شمال إفريقيا)، وكان يدرّس في الجامع الأزهر، وينبري في كتاباته بالرد على المعارضين لمبدأ الخلافة الإسلامية، كما فعل في كتابه "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" رد على كتاب الشيخ علي عبد الرازق، وكذلك فعل مع الدكتور طه حسين في الرد عليه بكتاب "نقض كتاب في الشعر الجاهلي". ووقعت بينه وبين الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة "المنار" مشادات كتابية كبيرة، وأصبح الشيخ في مصر قبلة الأنظار، وكانت له المكانة السامية،
стр. 6461
حتى لدى الملك فؤاد ملك مصر، واستقبله شخصياً.
ثم قام شيخنا مع بعض زملائه بتأسيس (جمعية الهداية الإسلامية) سنة ١٩٢٨، وهي جمعية لتوحيد كلمة الشباب من أجل خدمة المجتمع والأخلاق، والاتجاه الديني الإسلامي الصحيح، كما قامت هذه الجمعية بإصدار مجلة تحمل اسمها وهي مجلة "الهداية الإسلامية"، وقد ترأس هيئتها الشيخ الخضر نفسه، ثم تأسست بعد ذلك مجلة "نور الإسلام" الأزهرية، وقد أعطيت رئاسة تحريرها للشيخ الخضرة لما كان يمتاز به من عمق التجربة، وسعة الاطلاع، وعظمة المكانة العلمية والاجتماعية في مصر، وكان ذلك سنة ١٩٣٠. وفي سنة ١٩٣٣ عيّن الشيخ الخضر بمرسوم ملكي عضواً في المجمع اللغوي مع أول هيئة مؤسسة من مشاهير العلماء في العالم.
ورغم زخارة النشاط العلصي والديني والصحفي الذي كان يقوم به الشيخ الخضر يومياً، فإن علاقته بأبناء المغرب العربي ظلت قائمة ومستمرة، وكان يقدم المساعدات والتسهيلات للمناضلين، والطلبة الوافدين إلى مصر، ثم قام أخيراً بتأسيس (جبهة الدفاع عن أفريقيا الشمالية) التي لم ينقطع نشاطها حتى قيام مكتب المغرب العربي بالقاهرة.
وفي سنة ١٩٥٠ اجتاز الشيخ الخضر امتحاناً علمياً صعباً، وتفوق فيه تفوقاً باهراً، وأحرز بامتياز على درجة الانتساب إلى (هيئة كبار العلماء)، وهي هيئة لا يصل إليها إلا المتحصلون على أعلى مراتب العلم والثقافة.
وفي سنة ١٩٥٢ اختير العلامة الشيخ الخضر لتولي منصب مشيخة الجامع الأزهر، فامتنع عن ذلك؛ نظراً لحساسية المهمة وخطورتها، وهو منصب لم يتوله غير مصري من قبل، ولكنه قبل به بعد إلحاح أصدقائه، ووفد
стр. 6462
الوزراء الذي زاره في منزله، وعرض عليه المهمة. ويعد تسييره لشؤون جامع الأزهر مدة سنتين، قدم استقالته؛ نظراً لكبر سنه، واعتلال صحته، وقد جاوز عمره الثمانين، وقد أمضى في التدريس بالأزهر أكثر من عشرين سنة، وأمضى عمره كله في الكد والجهد، والبحث والتنقيب، والحل والترحال، والكتابة والتأليف، بحيث لم يمض يوم واحد من عمره إلا وكان له فيه إبداع أو شعاع.
وفي يوم الأحد ١٣ رجب ١٣٧٧ هـ انتقل الشيخ محمد الخضر بن الحسين إلى جوار ربه عن سن يناهز الخامسة والثمانين سنة أمضاها جهاداً في سبيل الإسلام والعلم، فرحمه الله، وطيب ثراه. وقد دفن بالقاهرة في مقبرة آل تيمور بوصية منه إلى جوار صديقه الأستاذ أحمد تيمور باشا الذي كان يكنّ له كل الود والتقدير والوفاء.
وبعد:
هل تراني قد قدمت صورة واضحة عن حياة الشيخ الخضر بن الحسين .. ؟ لا أعتقد ذلك .. ومهما فعل الكاتب مثلي لا يستطيع أن يلم بجوانب حياة حافلة بالمآثر لأكثر من نصف قرن، ولرجل كرّس كل أيامه للجهاد والاجتهاد في مختلف ميادين البلاغة والأدب، وأصول الشريعة، والذود عن الإسلام وعن الوطن بالكلمة والقلم، وبالحجة والحق، وبالشجاعة والصراحة، وبكل ما أوتي من قوة في الفكر والروح والبدن.
وقد ترك ﵀ آثاراً كثيرة مطبوعة، أذكر منها الكتب التالية: "أسرار التنزيل"، "بلاغة القرآن"، "محمد رسول وخاتم النبيين"، "رسائل الإصلاح"، "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان"، "محاضرات إسلامية"،
стр. 6463
"القادياثية والبهائية"، "دراسات في الشريعة الإسلامية"، "السعادة العظمى"، "هدى ونور"، "الرحلات"، "الدعوة إلى الإصلاح"، "تراجم الرجال"، "تونس وجامع الزيتونة"، "راسات في العربية وتاريخها"، "دراسات في اللغة"، "الخيال في الشعر العربي"، "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، "خواطر الحياة"، وهو ديوان شعر.
كما أن للشيخ مخطوطات، وأشعاراً كثيرة، ما زالت لدى أقاربه أو أصدقائه، أو منشورة هنا وهناك في المجلات والصحف والمراسلات، لم تجمع وتنشر حتى الآن.
وأحسن ما اختتم به كلمتي هذه، هو: الدعوة إلى أن يخصص لقاء سنوي للشيخ الخضر بن الحسين، يكون على مستوى دولي عربي إسلامي، يجمع بين من كانوا على صلة به في مختلف أنحاء العالم، أو من لهم اهتمام به، وذلك لإعطائه بعض ما يستحق من الدراسة، والكشف عن شخصيته الفريدة من نوعها، والتي نعتز بها، ونرجو لها المزيد من التعريف والتكريم.
стр. 6464
أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث محمد الخضر حسين
أحمد تيمور باشا (١)
ولد الشيخ محمد الخضر حسين (٢) بمدينة "نفطة" بالقطر التونسي في ٢٦ رجب سنة ١٢٩٣ هـ، واشتغل بالعلم بعد أن حفظ القرآن، فقرأ بعض الكتب الابتدائية ببلده، وفي آخر سنة ١٣٠٦ هـ رحل مع أبيه وأسرته إلى القاعدة التونسية، فدخل الكلية الزيتونية سنة ١٣٠٧ هـ، وقرأ على أشهر أساتذتها، وتخرج عليهم في العلوم الدينية واللغوية، ونبغ فيها وفي غيرها. فطُلب لتولي بعض الخطط العلمية قبل إتمام دراسته، لكنه أبى، وواظب على حضور دروس العلماء والأكابر؛ مثل: عمر بن الشيخ، والشيخ محمد النجار، وكانا يدرّسان
стр. 6465
التفسير، والشيخ سالم بوحاجب، وكان يدرّس "صحيح البخاري".
ثم رحل إلى الشرق سنة ١٣١٧ هـ ولكنه لم يبلغ طرابلس حتى اضطر إلى الرجوع بعد أن أقام بها أياماً، فلازم جامع الزيتونة، يقيد ويستفيد إلى سنة ١٣٢١ هـ فأنشأ فيها مجلة "السعادة العظمى"، ولقي في سبيل بثّ رأيه الإصلاحي ما يلقاه كل من سلك هذا السبيل.
وفي سنة ١٣٢٣ هـ ولّي القضاء بمدينة "بنزرت"، والتدريس والخطابة بجامعها الكبير. ثم استقال ورجع إلى القاعدة التونسية، وتطوع للتدريس بجامع الزيتونة، ثم أحيل إليه تنظم خزائن الكتب بالجامع المذكور. وفي سنة ١٣٢٥ هـ اشترك في تأسيس جمعية زيتونية، وفي هذه المدة جعل من المدرسين المعينين بالجامع.
وفي سنة ١٣٢٦ هـ جعل مدرساً بالصادقية، وكلف بالخطابة بالخلدونية. ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الطليان والعثمانيين، كان من أعظم الدعاة لإعانة الدولة. ونشر بجريدة "الزاهرة" قصيدته التي مطلعها:
ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دهى حقبا
ثم رحل إلى الجزائر، فزار أمهات مدنها، وألقى بها الدروس المفيدة. ثم عاد إلى تونس، وعاود دروسه في جامع الزيتونة، ونشر المقالات العلمية والأدبية في الصحف.
وفي سنة ١٣٣٠ هـ سافر إلى دمشق ماراً بمصر، ثم سافر إلى القسطنطينية، فدخلها يوم إعلان حرب البلقان، فاختلط بأهلها، وزار مكاتبها، ثم لما عاد إلى تونس في ذي الحجة من هذه السنة، نشر رحلته المفيدة عنها، وعن الحالة الاجتماعية بها ببعض الصحف.
стр. 6466
ثم جعل عضواً في اللجنة التي ألفتها حكومة تونس للبحث عن حقائق في تاريخ تونس، ثم ترك ذلك لما عزم على المهاجرة إلى الشرق. فرحل إليه، ونزل مصر، وعرف بعض فضلائها، ثم سافر إلى الشام، ثم للمدينة، ثم للقسطنطينية، ثم عاد إلى دمشق معيناً مدرساً لفغة العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية بها، وبقي كذلك إلى أن اتهمه مدة الحرب العظمى جمال باشا حاكم سورية بكتم حال المتآمرين على الدولة، واعتقله سنة أشهر وأربعة عشر يوماً، ثم حوكم، فبرئ من التهمة، فاطلق سبيله في شهر ربيع الثاني سنة ١٣٢٥ هـ.
ومن شعره في حبسه، وكانوا حالوا بينه وبين أدوات الكتابة:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذود الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جهاما
ثم استمر في التدريس بالمدرسة بدمشق، إلى أن دعي إلى القسطنطينية سنة ١٣٢٦ هـ، فجعل منشئاً عربياً بوزارة الحرب، وواعظاً بجامع الفاتح، فبقي كذلك إلى سنة ١٣٢٧ هـ، ففارق الآستانة، وعاد إلى دمشق، وقال في ذلك:
أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة
ربَّ كأسِ هوت إلى الأرض صدعاً ... بين كفٍّ تديرها واللهاة
فاسمحي يا حياةُ بي لبخيلٍ ... جفن ساقيه طافح بالسبات
стр. 6467
وعيّن عضواً بالمجمع العلمي العربي بدمشق ومدرساً ببعض المدارس، فلم يباشر شيئاً من ذلك، بل سافر قاصداً مصر، ونزل بها، فولي التصحيح، وعمل الفهارس بدار الكتب المصرية.
ومن مؤلفاته:
"فقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، و"حياة ابن خلدون"، و"الخيال في الشعر العربي"، و"حياة اللغة العربية"، وغيرها (١).
стр. 6468
محمد الخضر حسين (١) (١٢٩٣ - ١٣٧٧ هـ) (١٨٧٣ - ١٩٥٨ م)
محمد محفوظ
محمد الخضر (٢) بن حسين بن علي بن عمر.
أصل سلفه من بلدة "طولقة" بالجنوب الجزائري، انتقل والده منها إلى "نفطة" بالجنوب الغربي التونسي في إقليم الجريد، وهي غير بعيدة عن الحدود الجزائرية، حل بها إبان الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٤٣ صحبة صهره الشيخ مصطفى بن عزوز، الضليع من العلوم الشرعية واللغوية والأدبية، الكاتب الشاعر، السياسي، الصحفي.
ولد بـ"نفطة" يوم (٢٦ رجب/ ٢٣ جويلية)، وبلدة "نفطة" واحة جميلة حبتها الطبيعة برونق أخّاذ يثير الخيال، وينبه الشاعرية، قال المترجم في ديوانه "خواطر حياة": "نشأت في بلدة من بلاد الجريد بالقطر التونسي، يقال لها: "نفطة"، وكان للأدب المنظوم والمنثور في هذه البلدة نفحات
стр. 6469
تهب في مجالس علمائها، وكان حولي من أقاربي وغيرهم من يقول الشعر، فتذوقت طعم الأدب من أول نشأتي، وحاولت وأنا في سن الثانية عشرة نظم الشعر".
وهذه البلدة ذات المناخ الشاعري الملهم، أخرجت شعراء وعلماء على مدار العصور، وفي بعض العصور ازدهرت فيها الحركة العلمية ازدهاراً كبيراً حتى سميت بالكوفة الصغرى.
وفي سنة (١٣٠٦ هـ / ١٨٨٨) انتقل مع أسرته إلى العاصمة حيث أتم تعليمه الابتدائي؛ أي: حفظ القرآن، ثم التحق بجامع الزيتونة في العام الموالي، أخذ عن أعلامه؛ كسالم بوحاجب، وعمر بن الشيخ، ومحمد النجار، وغيرهم، وتخرج منه محرزاً على شهادة التطويع في سنة (١٣١٦/ ١٨٩٨)، وفي العام الموالي لتخرجه درّس متطوعاً بجامع الزيتونة، بعد أن قام برحلة إلى ليبيا.
وكانت عنايته بالأدب واللغة في عهد الطلب بجامع الزيتونة أكثر من غيرهما. وكان ينظم الشعر في بعض المناسبات؛ كتهنئة بعض شيوخه عند إتمام دراسة بعض الكتب، وهو تقليد شائع بجامع الزيتونة في ذلك العهد وما سبقه.
قال في مقدمة ديوانه "خواطر الحياة": "انتقلت إلى مدينة تونس، والتحقت بطلاب العلم بجامع الزيتونة، وكان من أساتذة الجامع، ومن هم في الطبقة العالية من طلاب العلم من أولعوا بالأدب والتنافس في صناعة القريض إلى شأو غير قريب، فاقتفيت أثرهم، وكنت أنظم قصائد تهنئة لبعض أساتذتي عند إتمام دراسة بعض الكتب".
стр. 6470
وفي سنة (١٣٢٢ - ١٩٠٤) أصدر مجلة "السعادة العظمى" وهي أول مجلة صدرت بتونس، صدرت نصف شهرية، واستمرت قرابة العام، وأعدادها ٢١ عدداً، وكان ظهور هذه المجلة حدثاً فكرياً بارزاً اهتزّ له رجال العالم المحبين للأدب والإصلاح والشباب، وساء المتزمتين ضيقي الأفق، عبّاد القديم؛ فإن هذه المجلة بدت فيها نزعة إلى حرية النقد، ودعوة إلى احترام التفكير، وتأييد لفتح باب الاجتهاد، ففي المقال الافتتاحي الذي قدّم به المجلة يقول: "إن دعوى أن باب الاجتهاد قد أغلق هي دعوى لا تُسمع إلا إذا أيّدها دليل يوازن في قوته الدليل الذي فتح به باب الاجتهاد"، ومثل هذه الدعوى وأمثالها مما روجته مجلته، لم تكن لتلقى القبول والترحيب من وسط الجامدين دعاة التمسك بالقديم، وقامت هيئة النظارة العلمية بجامع الزيتونة (المديرة له) تطالب الحكومة بمنع صدور هذه المجلة، وتدعو إلى معارضتها ومقاومتها، وكانت بذلك مجلبة لكثير مما ناله من الاضطهاد طيلة مقامه بتونس.
وكشفت هذه المجلة عن مكانة صاحبها في النثر الفني والعلمي، واتجاهه إلى تجديد أغراض الشعر بصوغ القصائد في المعاني الاجتماعية والفلسفية، والتوجيه إلى مسالك النهضة والتحرر والتجدد.
وفي مدة تدريسه بجامع الزيتونة، درس كتاب "المثل السائر" لابن الأثير، كان درساً عظيم الصدى، ازدحم عليه المستفيدون، وحاز به شهرة ومكانة لدى الوسط العلمي، وبتوجيهه واعتنائه تأسست أول منظمة طاليية بتونس تحت إشرافه باسم: (جمعية تلامذة جامع الزيتونة) سنة (١٣٢٤/ ١٩٠٧).
قال الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: "ولذلك بدا الشيخ الخضر يستهدف
стр. 6471
لما استهدف له المصلحون العاملون من قبله من آثار المكائد والسعايات والدسائس، فأصبحت كل حركة تبدو من الطلبة محمولة على حسابه، ونظرته أعين المسؤولين شزراً، عندما أعلن طلبة الزيتونة الإضراب عن الدروس سنة (١٣٢٨/ ١٩١٠) باعتبار كونه المسؤول عن ذلك التحرر".
وعندما تضايق المتزمتون من علماء الزيتونة ورجال المجلس الشرعي من أفكاره التحررية والإصلاحية، أبعدته الحكومة عن العاصمة، وسمته قاضياً ببنزرت سنة (١٣٢٣/ ١٩٠٥)، وباشر التدريس والخطابة بجامعها الكبير، وضايقته السلط الاستعمارية على أثر إلقائه محاضرة بنادي قدماء الصادقية بالعاصمة سنة ١٩٥٦ بعنوان "الحرية في الإسلام"، فاستقال من خطة القضاء، وعاد للتدريس متطوعاً بجامع الزيتونة، وسمته النظارة العلمية عضواً في اللجنة المكلفة بوضع فهرس للمكتبة الصادقية (العبدلية) إحدى مكتبتي جامع الزيتونة.
واجتاز بنجاح مناظرة التدريس من الطبقة الثانية بجامع الزيتونة في سنة (١٣٢٥/ ١٩٠٧)، وفي العام الموالي عيّن مدرساً بالمدرسة الصادقية، وفي هذه السنة ألقى دروساً في الآداب والإنشاء في المدرسة الخلدونية.
قام بثلاث رحلات إلى الجزائر، المرة الأولى سنة ١٩٠٣، والثانية في رمضان (١٣٢٢/ ١٩٠٤)، والثالثة سنة (١٣٢٧/ ١٩٠٩)، فزار عدة مدن جزائرية، وألقى فيها المحاضرات والدروس، وفي سنة (١٣٣٠/ ١٩١٢) شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى، فلم ينجح لغرضين؛ لأن لجنة المناظرة آثرت أن تقدم عنيه أحد أبناء البيوت العلمية الأرستقراطية، ولأنه من دعاة التحرر والإصلاح، وهي أمور تنقمها عليه اللجنة (وأعضاؤها من رجال الشريعة)،
стр. 6472
وذلك بالرغم مما أبداه من كفاءة وتفوق.
وذاق مرارة الظلم والاضطهاد، وشهوة الإيذاء والوقيعة، لا سيما وهو من أنصار الجامعة الإسلامية (الذين يؤمنون بخدمة الملة الإسلامية خدمة لا تضيق بها حدود الأوطان)، وقام برحلة استطلاعية، وسافر العام نفسه إلى إستانبول؛ حيث كان بها خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز، ومرّ بمصر والشام، ودوّن وصفاً اجتماعياً وأدبياً لهذه الرحلة نشرته جريدة "الزهرة". وعاد عن طريق البحر إلى تونس في ٢ أكتوبر ١٩١٢.
وبعد عودته منع من التدريس بالمدرسة الصادقية بحجة غيابه عن افتتاح المعهد بيومين، فقرر الهجرة إلى المشرق في نفس السنة، ومعه إخوته الأربعة، من بينهم: زين العابدين، ومحمد المكي، وزار مصر والشام والحجاز، وألبانيا، وتركيا، ومعظم بلاد البلقان، ثم استقر بدمشق، وعهد إليه بالتدريس في المدرسة السلطانية إلى سنة (١٣٣٦/ ١٩١٧)، وفي مدة إقامته بدمشق كتب المقالات، وألقى المحاضرات، ونشر بعض مؤلفاته.
دخل السجن بأمر من القائد التركي أحمد جمال باشا بتهمة علمه بالحركة السرية العربية المعادية للأتراك، ومكث سجيناً ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، وخرج منه في ٤ ربيع الثاني سنة (١٣٣٥/ ٢٩ جانفي ١٩١٧) بعد محاكمته وثبوت براءته، وبعد ذلك استدعي إلى إستانبول حيث سمي مفتشاً بوزارة الحربية.
ثم سافر إلى ألمانيا صحبة وفد من العلماء، من بينهم: الشيخ صالح الشريف التونسي (ت سنة ١٣٣٨/ ١٩٢٠) مكلفاً بمهمة من قبل الحكومة التركية، ولبث بها قرابة تسعة أشهر، تعلم أثناءها اللغة الألمانية، وتردد بين
стр. 6473
برلين وإستانبول إلى أواخر الحرب العالمية الأولى، حيث أقام ببرلين مرة أخرى قرابة سبعة أشهر، ثم عاد إلى إستانبول التي سقطت بأيدي الحلفاء، فقرر العودة إلى دمشق التي أصبحت عاصمة الأمير فيصل بن الحسين، وما كاد يستقر في دمشق حتى سمي مدرساً في ثلاثة معاهد، وهي: المدرسة العثمانية، والمدرسة العسكرية، والمدرسة السلطانية، وعيّن عضواً عاملاً في إحدى لجان المجمع العلمي العربي بدمشق على أثر جلسته المنعقدة في ٣٠ جويليه ١٩١٩. وفي منتصف عام ١٩٢٠ احتل الجيش الفرنسي دمشق، فبارحها، وصار عضواً مراسلاً للمجمع العلمي، واحتفظ بهذه العضوية إلى آخر أيام حياته، وأصدرت عليه فرنسا حكماً بالإعدام غيابياً أثناء مقامه في ألمانيا، قام بتحريض المغاربة -والتونسيين منهم خاصة- على الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، فكان خروجه من دمشق فراراً من تنفيذ حكم الإعدام عليه، وتوجه إلى مصر التي له فيها أصدقاء عرفهم في دمشق وإستانبول وأوربا، وفي القاهرة سمي مصححاً بدار الكتب المصرية، وهي خطة لا تسند إلا لمن تثبت مقدرته العلمية والأدبية واللغوية، وكتب في الصحف والمجلات، وألقى المحاضرات في الجمعيات، والدروس في المساجد.
وفي سنة ١٩٢٣ أسس جمعية (تعاون جاليات شمال إفريقيا)، وهدفها رفع المستوى الثقافي والاجتماعي لتلك الجاليات، وتولى رئاسة هذه الجمعية.
ولما أصدر الشيخ علي عبد الرازق كتابه "الإسلام وأصول الحكم" لم تحل علاقاته بآل عبد الرازق من قولة الصدق، وبيان وجه الحق، والرد على أحد أفرادهم، ومن الهراء زعمُ بعضهم أنه ألف الكتاب خدمة لأغراض ملك مصر أحمد فؤاد الذي كان يسعى لمبايعته بمنصب الخلافة الإسلامية بعد
стр. 6474
إلغائها في تركيا، وكأن علي عبد الرازق يرد عليه من طرف خفي، والحقيقة أن ما تضمنه الكتاب من آراء لا يوافق عليها أي عالم مسلم، فالرد عليه هو بيان لوجه الحق، وتبديد الشبهات، وإرضاء الضمير، لا خدمة لركاب أحمد فؤاد أو غيره من الأشخاص أو المؤسسات.
فلم تكد تهدأ العاصفة التي أثارها هذا الكتاب، حتى أصدر الدكتور طه حسين سنة ١٩٢٦ كتابه في "الشعر الجاهلي" الذي أثار حملة من النقود والردودة لأنه زعم أنه يطبق منهج ديكارت على الشعر الجاهلي، وتطرق إلى إنكار نزول إبراهيم بالحجاز، فهو تكذيب صريح للقرآن؛ مما زاد اشتداد الحملة عليه، وكان من بين الذين تولوا الرد عليه المترجَم له في كتابه "نقض كتاب في: الشعر الجاهلي" ويهذين الكتابين حاز شهرة في الأوساط الأدبية والعلمية، ومنح الجنسية المصرية، واجتاز امتحان شهادة العالمية في الأزهر بتفوق؛ لأن الأزهر لا يعترف بالشهادات الزيتونية، والزيتونة لا تعترف بشهادات الأزهر، وبموجب إحرازه على شهادة العالمية صار من مدرسي الأزهر في معاهده الثانوية، ولما تولى مشيخة الأزهر الشيخ محمد مصطفى المراغي سعى إلى تسمية المترجم أستاذاً في كليات الأزهر، وفي عام ١٩٥٠ طلب قبوله عضواً في هيئة كبار العلماء، ومن شروط القبول تقديم بحث علمي ممتاز، فقدم بحثاً مطولاً عن "القياس في اللغة العربية"، فقبل بالإجماع. وواصل نشاطه في ميدان الدعوة الإسلامية، فأسس جمعية (الهداية الإسلامية) في (١٣ رجب سنة ١٣٤٦ هـ / ١٦ جانفي ١٩٢٨ م) لخدمة مبادئ الدين الإسلامي وأصوله، وتولى رئاسة هذه الجمعية، وإدارة مجلتها، والتحرير فيها، كما تولى رئاسة تحرير مجلة "نور الاسلام", ومجلة "الأزهر"،
стр. 6475
ولما تأسس المجمع اللغوي بالقاهرة بمرسوم من الملك أحمد فؤاد، وصدر عنه مرسوم ثان في العام الموالي في (١٦ جمادى الثانية ١٣٥٢ هـ / ١٦ أكتوبر ١٩٣٣ م) تم بموجبه تسمية الأعضاء العاملين بالمجمع، وكان من بينهم المترجم له.
وفي يوم (الأحد ٢٥ ربيع الثاني سنة ١٣٥٦ هـ / ٤ جويليه ١٩٣٧ م) سافر إلى دمشق، فأقام بها شهرين، ثم عاد إلى القاهرة يوم الاثنين غرة رجب/ ٨ ديسمبر، واتصل فيها بأصدقائه من العلماء والأدباء الذين رحبوا بقدومه، وأقاموا له حفلات التكريم، وألقى محاضرة في قاعة المحاضرات بالمجمع العلمي عنوانها: (أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية).
ولم يترك الاهتمام بقضايا المغرب العربي، فأسس بعد الحرب العالمية الثانية (جبهة الدفاع عن شمال أفريقيا) التي قامت بعدة أعمال لفائدة المغرب العربي، وكان من بين أعضائها: الزعيم الحبيب بورقيبة عند هجرته إلى مصر، ومحيي الدين القليبي عند زيارته الأولى لمصر.
وقدم المساعدة اللازمة للمجاهد الأكبر الأستاذ الحبيب بورقيبة عند قدومه إلى مصر في مارس ١٩٤٦ الذي أوقفته السُّلَط المصرية للتثبت من هويته قبل دخوله القاهرة، وزار الزعيم المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي في السفينة الراسية في ميناء السويس.
وعندما قامت الثورة المصرية سمي شيخاً للجامع الأزهر في يوم الأربعاء (٢٧ ذي الحجة سنة ١٣٧١ هـ / ٧ سبتمبر ١٩٥٢ م)، وكان قد أحيل على التقاعد منذ سنة ١٩٥٠، ولما نحي اللواء محمد نجيب عن الحكم، ونفي إلى مكان مجهول في ٢٠ أوت ١٩٥٣، وكثرت أمراضه الجسمية، وهزلت صحته؛
стр. 6476
مما عاقته عن القيام بمسؤولياته بما يرضي ضميره، وولوعه بالمطالعة، كل هذا دعاه إلى الاستقالة من منصب مشيخة الأزهر في (٢ جمادى الأولى سنة ١٣٧٣ هـ / ٨ جانفي ١٩٥٤ م)، وعقب الاستقالة قام برحلة إلى دمشق زار فيها شقيقه الشيخ زين العابدين، ثم عاد إلى القاهرة إلى أن أدركته الوفاة ظهر يوم الأحد (١٣ رجب ١٣٧٧ هـ / ١٢ فيفري ١٩٥٨ م).
وترك وصية خطيّة طلب فيها دفنه بمقبرة آل تيمور حذو صديقه العلامة أحمد تيمور باشا الذي وجد منه المساعدة والعون عند قدومه إلى مصر سنة ١٩٢٠، كما وجد منه النصح والتقدير خلال بقية السنوات، وقد طلب فخامة رئيس الجمهورية التونسية الرئيس الحبيب بورقيبة من الأستاذ الطيب السحباني سفير تونس بمصر السعي لدى عائلة الفقيد للموافقة على دفنه في أرض الوطن، ولم تقع الموافقة عليه بالإيجاب لوصيته الخطية السالفة الذكر، ومات عن غير عقب، وترك مكتبة نفيسة أهداها إلى زوجته.
* مؤلفاته:
١ - "أسرار التنزيل"، وهي تفسير للفاتحة، وسورة البقرة، وبعض آيات من سورة آل عمران، والحج، والأنفال، ويونس.
٢ - "بلاغة القرآن"، أشرف على طبعه الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن شقيقه زين العابدين، وطبع بالمطبعة التعاونية بدمشق سنة ١٩٧٩، ص ٢١٦، جمعه مما نشر في المجلات.
٣ - "تونس وجامع الزيتونة"، أشرف على طبعه حفيده للأخ، المطبعة التعاونية بدمشق ١٩٧١، جمعه مما سبق نشره في المجلات أو الرسائل الصغيرة، وله علاقة بتونس، وخاصة تراجم العلماء المشهورين أمثال: ابن
стр. 6477
خلدون، وأسد بن الفرات، وعمر بن الشيخ، ومحمود قابادو.
٤ - "خواطر الحياة": (ديوان شعر ضخم) ط سنة (١٣٦٦/ ١٩٤٦)، وعلق عليه في الطبعة الثانية الشيخ محمد علي النجار الأستاذ بكلية اللغة العربية بالأزهر، نشرته المطبعة السلفية ومكتبتها لصاحبها الأستاذ محب الدين الخطيب أحد أصدقائه سنة (١٣٧٣/ ١٩٥٣).
٥ - "الخيال في الشعر العربي"، نشره أولاً في شكل مقالات بمجلة "المنار" خلال سنة ١٩٢١، ط، بالمطبعة الرحمانية، ٤١ ص، وط للمرة الثانية بالمطبعة السلفية (١٣٤٦/ ١٩٢٨)، -٨٤ ص، ثم أعاد طبعه الأستاذ علي الرضا الحسيني بالمطبعة التعاونية بدمشق ١٩٧٢، ٢٠٣ ص، وأضاف إليه: "الخطابة عند العرب"، و"محاضرات في البلاغة والآداب".
٦ - "الحرية في الإسلام"، محاضرة ألقاها بنادي جمعية قدماء تلامذة الصادقية مساء يوم السبت ١٧ ربيع الثاني ١٣٢٤، وهو يومئذٍ قاض ببنزرت، المطبعة التونسية ١٩٥٩، ٦١ ص، وطبعت طبعة ثانية بالأوفيست، تونس ١٩٧٢.
٧ - "رسائل الإصلاح"، جمع فيها جملة كثيرة من بحوثه في الدين، والأخلاق، والتراجم، والتاريخ، واللغة، وقد جعلها أربعة أقسام هي:
١ - الأخلاق والاجتماعيات.
٢ - قسم المباحث الدينية في أصول الدين، وأصول الفقه، والأحكام العملية.
٣ - قسم السيرة النبوية، وتراجم الرجال، والبحوث التاريخية.
٤ - قسم مباحث اللغة والآداب، وقد نشر منه في حياته ثلاثة أجزاء
стр. 6478
تدور كلها على القسمين الأولين، ط، الجزء الأول بمطبعة الهداية الإسلامية، القاهرة (١٣٥٨/ ١٩٣٨)، ص ٤٤ - ٢٤٠، وقد أعاد طبع هذا الجزء حفيده للأخ بدمشق ١٩٧١ بعد الحذف، وإضافة موضوعات من الجزء الثاني، ٢٤٠ ص.
الجزء الثاني بمطبعة حليم بالقاهرة بلا تاريخ، ص ٢٣١، وقد نقل الحفيد موضوع: (أديان العرب قبل الإسلام) إلى كتاب "محمد رسول الله"، كما نقل موضوع: التصوف إلى كتاب "الشريعة الإسلامية".
٨ - "الدعوة إلى الإصلاح"، رسالة طبعت على نفقة شقيقه السيد محمد العروسي بن الحسين، بالمطبعة العربية بتونس (١٣٢٨/ ١٩١٠)، ٤١ ص، وطبعت للمرة الثانية بالمطبعة السلفية (١٣٤٦/ ١٩٢١)، ٨٤ ص بعد أن أدخل عليها تنقيحاً في بعض الفقرات والفصول، وتحويراً في التبويب.
٩ - "الشريعة الإسلامية"، فيه معظم الجزء الثالث من "رسائل الإصلاح" في طبعتها الأولى، وأضاف إليها حفيده مقالات نشرت في مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "الهداية الإسلامية"، وأشار لها في الحواشي، المطبعة التعاونية بدمشق ١٩٧١، ٢٢٢ ص.
١٠ - "طائفة القاديانية"، المطبعة السلفية سنة (١٣٥١/ ١٩٣٢)، ٤٠ ص، وطبعت للمرة الثانية ضمن رسائل الإصلاح، ج ٣، ص ١٠٧ - ١٢٥.
١١ - "علماء الإسلام في الأندلس"، محاضرة ألقاها في نادي جمعية الشبان المسلمين باسم جمعية الهداية الإسلامية مساء يوم الأربعاء ٢٨ ذي الحجة (١٣٤٦/ ١٩٢٧)، وأردفها بخطبة في موضوع: (لماذا نحتفل بذكرى الهجرة النبوية؟) ألقاها في النادي نفسه في غرة محرم ١٣٤٧، طبعت بالمطبعة السلفية (١٣٥٧/ ١٩٢٨)، ٤٠ ص.
стр. 6479
١٢ - "القياس في اللغة العربية"، لما درّس المؤلف كتاب "مغني اللبيب" بالمدرسة السلطانية بدمشق تجمعت لديه كثير من الآراء عن القياس في اللغة العربية قدمها إلى تلاميذه، وناقشها مع بعض أصدقائه من العلماء، وقد اقترح عليه بعضهم، ومنهم: الشيخ محمد بهجة البيطار عضو المجمع العربي بدمشق جمع هذه الآراء في كتاب يساعد قراء العربية على معرفة هذا الموضوع الهام، فكتب بحثاً في القياس في اللغة نشره تباعاً في مجلة "المنار" سنة ١٩٢٢، ثم نشره في كتاب خاص في ١٢٧ ص، وطبع بالمطبعة السلفية (١٣٥٣/ ١٩٣٤)، والطبعة الثانية نشرها حفيده ضمن كتاب "دراسات في العربية وتاريخها" (ص ٥ - ١١٢)، دمشق ١٩٦٥، ثم إنه نقحه وجوّده وقدمه إلى هيئة كبار العلماء، فقبلته بالإجماع، وأصبح عضواً فيها سنة ١٩٥٠، ومما نشره وغلق عليه كتاب "الموافقات" للشاطبي، وعليه تعليقاته، وطبع بالمطبعة السلفية سنة (١٣٤١/ ١٩٢٣) في أربعة أجزاء.
١٣ - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، المطبعة السلفية (١٣٤٤/ ١٩٢٥)، ٤٤ ص ٧ + ٢٤٢.
١٤ - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، المطبعة السلفية (١٣٤٥/ ١٩٢٦)، ٧ + ٣٦٤.
* المراجع:
- "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠).
- "أركان النهضة الأدبية في تونس" (٣٩ - ٤٣).
- "أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث" لأحمد تيمور (القاهرة ١٩٦٧) (٣٧٨ - ٣٨١).
стр. 6480
- "محمد الخضر حسين: حياته، وآثاره" لمحمد مواعدة (تونس ١٩٧٤).
- "شيخ الأزهر الأسبق" دراسة مختارات سلسلة أعلامنا (٤) لأبي القاسم محمد كرو، تونس ١٩٧٣.
- "معجم المطبوعات" (١٦٥٢).
- "مجمل تاريخ الأدب التونسي" (٣٣٣ - ٣٣٧).
- "معجم المؤلفين" (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وانظر عنه، وعن مجلة "السعادة العظمى":