مما عاقته عن القيام بمسؤولياته بما يرضي ضميره، وولوعه بالمطالعة، كل هذا دعاه إلى الاستقالة من منصب مشيخة الأزهر في (٢ جمادى الأولى سنة ١٣٧٣ هـ / ٨ جانفي ١٩٥٤ م)، وعقب الاستقالة قام برحلة إلى دمشق زار فيها شقيقه الشيخ زين العابدين، ثم عاد إلى القاهرة إلى أن أدركته الوفاة ظهر يوم الأحد (١٣ رجب ١٣٧٧ هـ / ١٢ فيفري ١٩٥٨ م).
وترك وصية خطيّة طلب فيها دفنه بمقبرة آل تيمور حذو صديقه العلامة أحمد تيمور باشا الذي وجد منه المساعدة والعون عند قدومه إلى مصر سنة ١٩٢٠، كما وجد منه النصح والتقدير خلال بقية السنوات، وقد طلب فخامة رئيس الجمهورية التونسية الرئيس الحبيب بورقيبة من الأستاذ الطيب السحباني سفير تونس بمصر السعي لدى عائلة الفقيد للموافقة على دفنه في أرض الوطن، ولم تقع الموافقة عليه بالإيجاب لوصيته الخطية السالفة الذكر، ومات عن غير عقب، وترك مكتبة نفيسة أهداها إلى زوجته.
* مؤلفاته:
١ - "أسرار التنزيل"، وهي تفسير للفاتحة، وسورة البقرة، وبعض آيات من سورة آل عمران، والحج، والأنفال، ويونس.
٢ - "بلاغة القرآن"، أشرف على طبعه الأستاذ علي الرضا الحسيني ابن شقيقه زين العابدين، وطبع بالمطبعة التعاونية بدمشق سنة ١٩٧٩، ص ٢١٦، جمعه مما نشر في المجلات.
٣ - "تونس وجامع الزيتونة"، أشرف على طبعه حفيده للأخ، المطبعة التعاونية بدمشق ١٩٧١، جمعه مما سبق نشره في المجلات أو الرسائل الصغيرة، وله علاقة بتونس، وخاصة تراجم العلماء المشهورين أمثال: ابن
стр. 6477
خلدون، وأسد بن الفرات، وعمر بن الشيخ، ومحمود قابادو.
٤ - "خواطر الحياة": (ديوان شعر ضخم) ط سنة (١٣٦٦/ ١٩٤٦)، وعلق عليه في الطبعة الثانية الشيخ محمد علي النجار الأستاذ بكلية اللغة العربية بالأزهر، نشرته المطبعة السلفية ومكتبتها لصاحبها الأستاذ محب الدين الخطيب أحد أصدقائه سنة (١٣٧٣/ ١٩٥٣).
٥ - "الخيال في الشعر العربي"، نشره أولاً في شكل مقالات بمجلة "المنار" خلال سنة ١٩٢١، ط، بالمطبعة الرحمانية، ٤١ ص، وط للمرة الثانية بالمطبعة السلفية (١٣٤٦/ ١٩٢٨)، -٨٤ ص، ثم أعاد طبعه الأستاذ علي الرضا الحسيني بالمطبعة التعاونية بدمشق ١٩٧٢، ٢٠٣ ص، وأضاف إليه: "الخطابة عند العرب"، و"محاضرات في البلاغة والآداب".
٦ - "الحرية في الإسلام"، محاضرة ألقاها بنادي جمعية قدماء تلامذة الصادقية مساء يوم السبت ١٧ ربيع الثاني ١٣٢٤، وهو يومئذٍ قاض ببنزرت، المطبعة التونسية ١٩٥٩، ٦١ ص، وطبعت طبعة ثانية بالأوفيست، تونس ١٩٧٢.
٧ - "رسائل الإصلاح"، جمع فيها جملة كثيرة من بحوثه في الدين، والأخلاق، والتراجم، والتاريخ، واللغة، وقد جعلها أربعة أقسام هي:
١ - الأخلاق والاجتماعيات.
٢ - قسم المباحث الدينية في أصول الدين، وأصول الفقه، والأحكام العملية.
٣ - قسم السيرة النبوية، وتراجم الرجال، والبحوث التاريخية.
٤ - قسم مباحث اللغة والآداب، وقد نشر منه في حياته ثلاثة أجزاء
стр. 6478
تدور كلها على القسمين الأولين، ط، الجزء الأول بمطبعة الهداية الإسلامية، القاهرة (١٣٥٨/ ١٩٣٨)، ص ٤٤ - ٢٤٠، وقد أعاد طبع هذا الجزء حفيده للأخ بدمشق ١٩٧١ بعد الحذف، وإضافة موضوعات من الجزء الثاني، ٢٤٠ ص.
الجزء الثاني بمطبعة حليم بالقاهرة بلا تاريخ، ص ٢٣١، وقد نقل الحفيد موضوع: (أديان العرب قبل الإسلام) إلى كتاب "محمد رسول الله"، كما نقل موضوع: التصوف إلى كتاب "الشريعة الإسلامية".
٨ - "الدعوة إلى الإصلاح"، رسالة طبعت على نفقة شقيقه السيد محمد العروسي بن الحسين، بالمطبعة العربية بتونس (١٣٢٨/ ١٩١٠)، ٤١ ص، وطبعت للمرة الثانية بالمطبعة السلفية (١٣٤٦/ ١٩٢١)، ٨٤ ص بعد أن أدخل عليها تنقيحاً في بعض الفقرات والفصول، وتحويراً في التبويب.
٩ - "الشريعة الإسلامية"، فيه معظم الجزء الثالث من "رسائل الإصلاح" في طبعتها الأولى، وأضاف إليها حفيده مقالات نشرت في مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "الهداية الإسلامية"، وأشار لها في الحواشي، المطبعة التعاونية بدمشق ١٩٧١، ٢٢٢ ص.
١٠ - "طائفة القاديانية"، المطبعة السلفية سنة (١٣٥١/ ١٩٣٢)، ٤٠ ص، وطبعت للمرة الثانية ضمن رسائل الإصلاح، ج ٣، ص ١٠٧ - ١٢٥.
١١ - "علماء الإسلام في الأندلس"، محاضرة ألقاها في نادي جمعية الشبان المسلمين باسم جمعية الهداية الإسلامية مساء يوم الأربعاء ٢٨ ذي الحجة (١٣٤٦/ ١٩٢٧)، وأردفها بخطبة في موضوع: (لماذا نحتفل بذكرى الهجرة النبوية؟) ألقاها في النادي نفسه في غرة محرم ١٣٤٧، طبعت بالمطبعة السلفية (١٣٥٧/ ١٩٢٨)، ٤٠ ص.
стр. 6479
١٢ - "القياس في اللغة العربية"، لما درّس المؤلف كتاب "مغني اللبيب" بالمدرسة السلطانية بدمشق تجمعت لديه كثير من الآراء عن القياس في اللغة العربية قدمها إلى تلاميذه، وناقشها مع بعض أصدقائه من العلماء، وقد اقترح عليه بعضهم، ومنهم: الشيخ محمد بهجة البيطار عضو المجمع العربي بدمشق جمع هذه الآراء في كتاب يساعد قراء العربية على معرفة هذا الموضوع الهام، فكتب بحثاً في القياس في اللغة نشره تباعاً في مجلة "المنار" سنة ١٩٢٢، ثم نشره في كتاب خاص في ١٢٧ ص، وطبع بالمطبعة السلفية (١٣٥٣/ ١٩٣٤)، والطبعة الثانية نشرها حفيده ضمن كتاب "دراسات في العربية وتاريخها" (ص ٥ - ١١٢)، دمشق ١٩٦٥، ثم إنه نقحه وجوّده وقدمه إلى هيئة كبار العلماء، فقبلته بالإجماع، وأصبح عضواً فيها سنة ١٩٥٠، ومما نشره وغلق عليه كتاب "الموافقات" للشاطبي، وعليه تعليقاته، وطبع بالمطبعة السلفية سنة (١٣٤١/ ١٩٢٣) في أربعة أجزاء.
١٣ - "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم"، المطبعة السلفية (١٣٤٤/ ١٩٢٥)، ٤٤ ص ٧ + ٢٤٢.
١٤ - "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، المطبعة السلفية (١٣٤٥/ ١٩٢٦)، ٧ + ٣٦٤.
* المراجع:
- "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" (٢/ ١٩٣ - ٢٣٠).
- "أركان النهضة الأدبية في تونس" (٣٩ - ٤٣).
- "أعلام الفكر الإسلامي في العصر الحديث" لأحمد تيمور (القاهرة ١٩٦٧) (٣٧٨ - ٣٨١).
стр. 6480
- "محمد الخضر حسين: حياته، وآثاره" لمحمد مواعدة (تونس ١٩٧٤).
- "شيخ الأزهر الأسبق" دراسة مختارات سلسلة أعلامنا (٤) لأبي القاسم محمد كرو، تونس ١٩٧٣.
- "معجم المطبوعات" (١٦٥٢).
- "مجمل تاريخ الأدب التونسي" (٣٣٣ - ٣٣٧).
- "معجم المؤلفين" (٢/ ٢٧٩ - ٢٨٠)، وانظر عنه، وعن مجلة "السعادة العظمى":
стр. 6481
محمد الخضر حسين (١) (١٢٩٣ - ١٣٧٧ هـ) (١٨٧٦ - ١٩٥٨ م)
خير الدين الزركلي
محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي: عالم إسلامي، أديب، باحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر.
ولد في "نفطة" (من بلاد تونس)، وانتقل إلى تونس مع أبيه (سنة ١٣٠٦) وتخرج بجامع الزيتونة. ودرّس فيه. وأنشأ مجلة "السعادة العظمى" سنة (١٣٢١ - ٢٣)، وولي قضاء "بنزرت" (١٣٢٣)، واستعفى، وعاد إلى التدريس بالزيتونة (سنة ٢٤)، وعمل في لجنة تنظيم المكتبتين: العبدلية، والزيتونة. وزار الجزائر ثلاث مرات، ويقال: أصله منها. ورحل إلى دمشق (سنة ٣٠)، ومنها إلى الآستانة. وعاد إلى تونس (٣١)، فكان من أعضاء (لجنة التاريخ التونسي)، وانتقل إلى المشرق، فاستقر في دمشق مدرساً في المدرسة السلطانية قبل الحرب العالمية الأولى.
وانتدبته الحكومة العثمانية في خلال تلك الحرب للسفر إلى "برلين" مع الشيخ عبد العزيز جاويش وآخرين، فنشر بعد عودته إلى دمشق سلسلة
стр. 6482
من أخبار رحلته، في جريدة "المقتبس" الدمشقية.
ولما احتل الفرنسيون سورية، انتقل إلى القاهرة (١٩٢٢)، وعمل مصححًا في دار الكتب خمس سنوات. وتقدم لامتحان (العالمية) الأزهرية، فنال شهادتها. ودرّس في الأزهر. وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية، وتولى رئاستها، وتحرير مجلتها. وترأس تحرير مجلة "نور الإسلام" الأزهرية، ومجلة "لواء الإسلام"، ثم كان من (هيئة كبار العلماء)، وعُين شيخاً للأزهر (أواخر ١٣٧١)، واستقال (٧٣)، وتوفي بالقاهرة. ودفن بوصية منه في تربة صديقه أحمد تيمور (باشا).
وكان هادئ الطبع، وقوراً، خص قسماً كبيراً من وقته لمقاومة الاستعمار، وانتخب رئيساً لجبهة الدفاع عن شمال إفريقية. في مصر. وله تًاليف، منها "حياة اللغة العربية- ط "، و "الخيال في الشعر العربي- ط "، و"مناهج الشرف- ط "، و"طائفة القاديانية- ط "، و"مدارك الشريعة الإسلامية- ط "، و"الحرية في الإسلام- ط "، محاضرة، و"نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم- ط "، و"نقض كتاب في الشعر الجاهلي- ط "، و "خواطر الحياة- ط " ديوان شعره، و"بلاغة القرآن- ط "، و"محمد رسول الله- ط "، و"السعادة العظمى- ط "، و"تونس وجامع الزيتونة-" (١).
стр. 6483
محمد الخضر حسين شيخ الأزهر (١) (١٢٩٣ - ١٣٧٧ هـ) (١٨٧٣ - ١٩٥٨ م)
محمد مطيع الحافظ، ونزار أباظة
محمد الخضر، أو الأخضر (٢) بن الحسين الشريف التونسي.
ولد ببلدة "نفطة" (٣) في (٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ، الموافق ٢١ تموز ١٨٧٣ م) لأسرة تهتم بالعلم، وتتصف بالفضل، وكان والده وجدّه من كبار العلماء، واشتهر خاله محمد المكي بن عزوز في تونس والجزائر وإستانبول، ويرجع أصل أسرته إلى أسرة العمري من قرية "طولقة"، إحدى واحات الجنوب الجزائري.
نشأ في بلدة "نفطة" بجو أسرته العلمي، فحفظ القرآن الكريم، ثم رحل به والده في ربيع الأول من سنة ١٣٠٦ إلى تونس العاصمة لتلقي العلوم بجامع الزيتونة، وصحب معه إخوته: محمد الجنيدي، ومحمد العروسي،
стр. 6484
ومحمد المكي (على اسم خاله)، وزين العابدين. وفي تونس التحق بجامع الزيتونة سنة (١٣٠٧/ ١٨٨٧)، والتقى بالطبقة العالية من علمائه، وأشهرهم خاله الشيخ محمد المكي بن عزوز (ت ١٣٣٣)، والشيخ عمر بن الشيخ (ت ١٣٢٩)، والشيخ محمد النجار (ت ١٣٢٩)، وبه تأثر في الاتجاه المحافظ، والشيخ سالم بو حاجب (ت ١٣٤٣)، وتأثر به في الاتجاه الإصلاحي. والشيخ مصطفى رضوان، والشيخ إسماعيل الصفايحي. وقد بقيت صلته بشيوخه هؤلاء حتى سفره إلى المشرق.
واصل الشيخ دراسته في الزيتونة باهتمام، حتى حصل على شهادة التطويع منه سنة ١٣١٦، وكان قبل انتهاء دراسته طُلب للمشاركة في بعض القضايا العلمية، فأبى.
ثم حاول القيام برحلة إلى الشرق عن طريق ليبيا، فخرج سنة ١٣١٧، لكنه لم يجاوز حدود مدينة طرابلس، فرجع إلى تونس. وبعد سنوات قام بزيارة إلى الجزائر دفعه إليها الصلة بين أصله الجزائري، وميله إلى الرحلة للعلم، فوصلها سنة ١٣٢١. ثم قام برحلة إليها ثانية في السنة التالية. وهناك تعرف على عدد كبير من الشيوخ؛ كالشيخ محمد بن شنب، والشيخ عبد القادر المجاوي. وفي هذه المدة أصدر مجلة "السعادة العظمى"، التي توقفت سنة (١٣٢٣ هـ / ١٩٠٥ م).
تولى إثر ذلك القضاء في "بنزرت" بتأثير من الشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وبقي فيه أشهراً قليلة، قدّم بعدها استقالته، ورجع إلى بلده تونس سنة ١٣٢٤؛ ليباشر التدريس بجامع الزيتونة، إضافة إلى عمله فيه بتنظيم المكتبة.
стр. 6485
وفي سنة ١٣٢٦ عيّن مدرساً بالصادقية، وكلف بالخطابة في جامع الخلدونية.
ولما قامت الحرب بين الطليان والدولة العثمانية، كان من أعظم الدعاة للوقوف في وجه العدو، ونشر في جريدته ما يحمّس ضدّ الاحتلال الإيطالي.
رغب بالرحلة إلى الشرق، واشتاق إليه إثر انتقال إخوته الثلاثة إلى دمشق، واستقرارهم بها، فرحل سنة ١٣٣٠ قاصداً بلاد الشام. واستغرقت رحلته أربعة أشهر وستة أيام، زار خلالها جزيرة مالطة، والإسكندرية، ثم القاهرة، واجتمع فيها بكبار العلماء، وألقى درساً في الأزهر، ثم بورسعيد، ويافا، وحيفا، ودخل دمشق أول رمضان سنة (١٣٣٠/ ٣١ تموز ١٩١٢)، وفيها التقي بإخوته، واستقبله علماء دمشق ووجهاؤها استقبالاً حاراً، وألقى دروساً في الجامع الأموي، وبقي فيها شهر رمضان جممله. وزار خلال ذلك المؤسسات الثقافية، ثم غادرها في ٢ شوال، وقصد بيروت، فالتقى فيها ببعض رجالات الفكر؛ كالسيد شفيق المؤيد. ومنها سافر إلى إستانبول، لزيارة خاله وأستاذه الشيخ محمد المكي بن عزّوز. وبقي في تركيا ما يقارب الشهرين، واتصل بكبار علمائها صحبة خاله. ثم غادرها إلى تونس، حيث وجد قراراً بفصله ينتظره هناك لسبب سياسي، لما قام به من أعمال تمسّ النظام الفرنسي الحاكم بتونس، فواصل على الأثر نشاطه العلمي، والتدريس في نادي جمعية قدماء الصادقية، وغيره، ونشر حديثاً ببعض الصحف عن رحلته.
بعد ذلك رغب بالهجرة إلى الشام، فودع زوجته سنة (١٣٣١/ ١٩١٢)، وقد رفض أهلها أن ترافقه، فحزن على فراقها، وأنشد:
جارتي منذ ضحوة العمر عذراً ... لأخي خطرة نأى عنه بيتك
стр. 6486
قال يوم الوداع وهو يعاني ... سكرة البين: ليتني ما عرفتك
قصد أول أمره مصر، فاتصل بعدد من علمائها؛ كالشيخ رشيد رضا، ثم انتقل إلى دمشق، فأقام بها مدة يسيرة، سافر بعدها إلى الحجاز، ثم ألبانيا، والآستانة، ثم رجع إلى دمشق، واستقرّ بها مع إخوته في حيّ الميدان.
بدأ دروسه بدمشق بالجامع الأموي، والتدريس بالمدرسة السلطانية، فقدره أهل العلم، وتوثقت الصداقة بينه وبين الشيخ عبد الرزاق البيطار، والشيخ جمال الدين القاسمي. وبعد وفاة هذا الأخير قرأ عليه طلابه أمهات الكتب؛ كـ"المستصفى في أصول الفقه" للغزالي، و"بداية المجتهد" في علم الخلاف لابن رشد، و"المغني في النحو" لابن هشام، و"الكامل في الأدب" للمبرد، و"صحيح مسلم"، فكان في ذلك كله إماماً مستقلاً مستدلاً.
شارك في الكتابة بالصحف والمجلات، وكان له اهتمام واضح بالمشكلة العربية التركية، ودعا للألفة بين العرب والأتراك في ظل الخلافة العثمانية. وكان جلّ اهتمامه بالعلم والعلماء بدمشق. قال عنها: "نزلت دمشق، وللشعر فيها سوق غير كاسدة، ولكني آثرت أن أصرف القريحة في البحث العلمي، أو في العمل للقضية الإسلامية بقدر ما أستطيع" (١).
وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى، وتولى جمال باشا السفاح حكم سورية، عمل الشيخ مع عدد من المفكرين ضدّ حكمه الجائر، فسجن يوم ١٥ آب ١٩١٦، متهماً بالتستر على المتآمرين، وحوكم، ثم أطلق سراحه، بعد أن بقي في السجن حتى يوم ٢٩ كانون الثاني ١٩١٧. وحزّ في نفسه وهو سجين أن يمنع من المطالعة والكتابة، وقال في هذا:
стр. 6487
غلّ ذا الحبسُ يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذود الغمض من مقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليست الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما
وعاد بعد سجنه إلى التدريس في المدرسة السلطانية، والجامع الأموي.
ثم استدعي للعمل في الآستانة منشئاً عربياً بوزارة الحربية، بسعي من الشيخ حسن ظافر، وعلي باش حامبة الزعيم التونسي؛ ليتولى الإرشاد في جامع الفاتح.
ولما استقر في الآستانة، كان خاله قد توفي سنة ١٣٣٤، فباشر عمله، ثم كلف بمهمة في ألمانيا صحبةَ عدد من العلماء؛ كالشيخ صالح الشريف، وإسماعيل الصفائحي التونسيينِ، وبقي هناك تسعة أشهر على اتصال مع النازحين من ظلم الفرنسيين إلى ألمانيا. وتعلم خلال شهر اللغة الألمانية. ثم رجع إلى الآستانة، فبقي فيها مدة قليلة، عاد بعدئذٍ منها إلى "برلين" سنة ١٣٣٧، ومكث بها سبعة أشهر حتى انتهت الحرب العالمية، وحين هزمت تركيا، رجع إلى الآستانة، ومنها إلى دمشق، التي دخلتها الجيوش العربية بقيادة الأمير فيصل.
وفي دمشق تابع التدريس بالمدرسة السلطانية وغيرها. وعندما تأسس المجمع العربي سنة ١٩١٩، وعقد جلسته الأولى في ٣٠ تموز من هذه السنة، وقع تعيينه عضو شرف (١).
стр. 6488
وبعد معركة ميسلون سنة (١٣٣٩/ ١٩٢٠) رحل إلى مصر هروباً من الحكم الفرنسي، الذي لاحقه خفية في تونس، ثم حكم عليه بالإعدام غيابيًا؛ لاتهامه إياه بالمشاركة بتحريض المغاربة في ألمانيا وتركيا ضدّ السلطة الفرنسية في شمال إفريقية، فأحزن سفره أصدقاءه ومحبيه في الشام، ومنهم: الأستاذ الشاعر خليل مردم، الذي وجه إليه -فيما يقول بعد- رسالة رقيقة تدل على مكانته عند الشاميين، وصداقته لهم، وفيها قوله:
إنّ خير ما أثبته في سجل حياتي، وأشكر الله عليه: معرفتي للأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي، وإخوانه الفضلاء، وصحبتي لهم. وقد صحبت الأستاذ عدة سنين، رأيته فيها الإنسان الكامل، الذي لا تغيره الأحداث والطوارئ، فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين، حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار، فتراءت لي حقيقة المثل: "بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاضل".
وأتبع الشاعر رسالته بقصيدة سماها: الرتيمة (١)، ومطلعها:
طيفٌ للمياء ما ينفك يبعث لي ... في آخر الليل إن هوّمت أشجانا
يغري الدموع بأجفان مسهَّدَةٍ ... من حيث يوري على الأحشاء نيرانا
فلو تراني وأمر الليل مجتمع ... مشتت الرأي إثر الطيف حيرانا
حسبتني مطفلاً قد ضلّ واحدُها ... عنها فطبقت الآفاق تحنانا
إلى أن قال:
كاد أقضي جَوًى والدار جامعة ... فكيف حالي إذا وقت النوى حانا؟!
стр. 6489
فأجابه الشيخ بقصيدة عنوانها: (الصداقة هي الرتيمة)، ومطلعها:
ما النجم تجري به الأفلاك غَسَقٍ ... كالدر تقذفه الأقلام في نَسَقِ
ومنها قوله:
هي الرتيمة فيما قال مبدعها ... وهل يغيب السنا عن طلعة الفلق
إني على ثقة من أنّ ذكرك لا ... ينفك مرتسماً في النفس كالُخُلق
وكيف أنسى (خليلًا) قد تضوَّع في ... حشاشتي ودُّه كالعنبر العَبِقِ
ولم ينس الشيخ بقية أصدقائه العلماء في دمشق، كما أنه لم ينس ما وجده في دمشق من تقدير واحترام، جعلاه يذكر تلك المرحلة من حياته في كل مناسبة، ويميزها عن بقية مراحل حياته. ويصف رحلته إلى الشام. فيقول: "هذه الأوطان الثلاثة: (تونس، وسورية، ومصر) التي قضيت بها عمراً غير قصير، وإذا كان فضل العلماء والمحققين، والأدباء المستقيمين، والرؤساء الراشدين قد غطى في تونس ومصر على ما أشرت إليه من مناوأة بعض الغافلين أو الجاحدين حتى أنسى، ولم تبلغ أن يكون لها في حياتي الأدبية أثر، فإن الأعوام التي قضيتها بين أهل دمشق، لم أشعر فيها -على ما أذكر- إلا برقة العطف، وحسن اللقاء أينما كنت، فإذا حننت إلى دمشق، فإنما أحن إلى الخلق الكريم، والأدب الأخاذ بالألباب، وقد شهد لها بهذه المزايا كثير من نزلائها العلماء والأدباء من قبلي".
ولما استقر في القاهرة بعيداً عن أهله وأقاربه وأصدقائه ومحبيه، تقدم إلى امتحان العالمية الأزهرية، فنال شهادتها، واتصل ببعض المصريين الذين عرفهم في زياراته السابقة لمصر، وتعرف إلى العلامة أحمد تيمور، وقدّر
стр. 6490
مكانته وقيمته العلمية، وساعده هذا الأخير على الاستقرار، وكان بينهما محبة وود.
عمل الشيخ مصححاً بدار الكتب المصرية، واشتغل بالفهارس، إضافة إلى الدروس والمحاضرات التي كان يلقيها في المساجد، والبحوث والمقالات التي يكتبها في الصحف والمجلات.
أسس محمد الخضر في مصر (جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية) (١٣٤٣/ ١٩٢٤)، ضمت أعضاء من تونس والجزائر والمغرب وليبيا. وكانت مهمتها رفع مستوى هذه الجاليات ثقافياً واجتماعياً. كما أسس (جمعية الهداية الإسلامية) سنة (١٣٤٦/ ١٩٢٧). وكان من أعضائها الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر، والشيخ عبد الحليم النجار. وكانت تهدف إلى تمتين الصلات بين الشعوب الإسلامية، والتعريف بحقائق الإسلام، ورفع شأن اللغة العربية، عن طريق إلقاء المحاضرات، وإصدار المجلة المعروفة باسم هذه الجمعية. وقد استمرت هذه المجلة حتى الحرب العالمية الثانية.
وظهر تقدير علماء مصر للخضر حسين عندما وقع الاختيار عليه ليقوم بالتدريس في قسم التخصيص بالجامع الأزهر سنة (١٣٤٦ هـ / ١٩٢٧ م).
وعندما أسندت مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد الأحمدي الظواهري (ت ١٩٤٤)، اهتم بمشروع مجلة دينية، فصدرت مجلة "نور الإسلام " التي تمثل الجامع الأزهر، وتولى إدارتها عبد العزيز محمد، ورئاسة تحريرها محمد الخضر حسين. إضافة إلى الإشراف العلمي عليها. وهو الذي كتب افتتاحية العدد الأول الذي صدر في المحرم من سنة ١٣٤٩ هـ.
ثم ترأس الشيخ تحرير مجلة "لواء الاسلام"، وكان من هيئة كبار العلماء.
стр. 6491
وعندما أنشئ مجمع فؤاد الأول في القاهرة مشة (١٣٥١/ ١٩٣٢)، كان محمد الخضر من بين الأعضاء الأوائل، الذين صدر مرسوم بتعيينهم سنة (١٣٥٢/ ١٩٣٣)، وكان له نشاطه البارز في أعمال المجمع العلمية.
طان خلال حياته في مصر يتلهف إلى زيارة دمشق، ويحنّ إليها في كل مناسبة، وهو القائل عنها:
أحنّ إلى لياليها كصبٍّ ... يحنّ إلى ليالي الرقمتينِ
ومطمح همتي في أن أراها ... تسامي في علاها الفرقدينِ
واستجابة لهذا الشوق، وتلبية لرغبة أسرته، سافر إلى دمشق في ٢٥ ربيع الثاني سنة (١٣٥٦/ ١٩٣٧)، وأقام بها شهرين، وكتب في مجلة "الهداية الإسلامي" حديثاً عن هذه الرحلة، تكلم فيه عن اجتماعه بالعلماء الشاميين، واستقبالهم له في عدد من حفلات التكريم، التي كانت تقام له (١).
وألقى بدمشق في بهو المجمع العلمي العربي محاضرة عنوانها: (أثر الرحلة في الحياة العلمية والأدبية) (٢)، ختمها بقصيدة مطلعها (٣):
زارها بعد نوى طال مداها ... فشفى قلباً مجداً في هواها
ومنها قوله:
راحَ نشوانَ ولا راح سوى ... أن رأى الشام وحيّاه شذاها
نظرة في ساحها تُذْكره ... كيف كان العيش يحلو في رباها
стр. 6492
ما شكا فيها اغتراباً وإذا ... حدثته النفس بالشكوى نهاها
ثم يقول:
فهنا قامت نوادي فتية ... تبلغ النفسُ بلقياهم مناها
أدب يزهو كزهر عطرٍ ... أرشفته السحبُ من خمر نداها
ملؤوا جلق أنساً فأرى ... ليلها طلقَ المحيا كضحاها
شدّ ما لاقوا خطوباً فانتضوا ... مرهفاتِ العزم طعناً في لَهاها
وعقّب على المحاضرة الشيخ محمد بهجة البيطار، عضو المجمع، فألقى كلمة تحدث فيها عن الشيخ محمد الخضر، وأثنى عليه.
وزار محمد الخضر دمشق مرة أخرى سنة (١٣٦٣/ ١٩٤٣)، فاحتفى به أهلها، وعند وداعه أقاموا له حفلًا ضمّ رجالات النهضة الإصلاحية، وألقى هو قصيدة مطلعها:
ولدتك تبغي في الحياة أنيساً ... يرعى عقولاً أو يقود خميسا
ولربَّ أمٍّ أملت في طفلها ... همم الملوك فقام يحدو العيسا
وعند مغادرته دمشق، وجّه رسالة إلى علمائها وأدبائها، شكر لهم فيها بقوله: "ما أبهج أياماً قضيتها في ربوع دمشق. وما بهجة الأيام إلا أن تلقى وجوهاً باسمة، وأنظارًا سامية، ومعارف زاهرة، وآداباً زاهرة، وغيرة على الكرامة ملتهبة".
فكان حنينه إلى دمشق لا ينقضي، ولا يزال ينشد شعره يتغنى بها دوماً، ومن ذلك قوله يخاطب شقيقه الشيخ زين العابدين، وقد دعاه لزيارة دمشق والتمتع بربيعها:
стр. 6493
دعوتَ إلى دمشق وفي فؤادي ... لها شوق أحر من الهجير
تقول: حنا الربيع على رباها ... وحاك طنافسَ الزهر النضير
وهب نسيمها الفياح يُهدي ... إلى أرجائها أزكى عبير
هلم نُعد بها عهداً مليئاً ... بما نهواه من عيش غرير
أثرت بمهجتي ذكرى ليالٍ ... قضيناها بدمر في حبور
وكان الشيخ محمد الخضر متفتحاً للقاء الشخصيات المهمة، يزورها، ويأنس بها، ويودها. وقد زار الأمير محمد عبد الكريم الخطابي (١) عندما رست باخرته بميناء السويس في منتصف ليلة السبت ١١ رجب (١٣٦٦/ ١٩٤٦)، وقال بعد عودته من زيارته:
قلت للشرق وقد قام على ... قدم يعرض أرباب المزايا
أرني طلعة شهم ينتضي ... سيفه العضب ولا يخشى المنايا
стр. 6494
أرنيها إنني من أمة ... تركب الهول ولا ترضى الدنايا
فأراني بطل الريف الذي ... دحر الأعداء فارتدوا خزايا
غضبة حرّاء هزّته لأن ... يقنذ المغرب من أيدي الرزايا
شبّ حرباً لو شددنا أزرها ... لأصابت كل باغ بشظايا
وبعد قيام الثورة في مصر سنة (١٣٧٢/ ١٩٥٢) وقع الاختيار على الشيخ محمد الخضر ليكون شيخاً للأزهر (١)، ولم يُقبل منه اعتذاره بسبب كبر سنه، إذ أشرف على الثمانين، وكان أُحيل على التقاعد سنة (١٣٧٠/ ١٩٥٠). وبعد أن درّس في الأزهر عشرين سنة، وأقنعه وزير الأوقاف بالقبول، فتولى المشيخة حتى شهر جمادى الأولى من عام (١٣٧٣/ ١٩٥٤)، فقرر الاستقالة من المشيخة؛ لهزاله، وتأخر صحته.
عكف بعدئذٍ على كتبه في منزله، وبقي يتابع أعماله العلمية مع أعماله في مجمع اللغة العربية، واجتماعاته في جميعية كبار العلماء، وكتاباته في المجلات، ومجالساته العلمية مع أصدقائه ومحبيه. وبقي على هذه الحال حتى وافاه الأجل.
ترك محمد الخضر مؤلفات عديد: كتباً، وشعراً، ورسائل، ومحاضرات:
أ - المقالات:
- "السعادة العظمى" (مجلة صدر عددها الأول في نيسان ١٩٠٤ بتونس، وأغلب مقالاتها من تحريره، واستمرت حتى كانون الثاني ١٩٠٥).
стр. 6495
- "رسائل الإصلاح" (مقالات في الأخلاق والاجتماع والدين) (١).
- "بلاغة القرآن" (٢).
- "تونس وجامع الزيتونة" (٣).
ب - المحاضرات:
- "الحرية في الإسلام" (٤).
- "حياة اللغة العربية" (٥).
- "العظمة النبوية" (٦).
- "الخطابة عند العرب" (٧).
- "علماء الإسلام في الأندلس" (٨).
ج - الكتب:
- "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" (رد على الشيخ عبد الرازق في أسلوب الحكم في الإسلام) (٩).
стр. 6496
- "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" (رد على الدكتور طه حسين) (١).
- "دراسات في العربية وتاريخها" (٢).
- "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" (٣).
- "مناهج الشرف".
- "طائفة القاديانية".
- "مدارك الشريعة الإسلامية".
د - الرسائل والبحوث:
- "الدعوة إلى الإصلاح" (محاضرات في إصلاح المجتمع).
- "الخيال في الشعر العربي".
- "القياس في اللغة العربية".
- "محمد رسول الله وخاتم النبيين".
وبدأ محمد الخضر بنظم الشعر وله اثنتا عشرة سنة. ثم نضج شعره. وله ديوان سماه: "خواطر الحياة"، تناول فيه أغراضاً شعرية متنوعة، أهمها: الإخوانيات، والرثاء، والوصف، والوجدانيات، والإسلاميات، إضافة إلى ما أهمه من قضايا وطنه الكبير.
ومن ذلك قوله بمناسبة احتلال الإيطاليين لليبيا:
ردوا إلى مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دهى حقبا
стр. 6497
ولا تعود إلى شعب مجادته ... إلا إذا غامرت هماته الشهبا
حياكم الله قومي إنّ خيلكم ... قد ضمّرت والسباق اليوم قد وجبا
وقال في رثاء أمه التي توفيت سنة (١٣٣٥/ ١٩١٦):
قطّب الدهر فأبديتِ ابتساما ... وانتضى الخطب فما قلت سلاما
لست أدري أن في كفيك يا ... دهر رزءاً يملأ العين ظلاما
لست أدري أنك القاذف في ... مهجتي ناراً ومُذْكيها ضِراما
فإذا العين ترى عن كثب ... كيف تلقى نفسي الأخرى حِماما
يا سقاةَ التراب ماءً هاكُم ... عبراتي إنّ في الجفن جماما
أفلا يبكي الفتى نازحة ... سهرت من أجله الليل وناما؟!
(بنت عزوز) لقد لقنتنا ... خشية الله وأن نرعى الذماما
ودرينا منك ألا نشتري ... بمعالينا من الدنيا حُطاما
ودرينا كيف لا نعنو وإن ... حارب الحق وإن سل الحساما
كنتِ نوراً في حمانا مثلما ... مجتلى البدر إذا البدر تسامى
كان لي منك إذا أشكو النوى ... كتب تحمل عطفاً وسلاماً
فادخلي في سلف قمتِ على ... هديه الحق وأحسنتِ القياما
واسعدي نزلاً إلى الملقى إلى ... يوم لا نخشى على الأنس انصراما
وقال عندما دخل القطار في بساتين دمشق لأول مرة سنة ١٣٣٠ هـ:
لج القطار بنا والنار تسحبه ... ما بين رائق أشجار وأنهار
ومن عجائب ما تدريه في سَفَر ... قوم يقادون للجنات بالنار
ومن جميل شعره قوله:
стр. 6498
أنشدتنا شعر لهفان على ... وصل ليلى وليالي الرقمتين
قلت خلّي ذكر من قال ولم ... يبرز المعنى: رأت بدراً بعيني
واذكري يوم تلاقينا على ... ربوة والماء صافٍ كاللجين
غادة ترنو إلى ورد الربا ... وفتى يلحظ ورد الوجنتين
وهذه الأبيات تشير إلى قول الشاعر المشهور:
رأت قمر السماء فأذكرتني ... ليالي وصلها بالرقمتين
وقال:
رأت إذ كنت تخطبها غراماً ... ومن بعد البناء رأت نشوزا
أكانت يوم خطبتها فتاة ... وصارت إذ بنيتَ بها عجوزا؟!
هي العقبى لمن ركبت هواها ... وكم أخزى الهوى عرضاً عزيزا
ولو نشدت أخا خلق مجيدٍ ... بنت حرزاً لعصمتها حريزا
وقال يخاطب صلاح الدين الأيوبي
لو لم تبلّغك الحياة مناكا ... لكفاك أنك قد قهرت عداكا
لك سيرة كادت تمثل للنهى ... بشراً ينافس في العلا أملاكا
ومفاخر يوم استغاث الشرق من ... خطر ألم ولم يُجره سواكا
أيتاح للشرق المعذب ذائد ... يرمى ويبلغ في النضال مداكا؟
وقال في حب الوطن:
وطني علمتني الحب الذي ... يدع القلب لدى البين عليلا
لا تلمني إن نأى بي قدر ... وغدا الشرق من الغرب بديلا
стр. 6499
عزمة قد أبرمتها همة ... وجدت للمجد في الظعن سبيلاً
أنا لا أنسى على طول النوى ... وطناً طاب مبيتاً ومقيلا
في يميني قلم لا ينثني ... عن كفاح ويرى الصبر جميلا
هو ذا طاعنْ به خصمك من ... قبل أن تخترط السيف الصقيلا
وعندما زار مصنع الزجاج بدمشق قال:
إن هذا الزجاج يُصنع كأساً ... ليبيت الحليم منا سفيها
ويصوغ الدواة من بعد كأسٍ ... ليصيرالجهول حبراً نبيها
فهو كالفيلسوف ينفث غياً ... ثم يأتي بما يروق الفقيها
كان الشيخ محمد الخضر رجل علم وشريعة، متمكناً في علومه، الأمر الذي أهّله لمشيخة الأزهر، معتدلاً في أموره، غير متعصب في دينه، ولا مجدد التجديد الذي يحمّل الشريعة فوق ما تتحمل، فقد كان يتمسك بالقرآن الكريم، والسنّة المطهرة، ويعتمد عليهما الاعتماد المطلق، ويقول في هذا المجال: "يقع في وهم من لا يدري ما الإسلام: أن شريعته لا توافق حال العصر الحاضر، ويبني توهمه هذا على أن القوانين إنما تقوم على رعاية المصالح، ومصالح العصور تختلف اختلافاً كثيراً. فالدعوة إلى بقاء أحكامها نافذة، هي في نظره دعوة إلى خطة غير صالحة، ذلك ما نقصد إلى تفنيده، وتفصيل القول في دفع شبهته، حتى يثبت بالدليل المرئي رأي العين: أن الشريعة الغراء تساير كل عصر، وتحفظ مصالح كل جيل".
وكان الشيخ محمد الخضر لغوياً، مصلحاً، دؤوباً على العلم والعمل، هادئ الطبع، وقوراً، خصص قسماً كبيراً من وقته لمقاومته الاحتلال.
стр. 6500
توفي بالقاهرة في ١٣ رجب ١٣٧٧ هـ وفق ٢ شباط (فبراير) ١٩٥٨ م. وحضر تشييع جنازته كبار رجال الدولة، وعدد من علماء الشرق، ودفن في المقبرة التيمورية بوصية منه، حذو صديقه العلامة أحمد تيمور.
* المراجع:
- "الأعلام" (٦/ ١١٤)، خير الدين الزركلي.
- "أعلام الإسلام" (٢٦٩)، محمد سعيد الطناوي.
- "أعلام الفكر الإسلامي" (٣٧٨ - ٣٨١)، أحمد تيمور.
- "تاريخ المجمع العلمي العربي" أحمد الفتيح.
- مجلة "مجمع اللغة العربية" (٥/ ٥٠، ٣٩٦، ٥٦٩ - ٦/ ٥٧٧ - ٧/ ٢، ٤٧٥ - ٨/ ٤١٠ - ٩/ ٩ - ٣٣/ ٣٣٦ - ٣٣٨ - ١٥/ ٢٨٥).
- "مجمع اللغة العربية في ثلاثين عاماً"، مهدي علّام.
- "محاضرات المجمع العلمي العربي".
- "محمد الخضر حسين" (سلسلة أعلامنا)، أبو القاسم محمد كرو.
- "محمد الخضر حسين: حياته وآثاره"، محمد مواعدة.
- "معجم المؤلفين" (٩/ ٢٧٩ - ١٣/ ٤١٨)، محمد رضا كحالة.
- "المعجم الوجيز للمستجيز".
- "ملف الشيخ محمد الخضر حسين في المجمع العلمي العربي بدمشق".
- "يوم ميسلون"، ساطع الحصري.
стр. 6501
مشاهير القرن العشرين محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر وأحد زعماء النهضة الإسلامية (١)
محمد بوذينة
"نفطة" تونس ٢٣ جويلية ١٨٧٣ - القاهرة ١٢ فيفري ١٩٥٨.
نشأ بـ"نفطة"، ثم التحق بجامع الزيتونة، وتفقه إلى أن صار من العلماء الأفذاذ.
أسس أول مجلة صدرت بتونس وهي مجلة "السعادة العظمى" (١٩٠٤)، وتولى منصب قاض شرعي بـ"بنزرت" (١٩٠٥)؛ كما تولى الخطابة والتدريس بجامعها الكبير.
وفي سنة ١٩٠٦ تقدم بأول محاضرة علنية قامت في تونس عن الحرية، وهي المحاضرة التي ألقاها في نادي قدماء الصادقية بعنوان: (الحرية في الإسلام)، وهي من الأعمال الأولى الدالة على شجاعته ووطنيته وحبه لبلاده.
وفي نفس السنة قدم استقالته من منصب القضاء، وعاد إلى العاصمة ليلقي دروسه العلمية تطوعاً في جامع الزيتونة. وفي ١٩٠٧ شارك في مناظرة التدريس بالجامع الأعظم، وعين أستاذاً بالمدرسة الصادقية. وانتدبته الجمعية
стр. 6502
الخلدونية ليلقي دروس الآداب والإنشاء على طلابها.
وفي سنة ١٩١٢ شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، وحرم من النجاح باطلاً وعدواناً، فحز في نفسه أن تكون سياسة الظلم والمحاباة مسيطرة على الحياة العلمية بتونس. وبدأ منذ هذه الحادثة يفكر في الهجرة نهائياً إلى الشرق.
في سنة ١٩١٥ رحل إلى المشرق، واستقر بدمشق، وعين أستاذاً في المدرسة السلطانية؛ حيث مكث إلى سنة ١٩١٧، وتحول إلى تركيا وألمانيا، ثم عاد إلى دمشق. وفي سنة ١٩٢١ أصدرت السلطات الاستعمارية حكم الإعدام غيابياً على الشيخ محمد الخضر حسين إثر قيامه في ألمانيا بتحريض المغارية والتونسيين على الثورة ضد المستعمر.
وفي سنة ١٩٢٢ انتقل إلى مصر لاجئاً سياسياً، وتولى بجامعها الأزهر خطة التدريس، وأسس (رابطة تعاون جاليات إفريقيا الشمالية)؛ كما أسس (جبهة الدفاع عن إفريقيا الشمالية) التي قامت بدور فعال في توجيه نضال أبناء المغرب العربي. وأسس (١٩٢٨) جمعية الهداية الإسلامية، وتولى رئاستها، وإدارة مجلتها، والتحرير فيها. كما تولى رئاسة تحرير كثير من المجلات الدينية التي أصدرها الأزهر؛ مثل: مجلة "نور الإسلام"، ومجلة "لواء الإسلام". وفي سنة ١٩٥٢ أسندت إليه مشيخة الجامع الأزهر، وكان قبل تقليده ذلك المنصب أنشأ مجلة "الأزهر" تصدى فيها للدفاع عن الأزهر الشريف.
* أشهر كتبه:
"حياة اللغة العربية" تونس ١٩٠٩، "الحرية في الإسلام" تونس ١٩٠٩، "الدعوة إلى الإصلاح" تونس ١٩١٠، والقاهرة ١٩٢١، "الخيال في الشعر
стр. 6503
العربي" القاهرة ١٩٢٢، "الخطابة عند العرب" القاهرة ١٩٢٧، "العظمة" القاهرة ١٩٢٧، "علماء الإسلام في الأندلس" القاهرة ١٩٢٨، "القياس في اللغة العربية" القاهرة ١٩٣٤، "رسائل الإصلاح" في أجزاء، القاهرة ١٩٣٨، "محمد رسول الله وخاتم النبيين" القاهرة ١٩٣٨، "الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان" القاهرة ١٩٣٩، "بلاغة القرآن" القاهرة ١٩٤٤، "أسرار التنزيل" القاهرة ١٩٤٤، وديوان شعره "خواطر الحياة" القاهرة ١٩٤٦.
كان الشيخ الخضر يتمنى أن لا يموت حتى يرى وطنه حراً مستقلاً، وأدرك ما تمناه؛ حيث توفي سنة ١٩٥٨، ودفن في المقبرة التيمورية بالقاهرة.
стр. 6504
محمد الخضر بن حسين (١) مولده سنة ١٢٩٣ (١٨٧٦ هـ) وفاته ١٣٧٨ (١٩٥٨ م)
حسن حسني عبد الوهاب
نشأ في مدينة "نفطة" من بلاد الجريد التونسي في وسط ديني وعلمي، وانتقل والده إلى العاصمة، والتحق هو بجامع الزيتونة؛ حيث درس العلوم الإسلامية واللغوية، وتخرج بشهادة ذلك المعهد المبارك - سنة ١٣١٦ (١٨٩٨)، وأسس مجلة "السعادة العظمى" في مختلف المسائل الدينية والأدبية.
ثم إنه عيّن لمجلس القضاء الشرعي بمدينة "بنزرت"، وألقى عدة محاضرات اجتماعية مفيدة، وتولّى التدريس بالزيتونة، وفي عام ١٣٣٠ (١٩١٢) انتقلت عائلته إلى سكنى الشام، واتخذت مدينة دمشق مقراً ومسكناً، فعيّن مدرساً للغة والفلسفة الإسلامية، وفي أثناء الحرب العالمية الأولى اتهمته السلطات التركية بالمؤامرة ضد أمن الدولة، وفي محاكمته ظهرت براءته، وأُطلق سبيله (١٣٣٥ - ١٩١٧)، فمن شعره وهو في السجن يشتكي منعه من تدوين خواطره:
стр. 6505
غَلّ ذا الحبس يدي عن قلم ... كان لا يصحو عن الطرس فنامَا
هل يذود الغمض عن مُقلته ... أو يلاقي بعده الموت الزؤاما
أنا لولا همّة تحدو إلى ... خدمة الإسلام آثرت الحِماما
ليستِ الدنيا وما يقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما (١)
وعاد بعد حين إلى دمشق، ومنها تحوّل إلى مصر، وتقلب في عدة وظائف علمية، منها: تدريس البلاغة بالأزهر - عام ١٣٤٧ (١٩٢٨)، واشتغل بجمعية (الهداية الإسلامية)، وكان رئيس تحرير مجلتها. ولم يزل الشيخ ﵀ يتداول أعلى المراتب إلى أن تقلد في العهد الجمهوري وظيفة (مشيخة الجامع الأزهر)، وهي بمثابة مشيخة الإسلام في البلاد الأخرى.
وقد حصلت له بمصر شهرة واسعة، وإجلال كبير من أصدقائه وتلاميذه الوفيرين.
وكان ﵀ في كتاباته العلمية والأدبية غزير المادة، متين اللفظ، تغلب عليه الآراء الحكمية، والوصف الدقيق.
فمن شعره في معنى الحياة:
إن الحياة هي الأيام زاهرة ... ولا أرى الموت غير العيش في نكد
ولا يطيب الفتى عيشاً إذا نسجت ... في أرضه مزنة والناس في جَرَدِ
فإنما الشعب أفراد مؤلفة ... في هيئة الفرد ذو قلب وذو جَسَدِ
أما الفؤاد فأرباب السياسة إن ... هُمُ بخير فباقي الجسم في رَشَدِ
стр. 6506
وإن زكت أمة لانت قلادتُها ... بكفّ قائدها في السهل والسَّنَدِ
والعزّ في الدولة العظمى إذا بُنِيَتْ ... على أساس من الأحكام مطّردِ
تحمي حقوق بني الإنسان قاطبةً ... لا يعتلي أحد منهم على أحدِ
وله قصيد رائع في حيوية اللغة العربية، مطلعه:
بصري يسبح في وادي النظرْ ... يتقصّى أثراً بعد أثرْ
وسبيل الرشد ممهود لَمن ... يتجافى الغمض ما اسطاع السهر
إنما الكون سجلٌّ رُسمتْ ... فيه للأفكار آيٌ وعِبَر
ومنها:
لُغَة أودع في أصدافها ... من قوانين الهدى أبهى دُرَرْ
لُغة نهصر من أغصانها ... زهر آداب وأخلاق غُرَر
ضاق طوْق الحصر عن بسطتها ... ولآلي البحر ليستْ تنحصر
فاض من نهر مبانيها على ... فُصَحاء العُرب سيْلٌ منهمر
فسرت روح بيان في اللهى ... كخصيب الأرض يحييه المطر
وابنها المنطيق إن زُجَّ به ... في مجال القول جَلَّى وبهر
يسبك المعنى متى شاء على ... صيغ، شأن الغني المقتدر
ثم لا يعوزه السيرُ على ... وضعها في كل معنى مبتكر
فاسأل التاريخ يُنبيك بما ... أنجبت أرض قريْش ومُضر
من خطيب مصقع أو شاعر ... مفلقٍ يسحب أذيال الفَخَر
ضربت في كل شرب ينتحي ... من فنون الحسن بالسهم الأغر
стр. 6507
أرشفت من شنب الرقّة ما ... يذهل السامع عن نَغم الوَتَر
ومنها:
والكلام الجزل وضعاً واقع ... موقع السيف إذا السيف خطر
ضلَّ قوم سلكوا في حفظها ... سبباً أوهَن من حبل القصر
واحتست في نُطق بعضٍ أحرفًا ... من لُغَى أخرى فأضناها الخدر
بعض مَن لم يفقهوا أسرارها ... قذفوها بموات مستمر
نفروا عنها لِواذاً وإذا ... جفّ طبع المرء لم تُغِن النُّذُر
هكذا في نظر الأعشى استوى ... زهرُ روض وهشيم المحتظر
لغة قد عضد الدين لها ... ذمّة يكلؤها كل البشر
أوَلَمْ تنسج على منوالها ... كلم التنزيل في أرقى سُوَر؟
يا لَقومي لِوفاء إنَّ مَنْ ... نكث العهد أتى إحدى الكُبَرْ
فأقيموا الوجه في إحيائها ... وتلافوا عِقد ما كان انتثر
وله يرثي والدته:
قطّب الدهر فأبديت ابتساما ... وانتضى الخطب فما قلت سلاما
لستُ أدري أن في الأرزاء ما ... يرسل الدمع على الخدّ سجاما
لست أدري أن في كفّك - يا ... دهر - رُزْءاً يملأ الأفق ظلاما
لست أدري أنك القاذف في ... مهجتي ناراً ومُذكيها ضراما
فإذا العين ترى شاخصة ... كيف تلقى ربّة العزّ الحِماما
كيف توريها أكف في الثرى ... كيف تحثو فوقها الترب رُكاما
стр. 6508
أودعوها قعر لحدٍ ضربوا ... فوقه من لازب الطين خِتاما
يا سُقاة الطين بالماء خذوا ... عبَراتي إن في الجفن جماما
وضعوا إن شئتم من حدقي ... بل من القلب على القبر سِناما
ومنها:
إن جفتْ بالعتب أمٌّ فهي قد ... ضربتْ من خلق الحِلم لِثَاما
أفلا يبكي الفتى نازحةً ... سهرت من أجله الليل وناما
وانثنت ترشفه من أدب ... مُذْ لها من لَبَن الثدي فِطاما
كنتِ نوراً في حمانا مثلما ... نجتلي البدر إذا البدر تسامى
كنتِ لي دوحةَ أُنس أينما ... سرت أهدت نفحَ وردٍ وخُزامى
كان لي من قلبك الطاهر في ... كل يوم دعوة لا تترامى
كان لي منك إذا أشكو النوى ... كُتُبٌ تحمل عطفاً وسلاما
لهفَ قلبي بات لا يرجو لقا ... ءَكِ إلا أن يرى الطيف مناما
وهي طويلة تقتصر على ما أوردنا من عيونها.
стр. 6509
جمعية قدماء الصادقية تحيي ذكرى الشيخ محمد الخضر حسين العالم والمناضل
محمد بن رجب (١)
جانب كبير من الشباب التونسي، ويعض أهل الثقافة لا يعرفون أن الشيخ محمد الخضر حسين، من مواليد "نفطة" عام ١٨٧٣ تولى مشيخة الجامع الأزهر عام ١٩٥٢؛ أي: بعد أشهر قليلة من قيام الثورة المصرية التي قادها الضباط الأحرار.
وقد أمضى على وثيقة تعيينه في هذا المنصب العلمي الرفيع الرئيس محمد نجيب بنفسه، فقد كان يعرفه، ويكنّ له المحبة الخالصة، واستقبله في القصر الرئاسي أكثر من مرة قبل أن يقدم استقالته من الأزهر عام ١٩٥٤. وكان يومها قد تجاوز الثمانين، ولم يعد قادراً على تحمل أعباء العمادة العلمية.
هذا الرجل الذي أصبح أحد زعماء النهضة العربية والإسلامية منذ العشرينات، خرج من تونس بحرقة في القلب بعد أن أثبت جدارته، وأكد حضوره العلمي، فجلب له الأعداء والمتآمرين عوض أن يجلب إليه المساندين والمؤيدين.
стр. 6510
ولكنه رجل علم من خيرة ما أنجبت تونس، ولأنه درَّس في المعهد الصادقي في السنوات الأولى من هذا القرن الذي يستعد للرحيل، ولأنه ألقى أولى محاضراته الثقافية بهدف تحريك الهمم على منبر جمعية قدماء الصادقية، فإن هذه الجمعية التي ما زالت نشيطة، بل هي اليوم من أنشط الجمعيات الثقافية في تونس، مقرّة العزم على إقامة الذكرى الأربعين لوفاته.
وسيكون الموعد يوم الجمعة القادم ١٥ جانفي، وسيتولى الأستاذ محمود شمام الحديث عن الراحل محمد الخضر حسين لإبراز خصاله وفكره ونضالاته، كما يقوم الأستاذ البشير العريبي بالحديث عن شاعرية شيخ الأزهر من خلال شعره الغزير الذي كتبه في تونس أو في مصر، والذي صدر في ديوان عنوانه "خواطر الحياة" عام ١٩٤٦.
ستكون سهرة ثقافية طيبة فيها الذكر الحسن، وفيها اعتراف بما قدمه محمد الخضر للغة العربية طيلة ٦٥ سنة، كانت زاهرة بالعطاء العلمي من خلال التدريس والمحاضرات، فضلاً عن مؤلفاته الكثيرة.
وللإفادة نشير إلى بعض جوانب من حياة المحتفى بذكراه، مستعينين بكتاب "مشاهير التونسيين" للأستاذ محمد بوذينة، الذي عاد هو أيضاً في ترجمته لمحمد الخضر حسين إلى بعض المراجع، في مقدمتها كتاب لأبي القاسم محمد كرو عنوانه "أركان النهضة الأدبية في تونس".
شيخ الأزهر إذاً هو من مواليد "نفطة" بالجنوب الغربي التونسي يوم ٢٣ يوليو جويليه ١٨٧٣. وهناك تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، ثم التحق بجامع الزيتونة، وواصل دروسه إلى أن أصبح فقيهاً في الدين الإسلامي، ومختصاً في اللغة العربية وآدابها.
стр. 6511
وفي سنة ١٩٠٤ دخل إلى الساحة الفكرية من الباب الواسع؛ إذ أسس مجلة اختار لها اسم "السعادة العظمى"، كان لها الأثر الطيب على طلبة العلم وأهل المعرفة.
وبعد سنة واحدة تولى منصب القضاء في "بنزرت"، وباشر التدريس بجامعها الكبيرة حيث كان الخطيب الأول.
وفي عام ١٩٠٦ ألقى محاضرة على منبر نادي قدماء الصادقية بعنوان: (الحرية في الإسلام)، وهي المحاضرة العلنية الأولى في تونس عن الحرية لاستنهاض الفكر، وتحريك السواكن ضد المستعمر الفرنسي، وقد سجل بهذه المحاضرة أنه لن يكون من الصامتين، بل هو رجل وطني غيور، يحب بلاده، وهو على استعداد للتضحية.
ولأنه أحس بأن الساحة الفكرية والنضال الوطني يستدعي بقاءه في العاصمة، فإنه استقال من منصب القضاء ببنزرت، وانتمى إلى جامع الزيتونة لإلقاء دروس علمية متطوعاً.
وانتدبه المعهد الصادقي أستاذاً لتلاميذه عام ١٩٥٧، كما انتدبته الجمعية الخلدونية لإلقاء دروس الآداب والإنشاء على طلابها.
وفي سنة ١٩١٢ شارك في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى بجامع الزيتونة، فحرم من النجاح باطلاً حسب تأكيدات الكثير من العارفين بتلك الفترة، وبعضِ معاصريه.
ولقد فهم محمد الخضر حسين أن عملية محاربته ليست بسيطة، فحزّ ذلك في نفسه، واستفحل الإحساس بالقهر في أعماقه، فظلمُ الأقربين أشد على النفس من ظلم الآخرين، وخوفاً على مستقبله، هاجر إلى المشرق العربي،
стр. 6512
وحط رحاله في البداية بدمشق عام ١٩١٥، حيث عُيّن أستاذاً في المدرسة السلطانية، فاشتغل بها سنتين، ثم تحول إلى تركيا وألمانيا، ثم عاد إلى دمشق عام ١٩٢٠.
وفي تركيا وألمانيا كان يدعو إلى الثورة ضد الاستعمار الفرنسي، ولذلك فإن السلطات الاستعمارية أصدرت عليه حكم الإعدام عام ١٩٢١، فهرب إلى مصر لاجئاً سياسياً باعتبار أن فرنسا كانت تستعمر سورية أيضاً، واختياره لمصر يعود إلى أنها كانت تحت الهيمنة البريطانية.
وفي مصر انتمى إلى جامع الأزهر، وبدأ التدريس به عام ١٩٢٢، فلمع في الوسط العلمي والطلابي، وأسس رابطة تعاون جاليات أفريقية الشمالية، كما أسس جبهة الدفاع عن أفريقية الشمالية، التي قامت بدور فعال في توجيه نضال أبناء المغرب العربي.
وهذه التعليمات التأسيسية للجمعيات المغاربية تؤكد أن الرجل لم ينسَ تونس، فلم يخرج غاضباً عنها، إنما خرج غاضباً من فئة كانت تتحكم في التعيينات للطبقة الأولى بجامع الزيتونة، فلقد عمل ما في وسعه لخدمة النضال التونسي، وخدمة النضال المغاربي بصفة عامة.
ففي النصف الثاني من العشرينات إذاً لمع اسمه، وتعرف عليه جُلّ أهل المعرفة. وبدأت كتابته تكتسح البلاد العربية والإسلامية، فقد أسس عام ١٩٢٨ جمعية (الهداية الإسلامية) التي كانت تصدر مجلة تولى هو بنفسه رئاسة تحريرها، كما تولى رئاسة تحرير مجلات عديدة أخرى، آخرها مجلة "الأزهر" التي خصصها للدفاع عن جامع الأزهر .. وهذا الدفاع جعل منه رمزاً من رموز الجامع، ورمزًا من رموز المدافعين عن الإسلام بعيداً عن التعصب
стр. 6513
ودعاة الظلام والركون إلى الكهوف. ولذلك استحق أن يكون إمام الأزهر، وعميده، وشيخه الأكبر عام ١٩٥٢.
وقد توفي الراحل يوم ١٢ فيفري ١٩٥٨، ودفن في المقبرة التيمورية بالقاهرة. وقد ذكر محمد بوذينة أن محمد الخضر حسين كان يتمنى أن لا يموت إلا بعد أن تنعم تونس باستقلالها، وحقق الله أمنيته، إذ عاش سنتين في عهد الاستقلال، لكنه لم ينعم بالعودة.
وفي كلمة: كان الرجل مناضلاً ضد الاستعمار، وله رؤية شمولية للأمة العربية، ويؤمن بالمغرب العربي، ووطني صادق في دفاعه عن تونس وعن استقلالها.
وللعلم: فقد أصدر ثلاثة مؤلفات في تونس من سنة ١٩٠٩ إلى سنة ١٩١٠، وهي على التوالي: "حياة اللغة العربية"، و"الحرية في الإسلام"، و"الدعوة إلى الإصلاح"، وهذا الكتاب الأخير أعاد نشره في القاهرة عام ١٩٢١، وفي عام ١٩٢٢ أصدر كتاب "الخيال في الشعر العربي"، ثم عام ١٩٢٧ صدر له كتاب "الخطابة عند العرب"، وفي نفس السنة كتاب "العظمة"، وبعد سنة كان كتابه "علماء الإسلام في الأندلس".
وفي سنة ١٩٣٤ صدر كتابه الذي يحمل عنوان "القياس في اللغة العربية"، يليه كتاب "رسائل الإصلاح" في ثلاثة أجزاء عام ١٩٣٨.
وله كتب أخرى دينية، كلها تدعو للإصلاح من الوجهة السلفية، ولكنه كان يدعو أيضاً إلى الأخذ بالعلم والمعرفة، واستعمال العقل، كما أنه لم يكن حداثياً حسب رؤية طه حسين وبعض العائدين من الجامعة الفرنسية والإنكليزية، بل قاوم التجديد، وكتب ضد طه حسين من رؤية التجديد الديني، وإن كان
стр. 6514
يرغب في النهضة بالمجتمع من خلال محاربة الجمود والرفع من مستوى المرأة.
وفي الأخير: أريد أن أشير إلى أني قبل كتابة هذه الأسطر اتصلت بالأستاذ حمادي الساحلي، فحدثني عن الخضر حسين، وأبرز أهم الجوانب في شخصيته الدينية والنضالية، والإصلاحية السلفية، وذكر لي أن عدداً كبيراً من كبار الشخصيات التونسية درس على يديه في الصادقية، والخلدونية، فضلاً عن الزيتونة لما كان متطوعاً بالجامع، ومن بين تلاميذه المشاهير: الدكتور محمود الماطري، ومحمد بن الحسين الصحفي الذي كان تأثيره كبيراً على الساحة الثقافية والإعلامية التونسية لسنوات عديدة.
стр. 6515
فهارس مؤلفات الإمام محمد الخضر حسين (١)
* أسرار التنزيل:
تفسير سورة الفاتحة - تفسير آيات: من سورة البقرة، من سورة آل عمران، من سورة الأنفال، من سورة يونس، من سورة الحج، من سورة ص.
* بلاغة القرآن:
بلاغة القرآن - نقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية - رأي في تفسير القرآن - أمثال القرآن الكريم - المحكم والمتشابه في القرآن - اليمين في القرآن والحديث - الرقية والاقتباس والاستخارة والقرآن - إعجاز القرآن وبلاغته - ترجمة القرآن - حقيقة ضمير الغائب في القرآن - القرآن لا يقول إلا حقاً - الفن القصصي في القرآن - تحريف آيات الحدود عن مواضعها - كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد - كتاب يلحد في آيات الله - قصة أيوب ﵇ ونقض آراء حديثة في تفسيرها.