نبذة من تاريخ "نفطة "
- قسطلية - كتهوار - أقارسل نبت - زعفران وحمزة - فورشانة - فطناسة ودرجين - "نفطة".
اتفق المؤرخون العرب، وفي طليعتهم ابن الشبّاط التوزري (ترجمة م. أفلوري): بأن مؤسس مدينة "نفطة" كان قسطل بن نوح ﵇ بعد الطوفان، وإنما عرفت باسم مؤسسها. واعترف المؤرخون الغربيون بوجود علاقات سياسية واقتصادية في تلك العصور السحيقة بين أهل "نفطة" وإخوانهم الساميين أصحاب أعالي وادي النيل، ودلتا مصر، والصحراء الغربية، ومجانسة في اللغة والعادات (راجع: مجموع "مجلة قرطاجنة التونسية" سنة ١٨٩٠: الهجرة المصرية، وعام ١٨٩٥ و ١٨٩٩: هجرة الرعاة).
ثم قالوا: اختفت القسطلية بعد ثلاثة قرون من تأسيسها، وظهرت شمالها (في مكان زاوية الشيخ أحمد بن الحاج المصري سيدي حمد الآن الذي هاجر إلى "نفطة" سنة ٨١٥ هجرية) مدينة "كتهوار"، وأصحابها من النفتوهيم من أبناء كاسلوجين ابن مصراتم بن سام بن نوح ﵇، ومصراتم وكوش أخوان، والنفتوهيم أول شعب آمن بالشمس وقدسها، واتخذ لها معابد ومحاريب في التاريخ، وأول شعب عرف باسمها.
وكتب العلامة (دي أكلام) رسالة قيمة نشرها المؤتمر الجغرافي العالمي
стр. 6547
سنة ١٨٨٩ في أصول عبادات الوثنيين، حاول فيها إثبات اقتداء وتقليد الرومان للساميين، وأخذهم عبادة آلهة الأنهار والعيون عندهم، وتحريفهم اسم نفتوهيم السامي إله الشمس الأعظم والقوة والجمال ورمز الوجود والخير، ورب النيل الأكبر إلى نبتوم إله المياه.
وكان تأسيس "كتهوار"سنة ٢٣٠٠ قبل الميلاد، أسسها النفتوهيم الفارين من مصر لجوار إخوانهم بمدينة "القسطلية" اتقاء غزوة وسلطان الرعاة (الهيكسوس)، وأسسوا بلداناَ بأسماء مدائنهم المفقودة للذكرى والعبرة. و"كتهوار" من أشهر مدنهم التاريخية، وترجمها (دي أكلام) من اللغة المصرية (كتر): المبعدون، (هوار): مدينة هوار: المبعدون من مدينة هوار. و"نفطة" ماخوذة من فتاه: ظرف مكاني معناه: معبد، أو دار، وحرف علة أيضاً من الكلمة المصرية: ها ... كا .. فا .. ، فتكون "نفطة": دار، أو معبد الشمس.
وقربت (١) "كتهوار" بعد خمسة قرون من تأسيسها، وظهرت في مكانها مدينة "أقارسل نبت"، وهي التي أدركت الفتح الروماني، وذكرها (ابتولومي) سنة ١٤١، و (ينجور) ٣٩٣ ميلادية بحروف كبيرة، مما يدل على مكانتها، وهي التي ولد بها الفيلسوف الديني الايتوس) القبطي الشهيد الذي قتله الوندال، وكتب حياته ودرسها كل من (فيكتوردي فيت)، و (فيكتور دي تونان) في رسالتين، وإلى اليوم تحيي الكنيسة الكاثوليكية ذكره، واكتشف مكانها وضبطه الرحالة (دفوري) سنة ١٨٦١، وترجمها العلامة (تيسو) في الجزء الثاني من كتابه "جغرافية أفريقيا الشمالية" من اللغة المصرية القديمة إلى أقار
стр. 6548
سل - نبت. أقار ... لأبناء .. ر .. بين. س ... من. ر ... ل .. نفت .. نفتاه، ومعناه: الأشراف من بين أبناء النفتاه. وهي التي صالح أهلها عقبة ابن نافع سنة ٦٥، وقاوموا حسان بن النعمان، فخربها عقاباً، وهي التي ولد بها طارق بن زياد البربري مولى موسى بن نصير فاتح الأندلس، كما حقق المؤرخ (دي أكلام) عن كلامه عن أشهر أخبار وحوادث مدينة "نفطة" في التاريخ.
وبعد تخريبها، ظهرت بالقرب منها مدن "زعفران وحمزة" سنة ٧٠ هجرية، وخربت "زعفران" سنة ١٢٢ هجرية من عبد الله بن صفوان الكلبي بعد انتصاره على ثورة البربر الكبرى، ومشاركة أهلها للهوارة.
ثم ظهرت مدينة "فورشانة" غربي الواحة في مكان بساتين بلاق البهوب وابن عياش. وابن نور اليوم قرب زاوية أبي الحسن إسماعيل المعروف بسيدي حسن عياد، وهو حديث عهد عمر في أول القرن التاسع، وهي التي ولد بها ابن الزقاق صاحب "الافتراق الخامس في مذهب الوهبية" في قنطارة إحدى أرباضها، كما ذكر أبو زكرياء في "تاريخه"بترجمة المستشرق (أميل ماسكراي)، وهي التي عرفت بالكوفة الصغرى في الشرق العربي، وخرّب فلفول بن خزرون صاحب طرابلس مدينة (فورشانة) سنة ٣٨٧.
وظهرت مدينتا (فطناسة ودرجين)، الأولى في الواحة، وهي التي نزل بها أبو علي الحسن بن إبراهيم (سيدي أبو علي) سنة ٥٦٢، وكانت بين أهل المدينتين إحن وخلافات مذهبية، انتهت بقتل الشيخ أبي علي من يد إبراهيم النخيلي الدرجيني، وخراب "درجين " بواسطة حملة من أهل القيروان ونفزاوة بقيادة الشيخ يوسف الدهماني (المدفون قرب فسقية الأغالبة بالقيروان؛ كما
стр. 6549
أثبت .. في كتابه دليل الرحالة في القيروان وسبيطلة والجريد) وفرار أهلها لواحة "ورقلقه "سنة ٦٨٤، وخرب فطناسة الأمير أبو العباس بن أبي يحيى أبي بكر الحفصي سنة ٧٣٥ انتقاماً من دويلة بني الخلف.
ثم أسس أهل فطناسة مدينة عرفت بـ "نفطة" في مكان البلد الحالية الآن سنة ٦٣٣، خربها أبو محمد الحسن بن المسعود بن المولى أبي عمر الحفصي؛ لثورة أهلها، وامتناعهم من دفع الأتاوات؛ لمحالفته الإسبان سنة ١٥٣٤، ثم ظهرت مدينة "نفطقه"العامرة الموجودة من أرياض عشروات المدينة الأخيرة سنة ٥٣٥ - ٤٠ هـ.
وفي إمكان الباحث والمؤرخ كتابة مجلد ضخم به أحاديث مجد وتضحية وفخار لكل مدينة من المدائن المختلفة، تحت اسم وحيوية وخلود اسم "نفطة" والنفتوهيم بين القرون.
стр. 6550
والذكر للإنسان
بقلم الأستاذ الجليل
محمد الصالح المهيدي
إنها لسنة حسنة هاته التي شرعها الشبيبة النفطية، وهي اختيار الاسم الذي وضعته عَلماً على جمعيتها؛ اعترافاً بما لشخصية المسلم الصادق، والعلم الفرد، الكامل الإيمان: محمد الخضر حسين من الخدمات والمزايا التي قام بها في حياته الحافلة بجلائل الأعمال لفائدة العروبة والإسلام.
الخضر حسين الذي جاهد الباطل والمحسوبية، وكافح الجهل والأنانية، وتصدى لرد الباطل ودحضه أينما حل وارتحل، فكان موفقاً في عمله إلى أبعد حد.
ومن أجدرُ بتخليد ذكرى اسمه، وهو حي يرزق، من رجل هاجر وطنه في سبيل الله، يوم كانت عوامل الطغيان والظلم تتوافر في هذا الوطن، فانتقل إلى المشرق، وطاف في أرجائه باحثاً عن وكر جديد، عششت فيه الحرية، إلى أن ألفى ذلك في بلاد الكنانة، فاستقر فيها كوكباً نيراً، يضيء أرجاء العالم الإسلامي شرقيه وغربيه، عربيه وعجميه.
فأرشد بـ"نور الإسلام " السارين في ظلمات الجهال. وأنار بـ "الهداية الإسلامية" دجنة الغاوين المتمردين عن سبل الحق والرشاد، وحمل "لواء
стр. 6551
الإسلام " بيد قوية، وساعد متين إلى عنان السماء، فأفاد المسلمين والمؤمنين.
ولقد أصابت الشبيبة النفطية المرمى والمحز، فسجلت ذكرى حي يرزق؛ ليكون ذلك أدعى لشحذ القريحة، وحفز الهمة، وراحة الضمير، وذلك أدعى لنُجح العمل، نظير ما هو متوافر لدى الأمم الحية الناهضة التي تقدر أعمال بنيها البررة، فتخلد أسماءهم وذكرياتهم بما تقيمه من معالمهم ومنشآت.
وأين هذا مما اعتادته بعض الأوساط التونسية، التي لا تقدر العاملين من أبنائها متى كانوا بقيد الحياة، ولا تساعدهم على سلوك العمل الذي يرتضونه لفائدة وطنهم، حتى إذا ما أدركوا الموت، حزنوا وتحسروا، وإن وجد من أصدقائهم أوفياء، قاموا بمآتم الذكريات يحيونها، ثم يندمون على ما فرطوا في جانب النبغاء، ولات حين مندم!.
وإذا كانت الشبيبة قد خطر لها هذا الخاطر، أو لم يخطر حين فكرت في إنشاء جمعيتها الفتية، فإن المرجو منها، والمؤمل أن تكون عند حسن الظن بها، وأن تجعل من ذلك العالم العامل الجليل قدوة في مستقبل عملها؛ لتضيف إلى فخرها فخراً، ومجدها أمجاداً.
محمد الصالح المهيدي
стр. 6552
من حياة الشيخ الخضر بن الحسين
ولد الشيخ الخضر في "نفطة الجريد" يوم ٢٦ رجب سنة ١٢٩٣، ونشأ فيها، وترعرع في وسط علمي إلى أن انتقل والده إلى العاصمة التونسية سنة ١٣٠٦؛ حيث أتم تعليمه الابتدائي، والتحق بالزيتونة، وتخرج منها بشهادة التطويع سنة ١٣١٦، ومن أكابر أساتذته: الشيخ عمر بن الشيخ، والأستاذ محمد النجار، والشيخ سالم بوحاجب.
وفي سنة ١٣١٧ عزم على الرحلة إلى المشرق، ليدرس حالته العلمية والاجتماعية، إلا أنه لم يتم رحلته، إذ اضطر للرجوع من طرابلس الغرب، وبقي بالزيتونة يفيد ويسفيد. وفي سنة ١٣٢١ أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، فكانت من أحسن المجلات في ذلك العصر، تتبارى فيها أقلام الكتاب الزيتونيين في مختلف المسائل الدينية والأدبية، وقد لاقى في سبيلها ما يلاقيه كل مصلح من (المحافظين).
وفي سنة ١٣٢٣ تقلد منصب القضاء ببنزرت، كما عهد له بالخطابة والتدريس في جامعها الكبير، ولم يكن التوظف بالمقيد له عن القيام بواجباته الاجتماعية، من ذلك محاضرته (الحرية في الإسلام) التي ألقاها بنادي (جمعية قدماء الصادقية)، وكان لها تأثير كبير، ونشرت، فنقلتها الصحف، ولما أحس أن الحكومة تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع، وتقتل روحه المتأججة؛
стр. 6553
ليكون على ما عودت به سائر موظفيها من السكون والاستسلام في ظل مرتب، أبى عليه حزمه أن يكون ذلك المستضعف المغبون، فقدم تسليمه من وظيفته، ورحل للعاصمة متطوعاً بالقاء دروس بالكلية الزيتونية، وعندها عينته نظارة الجامع لتنظيم خزائن الكتب.
وفي سنة ١٣٢٥ تولى وظيفة التدريس بالجامع بصفة رسمية، وفي سنة ١٣٢٦ عين مدرساً بالصادقية، وانتخبته الخلدونية لإلقاء محاضرات في الإنشاء، فقام بهاته الوظائف أحسن قيام، وكان لا يفتر عن إتحاف الشعب ببنات أفكاره؛ كمحاضراته: (حياة اللغة العربية).
ولما قامت الحرب الطرابلسية، كان من أعظم الدعاة لإعانة المجاهدين في سبيل استقلالهم، وقام برحلة إلى الجزائر، زار فيها كر مدنها، وكان يلقي المحاضرات أينما حل، ويلاقي التعظيم والتبجيل.
وفي سنة ١٣٣٠ انتقلت عائلته إلى الشام، ونزلت دمشق، فالتحق بها ماراً بمصر، ثم سافر إلى الاَستانة، ودرس حالتها العلمية والاجتماعية، ورجع إلى تونس ١٣٣٠ في ذي الحجة، ونشر رحلته على بعض الجرائد التونسية، ورجع لما كان عليه، وأول محاضرة ألقاها بعد رجوعه: (مدارك الشريعة الإسلامية)، وعينته الحكومة التونسية في لجنة تبحث عن التاريخ التونسي، إلا أنه في شعبان من هذه السنة، عزم على مفارقة مسقط رأسه بتاتاً، والهجرة إلى الشرق.
سافر إلى الشرق بعد أن ودع أصدقاءه في الجزائر، حيث ركب من "عنابة"، فلما نزل بمصر، تعرف بكثير من دعاة الرابطة العربية، مثل: رفيق بك العظيم صاحب "أشهر مشاهير الإسلام"، والشيخ رشيد رضا صاحب
стр. 6554
"المنار"، ثم سافر إلى الشام، فقوبل من طرف عظمائه بالترحاب، ونوّهت الجرائد هناك بمسامراته.
وعزم على زيارة الإمبراطورية العثمانية، فنزل جنوباً حتى المدينة المنورة، وصعد شمالاً حتى الآستانة، ومن هناك تعين مدرساً للغة العربية والفلسفة بالمدرسة (السلطانية) بدمشق، وكان مثابراً على إلقاء المسامرات، ونشر المقالات الإصلاحية في الجرائد، واهتم بوجه خاص بالمشكلة العربية التركية، محاولاً تجديد روابط الألفة بين السلطنة العظمى، والأغلبية من رعاياها.
ولما أعلنت الحرب العالمية الأولى، وتولى جمال باشا حكم المقاطعة السورية، كاد أن يكون أحد ضحايا الصرامة التي استعملها القائد مع كل من ينتمي إلى النهضة العربية؛ حيث ألقى عليه القبض بدعوى اطلاعه على حركة المتآمرين دون أن يحاول تنبيه السلطة من الأخطار، فاعتقله ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، وظهرت براءته لما قدم للمحاكمة، فأطلق سبيله في ربيع الثاني سنة ١٣٣٥، ورجع إلى التدريس بالمدرسة العثمانية، ثم نظم مسامرات علمية ودينية عالية لبعض طلبته المنتهين.
واستمر على ذلك إلى أن استدعاه المركز سنة ١٣٣٦ منشئاً حربياً بالوزارة، كما عينته المشيخة الإسلامية واعظاً بجامع (الفاتح)، فبقي في وظائفه إلى سنة ١٣٣٧ التي فيها ارتباكات الآستانة، فرجع إلى دمشق، وما كاد يصلها، حتى عين عضواً بالمجمع العلمي العربي، ومدرساً بالمدرسة العثمانية، والمدرسة السلطانية، إلا أنه عزم على الذهاب إلى مصر محورِ النهضة العربية، فلم يباشر وظائفه تلك، فقصدها، وهناك في بلاد النيل ولي التصحيح بدار الكتب
стр. 6555
العربية، ثم صرح له جلالة ملك مصر في دخول الشهادة العالمية التي ما كاد يحرز عليها، حتى انتدب للتدريس بقسم التخصيص. وفي سنة ١٣٤٧ أضيف لدرس البلاغة الذي كان يلقيه لطالبي التخصص درسان آخران، أحدهما: في الوعظ والإرشاد، والثاني: في التاريخ. ومع ذلك لا ينقطع عن إلقاء المسامرات العلمية، والاجتماعات المؤيدة بروح الدين.
وعمل في كثير من الجمعيات مثل: جمعية (الشبان المسلمين)، وأسس (الهداية الإسلامية)، كما تولى رئاسة تحرير كثير من المجلات والصحف؛ مثل: مجلة "الهداية الإسلامي"، والمجلة الكبرى "لواء الإسلام"، و"نور الإسلام". ونشر عدة كتب قيمة في العلم والأدب مثل: كتاب "نقض الشعر الجاهلي"، و"حياة اللغة العربية"، وديوانه الشعري.
وهو الآن رئيس (جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا)، وركن من أركان النهضة العربية الحديثة في الشرق العربي الذين تفتخر بهم العروبة والإسلام.
هكذا كانت حياة الشيخ جهاداً وكفاحاً مستمراً في سبيل إعلاء كلمة الإسلام والوطن العربي، -أطالها الله-.
стр. 6556
مَوسُوعَةُ
الأَعْمَالِ الكَامِلَةِ
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
(٢٨)
«الإِمَامِ مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين بِأقْلاَمِ نُخْبَةٍ مِنْ أهْلِ الفِكْرِ»
للإِمَامِ
مُحَمَّدٍ الخَضِرِ حُسَين
شَيخ الجَامِع الأزهَر وَعَلَّامَة بِلَادِ المَغْرِبِ
المولود بتونس سنة ١٢٩٣ هـ والمتوفى بالقاهرة سنة ١٣٧٧ هـ - رحمه الله تعالى -
اعتنى به ابْنُ أخِيهِ
المحامي علي الرّضا الحسيني
دَارُ النَّوادِرِ
стр. 6557
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة
الطَّبْعَةُ الأُولَى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
ردمك: ٦ - ٤٩ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
دَار النَّوَادِر
سورية - لبنان - الكويت
مُؤسَّسَة دَار النَّوَادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِر الكُوَيتيةِ - ذ. م. م - الكُويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - حولي - ص. ب: ٣٢٠٤٦ - هاتف: ٢٢٦٣٠٢٢٣ - فاكس: ٢٢٦٣٠٢٢٧ (٠٠٩٦٥)
أسَّسَهَا سَنَة: ٢٠٠٦ م
نُوْرُ الدِّين طَالِبْ
المُدِير العَام وَالرَّئيس التَّنفِيذِي
стр. 6558
الإمام محمّد الخضر حسين
هذا الإمام (محمَّدُ الخِضْرُ) الذي ... هزَّ السيوفَ وسدَّد الأقلاما
فهو الفتى والكهلُ والشيخُ فسلْ ... عنه المنابرَ واسألِ الأياما
في كلِّ ميدانٍ أتاه مجلِّياً ... رفعَ الأذانَ وحطَّم الأصناما
ابن (الحسينِ) وابنُ سيدةِ النسا ... مَنْ أرضعتْه لبانَها إسلاما
نسبٌ إلى شرف النبوة ينتمي ... أكرمْ به نسباً زكا إلهاما
دع أصله وصفاتِه وانظرْ إلى ... أمجاده تروي لك الإقداما
علي الرّضا الحسيني
стр. 6559
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة الكتاب
اطلعت من خلال الأعمال التي قمت بها منذ أكثر من عشرين عاماً، والتي تهدف إلى جمع وضبط وتحقيق آثار الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- على مجموعة قيمة من المقالات والدراسات والكتب التي تناولت سيرته من جميع نواحيها: الذاتية، والعلمية، في الصحف اليومية، والمجلات الأسبوعية والشهرية، أو المطبوعات المستقلة برسالة أو كتاب، موجزة في البعض، ومفصلة في البعض الآخر.
وبعد أن أكرمنا الله ﷻ بفضله وعونه، وتم جمع كل الآثار الفكرية للإمام، وطبعت ونشرت في كتب ورسائل تزيد عن ثلاثين مطبوعة، فقد اتجهت إلى بحوث السيرة، وانتقيت منها عدداً تكون طوع الغرض الذي أرمي إليه، وأهدف من مرماه غاية نبيلة تتجلى في التسهيل على الباحث والدارس وطالب العلم في معرفة حياة وآثار الإمام، ووضعت بين يديه مختارات تكون له العضد والسند في اختصار الوقت وبذل الجهد.
عشرات الأقلام أفاضت في سيرة الإمام، منها: قلم الكاتب، وقلم العالم، وقلم الأديب، والمحقق، والصحفي، وطالب العلم، ورسائل جامعية عدة من مختلف الأقطار، وبإشراف أساتذة الجامعات -وأغلب أولئك الأساتيذ ممن أخذوا العلم عنه، أو تلاقت أفكارهم مع فكره المنير الحكيم- كُتبت ونشُرت بين الناس.
стр. 6560
وهذا الكتاب "الإمام محمد الخضر حسين بأقلام نخبة من أهل الفكر" هو واحد من تلك الصحف المشرقة.
انتخبت محتوى الكتاب، وقدمته عقداً يزين تاريخ الأعلام ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ونخبت من الأقلام نخبة تناولت سيرة الإمام في مقال أو رسالة، وراعيت في الانتقاء:
أ - انفراد البحث المنتقى بموضوع لم يتطرق إليه الآخر.
ب - اختيار الكتّاب من أقطار عدة: من تونس، ودمشق، والقاهرة، والجزائر.
جـ - التسلسل التاريخي في نشر البحث وصدوره.
د - الإشارة إلى المرجع والمصدر لكل بحث في الهامش من صفحته الأولى.
يلاحظ القارئ التشابه والتكرار بين كل الدراسات من جهة السيرة الذاتية للإمام؛ كالولادة، وتواريخ التعلم والتعليم، والتنقل والمهام والأعمال التي قام بها، منذ قدومه المبارك إلى الحياة الدنيا في مدينة "نفطة" في الجنوب التونسي، إلى يوم انتقاله -رضوان الله عليه- إلى رحاب الله في "القاهرة".
ولكن القارئ سيجد بشيء من الروية والتدقيق أن كل بحث له ميزة عن الآخر، وأن الميزات كلها تعطي الصورة الأوضح لحياة الإمام ونتاجه العلمي. ومن تمام الفائدة المتوخاة في هذه المقدمة: أن نوجز بالتعليق على المنتخبات للتعريف بها.
* "محمد الخضر بن الحسين":
أول ترجمة عن حياة الإمام طلعت على الناس، تلك التي نشرت في
стр. 6561
مجلة "البدر" التونسية للكاتب والأديب والصحفي التونسي زين العابدين السنوسي. وقد قدم الترجمة بقوله:
"يظهر أن تونس لا زالت قاصرة عن كفالة عظمائها والنابغين من أبنائها، أو أن بها مرضاً -ونظنه سياسياً أكثر منه اجتماعياً- يجعلها غير المناخ الصالح لهؤلاء، فلا يكاد يشب أحدهم ويظهر، حتى يسلم وجهه شطر الشرق حيث النسيم يهب حراً مباحاً، فيجد مجال العمل والنبوغ مفتحاً بين يديه، ليس عليه إلا أن يكون عربياً مخلصاً عاملاً لأجل العرب ونفع العموم، فتستفيد منه حكومات هاتيك البلاد وشعوبها، بينما نحن نندب ثكل تونسنا، ونصمها بالعقم، منذ أنجبت أمثال الشيخ إبراهيم الرياحي، والمشير أحمد باي، والمصلح الخطير خير الدين، وأمثال هؤلاء النبغاء التونسيين الذين خلدوا لنا تاريخاً ماجداً.
واليوم وقد عثرنا على مذكرات مهمة عن حياة أحد أولئك النابغين التونسيين في هذا العصر الذين اضطرهم نبوغهم إلى تحمل آلام الاغتراب -ألا وهو الأستاذ الشيخ الخضر بن الحسين- فرأينا أن نثبتها فيما يلي خدمة للتاريخ".
وبعد المقدمة، أورد الكاتب ترجمة الإمام منذ الولادة، وحتى دخوله القاهرة.
هذه الترجمة بنصها الكامل مع تحوير بسيط في بعض الكلمات حذفاً أو زيادة أو تنقيحاً. صدرت ضمن كتاب "الأدب التونسي في القرن الرابع عشر" للأستاذ السنوسي، وقد اعتمدنا النص الوارد في الكتاب.
ومما أراه من مميزات هذه الترجمة: أنها الأولى في بابها، والأساس
стр. 6562
الأقوى التي قامت عليه التراجم اللاحقة. وأخذ أكثر الباحثين عنها، فهي من المراجع الهامة التي يعتد بها.
* "الاحتفال بعودة الإمام من سورية":
أقامت جمعية "الهداية الإسلامية" التي كان يرأسها الإمام محمد الخضر حسين في القاهرة حفلًا إسلامياً بمناسبة عودته من زيارة إلى دمشق عام (١٣٥٦ هـ ١٩٣٧ م)، وكانت كلمة الأستاذ محمود حافظ أحد أعضاء الجمعية في ذاك المنتدى الفكري من أهم الكلمات التي تحدثت عن حياة الإمام.
* "شيخ الأزهر محكوم عليه بالإعدام":
عنوان مثير، يخطف الأبصار، فتتهافت الأيدي لالتقاف المجلة، وقراءة التحقيق بمزيد من الرغبة والفضول. وهو أسلوب رجال الصحافة في انتخاب العناوين التي تملأ الآذان طنيناً ورنيناً.
وقلم الأستاذ الصحفي أحمد لطفي حسونة من الأقلام المهتمة بالقضايا الإِسلامية، فقد صحب الإمام في مرحلة مشيخة الأزهر، ونقل أخباره وأعماله.
وهذا البحث في حياة الإمام، بل التحقيق الصحفي لصحة التسمية، لا يعرف كاتبه تفاصيل سيرته، وإنما كان يتردد على مشيخة الأزهر ليلتقط عن النشاط الإِسلامي خبراً للصحيفة، أو يتبعه إلى المسجد ليصلي وراء الإمام، فأخذ منه معلومات صاغها في هذا التحقيقال في يمكن الاعتماد عليه، والوثوق به؛ لصدوره عن الإمام بالذات.
يقول الأستاذ حسونة: "ويروي الأستاذ الأكبر قصة إفلاته من أيدي الفرنسيين، فيقول،. .". . . "ويقول الشيخ في تواضع وطيبة. . . "، وهذا بحث له ميزته؛ لأن جلّه من حديث الإمام.
стр. 6563
ولا بد من الإشارة إلى سهو وقع فيه الأستاذ حسونة عندما قال: "ولم يرزقه الله أولاداً. . . "، والصحيح أن له ابنة من زوجته الأولى في تونس.
* "معلوماتي الخاصة عن شيخي علامة العصر - الأستاذ محمد الخضر بن الحسين":
كتب شيخ الصحافة التونسية الأستاذ الطيب بن عيسى حلقات في ترجمة الإمام، ضمنها معلوماته الخاصة عن شيخه علامة العصر كما أشار إلى ذلك في العنوان.
نشرت في صحيفة "الأسبوع" التونسية، وهي ترجمة وافية وجامعة.
وقد أعاد الكاتب نشرها بالنص الكامل في صحيفة "المشير" التونسية عنود انتقال الإمام إلى الرفيق الأعلى تحت عنوان "في ذمة الله -العلامة محمد الخضر بن الحسين- بقلم تلميذه الطيب بن عيسى". وليس في الطبعة المكررة سوى زيادة في المقدمة التي قال فيها الكاتب: "نعت قاهرة مصر الأستاذ الكبير، والعالم المديني الشهير، شيخي محمد الخضر بن الحسين، فكان للخبر وقع عظيم لدى الأوساط العلمية الراقية؛ لما له من المكانة في قلوب عارفي فضله وعلمه، لا سيما تلاميذه بتونس وسورية ومصر، ولمعلوماتي الخاصة عن تاريخ حياة هذا الرجل العظيم الذي لعب أدواراً سامية في عصره المحفوف بالمشاكل الدينية والسياسية، فسأنشر نبذاً تاريخية عن حياته العامرة بالأعمال الجسام تباعاً، وابتداءً من هذا العدد؛ إذ خسارتنا في فقده لا تعوض".
وقد اخترنا النص المدون في صحيفة "الأسبوع"، وهي الأسبق تاريخاً.
* "شيخ الأزهر السابق السيد محمد الخضر حسين":
يقول الأستاذ محب الدين الخطيب في مطلع البحث: "وسأتحدث في
стр. 6564
هذه الصفحات إلى إخواني من شباب المسلمين وكهولهم وشيوخهم عن مراحل حياة هذا الرجل المؤمن بالإِسلام، كما راقبتها فيه، أو علمتها منه، من سشة ١٣٣٠ إلى أن اختاره الله إليه".
وخير الأنباء ما يأتيك بها خبير صادق، والأستاذ الخطيب قضى برفقة الإمام ما يقارب من سبعة وثلاثين عاماً، فهو من الرجال القلائل الذين صحبوه هذه الفترة الطويلة، وأخلصوا له الود، واستمعوا إلى أحاديثه المطولة.
ويمكن أن نعتبر التواريخ والوقائع التي أوردها الأستاذ الخطيب عن حياة الإمام هي الأصدق والأقرب إلى الحقيقة؛ لأنه كما يقول: "راقبتها فيه، أو علمتها منه".
* "المرحوم الشيخ محمد الخضر حسين":
أقام مجمع اللغة العربية بالقاهرة حفل تأبين الإمام، وقد ألقى فضيلة الشيخ محمد علي النجار الأستاذ في كلية اللغة العربية بالأزهر كلمة تناول فيها حياته، وأعماله الجليلة، وآثاره الخالدة، وألقيت في جلسة المجلس العلنية في ٣١/ ٣/ ١٩٥٨ الدورة الرابعة والعشرون.
* "الشيخ الخضر":
للأستاذ أحمد حمزة الوزير السابق، وصاحب مجلة "لواء الإِسلام" الصادرة في القاهرة اعتقاد كبير بالإمام وصلاحه، وعلمه وتقواه. لذا نراه يقول في كلمته: "ومذ اتجهنا إلى إنشاء مجلة "لواء الإِسلام" نتقدم بها محتسبين النية خدمة لهذا الدين الحنيف، وبياناً لحقائقه، لم نجد علماً يحمل اللواء سوى الشيخ الخضر حسين".
والأستاذ حمزة عندما يتحدث عن الإمام، فهو حديث عارف به، مرافق
стр. 6565
له في رحلته وجهاده في "لواء الإِسلام" لنصرة الإِسلام.
* "تونس تفقد عبقرياً من أبنائها بمصر":
مقالة للأديب والصحفي الأستاذ علي الجندوبي في جريدة "النداء" التونسية، والمقال على إيجازه، فهو عرض سريع ومكثف لحياة الإمام وأعماله.
* "محمد الخضر حسين - شيخ الأزهر السابق":
الأديب والكاتب التونسي الأستاذ أبو القاسم محمد كرّو، كان السّبَّاق في وضع دراسة مستفيضة عن الإمام أصدرها في كتاب مستقل. وهو من المهتمين بأعلام تونس، وله فيهم دراسات قيمة. وهذا البحث تقدم نشره على خمس حلقات في الملحق الثقافي لجريدة "العمل"، التونسية ثم أعاد نشره في سلسلة "أعلامنا".
بذل الأستاذ (كرو) جهداً في إعطاء ترجمة مسلسلة التاريخ، منسقة العرض، بديعة الأسلوب لحياة وأعمال الإمام محمد الخضر حسين، وكأني أحس من خلال قراءة الترجمة أن أديب تونس يوفي واجباً وطنياً ودينياً بذمته، ويحاول أن يزيح من سماء تونس غيوماً داكنة، نشرها جاهل ومغرور وأحمق فترة طويلة من الزمن، فأطبقت بكلكلها على تاريخ البلد والثقافة، فتصدى الأستاذ (كرو) للعاصفة الهوجاء، فأزاح عن تونس حجب الظلام، وأبان أنه في تونس "رجال أفذاذ في شتى ميادين الكفاح والنضال، وفي جميع نواحي الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية. فمنذ فجر يقظتها، وهي تلد الأفذاذ والعباقرة، كما تلد الأبطال والنبغاء في كل الميادين".
ثم يصفع أديب تونس ذاك الجاهل والمغرور والأحمق صفعته، فيقول:
стр. 6566
"وها أنا أختار واحداً من أولئك الأفذاذ النبغاء، الذين أنجبتهم هذه التربة الولود، رجل جمع إلى الذكاء والجد والحصافة والنبوغ، صفاتِ الشهامة والبطولة والإخلاص الوطني".
وقد حييته بأبيات من ديواني "تونسيات" إثر إهدائه كتابه "محمد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق"، فقلت:
يا (أبا القاسم) يا أوفى أخٍ ... فاض آداباً وأرسى الخُلقا
لك كفٌّ أبدعت في قلمٍ ... سطَّر الفصحى وأحيا الرمقا
قد أضاء الدرب من إشعاعه ... فإذا الإشعاع طال الأفقا
خفقت ألوية الفكر له ... فغدت تونس تحكي المشرقا
* محمد الخضر حسين -عالم فذ، ومجاهد من الرعيل الأول":
من كتاب "من الفكر والقلب" للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي اخترنا هذا المقال.
وفضيلة الدكتور البوطي أحدُ الذين تلقوا العلم عن الإمام في الأزهر، وهو في مقاله هذا يضرب المثل السامي على وفاء المتعلم للمعلم، ويؤكد على رابطة الشرف والطهارة بين التلميذ وأستاذه.
إن زيارة الدكتور البوطي للإمام في داره في أيامه الأخيرة، صفة من صفات العالم الفاضل الذي يذكر أهل الفضل، ولا ينسى أساتيذه الذين كانوا هداة طريقه، ومنارات حياته.
وعندما قرأت ما كتبه في آخر المقال: "ولا أزال أذكر يوم عدته في السنة الماضية في بيته في القاهرة، رأيته جالساً على مقعد إلى جانب مكتبه، وقد ذوى
стр. 6567
منه الشكل، وذابت معظم ملامح وجهه، وامتزجت - من الضعف - الكلمات بعضها في بعض على شفتيه، ورأيت -رغم هذا- قلماً يرتجف في يده. . . ".
عندما قرأت هذه الكلمات، قلت: إن العلماء الأبرار يلاقون ربهم بذكر الله، وأقلام الحق قائمة في أيديهم.
* "محمد الخضر حسين - عالم مجاهد":
نشرت مجلة "الأزهر" في القاهرة بحثاً قيماً للكاتب الإِسلامي الدكتور محمد رجب بيومي. وقد عالج فيه الباحث أموراً شتى من حياة الإمام، وخص كتابيه: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي"، و"نقض كتاب الإِسلام وأصول الحكم" بعرض جيد، يستحق أن يحفظ في الكتاب. ولهذه الميزة في البحث ضممناه إلى المجموعة المختارة.
ولا بد من الإشارة إلى السهو الوارد في المقال عن مكان مولد الإمام، فقد ذكر الكاتب أنه ولد بقرية من قرى الجزائر، والصحيح أنه ولد في "نفطة" بالقطر التونسي.
* "محمد الخضر حسين ذلك الجندي المجهول":
بحث له أهميته؛ نظراً للرابطة المتينة بين الإمام، والكاتب الشيخ عبد القادر سلامة. وعندما يتحدث التلميذ عن أستاذه بوقار واحترام، مع طول العهد، وبُعد الدار والمزار، فإن حديثه ينبع من فكر وقلب مؤمنين، فكر أحاط بالمعرفة، وتلقى العلم الصافي من معلم صافي السريرة. وقلب غمره الإيمان الممزوج بحب الشيخ لشيوخه.
ولعل أهم ميزة اختص بها البحث: تناوله لأخلاق الإمام التي لمسها
стр. 6568
منه بنفسه "كان خلقه قبساً من شمائل النبوة، ومشكاة من هدي القرآن"، والتي تتجلى في:
- محبته لتونس الوطن الأم، وزيارته وحفاوته لكل تونسي يمر بالقاهرة، فيسأل عن أحوال تونس صغيرها وكبيرها.
- حفاظه على المودة والإخاء، وجمع العاملين لتحرير المغرب.
- مجلسه مجلس علم وحلم ودين ووقار.
- اهتمامه بشؤون جميع المسلمين، وسعيه لجمعهم على العمل لطاعة الله وطاعة رسوله.
ومن أجمل ما جاء في المقال: كلمات معبرة صادقة للشيخ سلامة إذ يقول: "وقد ترى أن النوابغ في المغرب، تشرق من المغرب، وتغرب بالمشرق".
* "مع العلامة محمد الخضر حسين في جهاده":
الأستاذ سعدي أبو حبيب جمع في قلمه خصائص لا تجدها إلا عند النادر من أصحاب الأقلام.
قلمه لا يكتب إلا ما يؤمن به حقاً، وإن الكلمات التي يخطها جديرة أن تسطر على الكاغد. فهو قلم مؤمن صادق.
وقلمه طيِّع في يد أديب، يجعل قراءة البحث المكتوب متعة أدبية للقارئ.
وقلمه قلم باحث يكتب عن روية وتمحيص، ويضع الكلمة في موضعها اللائق، ويعرض الأفكار عقداً مترابطاً.
وقلم المؤمن الصادق، وقلم الأديب البارع، وقلم الباحث المحقق،
стр. 6569
كلها التقت في قلمه لتصوغ هذا البحث الممتع.
* "محمد الخضر حسين - تونس ٦٧ عاماً الاحتلال الفرنساوي":
من سلسلة الكتاب الشهري لصحيفة "الحرية" بتونس: الكتاب الرابع تقديم وتحقيق الأستاذ كمال العريف. والمحققُ من الصحفيين والأدباء أصحاب الهمم السامية، والغيورين على تاريخ تونس، وقد أخذنا مقدمة الكتاب؛ لما تحويه من معلومات هامة.
* "أعلام الجزائر - الشيخ الإمام محمد الخضر حسين":
الأستاذ محمد الأخضر عبد القادر السائحي من الأدباء والصحفيين الجزائريين، أتى في جزء من دراسته على تلخيص لكتاب الأستاذ محمد مواعدة "محمد الخضر حسين- حياته وآثاره".
أوردتُ المقالات والبحوث دون أي تعليق، رغم أن في بعضها من الفقرات ما يحتاج إلى رد، وإذا شئنا تهذيب اللفظ، فنقول: إن هناك أفكاراً وآراء تحتاج إلى مناقشة، وهي بالشكل المرسومة فيه، إذا عبرت عن نظرات أصحابها، فلا يعني هذا رضاءنا عنها، ولكل مجتهد نصيب فيما اجتهد به.
لذا ندع التعليقات والإيضاحات إلى كتاب آخر -إن شاء الله تعالى-.
وكنت قد خطَّطت أن أجمع كل ما قيل في الإمام محمد الخضر حسين -رضوان الله عليه- على أقلام العلماء والأدباء، ورجال الصحافة والسياسة، فوجدت أن الطريق سيطول، وأن هذه المرحلة في هذا الكتاب كافية الآن. وعسى أن نحقق الأمل مع الأيام القادمة.
إن الإمام محمد الخضر حسين لم يكن تونسياً أو جزائرياً، أو سورياً
стр. 6570
أو مصرياً، إن المكان لا يعني شيئاً بالنسبة له، فقد كان فوق النظريات الإقليمية، والدعوات الفاسدة. كان مسلماً حقاً، ومؤمنًا حقاً، وعالم الإِسلام هو عالمه الذي عاش فيه ومن أجله.
وأروي في خاتمة المقدمة أبياتاً من شعر الإمام في ديوانه "خواطر الحية" يقول فيها:
تسائلني هل في صحابك شاعر؟ ... إذا متُّ قال الشعر وهو حزين
فقلت لها: لا همَّ لي بعد موتتي ... سوى أن أرى أخراي كيف تكون
وإن أحظ بالرحمى فمالي من هوى ... سواها وأهواء النفوس شجون
وإن شئت تأبيني فدعوة ساجد ... لها بين أحناء الضلوع حنين
وما كتابنا هذا كيل مديح للإمام، والمديح والاطراء لا يقدم أو يؤخر عند ربه، ومرمانا أن ينهج سيرته مجاهد مؤمن، فيدعو للإمام في سجوده دعوة صالحة. فيكون هذا الكتاب دعوة ساجد لله يبثها من حنين يملأ أحناء الضلوع أن يجعله مع الصديقين والشهداء والأبرار والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
والحمد لله رب العالمين
علي الرّضا الحسيني
ربيع الأول ١٤١٣ هـ / أيلول ١٩٢٢ م
стр. 6571
محمد الخضر بن الحسين
بقلم زين العابدين السنوسي (١)
"الأديب والصحفي والمؤرخ التونسي، ولد بسيدي بوسعيد من ضاحية تونس الشمالية عام ١٣١٨ هـ - ١٩٠١ م. وتوفي عام ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٥ م.
مؤلفاته عديدة أهمها: الأدب التونسي في القرن الرابع عشر".
* نشأته:
ولد مترجمنا يوم ٢٦ رجب ١٢٩٣ هـ، بمدينة "نفطة" عاصمة الجريد التونسي، فنشأ في ظلال النخيل، وزقزقة (البوحبيبي) ذلك العصفور المتحبب الظريف، والمؤانس اللطيف، يرتل صلواته كل صباح على النوافذ وفوق الستائر، وقد يأنس فيقتحم سجف الفراش؛ حيث يقف على الوسائد نفسها، يقلب وجهه في النائمين، ويحييهم بأغنيته الرقيقة المبهجة، فيملي على الصغير من سيرة آبائه الثقات البررة ما يعلمه الصدق والدعة والأنس.
نشأ هناك على سلامة الطوية والصدق، وترعرع على مبادئ الورع، وفي وسط علمي، إلى أن انتقل والده إلى العاصمة التونسية سنة ١٣٠٦؛ حيث أتم تعليمه الابتدائي، والتحق في العام الموالي بالكلية الزيتونية، يدرس الدين
стр. 6572
واللغة إلى أن تخرج سنة ١٣١٦ بشهادة المعهد (التطوع) على أنه لم ينقطع عن حضور حلقات أكابر الأساتذة، مثل: الشيخ عمر بن الشيخ، والأستاذ محمد النجار، اللذين كانا يقرآن التفسير، والشيخ سالم بوحاجب في درسه "صحيح البخاري".
* قبل مهاجرته:
إلا أنه لم يكد يستقر على حاله هذا، ويرى تشابه يومه بأمسه، حتى عاف تلك الحياة المتماثلة، فعزم على الرحلة إلى الشرق؛ ليدرس حالته العلمية، ويعرف أحواله الاجتماعية. فسافر سنة ١٣١٧، إلا أنه لم يتم رحلته هاته، إذ اضطر للرجوع من طرابلس الغرب بعد أن أقام بها أياماً.
وهكذا رجع الأستاذ للمعهد الزيتوني الذي تخرج منه، يفيد ويستفيد إلى سنة ١٣٢١، حيث أنشأ مجلة "السعادة العظمى"، فكانت من أحسن مجلات عصرها العلمية، والمسرح الحر الذي تبارت فيه أقلام الكتاب الزيتونيين في مختلف المسائل الدينية والأدبية. وقد لقي صاحب هاته المجلة الإصلاحية ما يلاقيه كل مصلح من المحافظين، حتى قال له الشيخ سالم بوحاجب في أحد الأيام: "لا يهمك ما تلاقيه في سبيل ما أنت آخذ به، ولتكن لك بنبيك أسوة، إذ قال له ورقة بن نوفل: لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي".
وفي سنة ١٣٢٣ تقلد منصب القضاء بمدينة "بنزرت"، كما عهد له بالخطابة والتدريس بجامعها الكبير. على أن التوظف لم يكن بالمقيد له عن القيام بواجباته الاجتماعية -خلاف متوظفي الحكومة التونسية في العهد الأخير-، فلقد تعود الشعب أن لا يرى من المتوظف إلا مظاهر حكومية بحتة، بما يستعمله
стр. 6573
الرؤساء من الضغط على المتوظف التونسي، فكل حركة يأتيها يرعد لها الرؤساء، حتى المشاركة في الجمعيات الأدبية، ولا غرو، فإن الجمعيات الأدبية إنما تقصد تعضيد اللغة العربية لا الفرنسية، الأمر الذي يعتقد أولئك الرؤساء أنهم لم يأتوا من وراء البحار لتأييده. نذكر من ذلك محاضرته "الحرية في الإِسلام" التي ألقاها بنادي (جمعية قدماء الصادقية)، فلقد كان لها تأثير كبير، وحضرها الطبقة العالمة والمفكرة، وحتى بعض المستعربين من الأجانب، ونُشرت فتناقلتها الصحف.
هذا، ولما كان الرجل حراً بطبيعته، وقد أحس بأن الحكومة -إذاك- تحاول أن تطفئ منه ذلك النور المشع، وتقتل روحاً نشيطة لا زالت متأججة بين جنبيه، ليكون على ما عودت به سائر موظفيها من السكون والاستسلام في ظل مرتب يأتي بانتظام، ويذهب بمثله.
لما أحس بذلك، أبى عليه حزمه أن يكون ذلك المستضعف المغبون، فقدم تسليمه، وأكده بإرادة قوية، حتى لما رأت عزمه، قبلته منه، فرجع للعاصمة متطوعاً بإلقاء دروسه المعتادة في الكلية الزيتونية، وعندها عينته نظارة الجامع لتنظيم خزائن الكتب. وفي سنة ١٣٢٥ شارك مشاركة عملية في تأسيس جمعية زيتونية، وفي مدتها تولى وظيفة التدريس بالكلية بصفة رسمية، وفي سنة ١٣٢٦ عين مدرساً بثانوية الصادقية، وانتخبته هيئة إدارة الخلدونية لإلقاء محاضرات في الإنشاء على تلامذتها، فقام بهاته الوظائف أحسن قيام، وكان لا يفتر عن إتحاف الشعب ببنات أفكاره بين الفترة والأخرى، كمحاضرته "حياة اللغة العربية".
ولما قامت الحرب الطرابلسية الإيطالية، كان من أعظم الدعاة لإعانة
стр. 6574
المجاهدين في سبيل استقلالهم، والهلال الأحمر نفوذاً، وقد نشر بجريدة "الزهرة" الغراء قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
ردوا على مجدنا الذكر الذي ذهبا ... يكفي مضاجعنا نوم دها حقبا
ثم رحل إلى بلاد الجزائر، فزار قواعدها وأكثر مدنها، وكان يلقي المحاضرات العلمية أينما ارتحل ليلاً ونهاراً، وكان يلاقي التعظيم والتبجيل أينما حل، ثم رجع لتونس مستمراً على إلقاء دروسه في الكلية الزيتونية، والنشر في الجرائد من علميات وأدبيات.
وفي سنة ١٣٣٠ انتقلت عائلته إلى الشام، ونزلت دمشق، فالتحق بهم صاحب الترجمة ماراً بمصر، ثم سافر إلى الآستانة، فدخلها يوم إعلان حرب البلقان، فزار أهم مكاتبها، واختلط بأهلها، فدرس من حالتهم الاجتماعية والعمومية ما مكنه من نشر رحلة مفيدة على صفحات بعض الجرائد التونسية بمجرد رجوعه، وذلك في ذي الحجة سنة ١٣٣٠؛ حيث رجع لما كان عليه. وأول محاضرة اجتماعية ألقاها بعد رجوعه كانت في "مدارك الشريعة الإِسلامية وسياستها". وقد شاءت الحكومة التونسية أن تتعرف بعض الحقائق عن تاريخ تونس، فعينته في اللجنة المكلفة بذلك، فعمل فيها، إلا أنه في شعبان من هذه السنة عزم بتاتاً على مفارقة مسقط رأسه، والمهاجرة إلى حيث يهب النسيم من الشرق وإلى الشرق حراً.
* في المهجر:
سافر الأستاذ التونسي إلى الشرق، بعد أن ودّع أصدقاءه في الجزائر، حيث ركب من مدينة عنابة، فلما نزل مصر، تعرف بكثير من دعاة الرابطة العربية مثل: رفيق بك العظم صاحب "أشهر مشاهير الإِسلام"، والشيخ رشيد
стр. 6575
رضا صاحب "مجلة المنار".
ثم سافر الأستاذ إلى الشام، فقابله عظماؤها بالترحاب، ونوهت الجرائد العربية هناك بمسامراته العلمية والأخلاقية. إلا أنه لم يقر له قرار حتى عزم على زيارة الإمبراطورية العثمانية، فنزل جنوباً حتى المدينة المنورة، ثم صعد شمالاً حتى الآستانة، فزار منها ما لم يزره في سياحته الأولى، ومن هناك تعين مدرسا للغة العربية والفلسفة بالمدرسة السلطانية بمدينة دمشق، فقام بوظيفته أحسن قيام، وكان مثابرًا على إلقاء المسامرات العلمية في المساجد الكبرى، ونشر المقالات الإصلاحية في الجرائد السيارة، وقد اهتم بوجه خاص بالمشكلة العربية التركية، محاولاً تجديد روابط الألفة، مهما أحس بتوترها بين مركز السلطنة، والأغلبية العظمى من رعاياها.
فلما أعلنت الحرب العالمية، وتولى جمال باشا حكم المقاطعة السورية، كاد أن يكون الأستاذ أحد ضحايا الصرامة التي استعملها القائد مع كل من ينتمي إلى النهضة العربية؛ حيث ألقي عليه القبض بدعوى اطلاعه على حركة المتآمرين، دون أن يحاول تنبيه السلطة لما يدبر لها من الأخطار، فاعتقلته ستة أشهر وأربعة عشر يوماً، ثم قدمته للمحاكمة، فظهرت براءته، فاعتذرت له، وأطلقت سبيله يوم الأربعاء من شهر ربيع الثاني ١٣٣٥.
فمن شعره في حبسه يوم حيل بينه وبين أدوات الكتابة:
غلّ ذا الحبس يدي عن قلمٍ ... كان لا يصحو عن الطرس فناما
هل يذوذ الغمض عن مقلته ... أو يلاقي بعده الموتَ الزؤاما
أنا لولا همةٌ تحدو إلى ... خدمة الإِسلام آثرتُ الحِماما
ليست الدنيا وما يُقسم من ... زهرها إلا سراباً أو جَهاما
стр. 6576
وقال في محاورة بعض الأدباء الذين كانت المجالس العسكرية تلقي عليهم القبض بين الفترة والأخرى مدة الحرب وولاية جمال باشا الحكم في القطر السوري:
رأى صاحبي في الحبس أن الحياة في الـ ... ـحضارة أرقى ما يتم به الأنسُ
فقلت له: فضلُ البداوة راجحٌ ... ويكفيك أن البدو ليس به حبسُ
قلت: إن الأستاذ أطلق سراحه سنة ١٣٣٥، فرجع إلى التدريس بالمدرسة العثمانية، ثم نظم مسامرات علمية ودينية عالية، يلقيها على بعض طلبته المنتهين، واستمر على ذلك إلى أن استدعاه المركز سنة ١٣٣٦ منشئاً عربياً بالوزارة الحربية، فلعب دوراً مهماً في ترويج سياسة الحكومة، كما عينته المشيخة الإِسلامية واعظاً بجامع الفاتح، فبقي في وظائفه إلى سنة ١٣٣٧ التي جاءت فيها ارتباكات الآستانة، فبارحها الأستاذ عائداً إلى دمشق. فمن أدبياته في الموضوع قوله:
أنا كأس الكريم والأرض نادٍ ... والمطايا تطوف بي كالسقاة
ربَّ كأس هوت إلى الأرض صدعاً ... بين كف تديرها واللهاة
فاسمحي يا حياة بي لبخيل ... جفنُ ساقيه طافحٌ بالسبات
وقال
كأني دينار ودمشق راحة ... تعودت الإنفاقَ طول حياتها
فكم سمحت بي للنوى عقبَ النوى ... ولم أقض حق الإنس بين سراتها
وما كاد يصل دمشق عاصمة الأمويين، حتى عين عضواً بالمجمع العلمي العربي، ومدرساً بكل من المدرسة العثمانية والمدرسة العسكرية والمدرسة
стр. 6577
السلطانية، إلا أنه عزم على الذهاب إلى محور النهضة العربية اليوم، فلم يباشر وظائفه تلك، وقصد مصر بلاد الفراعنة، حيث يعرف الشعب قيمة الحرية والاستقلال، ومكانة اللغة من تكوّن الشعب ومستقبله.
وهناك في بلاد النيل، ولي التصحيح بدار الكتب المصرية، ثم صرح له جلالة ملك مصر في دخول شهادة العالمية، التي ما كاد يحرزها حتى انتدب للتدريس بقسم التخصص.
ثم في سنة ١٣٤٧ هـ أضيف لدرس البلاغة الذي كان يلقيه لطالبي التخصص درسان آخران، أحدهما في الوعظ والإرشاد، والثاني في التاريخ، وهو مع ذلك لا ينقطع عن إلقاء المسامرات العلمية والاجتماعية المؤيدة بروح الدين، ومع ذلك فهو العضو النشيط في جمعيتي (الشبان المسلمين) و (الهداية الإِسلامية)، ولهاته الأخيرة مجلة يتولى رئاسة تحريرها.
* أدبه:
يذهب الأستاذ في أدبه مذهب الحقيقة والواقع، فأدبه غني بالحكمة، وغني بالوصف الدقيق، والبعيدِ عن كل شعوذة وكل خيال.
ولا غرو، فإن كثرة تنقلات الأستاذ، ووفرة محصوله العقلي، وسعة معلوماته واختباراته، لكفيلة بأن تغريه بذلك المذهب الذي لا تغويه عن العظة والفائدة غاوية، وهو على بينة من حقيقتها تلك، فيصفها:
أقول فلا أرتاد غير خصيب ... وأنظم لكن لا أطيل نسيبي
أجدّ وإن رام النديم دعابة ... فلم ترَ غيرَ الجد عينُ رقيبي
* ديباجته:
ومع أن تعلم الأستاذ كان زيتونياً بحتاً (نسبة لجامع الزيتونة)، ومع أن
стр. 6578
نشأته كانت بين طبقة تحصر العلم بين شدقي الفقه ومحسنات البديع الذي كان في نظرهم الأدب كله، فقد منع الأستاذ بأدبه من تقعراتهم، وأسلس بيانه سائغاً سهلاً.
стр. 6579
الاحتفال بعودة الإمام محمد الخضر حسين من سورية (١)
بقلم محمود حافظ
"أقامت جمعية "الهداية الإِسلامية" بالقاهرة حفلة تكريم للإمام بمناسبة عودته من سورية، وذلك مساء الجمعة ١٦ شعبان ١٣٥٦ الموافق ٢٢ أكتوبر تشرين الأول ١٩٣٧. وتحدث عدد كبير من العلماء والأدباء عن فضله وعلمه وجهاده.
وقد ألقى فضيلة الأستاذ محمود حافظ أحد أعضاء الجمعية كلمة في المناسبة".
سادتي!
لئن حق علينا أن نكرم بعض الرجال، فأَولى هؤلاء بالتكريم هم العاملون المخلصون الذين يكرسون حياتهم في خدمة العلم والدين وإعلاء شأنه، ويبذلون الثمين والغالي في تثبيت قوائمه، وتدعيم أركانه.
وما المحتفل به في هذه الليلة إلا أحد هؤلاء الرجال الأبطال، الذين كان لهم من ماضيه المجيد، وله من حاضره السعيد، خير شاهد على تضحيته وجهاده، وأنصع دليل على خدماته الجليلة في شتى النواحي، ومختلف الميادين.
نشأ المحتفى به في تونس، ودأب على الدرس والبحث والاستقصاء
стр. 6580
حتى أحرز شهادة العالمية، وأقبل على التدريس في جامع الزيتونة متطوعاً، وأصدر مجلة "السعادة العظمى"، وكانت حافلة بالفوائد ومباحث الإصلاح، إلى أن رأت الحكومة في ذلك الوقت الانتفاع بمواهبه في القضاء، فعين قاضياً شرعياً في مدينة "بنزرت"، ولما كان فضيلته من ذوي النفوس التي تريد الدأب على البحث وطلب المزيد من العلم، لم يرض أن يحصر نفسه في ذلك المحيط الضيق، والدائرة المحدودة، فاستقال من منصب القضاء طائعاً مختاراً، وعاد إلى الحاضرة، فعين أستاذاً في جامع الزيتونة، ومدرساً بالمدرسة الصادقية، وهي لأكبر مدرسة للحكومة في تلك البلاد، وانتخبته الحكومة عضواً في لجنة تنظيم كتب المكتبة الصادقية، والمكتبة الزيتونية، وعضواً بلجنة وضع التاريخ التونسي العام، وعضواً بمجلس النظر في شؤون المدارس، وأصبح التونسيون مجمعين على الاعتراف بفضله وخدماته، ويحملون له أطيب الذكريات.
وألقى في (نادي جمعية قدماء الصادقية)، و (المدرسة الخلدونية) محاضرات طبع منها: "الحرية في الإِسلام"، و"حياة اللغة العربية"، و"مدارك الشريعة الإِسلامية وسياستها"، وطبعت له في تونس رسالة "الدعوة إلى الإصلاح".
ثم شدّ رحاله إلى بلاد الشام، فاستقبلت فيه عالماً جليلاً، وباحثاً مدققاً، رأت أن تنتفع بعلمه وعرفانه، فعين أستاذاً لآداب اللغة العربية بالمدرسة السلطانية بدمشق.
انظر ماذا يقول أحد أعضاء المجمع العلمي في دمشق (١) عن فضيلة المحتفى به:
стр. 6581
"أستاذنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين، علم من أعلام الإِسلام، هاجر إلى دمشق في عهد علامتي الشام: الشيخ البيطار، والشيخ القاسمي، فاغتبطا بلقائه، واغتبط بلقائهما، وكنا نلقاه ونزوره معهما، فأحكمت بيننا روابط الصحبة والألفة والود من ذلك العهد، ولما توفي شيخنا القاسمي سنة ١٣٣٢ هـ، لم نجد نحن -معشر تلاميذه- من نقرأ عليه أحبَّ إلينا ولا آثرَ عندنا من الأستاذ الخضر؛ لما هو متصف به من الرسوخ في العلم، والتواضع في الخلق، والبر بالإخوان- إلى أن قال:
وأخذنا في ذلك الحين نقتطف ثمار العلوم والآداب من تلكم الروضة الأُنُف، ونرتشف كؤوس الأخلاق من سلسبيل الهدى والتقوى، ولم يكن طلاب المدارس العالية في دمشق بأقل رغبة في دروسه، وإجلالًا لمقامه، وإعجابًا بأخلاقه من إخوانهم طلاب العلوم الشرعية، بل كانوا كلهم مغتبطين في هذه المحبة والصحبة، مجتمعين حول هذا البدر المنير".
واستمر كذلك في بلاد الشام يخدم الدين وأبناءه، وينشر العلم ولواءه، حتى إذا نشبت الحرب العالمية العظمى سنة ١٩١٤، ودارت رحاها، اتصل بالمرحوم أنور باشا وزير الحربية، ورحل إلى ألمانيا، وقضى بها نحو تسعة أشهر، تعلم في خلالها اللغة الألمانية، وانتهز هذه الفرصة، فدرس الشيء الكثير عن حالة المجتمع في "برلين" في ذلك الوقت، وعن عادات الناس وأخلاقهم هناك، وعنّ له في تلك الآونة أن يدرس علوم الكيمياء والطبيعة، فدأب على درسها بالألمانية على يد البرفسور (هاردر) أحد العلماء الألمان المستشرقين.
ثم عاد إلى دمشق، حتى إذا قاربت الحرب أن تضع أوزارها، نزح إلى
стр. 6582
إسطنبول، وعين محرراً بالقلم العربي في إدارة الأمور الشرقية، واستمر ينشر العلم ويرفع راياته، إلى أن قارب عقد الهدنة، فاضطر إلى الرحيل إلى ألمانيا مرة أخرى، فمكث بها نحو سبعة أشهر، عاد خلالها إلى درس الحالة الاجتماعية الألمانية، ولما انتهت الحرب، وانقشعت سحبها المظلمة، انتقل فضيلته إلى إسطنبول، وعاد إلى الشام في عهد الدولة العربية، وعين مدرساً للعلوم الدينية بالمدرسة التجهيزية، وقبل أن يباشر وظيفته انقلبت الحالة السياسية العامة في ذي القعدة سنة ١٣٣٨ هـ، فنزح إلى مصر التي شاء الله أن تضم بين جنبيها عَلَماً من أعلام الدين، وقُطباً من أقطابه العاملين، فاستطاب العيش تحت سمائها، واستمرأ الحياة بين ظَهْرانَي أهلها، ولمَّا يمض عام على وصوله حتى عُيِّن مُصحِّحاً بدار الكتب المصرية، فلم تشغله وظيفته عن الاطلاع، ومواصلة البحث والتحقيق.
حتى أقبل عام ١٣٤٤ هـ فظهر كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، فعكف فضيلة الأستاذ الخضر على تأليف كتابه المشهور الذي يرد فيه على كتاب "الإِسلام وأصول الحكم"، ويقوض كل ما جاء فيه من دعاوى باطلة، ويَدْحَض كل شُبهه بسَعَة علمه، وقوة حجته، وما هي إلا أشهر حتى ظهر الكتاب، وتلقاه رجال العلم على اختلاف طبقاتهم بالاستحسان، أحق فيه الحق، وأزهَق الباطل، إن الباطل كان زهوقاً.
وما أقبل ربيع سنة ١٣٤٥ هـ حتى ظهر كتاب "في الشعر الجاهلي"، فاستقبله الناس بعاصفة هائلة من السخط والإنكار على هذه الطائفة التي جعلت نُصْب عينيها -في ذلك الوقت- النَّيْل من هداية الإِسلام، والغضَّ من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام. فانبرى لهم فضيلة الأستاذ، وألف كتابه
стр. 6583
الغنيَّ عن التعريف، نقضَ فيه كلَّ ما حوى كتاب "في الشعر الجاهلي"، وحلله تحليلاً علمياً نزيهاً، ردَّ فيه ما انتحله إلى أهله، وعاد به إلى أصله، وأبان عن مواطن ضعفه، ودحض أباطيلَه بالأدلة الواضحة. وفي أثر ذلك باشر فضيلته التدريس بالأزهر الشريف.
وما حل رجب سنة ١٣٤٦ هـ حتى لمس طلاب العلم بالجامعة الأزهرية والمعاهد الدينية: أن مصر فقيرة في جمعياتها الإِسلامية: لم يكن في ذلك الوقت سوى (جمعية مكارم الأخلاق) و (جمعية الشبان المسلمين)، وأنَّ تأخر المسلمين في أغلب شؤونهم الحيوية، ونزولَهم من مكان عزتهم، إلى ما هم عليه اليوم من ضعف وانحلال، وتفكك في الوحدة، لا علة له سوى نكث أيديهم من تعاليم دينهم الحنيف، وانصرافهم عن هدايته السامية، فدعوا إلى تأليف جمعية تضع نُصْبَ عينيها بيان حقائق الإِسلام، وبث آدابه العالية، وتمد نظرها إلى أحوال الاجتماع، ومقتضيات المدنية؛ لتعرف مواقع الصلاح والفساد، وليمكنها أن تساهم في نهضة الأمة الأدبية والاجتماعية، كما تعمل على رقي اللغة العربية، وإحياء آدابها، وقد وجدوا في ذلك الوقت من إقبال إخوانهم ما شد عزمهم، فألّفوا جمعية (الهداية الإِسلامية) وانتخب الأعضاء فضيلة الأستاذ السيد محمد الخضر حسين رئيساً لها.
وسارت الجمعية على بركة الله بقدم ثابتة، ونفس مطمئنة، نحو الرقي والتقدم، ولا يفوتني أن أذكر الجهود الجبارة التي كان يبذلها سعادة المغفور له أحمد تيمور باشا في تدعيم أركانها، وتثبيت قوائمها، فقد نالت الجمعية من عطفه وعنايته ما يجعلها حتى اليوم تُشيد بذكره وفضله. وستظل أعماله الجيدة، وخدماته الجليلة ماثلة في العقول والأذهان، لا يمحوها مر السنين، ولا كرُّ الأعوام -طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه-.
стр. 6584
بدأت الجمعية في تحقيق رسالتها، يشد أَزْرها فضيلُة رئيسها، ويغذيها بعلمه واطلاعه، يتعهدها كما يتعهد الزارع الحَبَّ بالسقي والإرواء، حتى نمت وترعرعت، وشبّت وزكت، بين عناية الله ورعايته، وتدلَّت أُولى قُطوفها، فأصدرت مجلتها الشهرية في جمادى الأولى سنة ١٣٤٧ هـ حافلة بشتى الموضوعات الدينية والأخلاقية، والعلمية والأدبية، يقوم برئاسة تحريرها فضيلة رئيس الجمعية، فازدادت المجلة رَواجاً في داخل القطر وخارجه، ولما رأت وزارة المعارف أنها خيرُ عون لطلاب العلم، قررت الاشتراكَ فيها لمدارسها.
ودَأَبت الجمعية في العمل على تحقيق رسالتها، فأخذ رجالها ينشرون نور العلم والعرفان. بجانب رئيسها الذي يضحي بوقته الغالي وراحته في سبيل النهوض بالجمعية، ورفع مستواها، فأخذت تقوم بالمحاضرات والمناظرات المختلفة بوساطة نُخبة من العلماء ومشاهير المحاضرين، أذكر منهم: سعادة جاد المولى، والدكتور عبد العزيز نظمي بك، كما حاضرها في السنين الماضية المغفور له فضيلة الشيخ بخيت، والشيخ يوسف الدجوي، وسعادة زكي باشا، وغيرهم كثيرون.
وسارت الجمعية قُدُماً، وانتقلت من حَسن إلى أحسن، حتى أصبحت -بحمد الله- في مقدمة الجمعيات الإِسلامية التي ذاعت دعوتها، وعُرف جهادها في مصر والأقطار الشقيقة بفضل رئيسها المخلص، ورجالها الأبرار.
وجعلت الجمعية نُصب عينيها غرضاً سامياً، وهو السعيُ لتعارف الشعوب الإِسلامية، وتأكيد رابطة الإخاء والائتلاف بينها، فكلما وفد إلى مصر عالم، أو كبير من كبراء المسلمين، سارعت الجمعية إلى إقامة الحفلات ترحيبًا وتكريمًا، فيتم بذلك التعارف والائتلاف، وتتبادل الأفكار والمنافع،
стр. 6585
كما حدث في العام الماضي، يوم كرمت الجمعية الزعيمَ الأندونيسي الدكتور سوتومو، وزعيم المسلمين في الصين الشيخ عبد الرحيم ماسونتين، كما حرصت الجمعية على تكريم البعثات العلمية المختلفة الموقَّرة من شتى الأقطار الإسلامية.
وكلما حانت المناسبة، وسنحت الفرصة، شاطرت الجمعية الشعوب الشقيقة -كفلسطين وغيرها- مِحْنتها، وظروفها العصيبة، باحتجاجاتها الصارخة لدى أولي الأمر حتى يُنصَف المظلوم، ويعود الحق إلى نصابه.
ولا ننسى للجمعية جهادها العنيف، وحملاتها المتواصلة، يوم حاولت شِرْذمة فاسقة من المبشرين المضلِّلين أن تحيك الشِّباك للدين، وتنصب الشراك للإسلام والمسلمين ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].
وأختم كلمتي بأن الجمعية بفضل رئيسها ورجالها العاملين، مع ما قامت به من جهود في سبيل تحقيق رسالتها وأغراضها، وبفضل ما تجده من مؤازرة أعضائها وأصدقائها أمثال: سعادة عبد العزيز محمد باشا وزير الأوقاف السابق، الذي يعطف على الجمعية كثيراً، ويغمرها بخيره ومعونته، بفضل هؤلاء جميعاً أصبح الأمل بمستقبل زاهر، وحياةٍ أحفلَ من ذي قبل بجلائل الأعمال، يمر طيفه بالجمعية، ويجول بخاطرها، وهي جِدُّ موقنة -بإذن الله- أن سيتحقق رجاؤها وأملها، فتعمل على تنفيذ مشاريع جديدة أخرى؛ كإنشاء مدارس لتعليم الفقراء، وإصدار مجلة أسبوعية.
أسأل الله أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والفلاح.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.